الجزء 1 · صفحة 5
تحقيق الاحتساب في تدقيق الانتساب
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ زِدْنِي عِلماً يا كريمُ
الحمد الله الذي حَمده على كلِّ أحدٍ وَجَبَ، وشكره لمزيدِ النّعم استوجَبَ، والصَّلاة والسَّلامُ على ذي النَّسَبِ والحَسَبِ، ومَن سَبَقَ فِي مَيدانِ الفضيلةِ سائرَ العجم والعرب، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه أربابِ الطَّلبِ في آدابِ الأدب. أما بعد: فيقول أفقرُ عبادِ ربِّه الغني البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القَارِي، غَفَرَ ذنوبه، وستر عيوبه
إنَّ هذه رسالةٌ في حَلّ مسألة ابتُلي بها جَهَلَةٌ في بابِ النَّسَبِ، عارية عن اكتسابِ الحَسَبِ والنَّسَبِ، حسب ما حسبوا أنَّ الأُمَّ إذا كانَتْ جاريةٌ، تكونُ مَذَمَّةُ العِيبِ ومَذَلَّهُ العار على ولدها جاريةً، وهذا كما ترى مخالف لإجماع العلماء، كما حُقِّقَ في بحثِ الأولياء والأَكْفَاء.
الجزء 1 · صفحة 7
فاعلم أوّلاً: أنَّه قال تعالى وبقوله أهل الحقِّ يتفاءلون: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَبِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101]. فقد روى عطاء، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أَنَّهَا النَّفْحَةُ الثَّانِيةُ، وأَنَّهم لا يتفاخرون بالأنساب في العُقبى كما كانوا يتفاخرونَ في الدُّنيا، ولم يُرِدْ أَنَّ الأَنساب تنقطع؛ بل المراد أنَّ أحداً بمجرَّدِ النَّسبِ لا ينتفع؛ لأنَّ مدارَ أَمرِ الدِّينِ يومَ الجزاء على التقوى، كما قال تعالى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: ??]، وقال عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ} [الحجرات: 13]؛ أي: أخشاكم وأحْرَسَكم عن مخالفة مولاكم فيما أمركم ونهاكم.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كَرَمُ الدَّنيا الغنى، وكَرَمُ الآخرةِ التَّقوى.
وقد رفعه جماعةٌ من أهل النّهى.
وقد ورد في خُطبَتِه عليه الصلاة والسَّلامُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَلَا إِنَّ رَبَّكُم واحد، وإن أباكم واحد، لا فضل لعربي على عَجَميٌّ، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسودَ على أحمر، ولا لأحمر على أسودَ إلَّا بالتقوى». ذكره الطبري في آدابِ النُّفوس عن أبي نَضْرَةَ، عمَّن شَهِدَ خُطْبَتَه عليه الصلاة والسَّلام. وفيه أيضاً: عن أبي مالك الأَشْعَري مرفوعاً: «إِنَّ اللهَ لا ينظر إلى أنسابكم ولا إلى أحسابكم ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قُلُوبِكم، فمن كان له قَلبٌ صالح تَحَنَّنَ الله عليه، وإنَّما أنتم بنو آدم، وأحبكم إليه أتقاكم». فإن قيل: أليس قد جاءَ في الحديثِ كما رواه جماعةٌ: «كلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ ينقطعُ يومَ القيامةِ إِلَّا نَسَبي وسَبَبي»؟
قيل: معناه: ينقطع يومَ القيامةِ كلُّ سَبَبٍ ونَسَبٍ إِلَّا سَبَبُهُ وَنَسَبُه، وهو: الإيمان والقرآن.
الجزء 1 · صفحة 8
ويُؤيده قوله تعالى: {إِن أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34]؛ سواء رجع الضمير إلى الله، أو المسجد الحرام، أو النَّبي عليه الصلاة والسلام. ويقويه قوله عليه الصلاة والسَّلامُ: آل محمَّدٍ كُلُّ تَقِي». رواه الطَّبَرَانِيُّ وغيره عن أنس رضي الله عنه.
وينصره قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221].
ثم اعلم: أَنَّ سَيِّدَنا إسماعيل عليه السَّلامُ أكبر أولادِ الخليلِ، وجَدُّ نبينا الجليل، أُمُّه هاجَرُ جاريةٌ معروفةٌ في قضيَّةٍ مألوفة، وكذا مَاريَةٌ أُمُّ إبراهيمَ وَلدِ نبينا عليه الصَّلاةُ والتسليم جاريةٌ قِبْطِيَّةٌ أهداها له المُقَوقِسُ القِبْطِيُّ صاحبُ مِصرَ والإسكندرية، ووُلد في ذي الحِجَّةِ سنة ثمانٍ من الهجرة النبوية، فبشَّرَ به أبو رافع النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَوَهَبَ له عبداً، وعَقَّ عنه يوم سابعه بكَبَشَينِ وحَلَقَ رأسه أبو هند وسماه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يومئذ، وتصدَّقَ بزِنَةِ شَعَرِه وَرِقَاً على المساكين، ودفنوا شَعَرَه في الأرضِ.
قال الزبير بن بكار: وتنافست الأنصار فيمَن يُرضعُ إبراهيم؛ فإنَّهم أحبُّوا أَنْ يُفرغوا مَارِيَةَ له عليه الصلاة والسّلامُ، وأن يتشرفوا بالخدمة ونسبة الإرضاع والارتضاع في ذلك المقام، فأعطاه لأُم بردةَ بنتِ المنذر بن زيد الأنصاري زوجةِ البَراء بنِ أَوْسٍ، فكانَتْ تُرضعه بلَبَنِ ابنها في بني مَازِنِ بنِ النَّجَارِ، وترجِعُ به إلى أُمه، وأعطى عليه الصلاة والسَّلامُ أم بُردة قطعة نخل. وعن أنس رضي الله عنه قال: ما رأيتُ أحداً أرحم بالعِيالِ من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان إبراهيم مُستَرضَعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وكان ظئره قيناً فيأخُذُه ويقبلُه، ثم يرجعُ .... الحديثُ. رواه أبو حاتم
الجزء 1 · صفحة 9
وفي حديث جابر: أخذ الله بيد عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ فأتى به النَّحْلَ، فإذا ابنه إبراهيم يجودُ بنفسه، فأخذه عليه الصلاة والسَّلامُ فوضعه في حِجْرِه، ثم ذَرَفَتْ عيناه، ثم قال: «إِنَّا بكَ يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسخط الرَّبَّ» ?. تُوفِّيَ وله سبعون يوماً، وقيل: بلغ سنةً وأياماً، وصلى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في البقيع وقال: «اندفنه عند فَرَطنا عثمانَ بنِ مَطْعُونِ، وانكسَفَت الشَّمسُ يومَ موته، فقال النَّاسُ: إِنَّما كُسِفَ بموتِ إبراهيمَ؛ لما في زعمهم أَنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَا يَنكَسِفانِ إِلَّا لموتِ عظيم، فقال عليه الصلاة والسَّلامُ: «إِنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آياتِ اللهِ، لا ينگسفان لموت أحدٍ». رواه الشيخان.
وعن ابن عباس: لمَّا ماتَ إبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صلى عليه قال: «إنَّ له مُرضِعاً في الجنَّةِ، ولو عاشَ لَكانَ صِدِّيقَاً نبيَّاً، ولو عاشَ لَأَعتقتُ أخواله من القِبْطِ، وما اسْتُرقَ قِبْطي». وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن العثمان الواسطي، و ضعيف. ومن طريقه أخرجه ابنُ مَندَه في «المعرفة»، وقال: إنَّه غريب. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان إبراهيم قد مَلأَ المَهْدَ، ولو بقي لكان نبيَّاً ..
وهو الحديث. راوه إبراهيمُ السُّدِّيُّ وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ أَبِي أَوْفَى: رأيتَ إبراهيمَ ابْنَ؟ قال: مات صغيراً، ولو قُضي بعد محمد نبي، عاشَ ابنه إبراهيم، ولكن لا نبي بعده. أخرجه البخاري
وكذا أحمد عنه، ولفظه: «لو كان بعد النَّبي نبي، ما ماتَ ابنُه». وعن أنس رضي الله عنه: «لو بقي لكان نبياً، ولكن لم يبقَ؛ لأنَّ نبيكم آخر الأنبياء».
الجزء 1 · صفحة 10
فهذه طرق الحديثِ ممَّا أورده الحافظ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ وغيرُه. وقال الطَّبَرِيُّ: وهذا إنَّما يقولُه الصَّحابي عن توقيف يخص إبراهيم، وإلَّا فلا يلزم أن يكونَ ابنُ النَّبيِّ نبيَّاً، بدليل ابن نوح عليه السَّلام.
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللُّغَاتِ»: وأَمَّا ما رُوي عن بعض المتقدمين: لو عاش إبراهيم لكان نبيَّاً؛ فباطل وجَسَارة على الكلام على المُغيَّباتِ ومُجازَفَةٌ وهجوم على عظيم.
قال السَّخاوِيُّ: ونحوه قول ابن عبد البر في «تمهيده»: لا أدري ما هذا؟! فقد ولد نوحٌ غير نبي، ولو لم يلد النَّبيُّ إلا نبيَّا، لَكَانَ كُلُّ أحدٍ نبيَّاً؛ لأنَّهم من ولد نوح عليه السلام. وقال العَسْقَلانيُّ: لا يلزم من الحديث المذكور ما ذكره الطبري ـ كما لا يخفى - وكأَنَّه سَلَفُ النووي، وهو عجيب مع ورودِه عن ثلاثة من الصحابة! قال: وكأنَّه لم يظهر له وجه تأويله، فقال في إنكاره ما قال، وجوابه: أَنَّ القضيَّةَ الشَّرطيَّةَ لا تستلزم الوقوع، ولا يُظنُّ بالصَّحابي الهجوم على مثل هذا بالظَّنِّ. انتهى.
ولا يخفى أنه لو عاش لكان أفضل من الصَّحابة، وكان نَسَبه أكمل من أولاد فاطمة، وبه يتبيَّن أنَّ طَعَنَ الجهلاء فيمَن يكونَ أُمه من الإماءِ طَعن في
انظر: «فتح الباري لابن حجر 10 / 578 - 579، و «المقاصد الحسنة» للسخاوي ص 548،
و «كشف الخفاء» للعجلوني 2/ 157.
انظر ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري 268. ? انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 103.
4 انظر: «المقاصد الحسنة للسخاوي ص 547 - 548.
5 الكلام بتمامه من فيض القدير للمناوي 286/2، وانظر: «فتح الباري لابن حجر 10/
578 - 579
الصفحة 30
الرسالة 57 - تحقيق الاحتساب في تدقيق الانتساب
301
الجزء 1 · صفحة 11
نَسَبِ بعض الأنبياء، فيجب على كلِّ أحدٍ منعُ ما يُصَدِّرُ مثل ذلك من الأغبياء، ثم كم من العلماء الأصفياء والسادة الأزكياء، والمشايخ من الأولياء كانَتْ من الإماء، فسبحانَ مَن يخلُقُ ما يخلُقُ ممَّا يشاءُ.
ثم اعلم أنَّه من أكبر الكبائر، لا سيما إذا كان في انتساب الأكابر؛ فقد جاء عنه عليه الصلاة والسَّلامُ: «ثلاثٌ مَن فِعْلِ أهل الجاهليَّةِ، لا يَدَعُهُنَّ أَهلُ الإسلام: استسقاء بالكواكب، وطعن في النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ على الميِّتِ». رواه البخاري في «تاريخه»، والطبراني، عن جُنادَةَ بن مالك.
وعنه عليه الصلاة والسَّلامُ: «ثلاثٌ من الكفر بالله: شَقُّ الجُيوب، والنِّيَاحَةُ، والطَّعنُ في النَّسبِ». رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرَةَ ?. وعنه عليه الصلاة والسَّلامُ: «ثلاث لم تَزَلْنَ فِي أُمَّتِي التَّفَاخُرُ بالأنساب، والنياحة على الأموات والأنواء». رواه أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه ?.
ومما يترتب على المسألةِ المُبتلى بها أمورٌ شَنيعة، وأحوالٌ فَظِيعةٌ، منها: أنَّ بعضَ الجَهَلةِ يُنكرونَ حمل الجاريةِ التي وَطِئها أنَّه منهم؛ خوفاً من العار الذي عندهم أشدُّ من النَّارِ، أو خشيةً من أَذِيَّةِ المرأة السليطة عليهم، ومن مطالبة المهر الكثير لديهم، ونحو ذلك ممَّا سَوَّلَ الشَّيْطَانُ لهم، وزَيَّنَ إليهم،
فيتفرع عليه بيع الولد وأمه، ولو أعتقوهما حُرِمَا من الميراث ونحوه.
وقد ورد: «مَن فَرّ من ميراثِ وارِثِهِ، قَطَعَ اللهُ ميراثه من الجنَّةِ يوم القيامةِ». رواه ابن ماجه.
الجزء 1 · صفحة 12
ورُبَّما يُقِرُّ بعضُهم عند الموتِ بالخُفْيَةِ عن أولادهم، وإخفاؤهم وهم يُنكرونَ هذا الإقرار حيث لم يكن وفق مرادهم، فيقعون في قطعِ الرَّحِمِ الذي هو من الكبائر؛ حيث قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:]، وقال عَزَّ وعلا: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1]، وعنه عليه الصلاة والسَّلامُ: «الرَّحِمُ مُعلَّقةُ بالعرش، تقولُ: مَن وَصَلَنِي وَصَلَه اللَّهُ، ومَن قَطَعَني قَطَعَه الله. رواه مسلم عن. . عائشة عائشة رضي الله عنها.
وعنه عليه الصلاة والسَّلامُ: «إنَّ أعمال بني آدمَ تُعرضُ على الله تعالى عَشِيَّةَ كل خميس ليلةَ جُمُعةٍ، فلا يُقبل عمل قاطع رحم». رواه أحمد وأبو يَعلَى، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه.
وفي رواية الطبراني في «الأوسط» عن ابن أبي أوفى مرفوعاً: «إِنَّ الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم. وفي رواية الديلمي عن أنس: اثنانِ لا ينظر الله إليهما يومَ القيامةِ: قاطعُ الرَّحِمِ، وجارُ السُّوءِ.
والأخبار في هذا الباب في غاية الاشتهار، والمقصود هنا الاختصارُ؛ فإنَّ حديثاً واحداً كافٍ لأُولي الأبصار، في مقام الاعتبار.
ثم اعلمْ: أَنَّ مُجرَّدَ النَّسَبِ بدونِ كَسْبِ الحَسَبِ، وتعلم العلم والأدبِ، غيرُ معتبر في المَذْهَبِ المُذَهَبِ، وقد ابتُلي كثير من الخَلقِ بهذا السَّبِ، فَبَنَوا عليه مدار الاعتبار، وتكبروا في مجالس الافتخار، حتى انْجَرَّ الأمر إلى أنَّ العامَّةَ أخذوا أولاد المشايخ في مقامِ المَشْيَخَةِ والإرشادِ، ولو كانوا في غاية من الجهل ونهاية الفساد، كما هو مشهور في سائر البلاد.
الجزء 1 · صفحة 13
وأغرب من هذا أنَّ بعض الأمراء وأتباعهم من الجهلاء يُعظَّمونَ أَصغر أولادِ المشايخ الكُبَراءِ على ذُرِّيَّةِ سَيّدِ الأنبياء، وعلى المحققين من الصلحاء الأصفياء، والمُدَقِّقين من العلماء الأزكياء، وهم بأنفسهم مع صِغَرِهم وجهلهم لا يأبون عن تقدُّمهم على معلمهم ومُؤدَّبهم؛ لما فيهم من كثرة الحماقة وقلة الحياء.
وقد وردَ: إذا أرادَ الله بقوم خيراً، فقَهَهم في الدِّينِ، ووَقَرَ صغيرُهم كبيرهم، وإذا أراد بهم غير ذلك، تركهم هَمَلَا». رواه الدَّارَ قُطني في «الأفرادِ»، عن أنس رضي الله عنه.
ومما يدلُّ على بطلانِ اصطلاحِهم الفاسد، وعُرفهم الكاسدِ، أَنَّ الصَّحابة أجمعوا على تقديمِ الصِّدِّيقِ على عليٌّ والحَسَنَينِ رضيَ اللهُ عنهم مع دُنُو نَسَبِهم وعُلُو حَسَبِهم، وقُدِّمَ عليّ على العبّاس رضي الله عنهما مع كونه من أَسَنَّ بني هاشم وأقربهم، فالمدار على العلم والتَّقوى، لا على مجرَّدِ النَّسبِ المعتبر في الدُّنيا دون العقبى، رزقنا الله حُسن الخاتمة والمرتبة الأسنى، التي هي خير وأبقى.
ومن أشعارِ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَه:
النَّاسُ من جِهَةِ التَّمْثالِ أَكْفَاءُ أبوهُمُ آدم والأُم حَوَّاءُ نَفْسٌ كَنَفْسٍ وأَرواح مُشاكِلةٌ وأَعْظُم خُلقَتْ فِيهِ وأَعْضَاءُ فإن يَكُنْ لَهمُ من أَصْلِهِ حَسَبٌ يُفَاخِرونَ بهِ فالطَّينُ والمَاءُ ما الفَضْلُ إِلَّا لأَهْلِ العِلم إنَّهمُ على الهُدى لَمَنْ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ وقَدْرُ كُلِّ امْرِي مَا كَانَ يُحْسِنُهُ وللرِّجَالِ على الأَفْعَالِ سِيمَاءُ وضِدُّ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يَجْهَلُه والجَاهِلُونَ لأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ لَا تَحْقِرَنَّ امْراً أَجْرَاً يَكُونُ لَهُ أُمُّ مِنْ الرُّومِ أَو عَجْمَاءُ سَودَاءُ وإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيةٌ مُسْتَو دَعَاتُ والأَنْسَابِ آبَاءُ ومن أشعار محمود الوَرَّاقِ:
الجزء 1 · صفحة 14
عَجِبْتُ مِن مُعْجَب بصُورَتِهِ وكانَ في الأَصْلِ نُطْفَةٌ مَذِرَهُ وقد غَدًا بعد حُسْنِ صُورَتِهِ يَصِيرُ في اللَّحْدِ جِيفَةٌ قَذِرَهُ وهو على تِيهِ ونَخْوَتِهِ مَا بينَ ثَوْبَيهِ يَحْمِلُ العَذِرَهُ
***