المقدمة السالمة في خوف الخاتمة
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المقدمة السالمة في خوف الخاتمة
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلماً يا كريمُ
الحمد لله الذي هدانا إلى الصِّراطِ المُستقيم، ودلَّنا إلى الطَّريقِ القَويمِ، والسَّلامُ على مَنْ خُلِقَ بالخُلُقِ العَظيمِ، وجُبِلَ بالقلبِ السَّليم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه
وأحزابه، أصحاب التكريمِ وأَرْبابِ التَّعظيمِ. أمَّا بعد: فيقولُ المُلتجِى إلى حَرَمِ رَبِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ الهَرَوِيُّ،
خادِمُ كتاب الله القديم، وحديثِ نبيه النَّبيهِ الفَحْيمِ: إِنَّ الله سبحانَه قالَ: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ}
[الأعراف: ??]؛ أي: الذينَ خَسِرُوا أَنفُسَهم بالكُفْرِ وَتَرْكِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِي الأَمرِ. ومَكرُ الله استعارة لاستدراج العبد بالآلاءِ والنَّعْمَاءِ، وأَخْذِه من حيثُ لا يشعر بالبلاء والضَّرَّاءِ، وعُدَّ من جُملتِها الكرامات لبعض الأولياء، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: {إِنَّهُ لَا يَأْيْتَسُ مِن زَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ} [يوسف: ??].
فالواجب على كلِّ مؤمن أن يكونَ بينَ الخوفِ والرَّجاءِ، والقبولِ والرَّدُّ في الانتهاء، ولا يغتر بأنَّه بحسَبِ الظَّاهِرِ في صورة العلماء، أو في سيرةِ الصُّلَحاءِ، وكذا لا يَقْنَطُ من رَحمتِه تعالى، ولو كانَ في طريقِ الفَسَقَةِ أو الجُهَلاءِ، فَإِنَّ المَدارَ على الخاتمة اللَّاحِقَةِ على وَفْقِ ما جرى به القَلَمُ فِي السَّاعَةِ السَّابَقَةِ.
وقد وَرَدَ في السُّنَّةِ حديث صحيح رواه أصحابُ الكُتُبِ السِّتَّةِ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُم يُجْمَعُ خَلْقُه في بطنِ أُمِّهِ أربعين يوماً نُطْفَةً، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مثل ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلك، ثمَّ يبعثُ اللَّهُ إِليه مَلَكاً، ويُؤْمَرُبأربع كلماتٍ، ويُقال له: اكتُبْ عَمَلَه ورِزْقَه، وأجَلَه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ، ثمَّ يُنفَخُ فيه الرُّوحُ، فإِنَّ الرَّجُلَ منكم لَيَعملُ بِعَمَلِ أهْلِ الجنَّةِ حَتَّى ما يكون بينه وبينَها إِلا ذِراعٌ فيسبق عليه الكِتابُ، فيعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فيدخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيعْمَلُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ حتّى ما يكون بينه وبينها إلا ذِراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ فيعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجنَّةِ فيدخُلُ الجنَّةَ.
والآياتُ في هذا المعنى كثيرة، والأحاديثُ في هذا المبنى شَهيرة. وفي متن العقائد المُوافِق للمواقف والمقاصدِ: إِنَّ اليأس من الله كفر والأمن من الله كفر. إذا عَرَفتَ ذلك وحققت ما هنالك، فاعلَمْ أنَّ ما نُقِلَ عن بعض المشهورين بالمَشْيَخَةِ في زماننا، أنَّه كان يتفَوَّهُ بنحو قوله: مَنْ رآني دَخَلَ الجنَّةَ، أو لم يدخُلِ النَّارَ باطِلٌ وساقِط عن درجة الاعتبار، وإن كان يتعلَّق به بعضُ الفُجَّارِ، واجتراء بالمعاصي الكبار اعتماداً على أنه قد رآه في بعض الدّيارِ، وذلك بأنَّ هذا القائل حيثُ لا يقدر على أنه يجزِمُ بمَوتِ نفسه على الإيمانِ، فكيفَ يُتصَوَّرُ له أن يكونَ لغيره سبب الأمن والأمان؟! فهذا الكلام من الشَّطحِيَّاتِ التي [هي] خارجة عن سبيل الشّريعة ومنهاج الطَّريقةِ والحقيقة. على أنَّ إطلاق مَن رآني شامِل للكُفَّارِ والفُجَّارِ، ولو قيَّدنا أَنَّه أَرادَ المُؤمِنَ، فمن أين له أن يموتَ مُؤمِناً ولا يدخُلَ النَّارَ بِما وَقَعَ له من معصية صغيرة أو كبيرة؟! وإن أرادَ أَنَّ كلَّ مُؤمِن رآه ومات على الإيمانِ ولم يدخُلِ النَّارَ مُخلَّداً، وأَنَّه لا بُدَّ أن يدخُلَ الجنَّةَ في آخرِ الأمرِ دُخولاً مُؤَيَّداً، فهذا مُستفاد من الحديثِ النَّبِوِيِّ: «مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ دَخَلَ الجنَّةَ»؛ أي: استَحَقَّ دُخولَها إِنْ لم يقع ما يمنَعُ وصولها، وهذا أمرٌ عام يسْمَلُ مَنْ راه ومَنْ لم يَرَهُ، بل رُبَّما يُعذِّبُ مَن رآه ويُغفَرُ لمن لم يرَهُ إِذا شاء الله.
وأما ما ادَّعى بعضُ مَن يزعُمُ أَنَّ له مزيَّةَ الفَضْلِ في هذا الفَصْلِ، مَعَ أَنَّه خالٍ عن معرفة الفرع والأصلِ مِنْ أنَّ هذا نظير قوله عليه السَّلامُ في حقٌّ أُوَيسِ القَرَنِيِّ: «أَنَّه يشفَعُ لهذه الأمة أكثر من ربيعةً ومُضَرَ». فيقال له: لا تَقِسِ الحدادين بالملوكِ، ولا طائفة الأغنياء بالفقير الصُّعْلوكِ، فإنَّ كلامه عليه السَّلامُ صِدْقٌ، وإخباره حقٌّ، وأمَّا غيره فلا يَدْري ماذا يكسِبُ غداً، لا في الدُّنيا ولا في الآخرة أبداً.
فإن قلت: لعلّه انكشَفَ له هذا الأمرُ بأن تكون له الشَّفاعةُ في هذا القَدْرِ؟ قلتُ: لا اعتبار لمكاشفات الأولياءِ ومُحاضراتِ الأصفياء، بحيثُ يُعتَمَدُ عليها بالكلية في الأمورِ الشَّرعيّة أو في الأطوار الحقيقيَّة؛ فإنَّ الإنسانَ ما دامَ في هذه الدَّارِ المَشوبة بالأكدارِ لا تَصفَى له الأسرار ولا تَنجلي له الأنوار، بخلافِ الأنبياء الأبرار والرُّسل الكبار، ولذا قال تعالى: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَ كَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].
نعم، ما يتعلق بالعقائدِ الدِّينيَّةِ وَفْقَ الكتابِ والسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ إِذا كانَ صاحبُها في المرتبة العليَّةِ يصلُحُ له أن يقول له: لو كُشِفَ الغِطَاءُ ما از دَدْتُ يقيناً.
ولذا قال إمامنا الأعظَمُ وهُمامنا الأقدَمُ عَرَفناك حقَّ مَعرفَتِك، وما عبدناكَ حقّ عِبادتكَ. كما قاله في «الفقه الأكبر»، فتأمل وتدَبَّر.
وقد ذُكر فيه: ووَالِدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتا على الكُفْرِ، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مات على الإيمان.
أمَّا المسألةُ المُتقدِّمةُ فقد كتبتُ فيها رسالةً مُستقِلَةٌ.
وأما الأخيرة فتحيَّرتُ عند شرحي عليه، حتَّى شَرَحَ اللهُ صدري ببعض ما قصد إليه، وهو أنه من حيث كونه نبياً من الأنبياء، وهم كلُّهم معصومونَ عن الكفر في الابتداء والانتهاء نعتقد أنَّه مات على الإيمان، وأما غيره من الأولياء والعلماء والأصفياء فلا نَجزِمُ بمَوتِهم بالإيمان، وإن ظَهَرَ منهم خَوارِقُ العادات، وكمال الحالات، وجمال أنواع الطاعات، فإن مبنى أمره على العيان، وهو مستور عن أفراد الإنسان، ولهذا كانتِ العَشَرَةُ المُبشَّرَةُ وأمثالهم خائفين من انقلاب أحوالهم وسوء آمالهم في مالهم.
ثمَّ اعلَمْ أَنَّ السَّلَفِ في الشَّهادةِ بالجنَّةِ ثلاثةُ أقوالٍ مَرضِيَّةٍ أحدها: أنْ لا يُشْهَدَ لأحد إلا للأنبياء، وهذا يُنقَلُ عن محمَّدِ ابنِ الحنفيَّةِ، واختاره إمامنا الحنفية؛ لأنَّه القَضيَّةُ القَطعيَّةُ.
وثانيها: أن يُشهد لكلّ مؤمن جاءَ نص في حقه، وهذا قول كثير من العلماء، لكنَّه ظنّي في أصله.
وثالثها: أن يُشْهَدَ أَيضاً لِمَن شَهِدَ له المؤمنون كما في «الصَّحيحَينِ»: أَنَّه مُرَّ بجِنازَةٍ فأَثْنَوا عليها بخَير، فقالَ النَّبِيُّ: وَجَبَتْ، ومُرَّ بأخرى فأَثْنَوا عليها بشَرِّ، فقالَ: «وَجَبَتْ». فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: يا رسول الله، ما وَجَبَت؟ فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «هذا أَثَنَيتُم عليه خيراً وَجَبَتْ له الجَنَّةُ، وهذا أَثْنَيْتُم عليه شَرَّاً وَجَبَتْ له النَّارُ،
أنتم شُهَداءُ اللهِ في الأرضِ وهذا مبني على أنَّا نَحكُمُ بالظَّواهِرِ، وأنَّ اللهَ يعلَمُ ما في السَّرائِرِ، وفيه تنبيه على أنَّ هذه الأمَّةَ لا تجتمعُ على الضَّلالةِ، فليس لأحَدٍ أن يشهد لأحدٍ من أرباب هذه الملَّةِ بِعَدَمِ دُخولِ النَّارِ، أو وُصول الجنَّةِ، وإِنَّما يجوز له أن يشْهَدَ بِالثَّنَاءِ عليه إنْ رأى فيه خيراً، بموجبِ حُسْنِ الظَّنِّ والرعاية، أو بسببِ ظُهورِ العلم والعملِ والصَّلاحِ والديانة، وكذا له أن يشهَدَ بالشَّرِّ لأحدٍ إذا رأى فيه ما يدلُّ على نِفاقه، أو شاهَدَ فيه
بعض الكبائر من شقاقه، نحو أكل مال الحرام، وأخذِ مالِ الوَقْفِ من غيرِ مُراعاة ما يجب عليه من حق القِيامِ.
ومن قبيل هذه الدعوى التي ليس تحتها المعنَى ما ذكره بعضُ الجَهَلَةِ: أَنَّ شخصاً من أربابِ الكَشْفِ كانَ يبكي لمَّا ظَهَرَ له أنَّ أحداً من أهله في العذابِ، وأنه اجتمع بابنِ عَرَبيٌّ في هذا الباب، فتَشطَّح له أنَّه لم يرني، ولم يكن في بغداد، وأمثال ذلك ممَّا هو ظاهِرُ الفَسادِ.
فإن قلت: لعلَّ القائِلَ رأى في المنامِ جَمالَ النَّبِيِّ عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وأَشارَ
إليه بهذا المقامِ؟ قُلتُ: هذا لا يجوزُ لِمُخالَفَتِه قواعِدَ الإيمان وأحكام الإسلام. لا يُقالُ وَرَدَ أَنَّ: «مَن رآني في المنام فقد رآني؛ فإِنَّ الشَّيطانَ لا يَتَمَثَلُ بي». فإنَّ في تحقيقه كلاماً كثيراً ذكرناه في شرح الشَّمائل مما ظَفِرْنا بنقله عن أرباب الفضائل.
و مُجمَلُ الكلامِ في مَرامِ هذا المَقامِ ما ذَكَرَهُ الإمامُ حُجَّةُ الإسلامِ: أَنَّه ليسَ المُراد بقوله: «فقد رآني» رُؤيَةَ الجِسمِ، بل رُؤيَةَ المِثال الذي صار آلة يتأدَّى بها المعنى الذي في نفس الأمر، والآلةُ إمَّا حقيقيَّةٌ وإِمَّا خيالية، والنَّفْسُ غير المثالِ المُتخيَّل، فالشَّكلُ المَرئِيُّ ليسَ رُوحَه، ولا شَخصه، بل مِثالُه على التحقيق، والله ولي التوفيق. و حاصِله: أَنَّه لا اعتماد على رُؤيةِ المَنامِ في غيرِ حَقٌّ الأنبياء عليهم والسَّلامُ، معَ أَنَّ الرَّدَّ ما قد يحتاجُ إلى تعبير يُناسِبُ الرَّائي أو غيره في ذلك المَقامِ، فلو فُرِضَ أنَّ أحداً رأى النَّبِيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأَمَرَه بِفِعلِ شيءٍ أو تَرْكِه على خلافِ قواعد الإسلام، فليس له القيام بذلك الأمر بإجماع علماء الأعلام.
الصَّلاة
ومن هنا قال صاحبُ «المواقِفِ»: أمَّا الرُّؤيا فخَيالُ باطِلٌ، ليسَ تحته طائِلٌ عندَ المُتكلّمين، أمَّا عندَ المُعتَزِلة فلِفَقْدِ شرائطِ الإدراك، وأما عند الأصحاب - إذ لم يشترطوا شيئاً من ذلك - فلأنَّه خِلافُ العادة.
فلا يَنْبَني عليه ما يتعلق بأمرِ العِبادة، ولا بالحكم على أحد بالشَّقاوة والسَّعادةِ، رَزَقَنَا اللهُ الحُسْنَى والزِّيادةَ.
وممَّا يُؤيِّدُ ما ذكرناه في هذا المقام أنَّ المشايخ الكرام والعُلماء الأعلامَ كانوا أخوف الله من سائر الأنام، كما يُشير إليه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوا [فاطر: ??]. . ويدلُّ عليه قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنا أخشاكم الله».
من هنا ذُكِرَ عندَ الحَسَنِ البَصْرِيُّ رحِمَهُ اللهُ وهو سَيِّدُ التَّابِعِينَ: أَنَّ آخِرَ مَن يخرُجُ من النَّارِ رَجُلٌ يُقالُ له هَنَّادٌ» بعدما عُذِّبَ أَلفَ عامٍ، يُنادي: يا حنَّانُ يا منَّانُ، فبكى الحسَنُ، وقال: يا ليتني كنتُ هَنَّاداً، فتعَجَّبُوا منه، فقالَ: وَيحَكُم؛ أليس يوماً يخرُجُ في الجُملة ولا يُخلَّدُ فيها؟
قالَ حُجَّةُ الإسلام: ولقد بَلَغَني عن يوسف بن أسباط أنَّه قال: دخلتُ على سفيانَ الثَّورِيّ فبكى ليله أَجْمَعَ، فقلتُ: بكاؤُكَ هذا على الذُّنوبِ؟ قالَ: فحَمَلَ تبناً من الأرض، وقال: الذُّنوبُ أَهوَنُ على الله من هذا، وإِنَّما أخشى أن يُسلَّبَني الله الإسلام. انتهى.
قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ السَّامِي أَخَذَ مِرأَةٌ ونظَرَ فيها، فقالَ: ظَهَرَ الشَّيبُ ولم يذهَبِ العَيبُ، وما أدري ما في الغَيبِ؟ إيماء إلى قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]، وإشارةً إلى قوله عليه التحية والتسليم: إنما الأعمال بالخواتيم.
وامتحنه أحدٌ من الفُقراء فقالَ: له أَلِحيَتُكَ أَفضَلُ أَم ذَنَبُ الكَلبِ؟ فَبَكَى، وقالَ: إِنْ مِتُ على الإسلام فليتي خير، وإلا فذَنَبُ الكَلبِ، وكأَنَّه تأمل قولَه تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءَاتَيْنَهُ وَايَنَيْنَا فَأَنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْتَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنَةٌ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب} [الأعراف: 175 - 176]. ونَظَرَ في قِصَّةِ أصحابِ الكَهْفِ: {وَكَلْبُهُم بَاسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف: 18].
فقد وَرَدَ: أَنَّ بَلْعَمَ يَتَصَوَّرُ بصورة ذلك الكلب فيدخُلُ النَّارَ، والكَلبُ يَتَصَوَّرُ بصورةِ بَلْعَمَ فيدخُلُ الجنَّةَ.
وقد كانَ بَلْعَمُ بن باعوراء بحيثُ إِذا نَظَرَيرى العَرْشَ، وكانَ في مجلسه اثنا عَشَرَ ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه العِلمَ، ولم تكُنْ له إِلا زَلَّةٌ واحدةٌ، مالَ إلى الدُّنيا وأهلِها وَهْلَةً، وترَكَ لوليٌّ من أوليائه حُرمَةً، فسُلِبَ عنه المعرفة، واستَحَقَّ العُقوبةَ المُعجَّلَةَ والمُؤجَّلة.
وقد حُكِيَ: أَنَّ تلميذاً لفُضَيلِ بنِ عِياضٍ حَضَرَتهُ الوَفاةُ فَدَخَلَ عليه الفُضَيلُ وجَلَسَ عند رأسه وقرأ سورةَ «يس»، فقال: يا أستاذي لا تقرأ هذه، فَسَكَتَ، ثمَّ لقَنَه، فقالَ: قُلْ: لا إلهَ إلا الله، فقال: لا أقولُها؛ لأنّي بريء منها، ومات على ذلك، فدَخَلَ الفُضَيلُ منزِلَه وجعلَ يبكي أربعين يوماً لم يخرج من البيت، ثمَّ رآه في النَّومِ وهو يُسحَبُ به إلى جَهَنَّمَ، فقال له: بأَيِّ شيءٍ نَزَعَ اللهُ المَعرِفَةَ عنك، وكنتَ أعْلَمَ تلاميذي، قالَ: بثلاثة أشياء، أوّلُها النَّميمةُ، والثَّاني: الحَسَدُ والثَّالثُ: كان لي عِلَّةٌ، فَجِئتُ إلى طبيب فسألته عنها فقالَ: تشرَبُ في كلِّ سنةٍ قَدَحاً من خَمرٍ، فإن لم تفعل تبقَى بك العِلَّةُ، فكنتُ أشْرَبُها. نعوذُ باللهِ من سَخَطِه الذي لا طاقة لنا به.
وكانَ سُفيانُ التَّورِيُّ يقولُ: ما أَمِنَ أَحَدٌ على دينه إلا سُلِبَ.
وقال بعضُهم: إذا سَمِعْتَ بحالِ الكُفَّارِ وخُلودِهم في النَّارِ؛ فلا تأمَنْ على نفسك في تلك الحالة، فإنَّ الأمر على الخَطَرِ، ولا يُدرَى ماذا يكونُ من العاقبة، وما الذي سَبَقَ لك في السَّابقة، ولا تغتر بصفاء الأوقاتِ؛ فإنَّ تحتها غَوامِضَ الآفاتِ. وقال بعضُهم: يا مَعْشَرَ المُعْتَرين بالنِّعَمِ، إِنَّ تَحتَهَا أَنواع النَّقَمِ، زَيَّنَ اللَّهُ إِبْلِيسَ بدقائق نعمته، وهو عندَه في حقائقِ لَعنَتِه، وزَيَّنَ بَلْعَمَ بن باعوراء بأنوارِ وِلايته، وهو عندَه في أطوارِ عَداوَتِه. وكان إبراهيم بن أدهم يقولُ: كيف نَأْمَنُ وإبراهيم الخليل عليه السَّلامُ يقولُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ أَن نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]، ويوسف الصديق عليه السَّلامُ يقولُ: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّلِحِينَ} [يوسف: 101].
والحاصِلُ: أَنَّ الأمرَ مُبهم، والخَطَرَ مُعظم، فلا يدري أَحَدٌ غيرُ الأنبياءِ أَنَّه من أي الفريقين في قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]، وفي قوله سُبحانَه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرُ وَمِنكُمُ مُؤْمِنُ} [التغابن: 2]، وفي قوله عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُوا
الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}
[آل عمران: 106 - 107].
ومن هنا قالَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضيَ الله عنه لَمَّا كَانَ بينَ خَوفِ العِقابِ وَرَجاءِ الثَّوابِ: لو قيل لي يومَ القِيامة: لن يدخُلَ الجنَّةَ إلا أحد، أرجو أن أكون أنا، وإن قيل: لن يدخُلَ النَّارَ إلا أحدٌ أَخافُ أن أكونَ أنا.
وتحقيق هذا المَقامِ يَستَدعي الإطناب في الكلامِ، فلنُعْرِضْ عن هذا المَرامِ.
***
فإن قلت: الأولياء يُسَلَّمُ لهم في أحوالهم، ولا يُعتَرَضُ عليهم في أقوالهم؟ قلت: لا تُسَلَّمُ ذلك، فقد اعترضَ شيخُ الإسلام وقُطبُ الأنامِ نديم البارِي مولانا عبد الله الأنصارِيُّ على ما حُكِيَ عن أبي يزيدَ البِسْطامِي أَنَّهُ قالَ: ذَهَبتُ من الفَرْشِ وَضَرَبتُ خَيمةٌ مُقابِلَ العَرْشِ، فقالَ: لَعَلَّه كَذِبٌ عليه؛ فإِنَّ هذا الكلام في الشَّريعةِ كُفر، وفي الحقيقةِ بُعدٌ وهَجر.
ولقد ذكر القاضي عياض في كتاب «السفا»: أَنَّ فُقَهَاءَ بغدادَ أَيَّامَ المُقتَدِرِ أجمعوا على قتلِ الحَلَّاحِ وصَلْبِهِه لدعواه الإلهية، والقول بالحلول، وقوله: أنا الحق، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته.
وقد اعتَرَضَ الشَّيخُ علاء الدَّولةِ السَّمنانِيُّ على ابنِ عَرَبي في قوله أوائل «الفتوحاتِ»: سُبحانَ مَن أَوجَدَ الأشياءَ وهو عَينُها، وكفَّرَه بهذه المقالة
وأمثالها، وقد أَوضَحْتُ هذه المسألة في رسالةٍ مُستقِلَّةٍ.
وقد صَرَّحَ ابنُ المُقْرِي في «الإرشادِ: أَنَّ مَن شَكٍّ فِي أَنَّ طائفة ابنِ عَرَبيّ شرٌّ من اليهود والنصارى فقد كَفَرَ.
وقد صَدَقَ في ذلك؛ لأَنَّهم سَبَبُ الضَّلالة وباعِثُ الجَهالة فيما بينَ المسلمين، لا سيما وقد اشتهروا بأنهم من المتصوفين، والعامَّةُ لم يُفرّقوا بينَ توحيد الملحد وتوحيدِ المُوحّد، فعليك بما قاله الجُنَيدُ سيّدُ الطَّائفة وشيخ الطَّريقة: إنَّ طريقنا هذا مُقيَّد بالكتاب والسُّنَّةِ، فمن لم يحفَظِ القُرآنَ، ولم يكتبِ الحديث، ولم يتفقه، فلا يُقتدى به.
وقد وَرَدَ عن الإمام مالك نظير ذلك، حيثُ قالَ: مَن تَصَوَّفَ ولم يتفَقَّهُ فقد
تزَندَقَ، وَمَن تَفَقَّه ولم يَتَصَوَّف فقد تفَسَّقَ، وَمَن جَمَعَ بينَهما فقد تحقَّقَ. رَزَقَنَا اللهُ حُسْنَ العقيدة، والتّوبة الصحيحة الوثيقة، وتوفيق العلم النافع، والعَمَلِ الصَّالحِ المَقرونَينِ بالإخلاص الرَّافع، وحُسْنَ الخاتمة في آخرِ النَّفَسِ الواقع، بأن قَرَنَ بينَ العلم اليقين والعين اليقين، وقرّ عيننا بكشفِ مَقامِ حق اليقين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
***