الجزء 1 · صفحة 5
تحفة الخطيب و موعظة الحبيب
تأليف: العلامة
الملا علي القاري الحنفي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أَنزَلَ القُرآنَ وأفحَمَ به العَرَبَ العُرَباءَ، من الفُصَحَاءِ والخُطباءِ، والصَّلاة والسلام على إمام الأنبياء، وقدوة الأولياء، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه، نُجوم الاقتداء والاهتداء.
أمَّا بعد:
فيقولُ أفقَرُ عبادِ اللهِ إلى بر ربِّه الباري، علي بن سُلطان محمد القاري الحنفي، عامَلَهُما الله بلطفه الخفي، وكرَمِهِ الوَفِيُّ: إِنَّه وَرَدَ عليَّ بعضُ الصُّلَحاءِ والفُضَلاءِ من الغُرَباءِ، وهو من الأئمَّةِ والخُطَبَاءِ، وذكر لي أنَّ الواقِفَ لمَسجِدِه شرَطَ في وَقْفه أن يخطب الخطيب من خُطَبِ السَّلَفِ لا من كلام الخَلَفِ، مُريداً به مزيد الاهتمامِ لتَمامِ المَرامِ ونظام الكلام، لوفورِ أجور من حَضَرَ من الأنام. فجَمَعتُ له ولغَيرِه ما وَرَدَ ممَّا يتعلَّق بخُطبَتِه عليه الصلاة والسلام، وبخُطَبِ الخُلفاء الراشدين من الصَّحابة الكرام الذين لا نزاع في كونهم من السَّلفِ العِظامِ. وأرجو ممن انتَفَعَ بهذه الرِّسالة، أن لا ينساني منَ الدُّعاءِ حياً وميتاً في تلك الحالة. فعن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أنَّه عليه الصلاة والسلام كانَ يركَعُ قبل الجُمُعةِ أربعاً، وبعدها أربعاً، لا يفصل في شيء منهُنَّ رَواهُ ابنُ مَاجَه.
وعن جابر رضي الله عنه: أنَّه عليه الصلاة والسلام كانَ يلْبَسُ بُرْدَهُ الأحمر فيالجُمُعَةِ والعيدَينِ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
والمُرادُ بالأحمر: ما فيه خُطوطٌ حُمْرُ كما هو شأنُ البُرْدِ، فَتَدَبَّرُ.
الجزء 1 · صفحة 7
وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تعالى عنهما: أنَّه ل كانَ يَجْلِسُ إِذا صَعِدَ المِنبَرَ حَتَّى يفرُغَ المُؤذِّنُ، ثمَّ يقوم فيخطُبُ، ثمَّ يجلس فلا يتكلّم، ثمَّ يقومُ فيخطبُ. رَواه أبو داودَ.
وعن جابر بن سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما أنه عليه الصلاة والسلام كان يخطب قائماً، ويجلس بين الخُطبتَينِ، ويقرأ آياتٍ، ويُذَكِّرُ النَّاسَ - بتشديد الكافِ ـ أي: يَعِظُهم وينصحهم في أمر دينهم من أهم ما ينفعهم. رواه أحمد، ومسلم، وأبو داودَ والنَّسائِيُّ، وابن ماجه.
وعن بنتِ الحارِثِ بنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: أنَّه عليه الصلاة والسلامكانَ يخطُبُ بـ (قاف) كلَّ جُمُعَةٍ. رواه أبو داود.
والمعنى: أنَّ كلَّ جُمُعةٍ كانَ يقرأُ ببعض آياتٍ من سورة (قاف)؛ لما فيها منأنواع الوعد والوعيد، في حقٌّ القريب والبعيد.
وعن سعد القرظ رضي الله عنه: كانَ عليه الصلاة والسلام إذا خَطَبَفي الحَرْبِ خَطَبَ على قَوْسٍ، وإذا خَطَبَ في الجُمُعَةِ خَطَبَ على عصا. رَواه ابن ماجه، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ.
وعن جابر رضي الله عنه: أنَّه عليه الصلاة والسلام كانَ إِذا خَطَبَ احمرت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غَضَبُه، كأَنَّه مُنذِرُ جيش يقولُ: صَبَّحَكُم ومَسَّاكُم رَواهُ ابنُ ماجه، وابنُ حِبَّانَ، والحاكِمُ.
والمعنى: كأَنَّه مُخوِّفٌ لهجومٍ عَسكَرِ قَرُبَ حُلوله، ويُخشَى نُزوله، فيقولُ المُنذِرُ: صبَّحَكُم ومَسَاكُم؛ أي: إمَّا ينزل بكم في الصباح، أو يَحلُّ بكم في المساء والرواح.
والمعنى: احذَرُوا من أن يُصيبكم العذابُ في الدُّنيا، أو في العُقبى، والتَجِثُوا
إلى طاعة المولى، واستَعِدُّوا للمَوتِ قبلَ الفَوتِ.
وعن أُبَيٍّ رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قرأ يومَ الجُمُعَةِ (براءة) وهو
قائِمٌ، فذكَّرَنا بِأَيَّامِ اللَّهِ. رَوَاهُ ابنُ عساكِرَ.
الجزء 1 · صفحة 8
والمعنى: أنَّه كان يقرأُ بعض آيات سورة (براءة) تخويفاً للمنافقين، والمُراد بأيَّامِ اللهِ: وقائعه التي سبقَتْ في الأَيَّامِ السَّالفة؛ من إنجاء المؤمنين، وإهلاكِ الكافرين. وعن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رضِيَ الله عنه قالَ: مَن حَدَّثَكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخطُبُ على المنبر] جالساً فَكَذَّبُه، فأنا شَهِدْتُه كانَ يخطُبُ قائماً، ثمَّ يجلِسُ، ثمَّ يقومُ فيخطُبُ أُخرَى.
قلتُ: فكيف كانت خُطبته؟ قال: كلام يعِظُ به النَّاسَ، ويقرأ آياتٍ من كتابِ اللهِ، ثمَّ ينزِلُ، وكانت خُطبَتُه قَصْداً؛ أي: وَسَطاً، وصلاتُه قَصْداً بَنَحْوِ: {وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا، و وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. رَواهُ ابنُ عساكر.
وعنه رضيَ الله تعالى عنه: أنَّه عليه الصلاة والسلام [كانَ] لا يُطيلُ المَوعِظَةَيومَ الجُمُعَةِ. رواه أبو داود والحاكِمُ.
وعن أبي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه قال: كانَ صلى الله عليه وسلم يقرأُ في الجُمُعَةِ بسورةِالجُمُعةِ والمُنافقين، فأمَّا سورةُ الجُمُعة فيُبَشِّرُ بها المُؤمنين ويُحرِّضُهم، وأمَّا سورة المنافقين فيُؤَيِّسُ بها المُنافقين ويُوَبِّحهم
وعن عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه، ورضِيَ الله عنه: أنَّه عليه الصلاة والسلام كانَ يقرأ على المنبرِ: قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ في «الأَوْسَطِ».
وهو يحتمل الجمعَ بينهما في خُطبة واحدة، وقراءة كل واحدة منهما في خُطبة، ولعلّه عليه الصلاة والسلام اختارَهُما؛ لما في الأولى من البَراءةِ عن عبادة غيرِالمَولى، ولما في الثَّانيةِ من الأسماءِ الحُسنَى والصِّفاتِ العُليا.
1 - وأوَّلُ خُطبَةٍ خَطَبَها بالمدينة لأصحابه في الجُمُعَةِ، قال فيها:
الجزء 1 · صفحة 9
الحمد الله، أحمده وأستعينه، وأستَغفِرُه وأَستَهدِيه، وأُومِنُ به ولا أكفُرُه، وأُعادِي مَن يكفُرُ به، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَدُ أَنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنُّورِ، والمَوعِظَةِ والحِكمَةِ، على فترة من الرُّسُلِ، وقلة من العلم، وصلالة من النَّاسِ، وانقطاع من الزَّمانِ، ودنو من السَّاعَةِ، وقُرْب من الأجَلِ، مَن يُطِعِ اللَّهَ ورسوله فقد رَشَدَ، وَمَن يعص الله ورسوله فقد غَوَى وفرَّطَ، وضلَّ ضلالاً بعيداً.
أُوصيكم بتقوى اللهِ، فَإِنَّه خَيْرُ ما أوصى به المُسلِمُ المُسلِمَ أَن يَحُضّه على الآخرة، ويأمره بتقوى الله، واحذَرُوا ما حَذَرَكم الله من نفسه، فإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ لمَن عَمِلَ به على وَجَلٍ ومَخافة من ربِّه عَوْنٌ وصِدْقٌ على ما تبتغون من الآخرةِ، ومَن يصل الذي بينه وبين الله من أمره في السِّرِّ والعلانية لا ينوي به إلا وجه الله يكُنْ له ذكراً في عاجِلِ أمرِه، وذُخراً فيما بعد الموتِ حينَ يفتقِرُ المَرءُ إلى ما قدَّمَ، وما كانَ مِمَّا سِوَى ذلك يَوَدُّ لو أنَّ بينه وبينه أمَداً بعيداً، ويُحذِّرُكم الله نفسه، والله رؤوفٌ بالعبادِ، هو الذي صَدَقَ قولَه، وأنجَزَ وعده، لا خُلفَ لذلك؛ فإنَّه يقولُ: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَمَا أَنَا بِظَلَّ لِلْعَبِيدِ} [ق: 29].
فاتَّقوا الله في عاجِلِ أمرِكُم وآجِلِه، في السِّرِّ والعلانية، فإِنَّه مَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عنه سيِّئَاتِه، ويُعظِم له أجراً، ومَن يَتَّقِ الله فقد فاز فوزاً عظيماً، وإِنَّ تقوى اللهِ تُوقِي مَقتَه، وتُوقِي عُقوبَتَه وسَخَطَه، وإن تقوى اللهِ تُبيِّضُ الوَجهَ، وتُرضي الرَّبَّ، وترفَعُ الدَّرجةَ، فخُذوا بحضّكُم، ولا تُفَرِّطُوا في جنب الله، فقد علَّمَكُم كتابه، ونَهَجَ لكم سبيله، ليعلَمَ الذين صدقوا، ويعلم الكاذبين.
الجزء 1 · صفحة 10
فأحسِنُوا كما أحسَنَ اللهُ إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهِدُوا في الله حق جهاده، هو اجتباكُم وسَمَّاكُمُ المُسلمين، ليَهلِكَ مَن هَلَكَ عن بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى من حي عن بينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأكثروا ذكر الله، واعْمَلُو الما بعد الموتِ، فإنَّه مَن يُصلح ما بينه وبينَ اللَّهِ، يَكفِه الله ما بينه وبينَ النَّاسِ؛ وذلك بأنَّ اللهَ يقضي على النَّاسِ، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». كذا ذكر القُرطبيُّ هذه الخُطبَةَ في تفسيره»، وكذا جماعة غيره).
? - وعن [أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه: أَنَّ مِن خُطَبِهِ:
إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُه، أحمده وأستَعينُه، نعوذ بالله من شُرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله.
إنَّ أحسَنَ الحديث كتابُ اللهِ، قد أفلَحَ مَن زَيَّنَه الله في قلبه، وأدخَلَه في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديثِ النَّاسِ، إِنَّه أَحسَنُ الحديث وأبلَغُه، أحِبُّوا مَن أحبَّ الله، أحِبُّوا الله تعالى من كلِّ قُلوبِكُم، ولا تملُّوا كلامَ اللهِ وذِكرَه، ولا تَقْسَ [عنه] قلوبكم؛ فقد سَمَّاه خِيرته من الأعمال، والصَّالِحَ من الحديث، فاعبدوا الله ولا تُشرِكوا به شيئاً، واتَّقوه حقَّ تُقاتِه، واصدقُوا اللهَ صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا برُوحِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بينكم، إِنَّ اللهَ يَعْضَبُ أَن يُنكَثَ عَهده، والصلاة والسلام عليكم ورحمةُ اللهِ». رَواهُ هَنَّادٌ مُرسَلاً.
ـ وعن مَعنِ بنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ من خُطبته عليه الصلاة والسلام:
الجزء 1 · صفحة 11
«إنَّ الحمدَ اللهِ، ما شاءَ جَعَلَ بين يديه، وما شاءَ جَعَلَ خلفه، وإنَّ من البيانِ سِحْراً». رواه أحمدُ والطَّبرانِيُّ
والمعنى: أنَّه سُبحانَه المُقدِّمُ والمُؤَخِّرُ، يُقدِّمُ مَن شَاءَ فيما شَاءَ، ويُؤخِّرُ مَن شَاءَ
فيما شاءَ، لا مُقَدِّمَ لما أَخَّرَ، ولا مُؤَخَّرَ لما قَدَّمَ. وقوله: «إنَّ من البيانِ سِحْراً»: يحتمل المَدحَ والذَّمَّ، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ.
4 ـ وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قالَ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أسْمَعَ العَواتِقَ في الخُدُرِ - أي: الأبكار فيما وراء الأستار - يُنادي بأعلى صوته: يا مَعشَرَ مَنْ آمَنَ بلِسانِه ولم يَخلُص الإيمانُ إلى قلبه، لا تَغْتابوا المُسلمين، ولا تَتَّبِعُوا عوراتهم - أي: عُيُوبَهم وذُنوبهم - فإِنَّ مَن يَتَّبِعْ عَورَةَ أَخِيهِ المُسلِمِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَورَتَهُ، ومَن يَتَّبِعِ اللَّهُ عَورته يفضَحْه في جَوْفِ بيتِه». رَواهُ البَيْهَقِيُّ
5 - وعن علي رضي الله عنه قال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطيباً على الصحابة فقالَ: «يا أَيُّها النَّاسُ! كَأَنَّ المَوتَ على غَيْرِنا كُتِبَ، وكأَنَّ الحَقِّ على غَيْرِنا وَجَبَ، وكأنَّ الذي نُشيِّعُ من الأمواتِ سَفَرٌ عما قليل إلينا راجعون، نُبُوتُهُم أجدائهم، ونأكُلُ تُراثَهم، كأَنَّا مُخلَّدُونَ بعدهم، قد نسينا كلَّ واعِظة، وأَمِنَّا كل جائِحَةٍ.
طُوبى لمن شغَلَه عَيْبه عن عُيوبِ النَّاسِ، طُوبى لمَن طَابَ مَكسَبُه، وصَلُحَت سريرته، وحَسُنَت علانيته واستقامت طَريقَتُه، طُوبي لمَن تَواضَعَ اللَّهِ من غيرِ مَنقَصَةٍ، وأنفَقَ مالاً جمَعَه في (2) غير معصية، وخالَطَ أهل الفقه والحكمة، ورَحِمَ أهلَ الذُّلُّ والمَسكَنَةِ، طُوبَى لمَن أنفَقَ الفَضْلَ من ماله، وأمْسَكَ الفَضْلَ من قوله، ووَسِعَتْه السُّنَّةُ، ولم يعد عنها إلى البدعة).
الجزء 1 · صفحة 12
6 - وعن ابن عبّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قالَ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مسجدِ الخِيفِ، فَحَمِدَ الله، وذكَرَه بما هو أهله، ثمَّ قَالَ: من كانت الآخرةُ همَّه جمَعَ اللهُ شَمْلَه، وجعَلَ غِناهُ بين عينيه، وأَتَتْه الدُّنيا وهي راغِمَةٌ، ومَن كانَت الدُّنيا همه فرَّقَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَه بين عينيه، ولم يأته من الدُّنيا إلا ما كُتِبَ له». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ.
7 - وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: قامَ فينا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خطيباً، فقال:
يا أَيُّها النَّاسُ إِنَّكُم في دارِ هُدْنَةٍ، وأنتم على ظَهْرِ سَفَرِ، السَّيرُ بكم سريع، فأعِدُّوا الجهاز؛ لبُعدِ المَسافِةِ». رَواهُ الدِّيلَمِيُّ.
8ـ وعنه رضي الله تعالى عنه أيضاً: أَنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ قالَ خُطبته: في «أَيُّها النَّاسُ! قد بيَّنَ الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم، وما حَرَّمَ عليكم، فأحِلُّوا حَلالَه، وحَرِّمُوا حرامه، وآمِنُوا بِمُتشابهه، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِه، واعتَبِرُوا بأمثاله». رَواهُ ابنُ النَّجَّارِ).
9 - وعن العرباض بن ساريةَ رضِيَ اللهُ تعالى عنه، قالَ: وَعَظَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
مَوعِظَةً بليغةً، وَجِلَت منها القُلوبُ، وذَرَفَت منها العيون، فقُلنا: يا رسول الله، كأَنَّها مَوعِظَةٌ مُوَدَّع، فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُم بتقوى اللهِ والسَّمْعِ والطَّاعةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عليكُم عبدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشدين المَهدِيِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإِيَّاكُم ومُحدَثاتِ الأمور، فإِنَّ كلَّ بدعة ضلالةٌ». رواه أبوداود، والترمذي، وقال: حديثُ حَسَنٌ صحيحٌ
الجزء 1 · صفحة 13
10 - وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقرأ هذه الآية: {اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]،
ثم قال عليه الصلاة والسلام: مَن أُوتِيَ ثلاثاً فقد أُوتِيَ مثل ما أُوتِيَ داود: خَشِيةُ اللهِ في السِّرِّ والعلانية، والعدل في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصْدُ في الفَقْرِ والغِنَى رَواهُ ابنُ النَّجَّارِ.
11 - وعن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما، قالَ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مسجدِ الخيفِ بمِنَى، فقال: نضَّرَ اللهُ عَبداً سمعَ مَقالتي فعَمَدَ بها يُحدِّثُ بها أخاه، ثلاثَةٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مُسلم: إخلاص العَمَلِ اللهِ، ومُناصَحَةُ وُلاةِ الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإنَّ دعوتهم تُحيط من ورائهم». رَواهُ ابنُ النَّجَّارِ).
12 ـ وعن أبي نَضْرَةَ رضي الله تعالى عنه، قال: حَدَّثني مَن شَهِدَ خُطبَةَ النَّبيِّ: أَنَّه سمعه يقول فيها:
يا أَيُّها النَّاسُ أَلا إِنَّ رَبَّكُم واحد، وإنَّ أباكم واحد، لا فضل لعربي على عَجَمِيٌّ، ولا العَجَمِيٌّ على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسودَ إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغْتُ»؟ قالوا: نعم، قالَ: «فَلْيُبلغ الشَّاهِدُ الغائب». ذكرَه الطَّبَرِيُّ في «آدابِ النُّفُوسِ».
13 - وفيه أيضاً: عن أبي مالك الأشعرِيّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، قالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لا ينظر إلى أنسابِكُم، ولا إلى أحسابِكُم، ولا إلى أموالِكُم، ولكِنْ ينظُرُ إلى قُلوبِكُم، فمَن كانَ له قلب صالح تحنَّنَ اللهُ عليه، وإِنَّما أنتم بنو آدَمَ، وأحبُّكُم إليه أتقاكم).
الجزء 1 · صفحة 14
14 - وعن أبي بكر بن مُحمَّدِ بنِ عَمرو بن حَزْمٍ قَالَ: خَطَبَ أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «تَعَوَّذُوا بالله من خُشوع النفاق، قالوا: يا رسول الله، وما خُشوع النّفاقِ؟ قالَ: «خُشوعُ البَدَنِ، ونفاقُ القَلبِ». رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
15 - وعن عَمْرِو بنِ ِدينَارٍ رحِمَهُ اللهُ قالَ: خَطَبَ أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه فقالَ: أُوصيكُم باللهِ لفَقْرِكُم وفاقَتِكم أن تتَّقُوه، وأن تُثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستَغفِرُوه؛ فإِنَّه كانَ غَفَّاراً، واعلَمُوا أَنَّكُم ما أَخلَصتُم اللهِ فَرَبَّكُم أَطَعتُم، وحَقَّه حَفِظْتُم، فَأَعطُوا ضرائبكُم في أَيَّامٍ سَلَفِكُم، واجعَلُوها نوافِلَ بينَ أيدِيكُم، حَتَّى تَستَوفُوا سَلَفَكم وضَرائِبَكُم حِينَ فَقْرِكُم وحاجَتِكُم.
ثمَّ تَفَكَّرُوا عباد الله فيمَن كانَ قبلَكُم، أينَ كانُوا أمس؟ وأينَ هُمُ اليوم؟ أَينَ المُلوكُ الذين أثاروا الأرضَ وعَمَرُوها؟ قد نُسوا ونُسِي ذِكرُهم، فهم اليومَ كَلَا شيء، فتلك بيوتهم خاوِيَةٌ بما ظلموا، وهم في ظُلُماتِ القُبورِ، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: ??]؟ وأين ما تعرِفُون من أصحابِكُم وإخوانِكُم؟ قد وَرَدُوا على ما قَدَّمُوا، فَحَمَلُوا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، إنَّ الله عزّ وجلَّ ليس بينه وبينَ [أحدٍ من] خَلقِه نسبٌ يُعطيه به خيراً، ولا يصرفُ عنه سُوءاً إلا بطاعته واتباع أمرِه، وإنَّه لا خير بخير بعده النَّارُ، ولا شَرَّ بشَر بعده الجنَّةُ. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. رواه أبو نُعَيم في «الحِليةِ».
16 - وعن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان أبو بكر يخطبنا، فيذكُرُ بَدْ خَلقِ الإنسان فيقولُ: خَرَجَ من مَخرجِ البَولِ من نَتَنِ، فيَذكُرُ حَتَّى يَتَقَذَّرَ أحدنا نفسَه. رَواهُ ابنُ أَبي شَيبةَ في «مُصَنَّفَه».
الجزء 1 · صفحة 15
17 - وعن نُعَيمٍ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: كانَ في خُطبة أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنه: أما تعلمونَ أَنَّكم تغدُونَ وتَرُوحُونَ لأَجَلٍ مَعلومِ؟ فَمَن استطاع أن ينقضِيَ الْأَجَلُ وهو في عَمَلِ اللهِ فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله، إنَّ أقواماً جَعَلُوا أَجالَهم لغَيرِ الله، فنَهَاكُم الله أن تكونوا أمثالهم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَهُمْ أَنفُسَهُمْ} [الحشر: 19]. أينَ مَن تَعرِفُونَ من إخوانِكُم؟ قَدِمُوا على ما قدَّمُوا فِي أَيامِ سَلَفِهم، وحَلُّوا فيه بالشَّقاوة والسَّعادة. أينَ الجَبَّارُونَ الأوَّلون الذين بَنَوا المَدائنَ وحَفَّفُوها بالحوائِطِ؟ قد صارُوا تحتَ الصَّخرة والآثار.
هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، فاستَضيئوا منه ليومِ الظَّلَمَةِ، وانتَصِحُوا بشفائه وبيانِهِ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أثنى على زَكَرِيَّا وأهل بيته، فقالَ: {وَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَا وَكَانُوا لَنَا خَشِعِينَ} [الأنبياء: 90].
لا خير في قول لا يُراد به وَجهُ اللهِ، ولا خير في مال لا يُنفَقُ في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهلُهُ حِلمهُ، ولا خير فيمن يخافُ في الله لومة لائم. رَواهُ الطبراني، وأبو نُعَيمٍ في «الحلية». قال ابن كثير: إسناده جيد.
18ـ وعن عبد الله بن عُكيم قال: خطبنا أبو بكر فقال:
أما بعد: فإنّي أُوصِيكُم بِتَقْوَى اللهِ عزَّ وجَلَّ، وأن تُثنوا عليه بما هو أهله، وأن تَخلِطُوا الرَّعْبَةَ بِالرَّهِبَةِ، وأن تَجمَعُوا الإلحاف بالمسألَةِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أثنى على زَكَرِيَّا، وعلى أهل بيته، فقالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ويدعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَا وَكَانُوا لَنَا خَشِعِينَ} [الأنبياء: 90].
الجزء 1 · صفحة 16
ثمَّ اعْلَمُوا عبادَ اللهِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قد ارتَهَنَ بحقِّهِ أَنفُسَكُم، وأَخَذَ على ذلك مواثيقكُم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم، لا تفنى عجائبه، ولا يُطفَأُ نوره، فصَدِّقُوا قولَه، وانتصحُوا كتابه، واستَبْصِرُوا فيه ليومِ الظُّلَمَةِ، فإِنَّما خَلَقَكُم للعبادة، ووكَّل بكم الكرامَ الكاتبين، يعلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ.
ثمَّ اعْلَمُوا عباد الله، إنَّكم لَتَغدُون وتروحون في أجل قد غيب عنكم غُيِّبَ علمه، فإن استَطَعْتُم أن تنقَضِيَ الآجال وأنتُم في عَمَلِ اللَّهِ فَافعَلُوا، ولن تستطيعُوا ذلك إلا بالله، فسابِقُوا في مُهَلِ آجالِكُم قبل أن تنقضي فتردَّكُم إلى سُوءِ أعمالِكُم، فإنَّ قوماً جَعَلُوا أَجالَهم لغيرهم، فنَسُوا أَنفُسَهم، فنَهَاكُم أن تكونُوا أمثالهم، الوَحَاءَ الوَحَاءَ النَّجَاءَ النَّجَاءَ، إِنَّ وراءَكُم طالباً حَثِينَا مَرُّهُ سريع. رَواهُ ابن أبي شيبة، وأبو نعيم، والحاكم، وغيرهم.
19 - وعن ابنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ الله عنه: أنَّ أبا بكرٍ رَضِيَ الله عنه قال وهو يخطُبُ: يا معشرَ النَّاسِ اسْتَحبُوا مِنَ اللهِ، فوالذي نفسي بيده، إِنِّي لَأَظُلُّ حتَّى أذهبَ إلى الغائِطِ في الفَضاءِ مُغَطّياً رأسي - وفي لفظ: مُقَنّعاً رأسي - استحياء من ربِّي رَواهُ ابنُ المُبارَكِ، وابنُ أَبي شَيبةَ في «مُصنِّفه»، والخرائِطِيُّ في «مَكارِمِ الأخلاق».
20 - وعن مُحمَّدِ بنِ إبراهيم بن الحارِثِ: أَنَّ أَبا بكرِ الصِّدِّيقِ خَطَبَ النَّاسَ فقال: والذي نفسي بيده لَئِنِ اتَّقَيتُم وأحسَنتُم لَيُوشِكَنَّ أَلَّا يَأْتي عليكم [إلا يسيراً] حتّى تشبَعُوا من الخُبز والسَّمنِ. رَواهُ ابنُ أَبِي الدُّنيا، والدِّينَوَرِيُّ.
21 - وعن مُوسَى بنِ عُقبَةَ رحِمَهُ اللهُ تعالى: أَنَّ أَبا بكرِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنه كانَ يخطب فيقول:
الجزء 1 · صفحة 17
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمده، وأستعينه، ونسأله الكرامَةَ فيما بعدَ المَوتِ، فإنَّه قد دنا أجلي وأجَلُكم، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّداً عبده ورسوله، أرسله بالحقِّ بشيراً ونذيراً، وسراجاً منيراً، وَلِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ} [يس: 70]، ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورسولَه فقد رَشَدَ، ومَن يعصهما فقد ضَلَّ ضَلالاً مبيناً.
أُوصِيكُم بتقوى الله، والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهَداكُم به، فإِنَّ جَوامِعَ هُدَى الإسلام بعد كلمةِ الإخلاص السَّمعُ والطَّاعَةُ لمَن ولاه الله أمرَكُم، فإنَّه مَن يُطِعْ ولي الأمر بالمعروفِ والنَّهْيِ عن المُنكَرِ فقد أَفْلَحَ وأَدَّى الذي عليه من الحقِّ، وإيَّاكُم واتباع الهوى، فقد أفلح من حُفِظَ [من] الهَوَى والطمع والغَضَبِ، وإيَّاكُم والفَخْرَ، وما فَخُرُ مَن خُلِقَ من تُرَابٍ، ثم إلى التّرابِ يعود، ثم يأكله الدود، ثم هو اليومَ حَيٌّ وغداً ميت؟!
فاعملوا يوماً بيوم، وساعة بساعة، وتوَلُّوا دُعاة المظلوم، وعُدُّوا أَنفُسَكُم في الموتى، واصبروا فإنَّ العمل كله بالصبر، واحذَرُوا، والحذَرُ يَنفَعُ، وَاعْمَلُوا والعَمَلُ يُقبَلُ، واحذَرُوا ما حذَرَكُم الله من عذابه، وسارِعُوا فيما وَعَدَكُم الله من رحمتِه وثوابه، وافهَمُوا تفهموا، واتَّقُوا تُوقُوا، فإنَّ اللهَ قد بيَّنَ لكُم ما أهلَكَ بِه مَنْ كانَ قبلَكُم، وما نجا به مَنْ نجا قبلكم، قد بيّنَ لكُم في كتابه حلاله وحرامه، وما يُحِبُّ من الأعمال وما يكره، فإنِّي لا الُوكُم ونفسي، والله المُستَعانُ، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله.
واعلَمُوا أَنَّكم ما أَخلَصْتُم الله من أعمالكم، فربَّكم أطَعتُم، وحَظَّكم حفظتُم، واغتبطتُم، وما تطوعتُم به فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستَوفُوا بِسَلَفِكُم، وتُعطوا أجركم حينَ فَقْرِكُم وحاجَتِكُم إليها.
الجزء 1 · صفحة 18
ثمَّ تَفَكَّرُوا عبادَ اللهِ في إخوانِكُم وصَحابتِكُم الذين مَضَوا، قد وَرَدُّوا على ما قدَّمُوا فأقاموا عليه، وحَلُّوا في الشَّقاءِ والسَّعادة فيما بعدَ المَوتِ، إِنَّ اللهَ ليس له شريك، وليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نَسَبُ يُعطيه به خيراً، ولا يصرِفُ عنه سُوءَاً إلا بطاعته واتباع أمره، فإنَّه لا خير في خير بعده النَّارُ، ولا شرَّ في شرِّ بعده الجنَّةُ، أقولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلُّوا على نبيكُم،، والصلاة والسلام عليكم ورحمة الله وبَرَكاتُه. أخرجه ابنُ أَبي الدُّنيا).
22 - وعن الحَسَنِ رحمه الله: أنَّ أبا بكرِ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنه خَطَبَ النَّاسَ فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمَّ قال: إنَّ أَكيَسَ الكَيْسِ التَّقوى، وأحمَقَ الحُمْقِ الفُجور، ألا إِنَّ الصَّدقَ الأمانة، والكَذِبَ الخيانةُ. رَواهُ ابنُ عساكِرَ.
وزاد في رواية: وحاسِبُوا أَنفُسَكُم قبل أن تُحاسَبُوا، ولا يدَعُ قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضَرَبَهم اللهُ بالفَقرِ، ولا ظَهَرَتِ الفَاحِشَةُ في قومٍ إلا عمَّهُمُ اللهُ بالبَلاءِ وفي رواية: خَطَبَ فذكرَ المُسلمين فقالَ: مَن ظَلَمَ منهم أحداً فقد أَخْفَرَ ذِمَّةَ اللهِ، ومَن وَلِيَ من أمورِ النَّاسِ شيئاً فلم يُعطِهمْ كتابَ اللهِ، فعَلَيه بَهْلَةُ اللهِ. وفي رواية له: أنَّ أبا بكرٍ قامَ خَطيباً، فحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثمَّ قالَ: الحمدُ للهِ الذي هَدَى فَكَفَى، وأعطَى فأغنَى.
وفي رواية له عنه: أنَّه قال: أَيُّها النَّاسُ احْذَرُوا الدُّنيا، ولا تَتِقُوا بها؛ فإِنَّها غَرّارةٌ غَدَّارَةٌ، وآثِرُوا الآخِرَةَ على الدُّنيا فأحِبُّوها، فبحب كل واحدة منهما تُبغَضُ الأُخرى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الجزء 1 · صفحة 19
23 - عن قبيصة رحمه الله تعالى قال: سمعتُ عمر رضي الله عنه وهو يقولُ: مَن لا يَرْحَمُ لا يُرحَمُ ومَن لا يغفِرُ لا يُغفَرُ له، ومَن لا يتوبُ لا يُتاب عليه، ومَن لا يتقي لا يُوقَهُ. رَواهُ البُخارِيُّ في «الأدبِ».
24 ـ وعن الباهلي رحمه الله: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ الله عنه قامَ في النَّاسِ خَطيباً مَدخَلَه في الشام بالجابية، فقال: تعلموا القُرآنَ تُعرَفُوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنَّه لم يبلغ منزلة ذي حَقٌّ أن يُطاعَ في معصية الله، واعلَمُوا أَنَّه لا يُقربُ من أجل ولا يُبعِدُ من رزق، قول بحق، وتذكير عظيم. واعلَمُوا أَنَّ بين العبد وبينَ رزقه حِجاباً، فإنْ صَبَرَ أَتاه رِزْقُهُ، وإن اقتَحَمَ هَتَكَ الحِجَابَ ولم يُدرِكْ فَوقَ رِزْقِه. فأدبوا الخيل، وانتَضِلُّوا، وتنعَّلُوا، وتسَوَّكُوا، وتَمَعْدَدُوا، وإِيَّاكُم وأخلاق العَجَمِ، ومُجاوَرَةَ الجبارين، وأن يُرفَعَ بينَ ظَهرانيكُم صليب، وأن تجلسوا على مائدةٍ يُشرَبُ عليها الخَمرُ، وأن تدخُلُوا الحمامَ بغير إزارٍ، وأن تَدَعُوا نساءَكُم يدخُلْنَ الحماماتِ، فإِنَّ ذلك لا يحِلُّ.
وإيَّاكُم أن تكسِبُوا من عقدِ الأعاجِمِ بعدَ نُزولِكُم في بلادِهم ما يحبِسُكُم في أرضهم، فإنَّكُم تُوشِكُون أن ترجِعُوا إلى بلادِكُم.
وإيَّاكُم والصغار أن تجعلوه في رِقابِكُم، وعليكم بأموالِ العَرَبِ، الماشية تنزِلُونَ بها حيثُ نَزَلتُم، واعْلَمُوا أَنَّ الأشرِبَةَ تُصنَعُ من الثَّلاثةِ: من الزَّبيبِ والعَسَلِ والتَّمر، فما عُمِّقَ منه فهو خَمرٌ لا يحِلُّ.
الجزء 1 · صفحة 20
واعلَمُوا أَنَّ اللهَ لا يُزَكِّي ثلاثةَ نَفَرٍ، ولا ينظُرُ إليهم، ولا يُقربهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم: رجُلٌ أعطى إمامَه صَفقةً يُريدُ بها الدُّنيا، فإِنْ أَصابَها وَفَّى له، وإن لم يُصِبْها لم يَفِ له، ورَجلٌ خَرَجَ بِسِلْعَتِه بعد العصرِ فَحَلَفَ بالله لقد أُعطي بها كذا وكذا، فاشتريت له، وسبابُ المُسلِمُ فِسْقٌ، وقِتاله كُفر، ولا يحِلُّ لك أن تهجُر أخاك فوق ثلاثةِ أَيَّامٍ.
ومَن أتى ساحراً أو كاهناً أو عَرَّافاً، فصدقه بما يقولُ، فقد كَفَرَ بِما أُنزِلَ على مُحَمَّدٍ. رَواهُ العَدَنِيُّ.
25 ـ وعن السَّائِبِ بنِ مِهْجان - من أهلِ الشَّامِ، وكان قد أدرَكَ الصَّحابة - قالَ: لمَّا دَخَلَ عُمَرُ الشَّامَ، حَمِدَ الله وأثنى عليه، ووَعَظَ، وذكَّرَ، وأمرَ بالمَعروفِ ونهى عن المُنكَرِ، ثمَّ قَالَ: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيباً كقيامي فيكم، فأمر بتقوى الله، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وإصلاح ذاتِ البَينِ، وقال: عليكم بالجماعة - وفي لفظ: بالسَّمعِ والطَّاعَةِ ـ فإنَّ يدَ اللهَ على الجماعةِ، وإنَّ الشَّيطانَ معَ الوَاحِدِ، وهو من الاثنين أبعد.
لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ فإنَّ الشَّيطان ثالثهما، ومَن سَاءَتْه سَيِّئَةٌ، وَسَرَّتْه حَسَنةٌ، فهو أَمارَةُ المُسلمِ المُؤمِنِ، وأَمارَةُ المُنافِقِ الذي لا تسوؤُه سَيِّئَةٌ، ولا تسُرُّه حَسَنَةٌ، إِنْ عَمِلَ خَيراً لم يرجُ مِنَ اللهِ في ذلك الخيرِ ثَواباً، وإِنْ عَمِلَ شَرَّاً لم يخَفْ مِنَ اللَّهِ فِي ذلك الشَّرِّ عقاباً.
وأَجمِلُوا في طَلَبِ الدُّنيا، فإنَّ اللهَ قد تكفل بأرزاقِكُم، وكلٌّ سيتم له عمَلَه الذي كان عاملاً، استَعينُوا بالله على أعمالكم، فإنَّه يمحو ما يشاءُ ويُثبِتُ وعندَه أُمُّ الكِتابِ. صلَّى الله على نبينا محمد وآله، وعليه الصلاة والسلام ورحمة الله وبركاته.
الجزء 1 · صفحة 21
الصلاة والسلام عليكُم رَواهُ ابنُ مَردَوَيهِ، والبَيْهَقِيُّ، وابن عساكر، وقالا: هذه خُطبَةٌ عمر بن الخطَّابِ رَضِيَ الله عنه على أهلِ الشَّامِ، وأثرها عن رسولِ اللهِ.
26 ـ وعن الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ كانَ عمرُ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه يقولُ: أَكثرُوا ذِكرَ النَّارِ، فإِنَّ حَرَّها شديدٌ، وإنَّ فَعَرَها بعيد، وإِنَّ مَقمَعَها حديدٌ. رَوَاهُ ابنُ أَبي شيبة في مصنفه» (?).
27 ـ وعن أبي خالدٍ الغَسَّاني قالَ: حَدَّثَنِي مَسْيَخَةٌ من أَهْلِ الشَّامِ أَدْرَكُوا عَمَرَ رضِيَ الله عنه، قالوا: لمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رضي الله عنه صَعِدَ المِنبَر، فلما رأى النَّاسَ أسفل منه، حَمِدَ الله، ثمَّ كَانَ أَوَّلَ كلام تكلَّمَ به بعدَ الثَّنَاءِ على الله وعلى رسولِه:
هَوِّنْ عليك فإنَّ الأمورَ
فليس بآتيكَ مَنهِيُّها
بكف الإلهِ مَقادِيرُها
ولا قاصر عنك مَأْمُورُها
رَواهُ العَسْكَرِيُّ.
?? ـ وعن سماك بنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَعرُوراً - أو ابنَ مَعْرُورٍ - التَّيْمِيُّ، قَالَ: سمِعتُ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنه، وصَعِدَ المِنبَرَ فَقَعَدَ دونَ مَقعَدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بمقعدين، فقالَ: أُوصيكم بتقوى الله، واسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِمَن وَلَاهُ اللَّهُ أَمَرَكُم. أَخْرَجَه ابن جرير).
29 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَقُولُ فِي خطبته: أَفْلَحَ منكم مَنْ حُفِظَ عن الهَوَى والغَضَبِ والطَّمَعِ، ووُفِّقَ إلى الصدقِ في الحديث، فإنَّه يجُرُّه إلى الخيرِ، مَن يكذب يفجُرْ، ومَن يفجُرْ يهلك، إِيَّاكُم والفَخْرَ، وما فَخرُ مَن خُلِقَ من التّرابِ، وإلى التُّرابِ يعود؟! اليوم حي وغداً ميت، اعملوا عمل يوم بيوم، واجتَنِبُوا دَعوَةَ المَظلوم، وعُدُّوا أَنفُسَكُم من المَوْتَى رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
الجزء 1 · صفحة 22
30 - وعن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه: أَنَّه قالَ فِي خُطبَتِه: حاسِبُوا أَنفُسَكُم قبل أن تُحاسَبُوا، فإنَّه أهوَنُ لحِسابِكُم، وزِنُوا أَنفُسَكُم قبل أن تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا للعَرْضِ الأكبرِ يومَ تُعرَضُون لا تخفى منكم خافية. رَواهُ ابنُ المُبارَكِ، وأحمد، وأبو نُعَيمٍ، وغَيْرُهم.
31 ـ وعن الحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ كانَ: يقولُ: يا أَيُّها النَّاسُ! إِنَّه مَن يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ،
ومن يتبع الخير يُؤتَهُ. رَوَاهُ العَسكَرِيُّ في المَواعظ).
32 ـ وعن أبي فراس قالَ: خَطَبَ عَمرُ بنُ الخَطَّابِ، فقالَ:
يا أَيُّها النَّاسُ ألا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرانينا النبي، وإذ ينزل الوحي، وإذ يُنتنا الله من أخباركُم، ألا وإن النبي قد انطلق، وانقطع الوحي وإِنَّما نعرفكم بما نقول لكُم.
مَن أظهَرَ منكم خَيْراً ظَنَنَّا به خَيراً، وأحببناه عليه، ومَن أظهَرَ لنا شَرَّاً ظَنَنَّا به شراً، وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم و بين ربكم، ألا إنَّه قد أتى عليَّ حين وأنا أحسِبُ أَنَّ مَن قرأَ القُرآنَ يُرِيدُ الله وما عندَه، فقد خُيَّلَ لي بِأَخَرَةٍ أَنَّ رِجَالاً قد قَرَؤُوه يُريدونَ به ما عندَ النَّاسِ، فَأَرِيدُوا اللهَ بقِراءَتِه، وأَرِيدُوه بأعمالِكُم.
الا وإني والله ما أُرسِلُ عُمَّالي إليكم ليضرِبُوا أَبشارَكُم، ولا ليأخُذُوا أموالكم، ولكِنْ أُرسله إليكم ليُعلِّمُوكم دينكم وسُنّتكم، فمَن فعَلَ به سِوَى ذلك فليَرْفَعُه إِليَّ، فوالذي نفسي بيده إذا لأُقِصَّنَّهُ منه، ألا لا تضرِبُوا المُسلمينَ فتُذِلُّوهم، ولا تحمَدُوهُم فتَفتِنُوهُم، ولا تمنعُوهُم حقوقهم فتكفّروهُم، ولا تُنزِلُوهم الغِياضَ فَتُضَيِّعُوهُم رَواهُ أحمد، وجماعة.
الجزء 1 · صفحة 23
?? - وعن مُوسَى بنِ عُقبَةَ قالَ: هذه خُطبَةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ يومَ الجابية: أمَّا بعد، فإنّي أُوصِيكُم بتقوى الله الذي يبقَى، وما سواه يفنى، الذي بطاعته يُكرم أولياؤُه، وبمَعصِيَتِه يُذَلُّ أعداؤُه، فليس لهالك هَلَكَ مَعذِرَةٌ في فعلِ ضَلالةٍ حَسِبَها هدى، ولا في تَرْكِ حَقٌّ حَسِبَه ضلالةً.
وإِنَّ أَحَقَّ ما تعاهَدَ الرَّاعي من رعيَّتِه أن يتعاهَدَهُم بما اللهِ عليه من وظائفِ دينهم الذي هداهم الله له، وإنما علينا أن نأمُرَكُم بما أمرَكُم الله به من طاعَتِه، ونَنْهاكُم عمَّا نهاكُم الله عنه من مَعصِيَتِه، وأن نُقيم فيكم أمرَ اللهِ عزَّ وجَلَّ في قريبِ النَّاسِ وبعيدهم، ولا نبالي على مَنْ مالَ الحقُّ.
وقد عَلِمْتُ أنَّ أقواماً يمتَنُّونَ في دينهم فيقولُونَ: نحنُ نُصلّي معَ المُصلَّين، ونُجَاهِدُ معَ المُجاهدين، وننتَحِلُ الهجرة، وكلُّ ذلك يفعله أقوام ولا يحملونه بحقه، وإنَّ الإيمان ليس بالتّحلّي، وإنَّ للصَّلاةِ وقتاً اشتَرَطَه الله، فلا تصلح إلا به، فوقتُ صلاةِ الفَجْرِ حينَ يُزايلُ المَرءُ ليله، ويحرم على الصَّائِمِ طعامه وشرابه، فآتُوها حظها من القُرآنِ.
ووَقتُ صلاةِ الظُّهرِ إذا كانَ القَيْظُ، فحينَ تَزيعُ عن الفَلَكِ حَتَّى يَكونُ ظِلُّكَ مِثلَك، وذلك حينَ يُهَجِّرُ المُهجِّرُ، فإذا كانَ الشَّتاء فحين تزيعُ عن الفَلَكِ حَتَّى يكون على حاجِبِكَ الأيْمَنِ، مَعَ شُروط الله في الوضوء والرُّكوعِ والسُّجودِ. ووَقتُ صلاةِ العَصْرِ والشَّمسُ بيضاءُ نقيَّةُ قبل أن تَصْفار، قدرَ ما يسيرُ الرَّاكِبُ على الجَمَلِ الثَّقَالِ فَرسَخَينِ قبل غُروبِ الشَّمس.
وصلاة المغربِ حينَ تغرُبُ الشَّمسُ ويُفطِرُ الصَّائِمُ.
وصلاةُ العِشَاءِ حينَ يُعَسْعِسُ اللَّيْلُ، وتذهَبُ عُمَرَةُ الأُني إلى تُلْتِ اللَّيلِ، فَمَن رَقَدَ قبل ذلك، فلا أَرقَدَ اللهُ عينيه.
الجزء 1 · صفحة 24
هذه مواقيتُ الصَّلاةِ: {إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتَا {[النساء: 103].
ويقولُ الرَّجُلُ: هَاجَرْتُ، ولم يُهاجِرْ، وإنَّ المُهاجرين الذين هَجَروا السِّيِّئَاتِ. ويقول أقوام: جاهَدْنا، وإنَّ الجهاد في سبيلِ اللَّهِ مُجَاهَدَةُ العَدُوِّ، واجتِنابُ الحرام، وقد يُقاتِلُ أقوامٌ يُحسِنُونَ القِتالَ لا يُريدون بذلك الأجر ولا الذِّكر، وإِنَّما القتلُ حَتْفٌ من الحُتوفِ، وكلُّ امرئ على ما قاتل عليه، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيُقاتِلُ بطَبيعتِه من الشَّجاعة، فيُنجي مَنْ يعرِفُ ومَنْ لا يعرِفُ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَجبُنُ بطبيعته فيُسلَّم أباه وأُمَّه، وإِنَّ الكَلْبَ ليَهِرُّ من وراء أهلِه.
واعلموا أَنَّ الصَّومَ يُجتَنَبُ فيه أذى المُسلمين، كما يَمتَنِعُ الرَّجُلُ من الذَّتِه
منَ الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّساءِ، فذلك الصيامُ النَّام.
الجزء 1 · صفحة 25
وإيتاء الزكاةِ التي فَرَضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم طيبة بها أَنفُسُهم، فلا يَرَوْنَ عليها بِرَّاً، فافهَمُوا ما تُوعَظُونَ به؛ فإِنَّ الخَرِبَ مَن خَرَّبَ دينَهُ، وَإِنَّ السَّعِيدَ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَن شَقِيَ في بطنِ أُمِّه، وإِنَّ شَرَّ الأُمورِ مُبْتَدَعاتُها، وإِنَّ الاقتصادَ فِي سُنَّةٍ خيرٌ من الاجتهاد في بدعةٍ، وإنَّ للنَّاسِ نفرةً عن سُلطانهم، فعائذُ باللهِ أَن يُدرِكَني وإِيَّاكُم. ضَغَائِنُ مَجبولةٌ، وأهواءٌ مُتَّبعةٌ، ودنيا مؤثرةً، وقد خَشِيتُ أَن تَرَكَنُوا إِلى الذين ظلموا فلا تَطْمَئِنُّوا إلى مَن أُوتِي مالاً، و عليكم بهذا القُرآنِ؛ فإنَّ فيه النُّورَ والشَّفاءَ، وفي غيرِهِ الشَّقاءُ. وقد قضيتُ الذي عليَّ فيما وَلاني اللهُ عزَّ وجَلَّ من أُمورِكُم، وَوَعَظْتُكُم نُصْحاً لكم، وقد أَمَرْنا لكُم بأرزاقِكُم، وجندنا لكم جُنودكم، وهيَّأنا لكُم مَغازيكُم، وأثبتنا لكم منازِلَكُم، ووسعنا لكم ما بَلَغَ فيكم، وما قاتَلتُم عليه بأسيافكُم، فلا حُجَّةَ لكم على الله، بل اللهِ الحُجَّةُ عليكم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
34 ـ وعن الشَّعبي قالَ: لَمَّا وَلِيَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ صَعِدَ المنبر فقالَ: ما كانَ الله ليراني أن أرى نفسي أهلاً لمجلس أبي بكر، فنزلَ مِرْقاةً، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: اقرَؤُوا القُرآنَ تُعرَفُوا به، واعملوا به تكونُوا من أهله، وزِنُوا أَنفُسَكُم قبل أن تُوزَنُوا، وتزَيَّنُوا للعَرْضِ الأكبرِ، يومَ تُعرَضُونَ على الله لا تخفى منكم خافية، إنَّه لم يبلغ حق ذي حَقٌّ أن يُطاعَ في معصية الله، ألا وإنِّي أَنزَلْتُ [نفسي] (3) من مالِ اللهِ بمنزلة ولي اليتيم، إِنِ اسْتَعْنَيتُ عَفَفْتُ، وإنِ افْتَقَرْتُ أَكَلتُ بالمَعروفِ رَواهُ الدِّينَوَرِيُّ (4).
الجزء 1 · صفحة 26
35 ـ عن أبي عُبيد مولى ابنِ أَزْهَرَ قالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بنِ الخِطَّابِ، فجاءَ فصلَّى، وانصرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فقالَ: إنَّ هذين يومانِ نهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن صيامهما، يومُ فِطرِكُم عن صيامكم، والآخر يوم تأكلون [فيه] من نُسُكِكُم.
والمراد به جنس اليوم الشَّامِل لجميع أيام النحر والتشريق، وهي أربعة أيام.
36 - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعةَ: أَنَّ النَّاسَ مُطِرُوا عَلَى عَهْدِ عَمَرَ بْنِ الخطَّابِ يوم عيد، فلم يخرج إلى المُصلَّى الذي يُصلِّي فيه الفطر والأَضْحَى، وجمَعَ النَّاسَ في المسجد فصلى بهم، ثم قام على المنبر فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يخرُجُ بالنَّاسِ إلى المُصلّى يُصلِّي بهم؛ لأنَّه أرفَقُ بهم، وأَوسَعُ عليهم، وإنَّ المَسجِدَ كانَ لا يَسَعُهم، فإذا كانَ هذا المَطَرُ، فالمَسجِدُ أَرفَقُ بهم. رواه البيهقي.
37 - عن عُثمانَ رَضِيَ الله عنه: أَنَّه كان يقولُ في خُطبَتِهِ: إِذا قامَ الإمامُ يخطُبُ يومَ الجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا وأنصِتُوا، فإنَّ للمُنصِتِ الذي لا يسمعُ من الحقِّ مثل ما للمُستَمِعِ المُنصِتِ. رَواهُ مالكُ في «مُوَطَّيْه».
?? - وعن الحسَنِ: أَنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ، فإنَّ تقوى اللهِ غُنْمٌ، وإِنَّ أَكيَسَ الكَيْسِ مَن دَانَ نَفْسَهُ، وعَمِلَ لما بعدَ المَوتِ، واكتَسَبَ من نُورِ اللهِ نُوراً لظُّلمَةِ القَبرِ، وليَخْشَ عبدٌ أن يحشُرَه الله أعمى وقد كان بصيراً، وقد يكفي الحكيم جوامعُ الكَلِمِ، والأصَمُّ يُنادَى من مكان بعيد. واعْلَمُوا أَنَّ مَن كانَ اللهُ له لم يخَفْ شَيئاً، ومَن كانَ اللهُ عليه فمَن يرجُو بعدَه؟! رَواهُ الدِّينَوَرِيُّ، وابنُ عَساكِر.
الجزء 1 · صفحة 27
39 ـ وأما حديثُ قِصَّةِ عُثمانَ أَنَّهُ لمَّا خَطَبَ في أوَّلِ جُمُعَةٍ وَلِيَ الخِلافةَ، صَعِدَ المنبر فقال: الحمد الله، فأُرتج عليه، فقالَ: إنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ الله عنهما ـ كانا يُعِدَّانِ لهذا المَقامِ مقالاً، وأنتُم إلى إمام فعّال أحوَجُ منكم إلى إمامِ قوَّالٍ، وستأتيكُم الخُطَبُ بعد، وأستَغفِرُ الله لي ولكُم، ونَزَلَ وصلَّى بهم.
فقالَ ابنُ الهُمامِ: إِنَّها لم تُعرَفْ فِي كُتُبِ الحديثِ، بل في كُتُبِ الفِقْهِ.
40 - عن عليّ كرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: أَنَّهُ قالَ فِي خُطبَتِهِ:
إِنَّ أَحَقِّ ما ابْتَدَأَ به المُبْتَدِئُونَ، ونَطَقَ به النَّاطِقُون، وتَفَوَّهَ بهِ القائِلُونَ: حَمْدٌ للهِ، وثَناء عليه بما هو أهله، والصَّلاةُ على مُحَمَّدٍ.
ثمَّ قال: الحمدُ للهِ المُتفَرِّدِ بالبقاءِ، المُتوَحَدِ بالمُلكِ، الذي له الفَخْرُ والمَجْدُ والثَّناءُ، خَضَعَتِ الآلهةُ لجَلالِه - يعني الأصنام وكلَّ ما عُبِدَ من دُونِه من الأنامِ، وَوَجِلَتِ القُلوبُ من مخافتِه، فلا عِدْلَ له، ولا ندَّ له، ولا يُشبِهُه أَحدٌ من خَلقِه، ونشهَدُ له بما شَهِدَ لنَفْسِه وأُولو العِلْمِ من خَلْقِه، أنْ لا إلهَ إلا هو، ليست له صفةٌ تُنالُ، ولا حَدٌ يُضَرَبُ له فيه الأمثالُ المَدَرُّ صَوْبَ الغَمَامِ بنبات النطاف، وهَطل الرَّباب بوابل الطّل، فَرَشَ الفيافي من الآكام بتشقيقِ الدِّمَنِ، وأينق الزهر، والأنواء المُستَحسَنَ من النَّبَاتِ، وشَقَّ العُيونَ من جُيوبِ المَطَرِ؛ إذ شَبِعَتِ الدَّلاءُ حياةٌ للطَّيرِ والهوام، والوَحْشِ وسائرِ الأنامِ والأنعامِ.
فسُبحانَ مَن يُدانُ لدينه، ولا يُدانُ الغَيرِ دينه دين، وسُبحانَ الذي ليس له صفةٌ نعت موجود، ولا حد محدود.
الجزء 1 · صفحة 28
ونشهدُ أنَّ سيّدنا محمداً عبده المُرتَضَى، ونبيه المُصطَفَى، ورسوله المجتبى، أرسله الله إلينا كافَّةً والنَّاسُ أهل عبادة الأوثان، وخُضوع الضَّلالة، يسفِكُونَ دِماءَهم، ويقتلون أولادهم، ويُخيفون سلبهم)، عيشُهُم الظُّلم، وأمنهم الخَوفُ، وعِزُّهُم الذُّلُّ، فجاءَ رحمةً حتّى استنقَذَنَا اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من الضَّلالة، وهدانا بمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم من الجهالة، ونحنُ ـ معاشِرَ العَرَبِ - أضيقُ الأُمَمِ مَعاشاً، وأخشُهُم رِياشا، جُلُّ طعامنا الهبيد - يعني: شحمَ الحَنْظَلِ، وجُلُّ لباسِنا الوَبَرُ والجلود، مع عبادة الأوثان والنيران.
فهدانا محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أمكنه اللهُ شُعلَةَ النُّورِ، فأضاءَ بِمُحمَّدٍ مشارِقَ الأرض ومغَارِبَها، فقَبَضَه الله إليه، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ما أجلَّ رَزِيَّتَه، وأعظَمَ مُصيبته! فالمؤمنون فيه سواء، مُصيبَتُهم فيه واحدةٌ. الحديث. رَواهُ ابنُ عساكر.
41 - وعن مَولى أُمّ عُثمانَ قالَ: سَمِعْتُ عليّاً على مِنبَرِ الكُوفَةِ يقولُ: -إذا كانَ يومُ الجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّياطينُ براياتِها إلى الأسواق، فيرمونَ النَّاسَ بالترابيثِ أو الرَّبائِثِ - أي: العَلائِقِ والعَوائِقِ - ويُذَكِّرونَهم الحَوائِجَ، ويُثَبِّطُونَهُم عن الجُمُعَةِ، وتغدو الملائكةُ براياتِها فتجلس على أبواب المَساجِدِ، فيكتُبُونَ الرَّجُلَ من ساعة، والرَّجُلَ من ساعتين، حتَّى يخرُجَ الإمام.
فإِذا جَلَسَ الرَّجُلَ مجلِساً يستَمْكِنُ فيه من الاستماع والنَّظَرَ فأنصَتَ ولم يَلْغُ،
الجزء 1 · صفحة 29
كانَ له كِفْلانِ من أجرٍ، وإن جَلَسَ حيثُ لا يسمَعُ فَأَنصَتَ ولم يَلْغُ، كانَ له) كِفْلٌ من الأجر، وإن جَلَسَ مجلساً يستَمكِنُ فيه من الاستماع والنَّظَرِ فَلَعَا ولم يُنصِتْ، كَانَ له كِفْلُ من الوِزْرِ، ومَن قال يومَ الجُمُعةِ لصاحبه: صَة، فقد لغا، ومَن لَغا فليس له في جُمُعتِه تلك شيء.
ثم يقولُ في آخِرِ ذلك: سمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول ذلك. رَواهُ البَيْهَقِيُّ).
42 ـ وعن أبي وائل رحمه اللهُ قالَ: خَطَبَ عليُّ النَّاسَ بالكُوفَةِ فسمعته يقولُ في خُطبته:
أَيُّها النَّاسُ! إِنَّه مَنْ يَتَفَكَّرُ افتَقَرَ، ومَنْ يُعَمَّر ابْتُلِيَ، وَمَنْ لا يستعِدُّ إِلى البلاء إذا ابتُلِيَ لا يصبِرُ، ومَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ، ومَنْ لا يستشيرُ يَندَمُ.
وكان يقول من وراء هذا الكلام: يُوشِكُ ألا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه.
وكان يقول: ألا لا يستَجِي الرَّجُلُ أن يتعلَّمَ، ومَن يُسأَلُ عَمَّا لا يعلَمُ أَنْ يقول: لا أعلَمُ، مساجِدُكم يومَئِذٍ عامِرَةٌ، وقلوبكم وأبدانكم خَرِبةٌ من الهُدَى، سُرُّ مَنْ تَحتَ ظِلَّ السَّماءِ فُقَهَاؤُكم، منهم تبدو الفتنةُ، وفيهم تعود.
فقام رجلٌ فقال: ففيم يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانَ الفِقهُ فِي رُذَالِكُم، والفَاحِشَةُ
في خيارِكُم، والمُلكُ في صِغارِكُم، فعند ذلك تقومُ السَّاعةُ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
الجزء 1 · صفحة 30
43 ـ وعن عبد الله بن صالح العجلي، عن أبيه، قالَ: خَطَبَ عليٌّ بن أبي طالبٍ يوماً، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، وصلَّى على النَّبِيِّ، ثم قال: عباد الله! لا تغُرَّنَّكُمُ الحياةُ الدُّنيا؛ فإنَّها دارُ بالبلاء محفوفة، وبالفَناءِ مَعروفةٌ، وبالغَدْرِ موصوفةٌ، وكلُّ ما فيها إلى زوال، وهي ما بينَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وسِجَالٌ، لن يسلَمَ من شرها نُزَّالُها، بينا أهلُها في رَخاء وسُرور، إذا هم منها في بلاء وغُرور، العيشُ فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنَّما أهلُها فيها أغراض مُستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم بحمامها.
عباد الله! إنَّكم وما أنتُم من هذه الدُّنيا عن سبيلِ مَنْ قد مضى ممَّن كَانَ فيكم أطول أعماراً، وأشدُّ منكم بَطْشاً، وأعمَرُ دِياراً، وأبعد آثاراً، فأصبَحَتْ أصواتهم هامدة خامدة من بعدِ طُولِ تقلبها، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية)، واستبدلوا بالقُصور المُشيَّدَةِ، والسُّرُرِ والنَّمَارِقِ المُمهَّدَةِ، الصُّخور والأحجار المُسندةَ في القُبورِ اللاطئة المُلحَدَة التي قد بُني بالخَرابِ فناؤُها، وشُيّد بالتُّرابِ بناؤُها، فمَحَلُّها مُقترِبٌ، وساكِنُها مُعْتَرِبٌ، بين أهل عمارة مُوحِشين، وأهل محلَّةٍ مُتَشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قُربِ الجِوارِ، ودُنُو الدَّارِ. وكيف يكون بينهم تواصل وقد طَحَنَهم بكَلْكَلِهِ البِلَى، وَأَكلَتْهُم الجَنادِلُ والثّرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتاً، وبعدَ نَضارَةِ العَيشِ رُفاتاً، فُجع بهم الأحباب، وسكنوا التُّرابَ وظَعَنُوا فليسَ [لهم إياب، هيهات هيهاتَ، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَابِلُهَا وَمِن وَرَابِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100].
الجزء 1 · صفحة 31
فكان قد صِرْتُم إلى ما صاروا إليه من الوَحْدَةِ والبِلَى في دارِ المَوتَى، وارتُهتُم في ذلك المَضجَعِ، وضَمَّكُم ذلك المُستَودَعُ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبُعثِرَتِ القُبور، وحُصلَ ما في الصُّدورِ، وأُوقفتُم للتحصيل بينَ يدي المَلِكِ الجَليل، فطارَتِ القُلوبُ؛ لإشفاقها من سالفِ الذُّنوب، وهُتِكَتْ عنكم الحُجُبُ والأستارُ، وظَهَرَت منكم العُيوبُ والأسرار، {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍبِمَا كَسَبَت] [غافر: ??]، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَنُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: 31]، {وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]. جَعَلَنَا الله وإيَّاكُم عاملين بكتابه، مُتَّبِعِينَ لأوليائه، حتَّى يُحِلَّنَا وإِيَّاكُم دارَ المُقامَةِ من فضله، إنَّه حَميدٌ مجيدٌ. رَواهُ الدِّينَوَرِيُّ، وابنُ عَساكِرَ.
44 ـ وعن علي رضي الله تعالى عنه أنَّه خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عليه، ثم قال: أما بعد: فإنَّ الدُّنيا قد أدبَرَتْ وآذَنَتْ بوَداع، وإِنَّ الآخِرَةَ قد أقبَلَتْ وأَشْرَفَت باطلاع، وإنَّ المِضمار اليوم وغداً السَّباقُ، ألا وإنَّكم في أَيَّامٍ أَمَلٍ من وراء أَجَلٍ، فمَن قصَّرَ في أيامِ أَمَلِه قبلَ حُضورِ أجَلِه، فقد خَيَّبَ عَمَلَه.
ألا فاعْمَلُوا الله في الرَّغبة كما تعملون له في الرَّهبة، ألا وإني لم أرَ كالجنَّةِ نائم
طالبها، ولم أرَ كالنَّارِ نائم هارِبُها.
ألا وإنَّه مَنْ لم ينفعه الحقُّ ضَرَّه الباطل، ومَنْ لم يستقم به الهُدَى حار به الضَّلال، ألا وإنَّكم قد أُمِرْتُم بالظَّعَنِ، ودُلِلتُم على الرَّد.
الجزء 1 · صفحة 32
ألا أَيُّها النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنيا عَرَضُ حاضِرٌ، يَأكُلُ منها البَرُّ والفاجِرُ، وإنَّ الآخرة وَعْدٌ صادِقٌ، يحكُمُ فيها المَلِكُ القَادِرُ.
ألا إِنَّ الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ} [البقرة: 268].
أيُّها النَّاسُ! أَحسِنُوا فِي عُمُرِكم تُحفَظُوا في عَقِبِكُم، فَإِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى وَعَدَ جَنَّتَه مَن أطاعَه وأَوْعَدَ نارَه مَن عَصاه، إنَّها نارٌ لا يهدَأُ زَفِيرُها، ولا يُفَكُ أسيرها، ولا يُجبر كسيرها، حَرُّها شديدٌ، وقعرُها بعيد، وماؤها صديدٌ، وإِنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم اتِّباعُ الهَوى، وطُولُ الأمَلِ. رَوَاهُ الدِّينَوَرِيُّ، وابنُ عَسَاكِرَ).
45 ـ وعن العلاء بن زياد الأعرابي قال: سمعت أبي يقولُ: صَعِدَ أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب مِنبرَ الكوفة بعدَ الفِتنةِ وفَراغِه من النَّهْرَوانِ، فحَمِدَ الله، وخَنَقَتْه العَبْرَةُ، فبكى حتّى اخضَلَّتْ لحيته بدموعِه وجَرَت، ثمَّ نفَضَ لحيته، فوَقَعَ رَشاشُها على ناموسِ النَّاسِ، فَكُنَّا نقولُ: إِنَّ مَن أَصابَه من دموعه فقد حَرَّمَه اللهُ على النَّارِ.
ثمَّ قال: يا أَيُّها النَّاسُ! لا تكونوا ممَّن يرجُو الآخِرَةَ بِغَيرِ العَمَلِ، ويُؤَخِّرُ التَّوبَةَ لطُّولِ الأمَلِ، يقول في الدُّنيا قولَ الزَّاهِدين، ويعمل فيها عَمَلَ الرَّاغبين، إنْ أُعطِيَ منها لم يشبع، وإن مُنِعَ منها لم يقنَعْ، يَعجَزُ عن شُكرِ ما أُوتِيَ، ويبتَغِي الزِّيادةَ فيما بقي، ويأمرُ ولا يأتي، وينهى ولا ينتهي، يُحِبُّ الصَّالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويُبغِضُ الظَّالمين وهو منهم، تغلبه نفسه على ما يظُنُّ، ولا يغلِبُها على ما يستَيقِنُ.
الجزء 1 · صفحة 33
إِنِ اسْتَعْنَى فُتِنَ، وإِنْ مَرِضَ حَزِنَ، وإِنِ افتقَرَ قَنِطَ وَوَهِنَ، فهو بينَ الذَّنبِ وَالنِّعمةِ يرتَعُ، يُعافَى فلا يشكُرُ، ويُبتَلَى فلا يصبِرُ، كأَنَّ المُحذَّرَ مِن المَوتِ سِواهُ، وَكَأَنَّ مَنْ وُعِدَ وزُجِرَ ما عداه.
يا عُرّاضَ المَنايا، يا رَهائِنَ المَوتِ يا وِعاء الأسقامِ، ويا نُهْبَةَ الأَيَّامِ، ويا الدَّهرِ، ويا فاكِهَةَ الزَّمانِ، ويا نُورَ الحَدَثَانِ، ويا خَرْسى عندَ الحُجَجِ، ويا مَن غَمَرَتْهُ الفِتَنُ، وحِيلَ بينه وبينَ مَعرِفَةِ الخَبَرِ، بحقِّ أقولُ:
ما نَجَا مَن نَجَا إِلا بمعرفة نفسه، وما هَلَكَ مَن هَلَكَ إِلا من تحتِ يده، قال الله عزّ وجلَّ: يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، جَعَلَنَا اللهُ وإِيَّاكم ممَّن سَمِعَ الوَعْظَ فَقَبِلَ، ودُعِيَ إلى العَمَلِ فَعَمِلَ رَواهُ ابنُ النَّجَّارِ.
46 ـ وعن يحيى بنِ يَعْمر رحمه الله: أنَّ عليّاً بن أبي طالب خَطَبَ النَّاسَ، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، ثمَّ قَالَ:
أَيُّها النَّاسُ إِنَّما هَلَكَ مَن كانَ قبلَكُم بُرُكوبهم المعاصي، ولم ينهَهُم الرَّبَّانِيُّونَ والأحبار، أنزلَ اللهُ بهم العقوبات.
الجزء 1 · صفحة 34
ألا، فمُرُوا بالمعروفِ وانهَوا عن المُنكَرِ قبل أن ينزِلَ بكُم الذي نزَلَ بهم، واعلَمُوا أَنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَرِ لا يَقطَعُ رِزْقاً، ولا يُقَرِّبُ أَجَلاً، إِنَّ الأمر ينزِلُ من السَّمَاءِ كَقَطْرِ المَطَرِ إلى كلّ نفس بما قُدِّرَ لها من زيادةٍ أو نُقصان، في أهل أو مال أو نفس، فإذا أصابَ أحدَكُم النقصان في أهل أو مال أو نفس، ورأى لغيره غيره)، فلا يكونَنَّ ذلك له فتنةٌ؛ [فإِنَّ المَرءَ المُسلِمَ - ما لم يعْشَ دَناءَةٌ يُظهِرُ تَخَشُعاً لها إذا ذُكِرَتْ، ويُغرَى بها لئامُ النَّاسِ - كالياسِ الفالج الذي ينتَظِرُ أَوَّلَ فوزةٍ من قداحِه، تُوجِبُ له المَعْنَمَ، وتدفَعُ عنه المَعْرَمَ]، فذلك المَرءُ المُسلِمُ البَريء من الخِيانة، [إِنَّما ينتظِرُ إحدَى الحُسنيين إذا ما دَعَا الله، فما عندَ اللهِ هو خيرٌ له، وإِمَّا أَن يرزُقَهُ اللهُ مالاً، فإذا هو ذو أهل ومال، الحَرْثُ حَرْثَانِ]: المالُ والبَنونَ حَرْثُ الدُّنيا، والعَمَلُ الصَّالِحُ حَرْتُ الآخِرَةِ، وقد يجمَعُهما الله لأقوامِ. رَواهُ ابنُ أَبِي الدُّنيا، وابنُ عَسَاكِرَ). 47 ـ وقد ثبت أنَّ عَمَرَ بنَ عبد العزيز - رحمه اللهُ - لَمَّا تَوَلَّى الخِلافَةَ وخَطَبَ الخُطبةَ خَتَمَها بقولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَابٍ ذِي الْقُرْنَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
قالَ مُؤلِّفُه رَحِمَه الله: فهذا ما حضَرَني من خُطَبِ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأصحابه الكرام، وأتباعه العظام.
وسُبحان ربك ربِّ العِزَّةِ عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمدُ للهِ رب العالمين. آمين.
الجزء 1 · صفحة 35
حرَّرَه مُؤلّفه - ورُحِمَ وسلَفُه - يومَ الخميس عشري شوال ـ خُتِمَ بالخير والإقبال ـ من شهورِ عام حادي عشَرَ بعدَ الألف من الهجرة النبوية من مكَّةَ الأمينة إلى المدينةِ السَّكينة.