الجزء 1 · صفحة 5
تسلية الاعمى
عن
بلية العمى
تأليف العلامة
المَلا عَلَي القَاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الجودِ والعَلاء على ما أَوْلانا من النَّعْمَاء، في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، والصَّلاة والسَّلامُ على نورِ عين الأنبياء والأصفياء، وعلى آله وأصحابه سُرح الاقتداء والاهتداء.
أما بعد:
فيقولُ أضعفُ عبيد ربِّه القوي الباري، علي بن سلطان محمد الهروي القارِي، عامله الله بلطفه الخفي، وكرَمِه الوفي:
إنَّ الله سبحانه عزّ شأنه، وجَلَّ برهانه، جعل البلاء ثمرة الولاء لأهل الاصطفاء، ولهذا ورَدَ: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثلُ»؛ أي: الأفضل فالأفضل من الأولياء، «يُبتلى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِه»؛ أي: قَدْرِ قَوَّةِ يقينه، فإن كان في دِينِه صُلْباً اشتدَّ بلاؤه، وإنْ كان في دِينِهِ رِئَةٌ ابْتُلِيَ عَلى قَدْرِ دينه، فما يَبْرَحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». رواه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص وروى البخاري في تاريخه»، عن أزواج النبي: أَشدُّ النَّاس بلاء فيالدنيا نبي أو صفي.
وفي رواية للحاكم وغيره عن أبي سعيد: «ولأحَدُهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء».
ورَوَى أحمد وغيره، عن رجل من بني سليم مرفوعاً: «إِنَّ اللهَ تعالى يَبْتَلِي العبدَ فيما أعطاه، فإن رضي بما قَسَمَ اللهُ له بُورك له ووسَّعَه، وإِنْ لم يرضَ لم يُبارِك له، ولمْ يُزَدْ على ما كُتِبَ له».
وفي الحديثِ القُدسي، والكلامِ الأُنسي: «مَن لم يَرْضَ بقضائي، ولم يَصْبِرُ على بلائي، ولم يَشْكُرْ على نَعْمائي، فليلتَمِسْ رَبَّاً سِوائي
الجزء 1 · صفحة 7
ورَوَى الإمام أبو حنيفة، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعي، عن الأسود، عن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ: «إِنَّ الله تعالى يَكتب للإنسانِ الدَّرجةَ العُليا الجنَّةِ ولا يَكونُ له من العمل ما يبلغها، فلا يَزالُ يَبْتَلِيهِ حتى يَبْلُغَها».
وقد وَرَدَ عنه: (إِنَّ الله تعالى لَيَبْتَلي المؤمن، وما يبتليه إلا لكرامته عليه».
ثم الابتلاء قد يكونُ بالسَّرَّاءِ، وقد يكونُ بالضَّرَّاءِ؛ كما قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: (35)]؛ أي: امتحاناً في محنة ومنحةٍ.
وغالباً يكونُ بالضَّرَّاءِ؛ كما يُشير إليه قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ إلى أن قال: {وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ} الآية [البقرة: (155)].
ومن جملة نقص الأنفُسِ: فَقْدُ النَّظَرِ عن البَصرِ؛ فإنَّه من أنفَس الأعضاء، وأشرف الأجزاء، فيكون الابتلاء به من أشد أنواع البلاء، والصبر عليه من أعظم أصنافِ النَّعْماءِ، كما ابتلي به بعض الأنبياء والأصفياء؛ منهم - أي: من الأنبياء يعقوب، وشعيب عليهما السلام. ومنهم - أي: من الأصفياء: عبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن أم مكتوم، وطائفة من الصحابة الكرام.
ومنهم جماعة من العلماء العِظَامِ، والمشايخ الكرام، يطول بذكرهم الكلام، وفي هذا تسلية عظيمة لمن فاته هذا المَرَامُ، وقد ورد عنه عليه أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلام، أحاديثُ تَدلُّ على عظمة هذا المَقامِ.
(1) - منها: حديث: «إِنَّ الله تعالى أَوْحَى إِليَّ: أَنَّ مَن سَلَبْتُ كَرِيمَتَيهِ، أَثَبْتُه عليهما الجنَّةَ». رواه البيهقي عن عائشة.
(2) - ومنها: قال الله تعالى: «إذا ابْتَلَيْتُ عبدِي بحبيبتيه يُريدُ عينيه ثم صَبَرَ، عوّضتُه منهما الجنَّةَ». رواه أحمد والبخاري عن أنس.
الجزء 1 · صفحة 8
(3) - ومنها: «قال الله تعالى: إذا سَلَبْتُ من عبدِي كريمتيه، وهو بهما ضَنِين»؛ أي: بخيل، «لم أَرْضَ له بهما ثواباً دون الجنَّةِ، إذا حَمِدَني عليهما». رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية» عن العرباض.
(4) ـ ومنها: «قال الله تعالى: إذا وجَّهْتُ إلى عبد من عبيدي مصيبةٌ في بَدَنِه، أو في ولده، أو في ماله، فاستقبله بصبر جميل، اسْتَحْيَيْتُ يومَ القيامةِ أَنْ أَنصِبَ له ميزاناً، أو أنشر له ديواناً». رواه الحكيم الترمذي، عن أنس (2).
ه ـ ومنها: «ليس الأعْمَى مَن عَمِيَ بَصَرُه؛ الأعمى مَن عَمِيتْ بصِيرتُه». رواه البيهقي في الشُّعبِ والحكيم الترمذي من حديث عبدِ اللهِ بنِ جَرَادٍ). ويشهد له قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (3) [الحج: (46)].
ولابنِ عباس رضي الله عنهما:
قلب المُحِبِّ بِنُورِ اللهِ معمور وغيره بظلام الجهل مغمور إنْ يَأخُذِ اللَّهُ مِن عَيْني نورهما ففي فؤادِي وقلبي منهما نور كل المصائب دونَ النَّارِ عافية كلُّ النَّعِيمِ سِوَى الفِردَوسِ محقورُ
(6) ـ ومنها: «لن يُبتلى عبد بشيءٍ أشدَّ من الشرك، ولن يُبتلى بعد الشركِ أشدَّ من ذهاب البَصرِ، ولن يُبتلى عبد بذهاب بَصَرِه فيصبر، إلا غفر له». رواه البَزَّارُ عن بريدة ((1)).
7ـ ومنها: «ما أصابَ عبد بعد ذَهَابِ دِينِه أشد من ذهاب بصره، وما ذهببصر عبدِ فصبر، إلا دخل الجنَّةَ». رواه الخطيب عن بُريدة.
8 - ومنها: «إِنَّ الله تعالى يقولُ: إذا أخذتُ كَرِيمَتي عبدِي في الدُّنيا، لم يكن له
جزاء عندي إلا الجنَّةُ». رواه التَّرْمِذِيُّ عن أنس.
(9) ـ ومنها: «من ذهب بصره في الدُّنيا، جعل الله له نوراً يومَ القيامةِ إِنْ كان صالحاً». رواه الطبراني في «الأوسط» عن ابن مسعود.
الجزء 1 · صفحة 9
(10) ـ ومنها: «عَزيز على الله تعالى أنْ يأخُذَ كَرِيمَتي عبد مسلم، ثم يُدخِلَه النَّارَ». رُوِيَ عن عائشةَ بنتِ قدامة.
?? - ومنها: «ذهابُ البصرِ مَغفرةٌ للذُّنوبِ، وذهابُ السَّمع مَغفرةٌ للذُّنوبِ، وما نَقَصَ من الجسدِ فعلى قَدْرِ ذلك». رواه ابنُ عَدِيٍّ والخطيب عن ابن مسعودٍ
وفي هذا الحديث إيماء إلى أنَّ البصر أفضل من السمع كما ذهب إليه بعض علمائنا، وإشارة إلى أنَّ فاقِدَ عين واحدةٍ ونَظَرِه، ومن ضعف بعضُ بصره، مثاب على قَدْرِ الابتلاء وصبره، وحينئذ فإنَّ الأجر على قدرِ الصَّبِرِ، وعلو الدرجة على قدر المشقة.
?? - ومنها: «يقولُ اللهُ تعالى: مَن أذهبتُ حَبيبَتيه فصبر واحتسب، لم أرضَ له ثواباً دونَ الجنَّةِ». رواه الترمذي عن أبي هريرة.
?? - ومنها: «يقولُ اللهُ تعالى: ابن آدم! إذا أخَذْتُ كَرِيمَتِيكَ فَصَبَرْتَ واحْتَسَبْتَ عندا الصَّدمةِ الأُولى، لم أَرْضَ لك ثواباً دون الجنَّةِ». رواه أحمد وابنُ ماجه عن أبي أمامة.
(14) - ومنها: «إنَّ الله تعالى يقول: يا ابن آدمَ! إِنِّي إِنْ أخذتُ منك كَرِيمَتيك، فصبر واحتسبت عند الصدمة الأُولى، لم أرضَ لك ثواباً دون الجنة». رواه الطبراني، وابنُ السُّنّي، وابن عساكر، عن أبي أمامة).
(15) - ومنها: «إنْ كان بصرُك لِمَا به، ثم صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ، لَتلقينَّ اللَّهَ ليس لك ذنب». رواه أحمد والحاكم عن أنس
(16) ـ ومنها: «قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لا أَقبضُ كَرِيمَتي عبدي، فيصبر لحكمي، ويَرْضَى لقضائي، فأَرْضَى له ثواباً دون الجنَّةِ». رواه عبد بن حميد، وابن عساكر، عن أنس
?? ـ ومنها: «يقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لا أَذْهَبُ بِصَفِيَّتَي عبدِي، فَأَرْضَى له ثواباً دون الجنَّةِ». رواه أبو نعيم في (الحِليةِ) عن أنس
?? - ومنها: «يا زيد لو أنَّ عينيك لِمَا بهما، وصبرت واحتسبت، لم يكن لك ثواب دون الجنَّةِ». رواه الطبراني عن زيد بن أَرقَمَ.
الجزء 1 · صفحة 10
(19) - ومنها: «لا يَذهبُ الله تعالى بحبيبتي عبد يصبرُ ويَحتسب، إلَّا أدخله الجنَّة». رواه ابنُ حِبَّانَ عن أبي هريرة.
(20) ـ ومنها: «لو كانتْ عيناكَ لِمَا بهما، صَبَرْتَ واحتسبت، لأوجبَ اللهُ لك الجنة». رواه الطبراني عن زيد بن أَرقَمَ.
وفي رواية له عنه بلفظ: «لو كان عيناكَ لِمَا بهما أذًى، كنتَ تلقى الله بغير ذنب.
ورواه عبدُ بنُ حُمَيدِ والبَغَوِيُّ عنه أيضاً.
?? - ومنها: «قال ربُّكُم: إذا قَبضْتُ كَرِيمَتي عبدي وهو بهما ضَنين، فحَمِدَني على ذلك، لم أرضَ له ثواباً إِلَّا الجنَّةَ». رواه الطبراني عن أبي أمامة).
?? - ومنها: عن أنس قال: دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم نعود زيد بن أَرقَمَ وهو يَشتكي عَينيه، فقال: «يا زيد! أرأيتَ إنْ كان بَصَرُكَ لِمَا به؟»، قال: «أصبر وأحتسب»، فقال: «والذي نَفْسي بيده لئن كان بَصَرُكَ لِمَا به فصبرت واحتسبت، لتلقينَّ اللهَ تعالى يوم القيامة ليس عليك ذنب». رواه أبو يَعْلَى، وابن عساكر.
(23) ـ ومنها: عن زيدِ بنِ أَرقَمَ، قال: رَمِدَتْ عَيني، فعادَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في الرَّمَدِ، فقال: «يا زيدَ بنَ أَرقَمَ! إِنْ كان عينك لِمَا بها، كيف فعلت؟»، فقلتُ: أصبرُ وأحتسب، قال: «يا زيد بن أرقم! إن كان عَينُكَ لِمَا بها، ثم صبرت واحتسبت، دخلت الجنّة». رواه ابن عساكر ((4)).
(24) ـ ومنها: عن زيد بن أَرقَمَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دخل عليه يعوده من مرض كان به، فقال: ليس عليك من مرضك هذا بأسٌ، ولكن كيف بك إذا عُمِّرتَ بعدِي، فعَمِيتَ؟»، قال: إذا أحتسب وأصبرُ، قال: «إذا تدخل الجنَّةَ بغير حساب»، فعَمِيَ بعد مماتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى، وابن عساكره.
الجزء 1 · صفحة 11
(25) ـ ومنها: عن زيد بن أرقم، قال: أصابَني رَمَدٌ، فعادَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا كان الغَدُ أفاق بعض الإفاقة، ثم خرج ولقيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أرأيتَ لو أنَّ عينيك لِمَا بهما ما فعلت؟»، قال: «كنتُ أصبر وأحتسب، قال: «أَمَا والله! لو كانت عيناك لِمَا بهما، ثم صبرت واحتسبت، ثم مُتَّ، لَقِيتَ الله تعالى ولا ذنب لك». رواه البيهقي.
(26) ـ ومنها: عن عكرمة، قال: مَرَّ عمر بن الخطَّابِ برجل مبتلى أَجدَمَ، أعمى أصم أبكم، فقال لمن معه: هل تَرَوْنَ في هذا من نعم الله تعالى شيئاً، قالوا: لا، قال: بلى؛ ألا ترونه يبول فلا يَعْتَصِرُ ولا يَلْتَوي، يخرجُ به بوله سهلاً؟! فهذه نعمة من الله تعالى. رواه عبد بن حميد. ولا يَخْفَى أَنه سبحانه قال: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: (18)]؛ أي: لا تُطيقوا عَدَّها بذكرِها، فضلاً عن القيام بشكرها. وقد ورَدَ أَنَّه عليه السَّلامُ إذا خرج من الخَلاءِ قال: «الحمد الله الذي أَذهَبَ عَنِّي ما يُؤذيني، وأبقى عليَّ ما ينفعُني»، فهما نِعمتان جليلتانِ قَلَّ مَن يَعرفُ قَدْرَهما، ويَذْكرُ شُكرهما، وإنَّما يَعرفُ العَوامُّ لذَّةَ ما يدخلُ في أجوافهم من الطَّعام، أولئك كالأنعام؛ بل هم أضل في مقام الإحسان والإنعامِ.
وفي الحديث: «إِنَّ فِي بَدَنِ ابنِ آدمَ َثلاثَ مئة وستينَ مَفصِلاً؛ بعضُها ساكنات، وبعضُها متحرّكات، فلو سَكَنَ متحرّك، أو تحرَّكَ مُسَكَنُ، ضاقَ عليه الدُّنيا) (1). ?? - ومنها: «مَن ابتُلي فصَبَرَ، وأُعطي فشكر، وظُلمَ فغَفَرَ، وظَلَمَ فاستغفرَ، أُولَبِكَ هُمُ الْأَمَنُ وَهُم مُهْتَدُونَ} [الأنعام: ??]. رواه الطبراني والبيهقي عن سَخْبَرَة.
?? - ومنها: «عِظَمُ الأجر عند عِظَمِ المصيبة، وإذا أَحَبَّ الله قوما ابْتَلَاهم». المَحَامِليُّ في «أماليه عن أبي أَيُّوبَ.
الجزء 1 · صفحة 12
?? - ومنها: «يَوَدُّ أهل العافية يومَ القيامةِ حين يُعطَى أهل البلاء الثوابَ، لو أنَّ جُلودَهم كانَتْ قُرضَتْ في الدُّنيا بالمقاريض».
(30) - ومنها: «إنَّ عِظَمَ الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا، ومَن سَخط فله السُّخط»، رواه الترمذي وابنُ ماجه عن أنس.
(31) - ومنها: «ما من عبدِ ابتُلي ببلية في الدُّنيا إلَّا بذنبٍ، والله أكرم وأعظمُ عفواً من أن يسأله عن ذلك الذنب يومَ القيامةِ». رواه الطبرانيُّ.
(32) ـ ومنها: «ليس بمؤمن مستكمل الإيمانِ مَن لم يَعُدَّ البلاء نعمةٌ، والرَّحَاءَ مصيبة». رواه الطبراني عن ابن عباس.
?? ـ ومنها: «من ابتُلي بداء في بَدَنِه، فسُئل: كيف تَجِدُكَ؟ فَأَحسنَ على ربه الثناء، أثنى الله عليه في الملأ الأعلى». رواه الديلمي عن عائشة.
(34) - ومنها: «كان عيسى ابنُ مريمَ يَسيحُ، فإذا أمسى أكلَ بَقْلَ الصَّحراء، وشربَ ماء القراحِ، وتَوسَّدَ التُّرابَ، ثم قال: عيسى ابن مريم ليس له بيت يخرب، ولا ولد يموتُ، طعامه بَقْلُ الصَّحراء، وشرابه ماء القراح، ووِساده التُّرابُ، فلمَّا أصبحَ ساحَ، فسار بوادٍ، فإذا فيه رجل أعمى مُقعَدٌ مجدوم، قد قَطَعَه الجُذام، السَّماءُ من فوقه، والوادِي من تحته، والتَّلجُ عن يمينه، والبَرَد عن يساره، وهو يقولُ: الحمدُ للهِ رب العالمين ثلاثاً، فقال له عيسي ابنُ مريمَ: يا عبد الله! علامَ تَحمَدُ الله؟ أَنتَ أَعمى، مقعد، مجذوم، قد قطَّعَك الجُذام، السَّماءُ من فوقك، والوادي من تحتك، والثّلج عن يمينك، والبَرَد عن يسارك؟! قال: يا عيسى! أحمد الله الذي لم أكنْ السَّاعَةَ مِمَّن يقول: إنَّك إله، وابنُ إله، وثالث ثلاثة». رواه الدِّيلَميُّ وابنُ النَّجَّارِ عن جابر (6)
(35) ـ ومنها: «المصيبة تُبيِّضُ وجة صاحبها يومَ تَسْوَدُّ الوجوه». رواهالطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس.
الجزء 1 · صفحة 13
(36) ـ ومنها: عَجِبْتُ للمسلم؛ إذا أصابته مصيبةٌ احْتَسَبَ وصبر، وإذا أصابه خيرٌ حَمِدَ الله وشكر؛ إِنَّ المسلمَ يُوْجَرُ في كلِّ شيءٍ، حتى في اللقمةِ يَرفعُها إِلى فِيهِ». رواه الطيالسي والطبراني عن سعد.
?? ـ ومنها: «مَن يُرِدِ الله به خيراً يُصِبْ منه»؛ أي: يبتليه بالمصائبِ؛ ليرفع له المراتب. رواه أحمد والبخاري عن أبي هريرة.
?? ـ ومنها: «ما من شيءٍ يُصيب المؤمن في جسدِهِ يُؤْذِيهِ، إِلَّا كَفَّرَ اللهُ عنه به سيئاته». رواه أحمد والحاكم عن معاوية.
(39) ـ ومنها: (ما أصابت عبداً مصيبةٌ إلَّا بإحدى خَلَّتينِ: بذنبٍ لم يكن الله ليغفر له إلَّا بتلك المصيبة، أو بدَرَجةٍ لم يكن اللهُ لِيُبلِّغَه إِيَّاها إلَّا بتلك المصيبة». رواه أبو نعيم عن ثوبان.
(40) - ومنها: «إِنَّ في الجنَّةِ شجرةً يُقالُ لها شجرةُ البَلوى، يُؤتَى بأهل البلاء يومَ القيامة، فلا يُرفَعُ لهم ديوان، ولا يُنصَبُ لهم ميزان، يُصَبُّ عليهم الأجرُ صَبَّا»، وقرأَ: إِنَّمَا يُوقَى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: (10)]. رواه الطبراني عن الحسن بن علي.
فهذه أربعون حديثاً متضمنةً للصَّبر على البلاء، والشُّكرِ على النَّعْمَاءِ، والرّضا بالقضاء في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، ومشتملةً على أوصاف أرباب البلاء، وأصحاب الولاء؛
من الأنبياء والأولياء، فطُوبَى لمَن اقتدى بهم في حال الاهتداء.
من جملةِ النَّعْمَاءِ: عدم رؤية الأغيار والأشرارِ، فنِعْمَ ما قال بعضُ الأبرار:
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طهَّرْتَها بالمدامع
وأمَّا الأخيار فهم تحت الأستار؛ كما قيل:
أتمنَّى على الزمان مُحالَلاً أن ترى مُقلَتَايَ طَلعةَ حُرّ وأرادَ بالحُرّ: مَن لم يسترق دنياه، ولم يَستَعبده هواه، ولم يَرَ في الكونِ سوى مولاه.
الجزء 1 · صفحة 14
فإن قلت: فإذا كان هذا كله ثواب الابتلاء، فكيف استعاذَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من أنواع الداء فيما ورَدَ عنه من أصنافِ الدُّعاءِ، حيث قال: «اللهم عافني في بَدَني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري.
و: «أعوذُ بكَ مِن الصَّمَمِ والبَكَمِ، والبَرص والجنونِ، والجُذامِ وسَيِّئ الأسقامِ. ولا شَكٌّ أَنَّ فَقْدَ السَّمع والبصر من أسوء الأسقام؟
فالجواب: ما ورد في بعض الأحاديثِ من قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّ عافيتك
أوسع لي».
وقد مَرَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقومٍ مبتَلَينَ، فقال: «أما كان هؤلاء يسألونَ اللهَ
عَزَّ وجَلَّ العافية؟!».
وقد ورَدَ: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإنَّ أحداً لم يُعط بعد اليقين خيراً من العافية».
هذا، ولم يَرِدْ أنَّه عليه السَّلامُ تعوّذ من العَمَى، ولعلَّ وجهَه أَنَّهُ ابتُلي به بعضُ
الأنبياء الكرام، والله سبحانه أعلم بحقيقة المرام.
لم المختلف العلماء الأعلام في أن الشمع افضل أو البصر؟ والأظهر الأول، بدليل ما جاءَ في القرآنِ تقديمُ السَّمعِ على البصر في مواضع كثيرة. وكذا في الأحاديث الشهيرة:
منها: «إِنَّ أبا بكر وعمر منِّي بمنزلة السَّمع والبصر، والظاهرُ أَنَّه لَتُ ونشر مرتب؛ فيكونُ الصِّدِّيقُ مشبَّهاً بالسَّمع، والفاروق بالبصر، ولا بِدْعَ فإِنَّ السَّمعَ مَنشأ النقل، والبصر مبدأ العقل، ألا ترى أنَّ كثيراً من العلماء ولدوا أعمى، ولهم الدرجة
الجزء 1 · صفحة 15
العليا في مراتبِ التّصنيف ومناقب الفتوى، ومنهم: الشَّاطِبي سلطانُ القُرَّاء. وأمَّا مَن يُولد أصم؛ فلا يتصوَّرُ أن يحصل لهم علم بتفاصيل الإيمانِ وأحكام الإسلام، ومن النَّوادر أن يحصل له التوحيد من جهة العقل، وذلك إنَّما يكون من طريق الفضل، على أنه يلزم من ولادته أصم أن يكون أبكم؛ إذ لا طريق للنطق بالطَّبع إلَّا من قبيل السمع، ولذا كل صبي يتلقَّى من اللُّغَاتِ ما يسمعُه من الآباء والأمهات، فلو تَرَبَّى بين الحيوانات، وسمع مجرَّدَ الأصوات، تبعهم في نُطق تلك الكلمات، والله سبحانه أعلم بحقائق الحالات، ودقائق المقامات.
وقيل: البصر أفضل؛ لأنَّ متعلقه تجلّي الذَّاتِ، ومتعلق السمع تجلي الصفات، ولذا قيل: أعظم العذابِ هو الحجاب عن رؤيةِ ربِّ الأرباب، ويُشيرُ إليه قوله سبحانه وتعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَذٍ مَحْجُوبُونَ} [المطففين: (15)]. وأمَّا الكلام، فيعم الأنام؛ سواء كانوا من الخواص أو العوام، ويشمل ما يكون كلام توبيخ وملام، أو بشارةً في مقامِ سَلَام.
ويكفيك في فضيلة الأعمى ما ورَدَ في سورة عَبَسَ وَتَوَلَّى، وناهِيكَ أنه عليه السَّلامُ كلَّما جاءَه ابنُ أُم مكتوم قال: «مرحباً بمن عاتبني ربي فيه». وجعله مرَّتين خليفةً عنه في المدينة، وإماماً في المسجد.
فإن قلت: في كلام الفقهاء أنَّ إمامة الأعمى مكروهة.
فالجواب: أنَّه محمول على ما إذا كان هناك أفضل منه علماً وقراءةً، وأكمل منه حراسة ورعاية. هذا، وحُكيَ: أنَّ يومَ القيامةِ يتعلَّلُ بعضُ الملوك، فيقول: يا رب! ابتليتني بالمُلكِ، فلذا حُضِرْتُ ووقعتُ في الهُلكِ، فيُقال له: أملكُك كان أعظم أو ملك سليمانَ أَتمَّ؟! ويتعلَّل بعض المرضى، فيحتج بأيوب وما له من البلوى، وكذا العُميان ببعض الأعيان، وأما الفقراء فبأكثر الأنبياء والأولياء، فلله الحجةُ البالغةُ فِي القُدْرَةِ) السَّابغة.
الجزء 1 · صفحة 16
ورُويَ: أَنَّ سبب ابتلاء يعقوبَ: أَنَّه ذبحَ عِجلاً بين يَدَيْ أُمِّه وهي تَحُورُ.
ورُوي أنه قيل له: يا يعقوب! ما الذي أذهب بصرَك، وقوَّسَ ظهرَك؟
قال: أذهب بصري بُكائِي على يوسف، وقوَّسَ ظهري حُزني على أخيه، فأوحى الله إليه: أَتشْكُوني؟ وعِزَّتي وجلالي لا أكشفُ ما بك حتى تدعوني، فعند ذلك قال: {إِنَّمَا أَشْكُوا بَتِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} [يوسف: (86)]، فأوحى الله إليه: وعِزَّتي لو كانا ميتين لأخرجتُهما لك، وإنَّما وَجَدْتُ عليكم ـ أي: غضبتُ ـ لأنكم ذبحتم شاةً، فقام ببابكم مسكين فلم تُطعموه منها شيئاً، وإِنَّ أَحبَّ خَلْقي إليَّ الأنبياء ثم المساكين، فاصْنَعْ طعاماً فادعُ عليه المساكين، فصنع طعاماً، ثم قال: مَن كان صائماً فلْيُفطِر الليلة عند آل يعقوب.
ورُوي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى نادَى: مَن أَرادَ الغَداءَ فَلْيَأتِ يعقوبَ، فإذا أفطر أمرَ مَن يُنادِي مَن أرادَ أن يُفطرَ فليأتِ يعقوب، فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين. هذا، وقد ورَدَ: «إذا جامَعَ أحدُكم فلا يَنظُرْ إِلى الفَرْجِ؛ فَإِنَّه يُوْرِثُ العمى، ولا يُكثر الكلام فإنَّه يُورثُ الخَرَسَ». رواه الديلمي في «مسند الفردوس» عن أبي هريرة. ورُوي عن شَدَّادِ بنِ أَوس مرفوعاً: بَكَى شُعِيبُ النَّبِيُّ حَتى عَمِيَ، فَرَدَّ اللهُ عليه بصرَه، ثم بَكَى حتى عَمِي، فرَدَّ اللهُ بِصَرَه، ثم بَكَى حَتى عَمِيَ، فَرَدَّ اللهُ بِصَرَه، فقال الله تعالى: ما هذا البكاءُ؟ أشوقاً إلى الجنَّةِ أم خوفاً من النَّارِ؟ قال: لا يا رب! ولكن شوقاً إلى لقائِكَ، فأوحى الله إليه: إن يكن ذلك، فهنيئاً لك لقائي، ياشعيب! لذلك أَخْدَمتُك موسى كليمي».
وفيه تنبيه نبية على أنَّ في خدمة العُمي، وقيادته ـ لاسيما إلى مقامِ حاجته، وحال عبادته، وتعليم قبلته - أجراً جزيلاً، وثواباً جميلاً، وقد قال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: (2)].
الجزء 1 · صفحة 17
ووَرَدَ: مَن كان في عون أخيه، كان الله في عونه».
ولأحمد، والترمذي وصححه من حديثِ البَراءِ: «مَن مَنحَ مِنحَةَ وَرِقٍ، أو منحةَ لَبَنِ، أو هَدَى زُقاقاً، فهو كَعَتَاقِ نَسَمةٍ».
وللديلمي في مسند الفردوس» عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: تَركُ السَّلام على الضَّريرِ خِيانة». وهو مِصْرَعُ يصيرُ مَطْلِعاً بقولنا: وتَوَاضُع معه دليل ديانة. وأما قوله تعالى: {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء: (72)]؛ فمعناه: من كان في هذه الدُّنيا أعمى القلب عن هذه الدُّنيا أعمى القلبِ عن رؤيةِ قُدرةِ اللهِ تعالى وآياته، ورؤيةِ الحق في أنوار مصنوعاتِه وأسرار صفاته في بدائع مخلوقاته، فهو في الآخرة أشدُّ عمى في مقاماته، وأضل سبيلاً في حالاته.
وأما قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى؛ يعني: القرآن، فلم يُؤْمِنُ به، {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا؛ أي: ضِيْقَاً بأن تُسلب عنه القناعة حتى لا يشبع إلى قيام الساعةُ، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: (124)]؛ قال ابنُ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: عمى البصر ((4)). وقال مجاهد: عمَى الحُجَّةِ.
ويُؤيَّدُ الأوَّلَ قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه: (125)]؛ أي: بالعين.
ويُقويه قوله سبحانه: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمَا وَصُمَّا) [الإسراء: (97)].
فإن قيل: كيف وصفهم بأنَّهم عُمي وبكم وصُمٌ، وقد قال: {وَرَهَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [الكهف: (53)]، وقال: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: ??]، وقال: (سَمِعُوا لَهَاتَغيُّطَا وَزَفِيرًا} [الفرقان: ??]؛ أثبت لهم الرؤية والكلامَ والسَّمعَ؟ فالجواب: أنَّهم يُحشرون على ما وصفهم الله أولاً، ثم تُعاد إليهم هذه الأشياء ثانياً.
الجزء 1 · صفحة 18
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عُميا): لا يَرَوْنَ ما يُسرهم، وَبُكْمَا:
لا ينطقونَ بِحُجَّةٍ تَنفعُهم، وَصُمَّا: لا يسمعون شيئاً يَبَرُّهم. وقال الحسن: هذا حين يُساقون إلى الموقفِ إلى أن يُدْخَلُوا النَّارَ، وهم أصناف الكفَّارِ.
وقال مقاتل: هذا حين يُقال لهم: أَخْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: ???] فيصيرون بأجمعهم عُمْيَاً وبكماً وصُمَّاً، لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون.
فنسأل الله العافية، وحُسن الخاتمة في العاقبة، وتوفيقَ الطَّاعة فإِنَّهَا صَبْرُ السَّاعَةِ، وراحة الأبد من غير النَّكَدِ، فأيُّ محنةٍ آخِرُها الجنَّةُ؟! وأَيُّ نعمةٍ آخرُها النَّارُ؟! ثم ما دمت في هذه الدَّارِ لا تَسْتَغرب وقوع الأكدارِ؛ فقد وردَ: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة»؛ إذ عيشها لا كَدَرَ معه في الحالة الفاخرة، والحمد الله أوَّلاً وآخراً، والسَّلامُ على نبيه باطناً وظاهراً.