المُلمَّع شرح نَعت المرصَّع
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المُلمَّع شرح نَعت المرصَّع
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ المُبدِع الحكيمِ والصَّلاة والتّسليم على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه المُستَحِقِّينَ غايةَ التَّعظيمِ ونهاية التكريم.
وبعد:
فهذا مُلَمَّعُ لتبيينِ مُشكِلاتِ كلماتِ صَلَواتٍ مُسمَّاةٍ بـ: «النَّعْتِ المُرَصَّعِ بالمُجَنَّسِ المُسَجَّعِ، صَدَرَتْ عن صَدْرِ المُفتَقِرِ إِلى بِرِّ ربِّه الباري عليِّ بنِ سُلطانِ محمَّدِ القارِي، غَفَرَ ذُنوبهما وسَترَ عُيوبهما، على وَجْهِ الإيجاز، وطريق الإلغاز، الذي كاد أن يكون من باب الإعجاز، وذلك ببركة صاحبِ المُعجزاتِ، الجامع لأنواع خَوارِقِ العاداتِ، التي ما اجتَمَعَتْ لأحَدٍ قبله من السَّاداتِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وسلَّمْ على نُورِكَ - بالضَمّ - الأغلى - بالمُهمَلَةِ - ونَوْرِكَ - بالفتح - الأَغْلى - بالمُعجَمَةِ، وحُسْنُ التّرتيب في ضِمْنِ التّركيبِ مِمَّا لا يخفَى؛ لأنَّ نُورَه سَبَقَ ظهوره؛ لحديثِ: «أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ نُورِي» 1، وهو المُلائِمُ بكونه أعلى.
وأَمَّا النَّورُ فَمَعناهُ الزَّهرُ، فيُناسِبُ أن يكونَ مَبْدَأُ الظُّهورِ والوُرودِ فِي أَعْصَانِ شَجَرَةِ الوُجودِ، في عالمِ الحِسٌ ومَقامِ الأُنسِ، ولا مِرْيَةً حينَئِذٍ أَنَّه يكونُ أَعْلَى؛ لمرتبة الجَمْعِ بينَ الرُّوحِ والجَسَدِ، الذي به يصِلُ السَّالِكُ إِلى مَقامِ جَمْعِ الجَمْعِ، المانعِ من أن يحجُزَه الواحِدُ عن الكَثْرَةِ، أو تحجُبُه الكثرَةُ عن الوَحدَةِ، مَعَ أَنَّ الخلقَ في نظَرِ أهل الحقِّ كالهَباء في الهَواءِ، والسَّرابِ في الصَّحراء، والزَّبَدِ على وَجهِ المَاءِ، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: ??]، ويدل عليه قوله عليه الصلاة
والسَّلامُ: «أَصْدَقُ كلمةٍ قالَها الشَّاعِرُ كلمةُ لبيد:
ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ.
وإِيَّاكَ أن تذهَبَ إِلى مَذْهَبِ الوُجودِيَّةِ في المرتبة الشُّهودِيَّةِ، وتَتَوَهَّمَ العَينيَّةَ من المَنزِلِةِ المَعِيَّةِ، فإنَّها طريقَةٌ رَدِيَّةٌ كُفْرِيَّةٌ، خارِجَةٌ عن حقيقةٍ فِطرِيَّةٍ، ومُخالَفَةٌ لقَولِ الطَّوائف الإسلامية، من أنَّ حَقائِقَ الأشياء ثابتةٌ، كما في الكُتُبِ الكلاميَّة، ولأنَّ من الموجوداتِ ما هو واجب وجوده، ومنها مُمكِنٌ شُهوده، ومنها مُمتَنِعُ وُرُوده.
سيد العالمين؛ أي: خَيرُ بني آدم، وما ظَهَرَ على وَجْهِ العَالَمِ، فقد وَرَدَ: «أنا قائِدُ المُرسَلين ولا فَخْرَ، وأنا خاتم النبيين ولا فَخْرَ، وما من نبي يومَئِذٍ آدَمُ فمن سواه إلا تحت لوائي، أقومُ عَنْ يمينِ العَرْشِ، ليسَ أَحدٌ من الخَلائِقِ يقومُ ذلك المقام غيري. وسَنَدُ العالمين؛ أي: مُستَنَدُ العُلماء والأولياء والأصفياء وسائر الأتقياء،
وبيانُ الترتيب بينَ الفِقْرَتَينِ لا يَفْتَقِرِ إلى إملاء الأَبْنَاءِ.
رُوحُ العِبادِ؛ لأنَّهم خُلِقوا من أنوارِ رُوحِه، وآثارِ فُتوحِه؛ لأنَّه يُحييهم بالتَّوحيدِ وأنواع العلوم في مقام التفريد، كما يُشير إليه قوله.
ورَوْحُ العُبَّادِ - بفتحِ الرَّاءِ - أي: وسَبَبُ راحَةِ الزُّهَّادِ والعُبَّادِ فِي سَائِرِ البلادِ، السَّالكينَ لطَريقِ المَعادِ، بإعانَةِ التَّقوى التي هي خَيرُ الزَّادِ، كما يُشيرُ إليه قَولُه سُبحانَه:
فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الله فَرَوْحُ وَرَيْحَانُ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} [الواقعة: ?? - ??].
بل كما قال بعضُ العارِفينَ في قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46: جَنَّةٌ مُعَجَّلةٌ في الدُّنيا بالمُراقَبَةِ مِعَ المَولى، وجَنَّةٌ مُؤَجَّلَةٌ فِي العُقبَى بِالمُشاهَدَةِ فِي المَقامِ الأولى، وهو الزِّيادةُ: وَلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [يونس: 26].
مُريدُ كلِّ مَزيد؛ أي: الذي له الإرادة في جَميعِ مَقاماتِ الزِّيادةِ الحاصِلَةِ لأربابِ السَّعادة وأصحاب السيادة.
ومزيدُ كلِّ مُريد؛ عَكس تلك القضيَّةِ، فهو سَبَبُ الزّيادةِ لأهل الإرادةِ، كما يُشيرُ إليه قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران: ?]، فَمَحَبَّةُ اللهِ سُبحانَه للعبد في هذا المَقامِ ناشِئَةٌ على قَدْرِ مُتابعته له عليه الصلاة والسَّلام، فهو المُريد والمراد من بين العِبادِ.
خَيرُ الأخيار - بالخاءِ المُعجَمَةِ والياءِ والتَّحتيَّةِ فيهما - أي: أفضَلُ الأنبياء والأصفياء.
وحَبْرُ الأخبار - بالمُهملة والمُوَحَّدة فيهما ـ أي: أعلَمُ العُلماء، وأفضَلُ
الفُضَلاء، وأكمل الأولياء، ويُمكنُ أن يُقرَأَ: خَيْرُ الأحبارِ؛ أي: أفضَلُ العُلماء، حَبْرُ الأخيارِ؛ أي: أعلَمُ الأتقياء من الأنبياء والأولياء.
مَن عَظُمَ - بِفَتْحِ وضَمْ - خَلْقُه ـ بالفَتحِ - أي: شَرُفَ وكَرُمَ عِندَ وُجودِهِ وحُسنِ شمائله حال شهوده
وعُظْمَ - بصيغة المجهول - من التَّعظيم، خُلُقُه - بالضَّم - أي: عَظَمَ اللهُ خُلُقَه الكريم، حيثُ مَدَحَه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقَدَّمَ الخَلْقَ على الخُلُقِ حيثُ قيامه به، وظهوره بسَبَبِه.
عَيْنُ كُلِّ عَبيد؛ أي: نُورُ عُيونِ العبادِ، وسُرورُ فُؤادِ العبادِ.
وغَينُ كلَّ عَنيدٍ، بالغَينِ المُعجَمَةِ؛ أي: غُبارُ عُيونِ الأغيار من أهلِ العِنادِ، وحِجابُهم عن الوصول إلى أنوارِ الأسرارِ المُوصِلَةِ إلى المُرادِ، كما وَقَعَ لأبي عليّ سيناء، وأمثاله منَ الحُكماء.
مَظْهَرُ تجلّياتِ الجِنانِ العَبْدِيَّةِ؛ أي: َمحَلُّ ظُهورِ التَّجلِّياتِ الوارِدَةِ على القُلوبِ المُختَصَّةِ بالإضافةِ العَبدِيَّةِ المُشير إليها قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء: 1]، فله هذه النسبةُ أصالة أصليَّةً، ولغيره على وَجْهِ التَّبعيَّةِ النَّاشِئَةِ عن المُتابعَةَ للسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، الدال عليها قوله: «يا عِبادِ»، حيثُ جاءَ في الآياتِ القُرآنيَّةِ، ومنها قوله: يَنعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الزخرف: 68].
ومُظْهِرُ تَحدّياتِ الجِنانِ العِنْدِيَّةِ؛ أي: الذي أَظْهَرَ تَزَيَّنَاتِ الجَنَّاتِ مِن اللَّذَاتِ والمُشتَهَياتِ، التي من عندِ اللهِ وفَضْلِهِ وكَرَمِه لا على قَدْرِ كَسْبِ العبدِ من عِلْمِهِ وعَمَلِه، كما يُشيرُ إليه قوله سبحانه: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: ?]، ويدلُّ عليه قوله عليه الصلاة والسَّلامُ في الحديثِ القُدسِي، والكَلامِ الأُنسِيّ: أَعْدَدْتُ لعبادِيَ الصَّالحين ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، اقرَؤُوا إِن شِئْتُم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 1 [السجدة: 17].
عِقْدُ الأَسرار - بكَسرِ العَينِ وفتح الهمزة - أي: واسِطَةُ سِلسِلةِ الأسرار الإلهية، والأنوارِ البَهيَّةِ المُضِيَّة.
وعَقْدُ الإسرار - بعَكْسِ الضَّبطِ السَّابق - أي: ورابِطَةُ رَبْطِ مَقامِ الإِخفاء فيما لم يُؤذَنْ له من الإنباء، فإنَّ صُدورَ الأحرارِ قُبور الأسرارِ.
وعيد كل تقي؛ أي: مُخَوِّفُ كلّ تقيّ، ليزيدَ تَقْواهُ في طاعةِ مَوْلاه، كما يُشيرُ إليه قوله سبحانه: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَانِهِ} [آل عمران: 102]، وهو أَنْ يُطاعَ ولا يُعصَى، ويُذكَرَ ولا يُنسَى. وعيدُ كلِّ نَقي؛ أي: ومُبَشِّرُ كل طاهر من الذُّنوبِ، أو تائب من العُيوبِ، كما قال تعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأُوْلَيكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتِ} [الفرقان: ??]، ووَرَدَ: «التَّائبُ منَ الذَّنبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ له».
وأَحْمَدُ مَن حَمِدَ - بصيغة الفاعِلِ - أي: الذي هو في مَقامِ الحامدِيَّةِ أَكثَرُ وأَمْدَدُ. وأَحْمَدُ مَن حُمِدَ - بصيغَةِ المَفعول - وهو الذي في مقام المحمودِيَّةِ أَكبَرُ وأسعد.
ولا تكرار أيضاً في «أَحْمَدُ لأَنَّه في الأوَّلِ بمعنى الفاعل، وفي الثاني بمعنى المفعول، كما هو مُقَرَّرُ عندَ الفُحول من أرباب العقول.
وقدَّمنا النسبة الفاعلية لظهور النكتة السببيَّة القابلية، ولا يبعد أن تُعكَسَ القَضيَّةُ؛ نظراً إلى سَبْقِ الحالة المحموديَّةِ التي تدلُّ عليها المرتبةُ المَحبُوبِيَّةُ، كما يُشيرُ إليه قوله سُبحانَه يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54]، وأبلغ منها المَنزِلَةُ المَطلوبيَّةُ المُستَفَادَةُ من قوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31].
وفي الجملة هو صاحِبُ المَقامِ المَحمودِ، واللواء المَمْدودِ، فَيَحمَدُ اللهَ سُبحانَه بمَحامِدَ لم يحمدها السَّابقونَ واللَّاحِقُون، ويحمده على ذلك الأوَّلُونَ والآخِرُونَ. خاتَمُ المُخْلَصين - بفتحِ التَّاءِ واللَّامِ - أي: طَابَعُ الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم من الأولياءِ المُتقَدِّمين، فإنَّه كانت عليهم آثارُ أنوارِه، لائِحَةً، وأماراتُ أسرارِه واضِحَةً. وخَاتِمُ المُخلِصين - بكسرهما ـ وفيه إيماء إلى قوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّنَ} [الأحزاب: 40].
وهم الذين أخلصوا أعمالهم الله، وأحوالهم ابتغاء لرضاه، وقد قُرِئَ بالوجهين أيضاً في قوله سبحانه: {وَإِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ 1 [يوسف: 24]، والفتح أبلغ عند العارفين، حيثُ أخلَصَهُم اللهُ عمَّا سواهُ حتَّى من مُراءَاةِ أعمالهم، ومراعاة أحوالهم، حيثُ غَرِقُوا في بحرِ التَّوحيد، واستَغْرَقُوا في لجةِ التفريد، ووصلوا إلى مقام الفناء، وتوصلوا بحال البقاء، وانتقلوا من الصَّحْرِ إلى المَحْوِ عندَ مُشاهَدَةِ اللّقاءِ، رزَقَنَا اللهُ سُبحانَه من أرزاق الأولياء وأخلاقِ الأصفياء.
مِنْ صَلاتِكَ ـ بالفتح - أَجْلاها ـ بالجيم - أي: أظهَرُها وأنوَرُها وأكثرها.
ومن صلاتك - بالكَسْرِ - أَحْلاها - بالمُهمَلَةِ - أي: من أنواعِ عَطِيَّتك وأصنافِ هدِيَّتِك النُّها وأبهَرُها، والرفانِ مُتعلِّقانِ بِقَولِه: «صلّ وسَلّمْ» على طريق التنازع، أو سبيلِ التَّناوُعِ.
ولا يخفَى حُسْنُ تَلاحُقِ تعلَّقِ المَطلَعِ بالمَخْلَص والمَقْطَعِ.
تمَّتِ الرَّسَائِلُ يومَ الاثنينِ التَّاسِع والعشرين من شهرِ شَعبانَ المُعظَّم، من شهور سنة بعد الألف، على يد أفقرِ عِبادِ اللهِ الرَّحيمِ، عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمَّدِ ابنِ إبراهيم الشهير بعطائي الواعِظِ بالحَرَمِ الشَّريف.
وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً كثيراً كثيراً.