المسألة في البسملة
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
المسألة في البسملة
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدني علماً يا كريمُ وعَمَلاً يا رَحِيمُ، واجعَلِ البَسمَلَةَ لي براءةً من عذابِ الجحيم.
نُقل عن فتاوى النَّوازِلِ» للإمام أبي اللَّيثِ رَحِمَهُ اللهُ: سُئِلَ محمدُ بنُ مُقاتِلِ الرَّازِيُّ عن رَجُلِ ابْتَدَأَ سورَةَ بَراءَةٌ»، فبسمل ولا سهل)، هل هو خَطَاً؟ فقال: هو خَطَةٌ إلا أن يُتبعها «الأنفال».
وقال أبو القاسم: الصَّحيحُ ما قال محمَّدُ بنُ مُقاتِلِ؛ لأَنَّ رَجُلاً لو أَرادَ أَن يَبْتَدِئَ قراءة آية أو سورة من السُّوَرِ كانَ مأموراً بأن يَستَعيذ بالله من الشَّيطانِ الرَّحِيمِ، ويُتبعَ ذلك بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فكذلك إذا ابتدأ سورة التّوبة. انتهى.
وقد تعلق بظاهِرِه مَنْ توهَمَ أنَّ البَسمَلَةَ من أوَّلِ «براءة» قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وأنَّ هذا هو المذهَبُ، وأنا أقولُ، وبالله أحولُ: إنّ هذا قول باطِلٌ، مُخالِفٌ للكتاب والسُّنَّةِ وإجماع الأمة، وتفصيله يطول. ومُجمَلُه: أنَّ الأئمة الأربعة منهم مَنْ نفى كونَها من القرآنِ، كالإمام مالك وأتباعه،
ومنهم من أَثْبَتَ، وهو الإمامُ الشَّافِعِيُّ وأشياعُه، وعُلَماؤُنا المُحققون على أنَّها آيةٌ أُنزِلَت للفصل.
ولا شَكٍّ أنَّ بسملةَ أوَّلِ (براءة) ووَسَطِ النَّمْلِ خارجة عن البحثِ اتفاقاً. وأمَّا إمامنا الأعظَمُ فليس له نص في المسألة، هذا وقد صَرَّحَ قَاضِي خَانْ أَنَّ ا البسملة عندنا ليسَتْ من الفاتِحَةِ.
فإذا كانَ المَذهَبُ أَنَّها ليسَتْ منها، مع كونها فاتحة الكتاب، ومُثبَتَةً في جميعِ المصاحفِ العُثمانية، وغيرها، وقد ثبت قراءةُ البَسمَلَةِ فيها بطرق صحيحة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
داخِلَ الصَّلاةِ وخارِجَها، وتقرر في المذهَبِ أَنَّ قراءَتَهَا سُنَّةٌ بالاتفاقِ، بل واجبةٌ عندَ بعضهم في أوَّلِ ركعاتِ الصَّلاةِ على اختلاف في بقيَّتها، وأَنَّ المُعْتَمَدَ عَدَمُ قراءَتِها بينَ الفاتحةِ والسُّورة؛ فهل يُتصَوَّرُ كونُها من أوَّلِ (براءة)، وترك قراءتِها خَطَاً؟ هذا لا يقبله العقلُ السَّليمُ، والذَّوقُ الفَهيم، بل في المنقول ما يدلُّ على بطلان هذا القولِ السَّقيمِ.
وبيانُه: أَنَّ القُرَّاءَ أجمعوا على أنَّها ليست من «براءة»، واتَّفقوا على أنَّها تقرأُ في أوَّلِ كلِّ سورةِ ابْتُدِئ بها إلا براءة»، وخيَّروا القارِئَ في أجزاء السُّوَرِ بين الإتيان بها وتركها، إلا في أثناء (براءة) فإنَّهم اختَلَفُوا فيها، والمُعتَمَدُ عَدَمُ الجواز.
نعم شرذِمَةٌ قليلةٌ منهم بطُرِقٍ شاذة جوزوا قراءتها في أوَّلِ «براءة»، لكن لا لكونها منها، بل للتَّبَرُّكِ، أو لغيره من العِلَلِ الآتية، فإنَّ السَّخاوِيَّ قالَ: جواز التّسمية في أوَّلِ براءة» حال الابتداء بها هو القِياسُ، يعني: لا المنقولُ المنصوص، الذي عليه الأساس؛ قالَ: لأنَّ إسقاطها إما لأنَّ (براءة)) نزلَت بالسَّيفِ، أو لعدم قطعهم - يعني الصَّحابة رضيَ اللهُ تعالى عنهم - بأنَّها سورةٌ مُستقِلَّةٌ، فالأَوَّلُ مَخصوص بمَن نزلَتْ فيه، ونحنُ إنَّما نُسمّي للتَّبَرُّكِ، وعلى الثاني نُجَوِّزُها لجَوازِها في الأجزاء، وقد علم الغَرَضُ من إسقاطها، فلا مانع منها.
وقال المَهدَوِيُّ: وأَمَّا بَراءة» فالقُرَّاءُ مُجمعون على تركِ الفَصْلِ بينَها وبين «الأنفال» بالبسملة، وكذلك أجمعوا على ترك البسملة في أولها، حال الابتداء بها، سوى مَنْ رأى البسملة حال الابتداء بأوساط السُّور، فإنَّه يُجوِّزُ أن يُبتَدَأَ بها من أوَّل «براءة» عندَ مَن جَعَلَها هى و «الأنفال سورةً واحدةً، ولا يُبتَدَأُ بها عند من جعَلَ السَّيف علةٌ لهما.
وقالَ ابنُ شِيْطَا: ولو أنَّ قارِئاً ابتَدَأَ قِراءَتَه من أَوَّلِ «التَّوبةِ» فَاستَعاذَ وَوَصَلَ الاستعاذة بالبَسمَلَةِ مُتبرِّكاً بها، ثم تلا السُّورةَ؛ لم يكُنْ عليه حَرَجٌ إِن شاءَ الله، كما يجوزُ له إذا ابْتَدَأَ من بعض السُّورةِ أن يفعل ذلك، وإنَّما المحذورُ أن يصِلَ آخِرَ «الأنفالِ» بأول «براءة»، ثمَّ يفصل بينهما بالبَسمَلَةِ؛ لأنَّ ذلك بِدعةٌ وضَلَالٌ وخَرْقٌ للإجماع،
و مُخالِفٌ للمَصاحِفِ، انتهى. وهذا كلُّه يَدُلُّكَ على أنَّ قِراءَتَها جائزةٌ عندهم، ولم يقل أحدٌ بأنَّ تركها خَطَأً، فينبغي أن يُحمَلَ قوله على إرادةِ المُبالَغَةِ، بناءً على زَعمِهِ المُختارِ عنده هذا القول الشَّاذَّ، أو على الخطأ في العِبارةِ، وقَعَتْ بطَريقِ المُشاكَلَةِ لكلام سائل المسألة، ثمَّ استثناؤُهُ صَريح منه، أنه أتبع الشَّرذمة، وأنَّه لم يُرِدْ من قراءةِ البَسمَلَةِ في أَوَّلِها كونَها منها، وإلا لاستوى الإدراج وغيره.
ويدلُّ عليه تعليل المُصحح أيضاً، لكن قد عرفت أن ما صُورَ في أوائل السُّورِ بها، وميز في أثنائها، فلا يُطَابِقُ مُدَّعاه بأَنَّ تركها خَطأ.
فمُلَخَّصُ الكلام، ومَخلَصُ المَرامِ أنَّ هذا قول شاد، مبني على قياس غيرِ صحيح، مُوهِم أن تكونَ البَسمَلَةُ من أوَّلِ (براءة»، وهو مع ذلك بحَمدِ اللهِ المَلِكِ الجَبَّارِ، ساقط عن حيّز الاعتبار في عَمَلِ جميع أهلِ الدِّيارِ، حَتَّى فِي كُتَّابِ الصِّغارِ، وما ذلك إلا لوعدِه تعالى حيثُ قالَ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9]، وبإخباره: «إنّ الله يبعثُ لهذه الأُمَّةِ على رأس كلُّ مئة سنةٍ مَن يُجدِّدُ لها دينها».
فافتح بصَرَك للإنصاف، وأَعْمِضْ عين الاعتِسافِ، وانظُرْ إلى ما قالَ، ولا تنظُرُ إلى مَن قال، وتأمل ما صح عن أبي حنيفة رحمه اللهُ أَنَّهُ قالَ: لَا يَحِلُّ لأحدٍ أَن يُفْتِيَ بقولنا ما لم يعلم من أينَ قُلنا، وقد تبعَه الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في هذا المَقالِ بقوله: إذا صَحَ الحديثُ فهو مَذهَبي، واضرِبُوا في الحائط بقولي
وهذا ما ظَهَرَ لي في الجواب، والله تعالى أعلَمُ بالصَّوابِ، وإليه المَرجِعُ والمآب.
وأنا أَفقَرُ عِبادِ اللهِ الغَنِيُّ المُغني عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ الهَرَوِيُّ القَارِي الحَنَفِيُّ، عامَلَهُما الله بلطفه الخَفِيّ وكَرَمِهِ الوَفِيُّ، حَامِداً للهِ أَوَّلاً وآخراً، ومُصَلِّياً و مُسلّماً باطِناً وظاهراً].
***