تزيين العبارة لتحسين الإشارة
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
تزيين العبارة لتحسين الإشارة
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
رب زدني علماً يا كريم
الحمد لله الذي هدانا للتَّوحيد، وأشارَ لنا إلى معنى التفريد، والصَّلاةُ
والسَّلامُ على مَن أظهرَ العَجْزَ عن القيام بتمامِ التَّحْميد)، وعلى آله وأصحابه أرباب الطريق الشديد.
أما بعد:
فيقولُ المُلتجِيُّ إلى كرَمِ رَبِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِيْ: إِنَّ هَذِهِ رِسالةٌ مُسْتَمِلَةٌ على تحقيق مسألةٍ، وهي الإشارة بالمُسبِّحة في قراءةِ التّشهدِ حالةَ القعدة، وبيانِ أدِلَّتِها، وتوضيح كيفيَّتِها، ونَقلِ اختلافِ روايتها، وتخليص المُعْتَمَدِ في روايتها ودرايتها، راجياً أن أدخُلَ في سِلْكِ زُمْرَةِ مَن قالَ صلى الله عليه وسلم في حقهم: «مَنْ أَحْيا سُنَّتي فقد أحبَّني، ومَنْ أحبَّني كان معي في الجنَّةِ»، وسميتها بـ:
«تزيين العبارة لتحسين الإشارة»
أمَّا أَدِلَّتها: فمن الكتاب إجمالاً قوله تعالى: {وَمَاءَ الكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا هَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الحشر: ?] أي: في إطاعة من سواه، وقد قال سبحانَه مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
ومنَ السُّنَّةِ: أحاديثُ كثيرة:
منها ذكر صاحِبُ المِشكاة» عن ابن عمر رضي الله عنهما قالَ: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قَعَدَ في التَّشهدِ، وَضَعَ َيدَه اليُسرى على رُكَبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يده اليمنى على رُكبته اليُمْنَى، وعَقَدَ ثلاثةً وخمسين، وأشار بالسبابة. وفُسِّرَ العَقْدُ المذكورُ: بأن يعقِدَ الخِنْصِرَ والبَنْصِرَ والوُسْطى، ويُرْسِلَ الإبهام إلى أصلِ المُسبحة، وهذا مُختارُ أَئِمَّةِ الشَّافعيّةِ رضي الله عنهم، وسيأتي ما يدل على مُختارِ مَذهَبِنَا السَّادة الحنفية.
قال صاحِبُ المِشكاة»: وفي رواية: كانَ إذا جَلَسَ فِي الصَّلاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ على ركبته، ورَفَعَ إِصْبَعَه اليُمْنَى التي تلي الإبهام، يدعُو بها - أي: يُشيرُ - ويده اليُسرى على رُكبته باسطها عليها، رواه مسلم.
وهذا مُختارُ بعضٍ أَئِمَّتِنا؛ أنَّه يُشيرُ من غيرِ قبض الأصابع.
وذاکرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس هذا الحديث ولا غيره، ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين.
قال: وعن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رضيَ الله عنهما قال: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذا قَعَدَ يدعو - أي: يقرَأُ التَّحِيَّاتِ وَضَعَ َيدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى، وأشار بإصبَعِهِ السَّبَّابَةِ، ووَضَعَ إبهامه على إِصْبَعِه الوسطى، ويُلِقِمُ كَفَّهُ اليُسْرَى رُكَبَتَه - أي: يُدخِلُ رُكَبَتَه في راحة كفّه اليُسرَى، حَتَّى صارت رُكبته كاللُّقَمَةِ في كفّه، وهذا اختيار بعض أهل العلم - رواه مُسلِمٌ أيضاً.
وعن وائل بن حُجْرٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَضَعَ يَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسْرَى، وحَدَّ مِرفَقَه اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، يعني: جَعَلَه منفرداً عن فَخِذِه وقَبَضَ ثنتين - أي: من الأصابع، وهما الخِنْصِرُ والبِنْصِرُ - وحَلَّقَ حَلْقَةً - أي: أخَذَ إبهامه بإصبَعِه الوسطى كالحَلْقَةِ - ثم رفع إصْبَعَه - أي: المُسبِّحة - ورأيتُه يُحرِّكُها - أي: يُشيرُ بها إشارةً واحدةً عندَ الجُمهور وقت الشهادة، وإشاراتٍ مُتَعدِّدةً عند الإمام مالك رضي الله عنه من أَوَّلِ التَّحِيَّاتِ إلى آخره. رواه أبو دوادَ والدَّارِمِيُّ وكذا النسائي.
وهذا الحديثُ مأخَذُ جُمهورِ عُلمائِنا فيما اختارُوهُ من الجمع بينَ القَبْضِ والإشارة، وقالوا: يرفعُ المُسبِّحة عند قول (لا إلهَ»، ويضعها عند قول: «إلا الله»؛ المناسبة الرفع للنفي، وملاءمة الوضع للإثبات، حتى يُطابق القول الفعل في التَّوحيدِ والتَّفريد.
وعن عبد الله بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما قالَ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُشيرُ بِإصْبَعِهِ إِذا دَعا ولا يُحركها. رواه أبو داود والنسائي، وقالَ النَّووِيُّ: إِسناده صحيح.
وهذا يدلُّ على أنه لا يُحرِّكُ الإِصْبَعَ إذا رفعها للإشارة إلَّا مَرَّةً، وعليه جمهور العلماء، ومنهم الإمام الأعظم، خلافاً للإمام مالك رضي الله عنهما على ما سبق.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يدعو بإصْبَعَيْه، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحدٌ أَحَدٌ» - بكسر الحاءِ المُشدَّدَةِ، أَمرٌ كُرِّرَ للتأكيد بالوَحْدَةِ من التوحيد دائماً؛ أي: أشر بإصبع واحدةٍ؛ لأنَّ الذي تدعوه واحد، وأصله: «وَحَدْ»، قُلِبَتِ الواو همزة - رواه الترمذي والنسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ.
وعن نافع قال: كانَ عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ـ إذا جَلَسَ في الصَّلاةِ وَضَعَ يديه على رُكبتيه، وأشار بإصبَعِه، وأتبَعَها بَصَرَه، ثمَّ قالَ: قالَ رسولُ الله: أشدُّ على الشَّيطانِ من «الحديد، رواه أحمد.
ومعنى الحديث: أَنَّ الإشارة بالمُسبحة أصعَب على الشَّيطانِ من استعمالِ الحديد من السلاح في الجهادِ، فكأنَّه بالإشارة إلى التَّوحِيدِ يقطَعُ طَمَعَ الشَّيطانِ من إضلاله ووقوعه في الشركِ.
فهذا ما ذكره صاحِبُ «المشكاة» من الأحاديث في هذا الباب، وقد أَوْضَحْتُ معانيها ومبانيها في الكتابِ المُسمَّى بـ «المِرقَاةِ المِشْكاةِ» في شَرْحِي عليها. وقد جاءَ الحديثُ بطرق كثيرة، منها:
عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا جَلَسَ في الصَّلاةِ، وَضَعَ كَفَّه اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، وقَبَضَ أصابعه كلَّها، وأشارَ بإِصْبَعِهِ الَّتِي تلي الإبهام، ووَضَعَ يَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى. رواه مسلم، ومالك في «المُوطَّأ»، وأبو داود، والنسائي.
وقال الباجِيُّ: رَوى سُفيانُ بنُ عُيِّينَةَ هذا الحديث عن مُسلمِ بنِ أَبِي مَريم، وزادَ
فيه: وقالَ: «هي مِذَبَّةُ الشَّيطانِ، لا يسهو أحدُكُم ما دامَ يُشيرُ بِإصْبَعِه». قال الباجِيُّ: ففيه أنَّ معنى الإشارة دفعُ السَّهو وقَمْعُ الشَّيطانِ الذي يُوَسوِسُ
وقيل: إنَّ الإشارة معناها التَّوحيد، ذكره السُّيوطي.
أقولُ: لا منافاة بينهما، بل الجَمعُ الحقيقي أنَّ كونَ معناها التَّوحيد هو السَّبَبُ
لقمعِ الشَّيطانِ عن الوَسوَسةِ، وإيقاعِ المُؤْمِنِ في السَّهِوِ والغَفْلَةِ.
وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أيضاً أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يده اليُمْنَى على رُكَبَتِه، ورَفَعَ إِصْبَعَه اليُمْنَى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليُسرى على ركبته باسطها عليها. رواه مسلم والترمذي والنَّسائِيُّ.
عنه أيضاً: قلتُ: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ قال: هكذا، ونَصَبَ اليُمْنَى وأَضْجَعَ اليُسرى، وجَعَلَ يده اليمنى على فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ.
وفي أُخرى له نحوه قال: وكيف كان يصنع؟ قال: فوضَعَ يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرَى، وأشارَ بالتي تلي الإبهام إلى القبلة، ورَمَى ببَصرِه إليها، ثمَّ قالَ: هكذا رأيتُ رسولَ الله لا يفعله.
وعن عبد الله بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما: أَنَّه وضَعَ يده اليسرى على رُكَبَتِه اليُسرى، ووَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، وأشار بإصبَعِه. رواه أبو داود والنسائي.
وعنه رضيَ الله عنه: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا جَلَسَ فِي الشَّتَينِ أو في الأربعِ يَضَعُ يده على رُكَبَتِه ثُمَّ أَشار بإصبَعِه.
وعن وائل بن حُجْرٍ رضي الله عنه: أنَّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جَلَسَ فِي الصَّلاةِ، فافتَرَشَ رِجلَه اليُسْرَى، وَوَضَعَ ذِراعَيه على فَخِذَيه، وأشارَ بالسَّبَّابة يدعو. رواه النسائي. وفي رواية لأبي داودَ والنَّسائِي: وحَلَّقَ حَلْقةً.
وفي رواية: حَلَّقَ الإبهام والوُسْطَى، وأشارَ بالسَّبَّابة.
وعنه أيضاً: ثمَّ وَضَعَ َيدَه اليُسْرَى على رُكبته اليُسْرَى، وَوَضَعَ ذِراعَهُ الْيُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ثمَّ أشار بسبابته، ووَضَعَ الإبهام على الوسطى، وحلَّقَ بها، وقَبَضَ سائر أصابعه. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعنه أيضاً: وَضَعَ مِرْفَقَه الأيمنَ على فَخِذِه الأيمن، وعَقَدَ أصابعه، وجَعَلَ حَلْقَةً بالإبهام والوسطى، ثمَّ جَعَلَ يدعو بالأخرى. رواه أبو يعلى.
وفي رواية له: وقَبَضَ ينتَينِ، وحَلَّقَ حَلْقَةً فِي الثَّالثة.
وعن أبي حُمَيدِ السَّاعِدِيّ رضي الله عنه قال: أنا أَعلَمُكم بصلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فذَكَرَ حديثاً طويلاً، وفيه: وَضَعَ كفَّه اليُمْنَى على رُكبته اليُمْنَى، وكفَّه اليُسْرَى على رُكَبَتِه اليُسْرَى، وأشار بإصبَعِه. رواه أبو داود.
وعنه: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جَلَسَ في الصَّلاةِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ، نَصَبَ قَدَمَه اليُمْنَى، وافترشَ اليُسرى، وأشار بإصبَعِه التي تلي الإبهام، وإذا جَلَسَ في الأُخْرَيَيْنِ أفضَى بمَقعَدَتِه الأرضَ ونَصَبَ اليُمْنَى. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
قال:
وعن عاصِمِ بنِ كُلَيبٍ رضي الله عنه، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّي وقدْ وَضَعَ يدَه اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، ووَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، فَقَبَضَ أصابعَه وبَسَطَ السَّبَّابَةَ، وهو يقولُ: «يا مُقلبَ القُلوب ثبت قلبي على دينك». رواه الترمذي.
وروى أبو يعلى نحوَه، وقال: فيه بدلَ بَسَطَ»: «يُشيرُ بالسَّبَّابة». وعن نُمَيرِ الخُزاعِيُّ رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واضِعاً ذِراعَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى في الصَّلاةِ يُشيرُ بِإِصْبَعِه. وعنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً ذِراعَه اليُمْنَى رافِعاً إِصْبَعَه السَّبَّابَةَ قد حناها شيئاً؛ أي: أمالَها شيئاً يسيراً. رواه أبو داود والنسائي
وعن خُفاف الغِفارِيِّ رضي الله عنه قال: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا جَلَسَ في آخر صلاته، يُشير بإصبَعِهِ السَّبَّابَةِ. رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الكبير»، ورجاله ثقات. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّ جُزءاً من سبعينَ جُزءاً مِنَ النُّبُوَّةِ تأخيرُ السُّحور، وتبكيرُ الإفطار، وإشارةُ الرَّجُلِ بإصبعه في الصَّلاةِ». رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعن مُعاذِ بنِ جَبَلِ رضيَ اللهُ عنه: كانَ إِذا جَلَسَ في آخر صلاته، اعتمد على فَخِذِه اليُسرى، ويده اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ويُشيرُ بإصبَعِه إذا دَعا. رواه الطّبرا «الكبير».
وعن بِشْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابن عمر رضي الله عنهما يقولُ: إِنَّ رَفْعَكُم أَيدِيَكُم في الصَّلاة لَبِدعَةٌ، والله ما زادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا؛ يعني بإصبعه. رواه ابن أبي شيبة. وعن ابنِ التَّميمي قالَ: سُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن تحريكِ الرَّجُلِ
إصْبَعَه في الصَّلاةِ، فقالَ: ذلك الإخلاص. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مرفوعاً: «تحريكُ الإِصْبَعِ فِي الصَّلَاةِ مَذْعَرَةٌ للشَّيطانِ»؛ أي: آلَةُ تَخويف للشَّيطانِ. رواه البَيْهَقِيُّ
وفي «الجامع الصغيرِ»: كانَ يُشيرُ في الصَّلاةِ. رواه أحمد، وأبو داود الله عن أنس رضي الله عنه عنه.
وفي «الجامع الكبير» عن عُقبَةَ بنِ عامرٍ رضيَ اللهُ عنه: يُكتَبُ في كلِّ إشارةٍ يُشيرُ الرَّجُلُ في صلاتِه عَشْرُ حَسَناتٍ، بكلِّ إصْبَعِ حَسَنةٌ. رواه الحاكِمُ في «تاريخه». وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبْزَى: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته هكذا، وأشار بإصبَعِهِ السَّبَّابة. رواه عبدُ الرَّزَّاقُ.
وعن وائل بنِ حُجْرٍ رضي الله عنه: رَمَقْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فرفَعَ يديه في الصَّلاةِ حِينَ كبر ... إلى أن قالَ: ثمَّ جَلَسَ فافتَرَشَ رِجْلَه اليُسْرَى، ثمَّ وَضَعَ يَدَه اليُسرى على رُكبته اليُسرى، ووَضَعَ ذِراعَه اليُمنى على فَخِذِه اليُمنى، ثمَّ أَشَارَ بِسبَّابَتِهِ وَوَضَعَ الإِبهام على الوُسْطَى، وحَلَّقَ بها وقَبَضَ سائر أصابعه. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعنه أيضاً: فلما فَعَدَ يتشَهَدُ فَرَشَ قَدَمَه اليُسرى الأرضَ، وجَلَسَ عليها، ووَضَعَ كَفَّه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى، ووَضَعَ مِرفقه الأيمن على فَخِذِه اليمنى، وعَقَدَ أصابعه، وجَعَلَ حَلْقَةً بالإبهام والوُسْطَى، ثمَّ جَعَلَ يدعو بالأخرى.
رواه سعيد بن منصورٍ في «سُنَنِه». وروى البيهقي وابن ماجه بإسناد صحيح: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَدَ الخِنْصِرَ وَالبِنْصِرَ، ثمَّ حَلَّقَ الوُسْطى والإبهام. فهذه أحاديث كثيرةٌ بطرقٍ مُتَعدّدةٍ شهيرة، فلا شك في صِحَّةِ أصل الإشارة؛ لأنَّ بعض أسانيدها موجود في «صحيح مسلم». وبالجملة فهو مذكور في الصّحاحِ السِّتّ وغيرها؛ ممَّا كادَ أن يصير مُتواتِراً، بل يصح أن يُقالَ: إِنَّه مُتواتر معنى.
فكيف يجوزُ المُؤمن بالله ورسوله أن يَعدِلَ عن العمل به؟ ويأتي بالتعليل في معرضِ النَّص الجليل، مع أنَّ ذلك التعليلَ مدخول صَدَرَ من العليلِ، وهو ما قيلَ نَقْلاً عن بعض المانعين للإشارة بأنَّ فيها زيادة رفع لا يُحتاجُ إليها، فيكونُ التَّركُ أولى؛ لأنَّ مَبَنَى الصَّلاةِ على الوَقارِ والسَّكينة.
وهو مَردودٌ بأنَّه لو كانَ التَّركُ، أولى، لما فعله له، وهو على صفة الوَقارِ والسَّكينة في المقام الأعلى، ثم لا شكّ أنَّ الإشارة إلى التفريدِ معَ العبارة بالتَّوحيد نور على نور، وزيادة على سُرور، فهو مُحتاج إليه، بل مدارُ الصَّلاةِ والعبادةِ والطَّاعَةِ عليه. وعلل بعضُهم بأنَّ فيها موافقة فرقة الرافضة، فكان تركه أولى؛ تحقيقاً للمُخالفة. وهو أيضاً ظاهِرُ البطلانِ من وُجوه:
أمَّا أَوَّلاً: فلأنَّ عامَّتَهم على ما نُشاهِدُهم في هذا الزَّمن لا يُشيرونَ أصلاً، وإِنَّما يُشيرون بأيديهم عندَ السَّلامِ، ويَضْرِبُونَ على أفخاذهم تأسفاً على فوات الإسلام، فينقلِبُ التَّعليلُ عليهم حُجَّةً لنا.
وأما ثانياً: فلأنَّه على تقديرِ صِحَّةِ النِّسبة إليهم؛ فلأنَّ كلَّ ما يفعلونه نحنُ مأمورون بمخالفتهم حتَّى يشمل أفعالهم المُوافِقَة للسُّنَّةِ، كالأكل باليمنى ونحوِ ذلك، بل المُستَحَبُّ تركُ مُوافقتهم فيما ابتدَعُوه وصارَ شِعاراً لهم، كما هو مُقرَّر في المذهب؛ كوضعِ الحَجَرِ فوقَ السَّجَّادة؛ فإنَّه وإن كانتِ السَّجدة على جنس الأرض أفضل باتفاق الأئمة مع جوازها على البساطِ والفَرْوِ ونحوهما عند أهلِ السُّنَّةِ، لكنَّ وَضْعَ نحوِ الحَجَرِ والمَدَرِ بدعةُ ابْتَدَعوها، وصارَ علامةً لمَعشَرِهم، فينبغي الاجتناب عن فعلهم لسببين:
أحدهما نفس موافقتهم في البدعة؛ كما وَرَدَ في الحديث: «خالِفُوا اليهود والنصارى».
وثانيهما: رفع التهمة، وقد وَرَدَ: «اتَّقُوا مواضِعَ التُّهَم».
ونظيره الوقوف للدُّعاءِ في المُستَجارِ؛ فإنَّه صارَ من ذلك الشَّعارِ، وكذا الخُروجُ من مكَّةَ إِلى يَلَمْلَمَ للإحرامِ خارِجَ الحَرَمِ، مَعَ الاتِّفَاقِ على جوازِ ما ذُكِرَ عندَ أربابٍ العلم وأصحاب الحكم، بخلاف ما إذا شاركونا في سُنَّةٍ مُستمِرَّةٍ؛ كالخُروج لإحرامِ العُمرة إلى التنعيمِ والجِعْرَانَةِ. والحاصِلُ: أَنَّ مُخالَفَةَ المُبتدعة في الأمرِ المُباحِ يُستَحسَنُ زَجْراً لهم، ورجوعاً إلى الصَّلاحِ، وأمَّا الإشارة المذكورة الثابتة على نَهجِ الصَّوابِ: فليست من هذا الباب.
ثمَّ من أدلَّتِها الإجماعُ؛ إذ لم يُعلَمُ من الصَّحابة ولا من عُلماءِ السَّلَفِ خِلافٌ في هذه المسألة، ولا في جَوازِ هذه الإشارة، ولا في تصحيح هذه العبارة. بل قال به إمامنا الأعظَمُ وصاحباه، وكذا الإمام مالك والشافعي وأحمد، وسائر علماء الأمصار والأعصارِ، على ما وَرَدَ به صحاحُ الأخبار والآثارِ.
وقد نص عليه مشايخنا المُتقدِّمون والمُتأخّرون، فلا اعتداد لما عليه المُخالِفون، ولا عبرة لما ترك هذه السُّنَّةَ الأكثرون من سُكَانِ ما وراء النَّهْرِ وأَهلِ خُراسان والعِراقِ والرُّومِ وبلادِ الهندِ ممَّن غَلَبَ عليهم التقليد، وفاتَهُم التَّحقيقُ والتَّأييدُ، من التَّعَلُّقِ بِالقَولِ السَّدِيدِ.
هذا؛ وقد ذكر الإمامُ محمَّدٌ في «مُوَطَّيَّه»: أخبرنا مالك، أخبرنا مُسلِمُ بنُ أَبي مريم، عن عليّ بنِ عبدِ الرَّحْمنِ المُعَاوِيِّ، أَنَّه قال: رآني عبد الله بنُ عُمَرَ وأنا أعبَتُ بالحَصَا في الصَّلاةِ، فلما انصرَفْتُ نهاني، وقالَ: اِصْنَعْ كما كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصنَعُ، فقلتُ: كيف كانَ رسول الله الله يصنَعُ؟ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كفَّه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، وقَبَضَ أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووَضَعَ كَفَّه اليُسرى على فَخِذِهِ اليُسرى.
قال محمد: وبصنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخُذُ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله انتهى
وهذا صريح بأنَّ الإشارة مَذهَبُ أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ومفهومه أنَّ أبا يوسف مُخالِفُ لِما قامَ عنده من الدَّليل، وما ثَبَتَ لديه من التَّعليل، الله أعلم بصحته، وإن لم يكن لنا معرفة بثبوته؛ لكِنْ نقَلَ الشُّمُنِّيُّ صاحبُ شَرحِ مُختصر الوقاية أنَّه ذكر أبو يوسف في «الأمالي» أَنَّه يعقِدُ الخِنْصِرَ وَالبِنْصِرَ ويُحلَّقُ الوُسْطَى والإبهام ويُشيرُ بالسَّبَّابة، انتهى.
فتَحَقَّقَ أنَّ الإمام أبا يوسُفَ أيضاً ذهب إلى الإشارة، فيَتَحَصَّلُ أَنَّ المذهب الصَّحيحَ المُختار إثباتُ الإشارة، وأنَّ روايةَ تَركِها مرجوحةٌ متروكة.
قال الإمامُ المُحقِّقُ كمالُ الدِّينِ بنُ الهُمامِ من أَجَلِّ شُرَّاحِ «الهداية»: في «صحيح مسلم كان إذا جَلَسَ في الصَّلاةِ، وَضَعَ كَفَّه اليُمْنَى على فَخِذِهِ، وقَبَضَ أصابعه كلَّها، وأشار بإصبَعِه التي تلي الإبهام، ووَضَعَ كفّه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى. ولا شكّ أنَّ وَضْعَ الكفَّ معَ قَبْضِ الأصابع لا يتحقَّقُ حقيقةً، فالمُراد ـ والله أعلَمُ - وَضْعُ الكفّ، ثمَّ قَبضُ الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المَروِيُّ عن محمَّدٍ في كيفية الإشارة، حيثُ قالَ: يقبضُ خِنْصِرَه وبِنْصِرَه والَّتي تليها، ويُحلِّقُ الوُسْطَى والإبهام، ويُقيمُ المُسَبِّحة.
وكذا عن أبي يوسف في «الأمالي»، وهذا فرغ تصحيح الإشارة، وعن كثير من المشايخ: لا يُشيرُ أصلاً، وهو خِلافُ الرواية والدراية. فعن محمد رحمه الله: أنَّ ما ذكره في كيفيَّةِ الإشارة بما نقلناه قول أبي حنيفة، ويُكرَهُ أَن يُشير بمُسبِّحتَيهِ، وعن الحُلْوانِي: يُقيمُ الإصْبَعَ عندَ: «لا إله»، ويضَعُ عندَ إلا الله»؛ ليكونَ الرَّفعُ للنَّفي، والوَضْعُ للإثباتِ، انتهى كلامه.
وقال السغناقي: قد نصَّ محمَّدٌ على هذا؛ يعني: الإشارة بالمُسبحة في كتاب «المشيخة»، وروى فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يفعل ذلك، ثمَّ قَالَ: نحن نصنع بصنيع رسول الله، ونأخُذُ بفعله، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وقولنا، ثم ذكر كيفية الإشارة كما ذكره ابن الهمام عن محمد، وأسندها إلى أبي جَعْفَرِ الهُندُوانِيُّ.
وفي «الخانِيَّةِ»: الإشارة عند قوله: «لا إله إلا الله» لا خلاف فيه.
إمام الحنفية في وقته ببخارى عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، المعروف بشمس الأئمة الحلواني؛ نسبة لبيع الحلوى و صاحب المبسوط»، حدَّث عن أبي عبد الله غُنجار، وتفقه على جماعة، توفي سنة ثمان، أو تسع وأربعين وأربع مئة بـ: «كش»، ودفن ببخاري. انظر: «تاج التراجم» لا بن قطلوبغا (ص ???).
وفي المُلْتَقَطِ»: عن أبي نَصْرِ بنِ سلام: ليس في الإشارة اختِلافُ العلماء. وفي «الزَّاهِدِي»: اتَّفَقَت الرواياتُ عن أصحابنا الثلاثة جميعاً أَنَّه سنّة، وكذا عن المَدَنِيِّين والكُوفِيِّين، وكَثُرَت به الأخبار والآثارُ، فكانَ العَمَلُ به أَولى، وكذا نَقَلَ السَّرُوحِيُّ عن أصحابنا، وكأَنَّهم ما اعتبروا خِلافَ مَن خالف، ولم يعتَدُّوا برواية المخالف؛ لمخالفته الآثارَ الصَّحيحة، والرواياتِ الصَّريحة. وفي «مختاراتِ النَّوازِلِ» لصاحب الهداية»: الإشارة عند قول «لا إلهَ إلا الله».
وفي شرح «المجمع» لابنِ مَلَكِ: قال صاحِبُ مُنيَةِ المُفتي: رَفعُ السَّبَّابَةِ اليُمنى في التّشهد عندَ التَّهليل مكروه، لكِنْ في «المُحيطِ» أَنَّه سُنَّةٌ حَسَنٌ يرفعها عندَ النَّفي، ويضَعُها عند الإثباتِ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وكَثُرَت به الأخبار والآثارُ، فالعَمَلُ به أولى.
وقد قال صاحِبُ مَواهِبِ الرَّحمنِ في متنه: ووَضَعَ يَدَيْهِ على فَخِذَيه، وبَسَط أصابعه وأشار في الصحيح.
ثمَّ المُعْتَمَدُ عندَنا: أنَّه لا يعقِدُ يُمناهُ إِلَّا عندَ الإشارة؛ لاختلافِ ألفاظ الحديثِ وأصنافِ العبارة، وبما اخترناه يحصُلُ الجَمعُ بينَ الأَدلَّةِ؛ فإِنَّ بعضها يدلُّ على أَنَّ العَقْدَ من أوَّلِ وَضْع اليد على الفَخِذِ، وبعضها يشير إلى أنْ لا عَقْدَ أصلاً، معَ الاتِّفَاقِ على تحقيق الإشارة، فاختار بعضُهم أنه لا يعقِدُ ويُشيرُ، وبعضُهم أَنَّه يعقدُ عندَ قَصدِ الإشارة، ثم يرجع إلى ما كان عليه.
والصَّحيحُ المُختارُ عندَ جُمهور أصحابنا: أنَّه يَضَعُ كَفَّيه على فَخِذَيه، ثمَّ عندَ وصوله إلى كلمةِ التَّوحيد يعقِدُ الخِنصِرَ والبِنْصِرَ، ويُحلَّقُ الوُسْطَى والإبهام ويُشيرُ بالمُسبِّحةِ رافعاً لها عندَ النَّفي، وواضعاً لها عندَ الإثباتِ، ثمَّ يستمر على ذلك؛ لأنَّه ثَبَتَ العَقْدُ عند الإشارة بلا خلاف، ولم يوجد أمر بتغييره، فالأصل بقاءُ الشَّيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخر أمرِه وماله إليه.
هذا؛ وقال شارح «المُنيَةِ»: وهل يُشيرُ بالمُسبِّحة عندَ الشَّهادةِ؟ عندنا فيه اختلاف، صحَّحَ في «الخُلاصة» و «البَزَّازِيَّة»: أنَّه لا يُشيرُ، وصحَّحَ شُرَّاحُ «الهداية» أَنَّه يُشيرُ، وكذا في «المُلْتَقَطِ» وغيرِه.
وصفتها: أن يُحلّق من يده اليمنى عندَ الشَّهادةِ الإبهام والوُسْطَى ويقبضَ البِنْصِرَ والخِنْصِرَ ويُشير بالمُسبحة، أو يعقد ثلاثة وخمسين؛ يعني كالمُشير إلى هذا العدد بأن يقبضَ الوسطى والبنصِرَ والخِنْصِرَ وضَعَ رأسَ إبهامه على حَرْفِ مِفْصَلِ الوسطى، ويرفعُ الأُصْبُعَ عندَ النَّفي، ويَضَعُها عندَ الإثباتِ، انتهى
وهو يُفيدُ التَّخيير بين نوعي الإشارةِ الثَّابِتَينِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول حَسَنٌ، وجَمعٌ مُستَحْسَنُ، فينبغي للسَّالكِ أن يأتي بأحدهما مرَّةً وبالآخَرِ أُخرَى، فَإِنَّه بالتَّحرِّي أَحْرَى.
ثمَّ قال في مَتنِ «مُنيَةِ المُصلِّي»: ويُشيرُ بالسَّبَّابَةِ إذا انتهى إلى أُولى الشَّهادتين. وقال في «الواقِعاتِ»: لا يشيرُ. قالَ الشَّارحُ: والأَوَّلُ هو المُختار على ما قدمناه، انتهى.
وقد أَغْرَبَ الكيدانِيُّ حيثُ قال: والعاشِرُ من المُحرَّماتِ: الإشارةُ بالسَّبَّابَةِ، كأهل الحديثِ؛ أي: مثل إشارة جماعة يجمعهم العِلمُ بحديث الرسول الالالالال. وهذا منه خطأ عظيمٌ وجُزمٌ جَسيم، مَنشَؤُه الجهل عن قواعد الأصول ومراتب الفروع والنُّقول)، ولولا حُسنُ الظَّنِّ به وتأويل كلامه، لكانَ كُفره صريحاً، وارتداده صحيحاً. فهل يحِلُّ لَمُؤمن أن يُحرِّمَ ما ثَبَتَ بِفِعِلِهِ صلى الله عليه وسلم ممَّا كَادَ نقله أن يكونَ مُتواتِراً، ويمنع جواز ما عليه عامَّةُ العلماء كابراً عن كابر مُكابراً؟ والحالُ أنَّ الإمامَ الأَعظَمَ والهمامَ الأقدَمَ قالَ: لا يحلُّ لأحدٍ أن يأخُذَ بقولنا ما لم يعرِفُ مَأخَذَه من الكتاب أو السُّنَّةِ أو إجماع الأمة والقياس الجلي في المسألة.
وقال الشافعي: إذا صح الحديث على خلاف قولي، فاضربوا قولي على الحائط، واعملوا بالحديث الضابط.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أنه لو لم يكُنْ نصّ للإمام على المَرامِ لكَانَ من المُتعَيِّنِ على أتباعه من العُلماءِ الكِرامِ فَضْلاً عن العوام أن يعمَلُوا بما صَحَّ عنه، وكذا لو صَحَّ عن الإمامِ فَرَضاً نفي الإشارة، وصحَ إثباتها عن صاحبِ البشارة، فلا شكّ في ترجيح المُثبتِ المُسنَدِ إليه، كيف وقد طابَقَ نقله الصريح لما ثبت عنه بالإسنادِ الصَّحيح؟! فمَن أنصَفَ ولم يتَعَسَّفْ عَرَفَ أنَّه هذا سبيلُ أهلِ التَّدينِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، ومَن عَدَلَ عن ذلك فهو هالِكٌ بوَصفِ الجاهل المُعاند المُكابر، ولو كان عندَ النَّاسِ من الأكابر. وغاية ما يُعتَذَرُ عن بعض المشايخ حيثُ مَنَعوا الإشارة وذهبوا إلى الكراهة عدم وصول الأحاديث إليهم، وقد رَأَوا ورود اختِلافِ فعلها وتركها عليهم، فظنُّوا أنَّ تركها أولى؛ لقاعدة هي في أصلها صحيحة وإن كان نسبتها إلى هذه المسألة غير صحيحة، وهي أنَّه إذا اجتَمَعَ دليلُ المُبيح والمُحرِّم يُرَبَّحُ جانبُ المنع احتياطاً لاجتِنابِ المَنْهِيِّ عنه مِمَّا وَرَدَ من السَّمَعِ.
ولعل المأخَذَ قوله: ما نَهَيْتُكُم عنه فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُم به فافعَلُوا منه ما استَطَعْتُم.
لكن من المعلومِ أنَّ ما نحن فيه ليس من هذا المفهوم؛ إذ لم يرد نص من الشارع يدلُّ على نهي الإشارة، بل ثبت عنه على أصح العبارة. فالجاهل بالأخبارِ النَّبوِيَّةِ والآثارِ المُصطَفَوِيَّةِ، لَمَّا رَأَى أَنَّ بعضَ النَّاسِ يُشيرون عَمَلاً بالسُّنَّةِ، وبعضهم يتركون الإشارة إما للجَهْلِ أو الكَسَلِ أو الغَفْلَةِ، فقال: تركُها أولى؛ لأنَّها زيادة في المبنى على أصل المعنى.
فجاء بعده غيره، وقال: هي مكروهة، وأرادَ أَنَّها كراهة تنزيه، لكن لم يجعل عليه من تنبيه، فتوهم من بعدهم أنَّه حرام، وحَسِبَ أنه في الدِّينِ العظيم؛ بناءً على أنَّ الكراهة إذا أُطلقت، فهي كراهة تحريم.
ثم قال من بعده: ما كُرِه فهو حرام عندَ محمد، لا سيما وهوَ مُتعلق بعبادة الأحد.
فانظر كيف تدرَّجَ الجَهلُ، وتركَّبَ في نظر العقل العاري عن النقل، إلى أَنْ جَعَلَ السُّنَّةَ المشهورة من الأُمورِ المَنهيَّةِ المُحَرَّمَةِ المَهجورة! فاعلَمْ أَنَّ تعريف الحرام: ما ثَبَتَ نَهيه بالدليل القطعِيِّ من الكتابِ أو السُّنَّةِ، ومن القواعدِ المُقرَّرة أنَّ تحريم المُباحِ حرام، فكيف تحريمُ السَّنَّةِ الثابتة عنه؟ إذ يكفي في مُوجب تكفير الكيداني إهانة للمُحَدِّثين الذين هم عُمدَةُ الدِّينِ المَفهوم من قوله: كأهل الحديثِ المُفضِيَةِ إِلى قِلَّةِ الأَدبِ المُفضي لسوء الخاتمة؛ إذ من المعلومِ أنَّ أهلَ القُرآنِ أهل الله، وأنَّ أهلَ الحديث أهل رسول الله، وأنشد في هذا المعنى: أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسَه أَنفاسَهُ صَحِبُوا أماتنا الله على محبَّةِ المُحدِّثين وأتباعهم من الأئمةِ المُجتهدين، وحَشَرَنا مع العلماء العاملين، تحت لواء سيد المرسلين، وصلى الله على سيدنا محمَّدٍ وآله أجمعين.