الجزء 1 · صفحة 5
المعدن العُدني في فضل أويس القُرني
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ حَقَّ حَمدِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِه وعبده، وعلى آله وأتباعه وحزبه وجنده.
أما بعد: فيقولُ المُلتجِى إلى حَرَمِ رَبِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطان محمد القاري: إنَّ هذه مَقالةٌ مُشتَمِلة على بيان بعض فضائلِ خَيْرِ التَّابِعِينِ أُوَيسِ القَرَنِي، المُسمَّاةُ بـ: «المَعدِنِ العَدَنِيَّ»، رجاءَ أن يحصل لي دَعْوَتُه بالمَغفِرَةِ لذُنوبي،
ويكون وسيلةً لسَترِ عُيوبي، في الأمرِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخرَوِيٌّ.
فاعلَمْ أَنَّه جَاءَ من طُرُقٍ مُتكاثرةٍ كادَتْ أن تكونَ مُتواترةً عنه:
? - «أَنَّ خيرَ التّابعينَ رجُلٌ يقال له: أُوَيسُ القَرَنِيُّ». رواه الحاكِمُ عن عليّ، وأحمد وابنُ سعد عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى، عن رَجُلٍ من الصَّحابة.
ورَواهُ مُسلم عن عُمَرَ بزيادةِ: «وله والدةٌ هوبها بَر، لوأقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّه، وكان به بياض، فمُروهُ فَلْيَستَغْفِرْ لكم.
وفي رواية له عنه بلفظ: «إِنَّ رَجُلاً يأتيكم من اليَمَنِ يُقالُ له: أُوَيسٌ لَا يَدَعُ بِاليَمَنِ غيرَ أُمّ له، قد كانَ به بَياضُ فَدَعا اللهَ فَأَذْهَبَه عنه، إلا مثلَ مَوضِعِ الدِّرهَمِ، فَمَن لَقِيَه منكم فمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لكم.
? - ورَوَى ابنُ سعد عن رجُلٍ مُرسَلاً أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «خَليلي من هذه الأُمَّةِ أُوَيسُ القَرَنِيُّ.
3 - ورَواهُ ابنُ عَدِيٌّ عن ابن عباس: سيَكونُ في أُمَّتِي رَجُلٌ يقال له: أُوَيسُ بنُ
عبدِ اللهِ القَرَنِيُّ، وإِنَّ شَفاعته في أُمَّتي مثلُ رَبيعةَ ومُضَرَ).
الجزء 1 · صفحة 7
4 - ورَوَى أحمدُ في «الزُّهْدِ»، وأبونُعَيمٍ في «الحِليةِ»، عن مُحارِبِ بنِ دِثار، وعن سالم بن أبي الجَعْدِ: «أَنَّ مِنْ أُمَّتِي مَن لا يستطيعُ أَن يَأْتِيَ مَسجِدَه أَومُصَلَّاه من العُرْيِ، يحجُزُه إيمانه أن يسأل النَّاسَ، منهم أويس القَرَنيُّ، وفُراتُ بنُ حِبَّانَ» (5).
5 - ورَوَى أبويعلى عن عُمَرَ: أَنَّه سيكون في التَّابِعِينَ رَجُلٌ مِن قَرَن يُقال له: أُويس بن عامر، يخرُجُ به وَضَحُ، فَيَدعُواللَّهَ أَن يُذْهِبَه عنه، فيقولُ: اللَّهُمَّ دَعْ لي في جَسَدي ما أذكُرُ نِعْمَتَكَ عليَّ، فيَدَعُ له منه ما يذكُرُ به نعمته عليه، فمَنْ أَدْرَكَه منكم فاستطاع أن يستَغفِرَ له، فلْيَستَغْفِرْ له.
6 - ورَوَى ابن أبي شيبةَ عن عائشةَ: «سيقْدَمُ عليكم رَجُلٌ يُقال له: أُوَيس، كانَ به بياض فدعا الله له، فأَذْهَبَه اللهُ فمَن لَقِيَه منكم فمرُوهُ فَلْيَستَغْفِرْ له». - ورَوَى الخَطيبُ وابنُ عَساكِرَ: عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «يا عُمَرُ! يكونُ في أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمانِ رَجُلٌ يُقال له: أَوَيسُ القَرَنيُّ، يُصِيبُه بَلاءُ فِي جَسَدِه، فيدعُوالله عَزَّ وجَلَّ فيذهَبُ به إلا لمعةٌ في جَنبِه، إذا رآها ذَكَرَ الله، فإذا لقيته فأَقْرِتْه منّي السَّلامَ، ومُره أن يدعولك، فإنَّه كريم على ربِّه، بار بوالدته، لويُقسم على الله لأبره، يشفَعُ لِمِثلِ ربيعةً ومُضَرَ». لأحمد. ولم أقف عليه.
- ورَوَى ابنُ سَعدٍ وأحمدُ ومُسلِمُ والعُقيلي والحاكِمُ في «مُستَدرَكِه» عن عُمَرَ بلفظ: «يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامِرٍ مع أمدادِ أَهْلِ اليَمَنِ، مِن مُرادٍ ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كانَ به بَرَصٌ فبرى منه إلا مَوضِعَ دِرهم، له والِدةٌ هوبها بَر، لوأقسَمَ على اللَّهِ لأبره، فإن استطعت أن يستغفِرَ لك فافعَلْ».
الجزء 1 · صفحة 8
? - ورَوَى ابنُ أَبي شَيْبَةَ في «مُصنِّفه»، والحاكِمُ في «مُستَدرَكِه»، والبَيْهَقِيُّ وابنُ عَساكر عن الحَسَنِ مُرسَلاً، ولفظه: (يدخُلُ الجنَّةَ بِشَفاعَةِ رَجُلٍ مِن أُمَّتِي أكثر من ربيعةً ومُضَرَ». قالَ الحَسَنُ: وهوأُوَيسُ القَرَنيُّ.
10 - ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ عن أبي أُمَامَةَ مرفوعاً: «يدخُلُ الجنَّةَ بِشَفاعَةِ رَجُلٍ من أُمَّتي أكثر من عَدَدِ مُضَرَ، ويشفَعُ الرَّجُلُ في أهل بيته، ويشفَعُ على قَدْرِ عَمَلِهِ». ورَوَى أبونُعَيمٍ عنه بلفظ: «يخرُجُ من النَّارِ بشفاعَةِ رَجُلٍ من أُمَّتِي أكثر من رَبيعَةً ومُضَرَ».
فهذه الأحاديثُ صَريحةٌ في أنَّ أُوَيساً أفضَلُ التَّابعين باعتبارِ كثرةِ الثَّوابِ، كما يُشيرُ إليه لفظ «خَيرُ التّابعين»، فما ينافي ما قال بعضُهم: إِنَّ أَفضَلَ التَّابعينَ سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ من أهل المدينة، والحَسَنُ من أهل البصرة، ومكحول من أهلِ الشَّامِ، وعَلقَمَةُ من أهل الكوفَةِ؛ فإنَّه محمول على أنَّهم أفضَلُ التّابعين بمعنى: أكثرهم عِلْماً، والله سبحانَه أَعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 9
?? - ورَوَى ابنُ سعدٍ ومُسلم وأبوعَوَانَةَ والرُّوياني وأبويعلى وأبونُعَيمِ والبيهقي في «الدَّلائلِ» عن أُسَيْر بن جابر قال: كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذا أتى عليه أمدادُ أهلِ اليَمَنِ سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتَّى أتى على أُوَيس، قالَ: أَنتَ أُوَيسُ بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مُرادٍ ثمَّ مَن قَرَنِ؟ قال: نعم، قال: فكانَ بك بَرَضٌ فَبَرأَتَ منه إلا موضِعَ دِرهَم؟ قال: نعم، قالَ: لكَ والِدةٌ؟ قال: نعم، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «يأتي عليكم أُويس بن عامر مع أمدادِ أهلِ اليَمَنِ، من مُرادٍ ثمَّ من قَرَنِ، كَانَ به بَرَضٌ فَبَرأَ منه إلا مَوضِعَ درهم، له والدة هوبها بر، لوأقسم على الله لأبرَّهُ، فَإِنِ استطعت أن يستغفر لك فافعل»، فاستغفر لي، فاستَغْفَرَ له. فقال له: أين تُريدُ؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عامِلِها؟ قال: أكونُ في غُبَّرِ النَّاسِ. فلمَّا كَانَ من العامِ المُقبِلِ حَجَّ رَجُلٌ من أشرافهم فوافي عُمَرَ، فسأله عن أُوَيس، فقال: تركتُه رَبِّ الهَيئةِ قليل المتاع، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يأتي عليكم أُويس بن عامر معَ أَمدادِ أهلِ اليَمَنِ، من مُرادٍ ثم من قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَضٌ فَبَرأَ منه إلا مَوضِعَ درهم، له والدة هوبها بَر، لوأقسم على الله لأبره، فإن استطعْتَ أن يستغفِرَ لك فافعل». فأتى أُويساً فقال: استَغْفِرْ لي، قال: أَنتَ أَحْدَثُ عَهْداً بسَفَرٍ صالح فاستَغْفِرْ لي، قال: استَغْفِرْ لي قالَ: لَقِيتَ عُمَر؟ قال: نعم، فاستَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَله النَّاسُ فانطَلَقَ على وَجْهِه.
الجزء 1 · صفحة 10
12 - وفي رواية لابن سعد، وأبي نُعيم، والبيهقي في «الدَّلائلِ»، وابنِ عَساكِرَ عن أُسَيْر بن جابر أيضاً، قال: كانَ مُحدِّثُ بالكوفَةِ يُحدِّثنا، فإِذا فَرَغَ من حديثه تفَرَّقُوا ويَبْقَى رَهْطُ فيهم رجُلٌ يتكلم بكلام لا أسمَعُ أحداً يتكلم كلامه، فأحبيْتُه ففَقَدتُه، فقُلتُ لأصحابي: هل تعرِفُونَ رَجُلاً كَانَ يُجالِسُنا كذا وكذا؟ فقالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أنا أعرِفُه، ذاك أُوَيس القَرَنيُّ، قلتُ: فَتَعلَمُ منزِلَه؟ قال: نعم، فانطَلَقْتُ معَه حَتَّى ضَرَبتُ حُجرَتَه، فخرَجَ إِليَّ، قُلتُ: يا أُخَيَّ، مَا حَبَسَكَ عنا؟ قالَ: العُرْيُّ.
وكان أصحابي يسخَرُونَ به ويُؤذُونَه، قُلتُ: خُذْ هذا البُرْدَ فَالْبَسْهُ، قَالَ: لا تفعل؛ فإِنَّهم إِذَنْ يُؤْذُونَني إِنْ رَأَوهُ عليَّ. فلم أَزَلْ به حتَّى لَبِسَه فخَرَجَ عليهم، فقالوا: مَنْ تَرَونَ خُدِعَ عن بُرْدِه هذا؟ فجاءَ فَوَضَعَه وقال: ألا ترى؟ فأَتيتُ المجلس، فقُلتُ: ما تُريدون من هذا الرَّجُلِ؟ قد آذَيْتُموه، الرَّجُلُ يَعْرَى مَرَّةً، ويكتسي مرَّةً، فَأَخَذْتُهم بلساني أخذاً شديداً.
فقُضِيَ أَنَّ أهلَ الكُوفَةِ وَفَدوا إلى عُمَرَ، فَوَفَدَ رجلٌ ممَّن كَانَ يسخَرُ به، فقالَ عُمَرُ: هل ههنا رَجُلٌ من أهل القريتين؟ فجاءَ ذلك الرَّجلُ، فقالَ: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالَ: «إِنَّ رَجُلاً يأتيكم من اليَمَنِ يُقال له: أُوَيس، لا يدَعَ بِاليَمَنِ غير أُمّ له، وقد كانَ به بَياضُ فَدَعَا الله فأذهَبه عنه، إلا مثلَ مَوْضِعَ الدِّرهَمِ، فَمَن لَقِيَه منكُم فَمُروهُ فَلْيَستَغْفِرْ لَكُم».
الجزء 1 · صفحة 11
قال: فقَدِمَ علينا؛ قلتُ: مِنْ أين؟ قال: من اليَمَنِ، قلتُ: ما اسمُكَ؟ قالَ: أُوَيس، قلتُ: فمَن تَركْتَ في اليَمَنِ؟ قالَ: أُمَّاً لي، قلتُ: أكانَ بك بياض فَدَعَوْتَ اللَّهَ فَأَذْهَبَه الله عنك؟ قال: نعم، قلتُ: استَغْفِرْ لي، قالَ: أَوَيَسْتَغْفِرُ مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟ قال: فاستَغْفَرَ له، قلتُ له: أنتَ أخي لا تُفارِقُني. فأَمَّلَسَ منِّي، فأُنْبِثْتُ أنَّه قَدِمَ عليكم الكوفة، قال: فَجَعَلَ ذلك الرَّجُلُ الذي كان يسخر به ويحقره يقول: ما هذا فينا، وما نعرفه.
فقالَ عُمَرُ: بلى، إنَّه رجُلٌ كذا، كأَنَّه يضَعُ من شأنه، قالَ: فينا يا أميرَ المُؤمِنينَ رَجُلٌ يُقال له: أَوَيس، نَسْخَر به، قالَ: أَدرِك ولا أُراكَ تُدْرِكُه، فَأَقبَلَ ذلك الرَّجُلُ حَتَّى دَخَلَ عليه قبل أن يأتي أهله، فقال له أُوَيس: ما هذه بعَادَتِك، فما لك؟
قال: سمعتُ عُمَرَ يقولُ: فيك كذا وكذا، فاستَغْفِرْ لي يا أُوَيسُ، قال: لا أفعَلُ حتّى تجعَلَ لي عليك أن لا تسخَرَ بي فيما بعد، ولا تذكر الذي سمعته من عُمَرَ رضي الله عنه إلى أحَدٍ، فَاسْتَغْفَرَ له.
قالَ أُسَيْر: فما لَبِثْنا أَنْ فَشا أمره في الكوفة، فَدَخَلْتُ عليه، فقلتُ له: يا أُخَيَّ!
الآنَ أراكَ العُجْبَ ونحنُ لا نَشْعُرُ؟ قالَ ما كانَ في هذا ما أتبَلِّغُ به في النَّاسِ، وما يُجزَى كلُّ عبد إلا بعمله، ثمَّ أَمَّلَس منهم فذَهَبَ.
في هامش النسخ حاشية نصها: «أي قبل ذلك».
أي: أفلت.
الجزء 1 · صفحة 12
?? - ورَوَى أبونُعَيمٍ في المَعرِفَةِ»، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائلِ»، وابنُ عَسَاكِرَ عن صَعْصَعَةَ بنِ مُعاويةَ قال: كانَ أُوَيسُ بنُ عامر من التابعين، رجل من قَرَنٍ، وإنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أخبرنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه سيكون في التابعين رجل من قَرَنِ، يُقال له: أُويس بن عامر، يخرُجُ به وَضَحُ فيدعوالله أن يذهَبَ عنه، فيقولُ: اللَّهُمَّ دَعْ لي في جَسَدِي ما أذكُرُ بِهِ نِعْمَتَكَ عليَّ، فَمَن أَدْرَكَه منكم واستطاع أن يستَغْفِرَ له فليَسْتَغْفِرْ له.
14 - ورَوَى الخطيب وابنُ عَساكر - وقالا: حديثُ غَرِيبٌ جِدًا ـ عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بنِ المُسَيَّبِ، عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «يا عُمَرُ»، فقلتُ: لبيك وسَعْدَيكَ يا رسول الله، فظَنَنْتُ أَنَّه يبعثني في حاجةٍ، قال: «يا عُمَرُ! يكونُ في أُمَّتِي فِي آخرِ النَّاسِ رجُلٌ يُقال له: أَوَيسُ القَرَنيُّ، يُصِيبُه بلاءٌ في جَسَدِه، فيدعُواللَّهَ، فَيَذْهَبُ به إلا بقعَةٌ في جَنْبِه إذا رآها ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فإذا لَقِيتَه فَأَقِرِتْه مِنِّي السَّلامَ، ومُرْهُ أَن يدعولك، فإنَّه كريم على ربِّه، بار بوالِدَتِه، لوأقسم على اللهِ لأبره، يَشْفَعُ لِمَثلِ ربيعةً ومُضَرَ».
قالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فطَلَبْتُه حياة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلم أَقْدِرْ عليه، وطَلَبَتُه خِلافَةَ أبي بكرٍ فلم أقدر عليه، وطَلَبْتُه شَطْراً من إمارتي، فبينَما أَستَقْرئ الرفاق وأقولُ: فيكم أَحَدٌ من مُرادِ؟ فيكم أَحَدٌ من قَرَنِ؟ فيكم أُوَيسُ القَرَنيُّ؟ فقالَ شَيخ من القوم: هوابن أخي، إنَّكَ تَسأَلُ عن رجلٍ وَضيعِ الشَّانِ، ليسَ مِثلُك يسأل عنه يا أمير المؤمنين، قلتُ: أراك فيه من الهالكين، فرَدَّ الكلامَ الأَوَّلَ.
الجزء 1 · صفحة 13
فبينما أنا كذلك إذ رفعت لي راحِلَةٌ رَبَّةُ الحالِ، عليها رَحْلٌ رَبُّ الحالِ، فوَقَعَ في خَلَدي أنَّه أُوَيس، قلتُ: يا عبد الله! أَنتَ أُوَيسُ القَرَنيُّ؟ قال: نعم، قلتُ: رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقرأُ عليكَ السَّلامَ، قال: على رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم السَّلامُ وعليكَ يا أمير المؤمنين، قلتُ: ويأمرك أن تدعُولي، كنتُ ألقاه في كل عام فأُخبِرُه بذاتِ نفسي، ويُخبِرُني بذاتِ نفسِه
15 - ورَوَى ابنُ عَساكِرَ عن الحسَنِ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يدخُلُ بشَفاعةِ رجُلٍ من أُمتي الجنَّةَ أكثر من ربيعَةَ ومُضَرَ، أَمَا أُسمِّي ذلك الرَّجلَ؟ قالوا: بلى، قال: ذاكَ أُوَيسُ القَرَنيُّ.
ثم قال: «يا عُمَرُ! إِنْ أدْرَكْتَه فَأَقْرِثْه منِّي السَّلامَ، وقل له حتّى يدعُولك، واعلَمْ أَنَّه كانَ فيه وَضَحٌ، فدعا اللهَ فُرُفِعَ عنه، ثمَّ دَعاه فرَدَّ عليه بعضه».
فلما كانَ في خلافةِ عُمَرَ قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه وهوبالمَوسِمِ: لَيَجْلِسْ كُلُّ رجُلٍ منكم إلا مَنْ كانَ من قَرَنٍ، فَجَلَسُوا إلا رجُلاً، فدعاه، فقال له: هل تعرِفُ فيكم رجلاً اسمُه أُوَيس؟ قال: وما تُريدُ منه؟ فإنَّه رجلٌ لا يُعرَفُ، يأوي الخَراباتِ، لا يُخالِطُ النَّاسَ، فقال: أَقْرِتْه منّي السَّلامَ، وقُلْ له حتّى يلقاني، فأبلَغَهُ الرَّجُلُ رسالة عمرَ، فَقَدِمَ عليه.
فقال عمر رضي الله عنه: أنتَ أُويس؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: صَدَقَ الله ورسوله، هل كانَ بك وَضَحٌ فَدَعَوْتَ اللهُ فَرَفَعَه عنك؟ ثمَّ دَعَوْتَهُ فَرَدَّ عليك بعضه؟ فقال: نعم، مَن أخبَرَكَ به؟ فوالله ما اطَّلَعَ عليه غيرُ اللهِ.
الجزء 1 · صفحة 14
قال: أخبرني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأمرني أن أسألكَ حتّى تدعُولي، وقال: يدخُلُ الجنَّةَ بشفاعةِ رجُلٍ من أمتي أكثر من ربيعةً ومُضَرَ»، ثمَّ سَمَّاكَ، فَدَعا لعُمَرَ رضي الله عنه، ثم قال له: حاجتي إليك يا أمير المؤمنين أن تكتمها عليَّ، وأن تَأْذَنَ لي في الانصِرافِ، فَفَعَلَ، فلم يزَلْ مُستَخْفياً من النَّاسِ حَتَّى قُتِلَ يومَ نَها وَنُدَ فِيمَن استُشْهِدَ.
16 - ورَوَى ابنُ عَساكِرَ عن سعيد بنِ المُسَيَّبِ رحِمه الله تعالى قال: فنادَى عمرُ ابن الخطاب رضي الله عنه وهوعلى المِنْبَرِ بمِنَى: يَا أَهْلَ قَرَنٍ، فَقامَ مَشَايِخُ فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، ليس فينا من اسمه أويس إلا رجُلٌ مجنونٌ، يَسكُنُ القِفَارَ والرمال، لا يَأْلَفُ ولا يُؤلَفُ، فقالَ: ذاكَ الذي أغنيه، إذا قَدِمْتُم إِلى قَرَنٍ فاطلبوه وبلغُوه سَلامي، وقُولُوا له: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرني بك، وأمرني أن أقرأ عليك سلامه، فعادوا إلى قَرَنٍ فَطَلَبُوه، فَوَجَدُوه في الرِّمالِ، فَأَبْلَغُوه سلامَ عُمَرَ وَسَلامَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: عرفني أمير المؤمنين، وشَهَرَ باسمي، السَّلامُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللَّهُمَّ صَلِّ عليه وعلى آله، وهامَ على وَجْهِه، فلم يُوقف له بعد ذلك على أثرٍ دَهْراً، ثمَّ عادَ في أَيَّامٍ علي رضي الله عنه، فقاتل بين يديه، فاستشهد في صفين.
الجزء 1 · صفحة 15
?? - وروى أبويعلى وابنُ مَنْده وابنُ عَساكِرَ عن صَعْصَعَةَ بن مُعاويةَ قَالَ: كَانَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأَلُ وَفْدَ أهل الكوفة إِذا قَدِمُوا عليه: تَعرِفون أُوَيسَ ابن عامر القَرْنِيَّ؟ فيقولون: لا، وكانَ أُوَيسٌ رجُلاً يلزَمُ المَسجد بالكوفة، فلا يكادُ يُفارِقُه، وله ابن عم يغشَى السُّلطانَ ويُؤذِي أُوَيساً، فَوَقَدَ ابْنُ عَمَّه إلى عمر بن الخطَّابِ فيمَن وَفَدَ من أهل الكوفة. فقالَ عمرُ رَضِيَ اللهُ عنه: أَتَعرِفُونَ أُوَيسَ بنَ عَامِرِ القَرَنيَّ؟ فقالَ: ابنُ عمه يا أمير المؤمنين، إنَّ أُوَيساً لم يبلغ أن تعرفه أنت، إنَّما هوإنسانٌ دُونٌ، وهوابنُ عَمِّي، فقال له عمرُ: وَيلَكَ هَلَكْتَ إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: أَنَّه سيكونُ فِي التَّابعين رجلٌ
يقال له: أُوَيسُ بنُ عامرِ القَرَنيُّ، فمَن أدركه منكم واستطاع أن يستغفِرَ له فليَفْعَلْ». فإذا رأيته فأَقرِتْه منّي السَّلامَ، ومُرْه أن يَفْدَ إِليَّ، فوَفَدَ إِليه، فلمَّا دَخَلَ عليه قالَ: أَنتَ أُويس بن عامرِ القَرَنيُّ؟ أنت الذي خَرَجَ بك وَضَحٌ مِن بَرَصِ فَدَعَوتَ اللَّهُ أَن يُذْهِبَه فَأَذْهَبَه، فقلت: اللَّهُمَّ أَبْقِ لي منه في جَسدي ما أذكُرُ بِهِ نِعْمَتَكَ؟ قَالَ: وَأَنَّى دَرَيتَ يا أمير المؤمنين، والله إنْ أطلَعْتُ على هذا بشراً.
قال: أخبرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سيكون في التابعين رجل يقال له: أُويس بن عامر القرني، يخرج به وَضَح من برَص، فيدعُواللَّهَ أَن يُذْهِبَه عنه فيفعَلُ، فيقولُ: اللَّهُمَّ اترك في جَسَدي ما أذكُرُ به نِعْمَتَكَ، فَفَعَلَ، فَمَن أَدْرَكَه فاستطاع أن يستَغْفِرَ له فَلْيَفْعَلْ». فاستَغْفِرْ لي يا أُوَيسُ، قَالَ: غَفَرَ الله لك يا أميرَ المؤمنين، قال: ولك يغفر الله يا أُويس بن عامر، فقالَ النَّاسُ: استغْفِرْ لنا يا أويس، فراغ فما رُني حتَّى السَّاعةِ.
الجزء 1 · صفحة 16
?? - ورَوَى ابنُ عَساكِرَ، عن نَهْشَلِ بنِ سعيد، عن الضَّحَاكِ بنِ مُزاحِمٍ، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما قالَ: مَكَثَ عمرُ رضي الله عنه يسأَلُ عن أُوَيسِ القَرَني عشْرَ سنين، فذُكِرَ أنَّه قال: يا أهلَ اليَمَنِ مَن كانَ من مُرادٍ فلْيَقُمْ، فَقامَ مَن كانَ مِن مُرادٍ، وَقَعَدَ آخرون، فقال: أفيكُم أُوَيس، فقال رجلٌ: يا أمير المؤمنين لا نَعْرِفُ أُوَيساً، ولكِنْ ابنُ أَخِ يُقالُ له أُوَيس، هوضَعِيفٌ، وأمْهَنُ مِن أَن يَسأَلَ مِثْلُكَ عن مِثْلِهِ، قالَ له: أَبِحَرَمِنا هو؟ قال: نعم، هوبالأراكِ بِعَرَفَةَ يَرعَى إِبلَ القَومِ.
فرَكِبَ عمر وعليٌّ رضي الله عنهما على حِمارَينِ، ثُمَّ انْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا الأَراكَ، فإذا هوقائم يصلي يضرِبُ ببَصَرِه نحومسجِدِه، قد دَخَلَ بعضُه في بعض، فلمَّا رَأَياهُ فقال أحدهما: إن يك أحد الذي نَطْلُبُ فهذا هو، فلمَّا سَمِعَ حِسَّهُما خَفَّفَ وانصَرَفَ، فسلَّما عليه، فردَّ عليهما: وعليكُما السَّلامُ وَرَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه.
قالا له: ما اسمُكَ رَحِمَكَ الله؟ قال: أنا راعي هذه الإبل، قالا: أخبرنا باسمك، قالَ: أنا أَجِيرُ القومِ، قالا: ما اسمك؟ قال: أنا عبدُ اللَّهِ، قال له عليٌّ: قد عَلِمْنَا أَنَّ مَن فِي السَّماواتِ والأَرضِ عَبيدُ اللهِ، فَأَنشُدُكَ بَرَبِّ هذه الكَعْبَةِ ورَبِّ هذا الحَرَمِ، ما اسمُكَ الذي سمَّتْكَ به أمُّكَ؟ قال: وما تُريدُ إلى ذلك؟ قال: أنا أُوَيسُ بن بدار، فقالا له: اكشف لنا عن شِقَّكَ الأيسر، فكشَفَ لهما، فإذا لمعَةٌ بيضاءُ قَدْرُ الدِّرهَمِ من غير سوء، فابْتَدَرا يُقَبَّلانِ المَوضِعَ. ثمَّ قالا له: إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَنا أن نُقرِئَكَ السّلامَ، وأن نسألَكَ أن تدعُولنا، قالَ: إِنَّ دُعائي في شرق الأرضِ وغَرْبِها لجميعِ المُؤمنين والمؤمنات، فقالا: أدعُ لنا، فدعا لهما وللمؤمنين والمؤمنات.
الجزء 1 · صفحة 17
فقال له عمرُ: أَعطيكَ شَيئاً من رِزْقي، أومن عطائي تَسْتَعينُ به؟ فقال: توبايَ جَديدانِ، ونَعَلايَ مَخصوفَتانِ، ومعي أربعةُ دَرَاهِمَ، ولي فَضْلَةٌ عند القوم، فمتى أُفني هذا؟ إنَّه مَن أمَّلَ جُمُعَةٌ أَمَّلَ الشَّهرَ، ومَن أمَّلَ شَهْراً أَمَّلَ سنةٌ، ثمَّ رَدَّ على القَومِ إِبِلَهُم، ثمَّ فَارَقَهم فلم يُرَ بعد ذلك.
?? - وروى ابنُ عَساكِرَ أيضاً، عن عَلْقَمَةَ بنِ مَريدِ الحَضْرَمِيِّ، قَالَ: انتَهَى الزهد إلى ثمانيةِ نَفَرٍ من التابعين عامرُ بنُ عبدِ اللهِ القَيْسِيُّ، وأُوَيسُ القَرَنيُّ، وهَرِمُ بنُ حَيَّانَ العَبدي، والربيع بن خُثَيم النُّورِيُّ، وأبومُسلِمِ الخَوْلانيُّ، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجْدَعِ، والحسَنُ بن أبي الحسن البصري. فأَمَّا أُوَيسُ القَرَنيُّ فإِنَّ أهلَه ظنُّوا أَنَّه مجنون، فبنوا له بيتاً على بابِ دارِهم، فكانَ يأتي عليهم السَّنَةُ والسَّنَتانِ لا يَرُونَ له وَجْهاً، وكان طعامه ممَّا يلتَقِطُ من النَّوى، فإذا أمسى باعه لإفطاره، وإذا أصابَ حَشَفاً خبأَها لإفطارِه.
فلمَّا وَلِيَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ! قُومُوا بِالمَوسمِ، فقامُوا، فقالَ: أَلا اِجلِسُوا إِلا مَن كانَ من أهلِ اليَمَنِ، فَجَلَسوا، فقال: ألا اِجلِسُوا إلا مَن كانَ من أهل الكوفة، فجَلَسُوا، فقال: ألا اِجلِسُوا إِلا مَن كانَ مِن مُرادٍ، فَجَلَسُوا، فقالَ: اِجلِسُوا إِلَّا مَن كانَ من قَرَنٍ، فَجَلَسُوا إِلا رَجُلٌ، وَكَانَ عمَّ أُوَيس. فقالَ عُمَرُ له: أَفَقَرَني أنت؟ قال: نعم، قالَ: أَتَعرِفُ أُوَيساً؟ قال: وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما فينا أخَفُّ منه، ولا أجَنُّ منه، ولا أحوج منه، فبكى عمرُ، وقال: بك لا به، سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «يدخُلُ الجنَّةَ بِشَفاعتِه مثلُ رَبيعَةَ ومُضَرَ.
***
الجزء 1 · صفحة 18
فهذه أحاديثُ دالَّةٌ على جَلالَةِ أُوَيس، ورِفْعَةِ قَدْرِه، وعلى جَهالَةِ عمه، وخَفَاءِ أمره، ويُشكل بقولِ الشَّيخ علاء الدولة السمناني من: أنَّ القُطب في زمانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مزاحم لم يلق ابن عباس، فإسناده منقطع.
عمُّ أُوَيس القرني عِصامٌ، فَحَرِيٌّ أن يقول: «إِنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمنِ من قِبَلِ اليَمَنِ»، وهومَظْهَرٌ خاص للتجلّي الرَّحماني، كما كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مظهراً خاصاً للتجلي الإلهي المَخصُوص باسمِ الذَّاتِ، وهوالله سبحانه وتعالى، انتهى.
ولا يخفى أنَّ عِصاماً هذا ليس له ذِكْرٌ في الوُجودِ، لا خاصاً ولا عاماً، وعلى تقدير ثبوته بالنَّقلِ والكَشْفِ، القبول لأهلِ العَقلِ يستبعد أن تكونَ القُطبيَّةُ له معَ وُجودِ الخُلَفَاءِ الأربعةِ الذين هم أفضَلُ الخَلْقِ بعد الأنبياء بإجماع الأُمَّةِ.
فالظَّاهِرُ أَنَّه عليه السَّلامُ قُطْبُ دائرةِ الوُجودِ للسَّابقينَ واللاحقينَ في مَقامِ الشُّهودِ، ولا شك أنَّه قُطْبُ الإرشادِ لجميع العبادِ في سائر البلاد، وتكون هذه النسبةُ العليَّةُ والرتبةُ القُطبِيَّةُ مُنتَقِلَةً إِلى خُلفائِهِ الرَّاشدينَ المَهدِيَّةِ، وهَلُمَّ جَرَّاً، إلى مَن يَكونُ الجامع بينَ العُلومِ الشَّرعيَّةِ، والمَعارِفِ اللَّدُّنْيَةِ.
وأمَّا قُطب الأبدالِ في زَمَنِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فالذي في ظنِّي أَنَّه أُوَيس القرني، على أنَّه قال الإمامُ اليَافِعِيُّ: وقد سُتِرَتْ أحوال القُطْبِ هو الغَوْثُ عن العامة والخاصَّةِ غَيْرةً من الحقِّ عليه، ويزيدُ ما وَرَدَ في الحديث القدسي: «أوليائي تحت قبابي، لا يعرفُهم غيري.
وحيثُ أُنجِزَ المقال إلى تحقيق الحال، فلا بُدَّ من مَعرفَةِ الولي، والقُطْبِ، والأوتاد، والأميال.
الجزء 1 · صفحة 19
فاعلم أنَّ الأولياء: همُ المُتَّقون الأذكياء، التَّابِعُونَ للأنبياء، كما قال الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63]، وقالَ عَزَّ وجَلَّ: {إِن أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34].
وأقل مراتب التَّقوى أن يتَّقِي الشِّرك بالله، وأَعْلاها أن يكونَ دوام الحُضورِ معَ اللهِ، ويتقي خُطُورَ ما سواه، وما بينهما المراتب العليَّةُ لأرباب المناقب الجليَّةِ، لكن في عُرفِ الفُقَهَاءِ وسائر العلماء، أنَّ الولي: هوالذي يكتسب المأموراتِ، ويتَجَنَّبُ المحظورات، ولم يكنْ مُصِرّاً على الصَّغائر، ولم يُوجَدْ مُقراً على الكبائر. ثمَّ منهم الخواص من أرباب الاختصاص:
?? - فعَن عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ فَإِنَّ فيهم الأبدال». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ وغيرُه.
?? - وفي رواية عنه موقوفاً: «وسُبُّوا ظَلَمَتَهم.
22 - وفي أخرى عنه: «لا تعم، فإن فيهم الأبدال.
?? - وفي أخرى: «الأبدال بالشام، والنجباء بالكوفة.
24 - وفي أُخرَى: «ألا إِنَّ الأوتاد من أبناء الكوفة، والأبدال من أهل الشام.
25 - وفي أُخرَى: «النُّجَباءُ بمِصْرَ، والأخيار من أهل العراق، والعصائبُ باليمن، والأبدال بالشام، وهم قليل.
-
26 - وأخرج أحمد عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «الأبدالُ بالشَّامِ، وهم أربعون رَجُلاً، يُسقَى بهِمُ الغَيثُ، ويُنتَصَرُ بهم على الأعداء، ويُصرَفُ عن أهلِ الشَّامِ بهم العذاب.
الجزء 1 · صفحة 20
?? - وأخرج ابن أبي الدُّنيا عنه: سأَلتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الأبدال؟ [قال]: وهم ستُّونَ رَجُلاً، فقلتُ: يا رسول الله! جَلَّهم لي؟ قالَ: «ليسوا بالمُتَنَطِّعين، ولا بالمبتدعين، ولا بالمُتَنَعَمينَ، لم ينالوا ما نالوا بكثرة صَلَاةٍ ولا صِيام ولا صَدَقةٍ، ولكِنْ بسَخاءِ الأَنفُسِ، وسلامَةِ القُلوبِ، والنَّصيحة لأئمتهم.
?? - وأخرجه الخَلَّالُ في كرامات الأولياء»، وفيه: «ولا بالمُعجَبين»، بدل: «ولا بالمتعمقين»، وزاد في آخره: «إنَّهم يا عليُّ في أمتي أقل من الكبريت الأحمر».
29 - وعن أنس رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «البُدَلَاءُ أَربعونَ رَجُلاً، إِثنَانِ وعِشرونَ بالشَّامِ، وثمانية عشَرَ بالعراق، كلَّما مات منهم أحدٌ بدَّلَ الله تعالى مكانه آخر، فإذا جاءَ الأَمرُ قُبِضُوا كلُّهم، فعند ذلك تقومُ السَّاعةُ». رواه الحكيم الترمذي.
30 - وفي رواية عنه أيضاً مرفوعاً: «أنَّ الأبدال أربعونَ رَجُلاً، وأربعونَ امرأةً، كلَّما مات رجل أبدل الله مكانَه رَجُلاً، وكلَّما ماتت امرأةٌ أبدَلَ اللهُ مكانها امرأةً». أخْرَجَه الدِّيلَمِيُّ في «مُسنَدِ الفِردَوس».
31 - وفي رواية عنه أيضاً: «أَنَّ بُدَلاء أمتي لم يدخُلُوا الجنَّةَ بكثرة صلاتهم ولا صيامهم، ولكنْ دخَلُوا بِسَلامَةِ صُدورِهم، وسَخاوَةِ أَنفُسِهِم». أَخْرَجَهُ ابنُ عَدِيٌّ والخَلَّالُ، وزاد في آخره: (والنَّصحِ للمُسلمينَ».
32 - وفي روايةٍ أُخرَى بإسنادٍ حَسَنٍ عنه: أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «لن تخلُوالأرضُ من أربعينَ رجُلاً مثل خليلِ الرَّحمنِ، فبهم تُسقَونَ، وبهم تُنصَرُونَ، ما مات أحَدٌ إِلا أَبدَلَ اللهُ مكانَه آخر»، قال قتادةُ: لَسْنا نشُكُ أَنَّ الحسَنَ منهم
ـ وعن ابنِ عباس رضي الله عنهما قال: ما خَلَتِ الأرضُ من بعدِ نوح عليه السَّلامُ عن سبعة يدفَعُ الله بهم عن أهلِ الأَرضِ.
الجزء 1 · صفحة 21
34 ـ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خِيارُ أُمَّتِي في كلِّ قَرْنٍ خمسُ مِئَةٍ، والأبدال أربعون، فلا الخمس مئَةٍ ينقُصُونَ ولا الأربعونَ، كلَّما مات رجل أبدل الله في الخمس مئةٍ مكانَه، وأدخَلَ في الأربعين مكانه»، قالوا: يا رسولَ اللهِ! دُلّنا على أعمالهم؟ قالَ: «يَعفُونَ عمَّن ظَلَمَهُم، ويُحْسِنُونَ إِلَى مَن أَساءَ إليهم، ويَتَواسَونَ فيما آتَاهُمُ اللهُ تعالى». أخرجه أبونُعَيمٍ وغيره.
35 - وفي رواية عنه مرفوعاً: الكلِّ قَرْنٍ من أمتي سابقون». رَواهُ أبونُعَيمٍ الحِليةِ»، والحَكيمُ التَّرمذِيُّ.
36 ـ وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ في الخلقِ ثلاثَ مئةٍ قُلوبُهم على قلب آدمَ، والله في الخلقِ أربعونَ قُلُوبُهم على قلبِ إبراهيم، والله في الخلق خمسةٌ قُلوبُهم على قَلبِ جِبريل، والله في الخلقِ ثلاثة قلوبهم على قلبِ ميكائيل، والله في الخلق واحدٌ قلبه على قلب إسرافيل، فإذا مات الواحِدُ أبدَلَ اللهُ مكانَه من الثَّلاثةِ، وإذا ماتَ من الثَّلاثةِ أبدَلَ الله مكانَه من الخَمْسَةِ، وإذا مات من الخَمْسَةِ أَبدَلَ اللهُ مكانَه من الأربعين، وإذا ماتَ من السَّبعةِ أَبدَلَ اللهُ مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدَلَ الله مكانَه من الثَّلاثِ مئةٍ، وإذا ماتَ منَ الثَّلاثِ مئةٍ أبدَلَ الله مكانه من العامَّةِ، فيهم يُحيي ويُميتُ، ويُمطِرُ ويُنبتُ، ويَندَفِعُ البَلاءُ». قيل لابن مسعود: كيف بهم يُحيي ويُميتُ؟ قالَ: لأَنَّهم يسألُونَ الله تعالى إكثار الأُمَمِ، فيَكثُرون، ويَدعُونَ على الجَبَابِرَةِ فَيَنْقَصِمُونَ، وَيَسْتَسْقُونَ فَيُسقَونَ، وَيَسْأَلُونَ
الجزء 1 · صفحة 22
فتنبِتُ لهم الأرضُ، ويَدعُونَ فيندَفِعُ بهم أنواعُ البَلاءِ. أَخْرَجَهُ ابنُ عَسَاكِرَ. وقال بعضُهم: لم يذكرِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أحَداً على قلبه؛ إذ لم يَخْلُقِ اللَّهُ في عالَمِ الخَلْقِ والأَمْرِ أعزّ وأشرف وأكرَمَ وألطف من قلبه، فقُلوبُ الأنبياء والأولياء
والملائكة بالإضافة إلى قلبه؛ كإضافة سائر الكواكب إلى إضافةِ الشَّمس.
ولعلَّ ذلك لأنَّه مَظهَرُ الحقِّ لجميع صفاته بخلافِ غَيره؛ فإنَّه يكونُ مظهراً لبعض صفاتِه في صُورةِ تجلّياته على مكنوناتِ مُكوناته.
1 - وعن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضيَ الله عنه قالَ: قالَ: «ثلاثُ مَن كُنَّ فِيه فهومن الأبدال، الذين بهم قوامُ الدُّنيا وأهلها: الرّضاءُ بالقَضاءِ، وَالصَّبرُ عن مَحارِمِ اللهِ، والغَضَبُ في ذاتِ اللهِ». رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ في «مُسنَدِ الفِردَوس».
?? - وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه َقالَ: دَخَلتُ على النَّبيِّ، فقال لي: يا أبا هُرَيْرَةَ! يدخُلُ عليَّ من هذا البابِ السَّاعَةَ رجلٌ من أحدِ السَّبعةِ الذين يَدفَعُ الله تعالى عن أهل الأرض بهم، فإذا حَبَشِيٌّ قد طَلَعَ من ذلك البابِ، أَقْرَعُ أَجْدَعُ على رأسِه جَرَّةٌ من ماءٍ، فقال رسولُ اللهِ: يا أبا هُرَيْرَةَ! هوهذا»، وقال عليه السَّلامُ ثلاثَ مَرَّاتٍ: «مَرْحَباً بيسارٍ»، وكانَ يرُشُ المسجِدَ ويَكْنُسُه، وكانَ غُلاماً للمُغيَرَةِ بنِ شُعبة. ذكره الخلال.
الجزء 1 · صفحة 23
39 - وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أنَّ الأنبياء عليهم السَّلامُ كانوا أوتاد الأرض، فلما انقَطَعَتِ النُّبوَّةُ أبدلَ اللهُ مكانَهم قَوماً من أُمَّةِ محمَّدٍ يقال لهم: الأبدال، لم يفضُلُوا النَّاسَ بكثرة صومٍ ولا صَلاةٍ ولا تَسبيح، ولكِنْ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَبِصِدْقِ الوَرَعِ، وحُسْنِ النِّيَّةِ، وسلامَةِ قُلوبِهم لجميعِ المُسلمين، والنَّصيحة للهِ تعالى. رَواهُ الحكيم الترمذِيُّ في نَوادِرِ الأُصولِ».
40 ـ وعن بَكرِ بنِ خُنَيسِ يرفَعُه: «علامة أبدالِ أُمَّتِي أَنَّهم لا يَلْعَنونَ شيئاً». رَواهُ ابن أبي الدنيا في كتابه «الأولياء».
41 ـ وعن الكتاني يقولُ: النقباء ثلاث مئةٍ، والنُّجَباءُ سَبعونَ، والبُدَلاءُ أَربَعونَ، والأخيارُ سبعة، والعُمُدُ أربَعَةٌ، والغَوثُ واحِدٌ، فَمَسْكَنُ النُّقباءِ المَغرِبُ، وَمَسْكَنُ النُّجباءِ مِصْرُ، ومَسْكَنُ الأبدالِ الشَّامُ، والأخيارُ سَيَّاحُونَ في الأَرضِ، والعُمُدُ في زَوايا الأرضِ، وَمَسْكَنُ الغَوْثِ مَكَّةُ، فإذا عَرَضَتِ الحَاجَةُ من أمرِ العَامَّةِ ابْتَهَلَ فيها النقباء ثمَّ النُّجَباءُ ثُمَّ الأبدال ثمَّ الأخيارُ ثُمَّ العُمُدُ، فَإِن أُجيبوا وإلا ابْتَهَلَ الغَوْثُ فلا يتم مسألته حتَّى تُجابَ دَعوَتُه.
42 ـ وأخرج أبونعيم في الحِليةِ» عن أبي يزيد البسطامي أنه قيل له: إنَّكَ من الأبدالِ السَّبعةِ الذين هم أوتاد، فقال: أنا كلُّ السَّبعة، يعني أنَّ مدارهم عليَّ، ورُجوعهم إليَّ، فإنَّه ـ رحمه الله ـ كانَ القُطْبَ حِينَذِ.
43 ـ وأخرج أبوالشَّيخِ أبونَصرِ المَقدِسِيُّ كتاب «الحُجَّةِ على تارِكِ المَحَجَّةِ» بسَنَدِه عن أحمدَ بنِ حنبل أنَّه قيل له: هل الله تعالى في الأرض أبدال؟ قال: نعم، قيل: مَن هُم؟ قالَ: إِنْ لم يكُنْ أصحاب الحديثِ هُمُ الأبدال ما أعرِفُ الله أبدال.
الجزء 1 · صفحة 24
44 ـ وقالَ سَهْلُ بنُ عبدِ اللهِ: صارَتِ الأبدال أبدالاً بأربعة: قلةُ الكَلامِ، وقِلَّةُ الطَّعامِ، وقلَّةُ المَنامِ، وعُزْلَةُ الأَنامِ.
45 ـ وأخرج أبونُعَيمٍ في الحِليةِ» عن بشرِ بنِ الحَارِثِ: أَنَّهُ سُئِلَ عن التَّوكَّلِ، فقال: اضطراب بلا سكون: رجلٌ يضطَرِبُ بجَوارِحِه وقلبه ساكِنُ إلى اللهِ تعالى، لا إلى عَمَلِه، وسُكُون بلا اضطراب رجُلٌ ساكِنُ إلى اللهِ تعالى بلا حَرَكَةٍ، وهذا عزيز، وهومن صفاتِ الأبداله.
46 ـ وأخرج عن معروف الكرخي قال: مَن قال في كل يوم عشر مرَّاتٍ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أُمَّةَ محمد، اللَّهُمَّ فَرّج عن أُمَّةِ محمَّد، اللَّهُمَّ ارحمْ أمَّةَ محمد؛ كُتِبَ من الأبدال.
كذا في النسخ، وصوابه أبوالفتح نصر المقدسي، وهونصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي المتوفى سنة (490هـ). انظر: «السير» (19/ 136).
47 ـ وأخرج عن أبي عبدِ اللهِ النباجي قالَ: إِنْ أحْبَبْتُم أن تكونوا أبدالاً فأحِبُّوا ما شاء الله تعالى، ومَن أحبَّ ما شاءَ الله تعالى لم ينزل به من المقاديرِ شَيْءٌ إلا أحبَّه.
الجزء 1 · صفحة 25
48 - ثم اعلم أنَّ البَغَوِيَّ أَخرَجَ في تفسير سورة «شُورَى»: عن أنس بن مالكِ رضي الله عنه، عنِ النَّبي، عن جبريل، عن الله تعالى يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «مَن أهَانَ لي ولياً فقد بارَزَني بالمُحارَبةِ، وإنِّي لأَغْضَبُ لأوليائي كما يَغْضَبُ اللَّيْثُ الحَرِدُ - أي: الغضبان، وما تقرَّبَ إليَّ عبدي المُؤمِنُ بِمِثلِ ما افترَضْتُ عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبْتُه كنتُ له سَمْعاً وبَصَراً [ولساناً] ويَدَاً ومُؤَيَّداً، إن دَعاني أجَبْتُه، وإن سألني أعطيتُه، وما تردَّدتُ في شَيءٍ أَنا فَاعِلُه تَرَدُّدِي في قبْضِ رُوحِ عبدي المؤمِنِ، يكره الموتَ وأنا أكرَهُ مَساءَتَه ولا بدَّ له منه، وإِنَّ مِن عِبادي المؤمنين لمن يسألني البابَ من العبادة فأكفه عنه أن لا يَدخُلَه عُجْبٌ فيُفْسِدُه ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمَنْ لا يُصْلح إيمانه إلا الغنى، ولوأفقرتُه لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمَنْ لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إلا الفَقْرُ ولوأَغْنَيتُه لأفسدَهُ ذلك، وإنَّ من عِبادِي المُؤْمِنينَ لَمَنْ لا يُصلِحُه إلا الصَّحَّةُ، ولوأَسْقَمْتُه لأفسَدَه ذلك، وإِنَّ من عبادي المؤمنين لمَنْ لا يُصلِحُ إيمانَه إلا السَّقم، ولوأَصْححته لأفسَدَه ذلك، إنِّي أدبر أمر عبادي لعِلمي بقُلوبهم، إنِّي عليمٌ خَبِيرٌ
وقد أخرجه ابن أبي الدُّنيا في كتاب «الأولياء» عن أنس رضيَ اللهُ تعالى أيضاً بطوله ولفظه.
الجزء 1 · صفحة 26
49 - ويُقويه: ما أخرجه البخارِيُّ في صحيحه عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ ممَّا افترَضْتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِرُ به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذَني لأعيذنه، وما ترَدَّدْتُ عن شيء أنا فاعِلُه ترَدُّدِي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره المَوتَ وأكرَهُ مَساءَتَه، ولا بُدَّ له منه. وقد بينت معنى هذا الحديث في شرح الأربعين»، والله الموفق والمُعين.
***
50 - ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ ما اسْتَهَرَ على ألسِنَةِ العامَّةِ من: أنَّ أُوَيساً قلَعَ أسنانه لشِدَّةِ أحزانه حين سمِعَ أَنَّ سِنَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَصِيبَ يومَ أُحُدٍ، ولم يعرِفْ خُصوص أي سنّ كان بوجه معتمد؛ فلا أصل له عندَ العُلماءِ، مَعَ أَنَّه مُخالِفٌ للشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ. ولذا لم يفعَلْهُ أَحَدٌ من الصَّحابةِ الكُبراء، على أنَّ فِعْلَه هذا عبَةٌ لا يصدرُ إلا عن السُّفهاء.
51 ـ كذا: لا يثبت نسبةُ الخِرْقَةِ النَّبويّة إليه، ومنه إلى بعض المشايخ بما لا يُعتَمَدُ عليه.
52 ـ وكذا: تلقينُ الذَّكرِ الخَفِيّ أوالجلي، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي بكرٍ أوعليّ، لا يصح عند أهل الخُبرِ بالأحاديث والسير، بل ولا يثبتُ بينَ علي والحسَنِ البَصرِيٌّ مادة الاجتماع، مع كونهما في عصر واحد بالإجماع.
53 ـ وكذا طريقُ المُصافَحَةِ الخاصَّةِ المُسَلْسَلَةِ، على ما يدعيه بعضُ في السلسلة، وجعَلُوه للعامَّة مادة المَشغَلَةِ؛ ليس له نسبةٌ متّصلة.
الجزء 1 · صفحة 27
فعليك بالكتاب والسُّنَّةِ، وما دَرَجَ عليه جماعة الأئمة، من الزهد في الدنيا، والرغبة في العُقبى، والإقبال على المقصدِ الأَسْنَى، مع دوامِ الحُضورِ مع المولى في الأُولى والأُخرى.
رَزَقَنا الله الزيادَةَ الْمُفَسَّرَةَ باللقاء في مقام الحُسنى، والحمد لله وحده وكفى وسلامٌ على المُرسَلين، والحمد لله رب العالمين.