المشرب الوردي في مذهب المهدي
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المشرب الوردي في مذهب المهدي
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوضحَ سُبُلَ الدين، باجتهادِ الأئمة المجتهدين، وجَعَلَنا ببركاتهم من جُملة المهتدين، فلا مَهدِيَّ إِلَّا مَن هَدَاه، ولا مَهوِيَّ إِلَّا مَن اتَّبِعَ هواه بغير هدى من الله.
والصَّلاة والسَّلامُ الأَتمَّانِ الأكملان في مراتب النهاية، على رئيس أرباب الهداية، وسَئِيس أصحاب الولاية، من أهل النهاية والبداية، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه، الذين شملتهم الرعاية والعناية، ووصلتهم الحماية والوقاية.
أما بعد:
فيقولُ أضعفُ عبادِ اللهِ القوي الباري، علي بن سلطان محمد الهروي القاري، عاملهما الله بلطفه الخفي، وكرمه الوفي: إنَّه سألني بعضُ الأعيانِ، ممَّن هو بمنزلة إنسان العين وعين الإنسان، عن الإمام محمد المهدي الموعود في آخر الزَّمانِ، بلَّغَنا الله سبحانَه إلى رؤيته وحضرته، ووفقنا الله لمتابعته وخدمته في أشرف المكان. فأجَبْتُه: بأني سمعتُ الشَّيخ العلامة، والمُفيد الفهَّامَةَ، الشَّيخَ عبدَ اللهِ الهندي، الشهير بـ مخدومِ المُلْكِ بين الخاص والعام، يقولُ بطريق المنقول، عن بعض كتب الفروع أو الأصولِ: إِنَّ المَهْدِيَّ المعظم بعد ظهورِه وانكشافِ نورِه، يَتَّبِعُ مذهب أبي حنيفة الإمام المكرَّم، واشْتَهر هذا بين علماء العصر، وفضلاء الدهر، من غير تصريح رواية نَقْل، ولا تصحيح دلالةِ عَقْلٍ.
فأقولُ، وبالله وحوله أَصُولُ:
إنَّ صاحبَ كل مذهب، وطالب مشرب، بمقتضى قوله تعالى: وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، وبما عندهم مرحونَ، وقد عَلِمَ كُلُّ أناس مشربَهم، وفي مقام الإيناس يتبعون مذهبهم له أنْ يدَّعي ذلك، فلا خصوصيَّة له بأحد هنالك؛ إذْ من المعلومِ المقرّر، والمفهوم المعتبر، أنَّ المقلّد يتعيَّنُ عليه اعتقاد أنَّ مقلَّدَه على الصواب، وغيره على الخطأ في هذا الباب.
ولذا قال إمام الحرمين - بل قيل: إنَّه مُفتي الثقلين ـ في رسالته المسماة بـ «مغيثِ الخَلْقِ إلى الحقِّ»: إنَّه يجب على العباد، في جميع البلاد، شرقاً وغرباً، وعجماً وغرباً، أن يكونوا على مذهب الإمامِ الشَّافعيّ المُطَّلبي، وأتى بكلماتٍ واهيَةٍ لا تَخْفَى على العالم والغبي، وقد أجبتُ عنه في رسالة مستقلة بواضحات الأدلة، فإذا كان الأمر على هذا التحقيق، فلا بد من إظهار مرجّح في مقام التوفيق.
فاعلم أنَّ المهديّ إذا اختارَ التَّقليد، ورضي بعدم التأييد، فلا شك أنْ يكونَ على مذهب الإمام الأعظم، والهُمام الأقدم؛ لكونه في مقام الفقه أفضل وأعلم، بشهادة الإمامِ الشَّافعيّ مع جلالتِه ونَباهتِه، وكمال حَذَاقَتِه وفَقَاهَتِه، وإدراكِ أكابر العلماء؛ كسفيانَ بنِ عُيَينةَ من أجلَّاءِ التّابعينَ، والإمام مالك وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ من الأئمةِ المجتهدينَ: أَنَّ الخَلْقَ كلَّهم عِيالُ أبي حنيفة في فقه الدِّينِ، وبدَلالة كون أكثر أهل الإسلام من أتباعه في القضايا والأحكام؛ إِذْ قد يُقالُ: إِنَّهم ثُلُثَا هذه الأُمَّةِ بوصفِ الإجابة ونعت الإثابة، كما أنَّ هذه الأُمَّةَ ثُلُثَا أصحاب الجنَّةِ بالنسبة إلى سائرِ الأُمَّةِ من المؤمنين على ما ثبت به السنة، وقد ورد عنه: عليكم بالسواد الأعظم. هذا، وعندي على ما يَخطرُ في خَلَدي أنَّه يتَّبِعُ الأحوط في المسائلِ الدِّينيَّةِ والقضايا الشَّرعيَّةِ كما عليه أكابرُ الصُّوفيَّةِ، ولكنَّ القول الأحقَّ أَنَّه يكون المجتهد المُطلَق؛ لأنَّه يَظهرُ حال وجودِ كلامِ الله سبحانه في صدورِ القُرَّاء المكرمين، ووقتَ شهودِ الأخبارِ والآثارِ في سطور العلماء المحدثين؛ فإنَّه مع جلالة شأنه ورفعةِ قَدْرِه يَبعُدُ أَنْ يكونَ مقلّداً في عصرِه.
وقد ثبت أحاديثُ كثيرة وروايات شهيرة عنه، وشرَّفَ وكَرَّم، مما هو
صريح في عَلِيٌّ مقامِهِ وجَليٍّ مَرَامِه:
منها قوله: «نحن سبعة ولد عبد المطلب، سادة أهل الجنَّةِ: أنا وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن والحسين، والمهدي». رواه ابن ماجه وأبو نعيم عن أنسي. ومنها: قوله عليه السَّلام: «المهدي رجلٌ من ولدي، وجهه كالكوكب الدُّرِّيّ». رواه الرؤيانيُّ عن حذيفة، وصححه الحافظ ابن العربي، وهو ليس ابن عربي كما يتوهمه الجاهل الغبي.
ففي هذا الحديثِ أَجْمَلَ كونَه من ولده عليه السَّلام، وفي رواية أوضحه في ا المقام بقوله: «المهدي من عِتْرَتي؛ من ولد فاطمة». كما رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم ـ بسند صحيح - عن أُمِّ سَلَمَةَ رضيَ اللهُ عنها. الله
واختلف في أنَّه رضي الله عنه من نَسلِ أَيِّ الحَسَنِينِ؟ وإِنْ كان ذُرِّيَّةُ كلِّ منهما موصوف بنعتِ الحَسَنين، ويحتمل أنَّ أباه حَسَنيٌّ وأُمَّه حُسَينيَّة، أو بالعكس. والأَوَّلُ أَوْلَى كما لا يَخْفَى؛ بل قال بعضُهم: إِنَّ الحسن رضيَ اللهُ عنه لَمَّا ترك للهِ الخلافة الصُّوريَّةَ، عوَّضَه الله المرتبة القُطْيَّةَ، وجعل من نسله المهدي الذي به خاتَمُ الخلافة النبوية.
ويؤيده ما أخرجه أبو داود وغيرُه عن عليّ أنه نظر إلى ابنه الحسنِ فقال: إِنَّ
ابني هذا سيّد كما سماه النبي، وسيخرجُ رجلٌ من صلبه يُسمَّى باسم نبيكم؛
يُشْبِهُهُ في الخُلُقِ.
ويقويه ما أخرجه نُعيمُ بنُ حَمَّادٍ أحد شيوخ البخاري، وتمام في «فوائده»،
عن عبد الله بن عمرو قال: يخرجُ رجلٌ من ولد الحسن من قبل المشرق، لو استقبلَ به الجبالُ لهدمها واتَّخذ فيها طُرُقاً.
ولا يَبْعُد أن يكونَ لكلِّ منهما هذه النسبةُ العَلِيَّةُ، بالشركةِ الجليَّة، كما يدلُّ عليه ما رواه الطبراني وأبو نعيم، عن علي الهلالي: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: والذي بعثني بالحقِّ! إنَّ منهما ـ يعني من الحسن والحسين - مهدي هذه الأُمَّةِ. بل بزيادة بقية الأنساب، المعتبرة في مرتبة الأحساب؛ لِمَا وردَ: «إِنَّ المهدي من أولادِ العبَّاسِ عمي». كما رواه الدَّارَ قُطني في «الأفرادِ» عن عليّ.
فهذا جمع من متفرّقاتِ فَهْمِي، والله سبحانه وتعالى أعلم، وبإتقان الأمور أحكم. ومنها: قوله عليه السَّلامُ: يخرجُ المهدي وعلى رأسِه مَلَكٌ يُنادي: إِنَّ هذا المهدي، فاتَّبعوه». أخرجه أبو نعيم وغيرُه عن ابنِ عمرَ.
وهذا يدلُّ على كمال عظمتِه، وجمالِ نُبْهَتِه، ورفعة مرتبته، ومَزيَّة منزلته. ومنها: كما أخرجه الطبراني في «الأوسط من طريق عمر بن علي، عن عليّ ابن أبي طالب: أنَّه قال للنبي: أَمِنَّا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله!؟ قال: «بل منا؛ بنا يَختم الله كما بنا فتح، وبنا يستنقذونَ من الشَّرِكِ، وبنا يُؤلِّفُ اللَّهُ بَينَ قلوبهم بعد عداوة الفتنة كما ألَّفَ بينَ قلوبهم بعد عداوة الشَّركِ.
ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «يخرجُ رجلٌ من أهل بيتي يقولُ بسُنَّتِي، يُنزِلُ اللهُ له القطر من السَّماءِ، وتُخرجُ الأرضُ له من بركاتِها، يملأُ الأرضَ منه قِسْطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظُلماً، يعمل على هذه الأُمَّةِ سبع سنين، ويَنزِلُ بيت المقدس». أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وأبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري".
وفي رواية لأبي نُعيم: «ثم لا خير في عيش الحياة بعد المهدي.
ومنها: ما أخرجه الدَّارَ قُطني في سننه عن محمَّدِ بنِ علي قال: إِنَّ لَمَهدينا آيتين لم تكونا منذ خُلقَ السَّماوات والأرضُ: ينكسف القمرُ لأَوَّلِ ليلة من رمضانَ، وتنكسفُ الشَّمسُ في النَّصفِ منه.
ومنها: ما أخرجه أبو نُعيم عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم «بينكم وبين الرُّومِ أربعُ هُدَنٍ، يومُ الرَّابعة على يد رجلٍ من أهلِ هِرَقْلَ يدوم سبع سنين»، فقال له رجل: يا رسولَ اللهِ! مَن إمامُ النَّاسِ يومئذٍ؟ قال: «المهدي من ولدي؛ ابنُ أربعينَ سنةً، كأنَّ وجهَه كوكبٌ دُرِّيٌّ، في خَدَّه الأيمن خَالٌ أسود، وعليه عَبَاءتَانِ قَطْوَانِيَّتَانِ، كأنه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز، ويفتح مدائنَ الشَّركِ».
ومنها: ما أخرجه الرُّؤيانيُّ في مسنده» وأبو نعيم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المهدي رجلٌ من ولدي؛ لونه لون عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، على خده الأيمن خَالٌ، كأَنَّه كوكبٌ دُرِّيٌّ، يملأُ الأرض عدلاً كما مُلئت جَوْراً، يرضى في خلافتِه أهل الأرض وأهلُ السَّماءِ والطَّيْرُ في الجَوِّ 4. وفي رواية: «لا يُوقظ نائماً، ولا يُهْرِيقُ دماً» ه.
ومنها ما أخرجه نُعِيمُ بنُ حَمَّادٍ عن أبي جعفر قال: يَظهرُ المهدي بمكَّةَ عند العشاء معه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقميصه وسيفه وعلاماتٍ ونور وبيان، فإذا صلَّى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكرُكم الله أَيُّها النَّاسُ ومقامكم بين يدي ربكم، فقد بَعَثَ الأنبياء وأنزل الكتب، وأمَرَكم أن لا تُشركوا به شيئاً، وأن تُحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأنْ تُحْيوا ما أحيا القرآن، وتُميتوا ما أمات، وتكونوا أعواناً على الهُدَى، ووزراء على التَّقوى، فإنَّ الدُّنيا قد دنا فَناؤُها وزوالها، وأذنت بانصرامٍ عن إقبالها، فإنِّي أدعوكم إلى الله تعالى وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء السُّنَّةِ. فيظهر في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً عددٍ أهل بدر، على غير ميعاد، رهبان باللَّيلِ، أُسْدُ بالنَّهارِ، فيفتحُ الله تعالى للمهدي أرضَ الحجاز، ويُخرجُ مَن كان في السِّجْنِ من بني هاشم، وتنزلُ الرَّايَاتُ السُّودُ الكوفة، فيُبعثُ بالبَيعَةِ إلى المهدي، ويبعث المهدي جنوده في الآفاق، ويُمِيتُ الجَورَ وأهله، وتستقيم له البلدانُ، ويفتحُ الله تعالى على يديهِ القُسْطَنطنيَّة.
ومنها: ما أخرجه أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا انقطعت التجاراتُ والطُّرقُ وكَثُرت الفتن، خرجَ سبعةُ نَفَرٍ علماء من أُفُقِ شَتَّى على غير ميعاد، يُبايِعُ لكل رجل منهم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً، حتى يجتمعوا بمكة، فيلتقي السبعةُ فيقولُ بعضُهم لبعض: ما جاءَ بكم؟ فيقولون: جئنا في طلب هذا الرَّجلِ الذي يَنبغي أنْ تَهْداً على يَدَيْه هذه الفتنُ ويُفتح له القُسْطَنْطِينيَّةُ، قد عَرَفْناه باسمه واسم أبيه وأُمِّه وجيشه، فيتّفقُ السَّبعةُ على ذلك، فيطلبونه فيُصيبونه بمكَّةَ، فيقولون له: أنت فلانُ ابنُ فلان؟ فيقول: بل أنا رجلٌ من الأنصارِ، حتى يُفلِتَ منهم، فيصفونه لأهل الخير منه والمعرفة به، فيقال: هو صاحبكم الذي تطلبونه وقد لحق بالمدينة، فيطلبونه بالمدينة فيُخالفهم إلى مكَّةَ، فيطلبونه بمكة فيُصيبونه، فيقولون له: أنت فلان ابن فلان، وأُمُّك فلانه ابنه فلان، وفيك آية كذا وكذا، وقد أفلتّ منَّا مَرَّةً فَمُدَّ يَدَكَ نُبايِعْك، فيقولُ: لستُ بصاحبكم، حتى يفلت منهم، فيطلبونه بالمدينة فيُخالفهم إلى مكَّةَ، فيُصيبونه بمكة عند الركن ويقولون له: إثْمُنا عليك ودماؤنا في عنقك إِنْ لم تَمُدَّ يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد تَوَجَّه في طَلَبِنا، عليهم رجلٌ مِن حَرَامٍ، فيجلس بين الرُّكنِ والمقام، فيمد يده فيُبايع له، فيُلْقي الله تعالى محبته في صدورِ النَّاسِ، فيسير مع قومِ أُسْدِ بِالنَّهارِ، رُهبانُ باللَّيلِ. ومنها: ما أخرجه أيضاً عن أبي الطُّفَيلِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وصف المهديَّ، فوصف ثقلاً في لسانه، وضرب فخذه اليسرى بيده اليمنى إذا أبطأ عليه الكلام، اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي
ومنها: ما أخرجه أيضاً عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المهدي رجلٌ من عِتْرَتي، ويُقاتِلُ على سُنَّتي كما قاتلتُ أنا على الوحي
ومنها: ما أخرجه أيضاً عن كعب، قال: قادة المهدي خير النَّاسِ، وأهلُ نصرته وبيعته من أهل الكوفة واليمن وأبدال الشَّامِ، مقدّمتُه جبريلُ، وساقته ميكائيل، محبوب في الخلائق، يُطفى الله تعالى به الفتنة العمياء، وتأمنُ الأرضُ حتى إنَّ المرأةَ لَتَحُجُّ في خمس نسوة ما معهنَّ رجلٌ، لا تتقي شيئاً إِلَّا الله، تُعطي الأرضُ نباتها والسَّماءُ بركتها.
ومنها: ما أخرجه أيضاً عن كعب قال: إنّي أجد المهدي مكتوباً في أسفار الأنبياء ما في عمله ظلم ولا عيب.
ومنها ما أخرجه أيضاً من طريق ضَمْرَةَ، عن ابن شَوْذَب عن]، ابن سيرين: أَنَّه ذكر فتنةً تكونُ، فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تُسبقوا على النَّاسِ بخير من أبي بكر وعمر، قيل: يا أبا بكر! خيرٌ من أبي بكر وعمر؟ قال كان يفضّل على بعض [الأنبياء] 3. قال الحافظ السيوطي: وفي هذا ما فيه، وقد قال ابن أبي شيبة في «مصنفه» في
باب المهدي: حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن محمد بن سيرين، قال: يكون في هذه الأُمَّةِ خليفةٌ لا يُفضل عليه أبو بكرٍ ولا عمرُ
قال الحافظ: وهذا إسناد صحيح، وهذا اللفظ أخفُ من الأَوَّلِ.
قال: والأوجه عندي: تأويل اللفظين على ما أُولَ عليه حديث: «بل أجرُه خمسين منكم؛ لشدَّةِ الفتن في زمان المهدي، وتمالُوِ الرُّومِ بأسرها عليه، ومحاصرة الدَّجَّالِ له، وليس المراد بهذا التفضيلَ الرَّاجعَ إلى زيادةِ الثَّوابِ والرفعة عندِ اللهِ تعالى؛ فالأحاديث الصحاح والإجماع على أنَّ أبا بكر وعمر أفضل الخلق بعد النَّبِيِّينَ والمرسلين.
أقول: ولا يَبْعُد أن يُتوقف في هذه المسألة؛ لعدم إجماع الأمة في خصوص هذه المادَّةِ المستقلة مع وُرودِ: «أُمَّتي كالمطر؛ لا يُدْرَى أَوَّلُه خيرٌ أم آخره»، وفي قوله سبحانه: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] إشارة لطيفة إلى رفع هذه العمة. الغُمَّة.
ومنها: ما أخرجه ـ أيضاً ـ عن قيس بن جابرِ الصَّدَفي: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون رجلٌ من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، ثم مِن بعده القحطاني، والذي نفسي بيده ما هو دونه».
وأخرج أيضاً عن كعب قال: يكون بعد المهدي خليفة من أهل اليمن من قحطان أخو المهدي في دينه، يعمل بعمله، وهو الذي يفتح مدينةَ الرُّومِ ويُصيب غنائمها.
ومنها: ما أخرجه عن أَرْطَاةَ، قال: بلغني أنَّ المهدي يعيشُ أربعين عاماً، ثم يموتُ على فراشه، ثم يخرجُ رجلٌ من قحطان مثقوب الأُذنين على سيرة المهدي، بقاؤه عشرون سنةً، ثم يموتُ قتيلاً بالسلاح، [وهو آخِرُ أميرٍ مِن أُمَّةِ محمد]، ثم يخرجُ رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم مَهْدِي حَسَنُ السِّيرة، يغزو مدينةَ قَيصَرَ، ثم يخرجُ في
زمانِه الدَّجَّالُ، وينزل في زمانه عيسى ابن مريم عليهما السلام.
ومنها قوله عليه السَّلامُ: «المهدي منَّا أهل البيتِ، يُصلحه الله في ليلة». رواه أحمد وابن ماجه عن علي.
فصدر الحديثِ مُجمَلُ ما فصَّلنا، ومَحْمَلُ ما فضَّلنا، وأمَّا ذيله من إصلاحه في ليلةٍ، فيُشيرُ إِلى أَنَّه يُعطيه الله المرتبة القُطبيَّةَ، والمَنْقَبَةَ الاجتهاديَّةَ الغَوثِيَّةَ، بالجَذبة الإلهيَّةِ الفَرْدانِيةِ، وألوهِيَّةِ الصَّمَدانِيَّةِ، لا بكَسبِه وجَهدِه من تعلمه في مقامٍ كَده وجِدّه، كما حصَّلَ هذه العنايةَ لجَدِّه على ما ذَكَرَه الله سبحانه، وعظم شأنه وبرهانَه: مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَنُ} [الشورى: 52]؛ أي: تفاصيله في هذا البابِ، وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]؛ فالمهدي في زمانه أفضل المهتدين؟، وأكمل المجتهدين في أمورِ الدِّينِ.
فقوله عليه السَّلام: «المهدي منِّي» شهادةٌ منه على أَنَّه من ذُرِّيَّتِه وخاصَّةِ أُمَّتِه في
عموم متابعته، ولذا قال عليه السَّلامُ: مَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني. وقوله: «أجلى الجبهة» - أي: واسع الجبين - إشارة إلى حُسنِ صُورته وسيرته، واستحسان عشرته مع عشيرته.
وقوله: «أقنى الأنف»: إشارة إلى جمالِ أَرْنَبتِه، وإيماء إلى كمالِ أَنْفَتِه، وإشعار إلى مرتبة شجاعته، ومَزيَّةِ سَخاوته، وعدم الالتفات إلى أموال رعيَّتِه، وفَقْدِ الرّضا بالتقليد في مقامِ معرفته؛ لأنَّ مِن المعلوم استبعاد جميع الطوائف من أهلِ السُّنَّةِ والجماعة وطوائف المبتدعة - ولو كانوا من أهل الطاعة ـ أن يرضوا بأنه يكون مقلداً مَثَلاً لمذهب العلماء الحنفية، وتاركاً مذاهب البقيَّة بالكلية. قوله عليه السَّلام: «يملأُ الأرضَ قِسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً»:
إشارة إلى سعة دولته ومملكته، وإلى ظهوره في وقتِ شِدَّةِ حاجته. وقوله: «يملك سبع سنينَ»؛ أي: قبل نزول عيسى عليه السَّلامُ؛ إِذْ بعدَه تنتقل إليه الأحكام؛ سواء يكون المهدي موجوداً في عالم الحياة أو مفقوداً بالممات؛ إذ لا شكٍّ أنَّ عيسى بعد نزوله لم يُفسخ عنه خِلعَةُ النُّبوَّة، وإن كان يُنسِخُ عنه عَبَاءُ الرِّسالة، فيُعلي أولاً آيات إعلامه وراياتِ مقامه في الحرمين الشريفين والمسجدينِ المُنيفَيْنِ، ثم يتوجه إلى بيت المقدَّسِ والمَحَلَّ المنفّس؛ عملاً بقوله عليه السَّلامُ: «لا تُشدُّ الرّحالُ إلَّا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»،
فرتّب هذا الترتيب الأعلى، حيث يبدأُ بِمَهبِطِ بَدءِ وحي المصطفى، ثم بدار الهجرة، ثم بالأرض المباركة بواسطة قدوم أصحابِ النُّبُوَّةِ وأربابِ الرِّسالة، وفي جعل القضيَّةِ عكس ما يقتضيه العقل من تقديم الأقدمية إيماء إلى قوله عليه السَّلام: «نحن الآخِرُونَ السَّابقونَ»؛ أي: الآخِرُونَ وجوداً في عالمِ الحِس والمَبْنَى، والسَّابقونَ شهوداً في مقام الأنس والمعنى، كما يُشيرُ إليه قولُه عَليه السَّلامُ: «أَوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ روحي، وفي رواية: «نوري». وقوله: «كنتُ نبيَّاً وآدم بين الرُّوحِ والجسد» ه. ولقد أبعد الغزالي في تفسير هذا الحديثِ وتأويله، حيث قال: أي: كنتُ نبيَّاً في علم الله؛ لأنه بهذا المعنى لا مَزِيَّةَ له عما سواه من أرباب الجاه؛ بل المعنى: أنَّه كان نبياً فيما بين الأرواح سابقاً، كما وقع رسولاً في عالم الأشباح لاحقاً، فهو الأول والآخِرُ والباطنُ والظَّاهِرُ في النِّسب الإضافية بالنسبة إلى صفاتِ الإلهيَّة؛ فإنَّها القديمةُ الأزليَّةُ بلا ابتداء في الأَوَّليَّةِ.
وأما قوله: مَن قال: جُملةُ الأرواحِ قديمةٌ؛ كما قال بعضُ الحكماء، أو: أرواحُ الكُمَّل قديمة؛ كما صرَّحَ به بعضُ الصُّوفيَّةِ السُّفهاء، فكفر صريح ليس عنه تأويل صحيح عند أعلام العلماء.
والحاصلُ: أنَّ المهديّ وأتباعه وأصحابه وأشياعه يكونون في بيت المقدِسِ فارغ البال، إذ يظهرُ الأعورُ الدَّجَّال، ومعه خلقٌ كثير من ضُلَّالِ الرِّجال، فيُحاصِرُ المهدي في مكانه، ويُضيقُ عليه بعد ارتفاع شأنه في زمانه، إذ ينزل عيسى ابنُ مريم عليهما السَّلامُ في المنارةِ الشَّرقيَّةِ في مسجدِ الشَّامِ، ويَتوجَّه إلى القدس لنصرة أهل الإسلام، فيراه الدَّجَّالُ اللَّعين، وكاد أن يذوب كذَوَبانِ الملح في الماء، ويصير كالطِّينِ، فيُصيبه بحَرْبَةٍ من عالم اليقين، ويقتله فيكونَ من الغازين، ثم يَقتُلُ مَن لم يَدْخُلْ في الإسلام ولم يَصِرُ من الفائزين، ويرفع الجزية ولم يقبلها من أحدٍ كما أخبر به سيد المرسلين، وهذا نسخُ مُغيَّاً في هذه الأُمَّةِ، ظهر على يد خاتَمِ أصفياء الأئمة، لا أنَّه نسخ من عنده؛ فإنَّ دينه منسوخ بأصله؛ كسائر أديان الأنبياء، ولذا قال عليه السَّلام: «لو كان موسى حيَّاً لَمَا وَسِعَه إِلَّا اتّباعي»؛ أي: كما صار عيسى في آخرِ الأمر من أتباعي، وله المَزيَّةُ على غيره من هذه الحيثية، ولذا شبه صلى الله عليه وسلم بقلب عسكر المسلمين وجنودِ الموحدين، والأنبياءُ السَّابقة بمنزلة المقدمة، وعيسى في مرتبة الخاتمة اللاحقة المتممة، وعلماء هذه الأمة بمنزلة جناح اليمين، وعلماء سائر الأمم في مرتبة جناح اليسار، مرتبتُهم دون مرتبة الأولين.
ويؤيده ما ورد صحيح المعنى، وإن كان موضوع المبنى: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، ويُقوِّيهِ ما صح من قوله عليه السلام: «العلماء ورثة الأنبياءِ» ه؛ فإنَّه لا ريب أنَّ إرث الوارث يكون على قَدْرِ مالِ الموروث.
فلنصرفِ العَنَانَ إلى ما كنا في صَدَدِه من البيان، وهو أنَّ عيسى عليه السَّلامُ بعد قتله اليهود والنصارى وسائر الكفَّارِ الذين لم يَدخُلُوا في دِينِ الإسلام، حتى كان الحجرُ والشَّجرُ يُنادي بلسانٍ فَصيح، وبيان نَصيح: يا نبي الله! هذا يهودي مخفي عندي؛ فإمَّا أن يُسلم، وإما أن يُقتَل، كما أشار إليه قوله تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159].
فيدخل عيسى في مسجد القدس عند ظهورِ صُبحِ الأُنسِ، وقد أُقيمَ الإقامة، فيُشيرُ المهدي إليه، فيمتنع عليه، ويقول: قد أُقيمت لك هذه الإقامة، وأنت في هذا المسجدِ قائم بوصف الإمامة، فيُصلّي المهدي ويقتدي به عيسى؛ تحقيقاً لمتابعة
هذه الأمة، ثم يكونُ إماماً في كل الحالة.
ومما يؤيد هذه المقالة: قوله عليه السَّلام: «منا الذي يصلي عيسى ابنُ مريمَ خلفه». رواه أبو نعيم في كتاب المهدي عن أبي سعيد، وظاهره الإطلاق، إلَّا أَنَّ تعليلَه يُفيدُ التَّقييد؛ كما لا يَخْفَى على أهلِ التَّوفيقِ والتَّأييد.
وأما قوله عليه السَّلامُ للعبَّاس: «يا عمَّ النَّبيِّ إِنَّ اللهَ ابتدأَ الإسلام بي، وسيختمه بغلام من ولدك، وهو الذي يتقدَّمُ عيسى ابن مريم». رواه أبو نعيم في الحِليةِ عن أبي هريرة، فيحتمل تقدُّمه وجوداً، وتقدمه في منصب الإمامةِ شُهوداً. ويؤيده ما في روايةِ الدَّارَ قُطني في «الأفراد»، والخطيب، وابن عساكر، عن عمار بن ياسر ولفظه: «يا عبّاسُ إِنَّ اللهَ ابتدأ هذا الأمر بي، وسيختمه بغلام من ولدك، يملؤُها عدلا كما ملئت جوراً، وهو الذي يُصلّي بعيسى عليه السلام» 4. انتهى.
وهو صادق أن يوجد مرَّةً أو مرَّات، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحالات، وإذا عَرَفْتَ ذلك، تَبَيَّنَ لك ممَّا قررنا هنالك: أنَّ قول ابن عربي في كتابه «الفصوص»، المملوء من مخالفة النُّصوص: إِنِّي خاتَمُ الأولياء، ويُستمد مني خاتم الأنبياء، ويستفيضُ منّي سائر الرُّسل والأصفياء، باطل من وجهين، كما أوضحتُه في الرّسالة المعمولةِ للرَّدِّ على الوجودية القائلة بالعينيَّة، بالأدلة
القطعة.
ومجمله هنا: أنَّ دعواه أنَّه خاتَمُ الأولياء ظاهرُ البطلان عند أعيان العلماء؛ لوجودِ عيسى عليه السَّلامُ، وشهودِ المهدي من أولياء الفخام، وكذا وجود كثير من الأولياء في حياته ومماتِه من فُضلاء كرام، وهذا أمر سهل منه؛ فإِنَّ غايتَه أَنَّه كذب محض بالنسبة إلى دعواه الثَّانية، فإنَّه كفر صريح، ليس له تأويل صحيح. والعجب ممَّن لم يعرف حقيقة إيمانِه وحُسْنَ خاتمته في شأنه كيف يدَّعي مثل هذا من غير برهانه؟!
وأغرب من هذا أنَّ بعض العلماء المعتبرين، والفضلاء المتبحرين، ممَّن تَصَدَّى لشرح كلامه، لم يتعرّض لتصحيح مرامه، وكأنه وافق مشربه، وطابق مذهبه. ثم من الغريب ما وقع في هذا القريب: أنه سأل بعض أكابر الفخام، عمَّن يزعم أنه من علماء الأعلام: هل ثبتَ أنَّ المهدي يُقلّد أبا حنيفة؟ فقال: نَعَمْ، رأيتُ في كتابين، ومع هذا سَلْ بعض أصحابي، وخُلَّص أحبابي، فإنَّه رأى رؤيا تدلُّ على هذه المدعى، وصورتها: أنَّه رأى أولاً ثلاثَ قُبَب هيئتها الصغار، ثم رأى قُبَّةً كبيرةً كثيرة الأنوار، غطّى نورُ هذه القُبَّةِ سائرَ القُبَبِ في إبصارِ الأَبصارِ.
والحالُ أنَّ المشار إليه لرؤية هذا المنامِ معروف عند الأنامِ؛ لأنَّه لو أخبر يقظةً بشيء، لم يُصدقه أحدٌ في هذه الأيام، فكيف يكون رؤياه صادقةً صالحة للاستدلال في هذا المقامِ؟! فإنَّها على تقدير ثبوتها وصحتها من أضغاث الأحلام وخيالاتِ الأوهام؛ كما يرى الهِرُّ إذا نامَ في خيالِ البَرِّ أَنَّه يأكل اللحم أو يَمضَعُ الشَّحم وبهذا تبيَّنَ أنَّ الأمور الاعتقادياتِ لا يُتصوَّرُ ثبوتها بالأمورِ الظَّنِّيَّاتِ، فضلاً عن المقالات الواهمات والمنامات الواهِيَاتِ، وقس على هذا أقوال سائر الأنام في هذه الأيام.
فعليك بميزان الكتاب والسُّنَّة، إن كنتَ من أهل المعرفة وقابل المنة، وتُريد أن تدخل الجنَّة، ويكونَ معرفتُك السُّترَةَ من النَّارِ والجُنَّة، وتصير محفوظاً من شَرِّ النَّاسِ والجِنَّةِ.
وقد ورد عنه عليه السَّلامُ أنَّه قال: «يُوشِكُ أن يَأْتِيَ على النَّاسِ زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآنِ إِلَّا رَسُمُه، مساجدهم عامرةٌ وهي خراب من الهدى، علماؤُهم شر من تحت أديمِ السَّماءِ، مِن عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود». رواه ابن عدي والبيهقي عن علي.
وقد قال ابن جرير أحد الأخيار في تهذيب الآثار»: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، حدثنا عثمان بن سعيد، عن محمَّدِ بنِ مهاجر، حدثني الزُّبيدي، عن الزُّهريّ، عن عُروة، عن عائشةَ: أَنَّها قالت: يا ويح لبيد! حيث يقولُ:
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ في أكنافهم وبَقِيتُ في خَلْفِ كَجِلدِ الأَجرَبِ قالت عائشة: فكيف لو أدرك زماننا هذا؟! قال عُروةُ: رحم الله عائشةَ، فكيف لو أدركت زماننا هذا؟! ثم قال الزهري: رحم الله عُروة، فكيف لو أدركَ زماننا هذا؟! ثم قال الزبيدي: رحم الله الزهري، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟! وهكذا قال كلّ من رجالِ السَّندِ إلى آخره.
وأنا أقول: فكيف لو أدرك كلُّ واحدٍ منهم ومن بعدهم زماننا هذا.
ومن هنا ما ورد عن جعفر الأحمر: سألت أبا حنيفة عن مسألة، فأجابَ، فقلتُ: لا يزال هذا المِصر بخير ما أبقاكَ اللهُ تعالى، فقال رحمه الله تعالى:
خَلَتِ الدِّيارُ فَسُدْتُ غيرَ مُسوَّدِ ومن الشَّقاءِ تَفَرُّدِي بالسُّوْدَدِ وعن أبي يوسف: أن الإمام كان يُنشد هذا البيت كثيراً:
كَفَى حَزَنَا أَنْ لا حَيَاةَ هَنِئَةٌ ولا عملُ يَرْضَى بهِ اللهُ صَالِحُ انتهى.
وقد نُقل عن بعض السَّلفِ أَنَّه قال: لقد حَلَّت العُزلةُ في زماننا. فقال الغزالي:
فإن حلَّتْ في زمانه، لقد وجبتْ في زماننا. فنعوذُ بالله من شرور أنفسنا وأقراننا. هذا، وبما حرَّرنا في قَلَمِ البيان، ممَّا قرَّرنا في عَلَمِ التّبيان على وجه الإيقان، انكشف بطلان مذهبِ الطَّائفةِ الغَوِيَّةِ المسماة بـ المهدوية في دعوتهم أنَّ المهدي الموعود هو شيخهم المشهود قبل ذلك، وأنَّه توفّي بخُراسان ودفن هنالك، ومن كمال تعصبهم وجهلِهم: يُكفّرونَ أهلَ السُّنَّةِ في إنكارهم المهدي شيخهم، فكفَروا باتِّفاقِ العلماء كما أفتى فقهاء عصرنا في مكة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية.
وكذا تبيَّن بطلان مذهب الإماميَّةِ في قولهم: إنَّ المهدي هو ولد العسكري، وإنَّه لم يمت، وإنَّه إمامُ زمانه وخليفة أوانه، من غير أن يأتوا ببرهانه، أو يُطابقوا أحاديثه عليه السلام في شانه
وقد صرَّحَ القُطْبُ الرَّبَّانِيُّ الشَّيخُ علاء الدولة السمنانيُّ: أنَّ المهدي هذا صار من الأبدال، وغاب عن أعين الرّجالِ، ثم صار قطبا ومات في تلك الحال، وتولَّى القُطبيَّةَ بعده أحدٌ من أرباب الكمال.
فتعيَّنَ الآنَ أن نُوْرِدَ بقيَّةَ ما ورد في حقٌّ المهدي من الأخبارِ؛ ليتبيَّنَ حالُه لَدَى الأبرار والفجَّارِ، فنقول:
منها: قوله عليه السَّلامُ: «أبشركم بالمهدي، رجل من قريش، من عترتي، يخرجُ في أُمَّتي في اختلافِ من النَّاسِ وزِلزَالٍ، فيملأُ الأرضَ قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، ويَرْضَى عنه ساكنُ السَّماءِ وساكنُ الأرضِ، ويقسم المالَ صِحاحاً بالسويَّة، ويملأُ قلوبَ أمَّةِ محمَّدٍ، غنّى، ويسعُهم عدله، حتى إنَّه يأمرُ منادياً فينادي: من له حاجةٌ إليَّ فليأتني، فما يأتيه إلا رجل واحد، فيسأله فيقولُ: انتِ السَّادنَ - أي: الخادم الخازن - حتى يُعطيك، فيأتيه فيقولُ: أنا رسولُ المهدي إليك لتعطيني مالاً، فيقولُ: احْثِ، فيَحْثِي فلا يستطيع أن يحمله، فيُلقي منه حتى يكون قدْرَ ما يستطيعُ أن يحمله، فيخرج به فيندَمُ، فيقول: أنا كنتُ أجشعَ أُمَّةِ محمَّدٍ نَفْساً ـ أي: أحرصَ - كلهم دُعي إلى هذا المالِ فتركه غيري، فيرد عليه فيقولُ: إِنَّا لا نقبل شيئاً أعطيناه، فيلبتُ في ذلك ستاً أو سبعاً أو ثمانياً أو تسع سنين، ولا خير في الحياة بعده». رواه
أحمدُ والباوَرْدِيُّ وأبو نُعيمِ والتَّرْمِذِيُّ عن أبي سعيد، والشَّكُ من الرَّاوي، فلا
ينا في ما تقدم من الجزم بالشبع.
ولعله يعيش إلى آخرِ زمانِ عيسى عليه السّلامُ ليَصِح قوله: «ولا خير في الحياةِ بعده، وقد ثبت أنَّ زمنَ عيد عيسى أيضاً سبع سنين، فكأَنَّهما يجتمعان حياةً ومماتاً. وأما رواية موت عيسى بعد أربعين سنةً، فمحمول على مجموع عمره؛ لأنَّه رُفِعَ إِلى السَّمَاءِ كَهْلاً وهو ابنُ ثلاث وثلاثينَ، فالسَّبع يكون تكملة الأربعينَ.
والله الموفق والمعين.
لكنْ جاءَ في رواية أحمد عائشة: أنَّ عيسى عليه السَّلامُ ينزل ويقتل الدَّجَّالَ، ويمكُثُ في الأرضِ أربعين سنةً إماماً عدلاً، وحَكَماً مُقسط. وفي رواية الطبراني عن عبدِ اللهِ بنِ مُغفّل: «ثم ينزل عيسى ابنُ مريمَ مُصدِّقاً بمحمَّدٍ على مِلَّتِه، إماماً مهديّاً وحَكَماً عدلاً، فيقتلُ الدَّجَّالَ»، وهذا الحديث يدلُّ على إمامته وحكومته بعد المهدي، ويُؤيّده ما رواه مسلم عن أبي هريرةَ: «كيف أنتم إذا نزلَ ابنُ مريمَ فيكم فأَمَّكم.
فمعناه: أنَّ عيسى منكم وداخل في أُمَّتي معكم، أو محمول على ما تقدَّمَ، والله أعلم. وفي رواية ابن عساكر: «إِنَّ الدَّجَّالَ يقتل من المسلمينَ ثُلثاً، ويهِزِمُ ثُلثا، ويُبقي ثلثاً، ويَجُنُّ عليهم الليل، فيقولُ بعضُ المؤمنين لبعض: ما تنتظرونَ إلَّا أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربِّكُم، مَن كان عنده فضل طعام فلْيَغْدُ به على أخيه، وصلُّوا حين ينفجر الفجر وعجّلوا الصَّلاةَ، ثم أقبلوا على عدوّكم، فلما قاموا يُصلُّونَ نزلَ عيسى ابن مريم أمامهم، فصلى بهم .. » الحديثَ.
وفي رواية لأحمد ومسلم عن جابر: «لا تزال طائفةٌ من أُمَّتِي يُقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقولُ: أَلَا إِنَّ بعضكم على بعض أمير؛ تكرمة الله لهذه الأُمة، وقد تقدم وجه الجمع بحيث انكشف الغمة.
وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنِّفه»، عن ابن سيرين قال: المهدي من هذه الأُمَّةِ،
وهو الذي يؤم عيسى ابن مريم عليه السَّلام.
يعني: أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ لما أخرجه ابن ماجه وابنُ خُزيمة والحاكم وأبو عَوَانَةَ وأَبو نُعِيمٍ واللفظ له، عن أبي أمامة قال: خطبنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فذكرَ الدَّجَّالَ، فقالتْ أُمُّ شَرِيكٍ: فأين العرب يا رسولَ اللهِ؟ قال: «هم يومئذٍ قليلٌ وجُملَتُهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي؛ رجلٌ صالح، فبينما إمامُهم قد تقدَّمَ يُصلّي بهم الصبحَ، إِذْ نزل عيسى ابنُ
انظر ما تقدم من الكلام في إمامة المهدي لعيسى عليه السلام.
مريمَ الصُّبحَ، فرجع ذلك الإمامُ ينكص يمشي القَهْقَرى ليتقدَّمُ عيسى، فيضعُ عيسى يديه بين كتفيه ثم يقول له: تقدَّم؛ فإنَّها لك أُقيمت، فيُصلِّي بهم إمامهم». وقد صح أن عيسى عليه السَّلامُ يُدفنُ في حُجرة نبينا، على خلاف أَنَّه قبلَ الصَّدِّيقِ أو بعد الفاروق، فالأوَّلُ أقرب إلى الأدب؛ لكونه نبيَّاً في الحَسَب؛ فالنَّبيَّانِ ثم الوليَّانِ والثَّاني لتعظيم الشَّيخين أنسب؛ ليكونا مكتوفين بين النَّبيِّين، وكَفَى به لهما شرفاً وفضلاً وفخراً ونُبْلاً؛ إذ ما اتَّفَقَ نظيره لأحدٍ من التَّقلين. وأما ما اخترعَه الشَّيعةُ من البِدْعَةِ الشَّنيعة، وهو جعل تابوتِ آدم ونوح عليهما السَّلامُ في مقبرة عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه، فليس له وجهٌ وَجِيه ولا تنبيه نبيه من وجهين: أحدهما: أنَّ قبرَ علي نفسَه غيرُ ثابتٍ في ذلك المقام، وإِنَّما أقدم أحدٌ على
عِمَارَتِه بمجرَّدِ المنامِ؛ كما في قُبَّةِ أُمَّ المؤمنين خديجة الكبرى في صدرِ المُعلَّى من
بلد الله الحرام. وثانيهما: أنَّه لم يثبت تعيين قبرِ أحدٍ من الأنبياء غير قبرِ نبينا صلى الله عليه وسلم وشرَّفَ وكَرَّمَ، وما ذاك إلا لأنه شمس المناقب في الضحى، وغيره بمنزلة الكواكب في ليلةِ الدُّجَى، نَعَمْ قبر حضرة إبراهيم عليه الصَّلاة والتسليم ثابت في تلك القرية، وأمَّا تعيين موضعِ
قبره فمن الفِرْية.
هذا، ومن الألغاز في مقام الإيجاز: أي شخص من هذه الأُمَّةِ أفضل من الشَّيخين عند أهل السُّنَّةِ؟
فيقال: عيسى عليه السَّلامُ من غيرِ الشَّكُ والشَّبهة.
ومنها: قوله عليه السَّلام: «يكونُ اختلافُ عند موتِ خليفة، فيخرج رجلٌ من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه أهلُ مكَّةَ فيُخرجونَه وهو كاره فيُبايعونَه بين الرُّكنِ والمقامِ، ويُبعثُ إليه بَعْثُ من الشَّامِ، فيُخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى النَّاسُ ذلك، أتاه أبدالُ الشَّامِ وعصائب أهل العراق، فيُبايعونَه، ثم ينشأُ رجلٌ من قريش أخواله كَلْبٌ، أي: بنو كَلب؛ وهم قبيلةٌ عظيمةٌ، فَيَبْعَثُ إِليهم بَعْثاً فيَظهرونَ عليهم، وذلك بعثُ كَلبٍ، والخيبة لمن لم يشهد غنيمةَ كَلبٍ، فيقسم المال، ويَعملُ في النَّاسِ بِسُنَّة نبيهم، ويُلقي الإسلامُ بجِرَانِه إلى الأرضِ، فيلبثُ سبع سنين ثم يتوفَّى، ويُصلّي عليه المسلمونَ». رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أُمِّ سَلَمةَ. وفي قوله: «يعملُ بسُنَّةِ نبيكم» إشارة إلى أنَّه ليس بمقلّد لأحد؛ كما هو مذهب
المحدثين؛ بل إنَّما هو مجتهد عامل بالكتاب والسُّنَّةِ بحسب ما يظهرُ له من الضَّعَفِ والقوَّةِ والصحة.
ومنها: قوله عليه السلام: «يكون في آخرِ أُمَّتِي خليفة يقسم المال ولا يعُدُّه». رواه أحمد ومسلم عن أبي سعيد وجابر وفي رواية لأحمد ومسلم عن جابر: «يكونُ في آخرِ أُمَّتِي خليفةٌ يَحْنِي المالَ حَنْيَاً، ولا يعدُّه عدا».
ومنها: قوله عليه السَّلام: «إذا رأيتم الراياتِ السُّودَ قد جاءَتْ مِن قِبَلِ خُراسان
فأتوها؛ فإنَّ فيها خليفة الله المهديّ». رواه أحمد في مسنده» عن ثوبان. وفي سوادِ الرَّايةِ إيماء إلى أنَّه من العباسية، كما بُيِّنَ في محله ما ورد في فضله. ثم مجيتُها من قِبَل خُراسان، وكونه فيها، لا يُنافي ما تقدَّمَ من بَدء ظهوره مما بين الركنين؛ فإنَّه إمَّا محمولٌ على إتيانه إلى الحَرَمَ ثانياً، أو بالنسبة إلى غيرهم، أو يكون حينئذ استقبلهم ودخل معسكرهم، والأوسط هو الأوسط، ويؤيده رواية أحمد والترمذي، عن أبي هريرة: «يخرجُ من خُراسان رايات سود، فلا يَردُّها شيء حتى تُنصَبَ بإيلياء».
وفي رواية الحاكم والدَّيلمي عن ثوبان: «فإذا رأيتُموه فبايعوه ولو حبوا على الثَّلج، فإنَّه خليفة الله المهدي.
ويقويه قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّا أهلُ بيت اختار الله لنا الآخرة على الدُّنيا، وإِنَّ أهل بيتي سيلقوْنَ من بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قِبَلِ المشرقِ رايات سود، فيسألون الحقِّ فلا يُعطَوْنَه، فيُقاتِلونَ، فيُنصَرُونَ، فيُعطَوْنَ ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، يُواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملكُ الأرضَ، فيملأُها قسطاً وعدلا كما ملؤوها جوراً وظلماً، فمَن أدرك ذلك منكم أو مِنْ أعقابكم فليأتهم ولو حبوا على التَّلْحِ؛ فإِنَّها راياتُ هدى». رواه الحاكم، عن ابن مسعود.
وفي إطلاق خليفة الله عليه دلالة واضحةٌ على عُلو شأنه ورفعة مكانه، وهو أصرح في تعظيم أمره من قوله تعالى في حقّ آدمَ عند ذِكرِه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: ??]، ومن قوله سبحانه: {يَدَاوُردُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} الآيةَ [ص: 26].
والحاصلُ: أنَّ هذا مَنقَبَةٌ عَليَّةٌ، ومرتبةٌ جَلِيَّةٌ، وربَّما يكونُ المهدي أفضل من الصِّدِّيقِ من هذه الحيثيَّةِ؛ فإنَّه يُقالُ: له خليفةُ رسولِ اللهِ، لا خليفةُ اللهِ، ولَمَّا تولَّى عمر الخلافة، ولم يصدق عليه أنَّه خليفةُ رسولِ اللهِ؛ لعدم صدقه عليه في المعنى، ولو قيل: خليفة خليفة رسولِ اللهِ، لطال المبنى = قالوا له: أمير المؤمنينَ، فهو أَوَّلُ مَن لُقب به، كما أوضَحْتُه في «شرح الأربعين».
ومما يُؤيد ما أشرنا إليه: قوله: «لن تَهْلِكَ أُمَّةٌ أنا في أوَّلِها، و ابن مريم في آخرها، والمهدي من أهل بيتي في أوسطها». رواه أبو نعيم وابنُ عساكر عن ابنِ عباس.
وأما قوله عليه السَّلام: «لا يزدادُ الأمرُ إِلَّا شدَّةً، ولا الدُّنْيا إِلَّا إِدباراً، ولا النَّاسُ إلَّا شُحَّاً، ولا تقومُ السَّاعةُ إِلَّا على شرارِ النَّاسِ، ولا مهديَّ إِلَّا عيسى ابن مريم. فالمراد بالمهدي معناه اللُّغوي، والتقديرُ: لا مهدي كاملاً معصوماً في ذلك الوقتِ إلَّا عيسى ابنُ مريمَ، والله أعلم.
وقد أخرجَ نُعيمُ بنُ حَمَّادٍ عن الوليد بن مسلم، قال: سمعت رجلاً يُحدِّثُ قوماً فقال: المهديُّونَ ثلاثة: مهدي الخير: عمر بن عبد العزيز، ومهديُّ الدَّمِ: وهو الذي تسكنُ عليه الدّماء، ومهدي الدِّينِ: وهو عيسى، تَسلمُ أُمَّتُه في زمانه. ومنها قوله عليه السَّلامُ: «لا تذهبُ الدُّنيا ولا تنقضي حتى يملك رجلٌ من أهل بيتي، يُواطئ اسمه اسمي
وفي رواية للترمذي بسند صحيح. عنه، ولفظه: «يَلِي رجلٌ من أهل بيتي، يُواطئ اسمه اسمي، ولو لم يبقَ من الدُّنيا إِلَّا يومٌ لَطَوَّلَ اللهُ ذلك اليوم حتَّى يَلِيَ
وفي رواية: «اسمه اسم أبي، واسم أبيه اسم أبي، فيملؤُها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فلا تمنعُ السَّماءُ شيئاً من قَطْرِها، ولا الأرضُ شيئاً من نباتها مدة ما يمكث فيها».
ومنها قوله عليه السَّلام: «في ذي القَعْدَةِ تجاذب القبائل، وعامئذ يُنهبُ الحاج، فتكون ملحمة بمنى، حتى يهرب صاحبهم، فيُبايع بين الركن والمقامِ وهو كاره، فيُبايعه مثلُ عِدَّةِ أهل بدر، يرضى عنه ساكنُ السَّماءِ وساكن الأرض». رواه الحاكم وغيره عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
ورواه أبو نُعيمٍ عن شَهرِ بنِ حَوشَبِ مرسَلاً: أَنَّه عليه السَّلامُ قال: «يكونُ في رمضان صوت، وفي شَوَّالَ هَمْهَمَةٌ، وفي ذي القعدة تتحارب القبائل، وفي ذي الحِجَّةِ يُنتهب الحاج، وفي المحرَّمِ يُنادِي منادٍ من السَّماءِ: أَلَا إِنَّ صفوةَ اللهِ من خلقه فلان، فاسمعوا له وأطيعوا.
وعن قتادة قال: كان يُقالُ: إِنَّ المهدي ابنُ أربعين سنةً. رواه ابن عساكر. وعن علي قال: المهدي مولده بالمدينة، من أهل بيتِ النُّبُوَّةِ، واسمه اسمُ النَّبِيِّ، ومُهاجَرُه بيت المقدس، كَثُ اللحية، أكحل العينينِ، بَرَّاقُ الثَّنايا، في وجهِه خَالٌ، في كتفه علامة النَّبيِّ، يخرُجُ بَرَايَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم من مِرْطِ مُعْلَمَةٍ سوداء مربعةٍ، فيها حَجَرٌ، لم تُنشر منذ توفّي رسولُ الله، ولا تُنشر حتى يخرج المهدي، يُمِدُّه الله بثلاثةِ آلافٍ من الملائكة يضربون وجوهَ مَن خالفهم وأدبارهم، يُبعثُ وهو ما بين الثَّلاثِينَ إلى الأربعينَ. رواه نُعِيمُ بنُ حَمَّادٍ.
فتأمل في هذه الرواية مما يدلُّ على تعظيم المهدي من جهة الدراية. وعن عمر بن الخطاب أنه ودع البيت وقال: والله ما أدري أدعُ خزائن البيت و ما فيه من السلاح والمال، أم أقسمه في سبيل الله، فقال له علي بن أبي طالب: امض يا أمير المؤمنين فلست بصاحبه، إنَّما صاحبه منَّا شاب من قريش يقسمه في سبيل الله في آخرِ الزَّمانِ. رواه أبو نعيم.
وعن علي قال: ليخرجنَّ رجلٌ من ولدي عند اقتراب الساعة حين تموتُ قلوب المؤمنين كما تموتُ الأبدانُ؛ لِمَا لَحِقهم من الشِّدَّةِ والضُّر والجوع والقتل، وتواتر الفتن والملاحم العظام وإماتة السنن وإحياء البدع وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُحيي الله بالمهدي محمدِ بنِ عبدِ اللهِ السُّننَ التي قد أُميتتْ، ويَسُرُّ بعدله وبركته قلوب المؤمنين، وتتألفُ إليه عُصَبٌ من العجم وقبائل من العرب، فيبقى على ذلك سنين ليست بالكثيرة دون العشرة ثم يموتُ. رواه ابن المنادي في «الملاحم.
وعن علي قال: وَيحَاً للطَّالَقَانِ؛ فإنَّ الله فيها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضَّة، ولكن بها رجال عرفوا الله حق معرفته، وهم أنصار المهدي آخرَ الزَّمانِ. رواه أبو غَنْمٍ الكوفي في كتاب «الفتن».
قلتُ: وقد جاءَ أنَّ أكثرَ أنصارِ الدَّجَّالِ من أَصفَهَانَ، وفيه تنبيه على أنَّ أنصار
المهدي أهلُ السُّنَّةِ والجماعة، وأنصارَ الدَّجَّالِ أَهل الكفر والبدعة.
وعن علي قال: قال النبي: يخرجُ رجل ممَّا وراءَ النَّهرِ يُقالُ له الحارث، حَرَّاتٍ على مقدمته رجلٍ يُقال له: المنصور، يوطئ أو يُمكِّنُ لَآلِ محمد كما مكنت قريش لرسولِ اللهِ، وَجَبَ على كلِّ مؤمن نصره»، أو قالَ: إجابته». رواه أبو داود ه.
وفيه إشعار إلى أنَّ أهلَ ما وراءَ النَّهرِ مُحِبُّونَ لأهل بيتِ النُّبُوَّةِ، لا كما يزعم الرافضة أنَّهم الخارجيَّةُ، ولقد أحسن العلامة التوربشتي في كتابه «المُعتمَدُ في المُعتَقَدِ»: أنَّ الله سبحانه جعل أهلَ السُّنَّةِ على الطَّريقِ المستقيم والدين القويم، وأهل البدع انحرفوا عنه إلى يمين الطريق ويسارها؛ لعدم التوفيق، وقد قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ
فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]؛ فالروافضُ يُسمُّونَ أَهلَ السُّنَّةِ بالخوارج، والخوارج يعتقدون فيهم أنَّهم الروافض، ونحن بريئون بحمد الله من الفريقين، لا مائلون إلى أحدِ الطَّريقين، ولا شَكٍّ أنَّ كلَّ واحدٍ يدعي أنه واقف على الجادَّةِ، وقائم إلى قبلةِ السَّجادة، لكنَّه عليه السَّلامُ لمَّا قال: «ستفترقُ أُمَّتِي على ثلاث وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّارِ إلا واحدةً، قيل: ما هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي»؛ فالفرقة الناجية هم أهل السُّنَّةِ والجماعةِ الرَّاجية. ثم اعلم: أنَّ في حقٌّ عيسى عليه السَّلامُ ورد أيضاً أحاديثُ بنقل علماء الإسلام، فلْنُورِدُ بعضها ليتم الكلامُ في مَرامِ هذا المقامِ.
فمنها: قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّ رُوحَ الله عيسى نازل فيكم، فإذا رأيتُموه فاعرفوه؛ فإنَّه رجل مربوع، إلى الحُمرة والبياض، عليه ثوبانِ ممصَّرانِ، كَأَنَّ رَأسَه يقطرُ وإِن لم يُصِبْه بَلَل، فيدقُ الصَّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو النَّاسَ إلى الإسلام، فيُهلِكُ الله في زمانه المسيحَ الدَّجَّالَ، وتقعُ الأَمَنَةُ على أهلِ الأَرضِ حتى تَرْعَى الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذَّتَابُ مع الغنم، ويلعبَ الصِّبيانُ بالحيَّاتِ لا تضرهم، فيمكثُ أربعين سنةً، ثم يُتوفَّى، ويُصلّي عليه المسلمون». رواه ابن عساكر عن أبي هريرة.
ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «الأنبياء إخوةٌ لَعَلَّاتٍ، أَمَّهَاتُهم شَتَّى ودينهم واحدٌ، وإنِّي أولى النَّاسِ بعيسى ابن مريم؛ لأنَّه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنَّه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجل مربوع، إلى الحُمرة والبياض، عليه ثوبان ممصَّرانِ، رأسه يقطرُ وإن لم يُصبه بلل، فيدقُ الصَّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو النَّاسَ إلى الإسلام، فتهلك في زمانه الملل كلُّها إِلَّا الإسلام، وترتعُ الأسود مع الإبل، والنِّمَارُ مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعبُ الصّبيانُ بالحيَّات فلا تضرهم، فيمكثُ أربعين سنةً، ثم يُتوفّى ويصلي عليه المسلمون». رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة.
وقوله: «فيمكتُ أربعين سنةً يَحتمل أن يكونَ بيان عمره جميعاً في وجهِ الأرض، أو مدَّةَ نزوله من السَّماءِ بالطُّولِ والعرض.
وقوله: «لم يَكُنْ بيني وبينه نبي بإطلاقه يردُّ على مَن قال بنبوَّةِ خالد العبسي بينهما، ويحتمل أن يُقيَّدَ النَّفي بما بينهما فيما تأخَّرَ لا فيما تقدَّمَ، والله أعلم. ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «إِنِّي لأرجو إن طال بي عُمُرُ أَنْ ألقى عيسى ابن مريمَ، فإِنْ عَجِلَ بي موت، فمَن لَقيهُ منكم فلْيُقْرِتُه منّي السَّلامَ». رواه مسلم عن أبي هريرة. وفيه تنبيه نبية على أنَّ الإيمانَ الإجمالي بنزول عيسى كافٍ في العقائد، وأنَّه ينبغي للمرء أن يتمنَّى رؤية الأنبياء والأصفياء؛ لما يترتب عليها من الفوائد، ويتعيَّنُ
على من أدرك عيسى عليه السَّلامُ أن يُبلِّغَه سلام نبينا عليه التَّحِيَّةُ والإكرام. ومنها: قوله عليه السَّلامُ: طُوبَى لعيش بعد المسيح، يُؤذَنُ للسَّماء في القطر، وللأرض في النَّباتِ، فلو بُذرتْ حبَّةٌ على الصفا لنبتتْ، ولا تباغضَ ولا تحاشد، حتى يمر الرّجلُ على الأسد فلا يضره، ويطأُ على الحيَّةِ فلا تضره». رواه أبو نعيم عن أبي هريرة.
وفيه دلالة على أنَّ العيشَ الطَّيِّبَ إنَّما هو برفعِ التَّباغُضِ والتَّحَاسُدِ، وَأَنَّه بكماله غير حاصل إلَّا في زمانِ عيسى عليه السَّلام، وكذا يكون في دارِ السَّلامِ لأهل الإسلام، كما في قول الله الملِكِ العلامِ {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلْ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَبِلِينَ} [الحجر: 47]؛ وورد عن عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَه أَنَّه قال: أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير.
ومنها قوله عليه السَّلامُ: ينزل عيسى ابنُ مريمَ عند باب دمشق» ـ وفي رواية:
شرقي دمشق، عند المنارة البيضاء - لست ساعاتٍ من النَّهارِ، في ثوبين ممشقينِ، كأَنَّما يتحدَّرُ من رأسه اللُّؤْلُؤُ». رواه تمام وابن عساكر عن كَيسان.
ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «لَيهبطنَّ عيسى ابنُ مريمَ حَكَماً وإماماً مُقْسِطاً، وليسلكنَّ فَجَّاً حاجاً أو معتمراً، وليأتين قبري حتى يُسلَّمَ عليَّ، ولأَرُدَّنَّ عليه». رواه ابن عساكر عن أبي هريرة.
وقوله: «الأَرُدَّنَّ عليه»؛ أي: ظاهراً، وإلا فهو عليه السَّلامُ يردُّ على كلُّ مَن يُسلّم عليه باطناً؛ كما في حديثِ: «ما من أحدٍ يُسلَّم عليَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عليَّ روحي حتى أرد عليه».
فيُفيدُ الحديثُ الشَّريف تخصيص عيسى بهذا المنصبِ المُنيفِ، فَمَن ادَّعى هذا المعنى المبني على كمالِ المَعْنَى من غيره، ولو من العلماء أو المشايخ الكرماء، فعليه بالبيان وإتيان البرهان، وإلَّا فما أَيسر الدعوى، وما أَعْسَرَ المعنى.
ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «خيرُ هذه الأُمَّةِ أَوَّلُها وآخرُها؛ أَوَّلُها فيهم رسولُ اللَّهِ، وآخرها فيهم عيسى ابن مريم». رواه أبو نعيم في «الحلية»، عن عُروة بن رُويم. ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «عِصابتان من أُمَّتِي أحرزهما الله من النَّارِ:
عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم. ومنها قوله عليه السَّلام: يخرجُ الدَّجَّالُ في أُمَّتِي فيمكثُ أربعين سنةً، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأَنَّه عُروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه فيُهلكه، ثم يمكثُ النَّاسُ سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يُرسل الله ريحاً باردةً من قِبَلِ الشَّامِ، فلا يَبْقَى على وجه الأرضِ أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلَّا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخلَ في كَبِدِ جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، فيبقى شرارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثلُ لهم الشَّيطانُ فيقول: ألا تستجيبون؟! فيقولون: بم تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم يُنفخُ في الصُّورِ فلا يسمعه أحدٌ إلَّا أصغى ليتاً ورفع ليتا - وهو بكسرة اللام: صفحة العنق ـ وأوَّلُ مَن يسمعُه رجلٌ يَلُوطُ حوض إبله، فيُصعقُ ويُصعقُ النَّاسُ، ثم يُرسل الله مطراً كأَنَّه الطَّلُ، فينبت منه أجساد الذين ماتوا، ثم يُنفخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرونَ، ثم يقولُ: يا أَيُّها النَّاسُ! هَلُمُّوا إلى ربِّكُم، {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]، ثم يُقالُ: أخرجوا بَعْثَ النَّارِ، فيُقالُ: من كم؟ فيُقالُ: من كلِّ ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فذلك يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبا} [المزمل: 17]، وذلك وَيَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [القلم: 42]. رواه أحمد ومسلم عن ابن عمر. فإن قلت: هل يكون عيسى عليه السَّلامُ مجتهداً مطلقاً في القضايا والأحكام،
أو يكون عاملاً بالوحي والإلهام؟ يحتمل الأمرين، وعلى التقديرين يكون أحكامه قطعيَّةً لا ظنِّيَّة؛ لأنَّ الأنبياء ولو وقع منهم الخطأ، لم يستقروا عليه؛ بل نبهوا بالإنباء، والله أعلم بحقائق الأشياء. ثم اعلم أنه ورد في مسندِ حذيفةَ بنِ اليَمانِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ الدَّجَّالُ قبل عيسى ابن مريم؟ قال: «الدَّجَّالُ ثم عيسى ابن مريم، ثم لو أنَّ رجلاً أَنْتَجَ فرساً لم يركب مُهرَها حتى تقومَ السَّاعةُ».
وقد تقدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ ظهور المهدي، ثم الدَّجَّالُ، ثم عيسى، ثم خروجُ يأجوج ومأجوج، وآخر الآيات طلوع الشمس من مغربها، ثم تكون النفخة الأولى على شرار الخلق ممَّن لم يقل: لا إلهَ إِلَّا الله، ثم تقعُ النَّفخةُ الثَّانية، وبين النَّفختين أربعونَ سنةً كما ثبت عنه، ويقول الحقُّ فيها: لمَن الملكُ اليوم؟ فيُجيبُ بذاتِه: للهِ الواحد القهار، وحيث لم يكن في الدَّارِ غيرُه دَيَّار، وكذا الآنَ في نظرِ أربابِ الشُّهودِ سوى الله، والله ما في الوجود، وهذا معنى قولهم: كان الله ولم يكن معه شيء، والآن على ما عليه كان. وهذا يحتاجُ إلى بسط في البيان، فصَرَفْنا عنه العِنان.
ورجعنا إلى معنى ما ورد في بعض الرواياتِ: أنَّ عمرَ الدُّنيا سبعةُ آلافِ سنةِ، وأَنَّ نبينا بعث في الألف السابع، ولهذا يُقال له: نبيُّ آخرِ الزَّمانِ، وقد تَعدَّى عن الألفِ ثلاثَ عشرة سنةً في هذا الآوان، فلا بُدَّ أن يقعَ أشراط السَّاعَةِ قبل تحققِ القيامة، فيحتاج إلى إطالة المدَّة؛ تكملة للعِدَةِ والعِدَّةِ.
والتحقيق ما ذكره شيخ مشايخنا الجلال السيوطي رحمه الله في رسالته «الكشفُ في مجاوزة هذه الأُمَّةِ الألف»، إلَّا أنَّه لا يتجاوز عن الخمس مئة؛ ليصح ما ثبت في
الحديث، فإنَّه قد يُذكرُ العددُ ويُسقَط كسره من المدَّةِ؛ كما ورد في رواية: «أَنَّ عُمرَه عليه السلام ستّونَ سنة، مع أن الصحيح ثلاث وستونَ 2 كما في رواية، وأما رواية «خمس وستينَ»؛ فمحمولة على اعتبار عامِ الولادة وسَنَةِ الوفاة.
فههنا كذلك يتعيَّن أن يُحمل على إسقاط الكسر، والكسر لا يكون أكثر من
النّصفِ؛ فإنَّه يلزم حينئذ أن يكونَ عُمُرُ الدُّنيا ثمانية آلافٍ؛ إما مع الكسر، أو الجبر.
ألف من راجعه، وكأني بك تراه منهدما». قلت: وقد انقضت المئة التي كان فيها الآلوسي ومئة بعدها، ولم يظهر المهدي، فانهدم ما السيوطي بناه، والحمد لله على ما أولاه، إنه هو العليم الحكيم. وقال الآلوسي أيضاً في رده على السيوطي: وقد يَرِدُ عليه بأنه مضى من زمن البعثة إلى يومنا هذا ومئتان وثمان وستون سنة، وإذا ضم إليها ما ذكره من سني مكث عيسى عليه السلام وبقاء الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها وما بين النفختين مئتا سنة وهي تصير ألفاً وأربع مئة وثمان وسبعين، فيبقى من المدة التي ذكرها اثنتان وعشرون وإلى الآن لم تطلع الشمس من مغربها، ولا خرج الدجال الذي خروجه قبل طلوعها من مغربها بعدة سنين، ولا ظهر المهدي الذي ظهوره قبل سنين، ولا وقعت الأشراط التي قبل ظهور المهدي، ولا يكاد يقال: إنه يظهر بعد بسبع خمس عشرة سنة ويظهر الدجال بعدها بسبع سنين على رأس المئة الثالثة من الألف الثانية؛ لأن قبل ذلك مقدمات تكون في سنين كثيرة، فالحق أنه لا يعلم ما بقي من مدة الدنيا إلا الله عَزَّ وَجَلَّ، وأنه - وإن طال - أقصر قصير، وما متاع الحياة الدنيا إلا قليل»
وقد أخرجَ نُعِيمُ بنُ حَمَّادٍ عن أبي قبيل، قال: اجتماع النَّاسِ على المهدي
سنة أربع ومنتين.
يعني: بعد الألف السابع، ويكون بقية أشراط الساعة ينقضي قبل
الخمس مئة.
وكذا ما أخرجه نُعيم أيضاً عن جعفر، قال: يقومُ المهدي سنةَ مئتينِ هذا، وقال أبو الحسنِ محمَّدُ بنُ الحسين بن إبراهيمَ بنِ عاصم السِّجْزِي: قد تواترتِ الأخبار واستفاضت بكثرةٍ رُواتِها عن سيّدِ الأخيار وسندِ الأحبار، بمجيء المهدي المختارِ، وأنَّه من أهل بيته وأنَّه سيملك سبع سنين، وأنه يملأُ الأرض عدلاً، وأنَّه يَخرجُ مع عيسى عليه السّلام، فيساعده على قتلِ الدَّجَّالِ بابِ لُدٌ بأرضِ فلسطين، وأنَّه يؤم هذه الأُمَّةَ، وعيسى يُصلي خلفه، في طولٍ من قصَّتِه وأمرِه. وهذا كله باعتبار الإجمالِ في زمانِ السَّاعة، وما يترتب عليه من
الأحوال، وإلا فقد فقد قال تعالى: {يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَتَهَا إلَى رَبِّكَ منتهها} [النازعات: 42 - 44]، وفي آية 1 أخرى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِيهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: ???]، وفي أخرى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: 63]، وفي أخرى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34]، وهي من:
مفاتيح الغيبِ خمس لا يعلمهنَّ إِلَّا الله» كما ورد في حديث.
وفي حديثِ جبريل عليه السَّلامُ لمَّا سألَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: «أخبرني عن السَّاعةِ، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها ... » الحديث. والحاصل: أن ساعة القيامة بعينها لا يعرفُهَا إِلَّا اللهُ، ولا يطَّلِعُ على حقيقتها سواه، كما قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا} [طه: 15]؛ أي: أُخفي علاماتها؛ لحكمة ه في إخفاء حالاتِها، أو أَقْرُبُ أن أخفيها فلا أقولُ: إِنَّها آتية بما فيها، ولولا ما في الأخبار من اللطف والإعذار، لما أخبرتُ بها واخترتُ الإسرار؛ لأنَّها من جملة الأسرار.
أو المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي؛ كما قُرئ بها؛ أي: لو كان ممكناً إخفاؤها. وفي الجملة: أظهرَ اللهُ إتيانها، وأَخْفَى زمانَهَا؛ لتُجْزَى كُلُّ نفسٍ بما تسعَى قبلَ أوانها؛ تعظيماً لشأنها في إخفاء بيانها.
فنسألُ اللهَ حُسنَ الخاتمة في الحالة اللاحقة، وإن كان المدار على الأمور السابقة، والحمد لله على ما أسبغ علينا من نِعَمِه الظاهرة والباطنة، وجَعَلَنا فيما بين الخَلْقِ من خير الأمم وأتباع النَّبيِّ المكرَّمِ والرَّسولِ المعظم، وأنعم علينا بموافقة مذهب أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وإن كنا مقصرين في مقام الطاعة، فنرجو من كرمه العميمِ ولطفه القديم أن يحفظنا من الفضيحةِ والشَّناعة؛ كما قال القائل: لَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ فيما مَضَى كذلك يُحسِنُ فيما بَقِي وهذا حسن ظننا به، وهو أكرم الأكرمين، وأرحمُ الرّاحمين. فصل في هذا الكلامِ، وَصْل في مقامِ المَرامِ
وهو أنه عارضني في هذه القضيَّةِ مَن هو عارٍ عن الفضيلة بالكلية؛ بل هو خالٍ عن إدراك علم الباطن والظاهر، وفي صورةِ الفَرخ في سماءِ عَلْماءِ الطَّائِرِ، وأبرز نقلاً ممَّا كُتبَ في قَفَاءِ الدَّفاتر، الذي يُدرِكُ بطلانَه ذو العقل القاصر، والفهم الفاتر، ومع هذا منقول من كتاب هو مجهول. وقد صرَّحَ الإمامُ ابنُ الهُمام بأنَّه لا يجوز نقل المسائل الشرعية عن غيرِ الكتب المتداولة، يستوي فيه العلوم الأصليَّةُ والفرعيَّةُ.
ثم ألفاظه ومبانيه مع ذلك في غاية من الرَّكاكةِ الدَّالَّة على بطلان معانيه، وها أنا أذكرُ لك جميع ما فيه؛ لتُحيط علماً بما يوافقه وما ينافيه، حيث قال ولم يخشَ ما عليه من الوَبالِ والمآلِ، من غضب الملِكِ المتعال:
اعلم أنَّ الله تعالى قد خَصَّ أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه بالشَّريعة والكرامة؛ ومن كراماته: أنَّ الخَضِرَ عليه السَّلامُ كان يجيء إليه كلَّ يومٍ وقتَ الصُّبحِ، ويتعلَّمُ منه أحكامَ الشَّريعة إلى خمس سنينَ، فلمَّا تُوفِّيَ أبو حنيفة، ناجَى الخَضِرُ رَبَّه وقال:
إلهي! إن كان لي عندك منزلةٌ فأذَنْ لأبي حنيفة حتى يُعلِّمَني من القبرِ على حَسَبِ عادته، حتى أعلم شرع محمَّدٍ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم على الكمال؛ ليحصل الطَّريقة والحقيقةُ، فنودي: أنْ اذهب إلى قبره وتعلَّمْ منه ما شئتَ، فجاءَ الخَضِرُ عليه السلام إليه، وتعلَّمَ منه ما شاءَ كذلك إلى خمس وعشرين سنةً أخرى، حتى أتم الدَّلائل والأقاويل، ثم ناجَى خَضِرٌ عليه السَّلامُ ربَّه وقال: إلهي! ماذا أصنع؟ فنودِي: أنْ اذهب إلى صفائِك واشتغل بالعبادة إلى أن يأتيك، أمري، إلى أن اذهب إلى البقعة الفلانيَّة وعلَّمْ فلاناً عِلمَ الشَّريعةِ، ففعلَ خَضِرُ عليه السَّلامُ مَا أُمَرَ.
ثم بعد المدَّةِ ظهر في مدينة ما وراءَ النَّهرِ شاب، وكان اسمه أبا القاسمِ القُشَيرِيُّ، وكان يخدم لأمه ويحترمها، ثم إنَّه قال وقتاً من الأوقاتِ لأُمه: يا أُمَّاه! قد حصل لي الحرص على طلب العلم، وقد قال عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهَه: مَن كان في طلب العلمِ كانت الجنَّةُ في طلبه، فأذني لي حتى أذهب إلى بُخارى وأتعلم العلم، فتفكَّرت والدته وقالت: إن لم أُعطِه الإذنَ أكونُ مانعة للخير، وإنْ أذِنْتُ له لم أصبر على فراقه، فلم يكن لها بد حتى أذنت له فودَّعَ القُشَيري والدته وعزم على السَّفرِ مع شاب صاحب له يطلبان العلم، فقعدت أمه على البابِ باكيةً حزينةً وقالت: إلهي! اشْهَدْ أني حرَّمتُ على نفسي الطَّعامَ والشَّراب والمنزل، ولا أقومُ من مقامي حتى أرى ولدي، فمضى القشيري وصاحبه حتى نزلا في منزل ليأكلا فيه طعاماً، فقامَ القُشيري ليقضي حاجته، فتلوّث ثيابه ببوله، وقال لصاحبه: اذهب أنت فإنّي أُريدُ أنْ أرجعَ، فقال له صاحبه: لم ترجع؟ قال: لأنَّ هذا السفر ليس بمبارك لي، وقد أصابَ لثيابي النَّجاسة في أَوَّلِ المنزل، وأخافُ أنْ تُصِيبَ النَّجاسةُ لجسمِي في المنزلِ الثَّاني، وتُصيب روحي في الثَّالِثِ، فقُعودي عند والدتي أَوْلَى، ورجع إلى أمه، وكانت قاعدة على مكانها التي فأمر الله تعالى الخَضِرَ عليه السَّلامُ أنْ اذْهَبْ إلى القشيري وعلمه ما تعلمت من أبي حنيفة؛ لأنه أرضَى أمه، فجاءَ الخَضِرُ إلى أبي القاسم وقال: أنت أردتَ السفر لأجل طلب العلم، وقد تركته لرضا أمك، وقد أمرني الله أن أجيء إليك كل يوم على الدَّوامِ وأعلمك، فكلّ يومٍ يجيء إليه الخَضِرُ عليه السَّلام حتى مضى ثلاث سنين، وعلمه العلوم الذي تعلم من أبي حنيفة في ثلاثين سنة، حتى علمه علم الحقائقِ والدَّقائق ودلائل العلم، وصار مشهور دهره وفريد عصره،
حتى صنف ألف كتاب، وصار صاحب كرامة، وكثرَ مُريدوه وتلاميذه. فكان له مريدٌ كبيرٌ متديّن لا يُفارقُ الشَّيخَ، فعَدَّ له الشَّيخُ ألف كتابٍ من مصنفاته، ووضعه في الصندوق، وأعطى لذلك المريد وقال: قد بدا لي أمر، فاذهب وارم هذا الصندوق في نهرِ جَيحُونَ، فحمل المريدُ الصُّندوق وخرج من عندِ الشَّيخِ وقال في نفسه: كيف أرمي مصنفاتِ الشَّيخِ في الماء، لكن أذهب وأحفظ الكتب وأقول للشيخ رميتها، وحفظ الكتب وجاء وقال للشيخ: رميتُ الصُّندوق إلى الماء، قال الشيخ: وما رأيتَ في تلك السَّاعةِ من العلامة؟ قال: ما رأيتُ شيئاً، قال الشَّيخُ: اذهب وارم الصندوق، فذهب المريدُ إلى الصندوقِ وأراد أن يرميه فلم يهن عليه، ورجع إلى الشيخ مثل الأوَّل فقال: رميته؟ قال: نَعَمْ، قال: وما رأيت؟ قال: لم أرَ شيئاً، قال الشيخ: وما رميته فاذهب وارمه فإنَّ لي فيها سِراً مع الله ولا تَرُدَّ أمري، فذهب المريد ورمى الصندوق، فخرج من الماء يَدٌ وأخذ الصندوق، قال المريد له: من أنت؟ فنادى من الماء: إنِّي وُكُلتُ لأن أحفظ أمانة الشَّيخِ، فرجع المريد وجاءَ إلى الشيخ، فقال الشَّيخُ: رميته؟ قال: نعم، قال: وما رأيت؟ قال: رأيتُ الماءَ قد انشق وخرج منه يَد وأخذ الصندوق، وقد صرت متحيراً، وما السِّرُّ في ذلك؟ قال الشَّيخُ: السر في ذلك أنه إذا قربتِ القيامة وخرجَ الدَّجَّالُ ونزل عيسى بيت المقدس، ويكونُ إمام المسجد رجل صالح من آل علي رضي الله تعالى عنه، فيعلمُ عيسى عليه السَّلامُ
ويقول: قدم إلى المحرابِ وصل بنا، فيقول عيسى عليه السلام: إني جئتُ تابعاً لشرع محمد صلى الله تعالى عليه وسلَّم؛ بل أنتَ صَل بنا، فيُصلِّي بهم، فإذا فرغ من الصَّلاةِ يأمرهم أن يركبوا ويقصدوا الدَّجَّالَ، فيقتله وينهزم عسكره، ويقتلهم المسلمون، فإذا فرغوا من قتلهم، فيضعُ عيسى عليه السَّلامُ الإنجيل بجنبه ويقول: أين الكتب المحمدي؟ وقد أمرني الله تعالى أن أحكم بينكم بكتبه ولا أحكم بالإنجيل، فيطلبون الدُّنيا ويطوفون البلاد، فلم يوجد كتاب من كتب الشرع المحمدي، فيتحير عيسى عليه السلام ويقول: إلهي! بماذا أحكم بين عبادك ولم يوجد كتاب غير الإنجيل؟ فينزل جبريل عليه السَّلامُ ويقولُ: قد أمر الله تعالى أن تذهب إلى نهرٍ جَيحُونَ وتركعَ بجنبه ركعتين وتُنادي: يا أمين صندوق أبي القاسمِ القُشَيري سلَّمَ إِليَّ الصندوق وأنا عيسى ابن مريم، وقد قتلتُ الدَّجَّالَ، فيذهب عيسى عليه السَّلامُ إِلى جَيحُونَ ويُصلِّي ركعتين ويقول مثل ما أمره جبريل عليه السَّلام، فينشقُ الماء ويخرجُ الصُّندوق، ويأخذه ويفتحه ويجد فيه ختمه وألف كتاب، فيحيا الشَّرعُ بذلك الكتب.
ثم سأل عيسى عليه السَّلامُ جبريل بم نال أبو القاسم هذه المرتبة؟ فقال:
برضاء والدته، والله أعلم بالصواب من كتاب «أنيس الجلساء»، انتهى. ولا يَخْفَى أنَّ هذا من كلام بعض الملحدين، السَّاعي في فسادِ الدِّينِ؛ إِذْ حاصله أَنَّ الخَضِرَ الذي قال تعالى في حقه: عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا} [الكهف: 65]، وقد تعلم موسى عليه السَّلام بعض العلوم منه بما أُوتي حلماً = من جُملة تلاميذ أبي حنيفة، ثم عيسى عليه السَّلامُ يأخذ أحكام الإسلام من تلميذ تلميذ أبي حنيفة في ذلك المقام، وما أسرع فهم التلميذ حيث أخذ عن الخَضِرِ في ثلاث سنين ما تعلَّمه الخَضِرُ من أبي حنيفة حياً وميتاً في ثلاثين سنة. وأعجب منه أنَّ أبا القاسمِ القُشَيري ليس معدوداً في طبقات الحنفية، وإنما هو أحد أكابر الشافعية.
ثم التَّعجُّبُ من الخَضِرِ أَنَّه أدركَ النَّبيَّ عليه السَّلام، ولم يتعلم منه الإسلام، ولا من علماء الصَّحابة الكرام؛ كعلي بابِ مدينة العلم وأقضى الصَّحابة، وزيد أفرضهم، وأُبي أقرأُ القُرَّاء، ومعاذ بن جبل الأعلم بالحلال والحرام، ولا من التابعينَ العِظام؛ كالفقهاء السَّبعة وسعيد بن المسيب بالمدينة، وعطاء بمكة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشّام، وقد رضي بجهله بالشَّريعةِ الحنيفية حتى تعلَّمَ مسائلها بدلائلها في أواخر عُمرِ أبي حنيفة، فهذا ممَّا لا يَخْفَى بطلانه على العقولِ السَّخيفة، والفُهُومِ الضعيفة؛ بل لو اطَّلع على هذه المقالة الرَّديَّةِ علماءُ الشَّافعيّة، أو الحنابلة والمالكية، أخذوها على وجهِ السُّخرية، وجعلوها وسيلةً في قِلَّةِ عقلِ الطَّائفة الحنفية، حيث لم يعلموا أنَّ أحداً منهم لم يرضَ لهذه القضيَّة بالكلية.
ثم لو تعرَّضْتُ لِمَا في مَنقوله من الخَطَاءِ في مبانيه ومعانيه الدَّالَّة على نقصان معقوله، لصارَ كتاباً مستقلاً في رد محصوله، إِلَّا أَنِّي أعرضتُ عنه صَفْحَاً؛ لقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلِينَ} [الأعراف: 199]، وقال عَزَّ وجَلَّ: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحٌ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]. وقد جمعت ما ورد في الخَضِرِ، وسميته بـ «كشفِ الحَذِرِ»، وبيَّنتُ فيه أَنَّهُ النَّبِيُّ على القول الأكثر؛ بل وقيل: إنَّه مرسل عند بعض أهل الأثر، فبطل قول القائل بل وكفَرَ فيما أظهر، لا سيما فيما أبرز بالنسبة إلى عيسى عليه السَّلامُ المُجْمَعِ على نبوته سابقاً ولاحقاً، فمن قال بسلب نبوّته كفَرَ حقاً كما صرَّحَ به السُّيوطِيُّ؛ لأَنَّ النَّبيَّ لا يذهب عنه وصفُ النُّبوَّةِ أبداً ولا بعد موته. وأما حديث: «لا وحي بعدي فباطل لا أصل له، نَعَمْ وردَ: «لا نبي بعدي»، ومعناه عند العلماء: أن لا يحدث بعده نبي بشرع ينسخُ شرعه.
فإن قلت: فكيف طريقُ عيسى عليه السَّلامُ في تنفيذ الأحكام؟
فاعلم أن العلماء أجمعوا على أنه يحكم بشرع نبينا، ومن المقرر عند
الفقهاء أنَّ المقلّد لا يُقلد مجتهداً، فإذا كان المجتهد من آحادِ الأمَّة لا يُقلّد، فكيف
يُظَنُّ بِالنَّبي أنه يُقلد؟!
لا يُقالُ: تعيَّن حينئذ القولُ بأنَّه يحكم بالاجتهاد.
فإنَّا نقولُ: لم يتعيَّن ذلك؛ فإنَّ نبينا صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ كان يحكم بما أُنزل إليه في القرآنِ، ولا يُسمَّى ذلك اجتهاداً، كما لا يُسمَّى تقليداً، والدليل على ذلك: أنَّ العلماء حكوا خلافاً في جواز الاجتهادِ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان حكمه بما يفهمه من القرآن لو يُسمَّى اجتهاداً لم يتجه حكاية الخلافِ.
والحاصل: أنَّ نبينا صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ كان مبيناً لِمَا في القرآنِ من مشكلات الفرقان، كما يُشير إليه قوله تعالى: وَلِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، فالظاهرُ أنَّه كان التبين حاصلاً له من غير تفكر، بخلاف غيره. وجوز بعضُهم الاجتهاد له حيث لا يُفهم معناه من القرآنِ ومبناه، لكنَّه بوحي خفي، وهو إلهام ربَّاني؛ لقوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: 3]. واختلفوا في جواز خطئه في الاجتهاد، مع الاتفاقِ أَنَّه لا يَبْقَى ولا يُقَرُّ عليه؛ لمَا يترتَّبُ من الفسادِ في الاعتقادِ.
ثم اعلم: أنَّه جُوِّزَ أن يكونَ عمل عيسى عليه السَّلامُ وفق علمه اليقيني في الأحكام، فقد ذكر الحافظ الجلالُ السُّيوطي: أنَّ جميع الأنبياء عليهم السَّلامُ قد كانوا يعلمون في زمانهم جميعَ شرائع من قبلهم ومن بعدهم بالوحي من الله تعالى على لسانِ جبريل، وبالتنبيه على بعض ذلك في الكتاب الذي أُنزل عليهم
وحاصله: القطع بأنَّ الله تعالى بيَّنَ لأنبيائه جميع ما يتعلق بهذه الأمة من أحكام واقعة أو حادثة، وأنَّ عِلْمهم بطريق الوحي من الله من غير احتياج إلى أن يأخذوه باجتهاد، فضلاً عن تقليد.
فإِنْ قلتَ: يَلزمُ عليه أنْ يكونَ كلُّ ما في القرآنِ مضمناً في جميع الكتبِ السَّابقة. قلتُ: لا مانع من ذلك؛ بل دلّت الأدلة على ثبوتِ هذه الملازمة، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ إلى قوله: {وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأَوَّلِينَ} [الشعراء: 192 - 196].
وقد نص على هذا بعينه الإمام أبو حنيفة، حيث استدلَّ بهذه الآية على جواز قراءة القرآنِ بغير اللسان العربي، وقال: إِنَّ القرآنَ مُضمَّنُ في الكتبِ السَّابقة، وهي بغيرِ اللّسان العربي. ومما يشهد لذلك: وصفه تعالى للقرآن في عدة مواضعَ بأَنَّه مصدِّقٌ لما بين
يديه من الكتب، فلولا أنَّ ما فيه موجود فيها، لم يصح هذا الوصف. فإذا عَرَفْتَ ذلك، فيمكن أن ينظر عيسى عليه السَّلامُ في القرآنِ فيفهم منه جميعَ الأحكام المتعلقة بهذه الشَّريعة من غير احتياج إلى مراجعة؛ كما فهمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ بفهمه الذي اختصَّ به، ثم شرحها لأمَّتِه في السُّنَّةِ، وأفهامُ الأمَّةِ تَقْصُرُ عن إدراك ما أدركه النُّبوَّةُ؛ كما قال بعضُ أرباب الحالِ رحمه المتعالُ: جميعُ العلم في القرآن، لكن تقاصَرَ عنه أفهامُ الرِّجالِ.
وعيسى عليه السلام نبي، فلا يبعد أن يفهم من القرآنِ كفهم النَّبيِّ الجليل صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، ويحكم به وإن خالف الإنجيل، ويُؤيده قولُ الشَّافعي: جميع ما حكم به النَّبيُّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم فهو ممَّا فَهمه من القرآنِ. ويُقويه: ما أخرجه الطبراني في «الأوسط من حديث عائشة: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ قال: «إنِّي لا أُحلُّ إلَّا ما أَحلَّ اللَّهُ في كتابه، ولا أُحرِّمُ إِلَّا ما حرَّمَ اللهُ تعالى في كتابه»، وقد قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: ??]، وقال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 38]. هذا، وقد صرَّحَ السُّبْكيُّ في تصنيف له ما نصه: إِنَّمَا يَحكمُ عيسى بشريعة نبينا
صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم؛ بالقرآنِ والسُّنَّةِ.
وحينئذ فيترجَّحُ أنَّ أخذَه للسُّنَّةِ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ بطريق المشافهة من غير الواسطة، أو بطريق الوحي والإلهام؛ تصحيح ما ثبت عنه عليه السَّلامُ في جميع الأحكام.
فإن قلت: هل ثبتَ أنَّ عيسى عليه السَّلام بعد نزوله يأتيه الوحي؟
فالجواب: نعم، روى مسلم وغيره من حديثِ النَّوَّاسِ بنِ سَمعان، قال: ذكر رسولُ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ الدَّجَّالَ، قال: فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعاً يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند بابِ لُد الشَّرقيّ، فبينما هم كذلك، أوحى الله تعالى إلى عيسى ابن مريم: أني قد أخرجتُ عباداً من عبادِي لا يدانِ لك بقتالهم، فحَرِّزْ عبادي إلى الطُّورِ، فيبعثُ الله يأجوج ومأجوج ... الحديث.
ثم الظاهر أنَّ الجائي إليه بالوحي هو جبريلُ؛ بل هو الذي يقطع به ولا يُتردد فيه؛ لأنَّ ذلك وظيفته، وهو السفير بين الله تعالى وبين أنبيائه، لا يُعرفُ ذلك لغيره من الملائكة. وقد أخرج أبو حاتم في «تفسيره»: وُكِّلَ جبريلُ بالكتب وبالوحي إلى الأنبياء". وأَمَّا مَا اشْتَهَرَ على ألسنة العامة: أنَّ جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موتِ النَّبِيِّ
صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، فلا أصل له، ومما يدلُّ على بطلانه:
ما أخرجه الطبراني في «الكبير» عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت: يا رسول الله! هل يرقد الجُنب؟ قال: «ما أُحِبُّ أن يرقد حتى يتوضّا؛ فإِنِّي أخافُ أن يُتوفَّى فلا يحضره جبريل».
فهذا الحديث يدلُّ على أنَّ جبريل ينزل إلى الأرض، ويحضر موتَ كُلَّ مؤمن حضره الموت وهو على طهارة.
وقد قال الضَّحَاكُ في قوله تعالى: {نَنَزِّلُ الْمَلَيْكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم [القدر: 4]: الرُّوحُ هنا: جبريل، وإنَّه ينزل هو والملائكةُ في ليلة القدرِ ويُسلَّمونَ على المسلمين، وذلك في كل سنة.
وأخرجَ نُعيمُ بنُ حَمَّادٍ في كتاب الفتنِ والطَّبراني عن ابنِ مسعودٍ عن النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ في وصفِ الدَّجَّالِ، قال: «فيمر بمكة، فإذا هو بخَلْقِ عظيم، فيقولُ: من أنتَ؟ فيقولُ: أنا ميكائيلُ، بَعَثَنِي اللهُ لأَمْنعَهُ مِن حَرَمِه، ويمرُّ بالمدينة، فإذا هو بخَلْقِ عظيم، فيقول: أنا جبريلُ، بَعَثَنِي اللهُ لأَمَنعَهُ مِن حَرَمِه».
ثم وقفتُ على سؤالٍ رُفعَ إلى شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، صورته: ما قولكم في قول سيدنا رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «ينزل عيسى ابنُ مريمَ في آخرِ الزَّمانِ حَكَمَا، فهل نزل عيسى عليه السَّلامُ حافظاً لكتابِ اللهِ القرآن العظيمِ، ولسنَّة نبينا الكريم، أو يتلقى الكتاب والسُّنَّةَ عن علماء ذلك الزَّمانِ، ويجتهد فيها؟ فأجاب بما نصه: لم يُنقل في ذلك شيء صريح، والذي يليق بمقام عيسى عليه السَّلامُ أَنَّه يتلقَّى ذلك عن رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، فيحكمُ في أُمَّتِه كما تلقاه عنه؛ لأنَّه في الحقيقة خليفةٌ عنه، والله أعلم.
وقد سُئل ابنُ القَيّم الجوزيَّةِ عن حديثِ: «لا مهدي إلا عيسى ابنُ مريم فكيف يأتلِفُ هذا مع أحاديث المهدي وخروجه؟ وما وجه الجمع بينهما؟ وهل صح في المهدي حديث أم لا؟
فقال: أما حديث: «لا مهديَّ إِلَّا عيسى ابن مريم»، فرواه ابن ماجه في «سننه»، عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشَّافعيّ، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ.
وهو ممَّا تفرَّدَ به محمد بن خالد، قال محمدُ بنُ الحسينِ الإِسْنَوِيُّ في كتابه «مناقب الشَّافعي: محمد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الأخبار عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته.
وقال البيهقي: تفرَّدَ به محمَّدُ بنُ خالدٍ. هذا وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسنادِه؛ فرُوِيَ عنه عن أبان بن أبي عَيَّاشٍ عن الحسنِ عن النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ.
قال: فرجع الحديثُ إلى رواية محمَّدِ بن خالد وهو مجهول، عن أبان بن أبي عيَّاش وهو متروك، عن الحسن، عن النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، وهو منقطع، والأحاديثُ في التنصيص على خروج المهدي أصح إسناد.
قال ابن القيم: كحديثِ ابنِ مسعودٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: لو لم يبق من الدُّنيا إلا يوم، لطوَّلَ الله ذلك اليوم حتى يُبعث رجل مني أو من أهل بيتي، يُواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأُ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً». رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عليّ وأبي سعيد وأمّ سَلَمَةَ وأبي هريرة، ثم رَوَى حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح. انتهى.
وفي الباب عن حذيفةَ بنِ اليَمانِ، وأبي أمامة الباهلي، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، و عبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس، وغيرهم. وفي سنن أبي داود عن عليّ: أَنه نظر إلى ابنه الحسن، فقال: إنَّ ابني هذا سيّد كما سماه النَّبِيُّ عليه السَّلامُ، وسيخرج من صلبه رجلٌ يُسمَّى باسمِ نبيكم، يُشبهه
في الخُلُقِ ولا يشبهه في الخَلقِ؛ أي: في كماله - يملأ الأرض عدلاً.
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: المهدي منّي، أجْلَى الجبهة، أقنى الأنف، يملأُ الأرضَ قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين». رواه أبو داود بإسناد جيد، من حديث عمران بن داور القَطَّانِ - وقال: حسنُ الحديثِ، عن قتادة عن أبي الصِّدِّيقِ النَّاجِي عنه، وروى التّرْمِذِيُّ نحوه من وجه واحده.
وروى أبو دواد من حديث صالح بن أبي مريم أبي الخليل، عن صاحب له، عن أمّ سلمةَ، عن النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ، قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيُخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقامِ، ويُبعثُ إليه بَعْثُ من الشَّامِ فيُخسف بهم بالبَيداء والمدينة، فإذا رأى النَّاسُ ذلك، أتاه أبدالُ الشَّامِ وعصائب أهل العراق، فيبايعونه، ثم ينشأ [رجل] من قريش، أخواله كَلْبٌ، فَيَبْعَثُ إليهم بعثاً فيظهرونَ عليهم، وذلك بعثُ كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في النَّاسِ بسُنَّة نبيهم، ويُلقي الإسلامُ بجِرَانِه في الأرضِ، فيلبثُ سبع سنين، ثم يُتوفّى، ويُصلّي عليه المسلمونَ»، [وفي رواية: «فَيَلْبَثُ تِسْعَ سنين]. ورواه الإمام أحمد باللفظين.
ورواه أبو داود من وجه آخر عن قتادة عن أبي الخليل، عن عبد الله بنِ الحارث، عن أمّ سَلَمةَ، نحوه.
ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده» من حديث قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، وربما قال صالح عن مجاهد، عن أم سلمة
والحديث حسن، ومثله مما يجوز أن يُقال فيه: صحيح؛ أي: لغيرِه " وقال ابن ماجه في سنيه»: حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، حدثنا ياسين، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن عليّ مرفوعاً: «المهدي من أهل البيتِ، يُصلحه الله في ليلةٍ». وياسين وإن كان ضعيفاً، فحديثه يَصْلُحُ للاعتضاد، وإِنْ لم يَصْلُحُ للاعتمادِ.
وفي «سننه» أيضاً من حديث ابنِ لَهِيعَةَ، عن أبي زيد عمرو بن جابر الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعاً: «يخرجُ ناس من أهل المشرق، فيُوطَّونَ للمهدي؛ يعني:: سلطانه.
وذكر أبو نعيم في كتابه «أخبار المهدي»: من حديث حذيفة مرفوعاً: «لو لم يبقَ من الدُّنيا إلا يوم واحدٌ، لَبعثَ الله فيه رجلاً؛ اسمه اسمي، وخُلُقُه خُلقي، يُكْنَى أبا عبد الله». ولكن في إسنادِه العبّاسُ بنُ بكَارِ، لا يُحتج بحديثه. وقد تقدَّم هذا المتنُ من حديث ابن مسعود وأبي هريرةَ، وهما صحيحان.
وعن أم سلمة قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ يقولُ: «المهدي من عثرتي من ولد فاطمة». رواه أبو داود وابن ماجه، وفي إسناده زياد بنُ بَيَانِ، وثقه ابنُ حِبَّانَ، وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال البخاري: في إسنادِ حديثه نَظَرُ.
قوله: «أي لغيره من كلام المؤلف لا من كلام ابن القيم.
وقال أبو نعيم: حدَّثنا خلف بنُ أحمدَ بنِ العبَّاسِ الرَّامَهُرْمِزِيُّ في كتابه، حدَّثنا همَّامُ بنُ محمَّدِ بنِ أَيُّوبَ، حدَّثنا طالوتُ بنُ عبَّادِ، حدَّثنا سُويدُ بنُ إبراهيم، عن محمَّدِ ابن عمرو، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، عن أبيه مرفوعاً: «ليبعثنَّ الله من عترتي رجلاً أفرقَ الثَّنايا، أجلى الجبهة، يملأ الأرض عدلاً، ويفيضُ المال». ولكن طالوت وشيخه ضعيفان، والحديث ذكرناه للشَّواهد.
وقال يحيى بن عبد الحميد الحِماني في مسنده»: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: «لا تقومُ السَّاعةُ حتى يملك رجلٌ مِن أهل بيتي يَفْتحُ القُسْطَنطينيَّةَ وجَبَلَ الدَّيْلَمِ، ولو لم يَبْقَ إِلَّا يومٌ طَوَّلَ اللَّهُ ذلك اليوم حتّى يفتحها»، يحيى بنُ عبدِ الحَمِيدِ وثَقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُه وتَكَلَّمَ فيه أحمد. وقال أبو نُعَيْم: حدثنا أبو الفَرَج الأصبهاني، حدثنا أحمدُ بنُ الحُسين، حدثنا أبو جعفر بن طارق، عن الجيد بن نَظيف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منَّا الذي يصلّي عيسى ابن مريمَ خَلْفَه وهذا إسناد لا
تقوم به حُجَّةٌ، ولكن في صحيح ابن حبّان من حديثِ عَطِيَّةَ بنِ عامرٍ نحوه وقال الحارثُ بنُ أبي أُسامة في مسنده»: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيمُ بنُ عَقِيلٍ، عن أبيه، عن وَهْبِ بنِ مُنبِّه، عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ ينزل عيسى بن مريم، فيقولُ أميرُهم المَهْدِيُّ: تعالَ صل بنا، فيقول: لا، إِنَّ
بعضهم أميرُ بعض، تَكْرِمةَ الله لهذه الأُمَّةِ»، وهذا إسناد جيد.
وقال الطبراني: حدَّثَنا محمدُ بنُ زكريا الهلالي، حدثنا العبّاسُ بنُ بَكَّارٍ، حَدَّثنا عبد الله بن زياد، عن الأعمش، عن زِرِّ بن حبيش، عن حذيفة قال: خَطَبَنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم فذَكَرَ ما هو كائنٌ ثُمَّ قال: «لو لمْ يَبْقَ مِن الدُّنيا إِلَّا يوم واحدٌ لطوَّلَ اللهُ ذلك اليومَ حَتَّى يَبْعَثَ رجلاً مِن وَلَدي اسمه اسمي»، ولكنَّ هذا إسناد ضعيف. وهذه الأحاديثُ أربعة أقسام: صِحَاحٌ، وحِسَانٌ، وغرائب، وموضوعةٌ. وقد اخْتَلَفَ الناسُ في المهدي على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ المسيح ابن مريم، وهو المهدي على الحقيقة.
واحْتَجَّ أصحاب هذا بحديثِ محمد بن خالد الجندي المتقدم، وقد بينا حاله، وأنَّه لا يصح، ولو صح لم يَكُنْ فيه حجّةٌ؛ لأن عيسى أعظمُ مَهْدي بين يَدَي رسولِ الله وبين الساعة، وقد دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على نزولِه على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحُكْمِه بكتابِ اللهِ، وقَتْلِه اليهود والنصارى، ووَضْعِه الجزية، وإهلاكِ أهلِ المِلَلِ في زَمَانِهِ، فَيَصِحُ أنْ يُقالَ: لا مَهْدِيَّ في الحقيقةِ سِوَاه وإِنْ كانَ غَيْرُه مَهْدِيَّا؛ كما يُقالُ: لا عِلْمَ إِلَّا ما نَفَعَ، و: لا مالَ إِلَّا ما وَقَى وجه صاحبِه، وكما يَصِحُ أَنْ يُقالَ: إِنَّمَا المهدي عيسى ابن مريم، يعني: المهدي الكامل المعصوم.
القول الثاني: أنَّه المهدي الذي وَلِيَ من بني العباس، وقد انْتَهَى زمانه، واحْتَجَّ أصحاب هذا القول بما رواه أحمد في مسنده»: حدَّثَنا وكيع، عن شَرِيكِ، عن علي ابن زيد، عن أبي قِلَابَةَ، عن ثَوْبانَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قد أَقْبَلَتْ مِن خُراسانَ فأْتُوها ولو حبوا على التَّلْحِ فإنَّه فيها خليفةُ اللهِ المهدي.
و علي بن زيد قد رَوَى له مسلمٌ مُتابعةً، ولكن هو ضعيف وله مناكير تفرد بها، فلا يُحتج بما ينفرد به.
ورَوَى ابنُ مَاجَه من حديثِ الثَّوري، عن خالد عن أبي قلابة، عن أبي أسماء،
عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وتابعه عبد العزيز بن المختارِ عن خالد. وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذ أقبل فتيةٌ من بني هاشم، فلمَّا رَآهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم اغْرَوْرَقَتْ عيناهُ وتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقُلْتُ: ما نَزَالُ نَرَى في وجهِكَ شيئاً نَكْرَهُه؟ قال: «إِنَّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإِنَّ أهلَ بيتي سَيَلْقَوْن بلاءً وتَشْريداً وتَطْريداً، حتّى يأتي قومٌ مِن أهل المشرق] ومعهم رايات سود يسألونَ الحقِّ فلا يُعطونَ، فيقاتلون فينصرونَ، فيُعطونَ ما شاؤوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيَمْلؤُها قسطاً كما ملئتْ جَوراً، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتِهم ولو حبوا على الثَّلج. وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو سيء الحفظ، اختلط في آخر عُمُرِه، وكان يَقبلُ الفُلُوسَ.
وهذا والذي قبله لو صح، لم يكن فيه دليلٌ على أنَّ المهدي الذي تولّى من بني العباس هو المهدي الذي يخرجُ في آخرِ الزَّمانِ؛ بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهدياً؛ بل هو أولى باسم المهدي منه، وقد قال عليه السَّلامُ عليكم بسُنّتي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».
وقد ذهب الإمام أحمد - في إحدى الروايتين عنه ـ وغيره إلى أنَّ عمر ابن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشداً مهديَّاً، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرجُ في آخرِ الزَّمانِ؛ فالمهدي في جانبِ الخير والرُّشدِ كالدَّجَّالِ في جانبِ الشَّرِّ والضَّلال، وكما أنَّ بين يدي الدَّجَّالِ الأكبر صاحب الخوارق دجالونَ كذَّابونَ، فكذلك بين يدي المهدي الأكبر مهديون راشدون.
القولُ الثَّالث: أنَّه رجل من أهلِ بيتِ النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم؛ من ولد الحسن بن علي، يخرجُ في آخرِ الزَّمانِ، قال: «وقد امتلأت الأرضُ جوراً وظلماً، فيملؤُها قسطاً وعدلاً»، وأكثر الأحاديث على هذا تَدلُّ. وفي كونه من ولد الحسنِ سِرٌّ لطيف، وهو أنَّ الحسن ترك الخلافةَ اللَّهِ، فجعلَ اللهُ من ولده من يقوم بالخلافة الحقِّ المتضمنة للعدل الذي يملأُ الأرضَ، وهذه سنة الله في عباده: أَنَّه من ترك شيئاً الله، عوَّضَه الله أو أعطى ذُرِّيَّتَه أفضلَ ممَّا تمناه، وهذا بخلافِ الحسين؛ فإنَّه حرص عليها، وقاتل عليها، فلم يظفر بها.
هذا لفظ ابن القيم، وهو ليس بقيم؛ فإنَّ الحسين حاشاه أن يكون حريصاً على الخلافة ولا عازماً على المقاتلة؛ بل ألزم بمطالبة جماعة من الأمة أنْ يأتي الكوفة ويُخلّص المؤمنين عن أيدي الظَّلَمةِ والفجرة، فوجب عليه الإتيان إليهم، فلما أشرف عليهم، خالفوا عهودهم، ونكثوا وعودهم، وقد ظفر حسين بسعادة الشهادة التي هي أحسن مراتب السيادةِ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدْرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38]، إذ كان ذلك بالكتاب مسطوراً.
قال: وقد رَوَى أبو نُعيم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «يخرجُ رجلٌ من أهل بيتي، ويعمل بسُنَّتي، ويُنزل الله له البركة من السَّماءِ، وتُخرج له الأرضُ بركتها، ويملأُ الأرض عدلا كما ملئت ظلماً، ويعمل على هذا الأمر سبع سنين، وينزل بيت المقدس.
ورُويَ أيضاً من حديث أبي أمامة، قال: خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ، وذَكرَ الدَّجَّالَ، قال: «فتنفِي المدينةُ الخَبَثَ كما يَنفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، فقالت أمُّ شَريكَ: فأينَ العرب يا رسولَ اللهِ؟ قال: هم يومئذ قليل، وجُلُّهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي؛ رجلٌ صالح. ورُوي أيضاً من حديث عبدِ اللهِ بنِ عباس مرفوعاً: «لم تهلك أُمَّةٌ وأنا في أوَّلِها،
وعيسى في آخرها، والمهدي في وسطها». فهذه أقوال أهلِ السُّنَّةِ. وأمَّا الرَّافضيَّةُ والإماميَّةُ فلهم قول رابع: وهو أنَّ المهدي هو محمدُ بنُ الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصارِ، الذي يُورِقُ العصا، ويختم العصا، دخلَ سِرداب
سامراء طفلاً صغيراً [مِن] أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يُحَسَّ بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كلَّ يوم، ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن القائل:
ما آن للسرداب أن يلد الذي كَلَّمْتُمُوهُ بجهلكم ما آنَ فعلى عُقُولكم العفاء فإنَّك تلم العنقاء والغيلانا ولقد أضحى هؤلاء عاراً على بني آدم، وضُحْكةً يَسخر منهم كلُّ عاقل في العالم.
وأمَّا مهدي المغاربة: محمَّدُ بنُ تُومَرْتَ، فإِنَّه رجلٌ كَذَّابٌ ظالم متغلب بالباطل، ملك بالظلم والتّغلُّبِ والتَّحيل، فقتل النفوس، وأباحَ حريم المسلمين، وسَبَى ذَراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شراً على الأمَّةِ من الحَجَّاج بن يوسفَ بكثير، وكان يُودِعُ بطنَ الأرضِ في القبورِ جماعةً من أصحابه أحياء، ويأمرهم أن يقولوا للنَّاسِ: إنَّه المهدي الذي بشَّرَ به عليه السَّلامُ، ثم يردُمُ عليهم لئَلَّا يُكذِّبوه بعد ذلك، وسُمِّيَ أصحابه الجَهْمِيَّةُ نُفاةُ صفاتِ الرَّبِّ وكلامه وعُلوه على خَلْقه، واستوائه على عرشه، ورؤية المؤمنين له بالأبصار يومَ القيامة: الموحدين، واستباحَ قتلَ مَن خالفهم من أهل العلم والإيمان، ويُسمَّى بالمهدي المعصوم.
أراضي اليمن ـ وكان جده يهودياً ابن بنتِ مجوسي، فانتسب بالكذب والنُّورِ إلى أهل البيت، وادَّعى أنَّه المهدي المبشِّرُ، وملك وتغلَّبَ، واستفحل أمره إلى أن استولتْ ذُرِّيَّتُه الملاحدة المنافقونَ الذين كانوا أعظمَ النَّاسِ عداوة لله ورسوله على بلاد اليمن والمغرب ومصر والحجاز والشّامِ، واشتدَّتْ غُربةُ الإسلام ومحنته ومصيبته بهم، وكانوا يدعونَ الإلهيَّةَ، ويدَّعونَ أنَّ للشَّريعة باطناً يُخالف ظاهرها، وهم ملوكُ القَرَامِطَةِ الباطنيَّةِ أعداء الرُّسل، تستّروا بالروافض والانتسابِ إلى أهلِ البيتِ، فدانوا بدينِ أهل الإلحاد، ولم يَزَلْ أمرهم ظاهراً إلى أن أنقذَ اللَّهُ الأُمَّةَ ونصرَ الإسلام بالملكِ صلاح الدين يوسفَ بنِ أَيُّوبَ، فاستنقذ المِلَّةَ الإسلامية منهم، وأبادهم، وعادتْ مصر دارَ إسلام بعد أن كانت دار نفاق وإلحادٍ في زمنهم. والمقصود: أنَّ هؤلاء لهم مهدي، وأتباعُ ابنِ تُومَرْتَ لهم مهدي، والرافضة الاثنا عشريَّةُ لهم مهدي، فكلّ من هذه الفرق يدَّعي في مهديه الظَّلومِ الغَشومِ أو المستحيل المعدومِ أنَّه الإمام المعصومُ والمهدي المعلوم، الذي بشَّرَ به النَّبِيُّ عليه السَّلامُ وأخبر بخروجه، نحن ننتظره كما ينتظرُ اليهودُ القائم الذي يخرجُ في آخرِ: الدَّجال الأكبر، فتعلو به كلمتُهم، ويقوم به دِينُهم ومِلتُهم، وينتصرونَ به
الزَّمانِ؛ يعني: على جميع الأممِ والنَّصارى تنتظرُ المسيحَ يأتي قبل يوم القيامةِ، فيُقيمُ دِينَ النَّصرانية، ويُبطل سائر الأديان، وفي عقيدتهم شرعُ المسيح الذي هو إله حق من إله حقٌّ من جوهر أبيه الذي نزل لخاصنا .. إلى أن قالوا: وهو مستعد للمجيء قبل يوم القيامة.
فالمللُ الثَّلاث تنتظرُ إماماً قائماً يقومُ في آخرِ الزَّمانِ، ومنتظر اليهود هو الذي يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفاً.
وفي المسند» مرفوعاً: «أكثر أتباع الدَّجَّالِ اليهود والنِّساءُ». والنَّصارى تنتظر المسيح عيسى ابن مريم، ولا ريب في نزوله، ولكن إذا نزل كسر الصَّليب، وقتل الخنزير، وأبادَ المِلل كلَّها سوى مِلةِ الإسلام". أماتنا الله على مِلَّةِ الإسلام، ومتابعة نبينا محمَّدٍ عليه أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ،
وعلى آله وصحبه وسلَّم أجمعين.