بداية السالك في نهاية المسالك
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
بداية السالك في نهاية المسالك
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلْماً
الحمد لله الذي جَعَلَ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً للنَّاسِ مِن العِباد، ونظاماً ومَرَاماً وتَماماً لذوِي الاسْتِثْناسِ مِن العُبَّاد، وصَيَّرَ حَوْلَهُ حَرَما آمِناً وَمَثَابَةً كَامِناً ومَرْجِعاً كائناً لمَنْ قَصَدَه سواءً العاكِفُ فيهِ والبَاد، وعَيَّنَ لَهُ شَعَائِرَ وبَيَّنَ فِيهِ مَشَاعِرَ للوقوف والحُضورِ والسَّعي على قدَمِ الاجْتِهاد، تكميلاً لأَمْنِ المَعَاش وتَحْصِيلاً لزادِ المَعَاد.
والصلاةُ والسَّلامُ على مَن أَظْهَرَ المُعْجِزَاتِ وأَوْضَحَ الآياتِ حَتَّى قَصَمَ رِقَابَ أَرْبابِ العِناد، وعلى آله وأصحابهِ رُؤَسَاءِ النُّجَباءِ وَالنُّقَباءِ وَالْأَقْطَابِ والأوتاد.
أما بعد:
فيقولُ أفقرُ عِبَادِ اللهِ الغَني، علي بن سلطانِ محمد الهَرَوِيِّ، عَامَلَهُما اللهُ بلُطْفِهِ الخَفِيّ، وكَرَمِهِ الوَفي إِنَّ هذا شَرْحُ شَرِيفٌ، وفَتْحٌ لَطِيفٌ، غَيْرُ مُخِلٌ ولا مُمِلٌ، يُبَيِّنُ الكلماتِ المُغْلَقَةَ المُتَعلَّقة بـ «المَنْسَكَ الصَّغير»، للعلامة الفهامة الكبير، الشَّهيرِ بملَّا رَحمةِ اللهِ، قَصَدْتُ إيضاحه لأَرْبابِ المَنَاسِكَ، وسَمَّيْتُهُ:
بداية السَّالِكِ فِي نِهَايَةِ المَسَالِكَ»
فإنَّ العَالِمَ الرَّبَّاني هو الذي يُرَبِّي النَّاسَ بصِغَارِ العُلومِ قبلَ كِبَارِها، ويقرأُ لَهُمْ ما في هذا البابِ ونَحْوِه ممَّا يكونُ بمَنْزِلِةِ شِعَارِها، قَبْلَ أَنْ يُحرِّرَ ما يكونُ في مَرْتَبَةِ دِثَارها.
وأَسْأَلُ الله سبحانهُ أنْ يَجْعَلَه خالصاً لوَجْهِهِ الكَرِيم، وأَنْ يَنْفَعَ بِهِ المسلمينَ في مقام التعلم والتعليم، إنَّه بِعِبَادِه لَرَؤُوفٌ رَحِيم.
قال المصنِّفُ رحمهُ اللهُ بعد قوله: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ أي: وبه أَسْتَعِينُ: (الحَمْدُ اللهِ ربِّ العالَمين)؛ أي: مُرَبِّيهم، ومُتَوَلِّي أَمْرِه ومُتَوَلِّي أَمْرِهم، وخالِقِهم ومُصْلِحِهم، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ المُرْسَلين)؛ أي وخاتَمِ النَّبِيِّين، وعلى آله وأصحابه أَجْمَعين)؛ أي: وأتباعه وأَشْياعه إلى يومِ الدِّين.
(وبَعْدُ)؛ أي: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن التّسميةِ والحَمْدَلِةِ والتَّصْليَةِ.
فهذا مُخْتَصَرٌ)؛ أي: في المَبْنَى مُقْتَصِدٌ في المَعْنَى (في مَنَاسِكِ الحَجِّ والعُمْرة)؛ أي: لتَضَمُّنه بعض ما يتعلق بهما، وإِن كان لَمْ يَتعرَّضُ لخُصوص بابهما (أكثرُ نَفْعاً)؛ أي: مِن حيثُ إِنَّه أَظْهَرُ جَمْعاً (مِن كثير من المطولات)؛ أي: المُشْتَمِلة على الخِلَافيَّات والمسائلِ الغَريبةِ مِن نَوَادِرِ الواقِعات، وإهمال كثير ممَّا يُحتاجُ إليهِ مِن تَعْدادِ الفرائض والواجبات، وانحصارِ السُّنَنِ والمُسْتَحَيَّات، وبيانِ المحظوراتِ والمُفْسِداتِ والمَكْروهات.
(جامع لأمهاتِ المَسائلِ)؛ أي: أصولها؛ كالفرائض والواجبات (والمُهمَّات)؛ أي: مِن فُروعِها لبيانِ الجنايات، وهو مشتمل على عشرة أبواب كاملات.
الباب الأوَّلُ
(في فرائض الحج)
الحج - بفتح الحاء وكَسْرِها - في اللُّغَةِ: قَصْدُ المعظم.
وفي الشريعةِ: قَصْدُ البيت المكرَّمِ بأفعال مخصوصة في أزمنة معروفة وأمكنة مشهورة.
وهو فَرْضٌ بالكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الأُمَّة، إِلَّا أَنَّه يَجِبُ في العُمُرِ مَرَّةً باتفاق الأئمة، لكن قد يَجِبُ أيضاً لِعَارِض: مِن نَذْرٍ، أو قضاء بعد إفساد، أو شروع في إحرامه ثانياً بعد أدائه أولاً.
ثُمَّ إِنَّه يجبُ في الفَوْرِ على الأَصَحُ إِذا اسْتُجْمِعَتْ شروط الوجوبِ والأداء والصحة، فكان حَقَّ المصنِّف أنْ يَجعل للشروط باباً مُقدَّماً على سائر الأبواب؛ لتَوَقُفِ ما بَعْدَه كله عليه في هذا البابِ؛ ليكون جامِعاً لمُهمَّاتِ هذا الكتاب، فنحن نَذْكُرُ الشُّروط إجمالاً، ونُحِيلُ تَفْصِيلَها وتَفْرِيعَها على ما بَيَّنَّاه في «شرح المتوسط» إكمالاً.
(فاعْلَمْ) أَنَّ شَرَائِطَ الوُجوبِ (سبعةُ)، وهي: (الإسلام، والعِلْمُ) بكون الحج فَرْضاً لِمَن لا يكون في دار الإسلام، والبلوغ، والعَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والاسْتِطَاعةُ وهي مِلْكُ الزَّادِ والنَّفقة ذهاباً وإيَّاباً، والتَّمكُنُ مِن الرّاحلة، والوقتُ وهو أشهر الحج. وشرائط الأداء خمسةٌ، وهي: سَلَامةُ البَدَنِ مِن الأمراض والعِلَلِ، وَأَمْنُ الطَّرِيقِ، وعَدَمُ الحَبْسِ، والمَحْرَمُ الأمينُ أو الزَّوْجُ للمرأةِ، وعَدَمُ العِدَّةِ في حقها.
ثُمَّ إِذا وُجِدَتْ هذه الشُّروط مِع اسْتِجْمَاعِ الشُّروط الماضية، فيَجِبُ عليه الأداء بنَفْسِهِ، وأَمَّا إذا وُجِدَتِ الشَّروط الأولى ولَمْ تُوجَدِ الثَّانِيَةُ فيجب عليه الإحْجاج في الحياة أو الوصيَّةُ عند الممات.
(وشرائط صِحَّةِ الأداءِ تِسْعةُ) وهي: (الإسلام، والإحرام، والزَّمانُ، والمكانُ، والعقل، والتمييز، ومُباشَرةُ الأفعال، وعَدَمُ الجِمَاعِ، والأداء) مِن عامِ الإحرام
(ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّرائط كلَّها فرائضُ كالأركان، إِلَّا أَنَّ الشَّرْطَ يجبُ تَقَدُّمُه على تحقق الرُّكْنِ، والمصنف إِنَّمَا اقْتَصَرَ مِن بين الشرائط على بيان الإحرام؛ لأنه شرط ملزوم يَسْتوي فيه من يجب عليه الحج أم لا في لزوم الأحكام.
وأيضاً له شَبَةٌ بالرُّكْنِ كما هو مُقرَّرُ في مَحَلَّه ومُحرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ لأَنَّ الشَّرِطَ لا يَلْزم من وجودِه وجود المشروط، وهذا شرطٌ مُلْزَمٌ شرعاً أَنْ يُؤْتَى بالمشروط؛ كما هو مُبيَّن في محله المبسوط، ولأنَّه متصل بالأركان فذُكِرَ معها في هذا الشَّان، كما أَنَّ تَكْبِيرَ التَّحْريمةِ ذُكر مع أركانِ الصَّلاةِ، وإنْ كان مِن الشُّروط عندنا أيضاً.
فإِذا عَرَفْتَ ذلكَ فَلْتَعْطِفْ إلى بيان كلامه فيما هنالك:
فقوله: (وهي ستة)؛ أي: الفرائضُ بعمومها المشتمل على أركانها وبعض شروطها ستة فرائض.
وفي عبارتهِ مُسامَحةُ؛ لأنَّ عَدَدَ الفرائضِ المذكورة خمسةٌ، وإذ اعْتُبِرَ فَرْضَا الإحرامِ يَصيرُ سَبْعَةَ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقالَ: لمَّا كان الإحرامُ فِيهِ فَرْضانِ، جَعَلَهُ كأَنَّه اثنان. ثُمَّ التَّحقيق أنَّ فرائضَ الحج ثلاثة: أحدها الإحرام، واثْنَانِ رُكْنانِ؛ أَي: طَوَافُ الزيارةِ ووُقوفُ عَرَفةَ، وأمَّا نيَّةُ الطَّوَافِ فهو شرط لمُطْلَقِ الطَّوافِ، وأَمَّا التَّرتيب فلا يُتَصوَّرُ خِلافُه؛ لأنَّ الشَّرطَ واجبُ التَّقديم، ووَقْتُ طَوَافِ الفَرْضِ لا يكونُ إِلَّا بَعدَ فراغ وقتِ الوقوف.
(الإحرام): وهو الدخول في الْتِزامِ حُرْمَةِ ما يكونُ عليه حلالاً قَبْلَ الالْتِزام. (وفيه)؛ أي: وفي الإحرام (فرضان)؛ أي: لا يَصِحُ وجوده ولا يَتِمُّ وُقوعه
إلَّا بهما:
(النَّيَّةُ)؛ أي: القَلْبيَّةُ، ويُسْتَحَبُّ ضَمُّ اللَّسَانيَّة، وهي فَرْضٌ مُجْمَعٌ عليه لتَتَمَيَّزَ بها العبادات عن العادات، فقد وَرَدَ: «إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات»، وهذا وجهُ آخَرُ لشَبَهِهِ بالرُّكْنِ، فإنَّ الشَّرطَ لا يَجِبُ فيه النِّيَّةُ، بل تُسْتَحَبُّ لحُصول المَثُوبةِ الأُخروية. (والتَّلْبيَةُ): وهي قولُ: لبّيْكَ، وهو فرضُ عندَنا مَرَّةً، خلافاً للشَّافعيّ فإِنَّها سنة عنده.
ويُسَنُ أنْ يُلَبِّي بالتَّلْبِيَةِ الوارِدةِ، وهي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبّيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شَرِيكَ لك»، وإنْ زادَ فَحَسَنُ، ويُكْرَهُ النَّقْصُ منه. (أو ما يَقومُ مَقَامَ التَّلْبِيَّةِ مِن الذِّكْر)؛ أي: ذِكْرِ اللَّهِ أَي ذِكْرِ كان ممَّا يُقْصَدُ به تعظيمه سبحانه؛ كالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّكْبير، ولو مَشُوباً بالدعاء - أي: مخلوطاً على الصحيح. أو تقليدُ البَدَنةِ)؛ أي: من الإبِلِ والبَقَرِ، بجَعْلِ القِلَادَةِ مِن نَحْوِ قطعة نَعْلِ أو مَزادَةٍ أو لِحَاءِ شَجَرَةٍ؛ أي: قِشْرِها - في عُنُقِها (مَعَ السَّوْقِ)؛ أي: مع دَفْعِها مِن وَرَائِها بالتوجه معها.
لكن الأفضلُ أَنْ يُقدِّمَ التَّلْبِيةَ على التَّقليد؛ لأنَّ السُّنَّةَ أَنْ يكونَ الشُّروع بالتلبية. والوقوف)؛ أي: ولو ساعةً (بعرَفة)؛ أي: بعرفات؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِنْ عَرَفَتِ} [البقرة: ???].
(في يومه)؛ أي: في يومٍ عَرَفةَ، ففي عِبارتهِ مُسَامَحَةٌ لَا تَخْفَى، فَإِنَّه جَعَلَ الضّمير راجعاً إلى (عَرَفة) والمراد بها مكان الوقوف، وفي التحقيق إنَّما هو عائد إلى زمانِ عَرَفةَ، فهما شيئانِ مُتغايران وقد يَجْتَمِعان، فالإضافة لأَدْنَى مُلَابَسةٍ، أمَّا إذا رَجَعَ الضَّمير إلى الوقوفِ فلا يَرِدُ.
(بعدَ الزَّوَالِ)؛ أي: ابْتِداؤُهُ مِن بَعدِ زَوَالِ الشَّمسِ يومَها، وانتهاؤُه إلى تَحَقُّقِ صُبحِ أوَّلِ يومِ النَّحرِ، فهذا الليل تابع لِمَا قَبْلَه كليالي أيام التشريق في الأحكامِ، بخلاف سائر الليالي والأيام، حيثُ يكونُ اللَّيل تابعاً ليومهِ؛ كَلَيْلةِ الفِطْرِ وأَمثاله. وهذا ركن بالإجماع؛ لقولهِ عليه السَّلامُ: «الحج عَرَفَةَ»؛ أي: مُعْظَمُ أركانه الوقوفُ بعَرَفاتٍ في يومٍ عَرَفَةَ؛ لأنَّه لا يَفُوتُ الحج إِلَّا بِفَوْتِهِ. (وأكثرُ طَوَافِ الزِّيارة): وهو أربعة أشواط، والجمهور على أنَّ السَّبعةَ كلَّها فَرْضُ، ويُسَمَّى طَوَافَ الرُّكْنِ والفَرْضِ أَيضاً، وهو ركن بالإجماع أيضاً، إِلَّا أَنَّه لا يَفُوتُ الحج بفَوْتِهِ؛ لأنَّه مُوَسَّعٌ فِي حَقٌّ وَقْتِهِ بِاعْتِبَارِ جَوَازِهِ، ثُمَّ ابْتِدَاءُ زَمَانِ جَوَازِه انْتِهاءُ وقتِ الوقوف.
(ونِيَّةُ الطَّوَاف)؛ أي: ومِن فَرَائِضِ الحجّ في الجملةِ مُطْلَقُ نِيَّةِ الطَّوَافِ؛ لأَنَّهَا فريضةٌ في طَوَافِ الزِّيارة مع كونها شَرْطاً مِن شرائطِ صِحَّةِ أَنْوَاعِ الأَطواف.
(والترتيب بينَ الفَرائض)؛ أي: ومن جملة الفرائض، وهذا توضيح وتصريح، وإِلَّا فقد عُلِمَ أنَّ الإحرام شرط يجبُ تَقَدُّمُه على الأركان، وطَوَافُ الزِّيارةِ لا يَصِحُ إلَّا بعد خروج وقتِ الوقوف اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقالَ: قد يُتَصوَّرُ بالنِّسبة إلى فائتِ الحج
مَثَلاً أو غيره، بأنْ أَحْرمَ في يومِ النَّحْرِ وطافَ للزِّيارةِ ووَقَفَ بعرفة في عام قابِل. وحُكْمُ الفَرائض)؛ أي: فرائضِ الحجّ أَعَمُّ مِن أنْ يكونَ شرطاً أو رُكناً: (أَنَّه لا يُجْزِئُ الحج إلا بها)؛ أي: لا يَصِحُ إلَّا بوقوع جميعها، وتقييده بالحج لاقتضاء المقام، وإلا فكذا حُكْمُ سائرِ فرائضِ الإسلام، ولذا عَقَّبه بقوله: (ولا تُجْبَرُ)؛ أي: تَرْكُها (بدم)؛ أي: ولا بغيره بالأَوْلَى، بخلافِ تَرْكِ الواجباتِ في الحجِّ فَإِنَّه يَنْجَبِرُ بالدَّمَ، وكذا تَرْكُ واجب الصَّلاةِ، فإنَّه يَنْجَبِرُ بسجودِ السَّهْوِ؛ لقُصورِ مَرْتبة الواجب عن مَنْزِلِةِ الفَرْضِ عِلْماً وعَمَلاً واعتقاداً، وصلاحاً وفساداً.
وبهذا يَتبَيَّنُ تحقيقُ نَظَرِ إمامنا الأَعْظَمِ، وتدقيقُ فكرِ هُمَامِنَا الأَفْخَم، وقد تَبِعَهُ العلماء في أمر الحجّ بأَجْمَعِهم، حيثُ جَعَلوا له فرائض وواجباتٍ، بخلافِ الصَّلاةِ فإِنَّهم لَمْ يُفرِّقوا بينهما فيها، مع أنَّ الفرق ظاهر بحسَبِ الأدلَّةِ القَطْعِيَّةِ والظَّنِّيَّةِ، فَحَقُ العالم الكامِلِ أنْ يُعْطِيَ كلَّ ذي حَقٌّ حَقَّه، وأَنْ لا يَتَجاوَزَ مَا بَيَّنَ الشَّارِعَ حَدَّه.
***
الباب الثاني
(في الواجبات)
أي: واجبات الحج، وهو لا يُنا في أنَّ بعضها يكون من واجباتِ العُمْرةِ أيضاً؛ كالإحرام من الميقاتِ والسَّعْي، أو من واجباتِ مُطْلَقِ الطَّوَافِ كما سيأتي. (وهي) - أي: الواجبات - اثنانِ وعشرون واجباً:
الإحرام من الميقاتِ)؛ أي: لا بَعْدَهُ؛ إذ يجوزُ قَبْلَه، بل هو أفضل عند وجودِ شَرطه، وهذا أَعَمُّ مِن أن يكونَ المُحْرِمُ آفاقِيَّا، مُفْرِداً أو قارنا أو مُتَمَتِّعَاً، أو مكياً حقيقيًا أو حُكْميّا، والمواقيت باختلافِ محالها معلومةٌ عند أهلها. والسَّعْيُ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ؛ أي: بالاتفاق، خلافاً للشَّافعي حيثُ جَعَلَه رُكْناً؛ لقولهِ عليه السَّلامُ: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللهَ قد كَتَبَ عليكُمُ السَّعْيَ».
وجوابه: أَنَّ الدَّليلَ ظَنِّي لا قَطِّعي.
والبداية مِن الصَّفَا)؛ أي: لما ذُكِرَ في البدائع» و «الوجيز» وغيرهما: أنَّها من الواجبات على الأَرْجَحِ، ويُؤيده أنَّه عليه السَّلامُ لمَّا قَرُبَ إلى الصَّفا قال: «ابْدَؤُوا بما بَدَأَ الله تعالى به»، وفي رواية: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ به: {وَإِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].
(واستدامة الوقوف)؛ أي: حينَ وقوفِهِ (بعَرَفةَ إلى الغُروب)؛ أي: غروبِ الشَّمسِ لمَن وَقَفَ نهاراً (ووقوف جزءٍ مِن اللَّيلِ)؛ أي: لمَن وَقَفَ نهاراً أيضاً، وهذا يُتَصوَّرُ فيمَن يَقِفُ في آخِرِ جزء من أجزاء أماكنِ عَرَفات.
ومنها: مُتابَعةُ الإمام في الإفاضة، وهي الخروجُ مِن عَرَفةَ لمَن وقف نهاراً، بأنْ لا يَخرُجَ مِن نهايةِ حَدَّها إلَّا بعدَ شُروع الإمام في الإفاضة المعروفة عندَ الأَنامِ، فلو تأخَّرَ الإمام جاز له التَّقدُّمُ، وكذا جاز له التَّأْخُرُ عنهُ لضَرورة كالزِّحام. والوقوفُ بِمُزْدَلِفَةَ بعد طلوع الفجرِ)؛ أي: ولو ساعةً، ومنها: تأخيرُ العِشَاءَينِ إلى أن يؤديهما بمزدلفة في العِشَاء.
(ورمي الحِمَارِ في أيامه)؛ أي: أَيَّامِ رَمْيِها مِن الأَيَّامِ الثَّلاثةِ، إذ له الخيَارُ في النَّفْرِ ـ أي: في الرجوع ـ قبل دخول يوم الرابع. ومنها: عَدَمُ تأخيرِ رَمْي كلِّ يومٍ إلى ما يليهِ مِن الأَيَّام.
(والحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ)؛ أي: مِن واجباتِ مُطْلَقِ الإحرامِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرِجُ مِنه إِلَّا بحَلْقِ رُبِعِ الرَّأْسِ أَو مَا يَقومُ مَقامَهُ مِن التَّقْصير وغيرِهما في حالِ العُذْر. وقوله: (عند الإحْلالِ)؛ أي: عندَ جَوَازِ تَحلُّلهِ؛ للتَّنبيه على أَنَّهُما حَرَامَانِ قبلَ مَحِلَّه، وللإشارة إلى أنه إذا دَخَلَ وقت الإحلالِ حَلَّ لَكُلِّ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَ صاحبه في الحال.
وطَوَافُ الوَدَاعِ) بفتح الواو، ويَجوزُ كسرها (لغيرِ المَكَّيَّ)؛ أي: ولمن في معناه، فكان الأَوْلَى أنْ يقول للآفاقي، لكن إذا لَمْ يَسْتَوْطِنْ بِمَكَّةَ قَبْلَ النَّفْرِ الأَوَّلِ. والمَشْيُ في الطَّوَافِ)؛ أي: في مُطْلَقِه (وفي السَّعْي)؛ أي: سَعْي الحج والعُمرة (عندَ القُدْرة)؛ أي: على المَشْي بنَفْسِهِ، وإِلَّا فيُحْمَلُ كما هو مقرَّرُ في مَحَلَّه.
(ورَكْعَنَا الطَّوافِ)؛ أي: أعمُّ مِن أنْ يكونَ فَرْضاً أو واجِباً أو سُنَّةً أو نافلةٌ، فَإِنَّه يجبُ لكلِّ طَوَافٍ رَكْعتانِ عندنا، وليس له زمان ولا مكان يَتَعَيَّنُ فيه فِعْلُه، بل عليه أنْ يُصلِّيه حيثُ شَاءَ إلى آخِرِ عُمرِه، والأفضلُ أنْ يكونَ عَقِيبَ الطَّوافِ إِلَّا إِذَا كَانَ وَقْتَ كراهة النوافل، فيؤخِّرُهما إلى طُلوعِ الشَّمسِ أو غُروبِها، إِلَّا أَنَّه يُصلِّيهِما بعد فرضِ المغربِ قَبْلَ السُّنَّةِ إذا كان في الوقتِ سَعَةٌ، وإلَّا فيُقدِّم السُّنَّةَ عليهما لأن وقته موسع وإن كان في الرتبة مقدماً.
ثُمَّ الأفضل أن يصليهما خَلْفَ المقام، أو داخل البيت الحرام، أو الحطيم، أو المسجد، أو الحَرَم.
(والطَّهارة)؛ أي: من الحدث الأصغر والأكبرِ (في الطَّوَافِ)؛ أي: في مُطْلَقِهِ، وكذا الواجبات الثلاثة الآتية في قوله:
والتَّيَامُنُ فيه بأن لا يكون على وجهِ التَّيَاسُرِ المُسمَّى بالتَّعْكيس، ولا بالتقليب المعبّر عنه بالتنكيس، ولا يَجْعَل وجهَهُ إلى جهَةِ البيتِ النَّفيس، ولا بالتدوير كما يفعله بعض أهلِ التَّزوير والتلبيس من أصحاب إبليس. (وسَتْرُ العَوْرة فيه)؛ أي: وإنْ كان فَرْضاً فيه وفي غيره، ويَحْرُمُ عليه تَرْكُه مُطْلَقاً مِن غيرِ عُذْرِ، إِلَّا أَنَّه لو تَرَكَ سَتْرَ العورة فيه بلا عُذْرِ يَجبُ عليه دَم؛ لقوله عليه السَّلامُ: «أَلا لا يَطُوفَنَّ بالبيتِ عُرْيانٌ)، بخلافِ سَتْرِ العورة في السَّعْي فإنَّه فرضٌ لا واجب، فلا يتعلق بتركه جبر.
وطهارة قَدْرِ ما يَسْتُرُ به عورتهُ مِن ثوبهِ فيه وهي مِن سُرَّتِهِ إلى ما تحتَ رُكْبَتَيْه، والأكثر على أنَّه سنّةٌ، وأمَّا طهارة المكان فليس بواجب، وهو الأرجح عندَ الشَّافِعِيِّ.
(وطوافُ الزِّيارة)؛ أي: إيقاعه في أَيَّامِ النَّحرِ بناءً على قول الإمام، وعليه فتوى علماء الأنام، وما زاد على أكثرِ الطَّوافِ)؛ أي: طَوَافِ الزِّيارة وهو ثلاثةُ أشواط ولو في غير أيامِ النَّحرِ.
والطُّوافُ وراءَ الحَطيم)؛ أي: مِن واجِباتِ مُطْلَقِ الطَّوَاف.
(والرَّمْي)؛ أَي رَمْيُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ (قَبْلَ الحَلْقِ)؛ أي: وما في معناه مِن القَصْرِ، سواءٌ يكونُ مُفْرِداً أو قارناً أو مُتَمتعاً.
وذَبِّحُ القارِنِ والمُتَمتَّع بينَ الرَّمْي والحَلْقِ)؛ أي: إِذا تَعَيَّنَ الدَّمُ عليهِما، بخلافِ ما إذا صاما، لكن لو صامَا ثُمَّ قَدَرَا على الدَّمِ قبلَ الرَّمي والحَلْقِ فَإِنَّه يَجِبُ عليهما الذَّبحُ والتَّرتيب بينهما، وأمَّا هذا الترتيب في حقٌّ المُفْرِدِ مُسْتَحَبُّ سَواءٌ أَوْجَبَ على نَفْسِهِ الهَدْيَ أم لا. (وذَبحهما)؛ أي: ومن الواجباتِ ذَبْحُ القارِنِ والمتمتَّعِ هَدْيَهما الواجِبَ عليهما (في أَيَّامِ النَّحْرِ)، ومنها: وقوع ذَبْحِ مُطْلَقِ الهَدْيِ فِي الحَرَمِ عَلى ما ذَكَرهُ فِي «الكبير»، لكن فيه نظر؛ إذ هو شرط صحته حيثُ لا يَجوزُ وقوعه في غيرِه.
(والحَلْقُ فِي أَيَّامِ النَّحر): وهي الأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الأُوَلُ، فَإِنَّ أَيامَ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ، وَأَيَّامَ التّشْرِيقِ ثلاثة، والمجموع أربعة، فالأوَّلُ نحرّ بلا تشريق، والرَّابِعُ تَشْرِيقٌ بلا نحر، وما بينهما يشترِكُ الوصفانِ فيهما.
(والحَلْقُ)؛ أي: وكذا التَّقْصيرُ (في الحَرَمِ) وأفضل مواضعه منى للحاج، والمروة للمُعْتَمِر.
(وحُكْمُ الواجِبِ لُزُومُ الدَّمِ)؛ أي: دَمِ الجناية (بتركه)؛ أي: بتركه كلَّ واجب من واجباته إذا كان بغيرِ عُذْرِ، إِلَّا َصلاةَ الطَّوافِ فإنَّها عبادةٌ مستقلة، حيثُ إِنَّهَا متصلةٌ من وجه ومُنفصلةٌ مِن أُخرى، ولأنَّ وقتها موسع، وليس لها مكانٌ مُعيَّنٌ، فلا يُتَصوَّرُ تَرْكُها إِلَّا بِمَوتِ صاحبها.
ويُجْزِتُه الحَج)؛ أي: ولو تَرَكَ الواجبات بأسرها إذا قام بشرائطه وأركانه (سواء تركه)؛ أي: الواجبَ عَمْداً أو سَهْواً)؛ أي: خطاً، وكذا نسياناً وجَهْلاً، لكن العامِدَ العالم آثم، وغيره لا، إلَّا أنَّ الجاهل أيضاً آثِمٌ على ما هو الظَّاهِرُ، لأنَّه يَجِبُ عليه العِلْمُ أو التَّعَلَّمُ؛ كما قال تعالى: {فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
الباب الثالث
(في السنن)
أي: سُنَنِ الحج (وهي)؛ أي: السُّننُ المَؤكَّدةُ فِيهِ تِسْعَةَ عَشَرَ:
(سُنَّةٌ طَوَافِ القُدوم)؛ أي: على الصحيح، خلافاً لمن قال بوجوبه، وخلافاً لمن قال: ليس مِن سُنَنِ الحج (للآفاقي) - أي: دونَ المكي - ومَن بمعناه المُفْرِدِ بالحج)؛ أي: لا بالعُمْرة، أو القارن)؛ أي: دونَ المتمتع، فإنَّه في حُكْمِ المنفرِدِ بالعُمْرةِ أوَّلاً، وفي حُكْمِ المَكِّيّ بالحج ثانياً.
(والرَّمَلُ) بِفَتْحَتَينِ، وهو مشي بسرعةٍ مع اقترابِ الخُطُوةِ وَاهْتِزازِ الكَتِفَينِ (في الثَّلَاثَةِ الأُولِ) بضم همزةٍ وفتح واوِ مُخفَّفَةٍ: جمعُ الأُولَى؛ أي: في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأُوَلِ مِن الطَّوَاف)؛ أي: من أشواطهِ، وهذا مختص بطَوَافٍ بعدهُ سَعْيُ كالاضطباع، فكان هذا مَحَلَّ ذِكْرِه، وقد أَخَّره المصنِّفُ.
(والهَرْولةُ): وهو السَّعي بالشِّدَّةِ (في السَّعْي)؛ أي: في جميع أشواطِ سَعْيِ الحج والعمرة (بينَ المِيلَيْن)؛ أي: لا قَبْلَهما ولا بَعْدَهما؛ كما يُسْتَفادُ مِن قوله: والمَشْيُ على هِيْنَة بكسر الهاء؛ أي: سُكونة وطمأنينة (في باقي الطَّوافِ والسَّعْي)؛
أي: باقي أشواطِ الطَّوافِ، وباقي مواضِعِ السَّعي ممَّا عَدَا الميلَيْنِ.
والبيتوتةُ بمُزْدَلِفَةَ)؛ أي: كونُ أكثرِ اللَّيلِ فيها سُنَّةٌ عندنا، وواجب عند الشافعية،
وقيل: ركن عندهم.
والمبيتُ بمنّى أَيَّامَ مِنّى)؛ أي: في لَياليها سُنَّةٌ عندنا وواجب عند الشافعي، وهذا لمَن اخْتارَ التَّأخير إلى يومِ الرَّابع على ما هو الأفضل، وإلَّا ففي ليلتين. والمُرادُ بالليالي هنا: الآتيةُ بعد أيَّامِها، لا الماضيَّةُ قَبْلَها كما قدَّمْنا الإشارة إليها.
والغُسْلُ والوضوء عند الإحرام)؛ أي: إحرام الحج والعُمْرَةِ، والظَّاهِرُ أَنَّ الغُسْلَ سُنَّةٌ، والوضوءُ مُسْتَحَبُّ عند العَجْزِ عن الغُسْلِ، وكذا التَّيَمُّمُ عند العجز عنهما، إلَّا أنَّ هذا إِنَّما هو بالنسبة إلى من يصلي صلاةَ الإحرام، بخلافِ الأَوَّلَيْنِ فإنَّهما سُنَّتَانِ حَتَّى فِي حَقِّ الحائض والنَّفَساءِ.
(ولُبْسُ الإِزَارِ والرِّدَاءِ)؛ أي: للرجال دونَ النِّساء.
(ورَكْعَتَا الإحرامِ)؛ أي: عندَ إرادةِ الإحرامِ قَبْلَ الالْتِزامِ؛ كما يُشيرُ إليه قوله: والإخرامُ بَعْدَهما)؛ أي: وكونُ الإحْرامِ عَقِبَهما، لا قَبْلَهما، ولا متأخر عنهما. وتَكْرارُ التَّلْبيَةِ)؛ أي: زِيَادةً على المرَّةِ التي هي فَرِيضةٌ وشرط في صحة الإحرام سواء يكون حبا أو عُمْرة. والابتداء بالحَجَرِ الأسود)؛ أي: على الأَصَحَ، وَإِلَّا فقيل بوجوبهِ كَمَذهَبِ
الشَّافعيّ، وهو مِن سُنَنِ مُطْلَقِ الطَّوافِ؛ أي: طَوَافِ فَرْضِ أو غيره. واسْتِلَامُه)؛ أي: وَضْعُ اليد عليه، وكذا تقبيله، (في كلِّ شَوْطٍ)، وفي أوَّلِهِ و آخره آگد.
واستِلامُ الرُّكْنِ اليَمَاني) وهو مُستَحَبُّ، وقال محمدٌ: حُكْمُه حُكْمُ الحجر الأسود.
ويتفرع عليه: أنَّ عندَ العَجْزِ عن الاسْتِلامِ يُشير إليه عند محمد كالحجرِ الأسود، فإنَّه إِذا لَمْ يَسْتَطِعْ على استلامهِ يُسَنُّ الإشارة إليه، وأمَّا الرُّكْنان الآخران فيُكْرَه اسْتِلامُهما، وكذا الإشارة إليهما، فإنَّه بِدْعةُ عند الأئمة الأربعةِ.
(والاضطباع) وهو إدخالُ طَرَفِ الرِّداءِ تحتَ إِبْطِ يدِهِ الْيُمْنَى وَكَشْفُ كَتِفِها قبيل الشُّروعِ (في طوافِ الحج والعُمْرة)؛ أي: في جميع أشواطهما، وهذا إن كان يَسْعَى بعده بأنْ قدَّمَ سَعْيَ الحَجِّ، وكذا إنْ لَمْ يكنْ لابساً فِي طَوَافِ الزِّيارة. ثُمَّ الاضْطِباعُ قبلَ الطَّوافِ، لا بعده ولا في السَّعْي، بل يَضْطَبَعُ قُبَيْلَ الطَّوافِ ويكونُ مُستمِرا عليه إلى فَرَاغه.
وأما عبارةُ مُخْتَصِر «الوقاية»، وهي قوله: (وَيَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ مُضْطَبِعاً)، يُوْهِمُ أنَّ الاضطباع مُختص بالثَّلاثةِ، وليس كذلك، بل يُتَوهَّمُ أَنَّهُ لَا يَرْمُلُ إِلَّا إِذا كَان مُضْطَبِعاً، وهو منقوضٌ بأَنَّه يَرْمُلُ في طواف الإفاضة ولو لَمْ يكنْ مُضْطَبِعاً واستلامُ الحَجَرِ بينَ الطَّوَافِ والسَّعْي)؛ أي: بينَ فراغهِ مِن الطَّوافِ وركعتيه وبين خروجه إلى السعي.
(والذَّكْرُ)؛ أي: أنواعه عُموماً (والدُّعاءُ) خُصوصاً، والوارِدُ أفضل، (في
الطَّوَافِ)؛ أي: في جميعِ الأَطْوافِ.
(والمُوَالاةُ)؛ أي: المُتابَعَةُ بينَ الطَّوافِ ورَكْعَتَيهِ)؛ أي: إِنْ لَمْ يَكُنْ وقتَ كراهة (والسَّعْيِ)؛ أي: وبينَ مُطْلَقِ السَّعْي (وبينَ أشواطِهِما)؛ أي: أشواطِ الطَّوافِ والسَّعْي. والخُطبةُ في ثلاثةِ مَوَاضِعَ؛ أي: وفي ثلاثةِ أوقاتٍ، ففي سابع ذي الحِجَّةِ
بمكة خُطبةٌ واحدةٌ، وفي تاسعه بعرفاتٍ كخُطْبَةِ الجُمُعَةِ، وفي حادِي عَشَرِها خُطْبَةٌ
واحدةٌ، وهذه السُّنَّة مُختصة بالخطيب المعيَّنِ مِن جِهَةِ الخلافة.
ومسلُ يوم عرفة لوقوفها) على الأصح (والنزول)، أي: بعد خروجه من مِنِّي بِأَبْطَحَ)؛ أي: بالمحصّبِ ولو ساعة.
وحُكْمُ السُّنَنِ إِذا تَرَكَها)؛ أي: عَمْداً (الإساءة)؛ أي: الموجبة للمعاتبة دون المعاقبة (في المُؤكَّدة)؛ أي: بخلافِ المُسْتحَبَّةِ، فَإِنَّ تَرْكَها خلافُ الأَوْلَى. وفَوَاتُ الكَمَالِ)؛ أي: كمالِ الطَّاعَةِ (والأَجْرِ)؛ أي: وكمال المثوبة في المؤكَّدة والمُسْتَحَبَّةِ إِلَّا أَنَّه)؛ أي: الشَّأْنَ لا يَلْزَمُه)؛ أي: تارِكَ السُّنَّةِ (دم ولا صَدَقَةٌ)؛ أي: ولو تَرَكَهَا عَمْداً.
الباب الرابع
(في المُسْتَحَيَّاتِ وصفة أداء الحج)
أي: وفي نَعْته على وجهِ الاسْتِحْبابِ وحُسْنِ الآداب والعُمْرة)؛ أي: وفي صفة أداءِ العُمرة، إِلَّا أَنَّ ذِكْرَها ليس في مَحَلَّها؛ إذْ يَأْتي فَصْلٌ على حِدَةٍ في أمرِها. (وهي)؛ أي: المستحبَّاتُ (كثيرة)، وأكثرها يتعلَّق بالإحرامِ الشَّامِل للحج
والعُمرةِ قَبْلَ وقوعهِ أو بَعْدَ تَحققهِ، وَمِن قَبيلِ الأَوَّلِ قوله:
(ومنها)؛ أي: من المستحبَّاتِ حال إرادة الإحرام: (أنْ يُقلَّمَ أَظفاره)؛ أي: إِنْ كَانَتْ طويلةً.
ويَقُصَّ) شارِبَه)؛ أي: يَقْطَعَهُ حَتَّى يساوِيَ شَفَتَه.
ويَحْلِقَ عانته؛ أي: إن كان رجلاً، وتَنْتِفُ المرأة، ويجوز استعمالُ النُّورَةِ لهما
ويَنْتِفَ إِبْطَيْهِ)؛ أي: إنْ كان مُتعوِّداً بنَتْفِهِ، وإِلَّا فَيَحْلِقُه.
(عند الإحْرَامِ): هذا قيد لجميعِ ما سَبَقَ مِن المَرَام.
ويَلْبَسُ)؛ أي: الرَّجلُ ثَوْبَينِ)؛ أي: إزاراً ورداء (أَبْيَضَيْن) وهو أفضل (جَدِيدَيْنِ) وهو الأَكْمَلُ، أو غَسِيلَيْنِ)؛ أي: مغسولين، وفيه إشارة إلى أنَّ الجديد لا يَحتاجُ إلى الغَسْلِ، ولا يَبْعُد أنْ يُجْعَلَ الجمع بينهما هو الأَمْثَلَ، إِلَّا أَنَّ الأَوَّلَ أَشْبِهُ بكَفَنِ المَيِّتِ، فتأمل.
(ويَدَّهِنُ) بتشديدِ الدَّالِ؛ أي: يَتَدَهَّنُ بدُهْنِ مُطَيِّبٍ أو بغيرِه فِي شَعَرِهِ وبَدَنِه. ويَغْتَسِلُ ويَتَطيَّبُ)؛ أي: في بَدَنِهِ بأي طيبٍ كان، سَوَاءٌ بَقِيَ جِرْمُه بعد الإحرام أم لا، وفي الثاني خلاف لبعض الأئمة فالأَوْلَى تَرْكُه، وكذا الأَوْلَى أنْ لا يُطَيِّبَ ثوبَه مُطلقاً.
(ثُمَّ يَلْبَسُ إزاراً ورِداءً) وفيه: أنَّ الإزار والرِّداءَ هما الثوبان المتقدِّمانِ كما أشرنا إليه، وكأَنَّه أرادَ هنا بذكره أَنَّه يقدّمُ الاغْتِسالَ على لُبْسِهِما كما يَدُلُّ عليه إيراده بـ (ثُمَّ).
(ثُمَّ يُصلِّي) وكان حقه أنْ يقول: أو يتوضَّأُ أَو يَتِيمَّمُ ثُمَّ يُصلِّي؛ أي: إِنْ لَمْ يَكُنْ وقت الكراهة (رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الإحرام)؛ أي: يقرأُ فيهما: (الكافرون) و (الإخلاص). (ثُمَّ بعدَ السَّلامِ)؛ أي: عَقِيبه قبل القيام (يَنْوِي الحج)؛ أي: وَحْدَه إِنْ كان مُرِيدَ الإحرامِ مُفْرِداً به، فيقولُ)؛ أي: بعدَما يَدْعو بقوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الحج فيسره لي وتَقَبَّلْه مِنِّي، نَوَيْتُ الحَجَّ)؛ أي: عن نَفْسي، أو: عن فُلانٍ، ونَحْوه، ولا يَحتاجُ إلى قيدِ الفَرْضِ والنَّفْلِ، فإنَّ مُطْلَقَه يَصْرِفُه إلى الفَرْضِ إِنْ كان عليه، وأَحْرَمْتُ به الله تعالى)؛ أي: دونَ رياء وسُمعة.
(وإن كان)؛ أي قاصد الإحرامِ عُمْرةً)؛ أي: ذا عُمرة، أو: إحرامه إحرام عُمرة، أو نُسُكُه عُمرةً، سواءٌ يكونُ مُتَمتَّعاً أو غيره، فكان الأَوْلَى أنْ يقول: وإن كان معتمراً (يقول)؛ أي: بعد دعائه: (اللَّهُمَّ إِنِّي أريدُ العُمْرَةَ فَيَسِّرْها لي وتَقَبَّلْها مِنِّي، نَوَيْتُ العُمْرَةَ وأَحْرَمْتُ بها اللهِ تعالى).
(وإن كان قارناً؛ أي: مُرِيداً للقِرَانِ، وهو الجمع بينَ النُّسُكَينِ في الزَّمان (يقولُ)؛ أي: بعدَ دُعائِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُريدُ العُمْرة والحج، فيَسِّرْهما لي وتَقَبَّلْهُما مِنِّي، نَوَيْتُ العُمْرَةَ والحَجَّ)، ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ العُمرة قبل الحجِّ لَتَقَدُّم عَمَلِها على عَمَلِهِ، وأَمَّا قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] فُرُوعِيَ رُتبةُ الحَجِّ حيثُ إِنَّهُ فَرِيضةٌ والعمرةُ سُنَّةٌ، وأَحْرَمْتُ بِهِما الله تعالى، فيُلَبّي)؛ أي: بالتَّلْبيَةِ المَسْنونة المشهورة،
وإن زاد عليها فحَسَنُ - بل مُسْتَحَبُّ - كما في المُطوَّلاتِ مَسْطورَة.
(ويدعو)؛ أي: بعد فراغ التَّلبية، كان الأَوْلَى أَنْ يقول: ويُصلِّي على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ويدعو؛ أي: بما شاء، ومن المأثور: (اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ رضاك والجنَّةَ، وأَعوذُ بكَ مِن
غَضَبِكَ وسَخَطِكَ والنَّارَ)، ويَسْتغفِرُ له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات. ويُستَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ التَّلْبِيةَ؛ أي: فإنَّها أفضلُ الأذكارِ والدَّعَواتِ في تلك الحالات (مَعَ رَفْعِ الصَّوتِ)؛ أي: أو مع خَفْضِهِ، والأول أفضل، ففي الحديثِ: «أَفضلُ الحج: العَجُ واللَّجُ، فالعَجُ: رَفْعُ الصَّوْتِ ِبالتَّلبية، والثّجُ: سَيَلانُ دَمِ الهَدْيِ، فكان حَقَّه أنْ يقول: ويَرْفَعُ صوتَه به؛ ليُعْلَمَ أَنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُستَحَبُّ عَلَى حِدَةٍ، مع أَنَّ الرفع مختص بالرجل دونَ المرأة.
ويُصَلِّي على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بعدَ التَّلْبِيةِ)؛ أي: على الدَّوَامِ، إِلَّا أَنَّه يَخْفِضُ صوته في التَّصْليَةِ بالنسبة إلى التَّلْبِيةِ، ويُخْفي في الدُّعاءِ زيادة على التَّصْلِيةِ؛ لقوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55]، وقوله تعالى: إذ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّا [مريم: 3].
ويُكَرِّرُ التَّلْبِيةَ كُلَّ مَرَّةٍ ثلاثاً)؛ لأنَّه أقل مراتب الكمال (ويُلَبِّي)؛ أي: خصوصاً (في أدبار الصلواتِ)؛ أي: عَقِيبها فَرْضاً ونَفْلاً كما في سائر الحالات.
(وإذا اسْتَعْطَفَ راحِلَتَهُ)؛ أي: صَرَفَ عنان دابته إلى طريق أُخرى، وكذا إذا مالَ بنَفْسِهِ إلى سبيل أُخرى.
(وإذا صَعِدَ شَرَفاً)؛ أي: طَلَعَ مكاناً عالياً، مع زيادة التكبير المستحب في ذلك المقامِ، (أو هَبَطَ وادياً)؛ أي: نَزَلَ مكاناً سافلاً، مع زيادة التسبيح المندوب في ذلك المرام.
(أو لَقِيَ بعضُهم بعضاً: كان الأَوْلَى أو لَقِيَ أحداً.
(وبالأسحار) بفتح الهمزة: جمعُ سَحَر، وهو السُّدُسُ الأخيرُ مِن اللَّيلِ؛ أي:
وفي أوقاتِ السَّحَرِ.
ويجوز أن يكون بكسر الهمزة والمعنى: وعند دخوله في وقتِ السَّحَرِ؛ كالإصباح والإمساء، وهما المراد بقوله: (وعند إقبالِ اللَّيلِ)؛ أي: وإدْبارِ النَّهار (والنَّهار)؛ أي: وإقبالِ النَّهارِ وإدبارِ اللَّيل.
والحاصل: أنَّه يُجدِّدُ التَّلْبية في الحالات المختلفة والأوقات المؤتلفة، بأن قام أو قَعَدَ أو رَقَدَ، أو نام أو اسْتَيْقَظَ، أو أكل أو شَرِبَ، وأمثال ذلك. والمقصود: مُداوَمَةٌ ذِكْرِ المَلِكِ العلَّام، ومُوَاظَبَةُ التَّذَكُرِ لحالة الإحرام.
(وإذا دَخَلَ مكَّةَ)؛ أي: ليلاً أو نهاراً (ابْتَدَأ بالمسجد)؛ أي: إنْ لَمْ يكن له مانع من دخوله بعد وصوله، وقَدَّمَ رِجْلَه اليُمْنَى في الدخول)؛ أي: دخول المسجد، ويقول: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانهِ القَدِيمِ مِن الشَّيطانِ الرَّحِيمِ، بِسْمِ الله والحمد الله، والصَّلاة والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنوبي وافتح لي أبواب رحمتِكَ. وقَدَّم رِجْلَه اليُسْرَى في الخروج منه)؛ أي: مِن المسجدِ قائلاً ما سَبَقَ، إِلَّا أَنَّه يقول هنا: (أبوابَ فَضْلِكَ) بدل (أبوابَ رَحْمَتِكَ)؛ لحديثٍ وَرَدَ كذلك، وقد بينا وجة الفرق هنالك.
ويَدْخُلُ مِن بابِ السَّلام)؛ أي: بناءً على ما وَرَدَ مِن فِعْلِهِ عليه السَّلامُ، ويقولُ: اللَّهُمَّ أَنتَ السَّلامُ وَمِنكَ السَّلامُ وإليكَ يَرْجِعُ السَّلامُ، فَحَيْنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، وَأَدْخِلْنَا دارَ السَّلامِ، تَبارَكْتَ ربَّنا وتَعَالَيْتَ يا ذا الجلال والإكرام.
ويَخْرُجُ إِلى الصَّفَا)؛ أي: إذا أرادَ السَّعْيَ مِن بابِ الصَّفا؛ أي: تَبَعاً للمُصْطَفَى سيد أرباب الوفا، وسَنَدِ أصحابِ الصَّفَا، لا الله.
(وإذا عاين البيت)؛ أي: شاهَدَه قبل دخول المسجد أو بعدَهُ (كَبَّرَ وهلل)؛ أي: ثلاثاً، وكان حقه أن يقول: وصلى على النبي، ودَعَا بما شاءَ، فقد رَوَى الطبراني: أنَّه كان إذا نَظَرَ إلى البيتِ قال: «اللَّهُمَّ زِدْ بيتَكَ هذا تشريفاً وتعظيماً
وتكريماً وبرا ومهابة، والأصحُ أَنَّه لا يَرْفعُ يَديهِ عند رؤية البيتِ.
(ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ): كان حَقَّه أنْ يقولَ: ثُمَّ يَتَوجَّه نحو الحجرِ الأسودِ والرُّكْنِ الأَسْعد، ولا يَشْتَغِلُ بتحيَّة المسجد.
(ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ؛ أي: بأنْ يتقدَّمَ على الرُّكن بجميعِ بَدَنِهِ مُستقبلاً للكعبة
بوَجْهِه قائلاً: (نَوَيْتُ أنْ أطوف بهذا البيت العتيقِ سَبْعاً كاملاً للهِ تعالى)، ولا يَرفعُ يَديهِ
في هذه الحالة، فإنَّه مكروه وبدعةٌ عند الأئمة الأربعة.
(وابتدأ بالحجر الأسود)؛ أي: عند شُروعهِ في طَوَافِهِ بعدَ نَيَّتِهِ وحُسْنِ طَوِيَّتِهِ.
(فاسْتَقْبَلَه)؛ أي: الحَجَرَ (وكبَّرَ)؛ أي: مُحاذِياً له.
(ويرفع يديه)؛ أي: حينئذٍ (حِذَاءَ أُذُنيهِ) كما في الصَّلاةِ على الأصح. فيَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه ويُهَلِّلُ ويُكَبِّرُ ويَحْمَدُ اللهَ َويُصَلِّي على نَبِيِّهِ) ولا يقولُ كالعَوَام:
اللَّهُمَّ صَلِّ على نبيٍّ قَبَّلَكَ، فإِنَّه كُفْرٌ إِلَّا بتأويل الالْتِفات. فيطوفُ سَبْعاً)؛ أي: سَبْعَةَ أشواط (القُدُوم)؛ أي: لطَوافِ القُدومِ إنْ كان مفرداً آفاقيًا.
(ويَرْمُلُ فيه)؛ أي: في هذا الطَّوَافِ فِي الأَشواطِ الثَّلَاثِةِ الأُوَلِ. ويَضْطَبَعُ)؛ أي: في جميع الأشواط (إنْ أَرادَ أَنْ يَسْعَى بعده)؛ أي: يُقَدِّمَ السَّعْيَ عَقِبَه.
(وإلا لا)؛ أي: وإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْعَى بعد هذا الطَّوَافِ، وأراد أَنْ يُؤخِّرَ السَّعْيَ إلى ما بَعْدَ طَوَافِ الفَرْضِ، فلا يَرْمُلُ ولا يَضْطَبَعُ حينئذ هنا، بل يؤخِّرُهما إلى طَوَافِ الزيارة فيَرْمُلُ فيه، وكذا يَضْطَبَعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لابساً.
(وَيَسْتَلِمُ الحَجَرَ كلَّما مَرَّ به)؛ أي: إِنْ تَيَسَّرَ مِن غَيرِ أَذًى منه وتَأَذُّ له، وهل يَرفعُ
يديهِ كلَّ كَرَّةٍ أو اكْتَفَى بِأَوَّلِ مَرَّةٍ؟ وجهانِ كما صرح ابنُ الهُمَام.
فإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ)؛ أي: اسْتِلامَهُ وتقبيلَهُ لعُذْرِ به (مَسَّه بيده)؛ أي: اليُمْنَى، والأولى بيديهِ، (أو بشيءٍ آخَرَ)؛ أي: ممَّا يكون بيده (وقبله)؛ أي: ذلك الشَّيءَ بعد لمسه
(وإلَّا)؛ أي: وإِنْ لَمْ يَقْدِرُ على مَسِّه ولَمْسِه أيضاً (وَقَفَ)؛ أي: وَقْفةً لطيفةٌ إِنْ كانَ في أثناءِ الطَّوَاف، (بحذائه)؛ أي: بمحاذاته ومُقابَلَتِهِ، وكَبَّرَ وهَلَّلَ وأَشارَ بيديهِ إليه وقَبَّلَهما). هذا كله من مُتَعلِّقاتُ الطَّوَافِ.
ويُسْتَحَبُّ الطَّهارةُ في السَّعْيِ) فلو سَعَى جُنُباً أو مُحْدِثاً لا شيء عليه.
وشدَّةُ السَّعْي في بطنِ الوادي فيه: أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهَا سُنَّةٌ ما بين الميلين. والصعود على الصَّفا والمَرْوةِ)؛ أي: حتَّى يَرَى البيت، أو يُمْكِنُه رُؤيتُه. (وأداءُ رَكْعَتَينِ)؛ أي: نافلةٌ في المَسْجِدِ)؛ أي في حاشية المَطَافِ مُحاذاة الرُّكْنِ أو غيره (بعدَ السَّعْي)؛ أي: لِمَا ثَبَتَ في السُّنَّةِ، لا في المروة لأنَّه بِدْعَةٌ. والمُوَاظَبَةُ على الدُّعاءِ)؛ أي: جِنْسِ الدُّعاءِ، والأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: (الْأَدْعِيَةِ)، ليُوَافِقَ
في الجَمْعيَّة قوله: (والأَذْكارِ)؛ أي: في السَّعي، وكذا في الطَّوَافِ بِالطَّرِيقِ الأَوْلَى. (وإذا أَحْرَمَ)؛ أي: (بالحج) كما في بعض النسخ (من مكة)؛ أي: سواء كان مَكَّيَّا، أو آفاقيًا مُتمتعاً، وأرادَ أَنْ يَتوجّه إلى عَرَفَةَ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوجَّهَ)؛ أَي: إليها (بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ يومَ التَّرْوِيَة)؛ أي: في الثامن من ذي الحجة. (ويُلَبِّي)؛ أي: تارَةً ويُهَلِّلُ، ويَدْعُو)؛ أي: أخرى (عند الخروج من المسجد)؛ أي: بعد خروجه من المسجد الحرام، (والدَّارِ)؛ أي: مَسْكَنِه في ذلك المَقامِ، فالواوُ بمعنى (أو) التَّنْويعيَّةِ، أو يُرادُ بالدَّارِ البلد، فالواو بمعنى الجَمْعِيَّة.
(وأنْ يَمْشِيَ إِلى مِنّى) بالتَّنْوينِ والقَصْرِ، سُمِّيَ به لأنَّه تُمْنَى فيه الدماء، أو لأنَّه مكان حصولِ المُنَى.
(وكذا في سائرِ المَنَاسِكِ)؛ أي: مَوَاضِعِ النُّسُكِ ذَهَابِاً وإِيَّاباً (إلى انْقِضَاءِ حَجه)؛ أي: بحَلْقِهِ أو بفَرَاغِ طوافِ فَرْضِهِ إِنْ قَدَرَ على المَشْي) وَلَمْ يَكُنْ باعثاً على سُوءِ خُلُقه، وحاملاً على غَفْلَتِهِ وقلة طاعته.
(وإذا وَصَلَ إلى مِنِّى نَزَلَ)؛ أي: ليَحْصُلَ له كمالُ المُنَى، وصلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ)؛ أي في مَسجِدِ الخَيْفِ على ما هو الأَوْلى. (ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلى عَرَفة)؛ أي: عَرَفاتٍ (بعد طلوعِ الشَّمس) على ما هو الأفضلُ ويَنْزِلُ بها)؛ أي: يَنْزِلُ بعرفات، والأَوْلَى أَنْ يَنْزِلَ بِقُرْبِ مَسجِدِ النَّمِرةِ كما ثَبَتَ فِي السُّنَّة.
وقوله: (ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِلَ بِقُرْبِ جَبَلِ الرَّحمةِ) محمول على ما بَعْدَ الزَّوالِ، وهو مقيَّد بما إذا لَمْ يَكُنْ هناك مانعُ الزَّحمةِ، وباعثُ الغَفْلَةِ؛ من رؤية الأمورِ المُنْكَرة، وسماع الآلاتِ المُزَمَّرة.
ومن المُستَحَبَّاتِ: أَنْ يَتَفَرَّغَ قبلَ الزَّوالِ مِن الأكلِ والشُّربِ وأَمثالِ ذلك مِن الأحوال؛ ليكونَ فارغ البالِ حال الوقوفِ بِوَصْفِ الكَمَال.
ويُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ قبلَ الصَّلاة، وأنْ يَجْمَعَ بينَ الصَّلاتَينِ)؛ أي: ويُسْتَحَبُّ له الجمع بين صلاتي الظهرِ والعَصْرِ في وقتِ الظَّهِرِ (بأَذَانِ وَإِقَامَتَينِ) بِشَرْطِ سَبْقِ الإحرامِ (مع الإمامِ الأعظَمِ) وهو الخليفة المبينة)، أو نائبه أحدُ الخُطباءِ وهو المعينة، وهذا من الجمع الجائز للنُّسُكِ، فيَعُمُّ المُقيم والمسافر، خلافاً للشَّافعيّ فإِنَّه مختص بالمسافر عندَه، وأمَّا إذا صلَّى مع غيرِ مَن ذُكِرَ فيصلِّي كلَّ صلاةٍ في وقتها. ويَقِفُ)؛ أي: للدُّعاءِ خَلْفَ الإمامِ)؛ أي: كما هو الأَوْلَى، وإِلَّا فيجوزُ قُدَّامَه، وفي يمينه وشماله.
(راكباً)؛ أي: إِنْ تَيَسَّرَ (أو قائماً) إنْ قَدَرَ (أو قاعداً)؛ أي: إِنِ اسْتَطَاعَ. (ملبياً)؛ أي: حال كونه ملبياً؛ أي: تارَةً (مُهَلِّلاً)؛ أي: أُخْرَى؛ أي: قائلاً: (لا إلهَ إِلَّا الله)، والأفضلُ: (لا إلهَ إِلَّا الله وحده لا شَرِيكَ له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قَدِيرٌ)؛ لحديثٍ وَرَدَ بذلكَ لخصوص ما هنالك. (مُسَبِّحاً)؛ أي قائلاً: سبحان الله، أو: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الملائكة والروح.
(مُكبّراً)؛ أي قائلاً: الله أكبر، أو يَزيدُ: الله أكبر كبيرا، والحمدُ للهِ كَثيراً، وسبحانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، ليكون جامعاً، فيكونُ مُكبّراً ومُسَبِّحاً وعاملاً بقوله:
(حامداً)؛ أي: مثنياً، أو: شاكراً.
(ذاكِراً)؛ أي: بسائر الأذكار، وأفضل الأذكار كلامُ المَلِكِ الغَفَّار.
(مُصَلِّياً) على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: ومُسلّماً.
(داعياً)؛ أي: بالأدعية المأثورة وغيرها، من المشهورة ونحوها. (راجياً)؛ أي: إجابة دعوتهِ وحُصولَ مَغْفِرَتِهِ وقَبول توبتهِ. (باكياً)؛ أي: أو مُتَبَاكِياً على عيُوبِهِ وتَقْصيراتِه.
(مُسْتَغْفراً)؛ أي: من ذنوبه وسيِّئاتِهِ.
(رافِعاً يَدَيهِ)؛ أي: حِذَاءَ مَنْكِبَيه.
(مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ)؛ أي: مُتَوَجَّهَ الكعبة.
(مُتَطَهِّراً)، أي: في بَدَنِهِ وثَوْبِهِ مِن النَّجاساتِ الحُكْميَّةِ والحقيقيَّة، وفي قَلْبِهِ مِن الأخلاقِ الدَّنيَّةِ والأحوالِ الرَّدِيَّة.
(مُتَبَاعِداً عن الحَرَام)؛ أي: مُتَنزّهاً عن ارتكاب الحرام، لا سيما في ذلك المقام. (في طعامِهِ وشَرابِهِ ولباسهِ ومَرْكوبهِ)؛ أي: بأنْ جَعَلَها مِن وجهِ الحَلَالِ، فَإِنَّ مَن حَجَّ مِن مال حرام، وقال: لبّيكَ وسَعْدَيْكَ، يُقالُ في جوابه: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُكَ مَرْدود عليك.
وكَلَامه)؛ أي: وفي كلامه مع رُفَقائِهِ، لا سيما إذا تعلَّق بالجماع وأمور نسائه.
(وغير ذلك) مِن بقيَّةِ مَرَامِهِ، مِن النَّظَرِ والسَّمْعِ واليد والرجل، فلا يَخْرُجُ.
جادَّةِ الشَّرْع، ولا يميل إلى هَوَى النَّفْسِ والطَّبْع؛ لقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَج} [البقرة: ???]، ولقوله عليه السَّلامُ: «مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ يَفْسُقُ رَجَعَ كيومَ وَلَدَتْهُ أُمُّه.
ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ)؛ أي: يَبْتَدِئَ كلَّ دُعاءٍ)؛ أي: مِن الدَّعواتِ الواردة في عرفات كما أَفْرَدْتُها في ورقات معروفات (بالتحميد)؛ أي: بالثَّناء، بأن يقول: الحمدُ للهِ حَمْداً يُوافي نِعَمَه، ويُكافِيُّ مَزِيدَ كَرَمِهِ، أَحْمدُه بجميعِ مَحَامِدِهِ مَا عَلِمْتُ منها وما لَمْ أَعْلمُ، الحمد لله على ما أَوْلانا، الحمد لله على ما أعطانا، والحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا وما كنَّا لِنَهْدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله، والحمدُ للهِ حَمْداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرْضَى، الحمدُ للهِ الذي أَطْعَمَنا وسَقَانَا وجَعَلَنا مِن المسلمين، والحمدُ للهِ الذي هَدَانا للإسلام، وجَعَلَنَا مِن أُمَّةِ نبيه محمد عليه الصَّلاةُ والسَّلام. (والتسبيح): بأنْ يُكْثِرَ: سبحانَ اللهِ والحمد الله ولا إلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكبرُ، فيقولُها مئة مرة.
(والصَّلاةِ)؛ أي: على النبي، بأن يقول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد كما صَلَّيْتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحَمَّدٍ كما بارَكْتَ على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد. وهذا أصحُ ما وَرَدَ فيها وأَعْلَاها.
وأَقَلُّ ألفاظ الصَّلاةِ أنْ يقولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وَسَلَّمْ، وأوسَطهَا أَنْ يقولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدِ النَّبيِّ الأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ.
يقولُها مئةَ مَرَّةٍ، ويقول: لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ له ـ إلى آخِرِه ـ مِئَةَ مَرَّةٍ، ويقرأُ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} مئةَ مَرَّةٍ، وَيَسْتَغفِرُ اللهَ مئةَ مَرَّةٍ، بأنْ يقولَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الذي لا إلهَ إِلَّا هو الحي القيوم وأتوبُ إليه، أو يقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وهذا أَوْلَى مِن الأُولى.
وسيد الاستغفار على لسان سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم هو أنْ يقول: «اللَّهُمَّ أَنتَ رَبِّي لَا إِلهَ إِلَّا أَنتَ خَلَقْتَني وأنا عَبْدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ، أبوء لكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وأبوء بذَنْبي، فاغْفِرْ لي فَإِنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلَّا أَنتَ.
ويقولُ أربعينَ مرَّةً: لا إلهَ إِلَّا أَنتَ سبحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِن الظَّالِمِينَ.
ويقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ولوالدي وللمؤمِنينَ والمؤمِناتِ، مئةَ مَرَّةٍ أو أكثرَ، فَإِنَّ
فائدتَهُ أَتمُّ وأَظْهَر. ويُكَرِّرُه)؛ أي: الدُّعاءَ وما يَتَعَلَّقُ به مِن الثَّناء (ثلاثاً)؛ أي: في كلُّ مَرَّةٍ مِن الأحوال، فإنَّه أقل الكمال، في مقام إلحاح السؤال.
(ويَخْتِمُه بذلك)؛ أي: بالدُّعاءِ (وبآمِينَ) فإنَّه خاتَمُ رَبِّ العالَمِين؛ كما في حديث. وقد جَمعْتُ الأَدْعِيَةَ القُرآنيَّة والحديثيَّة وسَمَّيْتُه بـ «الحزب الأكبر فعليك به، لا سيما في هذا اليومِ الأَزْهَر، المسمَّى بالحج الأكبر عند الأكثر، ولو لَمْ يَكُنِ الوقْفَةُ بالجُمعة، فإذا كانَتْ على ما هو الأَشْهَر، فهو في هذا المَقَامِ أَظْهَر.
(ويُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِن أعمال الخير)؛ أي: ما تَيَسَّرَ مِن جميع أنواع الخيراتِ والمبراتِ؛ مِن الإطعامِ والصَّدَقات، وعِتْقِ الرَّقبات، وسائر العبادات والطاعات (في يومِ عَرَفة)؛ أي: خُصُوصاً (وسائرِ أَيَّامِ العَشَرةِ)؛ أي: عُموماً (وأنْ يُواظِبَ على قراءةِ القرآنِ)؛ أي: نَظَراً باللَّفْظِ أو غيباً بالحِفْظ، جميعِهِ أو ما تيسر منه، ولا يَتَعذَّرَ بقوله: ما أنا بقارئ؛ لأنَّ المؤمِنَ لا يَخْلُو مِن حِفْظِ بعض القرآن، ولو كانَ سورة الفاتحة والإخلاص، فيُكَرِّرُهما على قَدْرِ التَّوفِيقِ فِي مَقَامِ الاخْتِصَاص.
(ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْفَعَ)؛ أي: يَرْجِعَ مِن عَرَفةَ إِلى مُزْدَلِفَةَ (مع الإمامِ)؛ أي: لا قَبْلَه ولا بَعْدَه إنْ كان قادِراً على هذا المَرَام مع السَّكينة)؛ أي: الطُّمانينة والوَقَار، مع قَصْدِ السُّرعة كما هو مفهوم لغة الإفاضة إِنْ حَصَلَ له الاقتدار، وَلَمْ يَكُنْ سَبَباً لأذَى المسلمين الأبرار.
(ويكونَ)؛ أي: في حالِ رُجوعه (مُلَبِّياً)؛ أي: بالخُصوص مَرَّةً (ذاكِراً)؛ أي: بعموم أنواعِ الذِّكْرِ أُخرى (مُسْتَغْفِراً)؛ أي: بلسانه، وتائباً عن المعصية بجنانه، وناوِياً أن يقوم بما يَجِبُ عليه من سائر أركانه.
إلى أنْ يأتيَ مُزْدَلِفة) وحدُّها عند أهلِها مَعْروفة (فيَدْخَلُها ماشياً)؛ أي: على ما هو الأفضل، مُراعاة للأدبِ بالوجهِ الأَكْمل.
ويُسْتَحَبُّ)؛ أي: عند المشايخ (الغُسْلُ لدخولها)؛ أي: إِنْ قَدَرَ بِالأَمْرِ الأَمْثَل. ويُسْتَحَبُّ صَلَاةُ الفَرْضِ)؛ أي: تَعْجِيلُ صلاة المغرب، وفيه إشعار بأنَّه ولو نَزَلَ بعد وقتِ العِشَاءِ فَإِنَّه لا يُصلّي نافِلةً قبل المغرب، فإِنَّه مَكْرُوهُ في الأداء (قَبْلَ حَطَّ رَحْلِه)؛ أي: قَبْلَ وَضْعِ مَتَاعِهِ عن فوق دابَّته.
(فيُنِيخُ جِمَالَه)؛ أي: بما عليها مِن رِيشِهِ ومالهِ (وَيَعْقِلُها)؛ أي: يَرْبِطُ يَدَها لئلا تَقومَ مِن مَقامِها (ويَجْمَعُ)؛ أي: ولو كان مُقِيماً عندَنا (بينَ الصَّلاتَيْنِ)؛ أي: العِشَاءَيْنِ في وقتِ العِشاء بأذان وإقامة، وقيل: بإقامتين، ولا يَفْصِلُ بينَهما بسُنَّةٍ ولا نافلة، بل يصلي سُنَّةَ المغرب بعدَ فَرْضِ العِشاء، ثُمَّ سُنَّةَ العِشَاءِ، ثُمَّ الوِتْرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ إِنْ لَمْ يَكن في نيَّته الإحياء، وإلَّا فتأخيرُ الوِتْرِ أفضلُ؛ لقوله عليه السَّلامُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُم باللَّيلِ وِتْراً».
ويَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ هذه اللَّيلَةَ، فَإِنَّها مُكْتَنَفَةٌ بفضيلَتَيْنِ:
إحداهما: أَنَّه بقيَّةُ أوقاتِ الوُقوفِ.
وثانيتهما: أنَّها ليله العيد وآخِرُ ليالي العَشْرِ الوارِدِ فيها قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرِ [الفجر: ? - ?]، وقد وَعَدَ فيها بمغفرة المظالم، وهذه أَوْفَى الغنائم. ولكنْ يُسْتَحَبُّ أنْ ينام فيها بعض المنام؛ كما ثَبَتَ عن فِعْلِه عليه السَّلام، ولأنَّ في غَدِه أعمال كثيرةٌ يَتعيَّنُ على الحاج أنْ يَقُومُوا بها في حُصولِ المَرَام. وأَنْ يَنْزِلَ)؛ أي: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَنْزِلَ بِقُرْبِ جَبَلِ قُزَحَ)؛ أي: المُسَمَّى بالمَشْعَرِ الحرام، فإنَّه أفضلُ مَوَاضِعِ مُزْدَلفة؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضتُم مِنْ عَرَفَتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198].
(وأنْ يُصَلِّيَ الفَجْرَ)؛ أي: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُصلِّيَ فَرْضَ هذا الصُّبحِ (بغَلَسٍ) بفتحتين، أي: بغبش، وهو أوَّلُ ظُهورِ الانفجار، قَبْلَ بُدُو الإسفار، وهذا باتفاق العلماء الأبرار، بخلافِ ما عدا هذا اليوم، فإنَّ التَّعجيل عند الشافعي أفضلُ، والإسفار عندَنا أكمل؛ لقوله عليه السَّلامُ: «أَسْفَروا بالفَجْرِ فَإِنَّه أعظمُ للأجر»، وهو لا يُنافي ما اسْتَدَلَّ به الشَّافعي من قوله عليه السَّلامُ: «أَوَّلُ الوقتِ رِضْوانُ الله»؛ فإنَّ المراد بأوَّلِهِ: أَوَّلُ المختارِ مِن أوقاته، بحيثُ لا يَصِلُ إلى آخره المكروه فيه أداؤه؛ كحال الاحمرار.
(فيقِفُ عندَ المَشْعَرِ الحرام) أو حيثُ تَيَسَّرَ له مِن مُزْدَلفَةَ أَنْ يَقَعَ فِيه المُقَام (مُلَبِّياً ذاكراً)؛ أي: حامداً أو شاكراً (مُصَلِّياً على نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: مُكْثِراً مُسْتَغْفِراً داعِياً)؛ أي: لنَفْسه ولوالديه ولأَرْبابِ الحُقوقِ عليه، وللمُؤمِنينَ والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
إلى أنْ يُسْفِرَ)؛ أي: يَدْخُلَ في الإسفار (جدا)؛ أي: كثيراً بحيث قارَبَ الاحمرار (فيَدْفَعُ)؛ أي: فيَتَوجَّهُ مِن مُزدلفة (إلى مِنِّى)؛ أي: جانبها (قبلَ طُلوعِ الشَّمس)؛ أي: ارتفاعها، فيه نظر.
(ويُسْرِعُ)؛ أي: سَوَاءٌ كان راكباً أو ماشياً (قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ في وادي مُحَدِّرٍ) بكسر السين المهملة المشدّدة، وهو موضع نَزَلَ فيه على قومِ نوع من العقوبة، فيقولُ: «اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بغضَبِكَ، ولا تُهْلِكُنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك»، وهو آخِرُ حدّ المُزْدَلِفة، وما بَعْدَه أَوَّلُ حَدٌ المنى.
ويَرْفَعُ الحَصَى)؛ أي: قَدْرَ النَّوَاةِ لَرَمْي جَمْرِةِ العَقَبَةِ أو الحِمَارِ كلَّها (مِن مُزْدَلِفةً)؛ أي: نَفْسِها (أو) مِن الطَّريقِ)؛ أي: من طريقها، ليلاً أو نهاراً، ولا يَكْسِرُ الحجاراتِ الكبار، بل يَلْتقِطُ الصِّغَارَ قَدْرَ الباقِلَاءِ وأمثالِها مِن الحَصْباء، وأَخْذُهُ مِن هاهنا بيانُ الأفضل، والمبادرة إلى قَصْدِ العبادة بالوجه الأكمل، وإِلَّا فَيَجوزُ أَخْذُ الحَصَى مِن أَرضِ مِنّى أيضاً، إِلَّا أَنَّه يُكْرَهُ مِن الجَمَرات ومِن أَرضِ المسجدِ، ويَنبغي أنْ يَغْسِلَها لأنَّها تُرفَعُ من مَحلَّها وتُوْضَعُ في ميزان أهلها، ولئلَّا تَتَنجَّسَ يدُ صاحبها عند مُنَا وَلَتِها حالةَ العَرَقِ ونحوه.
(ويأتي مِنّى)؛ أي: ويَطْلُبُ فيها المُنَى، ويقولُ: اللَّهُمَّ هذه مِنِّى فَامْنُنْ عَلَيَّ بما مَنَنْتَ به على عبادِكَ الصَّالحين.
(ويَرْمِي جَمْرةَ العَقَبَة)؛ أي: الجَمْرةَ الأخيرة (بسَبْعِ حَصَيَاتِ)؛ أي: حِجَارَاتٍ مُتَوسطاتٍ مِثْلَ الباقِلَاءِ والنَّوَاةِ).
وطريقه المُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْميَ مِن بطنِ الوادِي، بأنْ يَجْعَلَ مِنِّي على يمينه ويَسْتقبِلَ الجَمْرة، ويكون بينه وبينها خمسة أذرع تقريباً، ويأخُذ الحجارة بينَ المسبحة والإبهام، ويَرْميَ عندَ الشَّاخِص قريباً منه لا فَوقَهُ، ويقول في كلِّ رَمْية: بسم الله، الله أكبر، رَجْماً للشَّيطانِ ورِضَى للرحمن، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَّا مبروراً وسعياً مشكوراً وذَنْباً مغفوراً.
(ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بأوَّلِ حَصَاةٍ)؛ أي: مع أوَّلِ حصاةٍ يَرْميها.
(ثُمَّ يَذْبَحُ ثُمَّ يَحْلِقُ) وهذا الترتيب واجب بالنسبة إلى القارِنِ والمُتَمَتِّعِ، ومُسْتَحَبُّ بالنسبة إلى المُفْرِدِ، وأمَّا الترتيب بينَ الرَّمي والحَلْقِ فواجب على الكل، ويَجبُ وقوع الذَّبْحِ والحَلْقِ فِي الحَرَمِ أَيضاً.
(وقَدْ حَلَّ)؛ أي: أبيحَ (له)؛ أي: للمُحْرِم (به)؛ أي: بالحَلْق، وفي معناهُ القَصْرُ
(كلُّ شيءٍ)؛ أي: مِن مَحظورات الإحرام، حتَّى الطَّيبُ على خلافٍ فيه (إِلَّا النِّسَاءَ)؛ أي: إِلَّا جِمَاعَهُنَّ والتَّمَتُّعَ بهنَّ، فإنَّه لا يَحِلُّ له إلَّا بعد أنْ يَطُوفَ طَوَافَ الإفاضة. ثُمَّ يُفيضُ)؛ أي: يَنْزِلُ إلى مكَّةَ لطَوافِ الزِّيارةِ)؛ أَي: المُسمَّى بِطَوَافِ الفَرْضِ والإفاضة (في يوم النحر)؛ أي: في أوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ فإنَّه أَفضلُ (أو في الغَدِ أو بَعْدَ الغَدِ)؛ أي: ولياليهما (ولا يُؤخِّرُ عنه)؛ أي: لا يُؤَخِّرُ الطُّواف عن وقتِ النَّحْرِ وزَمَانِهِ مِن أيامه ولياليهِ؛ لِمَا سَبَقَ أَنَّه مِن الواجبات، إِلَّا إِذا حَصَلَ له عذر في تأخيره، أو حاضَتْ أو نُفِسَتْ في مَقامِهِ. (ثُمَّ يَطوفُ سَبْعاً)؛ أي: كسائر الأطوافِ، ولا بدَّ له مِن نِيَّتِهِ، ويُصلِّي رَكْعتين)؛ أي: فإِنَّهما واجِبَتَانِ عليه.
ويَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ)؛ أي: بعد الطَّوَافَ إِنْ لَمْ يُقَدِّمْ)؛ أَي: إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ السَّعي على الوقوف.
(ثُمَّ رَجَعَ الأَوْلَى: يَرْجِعُ إِلى مِنِّى)؛ أي: قَبْلَ الزَّوالِ أو بعده، أو متى ما تَيَسَّرَ له (فيُقِيمُ بها) الأَوْلَى أنْ يقال: فيَبيتُ بها؛ فإنَّ البَيْتوتَةَ في لياليها سُنَّةٌ عندنا وواجبةٌ عند غيرنا، والخروج من الخلافِ والنزاع مُسْتَحَبُّ بالإجماع.
ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْزِلَ بِمِنّى بِقُرْبِ مَسْجِدِ الخَيْفِ)؛ أي: إِنْ لَمْ يَخَفْ مِن الجَورِ والخَيْفِ والسَّيفِ ويُكْثِرَ الصَّلاةَ فيه)؛ أي: في ذلك المسجِدِ، سواءٌ يكون بعيداً من أو قريباً إليه، لا سيّما الصَّلَواتُ الخمسُ بالجماعة، وكذا إذا قامَتْ فيه صلاة الجمعة. (ويَرْمِي في اليوم الثاني مِن النَّحْر)؛ أي: مِن أَيامِهِ (الجَمَارَ الثَّلَاثَ بعدَ الزَّوَال)؛ أي: بعدَ الصَّلاةِ أو قَبْلَها كُلَّ جَمْرةٍ بسَبْع حَصَيات، وطريق الرمي فيها بطريق الاستحبابِ أنْ يَسْتَقبِلَ القِبْلَةَ والجَمْرةَ معاً، وبعد فراغهِ مِن رَمْيهِما يتقدَّمُ عليهما ويَسْتَقبِلُ القِبْلَةَ.
(ويَقِفُ للدُّعاء بعدَ الرَّمي عندَ الجمرةِ الأُولَى وَالوُسْطَى) ويُكْثِرُ الأذكار والثَّنَاءَ على وجه الخضوع والخشوع، لا للسمعة والرياء. لا عند جمرة العقبة)؛ أي: لا يَقِفُ ِللدُّعاءِ عِندَ جَمرة العقبة مُطلقاً تبعاً للسُّنَّة، ولأنَّه ليس هناكَ مَحَلُّ سَعَةٍ، وهو لا ينافي الدُّعاء بعد رمي جمرة العقبة من غير توقف عند ذلك البناء.
ويَرْمِي في اليوم الثَّالث كذلك)؛ أي: على مِنْوالِ ما ذُكِرَ هُنالك (وكذا الرَّابِعُ)؛ أي: وكذا حُكْمُ اليومِ الرَّابع (إنْ أقامَ)؛ أي: ما خرج قبل طلوعِ فجرِه مِن أرضِ مِنِّى. وعند الشافعي: إذا غَرَبَتِ الشَّمسُ مِن نهارِ الثَّالث وهو في مِنِّى؛ لَزِمَهُ رَمْيُ
اليوم الرابع. (ثُمَّ نَفَرَ)؛ أي: خَرَجَ مِن مِنّى (إلى مَكَّةَ)؛ أي: مُتَوَجِّها إليها مُخيَّراً بينَ خروجه منها في اليوم الثالث أو الرابع؛ لقوله تعالى: {فَمَن تَعَجَلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203].
ونَزَلَ بِالمُحَصَّبِ؛ أي: بالأبطح، وهو موضع فوق مقبرة المُعَلَّى مَكانَ السَّعة، فيَنْزِلُ فيه أو يَقِفُ فيه ولو ساعةً) لأنَّه نَزَلَ به، إِلَّا أَنَّ نُزُولَه فيه لكونه مَحَطَّ رِجْلِهِ، ففي الجُملةِ يَنْبَغي وجود نوع من المتابعة.
(ثُمَّ دَخَلَ مكَّةَ؛ أي: وتَوَجَّهَ إلى المسجدِ ودَخَله بآدابه المتقدمة (وطافَ للصَّدَرِ) - بفتحتين - أي: للودَاعِ وصَلَّى ركعتيْهِ)؛ أي: حيثُ تَيَسَّرَ له مِن البقاع، إِلَّا أن يكون وقت الكراهة ففيه الخلافُ والنزاع.
ويَدْعُو بدعاء آدمَ عليه السَّلامُ كما ثَبَتَ في السُّنَّةِ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وعَلَانِيَتي فاقْبَلْ مَعْذِرَتي، وتَعْلَمُ حَاجَتي فَأَعْطِني سُؤلي، وتَعْلَمُ ما في نَفْسي فاغْفِرْ لي ذُنوبي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ إيماناً يُباشِرُ قَلْبي، ويقيناً صادِقاً حتَّى أَعْلَمَ أنَّه لن يُصِيبَني إِلَّا ما كَتَبْتَ لي، ورِضَى بما قَسَمْتَ لي. (ثُمَّ أَتى إلى زَمْزَمَ)؛ أي: تَوَجَّهَ إليه (فَشَرِبَ منه)؛ أي: شراباً مُتَضلّعاً، ويُفيضُ)؛ أي: يَصُبُّ (بعضَ مائه عليه)؛ أي: تَبَرُّكاً بما لَدَيْه.
(ويأتي المُلْتَزَمَ)؛ أي: المكانَ بينَ الحجر الأسود والبابِ الأَسْعَد (فالْتَزَمَه)؛ أي: عانَقَه وتَمسَّكَ بأذيالِ ثوبه أو بأطرافِ أحجاره (ودَعا وبَكَى)؛ أي: جَمَعَ بينَ الدُّعاءِ والبكاء، ويقولُ: اللَّهُمَّ إنِّي وَقَفْتُ بِبَابِكَ وَالْتَزَمْتُ بِأَعْتَابِكَ أَرْجو رحمتكَ وأَخْشَى عذابَكَ، يا واجِدُ يا ماجِدُ لا تُزِلْ عَنِّي نعمةً أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ، اللَّهُمَّ يا رب البيت العتيقِ أَعْتِق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأصحابنا وأحبابنا من النَّارِ يا عزيز يا غفار.
(ودَخَلَ البيتَ)؛ أي: دَخَلَ الكعبةَ الشَّرِيفَةَ إِنْ تَيَسَّرَ)؛ أي: تَسَهَّلَ مِن غَيرِ أَدَيَّةٍ
ومُزاحَمةٍ ومُدافعة أو الحَطِيمَ)؛ أي: لأنَّه مِن البيتِ كما وَرَدَ في الحديث. وصلى فيه)؛ أي: في البيت أو الحطيم، وأقله ركعتان يقرأُ فيهما سورتا قريش والإخلاص (ثُمَّ دعا) فيقول: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 8]
ويقولُ: اللَّهُمَّ يَا خَفِيَّ الأَلطَافِ آمِنَّا مِمَّا نخافُ.
ويقولُ: اللَّهُمَّ كما أَدْخَلْتَني بيتَكَ فَأَدْخِلْنِي جَنَّتَكَ وَارْزُقْنِي رُؤيَتَكَ. ويُراعِي أَدَبَ الدُّخول والخروج فيهما، ومُراعاة المصلِّينَ والدَّاعِينَ حولَهما.
وقَبَّلَ عَتَبةَ البابِ؛ أي: تعظيماً لرب الأرباب (ورَجَعَ)؛ أي: بالقَهْقَرَى لأَنَّه عُدَّ مِن الآداب (داعِياً)؛ أي: طالباً للقبولِ والثَّواب (باكيا)؛ أي: على ما وَقَعَ منه ممَّا يَسْتَحِقُ العِقَابِ مُسْتَحْسِراً على فِرَاقِ البيتِ)؛ أي: بعد ذلكَ الجَنَاب.
(ثُمَّ خَرَجَ)؛ أي: حينَ سافَرَ مِن أَسْفَلِ مكَّةَ)؛ أي: على وَفْقِ السُّنَّة وتَوَجَّهَ إلى المدينةِ المُشرّفة لزيارة سيّدِ المُرْسَلينَ)؛ أَي: إِنْ لَمْ يَحْصُلْ له هذه المقدمة في الأوقات المتقدمة وسَيَأتي بيانُ ذلكَ في بابهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى)؛ أي: على حِدَةٍ بآداب متعددة.
فصل
(إحرامُ العُمْرة)
أي: من ميقاتها، وهو للمكي خارج الحرمِ والتَّنْعيم أفضلُ مِن الجِعْرانِةِ عندنا، خلافاً للشافعي، وهو للآفاقي كما في إحرام الحج باخْتِلافِ مَوَاقِيتِهِ (كإحرامِ الحج)؛ أي: في جميع فرائضها وسُنَنِها وآدابها.
(وصفة آدابها)؛ أي: كيفية أدائها إجمالاً: (هي أنه إذا دَخَلَ مكَّةَ)؛ أي: سواء كان مكيا أو آفاقيًّا (ابْتَدَأَ بالمسجدِ)؛ أي: المسجد الحرام (فطاف)؛ أي: حول الكعبة طوافَ فَرْضِ العُمرةِ؛ لأنَّه يقومُ مَقامَ التَّحِيَّةِ (كالحَجَّ)؛ أي: كما يَفْعله المحرمُ بالحَجِّ مِن الابتداء بالمسجدِ والطَّوافِ في الجملة. وقَطَعَ التَّلْبِيةَ)؛ أي: المعتمرُ المُفْرِدُ والمتمَتَّعُ (إِذا شَرَعَ فِي الطَّوافِ)؛ أي: بالنية.
(فيطوفُ سَبْعَةَ أَشواط)؛ أي: مُتَوالياتٍ.
(ويَرْمُلُ في الثَّلاثِةِ الأُولِ)؛ أي: لا في غيرها كما في طَوافِ الحج. (ويَضْطَبَعُ)؛ أي: في جميع ا الأشواط، ويَبْدأُ بِه قُبَيْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الطَّوافِ، إلى أنْ يَفْرُغَ منه.
(ويَسْتَلِمُ الحَجَرَ الأسود)؛ أي: بعدَ النِّيَّةِ، لا قَبْلَها كما يَفْعَلُه بعضُ الشَّافِعِيَّةِ والرُّكْنَ اليَمَاني) بتخفيف الياءِ، وقد تُشَدَّد؛ أي: ويَسْتَلِمُه أَيضاً (كلَّما مَرَّ)؛ أي: كلَّما مَرَّ عليهما، إلَّا أنَّ الرُّكنَ الأسعدَ يَخْتص بالتقبيل، وكذا بوضع الجبهة أيضاً في رواية). (ثُمَّ يصلي ركعتَيْهِ)؛ أي: رَكْعتي الطَّوَافِ في غير وقتِ الكراهة.
(ثُمَّ يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوة)؛ أي: كما مرَّ الإشارة إليه.
ثُمَّ يَحْلِقُ رأسه)؛ أي: كُلَّه أو رُبُعَهُ، (أو يُقَصِّرُ)؛ أي: كذلك، عند المروة أو حيثُ تَيَسَّرَ له من أرض الحَرَم (والحَلْقُ أفضل)؛ أي: من القَصْرِ؛ لتقديم الأوَّلِ في قوله تعالى: مُحَلِقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27]، ولقوله عليه السَّلامُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المحلّقين» قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال في الثَّانية والثالثة: «والمقصرين».
(ثُمَّ يُقِيمُ)؛ أي: المتمتُّعُ الآفاقي بمكَّةَ أو بما حَوْلَهَا) مِن أَرضِ الحَرَمِ وغيرِها كالجُدَّةِ والحَدَّةِ، بل لا مانع له أنْ يَخْرج إلى الميقات دون مكان أهله، (حلالاً)؛ أي: إن كان متمتعاً (وطافَ بالبيتِ ما يشاءُ)؛ أي: قَدْرَ ما أرادَ إِنْ شَاءَ؛ أي: إِنْ أَرادَ قلل وإِنْ أرادَ زاد، فمَن زادَ زادَ اللهُ في حَسَناتِهِ، ومفهومه: أَنَّه لا يَسْعَى مكرراً وهو كذلك، ومَوْهُومُه: أَنَّه لا يَعْتَمِرُ ثانياً، ولا وَجْهَ لمنعه عنها هنالك، فإنَّه ولو صارَ حُكْمُه حُكْمَ المكي إلَّا أنَّ العُمرة للمُفْرِدِ لا تُمنع لأهل مكة، وإِنَّما يُمْنَعُ المَكِّيُّ مِنَ التَّمَتُّع والقِرانِ وهذا آفاقيٌّ يَتَمَتَّعُ.
(فإذا كانَ يومُ التَّروِيَةِ): وهو اليوم الثامنُ مِن ذِي الحِجَّةِ كما في نُسخةٍ (أَحْرَمَ بالحَجِّ وقَبْلَهُ أَفضَلُ وتَوَجَّهَ)؛ أي: في صُبح) اليوم الثامن (إلى مِنِّى)؛ أي: ونَزَّلَ بها كما تَقَدَّمَ وعَرَفاتٍ)؛ أي: وإلى عرفاتٍ يومَ عَرَفةَ كما سَبَقَ عَلى وَجْهِ السُّنَّةَ وحَجَّ كما مَرَّ؛ أَي: في الحج المُفْرِدِ.
الباب الخامس
(فيما يُباحُ للمخرم)
أي: من أشياء، ويتوهَّمُ أنَّها من المحظورات ولا يَلْزَمُ بِفِعْلِه شَيءٌ)؛ أي: من أنواع الجنايات.
وكان الأَوْلَى أنْ يُقدِّمَ المحرَّماتِ؛ لأنَّها مِن المُهِمَّات، ثُمَّ يَذْكُرُ المباحاتِ بياناً للتهمات.
(يجوز له)؛ أي: للمُحْرِمِ كغيره (قَتْلُ الحيَّةِ والعقرب)؛ أي: في الحل والحَرَمِ ولو في أثناء الصَّلاةِ.
(والفَأْرة) بالهمز ويُبْدَلُ.
(والكلب)؛ أي: (العقور)؛ كما في بعض النسخ، وبقتل غيره أيضاً لا يَلْزِمُه شيء. (والغُراب)؛ أي: الذي يأكل الجيفة، وهو الغُرابُ الأَبْقعُ، يعني: ما خالَطَ بياضَه لون آخَرُ احْتِرزاً عما يأكل الزراعة.
(والحِدَأَةِ) على وزنِ العِنبَةِ، وهو طيرُ معروفٌ يَخْطَفُ اللَّحْمَ.
(والبَرَاغِيثِ): جمعُ البرغوثِ: هامة معروفة.
(والبَعُوض): جمعُ البعوضة، وهي البَقَةُ على ما في «القاموس»،
ويُسمَّى الناموس.:
(والقُرَادِ) بضم القافِ: دُوَييَّةٌ معروفة.
(والذُّبابِ) سُمِّي به لأَنَّه كلَّما ذُبَّ آبَ؛ أَي: مَتَى مَا دُفِعَ رَجَع.
(والسَّرَطانِ) بفتحتين: دابَّةٌ نَهريَّةٌ كثيرة المنفعة.
(والسلحفاة) بكسرِ السِّينِ وفتح اللَّامِ: دابَّةٌ ظهرُها يابس كأَنَّه خَشَبَةٌ.
(والنَّمْلِ)؛ أي: جنسِ الذَّرِّ.
وكذا لوصال صيد أو سَبع على المُحْرِمِ مُطْلَقاً أو على الحلالِ في الحَرَم فقتله، لا شيء عليه عند الأئمة الأربعة.
(وله)؛ أي: وللمُحْرِم (صيدُ السَّمكِ)؛ أي: وغيرِه مِن صُيُودِ الماء؛ لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَنَعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا [المائدة: 96]؛ أي: مُحرِمِينَ والنَّهرُ كالبَحْر، وذَبْحُ الإِبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والدَّجَاجِ) بتَثْلِيثِ الذَّالِ، والفتحُ أَخَتُ وأَفْصَحُ.
(ولهُ أَنْ يَغْتَسِلَ)؛ أي: إلَّا أَنَّه لا يَنْوِي دَفْعَ الهَوَام، ولا إزالَةَ التَّفَثِ الحاصل في حال الإحرام، ويَدْخُلَ الحَمَّامَ)؛ أي: بقَصْدِ العَرَقِ واستِعْمالِ الماء الحار. ويَسْتَظِلَّ بالبيتِ)؛ أي: بجدران أي بيت كان، خلافاً لمالك (والمَحْمِل)؛ أي: المِحَفَّةِ ونحوها (والفُسْطاطِ) بضم الفاء؛ أي: الخيمة الكبيرة، وكذا حُكْمُ الصغيرة.
وله شَدُّ الهِمْيَانِ) بكسر الهاء؛ أي: رَبْطُه لأَجْلِ حِفْظِ الدَّراهم، التي للجراحاتِ كالمَرَاهِم.
(ولبس الخاتم)؛ أي: سواء كان من أهله أو لا.
(وقَطْعُ الشَّجَرِ)؛ أي: وقَلْعُه وقَطْعُ ثَمرِه (والحَشِيش)؛ أي: وسائر النباتات في جميع الحالات (رَطباً ويابساً إلَّا في الحَرَمِ)؛ أي: ممَّا فِي أَرضِهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ كما ثَبَتَ استثناؤُه في السُّنَّة.
وله أَنْ يَكْتَحِلَ بِكُحْل لا طِيبَ فيه؛ أي: مُطلَقاً، سواء يكونُ بعُذْرٍ أو بدونه، (وَيَدْهُنَ شقَاقَ رِجْلِهِ)؛ أي بشحم أو بزيت غيرِ مُطَيَّبٍ، وإطلاقه مُوْهِمٌ لجواز عُموم أنواعِ الدُّهْنِ، وليس كذلك.
وله أكلُ السَّمْنِ)؛ أي: سَمْنِ البقر والغنم ونحوهما (والدُّهْنِ)؛ أي: غير المُطَيِّبِ والشَّحْمِ واللَّحْمِ)؛ أي: وأمثالهما مِن الكَبِدِ والطَّحَالِ والسَّمَكِ. والْقاءُ العَبَاءَةِ) بفتح العين، وكذا إلقاء القَبَاءِ (على مَنْكِبَيْهِ إِذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيهِ في كميه)، وفيه: أنَّه عُدَّ مِن المكروهات، فلا وَجْهَ لِذِكْرِه في المباحات. ويَغْسِلَ ثيابَهُ)؛ أي: وله أنْ يَغْسِلَ ثيابَهُ (بالصابون وغيره)؛ أي: بقَصْدِ التنظيف، لا بإرادةِ قَتْلِ القَمْلِ.
ويَجوزُ لُبْسُ ما شاءَ مِن غيرِ المَخِيطِ)؛ أي: ومنه أيضاً على غيرِ طَريقِ المُعْتاد (مَتَى شاءَ)؛ أي: قَبْلَ الغُسْلِ أو بعده في حال الإحرام.
***
البابُ السَّادِسُ
(فيما يَحْرُمُ على المُحْرم)
أي: في الجملة، ولو كان بعضُها يُبَاحُ للضّرورةِ ويَلْزَمُهُ الكفَّارةُ، (وهو)؛ أي:
المحرَّمُ على المُحْرِمِ (على أنواع)؛ أي: ثلاثة:
(الأَوَّلُ: فيما يَلْزِمُ به الدَّمُ) وهو أعمُّ مِن الإِبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ:
(الجماع)؛ أي: قبلَ طَوَافِ العمرة وبعدَه قَبْلَ الحَلْقِ، وقَبْلَ الوقوفِ وبعده في الحج سواء كان قبل الحلق أو بعده، إلَّا أنَّه قبل أن يطوف طواف الزيارة، على تفصيل في أحكام هذه المسألة: باختلافِ الكفَّارة والفسادِ وعَدَمهِ في تلك الحالة. والقُبْلَةُ والمُلَامَسَةُ والمُعانَقةُ) وكذا المُفاخَذَةُ (بشهوة) قيد للثَّلاثةِ بالنِّسبة إلى امرأته ومملوكتِهِ، وفي معناها: النَّظرُ بالشَّهوة والكلامُ بالمَفْسِدة في الأجنبيَّةِ، إِلَّا أَنَّه لا يَلْزَمُ فيهما شيء. وحَلْقُ رُبُعِ الرَّأْسِ)؛ أي: رأسِهِ، وكذا قَصْرُ رُبعهِ (والإِبْطِ والعَانَةِ والرَّقَبَةِ)؛ أي: إزالة شعرِ هذه الثَّلاثَةِ حَلْقاً ونَتْفاً وتَنَوُّراً ومَوْضِعِ المَحَاجِم) كان الأَوْلَى أن يقول: ومَوْضِعِ المِحْجَم. (وقَصُّ اللحْيَة) وكذا نَتْفُها، على خلافٍ أَنَّها كلُّها أو رُبُعُها (والأظافير)؛ أي وقصها وتقليمُها (كلُّها في مَحَلَّ واحدٍ)؛ أي: في مجلس واحد (أو أظافير يد أو رجل)؛ أي: جميعها في مجلس واحد، وإِنْ كان بعضُها حراماً إِلَّا أَنَّه لا يتعلق وجوب الدم إلا بما ذكر.
(ولُبْسُ القَمِيصِ)؛ أي: ونحوه من الجبَّةِ والسَّراويل)؛ أي: ولُبْسِ السِّروال مع إمكانِ جَعْلِهِ إزاراً (والعِمَامةِ) بكسر العين والمراد بها تغطيةُ الرَّأْسِ باللُّبْسِ المعتاد الأعم من العمامة وغيرها؛ كالمِقْنَعِ والكوفية، وهي معنى قوله: (والقَلَنْسُوة) بفتح القافِ واللَّامِ وسكونِ النُّونِ وضمّ السِّينِ والبُرْنُسِ) بضم الباء والنُّونِ: قَلَنسوةٌ طويلة (والخُفَّيْنِ) وكذا الجَوْرَبَينِ والقُفَّازَيْنِ) بضم القاف وتشديد الفاء؛ أي: ما يُلْبَسُ في يَدَيهِ، فإنَّه يَحْرُمُ عليه عندَ الأئمة الأربعةِ، كما نَقَلَ ابنُ جَماعة. وتغطيةُ الرّأسِ) كلَّه أو ربعِهِ (والوَجْهِ)؛ أي: كلَّه.
(يوماً كاملاً أو ليلةً كاملةً) هذا بيان وتفصيلٌ لِمَا أَجْمَلَه أَوَّلاً مِن قوله: (ولُبْسُ القميص ... ) وما بعده، فإنَّ مُطْلَقَه حرامٌ ومُقَيَّدَه مُفيدٌ لوجوبِ الدَّمِ.
وتَطيِّبُ وتَدَهُنُ عُضو كامل بإضافة المصدرَينِ، إِلَّا أَنَّ التَّطَيِّبَ يَعُمُّ البَدَنَ والثّوبَ والتَّدَهُنَ مُختَصُّ بالبَدَنِ أَعَمُّ مِن أنْ يكونَ مُطَيَّباً أو غيرَ مُطيِّبٍ. ولُبْسُ ثوبٍ مَصبوغ بعُصْفُرِ) بضم العين والفاءِ (أو زَعْفَرانٍ أَو وَرْس) أو غيرهما ممَّا يُطَيِّبُ به مَخِيطاً كان أو غير مخيط، يوماً أو ليلةً في كلّ حالٍ إِلَّا أَنْ يكون غسيلاً)؛ أي: مغسولاً كثيراً (لا يَنْفَضُّ) بتشديدِ الضَّادِ المعجَمَةِ؛ أي: لا يَتَناثَرُ أَثَرُ صِبْغِه، أو لا يَفُوح منه رائحةُ الطَّيبِ وهو الأصح.
(وتَرْكُ رَمْي يوم)؛ أي: كلَّه أو أكثرِه، سَوَاءٌ كَانَ اليومَ الأَوَّلَ مِن أَيَّامِ النَّحْرِ (وتَجاوُزُ المِيات با إحرام) وفيه مسامحة، حيث ذكره في: باب ما: يَحْرُمُ على المُحْرِم.
(وتَرْكُ أكثرِ طَوَافِ الصَّدَرِ) فَإِنَّ طَوَافَ الوداع واجِبٌ، وتَرْكُ أكثر أشواطهِ حُكْمُه حُكْمُ كله، والسَّعْيِ)؛ أي: وكذا تَرْكُ أكثرِ أَشواطِ السَّعْي مُطْلَقاً، وأَقَلُّ طَوَافِ
(الزيارة) فإنَّه واجب، وأكثره فرضٌ ورُكْنٌ، وتأخيره عن وَقْتِهِ)؛ أي: تأخيرُ طَوَافِ الزيارة عن زمانه الواجب، وهو أَيَّامُ النَّحْرِ.
(وأكل الطيب)؛ أي: وَحْدَه، لا المخلوط المغلوبِ بغيره (والتداوي به)؛ أي: بالطَّيب. وفيه: أنَّ التَّدَاوِيَ ليس بحرام لوجودِ العُذْرِ، لكنَّه يجب عليهِ الدَّمُ للجَبْرِ. (وتَرْكُ واجب مِن الواجبات)؛ أي: من غيرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَحْرُمُ عليه ولا يَلْزَمُه شيءٌ مِن الكفَّارات.
(ثُمَّ واجِبُ الدَّمِ)؛ أي: عند إطلاقه (يتأدَّى بالشَّاةِ)؛ أي: المعروفة في محلها، السَّالِمَة مِن عُيوبها (في جميع المواضع)؛ أي: الحالات إلا في مَوْضِعَينِ)؛ أي: حالَيْنِ أو مَحلَّينِ فَإِنَّه لا يَتَأَدَّى بالشَّاة:
(أحدهما: إذا جامَعَ بعد الوقوف بعرفة قبلَ الطَّوافِ والحَلْق الأَوْلَى: قَبْلَ
الحَلْقِ والطَّواف.
(والثاني: إذا طافَ طَوَافَ الزِّيارة جُنُباً) يَشْمَلُ الرَّجل والمرأة (أو حائضاً
أو نُفَسَاءَ)؛ أي: في حال الحيض والنفاس. (فإنَّه) أي: الشَّأْنَ لا يُجْزِئُ) بضم الياء وكسرِ الزَّاي والهمزة؛ أي: لا يَكْفي
(فيهما)؛ أي: في الموضعَيْنِ إِلَّا البَدَنةُ)؛ أي: الإبلُ أو البقرة.
(الثاني)؛ أي: من بابِ ما يَحْرُمُ على المحرم (فيما يَلْزَمُ به الصَّدقةُ) ويُعْرَفُ بلزومها وتخفيف أمرها أنَّ حُرمة المحرَّماتِ الثَّانية دونَ الأُولَى: (إذا تَطَيِّبَ أقل من عضو، أو لَبِسَ المَخِيطَ)؛ أي: على الوجهِ المُعْتَادِ (أو غَطَّى رأسه)؛ أي: كلَّه أو رُبْعَه (أو وَجْهَه)؛ أي: عَطَاهُ كلَّه، أعمُّ مِن أنْ يكونَ رجلا أو امرأة (أقل من يوم) قيد للمسائلِ الثَّلاثةِ دونَ الأُولَى.
(أو حَلَقَ رأسَ غيره)؛ أي: بأَمْرِه أو بغير إذنه، راضياً أو مكرها (ولو حلالاً)؛ أي: ولو كان المحلوق غير مُحْرِم.
(أو قَصَّ أقلَّ مِن خمسةِ أظافير مِن عُضْوِ واحد أو أكثر)؛ أي: ولو كان في مجلس واحد.
(أو دَهَن أقلَّ مِن عُضْوِ): أي عُضْوِ كان إِلَّا الرَّأْسَ فَإِنَّ رُبعَه حُكْمُه حُكْمُ كلَّه.
وفي اللحية خلافٌ على ما حُقِّقَ في مسح اللحية من فرائض الوضوء. (أو تَرَكَ أحدَ رَمْي الحِمَارِ الثَّلاثِ)؛ أي: ورَمَى الجَمْرَتَينِ مِن كلِّ منهما،
وكذا لو تَرَكَ رَمْيَ الأقل من اليومِ الأَوَّلِ.
(أو طافَ للنَّفْلِ)؛ أي: ولو جميع أشواطهِ (مُحْدِثاً)؛ أي: بالحَدَثِ الأَصغَرِ. (أو تَرَكَ مِن طَوَافِ الصَّدَرِ أَقَلَّه) وهو ثلاثة أشواط وأَخَرَ مِن طَوَافِ الزيارة أقله)؛ أي: عن وَقْته وهو أيامُ النَّحر.
(فعَلَيهِ صَدَقَةٌ)؛ أي: واحدةٌ في جميع الصُّورِ المذكورة، (إِلَّا أَنَّه في الأظفار)؛ أي: في تَرْكِها بالطَّريقِ المسطورَة الكُلِّ ظُفْرِ صَدَقَةٌ، وفي الحِمَارِ)؛ أي: الثَّلاثِ (لكلِّ حَصَاةٍ)؛ أي: صَدَقةُ وفي الطُّوافِ والسَّعْي)؛ أي: في أَقَلَّها (لكلِّ شوطٍ صَدَقَةٌ) إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ ذلك دَمَاً فله الخيَارُ بينَ الدَّمِ وتَنْقيص الصَّدقةِ بنصف صاع (والصَّدقَةُ)، أي: المُعتبَرةُ في هذا البابِ نِصْفُ صاعٍ مِن بُر أو صاعٌ مِن شَعِيرٍ أو تَمْرِ) وفي الزَّبيبِ خلافٌ.
وهذه الأحكامُ مِن وجوبِ البَدَنةِ والدَّمِ والصَّدقةِ حَتْم في جميع الجناياتِ، بعُذْرِ كَانَتْ أو بدونِهِ، إِلَّا في اللباس والطيبِ الأَوْلَى: في النُّبْسِ والتَّطيب (والحَلْقِ)
وفي حُكْمِه القَصْرُ وقص الأظفارِ إِذا فَعَلَها)؛ أي: الثَّلاثَةَ (بعُذْرٍ)، وكذا الاكْتِحالُ بكُحْلٍ مُطَيَّبٍ لعُذْرِ (فهو مُخَيَّرُ)؛ أي: حينئذ (إنْ شاءَ ذَبَحَ) وهو أفضلُ، وإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ ستَّةَ مساكين لكلِّ مسكين نِصْفُ صاعٍ مِن بُر، أو صاعٌ مِن شَعِيرٍ أو تَمْرِ) وهو الأَوْسَطُ، (وإنْ شاءَ صام ثلاثةَ أَيَّامٍ)؛ أي: مُتَوَالِيَاتٍ أو مُتفرِّقاتٍ، وهو الأَدْنَى، فما في الآية الشَّريفةِ - مِن عَكْسِ هذا الترتيب - مِن بابِ التَّرَقِّي مِن الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى. وعُلِمَ مِن هذا التَّفصيلِ أَنَّه إِذا لَبِسَ عُضواً بغيرِ عُذْرٍ، وعُضْواً آخَرَ بعُذْرٍ، فعليه كفَّارَتان إحداهما مُحتَّمُ والأُخرى مُخيَّر، وكذا حُكْمُ التَّطَيِّبِ والتَّدَهنِ. (وإذا قَتَلَ قَمْلةً)؛ أي: أو قَمْلَتين أو ثلاثةً، وكذا إِنْ أَلْقاها، (أو جَرَادةً)؛ أي: قَتَلَها (فعليهِ أنْ يَتَصدَّقَ بتمرة) لِمَا وَرَدَ مِن أنَّ تمرةً خيرٌ مِن جَرَادَةٍ (أو كسرة)؛ أي: مِن خُبز (أو قَبْصةِ طَعَامِ) بالصَّادِ المهملة بمعنى القَبْضِةِ بِالصَّادِ المعجَمةِ. والصومُ والصَّدَقةُ يَجوزُ في أي مكانٍ شاءَ)؛ أي: مِن الحل والحَرَمِ، وإِنْ كان الحَرَمُ أَفضلُ، فَإِنَّ حَسَناتِ الحَرَمِ تُضَاعَفُ بِمَيَّةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ. (والدَّمُ لا يَجوزُ إِلَّا فِي الحَرَم)؛ أي: والذَّبْحُ لَا يَصِحُ إِلَّا فِي أَرضِ الحَرَم. (الثالث)؛ أي: ممَّا يَحْرُمُ على المُحْرِمِ (فيما يَلْزَمُ به القِيمةُ)؛ أي: كفَّارتُه مُنْحَصِرة فيه:
(قَتْلُ صَيدِ البَر) وهو حيوانٌ مُتوحّشُ في أصل الخلقةِ، ومَوْلدُه في البَرِّ، بخلافِ صيد البحر فإنَّه حلال للمُحْرِم (والإشارة إليه)؛ أي: إذا كانَ حاضِراً مَحْسوساً (والدَّلالةُ) بفتح الدَّالِ ويُكْسَرُ (عليه)؛ أي: إذا كان غائباً مدسوساً (وهما حرامان) إِلَّا أَنَّه لا يَلْزَمُ بهما القيمةُ إِلَّا كما قال: (إنْ قَتَلَه المَدْلولُ)، وله شرائط أَخَرُ مَذكورةٌ في مَحَلَّها.
(وكَسْرُ بَيْضِهِ)؛ أي: بيض صيدِ البَرِّ ونَتْفُ رِيشه)؛ أي: شَعَرِه (وكَسْرُ جَناحِهِ، وقَطْعُ قوائمه أو عُضْوه)؛ أي: أي عضو منه (أو جَرْحِه)؛ أي: مُسْتَهْلِكاً، وهو تعميم بعد تخصيص، (فَأَخْرَجَه)؛ أي: الصَّيدَ بسبب ما ذُكِرَ (عن حَيِّز الامْتِنَاعِ) بفتح الحاء وتشديد الياء المكسورة؛ أي: عن قدرته على امْتَناعِ نَفْسِهِ وخَلَاصِها عن غيرِه وقَطْعُ شَجَرِ الحَرَمِ وحَشِيشه)؛ أي: نَباتِهِ (فعليه قيمة كاملة).
(وإِنْ جَرَحَه)؛ أي: بأنْ طَعَنه (أو نَتَفَ رِيشَه وَلَمْ يُخْرِجْه عَن حَيَّزِ الامْتِناعِ، أو حَلَبه)؛ أي: حَلَبَ لَبَنَه فعليه قيمةُ ما نَقَصَ)؛ أي: يَجِبُ عليه قيمةُ ما نَقَصَ مِن قيمتهِ قبلَ جِراحَتِهِ، إِلَّا أَنَّه لو ماتَ منه ولو بعد ذلك فعليه قيمة كاملة.
(وكيفيَّةُ أداءِ القِيْمةِ)؛ أي: عندَ لزومها: (أنْ يُقَوَّمَ الصَّيدُ) بتشديد الواو المفتوحة؛ أي: يُعيِّنَ قيمتَهُ عَدْلانِ عارِفانِ بقيمته أو البَيْضُ أو الشَّجَرُ)؛ أي: يُقوَّمَ فِي مَوَاضِعِها التي وقعت الجناية فيها، أو في أقرب موضع منها (فيشتري)؛ أي: الجاني (بها)؛ أي: بقيمتها (الطَّعامَ)؛ أي: ما يُؤْكَلُ ويُطْعَمُ مِن جِنْسِ الحُبوبِ ويَتَصدَّقُ به)؛ أي بذلكَ الطَّعامِ على المَسَاكِينِ) بمقدار ما يكونُ (على كل مسكينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن بر، أو صاع من شعير)؛ أي: إنْ شاءَ الإطعام (وإنْ شاءَ صام عن كل مسكين يوماً)، والإطعامُ والصِّيام في الحرَمِ أَفضلُ.
(فإنْ شاءَ اشترى بها)؛ أي: بقيمتها (هَدْياً)؛ أي: غَنَماً أو بَقَراً أو إبلاً (وذبحه)؛ أي: في أرضِ الحَرَمِ؛ لقوله تعالى: {هَدْيَا بَلغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وتَصَدَّقَ به)؛ أي: حيث شاء، ومساكينُ الحَرَمِ أفضل ولو لم يكونوا من أهله.
الباب السابع
(في المكروهات)
أي: مَكْروهاتِ الحج وما يتعلَّق به:
(تقديم إحرام الحج على أَشْهُرِ الحَج) فإنه ولو كان شَرْطاً إِلَّا أَنَّ له شَبَهاً بالأركان، ولأنَّ فيه خلافَ الشَّافعي حيثُ يقولُ: إِنَّه رُكْنُ، ولا يَنْعَقِدُ بدونِهِ أو يَنْقَلِبُ عُمرةً، وهذا أَعَمُّ مِن أنْ يكون قادراً على التَّحَرُّزِ مِن المحظورات أم لا.
(وإحرامُ القارِنِ بالحَجِّ ثُمَّ بالعُمْرة)؛ أي: سواء كانا مُتوَالِيَين أو مُتعاقِبَينِ. (ومنع عبده) وكذا جاريته من الحج والعمرة (بعد الإذْنِ في الإحرام)؛ أي: بأحدهما أو بهما.
(وعَقْدُ الإِزارِ والرِّداءِ)؛ أي: رَبْطُ طَرَفِ أحدهما بطَرَفِ الْآخَرِ (بحَبْلٍ أو غيره)؛ أي: من إبرة وخلالٍ وزُرّ.
(وعَصْبُ شيءٍ مِن جَسَدِه)؛ أي: سِوَى رأسه ووجهه، فإِنَّ تَعْصِيبَهما مِن المحرمات.
(والانتفاع بمحظور الإحرام)؛ أي: لا على وجه المحظور، وإلَّا فلا يكونُ مِن المكروهات؛ كلُبْس الثوب المبَخّرِ، فإنَّه غيرُ مستعمل بجزءٍ مِن الطَّيِّبِ، وإِنَّما يَحْصُلُ منه مُجرَّدُ الرَّائحة، وذلك لا يكون طيباً؛ كمَن قَعَدَ مع العطَّارِينَ. وكذا يُكْرَهُ أكل طعام غير مطبوخ يوجد منه رائحة الطيب، بخلاف المطبوخ فإنه لا يُكْرَه.
(والدخول تحت أستار الكعبة)؛ أي: مع شَرَافَتِها إِنْ أَصَابَ رَأسَهُ أَو وَجْهَهُ)؛ أي ولو بعضهما، بخلافِ ما إذا أصابَ غيرهما فإنَّه لا بأس، وإنْ قالتِ المالكيَّةُ بكراهته نَظَراً إلى أنَّه ليس في ظاهِرِ هيئته.
وتَرْكُ صعودِ الصَّفا والمَرْوةِ)؛ أي: في زمانٍ كان هناكَ مَصْعداً إليهما.
(والبيتوته بمكة) الأَوْلَى: بغيرِ مِنِّى (ليلةَ عَرفة).
(والخُطْبَةُ)؛ أي: خُطْبَةُ يومِ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ)؛ أي: مكروهةً مع الجواز. وتأخير الوقوفِ بعدَ الجَمْعِ بينَ الصَّلَاتين)؛ أي: بشروطه في مسجِدِ
نَمِرة، بأنْ لَمْ يُبادِرُ إلى موقف، فإنَّ المسجد ليس بأرض عرفات. (والتُّزولُ على الجادَّةِ)؛ أي: َوَسَطَ الطَّريقِ المسلوكة المعتادة (ليلةَ مُزْدَلِفة)، وكذا الحُكْمُ فِي مِنِّى وَعَرَفةَ ومَكَّةَ.
(والرمي بحَصَى الجَمْرةِ)؛ أي: بالحجاراتِ المجتمعة عندَ الجَمَراتِ، فإنَّه رُوِيَ في حقها أنَّ المقبول منها تُرْفعُ، وغيره تبقى في مكانها، (وبحَصَى المسجد)؛ أي: مسجدِ الخَيْفِ وغيره؛ لأنَّه إهانة في حقها، حيثُ يُرْمَى بها في أَرْجُلِ الدَّوابُ ونحوها.
(والرَّمْي بحجرٍ كبير)؛ أي: بعيد عن مُشابهةِ الباقِلَاءِ والنَّوى، وكذا يُكْرَهُ كَسْرُ
الكبيرِ وجَعْلُه صغيراً؛ لأنَّه كالعَبَثِ حيثُ يُوجَدُ الصَّغيرُ كثيراً. ومَس الطَّيبِ؛ أي: لَمْسُه (وشمه)؛ أي: إِنْ لَمْ يَلْتَزِقُ شَيءٌ مِن جِرْمِهِ إِلَى بدنه، فكان الأَوْلَى ذكره في ذيل الانتفاع بمحظور الإحرام، وكذا قوله: (وشَمُّ الفواكه) كالسَّفَرْجَلِ والأُتُرجُ والتَّفَّاح ونحوها (والرَّيَاحِينِ) كالبَنَفْسِجِ والكاذِي والفُل والرَّيْحان المتعارفِ والفاغِيَةِ وأمثالها من النباتات الطَّيِّبة.
(والطَّواف وفي ثوبه)؛ أي: ويُكْرَه الطَّوافُ مُطلقاً والحالُ أنَّ في ثوبه (نَجَاسةٌ أَكثرُ مِن قَدْرِ الدَّرْهَم). والبيتونةٌ في أَيَّامٍ مِنّى) الأَوْلَى أنْ يقول: في ليالي أيام منى (بغير منى)؛ أي: ولو بمكّة؛ فإنَّها سُنَّةٌ عندَنا، وأَوْجَبُ عِندَ الشَّافعيّ.
(وحَلْقُ رُبع الرأس للتحليل)؛ أي: الخروج من الإحرام، فإنَّ السُّنَّةَ حَلْقُ شَعرِ كلِّ الرَّأْسِ في جميع الأيام، بل مختار ابنِ الهُمَام تَبَعاً للإمام مالك أنَّه لا يَخْرجُ مِن الإحرام إلا بحلق جميع الرَّأْسِ، ويؤيده الأدلَّةُ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ كما بيناه في غير هذا المَقامِ. وابْتِداء الطَّوافِ مِن غيرِ الحجر الأسود) وكان الأَوْلَى أنْ يقول بطريق التّعميم: إِنَّه يُكْرَهُ تَرْكُ كل ما عُدَّ مِن السُّنَنِ المؤكَّدة.
ورَفْعُ الصَّوتِ بالقراءةِ والذُّكرِ)؛ أي: سائر الأذكارِ والدَّعَوات (في الطُّوافِ) بل في المسجدِ كلَّه، حيثُ يُشوِّشُ رفعُه على الطَّائِفِينَ والمصلين والعاكِفِينَ، بل صَرَّحَ بعضُ عُلمائِنا بأنَّ رَفْعَ الصَّوت في المسجد ولو بالذكر حرام.
(والجَمْعُ بين الأسبوعَيْنِ مِن غيرِ صلاةٍ بينهما)؛ أي: سواء ينصرفُ عن شفْعِ أو وِثرٍ إلا في وقتِ كَرَاهِةِ الصَّلاة)؛ أي: فإِنَّه لا يُكْرَه جمعُ الأَطْوفة لكنْ يؤخر صلاةَ الطَّوافِ إلى خروج وقت الكراهة.
البابُ الثَّامِنُ
(في مُفْسِدِ الحَجِّ والعُمرة)
ومُفْسِدُهما واحد، إلَّا أنَّ وقتهما متعدّد، ولذا قال: (وهو)؛ أي: مُفْسِدُهما (الحِمَاعُ)؛ أي: سواء يكونُ بالنكاح أو السَّفَاحِ (في القُبُلِ أو الدُّبُرِ)؛ أي: دُبُرِ المرأةِ والرَّجلِ قَبْلَ الوُقوفِ بعَرَفة)؛ أي: قَبْلَ إدراكِ أَوَّلِ جزء منه (في الحج)؛ أي: سواء كان مُفْرِداً أو قارناً أو متمتعاً وقَبْلَ أكثرِ طَوَافِ العُمْرةِ)؛ أي: أشواطِها الأربعة، فإذا فَسَدَتْ عُمرتُه يَجِبُ مُضِيُّها ثُمَّ قضاؤُها مَتَى أَرادَها وعليه شاةٌ.
(فإذا جامع امرأته)؛ أي: قَبْلَ الوقوفِ وهُما مُحْرِمان)؛ أي: بالحج (عامداً)؛ أي: حال كون كل منهما متعمداً في الجماع (أو) ناسياً)؛ أي: نَفْسَ الإحرام، أو حُرْمةً الجماع في ذلك المَقَام (أو) مُكْرَها)؛ أي: مُجْبَراً مقهوراً، وكذا إذا كان جاهلاً (فقد فَسَدَ نُشَكهُما)؛ أي: حَجُهُما، وعلى كلّ واحدٍ شاةٌ) وهي أقل ما يجبُ مِن الدّماء ويَلْزَمُهما المُضِيُّ في الأفعال)؛ أي: في أعمالِ نُسُكِهِما (كما يَلْزَمُ فِي الصَّحيح)؛ أي: من غيرِ فرق بينهما، فيَجِبُ عليهما جميعُ الفَرائض والواجبات (وعليهما قضاؤُهما)؛ أي: قضاءُ نُسُكِهما مِن قابل)؛ أي: في سَنَةٍ آتيَةٍ أو بَعْدَها.
(وإنْ كانَ)؛ أي: أحدهما (قارناً فعليه قضاء الحج) وهو ظاهِرُ (والعُمرة) لأنَّه في معنى فائتِ الحجّ إِنْ قَدَّمَ العُمرة وجامَعَ بعد الوقوفِ، وإِنْ كانَ الجَمَاعُ قَبْلَ طَوَافِ العمرةِ وقَبْلَ الوقوفِ فقضاؤُهما واضح، وعلى كل تقدير يلزمُهُ شاتان.
ولَمْ يَذْكرِ المصنِّفُ مُبْطِلَهما وهو الارْتِداد؛ لأنَّه يَعُمُّهما وسائر العباداتِ، لكنْ يُفرَّقُ بينهما وبين غيرِهما بأنهما فَرْضُ العُمرِ وسُنّته فيَجِبُ على المرتد إعادتهما دونَ غيرهما؛ لفَوَاتِ أوقاتهما، وفي المسألة خلافُ الشَّافعيّةِ.
الباب التاسع
(في الفَوَات)
أي: فَوَاتِ الحج، فإنَّ العمرة لا تفوتُ في العمر.
من فاتَهُ الحج بأن فاتَهُ الوقوف بعرفة)؛ أي: بعد الإحرام بالحج (فعليه أنْ يَتَحلَّلَ بأفعالِ العمرة، ويَسْقُطُ عنه أفعال الحج)؛ أي: ولو أَدْرَكَ أَيَّامَ مِنِّى (ولا دَمَ عليه)؛ أي: لأَنَّه لا يُنسَبُ تقصيراتُ الفَوْتِ إليه (وعليه حِجَّةٌ مِن قابل)؛ أو فيما بعده.
وهذا إذا كان مُفْرِداً أو متمتعاً، وإنْ كانَ)؛ أي: الفائت (قارنا طاف للعُمْرَةِ وسَعَى)؛ أي: لها (ثُمَّ طافَ لفواتِ الحج، وسعى)؛ أي: له (وحَلَقَ)؛ أي: للتحليل عنهما (وبَطَلَ عنه)؛ أي: سَقَطَ عن القارن، وكذا عن المتمتع (دَمُ القِرانِ)؛ أي: لعَدَم تَحَقُّقه في ذلك الزَّمَان (وعليه قضاء الحج لا غير)؛ أي: وإنْ كان وقتَ الفَواتِ قارناً؛ لأنَّ العُمرة لا تَفُوتُ)؛ أي: وقد قدَّمَ أداءها، فلا يَحتاجُ
الباب العاشر
(في زيارة سيد المرسلين له وآله وأصحابه وبارك وسلم)
إذا فَرَغَ مِن الحجّ) هذا قيد لبيانِ الأفضل من كونها بعده؛ لأنَّ السُّنَّةَ دونَ الفَرْضِ فِي الرُّتبةِ، والأصل فيها البَعْديَّةُ التَّبعيَّةُ، ولذا قالوا: الأَوْلَى أنْ يكونَ السَّعي - مع أنه واجب ـ عَقِبَ طَوافِ الزِّيارة لأنَّه فرضُ، لا بعدَ طَوَافِ القُدومِ أَو النَّفْلِ؛ إذ لا يَنْبَغي أنْ يكونَ الواجب تبعاً لما دُونه.
والحاصلُ: أَنَّه يجوزُ الزِّيارة قبل الحج أيضاً قياساً على السُّنَّةِ القَبْلَيَّة. يُسْتَحَبُّ اسْتَحْباباً مؤكداً) كان حقه أنْ يقولَ: يُسَنُّ سُنَّةً مؤكدةً؛ لأنَّها بإجماع المسلمينَ مِن أعظمِ القُربات، وأفضلِ الطَّاعات، وأنجح الوسائل لنيل الدرجات، بل قريبةٌ مِن مَرتبة الواجبات، بل قيلَ: إنَّها مِن الواجبات.
(أنْ يَتَوجَّه إلى المدينةِ المُشرَّفة للزيارة)؛ أي: خالصاً لها، لا يكون له غرض آخَرُ في سَفَرِها؛ مِن التجارة وغيرها؛ لئلا يدخل في ذمّ مُهاجِرِ أم قيس ونحوه، على ما وَرَدَ حديث في حقه. ويُكْثِرُ في طريقه مِن الصَّلاةِ والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ أي: جمعاً بينهما، أو يأتي بالصَّلاةِ مَرَّةً وبالسَّلامِ أُخرى، فإنَّ إيرادَ الإفراد على هذا الوجه ليس بمكروه أصلاً. ومن المهم العظيم في أمرِ الدِّين أنْ لا يَتَساهَلَ في أداء صلاةِ الفَرِيضة على الدَّابَّةِ، وكذا لا يُؤَخِّرُها عن أوقاتِها المقدَّرة، فإنَّه إنِ ارْتَكبَ حَرَاماً في طريقِ الزِّيارة فلا شكّ أنَّ ربحه لا يُقاوِمُ مَا يَحْصل له مِن الخَسَارة.
(وإذا بَلَغَ قُرْبَها)؛ أي: وَصَلَ قُرْبَ المدينةِ السَّكِينةِ (نَزَلَ عن دابَّتِهِ)؛ أي: إِنْ كان قادراً على المشي إليها؛ تعظيماً للسَّاكن فيها، ومَشَى مع الخُضوع والانْكِسارِ)؛ أي: مع خُشوع الظَّاهِرِ والباطِنِ وإظهار الافتقار والهَيْبَةِ والوَقَار)؛ أي: ومع التَّعظيمِ والتوقير لتلك الدار.
(وإذا وَقَعَ بَصره)؛ أي: نَظره (على القُبَّةِ المُقَدَّسة)؛ أي: ولو من بُعْدِ في الجِهَةِ المُؤنسة (صلى على النبي)، أي: كثيراً (ودَعَا بخيرِ الدَّارَينِ لنَفْسِه ولِمَن شاءَ)؛ أي: من أقربائه وأحبائه أحياءً وأمواتاً.
(واغْتَسَلَ)؛ أي: غُسلاً ظاهراً، أو باطناً بأن يتوب إلى اللهِ مِن المَنَاهِي والمَلَاهِي صغيرها وكبيرها، وهذا إنْ تَيَسَّرَ وإِلَّا َفتَوَضَّاً ولَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ ويَتَطَيَّبُ بأحسنِ طيبه؛ ليَطِيْبَ له دُخولُ طَيْبةَ مَحَلَّ حَبِيبه.
(وإذا وَصَلَ بابَ البَلَدِ)؛ أي: بابَ قلعة المدينة (دعا)؛ أي: بالدَّعَواتِ الواردة في آدابِ دخول البيتِ والدَّارِ وقَدَّمَ رِجْلَه اليُمْنَى في دخولِهِ)؛ أي: كما يُقدِّمُ رِجْلَه الْيُسْرَى في خروجه (ويقولُ)؛ أي: مُتذَكَّراً حال هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة صلى الله عليه وسلم المعظَّمة، حيثُ صارَ مأموراً بأنْ يقول: {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ؛ أَي: إدخالَ صِدْقٍ وحَقِّ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لي؛ أي: حيثُ ما كنتُ وأينما ذهبتُ مِن لَّدُنكَ سُلْطَنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 80]؛ أي: حُجَّةً بينةً وبُرهاناً كبيراً.
(وإذا بَلَغَ بابَ المسجدِ)؛ أي: المسجد النبوي زادَ في التَّواضُعِ والخُشوع)؛ أي: لكن لا يأتي بالسُّجودِ ولا بالركوع وقَدَّمَ رِجلَه اليُمْنَى فِي الدُّخول)؛ أي: لأَنَّه مِن آدابِ الوُصُول، وأسبابِ الحُصول (مُبَسْمِلاً)؛ أي: قائلاً: بسم بسمِ اللهِ (مُصَلِّياً مُسَلَّماً)،:أي: بقوله: والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ (مُسْتَغْفِراً)؛ أي: مِن الذُّنوبِ، وتائباً مِن العُيوب (داعياً)؛ أي بقوله: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جميعَ ذُنوبي وافْتَحْ لي أبوابَ رَحْمَتِكَ، وارْزُقْني مِن زيارة سيّدِ أنبيائكَ وسَنَدِ أصفيائِكَ ما رَزَقْتَ مَنِ اصْطَفَيْتَه مِن أوليائِكَ.
(وقَصَدَ الرَّوضةَ الشَّريفة)؛ أي: أوَّلاً قبلَ التَّوجُهِ إلى المواجَهَةِ المُنيفة؛ تعظيماً لأمر الله وحَتْمِهِ على مَن سِوَاه، وصَلَّى في محرابه)؛ أي: إِنْ تَيَسَّرَ، وَإِلَّا فجميعُ البقعة ما بينَ المِنْبرِ والقبرِ روضة من رياض الجنَّة.
فيُصَلِّي فيها تَحِيَّة المسجدِ)؛ أي: بانْفِرادِها، أو في ضِمْنِ غيرها؛ مِن صلاةِ فريضة، أو سُنَّةٍ قَبْليَّة، ويقرأُ فيها (الكافرون) و (الإخلاص) (ودعا)؛ أي: بما شاء وشَكَرَ اللهَ وحَمِدَه) فيما أَنْعَمَ عليه من الإسلام، ومُتابعة نبيه عليه السَّلام، وزيارة قبره وآثاره الفخام، بل وسَجَدَ اللهِ شُكْراً على هذا الإنْعامِ التام؛ كما قال بعضُ عُلمائنا وكثير من سائرِ عُلَماء الأنام.
(ثُمَّ تَوَجَّهَ إلى قبالةِ الوَجْهِ المقدس)؛ أي: إلى مُحاذَاتِهِ الْأَنْفَس (فيَقِفُ معَ الهَيْبة)؛ أي: تعظيم صاحب البقعة (والحَيَاء)؛ أي: ممَّا وَقَعَ له مِن الجَفَاء، وعَدَمِ الوَفاء في الطَّاعة (والتَّذَلُّ)؛ أي: إظهارِ المَذَلَّةِ والمَسْكَنَةِ مِن غيرِ أَنْ يَقْرَبَ إلى الجِدَار، ويَتَمسَّحَ بتلك الدار، بل يَقِفُ بالبُعْدِ للأدب على قَدْرِ رُمْحٍ مِن الحُجُرَاتِ الشَّرِيفة)؛ أي: مَحلَّ الحضرةِ المُنيفة (فيقولُ بصوتٍ وَسَط)؛ أي: بينَ خَفْضٍ ورَفْعِ؛ لقوله تعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآيات [الحجرات: 2]، ولأنَّ رفعَ الصَّوتِ في المساجد ولو بالذِّكْرِ حرام السّلامُ عليكَ أَيُّها النَّبِيُّ ورحمة الله وبركاته) وهذا أفضل ألفاظ السَّلام، كما وَرَدَ في التَّحِيَّات الواجب على أهل الإسلام، وكان بعضُ الصَّحابةِ الكِرَام يكتفي بهذا الكلام عند زيارة سيّد الأنام
(السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ) وتقديمُ وصفِ النُّبوَّة على الرّسالة لتَقَدُّمها وجوداً وشهوداً، ولعموم معنَى الأَوَّلِ، فتأمل. السَّلامُ عليكَ يا حَبيبَ الله)؛ أي: مُحِبَّه ومحبوبه ممَّا سواه. (السَّلامُ عليكَ يا خليل الله)؛ أي: لاجتماع صفة المحبَّةِ ونَعْتِ الخلَّة له، وهو لا ينافي كون خليلِ اللهِ وَصْفاً لإبراهيم عليه السَّلامُ، فافْهَمِ المَقامَ على وَجْهِ السَّمَام. (السَّلامُ عليكَ يا صَفِيَّ الله)؛ أي: يا مُصْطَفَاهُ حَسَباً ونَسَباً وأَدَبَاً. (السَّلامُ عليكَ يا سَيِّدَ المُرْسَلِين) ويَلْزَمُ منه أَنَّهُ سَيِّدُ العَالَمِين، من الأولين والآخرين، كما وَرَدَ في سندِ صح عند المحدثين. (السَّلامُ عليكَ يا مَن أرسله اللهُ رحمة للعالمين)؛ إيماءاً إلى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ} [الأنبياء: 107]. السَّلامُ عليكَ يا خاتَمَ النَّبِيِّين) بكسرِ التَّاءِ وفَتْحِها قراءَتَانِ مُتَوَاتِرتان فلا نبي بعدَه يُوْجَدُ، وَيَنْزِلُ عيسى بن مريم عليه السَّلام، ويَتْبَعُهُ في الأحكام، وإذا مات يُدْفَنُ بينه وبين الصديق، أو بعد الفاروق على خلاف فيه بين أهل التَّحقيق، فهنيئاً للشَّيخَيْنِ باكتنافِ النبيين في الكونين.
السَّلامُ عليكَ يا إمام المتَّقِين)؛ أي: من الأنبياء السابقين والأولياء اللَّاحِقِين.
(السَّلامُ عليكَ يا شَفِيعَ المُذْنِبِين)؛ أي: مِن الأَوَّلِينَ وَالآخِرِين.
(السَّلامُ عليك وعلى إخوانِكَ مِن الأنبياء والمُرْسَلِين وعلى آلِكَ)؛ أي: أهلِ بيتك وأقربائِكَ وأَتْباعِكَ وأَحِبَّائِكَ وأَصْحابك)؛ أي: أَخِصَّائِكَ بِحَظِّ لِقائِكَ أَجْمعين (وعلى المَلَائِكَةِ المُقرَّبِين) صِفَةٌ كاشِفَةٌ (وسائرِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِين)؛ أي: المُؤمِنِينَ والقائِمِينَ بحقوقِ اللهِ وحقوقِ خَلْقِهِ أجمعين.
وهذا أَوْسط ألفاظ السَّلامِ عند زيارتهِ، وَمَنْ زَادَ زَادَ اللَّهُ فِي حَسَناتِهِ، وَلَمْ يَخْسَرُ في تجاراته. (ثُمَّ يَتأَخَّرُ إِلى يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ)؛ أي: ليكونَ متوجهاً إلى وجهِ الصِّدِّيقِ الأكبر فيُسلَّم على أبي بكر الصِّدِّيقِ)؛ أي: المُلقَّب بالعتيق (رضي الله عنه)؛ أي: وأَرْضاهُ، وجَعَلَ الجنَّةَ مُنْقَلبَه ومَثْوَاه.
(فيقولُ: السَّلامُ عليكَ يا خليفة رسول الله)؛ أي: بنصه وصريح عبارته عليه السَّلامُ له في مَنْصِب الإمامة، وباتِّفاقِ الصَّحابة وأكابر الأَئِمَّة على ما فَهموا من طريق الإشارة إلى منصبه؛ أي: للخلافة.
السَّلامُ عليكَ يا صاحِبَ رسولِ اللهِ؛ أي كما أَخْبَرَ اللهُ عنه بقوله: {إِذْ يَقُولُ لصحيه} [التوبة: 40] فمَن أَنْكَرَ صُحبته كَفَرَ بالإجماع؛ لاتَّفاقِ المفسرينَ على أَنَّه المراد بما ذُكِرَ في الآية، وهذه المَنْقَبَةُ ليسَتْ لأحدٍ مِن الصَّحابةِ، وزيد بن حارثة ولو ذُكِرَ اسمه في القرآن، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ بهَذا الشَّان.
السَّلامُ عليكَ يا وزير رسولِ اللهِ)؛ أي: لقوله عليه السَّلامُ: «لي وَزِيرانِ في الأَرضِ وهما أبو بكرٍ وعُمَرَ ووَزِيرانِ في السَّماءِ وهما جِبْرائيل وميكائيل» عليهما السَّلامُ. السّلامُ عليكَ يا عَلَمَ المُهاجرين والأنصار)؛ أي: حيث انقادوا له في الخلافة بعد اختِلافِهم في أوَّلِ الوَهْلَة، أو لأنَّه أفضل المهاجرين؛ لكون هجرته مع رسول رب العالمين، ومن المعلوم فضل المهاجرين على الأنصار كما أشار إليه قوله سبحانه: {وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنصَارِ} [التوبة: 100]. (السَّلامُ عليكَ يا صاحبَ رسولِ اللهِ في الغارِ)؛ أي: كما سَبَقَ بيانه ورفيقه في الأَسفار)؛ أي: بحيثُ ارْتَفَعَ شانه. السَّلامُ عليكَ يا أفضل البشر بعد الأنبياء)؛ أي: من أولياء هذه الأمة وسائرِ الأُمَمِ؛ لقوله تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ} [آل عمران: 110] فهو أفضلُ الصَّحابةِ اتّفاقاً، والصَّحابةُ أفضلُ مِن غيرِهم إجماعاً.
(السَّلامُ عليكَ أَيُّها الصِّدِّيقُ)؛ أي: كثيرُ الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ، ومُبِينُ الحقِّ والتَّحْقيق (ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه)؛ أي: وتحيَّاتُه وصلواتُه، (جَزَاكَ اللهُ عن رسولِ اللهِ)؛ أي: عن قبله عليه السَّلامُ (وعن الإسلام وأهله)؛ أي: من العلماء الأعلام، والمشايخ الكِرَام، والخَوَاصُ والعَوَامَ (خيرَ الجَزَاء، ورَضِيَ اللهُ عَنكَ أَحْسَنَ الرَّضاء)؛ أي: في دارِ البقاء واللقاء.
(ثُمَّ يَتأَخَّرُ عن يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ على الفاروق)؛ أي: بين الحق والباطل (رضي الله عنه)؛ أي: وأَرْضاه، في دُنْيَاهُ وعُقْبَاه.
فيقولُ: السَّلامُ عليكَ يا أميرَ المُؤمنين وهو أَوَّلُ مَن سُمِّيَ به، حيثُ ما كانَ خليفة رسولِ اللهِ بلا واسِطَة، ولو قيل: يا خليفة خليفة رسولِ اللهِ، لطالَتِ الرَّابِطَة عُمَرَ بنَ الخطَّاب، السَّلامُ عليكَ يا مَن نَطَقَ بالصَّوَاب)؛ أي: لحديثِ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْطِقُ على لسانِ عُمَرَ»، ومُوافقته للرَّبِّ مشهورةٌ في هذا الباب، وهذا معنى قوله: السَّلامُ عليكَ يا مَن وافَقَ قولَه مُحْكَمُ الكتاب) كأَمْرِه بقتل كفَّارِ قريش في بدر، ونَهيه لنبيه عن الصَّلاةِ على المنافِقِينَ وقيامِهِ على قبورهم. (السَّلامُ عليكَ يا مَن أَعَزَّ اللَّهُ به الدِّينَ)؛ أي: لدَعْوتِهِ عليه السَّلامُ له حيثُ قال: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسلام بعمر أو بِعَمْرِو بن هشام وهو أبو جهل، وقد استُجيب دعاؤُه لعُمَرَ لِمَا سَبَق في القضاءِ والقَدَرِ. وأَمَّا مَا اشْتَهَرَ مِن قوله: (اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإسلامَ بأَحدِ العُمَرَينِ)؛ فلا أَصْلَ له في المَبْنَى، وإِنَّما نَقَلَهُ مَن نَقَله على وجهِ التَّعْليبِ بالمعنى.
(السَّلامُ عليكَ يا مَن كَمَّلَ الله به الأَرْبَعين)؛ أي: بإيمانهِ عَدَدَهم، حيث نَزَلَ في حقه معهم: {يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]. (السَّلامُ عليك أيها الفاروقُ)؛ أي: المُبالِغُ فِي الفَرْقِ بينَ المُبْطِلِ وغيرِه (الأمينُ)؛ أي: المأمونُ في أمرِ الدِّين. (السلام عليك يا أيُّها الفارق)؛ أي: لقَتْلِهِ المنافق في مخاصمة اليهودي ومخالفته للحُكْمِ المُوافِقِ مِن الرَّسولِ الصَّادِقِ (ورحمة الله وبركاته).
(جزاك الله عن رسولِ اللهِ)؛ أي: في القيام بأمرِ دينه بعده، وفي نسخة صحيحة: ورسوله (وعن الإسلام وأهله)؛ أي: في ضبط أحكامه، وإحكامِ عَدْلِهِ وإِثْمَامِهِ (خَيْرَ الجزاء، ورَضِيَ الله عنكَ أحسنَ الرّضاء)؛ أي: حتَّى يَصِلَ أَثره إلى أحبَّاتكَ من أربابٍ الوفاء، ويُحْرَمَ عنه أعداؤُكَ مِن أصحابِ الجَفاء.
(ثُمَّ يَرْجِعُ قَدْرَ نصفِ ذراع)؛ أي: ليكونَ بينَ الشَّيخَينِ، كما بَيَّنَهُ بقوله: (فَيَقِفُ بينَ الصِّدِّيقِ والفاروق)؛ أي: في مكان يكونُ مُحاذِياً لهما (رَضِيَ اللهُ عنهُما)؛ أي: ليُسَلَّمَ ثانياً عليهما، فإِنَّ العَوْدَ أحمد.
(فيقولُ: السَّلامُ عليكُما يا صاحِبَيْ رسولِ الله)؛ أي: المُخْتَصَّيْنِ بِصُحْبَتِهِ وحَضْرته زيادةً على غيرهما. (السَّلامُ عليكُما يا وزيري رسولِ اللهِ)؛ لِمَا سَبَقَ، ولكونِهِ عليه السَّلامُ يُشاوِرُ معهما غالباً في الأمور، ويقدِّمُهُما في الصُّدور. (السَّلامُ عليكُما يا ضَجِيعي رسولِ اللهِ)؛ أي: بعد المماتِ السَّلامُ عليكُما يا مُعِيْنَيْ رسولِ اللهِ)؛ أي: في الحياة. (السَّلامُ عليكُما يا رَفِيقَي رسولِ الله)؛ أي: في الكَوْنَين.
(السَّلامُ عليكُما يا صَدِيقَي رسولِ الله في الدَّارَيْن)؛ أي: في الدُّنيا والآخِرة القائِمَيْنِ بِسُنَّتِهِ في أُمَّته حتَّى أتاكما اليقين)؛ أي: الموتُ؛ كما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]؛ لأنَّ عين اليقين لا يكونُ إِلَّا بَعْدَ المَمَات، بخلافِ عِلْمِ اليقين فإنَّه قد يكون في الحياة، وقولُ مَن قال: لو كُشف الغطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً، أراد أَصْلَ اليقين؛ لثباته في أمر الدين. فجزاكُما الله عن ذلك مُرَافَقَتَه)؛ أي: مُرافَقَةَ نَبِيِّه (فِي جَنَّتِهِ، وَإِيَّانَا مَعَكُما برَحْمَتِهِ؛ إِنَّه أَرْحَمُ الرَّاحِمِين)؛ أي: بأهلِ عِنَايَته.
(ثُمَّ يأتي إلى قبالةِ وَجْهِ النَّبِيِّ) فالسَّيرُ الأَوَّلُ كان بالتَرَقِّي مِن الأَعْلَى إلى الأَدْنَى، وهذا السَّيرُ مِن الأَدْنَى إلى الأَعْلَى، والأَوَّلُ هو الأَوْلَى، وإنْ أَحالَ ضيق الوقتِ به يُكْتَفَى، وفي حالِ السَّعةِ مرتبةُ الجمع هي الأَقْوَى؛ لِمَا فِيهِ مِن الإشارة إلى كثرة الشّوقِ والذَّوقِ في زيادة الزيارة، وأمَّا حَديثُ: «زُرْنِي غِبًا تَزْدَدْ حبا؛ فمحمول على ما إذا أَحَسَّ في نَفْسه نوعاً مِن السَّآمة والملالَةِ. (فيقِفُ)؛ أي: مع شعورِ العَظَمَةِ والجَلَالِةِ عندَ رأس صَدْرِ الرّسالة، مستقبلاً إلى قبلتهِ (فَيَحْمَدُ الله)؛ أي: على إنعامه ويُثْني عليه)؛ أي: بصفاتِ إكرامه (ويُصلي على نَبيّه)؛ أي: بلسانه وبقَلْبِهِ ويَتوسَّلُ به إلى ربِّه)؛ أي: في مآرِبهِ وإنجاح مَسَاعِيهِ ومَرَاتبه ويَتَشَفَّعُ به)؛ أي: في مَحْوِ ذُنوبِه، وسَتْرِ عُيوبِه ويَدْعُو لَنَفْسِهِ)؛ أي: أَوَّلاً ولوالدَيْهِ ثانياً، وأَقْرِبائِهِ وأحبائه)؛ أي: من المؤمِنينَ ثالثاً (وسائرِ المُسلِمينَ)؛ أي: آخِراً، بوصف العموم باطناً و ظاهراً. ويَسْتَفْتِحُ الدُّعاءَ)؛ أي: حيثُ دَعَا (بالتحميدِ)؛ أي: بالحمد والثناء (والصَّلاةِ)؛ أي: والسَّلام على سيد الأنبياء (ويَخْتِمه)؛ أي: الدُّعاءِ (بذلك)؛ أي: بما ذُكِرَ مِن الحمد والثناء، والصَّلاةِ على خاتم الأنبياء، وليكونَ خِتَامُه مِسْكاً
(وبآمين)؛ أي: لكونه خاتَمَ رَبِّ العالمين.
ثُمَّ يَغْتَنِمُ أَيامَ إقامَتِهِ بالمدينةِ المُقدَّسة)؛ أي: وفي مشاعره وآثاره المؤنسة (فيُكْثِرُ مِن الصَّلاةِ)؛ أي: وسائر العبادات (في المَسْجِدِ)؛ أي: النَّبوي (خُصوصاً عند الأساطين الفاضلة)؛ أي: المشهورة بالفَضيلةِ، لكنْ لا يُحاذِيها بل يَجعلُها إِمَّا عن يمينه وإمَّا عن يساره، ولا يَصْمُدُها صَمْداً، فإنَّه مكروهُ عَمْداً.
ويُكْثِرُ مِن الصَّلاةِ على النبي): أي: لكونها فيه أقرب إلى الإجابة وتلاوة القرآن، فإنَّه مَهْبِطُ الوحي ومَنزِلُ نُزولِ الفُرْقان، وأقله أَنْ يَخْتِمَ مَرَّةً فِي مُدَّةِ الزِّيارة مع رعاية المبنى وعناية المعنى (والصوم)؛ أي: قضاءً ونَفْلاً (وكل أعمال الخير)؛ أي: أفعالِ البِرِّ ما استَطَاعَ قَدْرَ القوَّةِ عليه.
(ويَزورُ المساجِدَ)؛ أي: المأثورة (والمَشَاهِدَ)؛ أي: المَحَاضِرَ المشهورة والآبار المنسوبة إليه).
ومن أشهر المساجِدِ: مَسْجِدُ قُباء، وقد نَزَل فيه قوله تعالى: {لَمَسْجِدُ أُيْسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} الآيةَ [التوبة: ???]، وكان عليه السَّلامُ يذهب إليه كلَّ سَبْتِ راكباً وماشياً). ومَسْجِدُ الجُمعةِ الذي صلَّى فيه أوَّلَ ما فُرِضَ صلاة الجمعة. وأشهَرُ المشاهِدِ جبل أُحُدٍ وزيارة شُهَدائِهِ، ففيه حَمزةُ سيّدُ الشُّهَداءِ عَمُّ سيد الأنبياء، وقد وَرَدَ: «أُحَدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه».
وأَشْهَرُ الآبار بئر أَرِيس، وهي التي تَقْرُبُ مَسجِدَ قُبَاءٍ، وقد وَرَدَ في فضلِها كثير من الأخبار والآثار.
ولَمْ يَذْكُرِ المصنِّفُ زيارة البقيع مَن فِيهِ مِن الأخيار، ولعلَّه اكْتَفَى بانْدِراجه في المَشاهِدِ، ومُجْمَلُه: أَنَّه يزورُ أهلَه عُموماً، وخصوصاً مَن فيه مِن الصَّحابة الكبارِ؛، وكالعبَّاسِ ومَن معهُ مِن الأئمة في تلك القُبَّةِ؛ كالحَسَنِ بنِ كعثمان رضي الله عنه، عَليَّ، وزَيْنِ العابِدِينَ، ومحمد الباقِرِ، وجَعْفَرِ الصَّادِقِ، رضي الله عنهم أجمعين، على خلاف في أنَّه يُقدِّمُ زيارتهم على عثمانَ لانْفِرادِه وتأخُرِه في المقام، أو يقدِّمُهم لأجل المرور عليهم مع كونهم جَمْعاً كثيراً من محل النظام.
وكأمهات المؤمنينَ مِن عائشةَ وغيرها، وصَفِيَّةَ عَمَّةِ النَّبِيِّ، ومُرْضِعِه حليمة، وفاطمة بنت أسد أم علي كرَّمَ اللهُ وَجْهَه. (ثُمَّ إِنْ يَسَّرَ اللهُ لَهُ التَّوَطَّنَ بالمدينةِ) وكذا الإقامةُ بنية المجاورة (فهو المَرْمَى الأَسْنَى)؛ أي: المَقْصِدُ الأَعْلَى بعدَ المُجاوَرَةِ بمكَّةَ المشرفةَ؛ فإِنَّها أفضلُ وأَعْلَى خلافا للمالكيَّةِ وبعض الشَّافعيّة، مع اتفاقِهم على أنَّ الموتَ بالمدينة أفضل، وأنَّ المُجاوَرَةَ بالمدينة كانَتْ قبل فتح مكة أَكْمَل، وكذا بعده في حياة الحضرة النبوية؛ لتحصيل المكاسبِ العَلِيَّة؛ والمَراتِبِ الجَليَّة، والمَناقِبِ الرَّضِيَّة، لكن بالشروط المُعْتبَرةِ؛ من أكل الحلال، والقيام بحُسْنِ الأعمال والأخلاقِ والأحوال، وتصحيح النية، وإلا فالمجاورة بهما مكروهة كما وَرَدَ عن الإمامِ أبي حنيفة، ولو رَأَى - رضي الله عنه ـ زمانَنا لحَكَمَ بالحُرمةِ، والله المستَعانُ، وإليه المُشْتَكَى في كلِّ زمانٍ وآن، وما شاء الله كان.
(وإذا أرادَ الرُّجوع إلى بَلَدِه)؛ أي: الضرورة مُلْجِيَّةٍ أو لغيرها (فَلْيُوَدِّع المسجِدَ بالدُّعاء)؛ أي: بطَلَبِ القبولِ، وحُصولِ الوُصول (والصَّلاةِ)؛ أي: في المسجِدِ النَّبوي؛ فإنَّها مَحلُّ مُضاعَفةِ العبادات، فيصلي في مخرابه)؛ أي: أو حيثُ تَيَسَّرَ له مِن الروضة وغيرِها (ما تَيَسَّرَ له)؛ أي: مِن تكثيرِ الصَّلاةِ، نافلة أو فريضةً، أداءً وقضاء، لكن ما دامَ عليه القضاءُ فلا يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ نافلةً في الأداء.
(ثُم يأتي القبرَ المُقدَّسَ)؛ أي: حِذاءَ وَجْهِهِ الأَنْفَس (فَيَزورُ كما مَرَّ)؛ أي: بالبَدْءِ والعَوْد (ويَدْعو)؛ أي: بما يعود إليه بالخير من أمورِ الدَّارَينِ، ويُصلِّي ويُسلَّم على النبي) فإنَّه عليه السَّلامُ يَسْمَعُها حينئذ بغيرِ الواسطة، بخلافِ الأماكن فإِنَّ صلاتَهُ يُبَلِّغه الملائكة، ولا شَكٍّ أنَّ الكلامَ والسَّلامَ أفضل حالةَ المشافهة. ويَزُورُ صاحبَيْهِ)؛ أي: الشَّيخينِ (ويُسَلَّمُ عليهما)؛ لكونهما ضَحِيعَيْن (ويُكْثِرُ مِن الدُّعاءِ والبُكاءِ)؛ أي: أو التَّبَاكِي في حالَيْهِ.
(ثُمَّ يَرْجِعُ باكياً) مِن التقصيراتِ الماضَوِيَّة (مُتَحَسِّراً على مُفارَقةِ الحَضْرَةِ النَّبويَّة)؛ أي: ولو بالحَضْرةِ الصُّورِيَّةِ دونَ الصُّورة الحقيقية.
(وإذا وَصَلَ إلى بلدِه يَحْمَدُ الله تعالى)؛ أي: على ما أعطاهُ مِن فَضْلِه وكَرَمهِ (وَيَشْكُرُه على إتمام النعمة)؛ أي: بأنْ أوْصَلَهُ إِلى حَرَمِهِ وحرمِ رسولِهِ، ثُمَّ بلغه بالسلامة والعافية إلى وطنه، وجَمَعَ بينه وبين أهله.
ولْيَجْتَهِد في مَحَاسِنه)؛ أي: مِن الأعمال والأحوالِ (ولْيُكْثِرُ مِن خَيْراتِهِ)؛ أي: ومَبَراتِهِ وطاعاته (فعَلَامَةُ الحج المبرور)؛ أي: والسعي المشكور، المُقْتَضِي للذَّنْبِ المغفور (أنْ يعودَ خَيْراً ممَّا كانَ في الأمور) فقد قيل: يَنْبَغِي لمَن تَزَوَّجَ أن يعود خيراً ممَّا كان في حالِ الفَرْدِيَّة، ومَن دَخَلَ فِي الشَّيخُوخِةِ يَنْبَغِي أَنْ يعودَ خيراً مما كان في حالةِ الشَّيبةِ، ومَن حَجَّ وزارَ يكون خيراً مما كان في حالِ الضرورة، فإنَّ هذهِ مِن علاماتِ السَّعادة بالضرورة.
ومن جملة آدابه: أنْ لا يُظْهِرَ حَجَّه وزيارتَهُ، ولا يُكْثِرَ ذِكْرَهما في المجالس حَضَراً وسَفَراً، احْتِرازاً مِن الرِّيَاءِ والسُّمعةِ، واحْتِراساً مِن الشُّهرةِ، فَإِنَّهَا آفَةٌ كما أنَّ الحمولة راحة، وذلك دليلُ حُسْنِ الخاتمة أوَّلاً وآخراً)؛ أي: على السَّعادة السابقة. والحَمْدُ للهِ ربِّ العالمين): إشارة إلى قوله تعالى: {وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10]، أو إيماء إلى أنَّ حُسْنَ الخاتمة مُوجِبٌ للحمد المذكور في أوَّلِ الفاتحة، فإنَّ النّهاية هي الرجوع إلى البدايَةِ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ} [الصافات: ??? - ???].