الجزء 1 · صفحة 5
أنوار الححج في اسرار الححج
تأليف العلامة
المُلَا عَلَى القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلماً يا كريم
الحمد لله الذي أظهر كمال جماله في مرآة بيته القديم، وأبرز يدَ قُدرتِه في وَضْع الركن العظيم، وشرَّفَ قَدَمَ خليله النَّبيِّ الكريم، حيثُ كَانَ قائِماً بالدِّينِ القَويمِ، وواقفاً على الصِّراطِ المُستقيم، والصَّلاة والتسليم عليه وعلى أعلى ذُرِّيَّتِهِ، بُدِئَ به في عالم الأرواح وخُتِمَ به في عالم الأشباح من بين الأنبياء والرسل الكرام، وعلى آله وأصحابه الذين اقتدى بهم الأنامُ في مَعرِفَةِ أحكام الإسلام.
أما بعد: فيقولُ المُلتَجِيُّ إلى أذيالِ كَرَمِ حَرَمِ رَبِّه البارِيُّ، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِيْ: إِنَّ هذه الرّسالةَ نُبذةٌ من المَقالِةِ في الدَّقائقِ المُتعلقة بالحج وأسراره، التي هي تذكرة لمن يتذكّر، وأنواره التي هي عبرة لمن اعتبر.
فقيل: الحج حَرفانِ، فالحاءُ: حِلمُ الحقِّ، والجيم: جُرم الخلق.
والإشارَةُ في تشديد الجيمِ معَ نُقطَتِه إلى أنَّ الحقِّ يغفِرُ أَنواع جُرْمِ الخلقِ مَعَ كَثْرَتِه، وإيماء أنَّ رحمتَه سَبَقَت غَضَبَه في مرتبة أزليَّةٍ، لَكِنْ بِشَرْطِ أن يكونَ الحاج مبروراً، وسعيه مشكوراً، بأن يكون سيره بتحسين النية، وتزيين الطَّوِيَّة، والخروج عن المعاصي بالكلية، وأن يكونَ زاهِداً في الدُّنيا، وراغباً في العُقبى، وطالباً لمرضاة المولى، مُخلِصاً في طاعتِه عن مُلاحظةِ رِيائِه وسُمعَتِه.
الجزء 1 · صفحة 7
فقد رُوِيَ عنه عليه السَّلامُ أنّه قال: «يأتي على النَّاسِ زَمَانٌ يحُجُ أغنياء أُمَّتي للنزهة، وأوساطهم للتّجارة، وقُرَاؤُهُم للرّياءِ والسُّمعَةِ، وفُقَراؤُهم للمسألة» 2، ذكره ابن جماعة، وسيأتي.
وعن بعض السَّلَفِ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَه، فقالَ: أُريدُ الحَجَّ، فقال: كم مَعَكَ؟ قال: ألفا درهم، قالَ: أَمَا حَجَجْتَ؟ قال: بلى، قال: فأنا أدلك على أفضل من الحج؛ اقضِ دَينَ مَدين، فرج عن مكروبٍ، فَسَكَتَ، قال: ما لكَ؟ قال: ما أُريدُ إلا الحج، قالَ: إنَّما تُريدُ أن تركَبَ وتجيء، ويُقالُ: حَجَّ فلانٌ.
ويُروَى: أنَّ بعض أهلِ الصَّلاحِ رأى فيما يرى النَّائِمُ كأنَّ أعمال الحج تُعرَضُ على الله، فقيل: فلان؟ فقالَ: يُكتَبُ حاجَّاً، فقيل: فُلانٌ؟ فقالَ: يُكتَبُ تاجراً، حتَّى بَلَغَ إليه، فقال: يُكتَبُ تاجِراً، قال: فقلتُ: ولم ولستُ بتاجر؟ فقال: بلى حَمَلتَ كُتبةَ غَزْلٍ تبيعُها على أهلِ مكَّةَ.
وفي الجملة ساقَ الشَّوقُ في محبَّةِ اللهِ سُبحانَه إِلى حَرَمِهِ، رَجَاءَ جُودِهِ وكَرَمِه، بحَسَبِ ما قرَّر لكل أحدٍ في قضاء اللهِ وقَدَرِه، فقيلَ: إِنَّ سَبَبَ هذا الشَّوقِ والغرام دعاء إبراهيم عليه السَّلامُ حيث قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إليهم} [إبراهيم: 37]. قالَ جَمعٌ من المُفسّرين: أي: تميل إليهم، وتَحِنُّ عليهم، وتَقِفُ لديهم، ولو قال: فاجعَلْ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تهوي جميعهم، ثمَّ عبّر عنهم بالأفئدة؛ إيماء إلى أَنَّهم خُلاصَةُ الخلق، وزُبدة طلبة الحقِّ، كما يُومِيُّ إِليه قوله سُبحانَه: {يُحْى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِّن لَدُنَا} [القصص: 57].
ورُوِيَ: أَنَّ اللهَ سُبحانَه يلحظ الكعبة الشريفة في كلّ عامٍ لحظة من ليلة نصفِ شعبان، فعند ذلك تحِنُّ إليه قُلوبُ أهل الإيمان.
الجزء 1 · صفحة 8
ورُوِيَ أَنَّ الله تعالى أخذ الميثاق من بني آدم ببطنِ نَعْمانَ، وهي عَرَفَةٌ وما حولها من المكان، فاستَخرَجَهم هناك من صُلب أبيهم ونَثَرَهم بين يديه، كهيئة الذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُم فقالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: ?]، فكتب إقرارهم في رَقٌ، وأَشْهَدَ فيه بعضهم على بعض، ثمَّ أَلقَمَه الحجَرَ الأسود.
ومن أجل ذلك اسْتُحِبَّ لمُوافيه أن يقول: اللَّهُمَّ إيماناً بكَ، وتَصدِيقاً بكِتابكَ، ووَفاء بعَهْدِكَ، وهذا يُشير إلى أنَّ حُبَّ الأوطان من الإيمانِ؟؛ فإنَّه دلَّ على أنَّ ذلك المكانَ أوَّلُ وطن في عالم الإمكان، ونعم ما قالَ:
كَمْ مَنزلٍ في الأرضِ يَألَفُهُ الفَتَى وحَنينُه أبداً لأَوَّلِ مَنزِلِ
وقيل لذي النُّونِ المَصرِيٌّ: أينَ أنتَ من قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: ?]؟ قالَ: كأَنَّه بأُذُني ويُروَى: أنَّ الله تعالى أوحى إلى الكعبة عندَ بنائها، وظهور صفائها وبهائها: إني خالق بشراً يحِنُّونَ إِليكِ حَنينَ الحَمامِ إِلَى بَيْضِهِ، وَيَدُفُونَ إِلَيكِ دَفِيفَ النَّسِرِ إلى فرخه ?، يعني: ويَؤوبونَ إليكِ رُجوع الطفل إلى حِجْرِ أُمِّه، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: أُمَ الْقُرَى} [الأنعام: 92]، فإِنَّها تُؤَمُّ للقِرَى.
الجزء 1 · صفحة 9
قالَ العِزُّ بنُ جَماعةٍ: غَلَبَ عليَّ الشَّوقُ إلى الحج والزيارةِ والمُجاورة بمكَّةَ، والإقامة هنالِكَ، وعَزَمتُ على ذلك، وأنا في مَنصِب القَضاءِ بمِصْرَ، فأشارَ عليَّ بعض أحبَّاءَ لي بعدَمِ السَّفَرِ، شفَقَةٌ منه ومخافة عليَّ ممَّن يخشى أذاهُ بمَكَّةَ المشرفة إليَّ، فأنشدتُ لبعضهم: قالوا تَوَقَّ رِجال الحي إنَّ لهم عيناً عليك إذا ما نِمْتَ لم تَنَمِ إنْ كانَ سَفْكُ دَمي أَقصَى مُرادِهِم فما غَلَتْ نظرةٌ منهم بسَفْكِ دَمي والله لو عَلِمَتْ نفسي بمَن هَوِيَت سارَتْ على رَأْسِهَا فَضْلاً عن القَدَمِ وخَرَجَت أم أيمن امرأةُ الشَّيخ أبي عليّ الرُّوْذُبَارِيِّ من مِصْرَ وقتَ خُروج الحاج إلى الصَّحراء، والجمالُ تمرُّ بها في بدء البيداء، وهي تبكي وتقول: واضَعْفاه؛ واعَجْزاهُ، واحَسْرَتاهُ، وتقولُ: هذه حَسْرَةُ مَن انقَطَعَ عن البَيتِ، فكيفَ يكونُ حَسْرَةُ مَن انقَطَعَ عن رب البيت.
واعلم بأنَّ الباعِثَ على الشَّوقِ الخالص إلى ثواب الله تعالى ومرضاته، على قَدْرِ الفَهم والتحقق بمشاهدة آياته وبيناته، حيث جعله سُبحانَه مَثابةً للعالمين، وأمناً للخائفين، ومَلْجَأَ للعائدين، ومَنْجى للَّائِذِين، وأَوْدَعَ فيه ما شَهِدَت به السنةُ الوُجودِ من أرباب الشُّهود، وأمر خليله بتطهيره للعابدين
الجزء 1 · صفحة 10
والعارفين، وشرَّفَه بإضافته إلى نفسه، فقال: {طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [البقرة: 125]، وكفاه بذلك شرفاً وفَخْراً، وبه على سائر البقاع عَظَمةٌ وقَدْراً. كَفَى شَرَفاً أَنِّي مُضافٌ إليكُمُ الي بكم أذقى وأَرْهَى وأُعْرَفُ فالواجب على مَن يَدوسُ عَتَبَةً باب الملوك، وبساط انبساطهم لنيل المطالب، وتحصيل المواهب، وتيشرِ المَناصب، أن يتحمل أنواع المَشاق والمتاعب، ويتأدَّبَ بمَحاسِنِ المَناقِبِ، ومَجامِلِ المَراتِبِ، بالإقبال على الله تعالى في الحركاتِ والسَّكَناتِ والتَّجَرُّدِ ظاهِراً وباطناً عن المخلوقات، والتّوبة عن المُخالفات، والانقطاع عن العلائق، والتخلص عن العوائق. ومهما ذَكَرَ المَعصيةَ جَدَّدَ التَّوبة وكرَّرَ الأَوبَةَ؛ لأنَّه من حُصولِ الذَّنبِ على معرفة، ومن الخروج عن عُقوبته على شكٍّ وشبهةٍ.
ويكون بين الخوفِ والرَّجاءِ في كل حاله، فلا ييأس من رحمتِه وكَرَمِه، ولا يأْمَنُ مِن سَخَطِه بسببِ حِلْمِه؛ إذ لا يجوز للمرء أن يغتر بعلمه ولا بِعَمَلِه، بل يعتمدُ على جُودِ ربِّه وفَضْلِه.
قال ابن جماعة: ويَغلَط كثير من النَّاسِ فيحُجُّونَ بيتَ اللهِ طالِبينَ لَرَحمتِه، بما قد يكون جالباً لنِقْمَتِه، فيُصِرُّون على ارتكاب السَّيِّئَاتِ، ويُبالغون في التباهي بالمُحرَّماتِ، والتّزين بالمكروهات، حتَّى يُلبسوا الجِمال الحرير والذَّهَبَ، ونحو هذا من المُنكَراتِ، وما هكذا أَمَرَ اللهُ أَن يُحَجَّ بيتُه الكريمُ، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 1463.
الجزء 1 · صفحة 11
ولقد خَرَجَ بعضُ الصَّالحين في عَصْرِنا من مِصْرِنا إلى الحج مع القافِلَةِ، فلما وصل إلى البِرْكةِ - وهي المَرحَلَةُ - رَجَعَ لِما رأى من الأُمورِ المُنكَرةِ، والأفعالِ المُزَحْرَفَةِ، والأحوالِ المُزَوَرةِ، ولَعَمْرِي إِنَّه لمعذورٌ في هذا الإياب؛ لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] 2.
ومن أهم ما يُهتَمُّ به إِخلاصه الله تعالى وَحْدَه في جميع أمره، فعنه صلى الله عليه وسلم أَنَّه قالَ: «إذا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ ليوم لا ريب فيه، نادى مُنادٍ: مَن كانَ أَشْرَكَ أحداً في عَمَلٍ عَمِلَه اللهِ، فَلْيَطْلُبْ ثَوابَه من عندِ غيرِ اللهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشرك». ومن أتمّ ما يجبُ التَّحرُّزُ عنه في أمرِ النَّفَقَةِ، بأن تكون من الحلال الخالص من الشُّبهَةِ، بِقَدْرِ الوُسع والطَّاقة، ففي «صحيحِ مُسلِمٍ: أَنَّه عليه السَّلامُ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعثَ أعْبَرَ، يَمُدُّيدَيهِ إِلى السَّماءِ: يَا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُه حَرام، ومَشْرَبُه حرام، ومَلْبَسُه حَرامٌ وغُذِيَ بالحرامِ، فأَنَّى يُستَجابُ لذلك؟! أي: فكيفَ يُستَجابُ لذلك الرَّجُلِ هنالك؟
وما أَغْبَنَ مَن بذل نفسه وماله، وبدَّلَ حاله وجماله، فيَرجِعُ بالحِرْمَانِ، وغَضَبِ الرَّحمنِ، وفي الحديثِ: «إذا حَجَّ الرَّجُلُ بالمال الحرام، فقالَ: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قال الله: لا لبيك ولا سَعْدَيكَ، حتّى ترُدَّ ما في يديكَ». ذكَرَه ابنُ جماعة تبعاً للغزالي ?، لكِنْ سَكَتَ عنه العِراقِيُّ، وفي رواية: «لا لبيك ولا سَعْدَيكَ، وحَبُّكَ مَرْدُودٌ عليكَ».
الجزء 1 · صفحة 12
وفي رواية: مَن خَرَجَ يَؤُمُّ هذا البيتَ بكَسْبِ حرامٍ، شَخَصَ في غير طاعةِ اللهِ، فإذا بعَثَ راحلته، وقالَ: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ناداه مُنادٍ من السَّماءِ: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيكَ، كَسْبُكَ حرام، وراحِلتُك حرام، وثيابك حرام، وزادك حرام، ارجِعْ مَأزُوراً غير مأجورٍ، وأَبشِرْ بما يَسوؤُكَ. وإذا خَرَجَ الرَّجلُ حاجَّاً بمال حلال، وبعَثَ راحِلَته وقالَ: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ناداه مُنادٍ من السَّماءِ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيكَ، أَجِبْتَ بما تُحِبُّ، راحِلَتُك حلال، وثيابك حلالٌ، وزادك حلال، ارجع مبروراً غير مأزور، واستَأنِفِ العَمَلَ». أخرَجَ هذه الرواية أبو ذر.
وعنه صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ: «رَدُّ دَانِي من حرامٍ يَعدِلُ سبعينَ حِجَّةً»، ذكرَه ابنُ جَمَاعَةٍ،
وقال العَسْقَلانيُّ: ما عَرَفْتُ أصله. رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ونُسِبَ إِلى أَحمدَ بنِ حَنبلٍ، أَنَّه قالَ:
إذا حَجَجْتَ بمال أصله سُحْتُ فما حَجَجْتَ ولكِنْ حَجَّتِ العِيرُ لا يَقبَلُ اللهُ إِلا كلَّ طيبة ما كُلُّ مَن حَجَّ بيتَ اللهِ مَبرورُ ويُروَى أَنَّهُ لمَّا مَرِضَ عبدُ اللهِ بنُ عامِرِ بنِ كُرَيزِ مَرَضَه الذي مات فيه، أرسل إلى ناس من أصحاب رسول الله، وفيهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فقالَ: إِنَّه قد نَزَلَ بي ما تَرَونَ، فقالُوا: كُنتَ تُعطِي السَّائل، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وَحَفَرْتَ الآبار في الفَلَواتِ لابنِ السَّبِيلِ، وبنَيتَ الحوض بعرفات، فما نشُكُ فِي نَجَاتِك، وعبد اللهِ بنُ عُمَرَ ساكِتٌ، فلمَّا أبطأ عليه، قال له: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ أَلا تتكَلَّمُ؟ فقال عبدُ اللَّهِ: إِذا طابَتِ المَكسَبَةُ زَكَتِ النَّفَقةُ، وَسَتَرِدُ فَتَعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 13
ومما ينبغي له المُشاوَرَةُ والاستخارة في جميع أُمورِه الدُّنْيَويَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، فقد وَرَدَ: ما خَابَ مَن استخارَ، ولا نَدِمَ مَن استشارَ، وما عالَ مَن اقتَصَدَ». رواه الطبراني
في الصَّغير عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنه كان على هذا حَجُ أهلِ الفَضْلِ والإحسانِ، ومُرافقة أرباب الهمم العالية وأصحاب الامتنان، تغمَّدَهم اللهُ وإِيَّانا بالرَّحمةِ والرِّضوانِ.
وليَتَذَكَّرِ الحاج بإعدادِ الرفيق إعدادَ عَمَلِهِ الفَاخِرَةِ؛ فإِنَّه رفيقه أبداً في سَفَرِ الْآخِرَةِ، وبتَحفُظه من رفيقه صُحبَةً كَتَبَتِه؛ فإنَّهم أحقُّ بحُسنِ صُحبَتِه، وبإعدادِ الزَّادِ زادِ المَعادِ؛ لقوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، وليكن متواضعاً في هذا الطَّريقِ غيرَ مُتَعاظِمٍ على الرفيق، وطالباً مِنَ اللهِ حُسْنَ التَّوفِيقِ.
الجزء 1 · صفحة 14
ورُوِيَ: أنَّ هارونَ الرَّشيدَ حَجَّ في زينة عظيمةٍ، وَمَوكِبٍ كبير، والنَّاسُ يُصْرَفُوْنَ عن طريقه يميناً وشمالاً، فمَرَّ في طريقه على رجل من أولياء الله، وهو يَعِظُ النَّاسَ لعبادة مولاه، فتَقَدَّمَ الغِلمانُ إليه، وقالوا له: اسْكُتْ فقد أقبَلَ أمير المؤمنين، فلما حاذاه الهَودَجُ قالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، حَدَّثَنِي أَيْمَنُ بنُ نابل، قالَ: حَدَّثني قُدامَةُ بنُ عبد الله، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمِنَى على جَمَلِ وتحته رجل رثّ، ولم يكُنْ ثُمَّ ضَرْبٌ ولا طَرْدٌ، ولا إليكَ إِليكَ، فقيل: يا أمير المؤمنين، إنَّه بُهلول المجنون، فقال الرّشيدُ: عَرَفتُه، قُلْ يَا بُهلول، فقالَ: هَبْ أَنَّكَ قد مَلَكْتَ الأَرضَ طُرَّاً ودَانَ لك البلاد فكان ماذا؟ أَليسَ غَداً مَصِيرُكَ جَوفَ قَبْرٍ ويحثو التُربَ هذا ثُمَّ هذا فقالَ الرَّشيدُ: أَجَدْتَ يا بُهلول، فغَيرُه، فقال: نعم يا أميرَ المُؤمنين، مَن رَزَقَهُ اللهُ جَمالاً ومالاً، فعَفَّ في جَمالِهِ، ووَاسَى في مالِهِ، كُتِبَ في ديوانِ الأبرارِ، فَظَنَّ الرَّشيدُ أَنَّه عَرَّضَ بذلك يُريدُ شيئاً، فقال: قد أمَرْنا بقضاءِ دَينِكَ يا بُهلول، فقالَ: لا تفعَلْ يا أَمِيرَ المؤمنين، لا تقضي ديناً بدين، أردد الحقَّ إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك، قال: إنَّا قد أمَرْنا أن يُجرَى عليكَ، قال: لا تفعَل يا أميرَ المُؤمنين، لا يُعطيك اللهُ ويَنساني، فقد أَجْرَى عليَّ الذي أَجْرَى عليك، لا حاجة لي في جرايَتِكَ.
ويُروَى أَنَّ الرَّشِيدَ حَجَّ ماشياً من المدينةِ إلى مكَّةَ الأمينةِ، فَفُرِشَ له في الطَّرِيقِ اللُّبُودُ والمِرْعِزَّى، فاستند يوماً إلى ميل ليستريح وقد تَعِبَ، فإذا هو بسعدونِ المَجنونِ عارضه وهو يقول:
الجزء 1 · صفحة 15
هَبِ الدُّنيا تُواتِيا أليسَ المَوتُ يَأْتيكَا تَصْنَعْ بالدُّنيا ول الميل يكفيا ألا يا طَالِبَ الدُّنيا دَعِ الدُّنيا لشَانيكا كما أَضْحَكَكَ الدَّهرُ كذاكَ الدَّهرُ يُبكيا
فشَهَقَ الرَّشيدُ شَهِقَةً حَرَّ مَعْشِيَّاً عليه.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى ما أحدَثَ النَّاسُ من الزِّينة والمَحامِل يقولُ: الحاج قليل والركب كثير. ثم نظر إلى رجل مسكين رَبِّ الهيئة تحتَه حِوَالِقٌ، فقال: هذا نَعَمْ، نِعْمَ الحاج. وقال له مُجَاهِدٌ وقد دَخَلَتِ القَوافِلُ ما أكثَرَ الحاج! فقال: ما أقلهم، ولكِنْ قُل: ما أكثَرَ الرَّكبَ. والله در القائل: ألا إِنَّ رَكابَ الفَيافي إلى الحِمَى كثير وأما الواصلونَ قليله وينبغي أن يأخُذَ نفسَه، بالرَّحمةِ، ولا يُؤذِي النَّاسَ بالزَّحمةِ، لا سيّما في ضيق الطَّريقِ ومَوارِدِ الماء، ولا يكسر قُلوبَ الفُقَراءِ، ولا ينهر في وجوه الضُّعَفَاءِ، ولْيَبرَّهُم ولو بالقليل، أو يصرِفُهم بالرَّد الجميل.
وليَحذَرُ من تَحميلِ الدَّابَّةِ فوق طاقتها أو إجاعتها، فليس ذلك جزاء إطاعتها؛
ولأنَّ الدَّوابَّ مَراكيبُ الأحبابِ إلى ذلك الجَنابِ، وقد قيل في هذا الباب: وإِنَّ جِمالاً قد علاها جَمَالُكُم وإِنْ قَطَّعَتْ أكبادنا لحَبائِبُ وخَليقٌ بمَن كانَ سَبَباً في التبليغ إلى محل التَّأْمِيلِ، أَن يُلاحَظَ بعينِ التَّبجيلِ، كما يُشير إليه قوله سُبحانَهُ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل: 7]، وقد فُسِّر البلد بالبلدِ الأَنفَسِ، والله در القائل: وإذا المُطِيُّ بنا بَلَغْنَ محمداً فظُهورُهُنَّ على الرحالِ حَرامُ قربنا من خيرِ مَن وَطِئَ الثَّرَى فلها علينا حُرْمَةٌ وذِمامُ وقد قال عليه السَّلامُ للمرأةِ التي نَذَرَتْ أن تنحَرَ النَّاقَةَ التي سلَّمَها اللهُ عليها: بئسَ ما جَزَيتِيها»
الجزء 1 · صفحة 16
وقال أبو الدرداء للبعير الذي له: أيُّها البَعيرُ، لا تُخاصِمْني إلى ربِّكَ؛ فإِنِّي لم أَكُنْ أُحَمِّلْكَ فوقَ طَاقَتِكَ.
وكانَ بعضُ السَّلَفِ لا يَطْعَمُ إِذا نَزَلَ مَنزِلاً حَتَّى يعلِفَ الدَّابَةَ أَوَّلاً. والحاصِلُ: أَنَّ السَّالِكَ في هذه المَسالِكِ، ينبغي أن يكونَ مُتَّصِفاً بالشُّكرِ والصَّبرِ، ولا يتأثر فيه بضيقِ الصَّدرِ، وما يتعلق به من الضَّجَرِ. فقد قال بعضُ أهل الشعر: لا تَحسَبِ المجدَ تَمْراً أنتَ آكِلُه لن تَبْلُغَ المَجدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِر وعند الصباح يَحْمَدُ القَومُ السُّرى".
ونعم ما قال بعضُ الشُّعراء:
لولا المَشقَّةُ سَادَ النَّاسُ كلُّهُمُ الجُودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قَتَالُ وعن بعض الأولياء: العَجَبُ ممَّن يقطَعُ المَفاوِزَ في البَيداء، ليَصِلَ إلى بيتِ اللهِ وحَرَمِه، ويرى آثارَ النُّبُوَّةِ وأنوارَ جُودِه وكَرَمِه، كيف لا يقطَعُ نفسَه وهَواه في حُبِّه، ليصل إلى حُضُورِ قلبه، فيرى آثار أنوارِ ربِّه، وأزهار أسرار لبه.
فينبغي كون سير الظاهرِ إلى بيت ربه، وسير الباطن إلى تصفية قلبه، وتَزكِيَةِ حُبِّه، فإنَّه هو المقصود والموجود والمعبود في نَظَرِ أرباب الشهود. ونعم ما قال بعضُ أرباب الحال:
سكنتُم رُبَى الوادِي فَأَضْحَتْ لأجلِكُم زِيارَتُه فَرْضَاً على كلِّ مُسْلِمٍ بكُمْ أَصْبَحَ الوادِي يُعَظَّمُ شَأْنُهُ ولولاكُمُ قد كانَ غيرَ مُعظَّم
ولمجنون بني عامر:
أمر على الديار ديارِ ليلى أُقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلبي ولكِنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيارَا ويُروَى أَنَّ رجُلاً قالَ للفُضَيل بن عياض رحمه الله: إِنِّي أُريدُ الخُروج إلى مكة فأوصني، فقال له: شَمِّرْ إِزارَكَ في الطَّلَبِ، وانظُرْ إلى أين تذهَبُ، وإلى مَن تَذهَبُ، فخَرَّ الفُضَيلُ مَعْشِيَّاً، وسَقَطَ الرَّجُلُ من ساعتِه ميتا.
الجزء 1 · صفحة 17
وليتَذَكَّرِ الحاج بوصوله إلى الميقاتِ: أَنَّ الله تعالى قد أهله للقدوم عليه، والقُربِ إليه، والوُقوفِ لديه، فلْيَلزَمِ الأدب معه، ليَصلُحَ لإقباله وإدراكِ نَوالِه. وليتَذَكَّرُ عندَ تجرُّدِه للمخيط للإحرام، تجريده لغُسْلِ المَوتِ حال الاختِتامِ، ولينو عند تجرُّدِه عن محظورات الإحرامِ أنَّه تجرَّدَ عن جميعِ المُحرَّماتِ في أحكامٍ الإسلام، وعند غُسلِه أَنَّهُ اعْتَسَلَ من الخَطايا والآثامِ. وقد قال بعضُ المشايخ الأخيارِ مُوتُوا قبلَ أَن تَمُوتُوا؛ أي: مُوتُوا بالاختِيارِ قبل أن تموتُوا بالاضطرار. وليتَذَكَّرُ عندَ لُبْسِ إِزارِه ورِدائِه لفّه في أكفانه حالَ عَنائِه، وعند تطيبه حال حَنُوطِه، وعند صلاة سنة الإحرام الصَّلاةَ عليه في فَرضِ المُقامِ.
وليتَذَكَّرْ حال تلبيته بعد تصحيح نيَّتِه وتَزيينِ طَوِيَّتِه أَنَّه يُجِيبُ البارِي فِي دَعوَتِهِ إلى بيته، الذي هو مَهبِطُ أنوارِ نبيه ومَعدِنُ أسرارِ وَحْيِ صَفِيَّه، وهو واقفٌ بينَ الرَّدَّ والقبول في مَقامِ الحُصولِ؛ فإِنَّ التَّلبيةَ بَدْءُ الأمرِ، ومَوضِعُ الخَطَرِ، فَإِنْ أَقبَلَ على اللَّهِ بقلبه، أقبل عليه الرَّبُّ من فضله، وإن أَعْرَضَ أَعْرَضَ عَنهِ بِمُقْتَضَى عَدْلِهِ.
وقد روى مُصْعَبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُصعَبِ بنِ ثابتِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، عن مالك أنَّه قال: اختَلَفْتُ إلى جَعفَرِ بنِ محمَّدِ وما كنتُ أراه إلا على ثلاث خصال: إمَّا مُصَلِّ، وإمَّا صائِمٌ، وإمَّا يقرأُ القُرآنَ، وما رأيتُه يُحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلا على طَهارةٍ، وكانَ من العُلماءِ العُبَّادِ الرُّهَّادِ الذين يخشونَ اللهَ.
الجزء 1 · صفحة 18
ولقد حَجَجْتُ معَه سنةً، فلمَّا أتى الشَّجَرَةَ وأَرادَ أن يُهِلَّ كَادَ يُغشَى عليه، فكلمته في ذلك، وكانَ يُكرِمُني وينبَسِطُ إليَّ، فقال: يا ابن أبي عامِرِ، إِنِّي أَخْشَى أن: أقولَ: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فيقول: لا لبيك ولا سَعدَيكَ.
قال مالك: ولقد أَحرَمَ جدُّه عليُّ بنُ الحُسَينِ، فلمَّا أراد أن يقولَ: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبيكَ، أو قالَها؛ غُشِيَ عليه وسَقَطَ عن ناقتِه، فَهُشِمَ وَجهُه رضيَ اللهُ عنه.
وقال أحمدُ بنُ أبي الحوارِيّ: كنتُ معَ أبي سُليمانَ الدَّارانِي حينَ أرادَ أَن يُحرِمَ، فلم يُلَبِّ حَتَّى سِرْنا مِيلاً، ثمَّ غُشِيَ عليه فأفَاقَ، وقالَ: يا أحمدُ، أَوحَى اللَّهُ تعالى إلى مُوسَى عليه السَّلامُ مُرْ ظَلَمَةَ بني إسرائيل أن لا يذكُرُونِي، فَإِنِّي أَذْكُرُ مَن ذَكَرَني منهم باللعنَةِ، وَيحَكَ يا أحمدُ بلَغَني أنَّ مَن حَجَّ مِن غَيرِ حِلٌ ثُمَّ لَبَّي، قالَ اللهُ: لا لبيك ولا سَعدَيكَ، فما نَأْمَنُ أن يُقالَ لنا ذلكَ.
وعن بعض السَّلَفِ، قال: كنتُ بذي الحليفة، وشاب يريد أن يُحرِمَ فَكانَ يَقولُ: يا ربِّ أُريدُ أن أقول لبَّيْكَ، وأخشى أن تُجيبني بلا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيكَ، وَجَعَلَ يُردِّدُ ذلك مراراً، ثمَّ قالَ: لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، مَدَّ بها صَوتَه وخَرَجَتْ رُوحُه، رحِمَهُ اللهُ.
الجزء 1 · صفحة 19
وقال مالك بن دينارٍ: خَرَجْتُ إلى مكَّةَ، فبينا أنا أسير إذ أنا بشاب، وهو ساكت لا يذكُرُ الله فيما يُرى، حتّى إذا جَنَّهُ اللَّيْلُ رَفَعَ رأسَه إلى السَّمَاءِ، وهو يقولُ: يَا مَن تَسُرُّه الطَّاعةُ، ولا تضُرُّه المعصيةُ، هَبْ لي ما يسُرُّكَ، واغفِرْ لي ما لا يَضُرُّكَ، قال: ثمَّ رأيتُه بذي الحُلَيْفَةِ وقد لَبِسَ إحرامه، والنَّاسُ يُلبونَ وهو لا يُلَبِّي، فقُلتُ: جَاهِلٌ، فَدَنَوتُ منه، فقُلتُ: يا فَتَى؟ فقالَ: لبَّيْكَ، قُلتُ: لِمَ لا تُلَبِّي؟ فقال لي: يا شيخُ أَخافُ أن أقول لبَّيْكَ، فيقول: لا لبيك ولا سَعدَيكَ، لا أَسْمَعُ كلامَكَ ولا أنظُرُ إِليكَ، فقُلتُ له: لا يفعَلُ؛ فَإِنَّه كريمٌ، إِذا غَضِبَ رَضِيَ، وإذا رَضِيَ لم يغضَبْ، وإِذا وَعَدَ وَفَى، وإِذا أَوْعَدَ عَفَا. فقال لي: يا شيخ، أتشيرُ عليَّ بالتلبية؟ فقُلتُ: نعم. فبادَرَ إلى الأرضِ واضطَجَعَ، وجَعَلَ حَدَّه على الأرضِ، وأَخَذَ حَجَراً فَجَعَلَه على خَده الآخر، وأسبَلَ دُموعَه، وأقبَلَ يقولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، قد خَضَعْتُ إِليكَ، وهذا مَصَرَعي بين يديك، فأقام كذلك ساعة، ثم قام ومضى.
وحَجَّ بعضُ شُعراءِ السَّلَفِ ولبّي، فقالَ:
الهَنا ما أَعْدَلَكْ مَلِيكَ كُلِّ مَنْ مَلَكْ ليكَ قَد لَيتُ لَكْ لَيَّيكَ إِنَّ الحَمْدَ لَكْ والمُلك لا شريكَ لَكْ ما خَابَ عَبدُ أَمَّلَكْ أنتَ له حَيْثُ سَلَكْ لولاكَ يا رَبِّ هَلَكْ يا مُخْطِئاً ما أَغْفَلَكْ عَجِّل وبادِرُ أَجَلَكْواختِمْ بخَيرٍ عَمَلَكْ ليكَ إِنَّ المُلكَ لَكْ والحَمْدَ والنُّعْمَةَ لَكْ والعِزَّ لا شَريكَ لَك
الجزء 1 · صفحة 20
وليتَذَكَّرُ عندَ انتشارِ المُحرِمينَ رافعي أصواتهم بالتلبية حالَ القيام من القُبورِ، وإجابتهم عندَ النَّفْخَةِ وَيَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَعًا أَبْصَرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَبْدَاثِ كَانَهُمْ جَرَادُ مُنتَشِرُ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَيرٌ} [القمر: 6 - 8]. ثمَّ اعلَمْ بأَنَّهُ لمَّا كانَ المَقصود من لُبْسِ إزارِه ورِدائِه استمطارُ سُحُبِ آلَاءِ اللَّهِ ونَعمائِه، والتَّذَلُّل في الوقوفِ بكريم فنائه، أُلزِمَ فيه العبد المُخالفة في هيئَتِه المعروفة، وأُمِرَ بمُجانبَةِ الرَّفاهية، ومُباينةِ المَلاذِ المَألوفة، ونُظِرَ إلى أَشْرَفِ أعضائه وأَلطَّفِ أجزائه، فخُوطِبَ بامتِهانِهِ وكَشْفِه، ليَعْدُو إلى بابِ اللهِ طالباً للُطْفِهِ، ومَن تعرَّى اللَّهِ فِي الدُّنيا يُكسَى الحُلَلَ في العُقبى. ويُروى أنَّ امرأة عابدةً حَجَّتْ، فلما دخَلَت مَكَّةَ جَعَلَت تقولُ: أَينَ بيتُ ربِّي؟ أينَ بيتُ ربِّي؟ فقيل لها: هذا بيتُ، ربِّكِ، فاشتدَّت نحوه تسعى، حتّى أَلصَقَتْ جَبينَها بحائط البيتِ، فما رَفَعَتْ إلا ميّتةً.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: رأيتُ امرأةً جاءَتْ، فقامَتْ فِي المُلتَزَمِ، فَجَعَلَت تدعُو وتبكي حتى ماتت.
وحَجَّ الشَّبْلِيُّ رحمه الله، فلمَّا دخَلَ إلى مكَّةَ وحَصَلَ وِصاله، وعَظُمَ عندَه قدر ما ناله، أنشَدَ طَرَباً مُستَعظِماً حالَه:
أَبَطْحَانُ مكَّةَ هذا الذي أراهُ عَياناً وهذا أنا ثمَّ لم يَزَلْ يُكَوِّرُها حتَّى غُشِيَ عليه في إِثْرِها.
ولمَّا دَخَلَ أبو الفَضْلِ الجَوهَرِيُّ الحَرَمَ، وَنَظَرَ إِلى البيتِ المُعظَمِ، وقد داخلَه الطَّربُ الأتم، قال: هذه أنوار ديار المحبوب، فأينَ المَحبوب؟! هذه آثار أسرار القُلوبِ، فأينَ المُشتاقون؟! هذه ساعة الاطلاع على الدموع، فأينَ
الجزء 1 · صفحة 21
البَكَّاؤُونَ؟! ثُمَّ شَهَقَ شَهْقَةٌ، وَأَنشَدَ: هذه دارهم وأنتَ مُحِبُّ ما بقاء الدموع في الأماق ثم بادر إلى البيتِ باكِياً، وهو يُنادِي: لبيك لبيك ساعياً، وللجَوابِ خائِفاً راجياً.
ثم انو عند استلام الحَجَرِ أَنَّكَ بِايَعْتَ الله على لزوم طاعته، وداوم الوفاءِ بيعته، فإنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «الحَجَرُ الأسوَدُ يمينُ اللهِ في الأرضِ يُصافح بها عباده كما يُصافِحُ أحدُكم أخاه».
وهذا على طريق ضَرْبِ المَثَلِ في فحواه، ونظيره قوله سبحانه: {وَإِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُتُ عَلَى نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]. وإذا رَمَلْتَ في الطُّوافِ فانوِ أَنَّكَ هَارِبٌ من ذَنبِكَ، وإِذا مَشَيْتَ فترجٌ من ربِّكَ
مجموع امام الملا على القاري الأمن من عذابِ ما هَرَبتَ منه بِقَبُولِ تَوبَتِكَ، وتَذَكَّرُ عندَ تعلَّقِكَ بالأستارِ تَشَبُّكَ الجُناةِ بأذيال الكرام الأبرار.
الجزء 1 · صفحة 22
وسُئِلَ عليُّ بنُ الحُسَينِ زَين العابدين عن ابتِداءِ الطَّوافِ فَقَالَ: لَمَّا قالَ اللهُ تعالى للمَلائِكَةِ: وإِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وقال الله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، ظَنَّتِ المَلائكةُ أنَّ ما قالوه رَدُّ على ربِّهم فلاذُوا بالعَرْشِ، فطَافُوا به إشفاقاً من الغَضَبِ عليهم، فوُضِعَ لهم البيتُ المَعمورُ، فطافُوا به، ثمَّ بَعَثَ ملائِكةٌ فقالَ: ابْنُوا لي بيتاً في الأرض تمثاله، وأمر الله خلقه أن يطوفُوا بالبيت المذكور، كما يطوفُ أهلُ السَّماءِ بالبيت المعمور. ولْيَحذَرُ من الإساءة حالَ طَوافِه، ووَقْتَ اعتكافه، وليَحْفَظْ جَميعَ جَوارِحِه تأدُّباً معَ ربِّه في مَقامِ قُرْبِه، فقد رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً طافَ بالبيتِ، فَبَرَقَ له ساعِدُ امرأةٍ، فَوَضَعَ ساعِدَه على ساعِدِها يَتَلَذَذُ به، فلُصِقَ ساعِداهُما، فقال له بعضُ الصَّالحين: ارجع إلى المكان الذي فَعَلْتَ فيه تلكَ المَعصِيَةَ، وعاهِدْ ربَّ البيتِ أن لا تعود إلى مثل تلك القَضِيَّةِ بالإخلاص وصِدْقِ النِّيَّةِ، فَفَعَلَ فَتَخَلَّصَ عن البَليَّةِ.
ويُروى أنَّ امرأة عادت من ظالم، فجاءَها ومد يده إليها، فيَبِسَتْ يده عند مدها. وعن بعض السَّلَفِ: أَنَّه دَخَلَ الحِجْرَ في اللَّيلِ وصلَّى تحتَ الميزابِ، وَأَنَّهُ سَمِعَ هو ساجِدٌ كلاماً بينَ أستار الكعبة والحجارة، وهو يَشكُو إِلى اللهِ تعالى ما يفعَلُ هؤلاءِ الطَّائفونَ حَولي من إساءَتِهم، قالَ: فَأَوَّلَتُ أَنَّ البيتَ تَشَكَّى.
الجزء 1 · صفحة 23
ويُروى عن أبي يعقوبَ النَهْرَ جُورِيٌّ، قال: رأيتُ في الطَّوافِ رجُلاً له عَينٌ واحدة، وهو يقولُ في طَوافِه: أعوذُ بكَ منكَ، فقُلتُ له: ما هذا الدُّعاءُ؟ فقالَ: إِنِّي مُجاوِرٌ منذُ خمسين سنةً، فَنَظَرتُ إلى شخص يوماً فاسْتَحْسَنتُه، فإذا لَطْمَةٌ وقَعَتْ على عيني، فسالت عيني على خَدِّي، فقلتُ: آه، فقالَ قَائِلٌ: هُناكَ لَطَمَةٌ بنَظرةٍ، ولو زدت زدناك.
ويُروى عن إبراهيمَ الخواص، قال: رأيتُ شاباً في الطَّوافِ مُتَّزِراً بعَبَاءَةٍ، مُتوَشّحاً بأُخرَى، كثير الطَّوافِ والصَّلاةِ، مَشغولاً بالله، لا يلتفتُ إلى ما سِواهُ، فَوَقَعَت في قلبي محبّته، ففتح عليَّ بأربع مئة درهم، فجِئْتُ بها إليه، وهو جَالِسٌ خَلْفَ المَقامِ، فوَضَعتُها على طَرَفِ عَبَاءَتِهِ، فَقُلتُ له: يا أُخَيَّ، اِصرِف هذه القُطَيعَاتِ في بعض الحُوَيجاتِ، فقامَ وبدَّدَها في الحَصَى، وقال: يا إبراهيم؛ اشتَريتُ من الله تعالى هذه الجِلْسَةَ بسبعين ألف دينار، أتريد أن تخدَعَني عن الله بهذا الوَسَخِ؟! قال إبراهيم: فما رأيتُ أذَلَّ من نفسي، وأنا أجمَعُها من بين الحصى، وما رأيتُ أعَزَّ منه وهو ينظُرُ إليَّ، ثمَّ ذَهَبَ.
ويُروَى أَنَّ الجُنَيدَ طاف بالبيتِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، فَسَمِعَ جَارِيةً تطوفُ وهي تقول:
أبى الحُبُّ أَن يَحْفَى وكم قد كتَمْتُه فاصبَحَ عِندي قد أناح وطنيا إذا اشتد شوقي هام بذكره وإن رُمْتُ قُرباً من حبيبي تَقَربا
الجزء 1 · صفحة 24
فقُلتُ لها: يا جارِيةُ أمَا تتَقينَ الله تتكلَّمينَ في مثل هذا المقام بمثل هذا الكلام؟! فالتفتت إليَّ وقالت: يا جنيد! لولا التَّقَى لم ترَني أَهجُرُ طِيبَ الوَسَنِ، إنَّ التَّقَى شرَّدَني كما تَرى عن وَطَني، أَفِرُّ من وجدي به فحُبُّه هيَّمَني، ثم قالت: يا جنيد، أتطوف بالبيتِ أم برَبِّ البيتِ؟ قلتُ: أطوف بالبيتِ، فَرَفَعَت رأسها إلى السماء، وقالت: سُبحانَكَ ما أعظَمَ مَشيئَتَكَ في خَلْقِكَ، خَلْقُ كالأحجارِ يطوفُونَ بالأحجار، ثمَّ أَنشَأَتْ تقول:
يطوفُونَ بالأحجار يبغُونَ قُرْبَةً إليكَ وهُمْ أَقْسَى قُلوباً مِنَ الصَّخْرِ
قال الجنيد: فغُشِي علي من قولها، فلما أفقتُ لم أرها.
وقال أبو يزيدَ البِسْطَامِيُّ: حَجَجْتُ ثلاثَ حِجَج: ففي الحجة الأولى رأيتُ البيت ولم أرَ رَبَّ البيتِ، وفي الثانية: رأيتُ البيت ورَبَّ البيت، وفي الثالثة: رأيتُ رب البيت ولم أرَ البيت.
قلت: المرتبة الأولى هي حال أهل التفرقة، والأخرى: حال أهل الخدمة في طريق المولى والوسطى حال أهلِ جَمعِ الجَمْعِ في الحضرة الأعلى، وهي الفُضْلَى والأَوْلى كما لا يَحْفَى.
وعن مالك بن دينار قالَ: بَينَا أنا أطُوفُ ذاتَ ليلةٍ، إذا أنا بجُوَيريةٍ مُتعلّقة بأستارِ الكعبة، وهي تقول: يا رَبِّ ذَهَبَتِ اللَّذَّاتُ، وبقِيَتِ التَّبِعاتُ، يَا رَبِّ كم من شَهْوَةِ ساعةٍ من الزَّمانِ قليلاً قد أَوْرَثَتْ صاحِبَها حُزْناً طويلاً، يا رَبِّ أَما لَكَ عُقوبةٌ في دارِ القَرارِ إلا النَّارُ؟ فما زالَ ذلك قولها حتَّى طَلَعَ الفَجرُ، فوَضَعَ مالك يده على رأسه صارخاً، يبكي يقولُ: ثَكِلَتْ مالِكاً أُمُّه وعَدِمَتْه جُوَيرِيةٌ منذُ اللَّيلة قد بطَلَتْهُ، وعن حالِهِ عطَّلَتْهُ.
وأنشد:
الجزء 1 · صفحة 25
سُتُورُ بيتِكَ ذَيلُ الأمن منك وقد عَلَقتُها مُستَجيراً أَيُّها الباري وما أظُنُّكَ لمَّا أَن عَلِقتُ بها خوفاً من النَّارِ تُدنيني مِنَ النَّارِ وها أنا جارُ بيت أنتَ قُلتَ لنا حُجُوا إليه وقد أَوْصَيت بالجارِ وعن صالح المُري: أنَّه كان يطوف بالبيت، فسَمِعَ أعرابياً يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: إلهي! إِنَّ استغفاري إيَّاكَ على كثرة ذُنوبي للومٌ ظَاهِرُ، وإنَّ ترك استغفاري على سَعَةِ رَحمَتِكَ لعَجْزُ باهِرُ، إلهي كم تتقرَّبُ إليَّ بالنَّعَمِ مع غناك عني وعن عَمَلي، وكم أتباعد عنك بالمعاصي مع في إليك في أمَلي، فيا من إذا وَعَدَ وَفَى، وإذا أَوْعَدَ تَجاوَزَ وعَفا، أَدخِلْ عظيمَ جُرمِي في سَعَةِ رَحمَتِك من هذا الباب، إنَّكَ أنتَ الوَهَّابُ. قالَ صالح: فَوَاللَّهِ ما سمِعتُ في حَجِّي ذلك أبلغ من كلام الأعرابي هنالك.
وقالَ الشَّيخُ المُحقِّقُ عليُّ بنُ المُوَفِّقِ: طُفْتُ بالبيتِ ليلةٌ، وصلَّيتُ رَكَعَتَينِ بالحِجْرِ، واستندت إلى جدارِ الحِجْرِ أبكي، وأقولُ: كم أَحضُرُ هذا البيتَ الشَّريف ولا أزداد في نفسي خَيراً، فبينا أنا بينَ النَّائم واليَقْطانِ إِذ هَتَفَ بي هاتِفٌ، يا عليُّ! سَمِعْنا مقالتكَ، أَوَ تَدعُو أنتَ إلى بيتك مَن لا تُحِبُّه؟!
وقال الأوزاعِيُّ: رأيتُ رجُلاً مُتعلّقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: يا ربِّ إِنِّي فقير كما ترى، وصبيتي قد عَرُوا كما ترى، وناقَتِي قد عَجِفَت كما ترى، وبُرْدَتي قد بَلِيَت كما ترى، فما ترى فيما ترى يا مَن يَرَى ولا يُرَى، فإذا بصوتٍ من خَلفِه: يا عاصِمُ، يا عاصِمُ، الحَقِّ عَمَّكَ قد هَلَكَ بالطَّائِفِ، وخلَّفَ ألفَ نَعجَةٍ، وثلاثَ مئة ناقةٍ، وأربعَ مئة دينار، وأربعَةَ أَعْبُد، وثلاثةَ أسياف يمانيَّةٍ، فامض فخُذْها فليس له وارِثُ غيرُك.
الجزء 1 · صفحة 26
قال الأوزاعِيُّ، فقُلتُ: يا عاصِمُ، إنَّ الذي دَعوتَه لقد كانَ منكَ قَريباً؟ فقال: يا هذا! أمَا سَمِعْتَ قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبُ [البقرة: 186]
وإذا سعيتَ فَتَذَكَّرْ تَردُّدَ العبدِ في فِناءِ دارِ السَّيِّدِ إظهار المَحبَّتِه، وإشعاراً لخدمتِه، ورَجاءَ مُلاحَظَتِه بعينِ جُودِه ورَحمتِه وكُنْ كَمَنْ دَخَلَ دارَ مَلِكِ وحَرَمِه، وخرَجَ منها معَ خَدَمِه وحَشَمِه، ولم يعلَمْ هل قَبِلَه المَولى أم لا، فهو تَرَدَّدَ فِي فِنائِهِ مرَّةً بعدَ أُخْرَى، طَمعاً في القبولِ، ورَجاءً إلى الوصولِ.
ومثل الصفا والمروة بكَفَّتَي الميزان، ناظراً إلى الرُّجحانِ والنُّقصانِ، مُتردّداً بينَ خَوفِ النِّيرانِ، ورَجاءِ الغُفْرانِ.
وإذا وَقَفْتَ بعَرَفَةَ، فتذكَّرْ حالَ وُقوفك بين يدي اللهِ سُبحانَه يومَ القيامةِ مَعَ سَائِرِ الأُمَّةِ، وما هم فيه من شدائد الأهوالِ ومَشقَّاتِ الأحوالِ، مُنتظرينَ ما يُقضَى عليهم من دارٍ هي جنة أو نار. فكذلك أهلُ عَرَفَةَ مُنتَظِرُونَ ما قسم لهم من قبول معَ الأبرار، أو رَدُّ معَ الفُجَّارِ. وتذكَّر باختلافِ أحوالِ النَّاسِ في مَوقِفِ عَرَفَةَ، وهم بين راكب من أهلِ القُوَّةِ والشَّروةِ، وماش وعاجز في القُدرةِ، حالهم يومَ القِيامة؛ فمِنهُم مَن يُحْشَرُ راكِباً على النَّجائِبِ ومنهُم مَن يُحشَرُ ماشياً، ومنهم مَن يُحْشَرُ على وَجهِه، على قدرِ المَناقبِ والمناصب والمَتاعِبِ، وكُنْ بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ في جميع المراتبِ.
ورُوِيَ أَنَّ الفُضَيلَ بنَ عِياضٍ وَقَفَ بعَرَفَةَ والنَّاسُ يدعونَ، فَبَكَى بُكاءَ النَّكلَى المُحتَرِقَةِ، فلمَّا كادَتِ الشَّمسُ أن تسقط قبَضَ لحيته، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَه إلى السَّماءِ، وقالَ: وَاسَوْأَتَاهُ وإِنْ عَفَوْتَ.
الجزء 1 · صفحة 27
وقال بعضُ السَّلَفِ: رأيتُ شاباً في الموقِفِ مُطرِقاً برأسه إلى الأَرضِ منذُ وَقَفَ النَّاسُ إِلى أَن سَقَطَ القُرْضُ، فقلتُ يا هذا! أبسُط يدَكَ للدُّعاءِ، فَقالَ لي: ثمَّةَ وَجهُ! قلتُ له: هذا يومُ العَفْوِ عن الذُّنوبِ، فَبَسَطَ يدَه، ففي بَسْطِ يدِهِ وَقَعَ ميتاً. وقيلَ لبَعضِ السَّلَفِ وقد ضَحَى للشَّمسِ بعرَفَةَ في يومٍ شديدِ الحَرِّ: لو أَخَذْتَ بالتوسعة، فأنشَدَ:
ضَحِيْتُ له كي أستظل بظله إذا الظَّلُّ أَضْحَى في القِيامَةِ قالِصاً فيا أسفي إن كانَ سَعِيِيَ باطِلاً ويا حَسْرَتي إِن كَانَ حَظَّيَ ناقصا وتذَكَّرُ بانتِظارِ غُروبِ الشَّمس، وإفاضَةِ الخَلْقِ انتِظارَ أَهْلِ المَحشَرِ فَصَلَ القضاء، بشفاعَةِ سيّد الأنبياء عليه التَّحِيَّةُ والثَّناءُ.
ورُوِيَ أَنَّه قيلَ ليُونُسَ بنِ عُبَيد - وقد انصَرَفَ من عَرَفاتٍ: كيف كانَ النَّاسُ؟
فقالَ: لم أشُكَّ في الرَّحمةِ، لولا أني كنتُ معَهم، يقولُ: لعلَّهم حُرِمُوا بِسَبَبِي.
•
الجزء 1 · صفحة 28
وقال بعضُ السَّلَفِ: كنتُ بالمُزدَلفةِ وأنا أُحيي الليلةَ، فإذا بامرأةٍ تُصَلِّي حَتَّى الصَّباح ومعها شيخٌ، فَسَمِعْتُه وهو يقولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا جِئْنَا مِن حيثُ تَعلَمُ مَكَانَنا، وحَجَجْنَا كما أَمَرْتَنا، ووَقَفْنا كما دَلَلْتَنا، وقد رأينا أهلَ الدُّنيا إذا شابَ المَملُوكُ في خِدمَتِهم تذَمَّموا أن يبيعُوهُ، وقد شِبْنا في مُلكِكَ، فارحَمْنا بلُطفِكَ، وأَعَتِقْنا بجُودِكَ. فهذا طريق العُلماء الأبرار، والمشايخ الأخيار، في اجتنابهم من الآثامِ والأوزارِ، خَوفَ المُحاسَبَةِ في دارِ القَرارِ، والمُعاقَبَةِ بالنَّارِ في دارِ البَوارِ. وقيل: إِنَّ من أعظَمِ الذُّنوبِ أَن يَحضُرَ عَرَفاتٍ، ويَظُنَّ أَنَّ اللهَ تعالى لم يغفِرْ له ذلك؛ لأنَّه يأس من رَحمَتِه، وقُنوطٌ من مَغفِرَتِه، وسوءُ ظَنِّ بِرَبِّه في حالَتِه. وهذا لا ينافي كَونَه بينَ الخَوفِ من غَضَبِهِ، وَالرَّجاءِ فِي لُطفِه وَكَرَمِهِ، لأَنَّ المدار على خاتمة أمره، ويقينه في آخرِ عُمرِه، فينبغي أن يُداوِمَ على الدُّعاءِ، ويواظب على ثُبوتِ القَدَمِ في مَقامِ الرَّجاءِ، ويُواظِبَ على كثرة الحمدِ والثَّناءِ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، ويرضى بما قدَّرَ اللهُ عليه في عالم القَضاءِ، قائِلاً: اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عاقبتنا في الأمور كلها، وأجزنا من خِزْيِ الدُّنيا وعذابِ الآخِرَةِ، تَوَفَّنا مسلمين، والحِقْنا بالصَّالحين، وأدخِلْنا الجنَّةَ آمنين، برَحمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.