القول الجازم في سقوط .....
.... الحد بنكاح المحارم
جارٍ تحميل الكتاب…
القول الجازم في سقوط .....
.... الحد بنكاح المحارم
القول الجازم
في سقوط الحد بنكاح المحارم
للإمام أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي
ولد سنة (1264) وتوفي سنة (1304 هـ)
حققه وخرج أحاديث وعلق عليه
الأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله مزيِّنِ العلماءِ بالعلم، ورافع المجتهدينَ في أحكام الدين من بين الخلق، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِهِ إمام المتَّقين وسيِّدِ العالمين، محمَّد بن عبد الله، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومَن اهتدى بهديهم وسارَ على نهجهم.
وبعد:
فهذا تأليفٌ ماتعٌ لإمامِ أهلِ عصره، خاتمةِ المحقِّقين والعلماءِ المدقِّقين، العلاَّمةُ الفقيهُ المحدِّثُ محمَّدٌ عبدُ الحيِّ بن محمَّدٍ عبدِ الحليم اللَّكْنَويُّ الأيوبيُّ الأنصاريُّ الهنديّ، ردَّ فيه على الشُّبهات التي أوردت في مسألة: سقوط الحدّ بنكاح المحارم المحارمِ من مذهب إمام المجتهدين ورافع لواء الدين أبي حنيفةَ النِّعمان - رضي الله عنه -، الذي يتعبَّدُ اللهَ تعالى أكثرُ الأمَّةِ المحمَّديَّة على آرائهِ الفقهيّة، ولاسيّما في بلادِ ما وراءِ النَّهر، وقد ارتضت الحكم بمذهبه الخلافاتُ الإسلاميَّةُ ابتداءً من الخلافة الأمويَّة وانتهاءً بالخلافة العثمانيّة، فهو
التَّابعيُّ الجليلُ الذي رأى أربعةً من الصَّحابة (¬1)، فكانت ميزةً له من بين الأئمَّةِ الأربعةِ رضوانُ الله عليهم.
وكان منهج الإمام اللكنوي رحمهُ الله فيها أن قسَّمَها على إفادات:
الإفادةُ الأولى: في الأخبارِ الواردةِ في المسألةِ مع ما لها وما عليها.
والإفادةُ الثَّانية: في ذكرِ اختلافِ الأئمَّةِ في النَّاكحِ بالمحرم وواطئه.
والإفادةُ الثَّالثة: في تفصيلِ مذهبِ الحنفيَّة وتوجيهه، فذكرَ الشُّبهاتِ المانعة من إقامةِ الحدود، وقسمَّها على ثلاثةِ أقسام:
الشُّبهةُ الأولى: الشُّبهةُ في المحلّ: أوردَ فيها الحدودَ التي كان المانعُ من إقامتها الشُّبهةُ في المحلّ بالتفصيل؛ فذكرِ شبهةَ كلِّ حدِّ وتوجيهها.
الشُّبهةُ الثَّانية: الشُّبهةُ في الفعل: صنعَ فيها ما صنعَ في الشُّبهةِ الأولى.
الشُّبهةُ الثَّالثة: الشُّبهةُ في العقد: وصنعَ فيها كما صنعَ في قسيمتيها.
والإفادةُ الرَّابعة: في دفعِ المطاعنِ التي أوردتْ على الحنفيَّةِ في باب سقوطِ الحدِّ بنكاحِ المحارم، فأوردَ الشُّبهةَ بصيغة: (تشكيك)، وأجابَ عنها
¬
(¬1) قال بهذا العلماء الذي يعتمد رأيهم كالذهبي في مناقب أبي حنيفة (ص 7)، وابن حجر العسقلاني وولي الدين العراقي في فتوى رفعت لهما كما في تبييض الصحيفة (ص 296 - 297)، وابن حجر الهيتمي في الخيرات الحسان (ص 29)، والسيوطي في تبييض الصحيفة (ص 296)، والإمام اللكنوي في كثير من مؤلَّفاته.
بصيغة: (تفكيك)، وأطالَ في الكلامِ في الجوابِ عن الشُّبهاتِ حتى استغرقت نصفَ الرِّسالة.
ثمَّ خلصَ إلى القولِ بأنّ الإمامَ الأعظمَ أبي حنيفة - رضي الله عنه - ومَن تبعَه لم يحكمْ بسقوطِ الحدِّ عمَّن وطئ المحارمِ بعد نكاحِهنّ إلاّ بحججٍ قاطعةٍ وبراهينَ ساطعة، وقد أوجبوا عليه التَّعزيز، وشدَّدُوا عليه النَّكير بما هو أكثر ممّا يناله من الحدّ، وعملوا بالأحاديثِ الواردةِ في بابِ دفعِ الحدودِ بالشُّبهاتِ والأحاديثِ الورادةِ في خصوصِ هذا البحث.
ونسبةُ هذا الكتابِ ثابتةٌ للإمامِ اللَّكْنَويّ رحمه الله، فقد نسبَها لنفسه في مقدِّمتِه، وفي كتابه: ((مقدِّمة عمدة الرعاية)) (ص 31)، ونسبَهُ له تلميذُهُ عبدُ الحيِّ الحسنيّ في ((معارف العوارف)) (ص 112).
والأصلُ المعتمدُ في تحقيقِ هذا المؤلَّفِ طبعةٌ حجريَّةٌ طبعت في حياةِ المؤلِّفِ سنة (1298 هـ)، كما هو مذكورٌ في خاتمةِ الطَّبعةِ الحجريَّة كما سيأتي.
والمنهجُ الذي اتَّبعتُهُ في تحقيقِهِ هو ضبطُ كلماتِه، وتفصيلُ جملِهِ وعباراتِه بوضعِ علاماتِ ترقيمٍ مناسبةٍ بينها، وتقسيمُ فقراتِهِ إلى مقاطعَ قصيرة، وتخريجُ الأحاديثِ الواردةِ فيه، وترجمةُ الأعلامِ المذكورين فيه، وتوثيقُ النُّصوصِ من مظانِّها ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، وصنعُ فهارسَ تعينُ القارئ الكريم على الرُّجوعِ لما فيه بكلِّ سهولة.
وفي الختام: نسألُ اللهَ تعالى أن ييسِّر لنا أمورنا، ويغفرَ لنا ذنوبنا، ويتقبَّلَ هذا العملَ منَّا ويجعلَهُ خالصاً لوجهِهِ الكريم، وينفعَ بها عبادَهُ الصَّادقين، وصلَّى الله على سيّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِهِ وسلَّم.
وكتبه
في 10 محرم 1422 هـ ... صلاح محمّد أبو الحاج
الموافق 3 نيسان 2001 مـ ... شارع حيفا/بغداد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لمَن بيَّنَ لنا الحلالَ والحرام، وأوضحَ لنا الأحكامَ بإنْزَالِ كتابهِ على نبيِّهِ خاتمَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلام، وفصَّل لنا المُشتبَهاتِ والمَخفيَّاتِ ببيانِ حبيبهِ سيِّدِ الكرام، أشهدُ أنه لا إله إلاَّ هو وحدَهُ لا شريكَ له في أحسنِ الانتظام، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ومولانا محمَّداً عبدُهُ ورسولُه، صاحبُ العزِّ والمقامِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ هداةُ الأنام، وعلى مَن تبعَهَم من المجتهدين، والمحدِّثين، والفقهاء، والأصوليَّن، وسائرِ العلماءِ الفخام.
وبعد؛ فيقولُ الرَّاجي عفو ربِّهِ القويِّ أبو الحسناتِ محمَّدٌ عبدُ الحيِّ اللَّكنويّ ـ تجاوزَ اللهُ عن ذنبِهِ الجَليِّ والخَفِيّ ـ: قد اشتهرَ بين العوامِّ كالأنعامِ أنَّ الحَنَفيَّةَ لا يُوجِبونَ الحدَّ على مَن زَنَى بأمِّه أو غيرِها من محارمِه، وصارَ ذلك مضحكةً بينهم، ومنشأً لطعنِهم عليهم.
وليس كذلك عند الحَنفيَّة، ولا عند غيرِهم من الطَّوائفِ الباقيةِ من علماءِ أهلِ السُنَّة.
نعم؛ ذكرتِ الحَنفيَّةُ أنَّ مَن نكحَ بمحرمِهِ فوطِئَها بعد النِّكاحِ يسقطُ عنه الحدُّ عند الإمامِ أبي حنيفة الكوفيّ، ولم يتفرَّدْ بذلك، بل قال بذلك سفيانُ الثَّوري (¬1)، وقد خالفَهُ فيه صاحباهُ أبو يوسفَ (¬2) ومحمَّدٍ (¬3) وأفتيا بوجوبِ الحدّ.
وقد بلغَ طَعْنُ العوامِ، الذين لا يَفهمونَ سِرَّ المرامِ، على أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ حتى تفوَّهَ بعضُهُم بأنَّهُ خالفَ فيها اللهَ ورسولَه، وقد اشتركَ في هذا الطَّعنِ أهلُ التَّشيُّع، ومَن جهلَ من أهلِ التَّسنّن.
¬
(¬1) وهو سُفْيان بن سعيد بن مسروق الثَّوْرِي الكوفي، أبو عبد الله، والثَّوْرِيّ بفتح الجيم المثلثة، وبعدها واو ساكنة وراء، هذه النسبة إلى بني ثور من عبد مناة من مضر، قال ابن معين: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، (95 - 161 هـ). ينظر: وفيات (2: 386 - 391)، مرآة الجنان (1: 345 - 347).
(¬2) وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خُنَيْس بن سعد بن حَبْته بن معاوية، أبو يوسف، وسعد بن حَبْته - رضي الله عنه - من الصحابة أتي يوم الخندق إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فدعا له ومسح على رأسه، قال: ابن سماعة: كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مئتي ركعة، من مؤلفاته: الأمالي، النَّوادر، و الآثار، و الخراج، (113 - 183 هـ). ينظر: النجوم الزاهرة (2: 107 - 708)، العبر (1: 284)، الفوائد (ص 372).
(¬3) وهو محمَّد بن الحَسَن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، قال الطحاوي: كان حزبه في كل يوم وليلة ثلث القرآن. من مؤلفاته: المبسوط، و الجامع الصغير، و الجامع الكبير، (132 - 189 هـ). ينظر: بلوغ الأماني (ص 4)، مقدِّمة الهداية (14:3). و النافع الكبير (ص 34 - 38)،
وليسَ العجبُ من الشَّيعة، فإنَّهم يَسبُّونَ الصَّحابةَ وسلفَ الأمَّة، فلا عجبَ من الطَّعنِ على الأئمَّةِ الحنفيّة، إنَّما العجبُ من جهلةِ أهلِ السُنَّةِ يقولون ما لا يَفهمون، ويَطعنونَ بما يَحسبونَ أنهم يُحسنون.
وقد حضرَ عندي وأنا جالسٌ بالمسجدِ وقتَ صلاةِ الظُّهرِ قبل هذا الشَّهرِ بشهورٍ أربعةٍ أو خمسةٍ رجلٌ شيعيُّ ورجالٌ من أهلِ السُنَّةِ لفصلِ النِّزاعِ الواقعِ بينهم، وهو أنَّ الشِّيعيَّ أحضرَ كتاباً لبعضِ علماءِ مذهبهِ فيه ذكرُ مسألةِ سقوطِ الحدِّ بالوطء بالمحارمِ بعد العقد منسوباً إلى أبي حنيفة وطعنٌ عليه بهذهِ المسألة.
وادَّعى الشِّيعيُّ أنَّ هذا حلالٌ في مذهبِكُم؛ لأنَّ سقوطَ الحدِّ آيةُ الحلَّة، وقالت أهلُ السُّنةِ: بالحرمة، فلَمَّا حضروا عندي، وبيَّنُوا ما فيه النِّزاع.
قلت: هذه المسألةُ موجودةٌ في كُتبِنا، ونسبةُ سقوطِ الحدِّ بالنِّكاحِ صحيحةٌ إلى إمامنا، لكن ليس أنَّ هذا الفعل ـ أي النِّكاح ـ بالمَحْرَم أو الوطء بعده مباحٌ.
فقال الشِّيعيُّ: كيف لا يكونُ كذلك، وإذا لم يجبْ الحدّ، وهو عبارةٌ عن عقوبةٍ السَّيئة، عُلِمَ أنَّهُ لم يوجدْ الذَّنب.
فقلت: الحدُّ ليس عبارةً عن مطلقِ العقوبة، بل عن العقوبةِ المقدَّرةِ الشَّرعيَّة: كحدِّ الزِّنا، وحدِّ شرب الخمر، وحدِّ القذف، وغيرِه، فلو ارتكبَ
أحدٌ منكراً، وضربَهُ المُحْتَسبُ (¬1) بالأيدي والنِّعالِ لا يسمَّى ذلك حدَّاً. وكذا إذا قتلَ الحاكمُ رجلاً مفسداً سياسةً لا يسمَّى ذلك حدَّاً.
فعاد قائلاً: لا نُسلِّمْ أنَّ الحدَّ عبارةٌ عن ذلك، بل هو في العرفِ يُطلقُ على مطلقِ العقوبة.
فقلت: لا يعتبرُ العرفُ العاميّ، وإنَّما يعتبرُ فيه العرفُ الاصطلاحيُّ الشَّرعيّ، سلْ علماءَ مذهبِكَ عن معنى الحدِّ المذكورِ في كتبِهِم، واعتبرْ بقولِهم، فإنَّهم أيضاً لا يذكرونَ إلاَّ نحو ما ذكرنا.
فقال: بيِّنْ لنا نظيرَه.
فقلت: نظيرُهُ شربُ الخمر فيه الحدّ، وشربُ البولِ ليس فيه الحدّ: أي العقوبةُ المقدَّرة، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونَ مباحاً، أو خفيفاً إثماً بل هو أشدُّ إثماً.
ثمَّ عند الحنفيَّة، وإن سقطَ الحدُّ في هذه المسألة ـ أي حدُّ الزِّنا ـ وهو الرَّجمُ والجلد، لكن يجبُ فيه على الإمامِ التَّعزيرُ حتى القتل سياسة، فَهُم وإن أسقطوا الحدَّ أخذاً بقاعدة: الحدودُ تندرءُ بالشُّبهات، لكنَّهم أوجبوا ما هو أشدُّ من ذلك.
¬
(¬1) المحتسب: وهو من يعينه ولي الأمر للقيام بالحسبة، وتكون الحسبة في الأمر بمعروف ظهر تركه، ونهي عن منكر إذا ظهر فعله. ينظر: نظام القضاء (ص 319،335).
فأيٌّ طعنٍ عليهم.
فبعدَ تطويلِ الكلامِ وتقريرِ المرام، بُهِتَ ذلك الشَّيعيُّ وتحيَّرَ ونالَ أهلُ السُنَّةِ لواءَ الفتحِ والظَّفر.
ثمَّ بلغني من بلادٍ متفرِّقةٍ أنَّ العوامَّ بالغوا في الطَّعنِ بهذه المسألة، وشدُّوا الرِّحالَ للحكمِ بالتَّفسيقِ والإضلال، وطلب منِّي بعضُ الأحبابِ أن أكتبَ في هذا البابِ رسالةً وافيةً بتحقيقِ المراد، كافيةً لاختيارِ السَّداد، أذكرُ فيها الأحاديثَ الواردةَ في هذه المسألة، وأُفصِّلُ مذاهبَ الأئمَّةِ وفقهاءِ الأمَّة، وأَبسطُ فيها مذهبَ الحنفيَّة، وأُشيدُ أركانَ الملَّة الحنيفيّة، وأَدفعُ ما طَعَنَ به الجاهلونَ الخامدونَ على ذي المناقبِ الشَّريفةِ الإمامِ أبي حنيفة الذي قال عبدُ اللهِ بن المباركِ (¬1) في حقِّهِ على ما هو المشهور، وقولُهُ قولُ منصور:
لقد زانَ البلادَ ومَن عليها ... إمامُ المسلمينَ أبو حنيفة
بأحكامٍ وآثارٍ وفقهٍ ... كآياتِ الزَّبورِ على صحيفة
فما في المشرقيْن له نظيرٌ ... ولا في المغربَيْن ولا بكوفة
يبيتُ مشمِّراً سَهِرَ اللَّيالي ... وصامَ نهارَهُ من خيفة
فمن كأبي حنيفةَ في عُلاه ... إمامٌ للخليقةِ والخليفة
¬
(¬1) وهو عبد الله بن المبارك بن واضح الحَنْظَلي بالولاء التَّميمي المروزي، أبو عبد الرحمن، قال الذهبي: كان رأساً في الذكاء، رأساً في الشجاعة والجهاد، رأساً في الكرم، من مؤلفاته: الجهاد، و الرَّقائق، (118 - 181 هـ). ينظر: طبقات الشيرازي (ص 107 - 108)، العبر (1: 280 - 281)، المستطرفة (37).
رأيتُ العائبين له سفاهاً ... خلافُ الحقِّ مع حججٍ ضعيفة
وكيف يحلُّ أن يؤذى فقيهٌ ... له في الأرضِ آثارٌ شريفة
وقد قال ابنُ إدريسَ (¬1) مقالاً ... صحيحَ النَّقلِ في حِكَمٍ لطيفة
بأنَّ النَّاسَ في فقهٍ عيالٌ ... على فقهِ الإمامِ أبي حنيفة
فلعنةُ (¬2) ربِّنا أعداد رمٍل ... على مَن ردَّ قولَ أبي حنيفة (¬3)
فأجبتُ إلى مُلتمسِهم، وشرعتُ في انجاحِ مُقترحِهم مسمَّياً الرَّسالةَ بـ:
((القول الجازم في سقوط الحدّ بنكاح المحارم))
سالكاً فيه مسلكَ الإنصاف، باعداً عن طريقِ الاعتساف، جعلَهُ اللهُ نافعاً، وحَكَماً مُصلحاً عند تنازعِ عبادِه، وباعثاً لمغفرةِ مؤلِّفِهِ ولنجاتِه.
ولنذكرْ أوَّلاً نُبَذاً من الأحاديثِ الواردةِ في هذا الباب، ثمَّ نعقبُهُ بذكرِ المذاهبِ فيه، وإحقاق الصَّوابِ مرتَّباً على إفاداتٍ مشتملةٍ على مهمَّات.
* * *
¬
(¬1) أي الإمام الشافعي، محمد بن إدريس. منه رحمه الله.
(¬2) أي مَن ردَّ عليه ردَّاً بلغَ إلى حدِّ لعنه وتحقيره، فإن ذلك موجب الإبعاد والطرد، لا مجرَّدَ الطَّعن في الاستدلال مع التزام الإنصاف، وهو خير الأوصاف. منه رحمه الله.
(¬3) أجد في نفسي شيئاً من نسبة كل هذه الأبيات إلى ابن المبارك؛ لأنه توفي سنة (181 هـ)، وتوفيَّ الشافعي (204 هـ)، وقد ذكر صاحب الفهرست (1: 284) هذه الأبيات إلى حججٍ ضعيفة، ونسبها إلى ابن المبارك. والله أعلم.
الأولى
في إيراد الأخبار مع ما لها وما عليها
أخرجَ أبو داود (¬1) في ((سننِهِ)) عن طريقِ أبي الجهم، عن البراءِ بن عازبٍ قال: بينما أنا أطوفُ على إبلٍ لي ضلَّت، إذ أقبلَ ركبٌ أو فوارسٌ معهم لواء، فجعلَ الأعرابُ يطيفون بي لمنْزِلتي من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، إذ أتوا قبةً فاستخرجُوا منها رجلاً، فضربوا عنقَه، فسألتُ عنه، فذكرُوا أنَّه عرَّسَ بامرأةِ أبيه (¬2).
وأخرجَ أيضاً من طريقِ يزيدٍ بن البراءِ عن أبيهِ قال: لقيتُ عمِّي ومعهُ راية، فقلتُ له: أين تريد؟ فقال: (بَعَثَنِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى
¬
(¬1) هو سليمانُ بن الأشعثِ السِّجستانيّ، نسبةَ الى سِجستان بكسرِ السِّينِ المهملة، والجيم بعدها سينٌ مهملةٌ ساكنة، بعدها تاءٌ مثناةٌ فوقية، ثمَّ ألف ثمَّ نون، هو إقليمٌ معروفٌ متَّصلٌ ببلادِ الهند، ما بينَ الهندِ وهرات لا إلى سِجستان قرية ببصرة، ولد سنةَ (202)، وماتَ بالبصرة في شوَّال سنة (275)، كذا في تذكرةِ الحفَّاظ (1: 591 - 593) للذَّهبي و طبقاتِ الشَّافعية للتَّاجِ السُّبكي. منه رحمه الله.
(¬2) انتهى من سنن أبي داود (4: 157).
رَجُلٍ نَكَحَ اِمْرَأةَ أَبْيه، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَه) (¬1).
وأخرجَ الحاكمُ (¬2) في ((المستدرك))، وقال: صحيحُ الإسنادِ ولم يخرِّجاهُ عن عكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (مَتَى وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوه) (¬3).
وأخرجَ على ما ذكرَهُ جلالُ الدِّينِ السُّيوطيُّ (¬4) في ((الدرِّ المنثور)): عبدُ الرَّزاق (¬5) .................................................................
¬
(¬1) في سنن أبي داود (4: 157).
(¬2) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النَّيسابوري، إمام أهل الحديث في وقته، وُلِد سنة (321)، ومات سنة (405)، وقد تولَّى القضاء بنيسابور، فعرف بالحاكم. كذا في طبقات الشافعية لابن شهبة الدِّمشقيّ (1: 197 - 198)، و تذكرة الحفاظ. منه رحمه الله.
(¬3) في مستدرك الحاكم (4: 397).
(¬4) عبد الرحمن السُّيوطي المصريّ، صاحب التصانيف النافعة. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر السُّيُوطِيّ الطولوني الشَّافِعِيّ، أبو الفضل، جلال الدين، من مؤلفاته: والإتقان في علوم القُرْآن، والدر المنثور، وحاشية تفسير البيضاوي، (849 - 911هـ). ينظر: الضوء اللامع (65 - 70)، النَّور السَّافر (ص51 - 54).
(¬5) هو أبو بكر، عبد الرزاق بن همام الصَّنْعانيّ، نسبةً إلى صنعاء اليمن، مؤلِّفُ المصنَّف، توفِّي سنة (211)، ذكره في التذكرة. منه رحمه الله.
وابنُ أبي شَيْبَة (¬1)، والحاكم وصحَّحَه، والبَيْهقيُّ (¬2) في ((سننِهِ)) عن البراء، قال: لقيتُ خالي ومعهُ الرَّاية، فقلت له: مَن تريد؟ فقال: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ إِلَى رَجُلٍ تَزوَّجَ اِمْرَأةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَه، وَآخُذَ مَالَه) (¬3). (¬4)
¬
(¬1) هو أبو بكر، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفي، مؤلِّفُ المسند، و المصنَّف، ماتَ سنة (235)، ذكره الذَّهبيُّ وغيرُه لا سنة (335)، كما ذكره بعضُ أفاضل عصرِنا في المقصد الأول من اتحاف النبلاء عند ذكر المسند. منه رحمه الله.
أقول: مراد الإمام اللكنوي بقوله: بعض أفاضل عصرنا، هو: صديق حسن خان القنوجي (ت1307هـ) الذي كان ينقص من شأن الأئمة الكبار ويزعم أنه مجدد المئة الثالثة عشرة الهجرية، فكان مقصد الإمام اللكنوي من تبيين مسامحات القنوجي في كتبه أن ينبهه لها لينقحها قبل أن يقع في الأئمة الكبار، وقد أفرد رحمه الله رسالتين ذكر فيهما مسامحاته في كتبه، وشأن من يسير طريقه، وهما: إبراز الغي الواقع في شفاء العي، و تذكرة الراشد في رد تبصرة الناقد.
(¬2) هو أبو بكر أحمد بن الحسين البَيْهَقي، نسبةً إلى بَيْهَق: بفتح الباء الموحدة والهاء، بينهما ياء مثناة تحتية ساكنة، المتوفَّى سنة (458)، كما في تذكرة الحفَّاظ، وغيره. منه رحمه الله.
(¬3) في صحيح ابن حبان (9: 423)، و جامع الترمذي (3: 643)، و سنن الدارقطني (3: 196)، و المجتبى 6: 109)، و سنن ابن ماجه (2: 869)، و مصنف ابن أبي شيبة (3: 498)، و شرح معاني الآثار (3: 148)، و مسند البزار (9: 255).
(¬4) انتهى من الدر المنثور للسيوطي (2: 470).
وأخرجَ ابنُ ماجه (¬1) عن إسماعيلَ بن موسى نا هشيم، وعن سهلٍ بن أبي سهل، نا حفصُ بن غيَّاث، كلاهما عن أشعث، عن عَديِّ بن ثابت، عن البراءِ قال: مرَّ بي خالي، سمَّاه هشيم في حديثِه: الحارثُ بن عمرو، وقد عقدَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لواءً، فقلت له: أين تريد (¬2) فقال: (بَعَثَني رَسُولُ اللهِ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأةَ أَبِيهِ بَعْدَه، فَأُمِرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَه) (¬3).
وأخرجَ أيضاً (¬4) بسندِهِ عن معاويةَ بن قرَّةَ عن أبيِهِ قال: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَه، وَأُصَفي مَالَه).
وأخرجَ ابنُ ماجهَ عن ابن عبَّاس قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوه، وَمَنْ وَقَعَ عَلىَ بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوه، وَاقْتُلُوا البَهِيمَة) (¬5).
¬
(¬1) هو أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجه: لقب أبيه، وقيل: اسم أمِّه، كانت وفاتُه سنة (273)، وولاته سنة (209) كذا في التذكرة. منه رحمه الله.
(¬2) في الأصل: نزيد.
(¬3) في سنن ابن ماجه (2: 869).
(¬4) أي ابن ماجه في سننه (2: 869).
(¬5) في المستدرك (4: 357) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، و جامع الترمذي (4: 62)، و سنن ابن ماجه (2: 856)، و مصنف عبد الرزاق (7: 364)، و معتصر المختصر (2: 141)، و مسند أحمد (1: 300)، و المعجم الأوسط (9: 138)، وغيرهم.
وأخرجَ التِّرْمِذِيُّ (¬1) عنه مرفوعاً: إذا قال الرَّجلُ للرَّجل: (يَا يَهُودِيّ، فَاضْرِبُوهُ عِشْرين، وَإِذَا قَالَ: يا مُخَنَّث، فَاضْرِبُوهُ عِشْرين، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاَتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوه)، ثُمَّ قال: هذا حديثٌ لا نعرفُهُ إلاَّ من هذا الوجه، وإسماعيلُ بن إبراهيمَ يضعِّفُ في الحديث.
وقد روي عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من غيرِ وجهٍ رواهُ البراءُ بن عازب، وقرَّةُ بن إياسٍ المزنيّ: (إِنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ اِمْرَأَةَ أَبِيه، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بِقَتْلِه).
والعملُ عليه عند أصحابنا، قالوا: مَن أتى ذاتَ مَحْرَم، وهو يعلم، فعليه القتل.
وقال أحمد: مَن تزوَّجَ أمَّهُ قتل.
قال إسحاق (¬2): مَن وقعَ على ذاتِ محرمٍ قتل. انتهى كلامه (¬3).
¬
(¬1) أبو عيسى، محمد بن عيسى التِّرْمِذِيّ، المتوفَّى سنة (279)،ذكره في جامع الأصول. منه رحمه الله.
(¬2) وهو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد الحَنْظَلي المروزي، أبو يعقوب، المعروف بابن راهويه، قال أحمد: لا أعلم بالعراق له نظيراً، وما عبر الجسر مثل إسحاق، من مؤلفاته: المسند، و التفسير، (161 - 238هـ). ينظر: وفيات (1: 199 - 201)، العبر (1: 426).
(¬3) أي الترمذي في جامعه (4: 62).
وأخرجَ الطَّحاويُّ (¬1) في ((شرحِ معاني الآثار)) عن فهد قال: نا أبو نُعَيم، نا الحسنُ بن صالح السَّديّ، عن عديّ بن ثابتٍ عن البراء قال: لقيتُ خالي ومعهُ الرَّاية، فقلت: أين تذهب؟ فقال: (أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَه، أَوْ أَقْتُلَه) (¬2).
وأخرج أيضاً عن فهد، نا يوسف وأبو سعيدٍ الأشجٍّ قالا: نا حفصُ بن غيَّاث، عن أشعث، عن عَديّ بن ثابت، عن البراءِ قال: مَرَّ بي خالي أبو بردة بن نيارٍ الأسلميِّ معه اللِّواء، فذكرَ مثلَهُ إلاَّ أنه قال: (آتِيهِ بِرَأسِه) (¬3).
وأخرجَ عن محمِّدِ بنِ عليِّ بن داود، ثنا (¬4) سعيدُ بن يعقوبٍ الطَّالقاني قال: نا هشيم، نا الأشعث، عن عدي، عن البراءِ قال: مرَّ بي الحارثُ بن عمرو ومعهُ لواءٌ وقد عقدَهُ رسولُ الله، فقلت: إلى أيِّ شيءٍ بعثك؟ قال: (إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةَ أَبِيه أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَه) (¬5).
¬
(¬1) ذكره الذَّهبيُّ في تذكرة الحفاظ من محدث الحنفية، وبسط في مناقبه، وقال: توفِّيَ سنة (321)، واسمه: أحمد بن محمد بن سلامة الطَّحاوي، وقد ذكرتُ ترجمته وتوجيه نسبته في الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ص59 - 63)، و التعليقات السنية (ص59). منه رحمه الله.
(¬2) في شرح معاني الآثار (3: 148).
(¬3) في شرح معاني الآثار (3: 148).
(¬4) وقع في الأصل: نا، والمثبت من شرح معاني الآثار.
(¬5) في شرح معاني الآثار (3: 148).
وأخرجَ عن فهد، نا أحمدُ بن يونسَ، ثنا (¬1) أبو بكر، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء قال: ضلَّتْ لي إبلٌ فخرجتُ في طلبِها، فإذا الخيلُ قد أقبلت، فلمَّا رآى أهل الماءِ الخيل انضمُّوا إليّ، وجاؤوا إلى خباءٍ من تلكَ الأخبية، فاستخرجوا منها رجلاً، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، وقالوا: (هَذَا رَجُلٌ أَعْرَسَ بِامْرَأةِ أَبِيه فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ فَقَتَلَه) (¬2).
تنبِيهان:
الأَوَّل: المشهور أنَّ اسمَ أبي بردة، قال البراء: هانئ، فيختلجُ حينئذٍ أنَّ في روايةِ الطَّحاويِّ وقعَ أنَّ صاحبَ اللَّواءِ الحارث، فيتوهَّمُ أنَّ الواقعةَ متعدِّدَةٌ، لكنَّ الأمرَ ليس كذلك، فإنَّهم ذكرُوا في اسمِ أبي بردةَ اختلافاً، وذكروا قولَ بعضِهم أنَّهُ الحارثُ بن عمرو، كما قال ابنُ عبدِ البرِّ (¬3) في ((الاستيعابِ في أخبارِ الأصحاب)): أبو بريدةُ بن نيار، اسمُهُ هانئ بن نيار، هذا قولُ أهلِ الحديث.
وقيل: اسمُهُ هانئ بن عمرو، هذا قولُ ابنِ إسحاق.
¬
(¬1) وقع في الأصل: نا، والمثبت من شرح معاني الآثار.
(¬2) في شرح معاني الآثار (3: 149).
(¬3) هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن عبد البَرّ النمري القُرطبي المالكي، كما في أنساب السَّمْعَاني، أو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، كما في التذكرة: إمام أهل الحديث في وقت شارح الموطأ وغيره، المتوفَّى سنة (463) في الربيع الآخر، وولادته سنة (368). منه رحمه الله.
وقيل: بل اسمُهُ الحارثُ بن عمرو، ذكرَهُ هشامٌ عن الأشعثِ عن عَديٍّ عن البراءِ قال: مرَّ بي خالي، وهو الحارثُ بن عمرو، وهو أبو بردة ابن نيار.
وقيل: مالكُ بن هبيرة، قالَه: إبراهيمُ بن عبدِ اللهِ الخُزَاعي، كان عقبيَّاً، بدريَّاً.
(1 و (¬1) شهدَ العقبةَ الثَّانيةَ في قولِ موسى (¬2)، وابن إسحاق، والوَاقِدِيّ (¬3).
(4 قال أبو (¬4) معشر: وشهدَ بدراً وأحداً والمشاهدَ كلَّها.
قال الوَاقِدِيّ: توفِّيَ في أوَّلِ خلافة معاوية بعد شهودِهِ مع عليٍّ حروبَهُ كلَّها. انتهى ملخَّصاً (¬5).
الثَّاني: وقعَ في أكثرِ الرِّواياتِ عن البراء: إنَّ صاحبَ اللَّواءِ كان خالَه.
وفي بعِضها: إنه عمُّه.
¬
(¬1) سقطت من الأصل، ومثبتة من الاستيعاب.
(¬2) وهو موسى بن عُقبة بن أبي عيّاش الأسدي، قال ابن حجر: ثقة فقيه إمام في المغازي، (ت 141 هـ). ينظر: العبر (1: 192)، التقريب (ص 484).
(¬3) وهو محمد بن عمر بن واقد السهميّ الأسلميّ المدنيّ الوَاقِدِيّ، أبو عبد الله، قال الذهبي: أحد أوعية العلم، وكان يقول: حفظي أكثر من كتبي، من مؤلفاته: فتوح مصر وديار بكر، و فتوح العراق، و فتوح الشام، (130 - 207 هـ). ينظر: العبر (1: 353). التقريب (ص 433). مرآة الجنان (2: 36 - 37).
(¬4) وقع في الأصل: وأبي، والمثبت من الاستيعاب.
(¬5) من الاستيعاب لابن عبد البر (4: 1609).
فلا يتوهَّمُ منه تعدُّدُه، بل الظَّاهرُ أنَّهُ أطلقَ عليهِ العمَّ على عادةِ العرب، أو كان بينَهُ وبينَهُ قرابةُ العميَّةِ أيضاً من وجه.
* * *
الإفادةُ الثَّانيةُ
في ذكر اختلاف الأئمّة
في النّاكح بالمحرم وواطئه
اعلمْ أنهُ اتَّفقَ العلماءُ على أنه إذا عقدَ على مَحْرَمِ من النَّسبِ والرَّضاعِ فإنَّ العقد غيرُ صحيح، واختلفوا فيما لو وَطِئَ في هذا العقدِ مع العلمِ بالتَّحريم، فقالت الأئمَّة الثَّلاثة (¬1): يجبُ عليهِ الحدّ، وقال أبو حنيفةَ: يعزَّر (¬2).
وكذا اختلفوا في وَطْء البهيمة، فقال مالكٌ (¬3) وأبو حنيفة: يعزَّر، وعن مالك (¬4): أنَّهُ يحدّ.
¬
(¬1) أي مالك كما في مختصر خليل (ص 270)، و رسالة القيرواني (ص 257)، والشافعي كما في التنبيه (ص 148)، المنهاج (4: 146)، وأحمد كما في المحرر في الفقه (2: 152).
(¬2) انتهى من رحمة الأمة في اختلاف الأئمة (ص 288). وينظر: الميزان الكبرى للشعراني (2: 157)، و مراتب الإجماع لابن حزم (ص 132).
(¬3) ينظر: مختصر خليل (ص 270)، و رسالة القيرواني (ص 257).
(¬4) ينظر: مختصر خليل (ص 270).
وللشَّافِعِيِّ (¬1) ثلاثةُ أقوال:
(2أحدهما (¬2): يجبُ عليه الحدّ، ويختلفُ بالبكارةِ والثيوبة.
والثَّاني: أنه يقتلُ بكراً كان أو ثيِّباً.
والثَّالث: يعزَّر، وهو الرَّاجحُ المفتى به.
وعن أحمدَ روايتان، التي اختارَها جماعةٌ من أصحابِهِ أنَّهُ يعزَّر (¬3).
وكذا اختلفوا في شأنِ اللُّوطيّ، فقالت الأئمَّةُ الثَّلاثة (¬4): يجبُ عليه الحدّ، وقال أبو حنيفة: يعزَّرُ في أوِّلِ مرَّة، فإن تكرَّرَ منهُ قتل. كذا في ((رحمةِ الأمَّة في اختلافِ الأئمَّة)) (¬5) (¬6).
¬
(¬1) ينظر: التنبيه (ص148)، و المنهاج (4: 145).
(¬2) ساقطة من الأصل، ومثبتة من رحمة الأئمة.
(¬3) ينظر: دليل الطالب (1: 306)، و المحرر في الفقه (2: 152).
(¬4) أي مالك، كما في مختصر خليل (ص270)، و رسالة القيراني (ص255)، والشافعي كما في التنبيه (ص148)، المنهاج (4: 144). وأحمد كما في المحرر في الفقه (2: 152).
(¬5) لبعض تلامذة السبكي. منه رحمه الله تعالى.
(¬6) رحمة الأمة (ص287)، وهو لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقيّ العثمانيّ الشافعيّ، لأبي عبد الله، صدر الدين، قاضي القضاة بالمملكة الصفدية، ومن مؤلفاته: طبقات الشافعية، فرغ من تأليفها سنة (780هـ)، وذكر بروكلمان أنه (870هـ)، وهذا التاريخ أقرب لما ذكر اللكنوي من أنه من تلامذة السبكي. ينظر: الكشف (1: 836). هدية العارفين (6: 170).
وممَّن قال بوجوبِ الحدّ: الحسنُ البصريُّ كما ذَكَرَهُ البُخاريُّ (¬1) في ((صحيحِه)) تعليقاً في (كتابِ المحاربين) أنه قال: مَن زَنَا بأختِهِ حدُّهُ حدُّ الزَّاني (¬2).
قال القَسْطَلاَّنِيُّ (¬3) في ((شرحِه)) عند ابن أبي شَيْبَةَ (¬4) عن حفصٍ بن غياث قال: سألتُ عَمْراً: ما كان الحسنُ يقولُ فيمَن تزوَّجَ ذاتَ مَحْرَمٍ وهو يعلم؟ قال: عليه الحدّ. انتهى (¬5).
وممَّن قال بسقوطِهِ سفيانُ الثَّوري.
¬
(¬1) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، المتوفَّى سنة (256) بغُرة شوال. منه رحمه الله.
(¬2) في صحيح البخاري (6: 2498).
(¬3) هو أحمد بن محمد المصريّ الشَّافعي، المتوفَّى في المحرم سنة (923). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر القَسْطَلاَّنيّ الأصل المصرِيّ الشَّافعيّ، أبو بكر، شهاب الدين، صنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته، من مصنفاته: المواهب اللدنية بالمنح المحمديَّة، و العقودِ السُّنيَّةِ في شرحِ المقدِّمةِ الجزريَّةِ، و الكنْزِ في وقفِ حمزةَ وهشامٍ على الهمز، (851 - 923هـ). ينظر: الضوء اللامع (2: 103 - 104)، النور السافر (ص106 - 107)، شرح المواهب اللدنية (1: 3 - 4).
(¬4) في مصنفه (5: 549).
(¬5) من إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني (10: 8).
قال الطَّحَاويّ: نا فهد نا أبو نُعَيْم قال: سمعت سفيانَ يقولُ في رجلٍّ تزوَّجَ ذاتِ مَحْرَمٍ منه، فدخلَ بها، قال: لا حدَّ عليه. انتهى (¬1).
وقال العَيْنِيُّ (¬2) في ((رمزِ الحقائقِ شرحِ كنْزِ الدَّقائق)): ولا يحدُّ بمَحْرَم: أي بوطئ مَحْرَمٍ نَكَحَها، وهذا هو الشُّبهةُ في العقدِ سواءٌ كان عالماً بالحرمة أو لم يكن عند أبي حنيفة، ولكن إن كان عالماً يوجعُ بالضَّرب تعزيراً له، وعندهما: إن كان عالماً يحدُّ في كلِّ امرأةٍ مُحَرَّمةٍ عليه على التَّأبيد أو ذاتِ زوج؛ لأنَّ حُرمتَهنَّ بدليلٍ قطعيّ، وبه قال الشَّافعيُّ ومالك وأحمد. انتهى (¬3).
¬
(¬1) من شرح معاني الآثار (3: 149).
(¬2) هو القاضي بدر الدين، محمود بن أحمد العيني الحنفي، نسبةً إلى عين تاب، المتوفَّى سنة (855). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العنتابيّ المولد العَيْنيّ الحلبيّ الأصل القاهريّ الحنفيّ، أبو محمد، بدر الدين، قال السيوطي: كان إماماً عالماً، علامة عارفاً بالعربية والتصريف، حافظاً للغة، سريع الكتابة، عمَّر مدرسة بقرب الجامع الأزهر ووقف كتبه بها، من مؤلفاته: البناية في شرح الهداية، و شرح شرح معاني الآثار، و عمدة القاري شرح صَحِيح البُخَارِيّ (762 - 855هـ). ينظر: الضوء اللامع (10: 131 - 135)، الفوائد (ص340).
(¬3) من رمز الحقائق (1: 281).
وفي ((الفتاوى السِّراجيَّة)) (¬1): إذا زنى بمَحارمِهِ يحدُّ عندهما، وبه أخذَ
الفقيهُ أبو اللَّيث (¬2)، وعليه الفتوى، قالَهُ حسامُ الدِّين (¬3). انتهى (¬4).
وفي ((الدُّرِّ المختار)) (¬5): ولا ... حدَّ أيضاً ... بشبهةِ العقدِ عنده، كوطء
¬
(¬1) هو لسراج الدين، علي بن عثمان بن محمد الأُوشيّ الفَرْغَانِيّ، مؤلِّفُ القصيدة المعروفة بـ بدء الأمالي، وذكر في آخر السراجية أنه فرغ منها بأُوش سنة (569). كذا في كشف الظنون (6: 1224)، [ينظر: الجواهر (2: 583 - 584)]. منه رحمه الله.
(¬2) وهو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السَّمَرْقَنْدِيّ الحَنَفِي، أبو اللَّيْث الفقيه، إمام الهدى، من مؤلفاته: مختارات النوازل، و خزانة الفقه، و بستان العارفين، (ت375هـ). ينظر: الفوائد (ص362)، تاج التراجم (ص310).
(¬3) لعلَّه: عمر بن عبد العزيز بن مازه، المعروف بالصدر الشهيد، أبي محمد برهان الأئمة، حسام الدين، من مؤلفاته: شرح أدب الخصاف، و الواقعات، و عمدة المفتي والمستفتي، (483 - 536هـ). ينظر: الجواهر (2: 649 - 650)، النجوم الزاهرة (5: 268 - 269)، إيضاح المكنون (4: 124).
(¬4) من الفتاوى السراجية (1: 360).
(¬5) لعلاء الدين، محمد بن علي الدِّمشقيّ الحَصْكَفِيّ، نسبةً إلى حصن كيفا، المتوفَّى سنة (1088). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمد بن علي بن محمد بن علي الحِصْني الأصل الحَصْكَفِي الحَنَفِي، علاء الدين، قال المحبي: مفتي الحنفية بدمشق، وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره، من مؤلَّفاته: خزائن الأسرار شرح تنوير الأبصار، و الدر المنتفى شرح ملتقى الأبحر، و إفاضة الأنوار شرح المنار، (ت1088هـ). ينظر: خلاصة الأثر (4: 63 - 65)، طرب الأماثل (ص564).
مَحْرَمٍ نكحَها، وقالا: إن علمَ الحُرْمَةَ حدّ. وعليه الفتوى ((خلاصة)) (¬1)، لكن المرجَّحَ في جميعِ الشُّروحِ قولُ الإمام، فكان الفتوى عليهِ أولى، قاله قاسمٌ في ((تصحيحِه))، لكن في القُهُسْتَانيُّ عن ((المضمرات)) (¬2): على قولهما الفتوى. انتهى (¬3).
وفي ((جامعِ الرُّموز)) للقُهُسْتانِيّ (¬4): منها شبهةُ عقدٍ كما إذا تزوَّجَ بلا
¬
(¬1) خلاصة الفتاوي لطاهرِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرشيد بن الحسين البُخَاريّ، افتخار الدِّين، قال: الكفوي: كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل، ومن مؤلفاته: النصاب، و خزانة الواقعات، (1/ 482ـ 542هـ). ينظر: الجواهر (2: 276)، التاج (ص172)، الفوائد (ص146).
(¬2) جامع المُضْمَرات والمشكلات شرح مختصر القُدُوريّ ليوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفِيّ الكادوري البَزَّار الحنفي، المعروف عند الترك: بنبيرهء شيخ عمر، قال الكفوي: شيخ كبير وعالم نحرير جمع علمي الحقيقة والشريعة، وهو أستاذ فضل الله صاحب الفتاوى الصوفية، من مؤلفاته: (ت832هـ). ينظر: الكشف (2: 1632)، الفوائد (ص380).
(¬3) من الدر المختار (3: 153 - 154).
(¬4) هو شمس الدين، محمد الخُراسانيّ، مفتي بخارا، المتوفَّى في حدود سنة (950)، أو في حدود سنة (962)، وكتابه من الكتب الغير المعتبرة عند الفقهاء. منه رحمه الله.
وأضيف: قال علي القاري: قال عصام الدين في حقِّ القُهُسْتَانِيّ: إنَّهُ لم يكن من تلامذة شيخ الإسلام الهَرَويّ، لا من أعاليهم، ولا من أدانيهم، وإنما كان دلال الكتب في زمانه، ولا كان يعرف الفقه، ولا غيره بين أقرانه، ويؤيِّدُه أنه يجمعُ في شرحه هذا بين الغثِّ والسَّمين، والصَّحيح والضعيف من غير تصحيح، ولا تدقيق، فهو كحاطب الليل، جامع بين الرطب واليابس في الليل. ينظر: دفع الغواية (ص37)، تذكرة الراشد (ص56)، غيث الغمام (ص30).
شهود، أو (¬1) أمَةً بغيرِ إذن مولاها، وأمَةً على حُرَّة، ومجوسيّةً، وخمسةً في عقدة، أو جمعَ بين أُختَيْن، أو تزوَّجَ بمَحارمه، أو تزوَّجَ العبدُ أَمَةً بغيرِ إذن مولاها فوطِئَها، فإنَّهُ لا حدَّ في هذهِ الشُّبهةِ عنده، وإن عَلِمَ بالحرمةِ بصورةِ العقد، لكنَّهُ يعزَّر، وأمَّا عندهما فكذلك، إلاَّ إذا عَلِمَ بالحرمة، والصَّحيحُ هو الأوَّل، كما في ((المضمرات)).
وفي موضعٍ منه: إذا تزوَّجَ بمَحْرَمِهِ يحدُّ عندهما، وعليه الفتوى.
وذكر في ((الذَّخيرة)) (¬2) إنَّ بعضَ المشايخِ ظنَّ أن نكاحَ المحارمِ باطلٌ عنده، وسقوطُ الحدِّ بشُبْهةِ الاشتباه، وبعضُهُم: أنَّهُ فاسد، والسُّقوطُ بشُبْهةِ العقد. انتهى (¬3).
* * *
¬
(¬1) في جامع الرموز: و.
(¬2) لبرهان الدين، مؤلِّف المحيط محمود على المشهور، أو محمد بن التاج أحمد البُخاري، من أجلَّة الفقهاء، بسطتُ في ترجمتِهِ وأعزتِهِ في الفوائد البهية (ص291 - 292)، و تعليقاتها [أي التعليقات السنية، (ت616هـ)]. منه رحمه الله.
(¬3) من جامع الرموز في شرح النقاية (2: 291).
الإفادةُ الثالثة
في تفصيل مذهب الحنفيَّة وتوجيهه
اعلمْ أنَّ أئمَّتنا الحنفيَّةُ ذكروا أنَّ الحدودَ تندرءُ بالشُّبُهات، وذكرُوا في سقوطِ الزِّنا شُبهات، وتفصيل ذلك على ما في ((الجامعِ الصَّغير)) وشروحِه، و ((الهدايةِ)) (¬1) وشروحِه (¬2)، و ((الكنْز)) (¬3)، و ((الوقاية)) (¬4) وشروحِهِما (¬5)، وغيرها من
¬
(¬1) الهداية شرح بداية المبتدي (2: 100)، وهي لعلي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِيّ المَرْغِينَانِيّ، أبي الحسن، برهان الدين، قال الكفوي: كان إماماً فقيهاً حافظاً مفسِّراَ جامعاً للعلوم ضابطاً للفنون، متقناً محقِّقاً، نظاراً مدققاً، زاهداً ورعاً، بارعاً فاضلاً، ماهراً أصوليّاً، أديباً شاعراً، لم ترَ العيون مثله في العلم والأدب، من مؤلفاته: التجنيس والمزيد، و مختارات النوازل، و كفاية المنتهى، (ت 593 هـ). ينظر: الجواهر (2: 627). التاج (ص 206). مقدِّمة الهداية (3: 2).
(¬2) ينظر: العناية على الهداية (5: 32)، و الكفاية على الهداية (5: 32)، و البناية في شرح الهداية (5: 392)، و حاشية سعدي جلبي على الهداية (4: 32)، و حاشية اللكنوي على الهداية (4: 97)، و حاشية يعقوب باشا على شرح الوقاية (ص 75)، وغيرها.
(¬3) كنْز الدقائق (ص 77)، وهو لعبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، قال الإمام اللكنوي: وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماء. من مؤلفاته: الكافي شرح الوافي، و تفسير المدارك، و كشف الأسرار شرح المنار، (ت 701 هـ). ينظر: الجواهر (2: 294)، تاج (ص 174)، الفوائد (ص 102).
(¬4) وقاية الرواية في مسائل الهداية (ق 72/ب) وهي: لمحمود بن أحمد بن عبيد الله المَحْبُوبيّ البُخَارِيّ، برهانُ الشَّريعة، تاج الشريعة، قال الكفوي: عالمٌ فاضل، نحريرٌ كامل، بحرٌ زاخر، حبرٌ فاخر، صاحب التصانيف الجليلة، من مؤلفاته: الواقعات، و شرح الهداية، و الفتاوى (ت نحو 700 هـ). ينظر: الفوائد (ص 338 - 339)، دفع الغواية (1: 2 - 6).
(¬5) مثل: رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق (1: 280)، و البحر الرائق شرح كنْز الدقائق (5: 13)، و تبيين الحقائق شرح كنْز الدقائق (3: 176)، و شرح ملا مسكين على الكنْز (ص 155)، و فتح الله المعين على شرح الكنْز (2: 357)، و كنْز البيان مختصر توفيق الرحمن على الكنْز (ص 70)، و شرح الوقاية لصدر الشريعة (ق 111/أ)، و شرح الوقاية لابن ملك (ق 139/ب). و حاشية عصام الدين على شرح الوقاية (ق 150/ب)، و ذخيرة العقبى على شرح الوقاية (ص 163)، و عمدة الرعاية في حل شرح الوقاية (2: 283).
الكتبِ المعتبرةِ من المتونِ والشُّروح والفتاوى المعتمدة أنَّ حدَّ الزِّنا يسقطُ بشُبُهات.
ذكرَ بعضُهُم: كمؤلِّفِ ((الكَنْز)) و ((الوقايةِ)) وغيرهما: إنَّ المسقطَ اثنتان: شُبُهةُ في المحلّ، وشُبُهةُ في الفعل.
وبعضُهُم (¬1): إنَّ المسقطَ ثلاثُ شُبُهات، وزادوا شبهةً بالعقد.
* * *
¬
(¬1) كابن الهمام في فتح القدير (5: 32).
* أمَّا الشُّبهةُ الأُولى: وهي الشُّبهةُ في المحلّ:
أي محلِّ الوطء، وهو الموطوءة، وتسمَّى شبهةً حكميّة، وشبهةً في الملكِ أيضاً: فهي أن يقومَ هناكَ دليلٌ نافٍ للحرمةِ في المحلّ في نفسِ الأمرِ من غيرِ توقُّفٍ على ظنِّ الجاني واعتقاده، فيورثُ ذلك اشتباهاً ولو خفيفاً وضعيفاً في حرمةِ المحلّ، والصُّورُ التي توجدُ فيها هذه الشُّبُهةُ كثيرةٌ غيرُ محدودةٍ عند التَّحقيق، وإن ذكرَ الصَّدرُ الشَّهيدُ (¬1) في ((شرحِ الجامعِ الصَّغير)): أنَّها توجدُ في ثمانيةِ مواضع، وصاحبُ ((الهداية)) (¬2) ذكرَ أنَّها في ستَّةِ مواضع:
فمنها
وطءُ أمةِ ولدِهِ وولدِ ولدِه، وإن سفل، والدَّليلُ الموجبُ لشبهةِ الحلِّ قولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) (¬3).
¬
(¬1) هو عمُّ صاحب الذخيرة، وأستاذ صاحب الهداية عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه البُخاريّ، المتوفَّى سنة (536). منه رحمه الله. سبقت ترجمته.
(¬2) علي بن أبي بكر المَرْغِينَانِيّ، المتوفَّى سنة (593). منه رحمه الله. سبقت ترجمته.
(¬3) من حديث جابر، وعائشة، وسمرة بن جندب، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عمر في صحيح ابن حبان (2: 142)، والمنتقى (1: 249)، وسنن أبي داود (3: 289)، وسنن ابن ماجه (2: 769)، قال ابن القطان عن حديث ابن ماجه: إسناده صحيح، وقال المنذري: رجاله ثقات، وسنن البيهقي الكبير (7: 480)، ومسند الشافعي (1: 202)، والأحاديث المختارة (8: 79)، وغيرها. وينظر: نصب الراية (3: 337)،وخلاصة البدر المنير (2: 203).
قال الحافظُ ابنُ حَجَر العَسْقَلانِيُّ (¬1) في ((تخريجِ أحاديثِ الهداية)): أخرجهُ ابنُ ماجه من حديثِ جابرٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، جاءهُ رجلٌ فقال: إنَّ لي مالاً وولداً، وإنَّ أبي يريدُ أن يجتاح (¬2) مالي، قال: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيك)، رجالُهُ ثقات (¬3).
وفي البابِ عن عائشةَ رضي الله عنها: أخرجَهُ ابنُ حِبَّان (¬4) من روايةِ عبدِ اللهِ بن كيسان، عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنها (¬5).
¬
(¬1) شيخ الإسلام، أحمد بن علي المصريّ، المتوفَّى سنة (852) في ذي الحجَّة سنة لا (858)، كما في أبجد العلوم (3: 95). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الإمام اللكنويّ عنه: وكل تصانيفه تَشهد بأنَّهُ إمام الحفاظ محقِّق المحدِّثين، زُبدةُ النّاقدين، لم يُخلف بعد مثله، من مؤلفاته: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، وهدي الساري مقدمة فتح الباري، الإصابة في تمييز الصحابة. ينظر: الضوء اللامع (2: 36 - 40)، التعليقات (ص36).، وقد خصَّه تلميذه السَّخاويّ بكتاب خاص بترجمته، وسمَّاه: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر.
(¬2) من الاجتياح بالجيم أوله والحاء المهملة آخره بمعنى الاستئصال. منه رحمه الله.
(¬3) في سنن ابن ماجه (2: 769)، الكامل (5: 72، 7: 164)، والمعجم الصغير (2: 152).
(¬4) هو أبو حاتم محمد بن حِبَّان ـ بكسرِ الحاء المهملة، وتشديد الباء ـ بن أحمد البُسْتِيّ، المتوفَّى في شوال سنة (354). منه رحمه الله.
وأضيف: قال ابن السمعاني عنه: كان إمام عصره تولَّى قضاء سمرقند مدَّة، من مؤلفاته: الصحيح المسمَّى الأنواع والتقاسيم، والثقات، ومعرفة المجروحين. ينظر: العبر (2: 300). طبقات الأسنوي (1: 201).
(¬5) في صحيح ابن حبان (2: 142)، والكامل (2: 335).
وعن سمرة - رضي الله عنه -: أخرجَهُ البزَّار (¬1)، والطَّبَرانِيُّ (¬2)، والعُقَيْليّ (¬3) في ترجمةِ عبدِ اللهِ بن إسماعيل (¬4).
وعن عمرَ - رضي الله عنه -: أخرجَهُ البزَّار، وابن عَديّ (¬5) في ((الكامل)) في ترجمةِ سعيدِ ابن بشر (¬6).
¬
(¬1) هو أبو بكر، أحمد بن عمرو البَصْريّ، المتوفَّى سنة (292). منه رحمه الله.
وأضيف: والبَزَّارُ نسبةً لمن يخرج الدهن من البزور ويبيعه، قال الدَّارَقُطْني عنه: ثقة يخطئ ويتَّكلُ على حفظه. ينظر: العبر (2: 92)، الكشف (2: 1682).
(¬2) هو أبو القاسم، سليمان بن أحمد الطَّبَرانيّ، نسبةً إلى طبرية، المتوفَّى سنة (360). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الذهبي عنه: مسند العصر، واسع الحفظ، بصيراً بالعلل والرجال والأبواب ينظر: العبر (3: 315 - 316)، مرآة الجنان (3: 372).
(¬3) هو أبو جعفر، محمد بن عمرو العُقَيْليّ، بالضَّم، نسبةً إلى أحدِ أجدادِه، مؤلِّفُ كتاب الضعفاء، المتوفَّى سنة (322). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الكتاني عنه: العالم الثقة في الحديث. ينظر: النجوم الزاهرة (3: 248). الرسالة المستطرفة (ص108).
(¬4) في المعجم الكبير (7: 230)، وضعفاء العقيلي (2: 234).
(¬5) هو أبو أحمد، عبد الله بن عدي بن عبد الله الجُرْجَانِيّ، المتوفَّى سنة (365). منه رحمه الله.
وأضيف: يعرف بابن القطَّان، قال السَّهْمي عنه: كان حافظاً متقناً، لم يكن في زمانه مثله. ينظر: العبر (2: 337)، ومرآة الجنان (2: 381).
(¬6) في الكامل (3: 375).
(1و (¬1) عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أخرجَهُ (¬2) الطَّبَرَانِيُّ في المعجَمَيْن ((الصَّغير)) و ((الكبير))، وابن عديِّ في ((الكامل)) أيضاً (¬3).
وعن ابن عمرَ - رضي الله عنهم -: عند أبي يَعْلَى (¬4) والبَزَّار (¬5). انتهى (¬6).
وذكره السُّيوطِيُّ في ((الجامعِ الصَّغير)) (¬7) مسنداً إلى ((سنن ابن ماجه)) من حديثِ (5جابر (¬8) - رضي الله عنه -، وإلى ((معجمِ الطَّبَرانِيّ الكبير)) من حديثِ سمرةَ وابن مسعود - رضي الله عنه -.
قال علي العَزِيزيّ (¬9) في شرحِهِ ((السِّراجِ المنير)) نقلاً عن شيخِهِ محمَّدٍ
¬
(¬1) سقطت من الأصل، ومثبتة من الدراية.
(¬2) وقع في الأصل: وأخرجه، والمثبت من الدراية.
(¬3) في المعجم الصغير (1: 23)، والأوسط (1: 22)، والكبير (10: 81)، والكامل (6: 401).
(¬4) هو أحمد بن علي بن المثنى، محدِّث الجزيرة، أبو يَعْلَى المَوْصِليّ، المتوفَّى سنة (307).منه رحمه الله.
وأضيف: قال الذَّهَبِيُّ: كان ثقة صالحاً متقناً يحفظ حديثه. ينظر: العبر (2: 134)، الكشف (2: 1679).
(¬5) في مسنده (1: 420).
(¬6) من الدراية في تخريج الهداية (2: 102).
(¬7) الجامع الصغير للسيوطي (2: 70).
(¬8) وقع في الأصل: ابن ماجه، والمثبت من المعجم الصغير.
(¬9) هو علي بن أحمد العزيزي ـ نسبةً الى موضع عزيزية قرب مصر ـ الشَّافِعِيّ، المتوفَّى سنة (1070). منه رحمه الله.
وأضيف: قال المحبي عنه: كان إماماً فقيهاً، محدِّثاً حافظاً، ذكياً قويّ الحفظ، ومن مؤلفاته: حاشية على شرح التحرير للقاضي زكريا، وحاشية على شرح الغاية لابن قاسم، (1070هـ). ينظر: خلاصة الأثر (201:3)، الأعلام (5: 64).
الحجَازيّ (¬1): إنه حديثٌ صحيح. انتهى (¬2).
فهذا الحديثُ أورثَ اشتباهاً في حرمةِ أمةِ الابن، وكذا في ابنِ الابنِ وابنِهِ وإن سفل؛ لكونِ الجدِّ في حكمِ الأب، فإن الغرضَ منه ليسَ كون كلّ ما يملكُهُ الابنُ ملكاً لأبيهِ حقيقةً لا سيما الفروج؛ لكونِ الأصلِ فيها التَّحريمُ والاحتياط، بل الغرضُ منه التَّرغيبُ إلى خدمةِ الأبناءِ للآباء، وجوازُ التَّصرُّفِ عندَ الضَّرورةِ للآباءِ في أموالِ الأبناء.
ومنها:
وطءُ المعتدَّةِ بالطَّلاقِ بألفاظِ الكنايات؛ كأنتِ خليَّة (¬3)، أنتِ بريَّة (¬4)،
¬
(¬1) وهو محمد بن محمد بن أحمد الحجازيّ الحميديّ الحمصيّ الدمشقيّ، ويعرف بابن سماقة وبالحجازي، يرجع نسبه إلى الحميديّ شيخ البخاريّ، قال المحبي عنه: الشيخ الإمام العالم الفقيه المفتي الهمام، (930 - 1020هـ). ينظر: خلاصة الأثر (4: 162 - 165).
(¬2) السراج المنير شرح الجامع الصغير (2: 70).
(¬3) خلية: أي خالية إما عن النكاح أو عن الخير. ينظر: رد المحتار (2: 464).
(¬4) برية: أي منفصلة إما عن قيد النكاح أو حسن الخلق. ينظر: رد المحتار (2: 464).
أنت بتَّة (¬1)، أنت بتلة (¬2)، وغيرُ ذلك؛ لاختلافِ الصَّحابةِ فيها، فبعضُهم أفتى بأنها رواجعُ فيصحُّ الوطءُ في العدَّة، وبعضُهم أفتى بأنها بوائن أو ثلاث فلا يحلُّ الوطء، فأورثَ اختلافُهُم شبهةً في حرمةِ المحلّ.
والآثارُ في ذلك عن عمر، وزيدِ بن ثابت، وابن مسعود، وعليّ، وعثمانَ وغيرهم مخرَّجةٌ في كتابِ ((الآثار)) (¬3) لمحمَّدِ بن الحسن، و ((مصنَّفِ عبد الرَّزاق)) (¬4)، و ((موطَّأ مالك)) (¬5)، و ((معجمِ الطَّبرانيّ)) وغيرهم (¬6)، كما أوردَ قدراً منها العَيْنِيُّ في ((البنايةِ شرح الهداية)) (¬7)، وابن حجرَ في تخريجِ أحاديثِها (¬8)، وليس هذا موضعُ بسطها.
¬
(¬1) بتَّة: من البت بمعنى القطع إما عن قيد النكاح أو حسن الخلق. ينظر: رد المحتار (2: 464).
(¬2) بتلة: من البتل، وهو الانقطاع، وبه سميت مريم؛ لانقطاعها عن الرجال، وفاطمة الزهراء؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً. ينظر: رد المحتار (2: 465).
(¬3) الآثار (1: 139).
(¬4) مصنف عبد الرزاق (6: 356 - 365).
(¬5) الموطأ (2: 551).
(¬6) ينظر: سنن البيهقي (7: 343)، وسنن الدارقطني (1: 433)، ونصب الراية (3: 334)، والتحقيق (2: 292)، ومكارم الأخلاق (1: 147)، والفردوس (2: 101)، وغيرها.
(¬7) البناية (5: 398 - 399).
(¬8) المسمى الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2: 101).
ومنها:
وطءُ البائعِ الأمةَ المبيعةَ قبلَ القبض؛ لأنها في ضمانه وفي يدِه، وتعودُ إلى ملكِهِ بالهلاكِ قبل التَّسليم.
ومنها:
وطءُ الأمةِ المبيعةِ بالبيعِ الفاسدِ قبل القبضِ وبعده؛ أمَّا قبلَه فلبقاءِ الملك، وأمَّا بعدَه فلكونِ الفسخِ واجباً، فله حقُّ الملكِ فيها.
ومنها:
وطءُ الأمةِ المبيعةِ بشرطِ الخيارِ للبائعِ أو المشتري، فإن كان للبائع فلبقاءِ ملكِهِ بناءً على أن شرطَ الخيارِ له يمنعُ خروجَهُ عن ملكِه، فإن كان للمشتري فلكونِهِ لم يخرجْ عن ملكِ البائعِ بالكليَّة.
ومنها:
وطءُ الجاريةِ لمكاتبِه (¬1)، أو جاريةِ عبدِهِ المأذون وعليه دينٌ محيطٌ بمالِهِ
¬
(¬1) المكاتب: أي العبد الذي كاتبه سيده على مال مقابل أن يعتقه. ينظر: الاختيار (4: 272).
ورقبته، فإنَّ له حقاً في كسبِ عبدِه، وأمَّا غيرُ المديونِ فهو مع مالِهِ في ملكِ سيِّدِه.
ومنها:
وطءُ الجاريةِ الممهورةِ قبل التَّسليمِ في حقِّ الزَّوج (¬1).
ومنها:
وطءُ الجاريةِ المشتركة؛ لأنَّ ملكَهُ في البعضِ ثابت.
ومنها:
وطءُ أحدٍ من المُجاهدينَ جاريةً من الغنيمةِ بعد الإحرازِ أو قبلَه؛ لثبوتِ الحقِّ له بالاستيلاء.
ومنها:
وطءُ المُرْتَهِنِ الأمةَ المرهونة، ذكرَهُ محمَّدٌ في كتابِ الرَّهن؛ بناءً على أنَّ
¬
(¬1) لما سبق من السبب في المبيعة.
استيفاءَ الدَّينَ يقعُ بها عند الهلاك، وقد انعقدَ له سببُ الملكِ في الحال، فصارَ كالمشتراةِ بشرطِ الخيارِ للبائع.
وذكرَ محمَّدٌ في كتابِ الحدودِ هذه الصُّورةَ من صورِ شبهةِ الفعل، قال في ((الهداية)) (¬1): هو الأصحّ.
ومنها:
وطءُ جاريتِهِ التي هي أُختُهُ من الرِّضاع، وأمتِهِ المجوسيَّة، وأمتِهِ التي تحته أُختها لوجودِ الملكِ فيها، مع أنَّ الحرمةَ في الآخرينَ غيرُ مؤبَّدة، فيورثُ ذلك شبهةَ المالك.
ومنها:
وطءُ الجاريةِ قبل الاستبراء، ذكرَهُ في ((فتحِ القدير)) (¬2) (¬3)، وفيه: إنّ الملكَ فيها كاملٌ من وجه، وليست فيها شبهةُ الملكان، إنّما منعَ عن الوطءِ فيها
¬
(¬1) ينظر: الهداية (1: 100)، ولم أقف على قوله: هو الأصح، لكن في فتح القدير (5: 34) نص بقوله: هو الأصح.
(¬2) فتح القدير (5: 32).
(¬3) لكمال الدين، محمد بن عبد الواحد، همام الدِّين السَّكَنْدريّ من أهل التَّرجيح، المتوفَّى سنة (861). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الكفوي: كان إماماً نظاراً، فارساً في البحث، فروعياً أصوليّاً، محدِّثاً مفسِّراً، حافظاً نحويّاً، كلاميّاً منطقيّاً جدليّاً، ومن مؤلفاته: تحرير الأصول، والمسايرة في العقائد، وزاد الفقير. ينظر: الضوء اللامع (6: 127)، الفوائد (ص296 - 298).
لعارضِ خوفِ اشتباهِ النَّسب، فهو نظيرُ وطء الحائضِ والنُّفَساء والصَّائمةِ والمُحْرِّمة، إلاَّ أن يرادَ بشبهةِ الملكِ شبهةُ ملكِ الوطء إلا ملكَ الرَّقبة، كذا في ((ردِّ المحتار)) (¬1) (¬2).
¬
(¬1) رد المحتار على الدر المختار (3: 151)، والكلام المذكور فيه اختصار يوهم، فتمام الكلام هو: ووطء جاريته قبل الاستبراء هذه من زيادات الفتح، وفيه: إن الملكَ فيها كاملٌ من كلِّ وجه إلاَّ أنه منع من وطئه لها خوف اشتباه النسب والكلام في وطء حرام سقط فيه الحدّ؛ لشبهةِ الملك، وهذه فيها حقيقةُ الملك فكانت كوطء الزوجة الحائض والنفساء والصائمة والمُحْرِمة مما منع من وطئها لعارض الأذى أو إفساد العبادة مع قيام الملك إلا أن يراد بشبهة الملك ملك الوطء لا ملك الرقبة، فليتأمل. انتهى.
(¬2) محمَّد أمين، الشهير: بابن عابدين، من أفاضل بلاد الشَّام، من رجال هذه المئة الثالثة عشرة. منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي، المشهور بابن عابدين، قال الشطي: إنه علامة فقيه، فهّامة نبيه، عذب التقرير، متفنن في التحرير، لم ينسج عصر على منواله، ومن مؤلفاته: العقود الدرية بتنقيح الفتاوي الحامدية، ونسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار، ورسائله المشهورة، (1198 - 1252هـ). ينظر: أعيان دمشق (ص252 - 255)، الأعلام (6: 267 - 268).
ومنها:
وطءُ الزَّوجةِ التي حرمَتْ عليه بردَّتِها أو مطاوعتِها لابنه.
ومنها:
وطئ زوجةٍ بعد وطئِه بنتها، أو أُمَّها.
ومنها:
ما إذا زنا بأمة (¬1)، ثمَّ قال: اشتريها، وصاحبُها فيها بالخيار، وقال مولاها: كذب لم أبعها، ففي هذه الصُّورةِ يسقطُ عنه الحدُّ لقولِهِ بشبهة.
ومنها:
ما إذا جَنَتِ الأمةُ فزنا بها وليُّ الجناية، فإن قتلتْ رجلاً عمداً فوطئها وليُّ المقتولِ لا يحدّ؛ لوجودِ شبهةِ الملكِ فيها، وإن قتلتْ رجلاً خطأً فوطِئها وليُّ المقتولِ قبل أن يختارَ الوليُّ شيئاً، أجمعوا على أنه إن اختارَ الفداءَ بعد ذلك فإنه يحدّ، وإن اختارَ دفعَ الجاريةِ ففي الاستحسانِ لا يحدّ، وبهِ أخذَ أبو
¬
(¬1) وقع في الأصل: امرأة، والمثبت من البحر الرائق (5: 13).
يوسف، وفي القياسِ يحدّ، وبه أخذَ أبو حنيفةَ ومحمَّد. كذا في ((الظَّهيريّة)) (¬1).
ومنها:
ما إن غصبَ جاريةً فوطئ بها، ثمَّ ضمنَ قيمتَها يسقطُ عنه الحدّ، وعلى قياسِ قولِ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ لا يسقط.
ومنها:
ما لو زنا بأمة (¬2)، ثمَّ اشتراها، ذكرَ في ظاهرِ الرِّوايةِ أنه يحدّ، ورويَ عن أبي يوسفّ أنه يسقط، وذكرَ أصحابُ الإملاءِ عن أبي يوسفَ أنَّ مَن زنا بامرأةٍ ثمَّ تزوَّجَها، أو بأمةٍ ثمَّ اشتراها لا حدَّ عليه عند أبي حنيفةَ ومحمَّد، وعليه الحدُّ في قولِ أبي يوسف.
¬
(¬1) لظهير الدين، محمَّد بن أحمد بن عمر البُخاري، المتوفَّى سنة (619). منه رحمه الله.
وأضيف: ومن مؤلَّفاته: الفوائد الظهيرية، قال الإمام اللكنوي: طالعت الفتاوي الظهيرية فوجدته كتاباً متضمناً للفوائد الكثيرة. ينظر: الفوائد (ص257)، الكشف (2: 1226).
(¬2) وقع في الأصل: امرأة، والمثبت من البحر الرائق (5: 13).
وذكرَ ابنُ سماعةَ (¬1) في ((نوادره)): على عكسِ هذا، قال: وعلى قولِ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ عليهِ الحدُّ في الوجهين، وروى الحسنُ عن أبي حنيفةَ أنه إذا زنا ثمَّ اشتراها فلا حدَّ عليه، وإن تزوَّجَها يجبُ عليه الحدّ؛ لأنَّ بالشِّراءِ يملكُ عينها، وملكُ العينِ في المحلِّ سببٌ لملكِ الوطء، فيمكنُ أن يجعلَ الطَّارئ كالسَّابقِ فيورثُ شبهة، كما أنَّ السَّارقَ إذا ملكَ المسروقَ قبل القطعِ سقطَ عنه القطع، ولا كذلك النَّكاح. كذا في ((البحر الرَّائق)) (¬2) (¬3)، وغيره.
فهذهِ الصُّورُ كلُّها ونظائرُها كما هي مبسوطةٌ في المبسوطات، حكمُها سقوطُ الحدِّ عن الواطِئ وإن علمَ حرمةَ وطئه؛ لأنَّ الشُّبهةَ إذا كانت في ذاتِ الموطوءةِ تثبتُ فيها الملكُ من وجهٍ فلم يبقَ معها اسمُ الزِّنا الموجبُ للحدّ،
¬
(¬1) وهو محمد بن سَماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع بن بشر التَّميميّ، أبو عبد الله، وكان سبب كَتْبِ ابن سماعة النوادر عن محمد، أنه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر، فاستعبر ذلك، فقيل: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجهد أن لا يفوتك منه لفظة، فبدأ حينئذ، فكتب عنه النوادر، من مؤلفاته: أدب القضاء، والمحاضر والسجلات، (ت233هـ). ينظر: التقريب (ص417)، الجواهر (3: 168 - 170).
(¬2) البحر الرائق (5: 13).
(¬3) هو شرح كَنْز الدقائق للفاضل إبراهيم زين العابدين بن نُجيم المصريّ، المتوفَّى في هيبية (970). منه رحمه الله.
وأضيف: ومن مؤلفاته: الرسائل الزينية، والأشباه والنظائر، وفتح الغفار شرح المنار، قال الإمام اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً. ينظر: التعليقات السنية (ص221 - 222). الكشف (1: 385، 2: 1515). الرسائل الزينية (ص7).
وهو الوطءُ الحرامُ في قُبُلٍ خالي عن الملكِ وشبهة.
والسِّرُّ فيهِ أنَّ الدَّليلَ المثبتَ للحلِّ قائمٌ فيه، وإن تخلَّفَ عن إثباتِهِ حقيقةُ المانعِ فأورثَ شبهة.
* * *
* وأمَّا الشُّبهةُ الثَّانية: وهي الشُّبهةُ في الفعل:
وتسمَّى شبهةُ اشتباه؛ فهي أن يكون وقعَ للواطئ اشتباهٌ في نفسِ الفعل: أي الوطء واشتبه عليه كونُه محرَّماً، من دون أن يكون اشتباهٌ وملكٌ في المحلّ، بل حرمةُ المحلِّ تكونُ مقطوعاً بها إذ لم يقمْ دليلُ ملكِهِ عارضَه غيرُه؛ ولذلك لا يحدُّ فيه مَن ظنَّ حلّه، أو ادِّعى ظنُّهُ به، ويحدُّ به غيره؛ لأنَّ هذه الشُّبهةُ تقتصرُ على مَن وجدتْ به، ويحدُّ إن قال: علمتُ أنه حرام.
هذا هو الفرقُ بين الشُّبهتَيْن، وفرقٌ آخرَ وهو أنه يثبتُ النَّسبُ في الشُّبهةِ الأولى إن ادَّعى الواطئُ ذلك، إلاَّ إن عارضَهُ عارضٌ لكونِ النَّسبِ ممَّا يُحتاطُ في إثباتِه، والمحلُّ محلُّ اشتباه، ولا يثبتُ في الثَّانيةِ وإن ادَّعاهُ إلاَّ أن يقومَ دليلٌ آخر؛ لأنه تمحَّضَ زنا، فإنَّه لا حقَّ له في المحلّ، وسقوطُ الحدِّ إنّما هو بعارضِ الاشتباه.
وقد استثني من الأُولى وطءُ الجدِّ جاريةَ ابنِ ابنِهِ وابنُهُ حيّ، فإنّه لا يثبتُ فيها النَّسب، وإن ادَّعاهُ الجدّ؛ لأنَّ الجدَّ لا يتملَّكُها في حياةِ ابنِه (¬1)، نعم؛ إن صدَّقهُ ابنُ الابنِ عتقَ الولدُ عليه (¬2) لزعمِه أنه عمّه. كذا حقَّقَ ابنُ الهمامِ في
¬
(¬1) أي لأن الجدَّ يكون محجوباً بحياة ابنه وهو أب ابن الابن.
(¬2) أي يعتق على ابن الابن لحق القرابة.
((فتح القدير)) (¬1). وغلَّطَ ما ذكرَ صاحبُ ((النِّهاية)) (¬2) من ثبوتِ النَّسبِ في هذهِ الصُّورة.
والحاصلُ أنَّ في أكثرِ مواضعِ الشُّبهةِ في الفعلِ لا يثبتُ النَّسبُ مطلقاً وإن ادَّعاه، وفي صورِ الأُولى أكثرها يثبتُ فيها النَّسبُ بعد الدَّعوة، وفي بعضها لا يثبت.
ولهذه الشُّبهةُ أيضاً صورٌ كثيرةٌ:
منها:
وطءُ أمةِ أبويهِ وإن عَلَوا؛ فإنّه ليس هناك دليلٌ شرعيٌّ يورثُ شبهةَ الملكِ في المحلّ، لكن ما بين الإنسانِ وأبويهِ من الانبساطِ التَّامِّ في الانتفاعِ بالأملاكِ مظنَّةُ أن يقعَ الاشتباهُ في حرمةِ هذا الفعلِ لأحد.
¬
(¬1) فتح القدير (5: 37 - 38)، وتفصيل هذه الصورة فيه.
(¬2) هو شرح الهداية لحسام الدين، حسين بن علي السِّغْنَاقي، نسبةً إلى سِغْناق بالكسر بلدةٌ بتركستان، وحسين اسمه حسن، وكانت وفاته على ما في كشف الظنون (2: 2032) سنة (710)،وعلى ما في مدينة العلومسنة (711)، أو سنة (714)، وقيل سنة (676). رحمه الله.
وأضيف: قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً، نحويّاً جدليّاً، ومن مؤلفاته: شرح التمهيد في قواعد التوحيد لأبي المعين المكحولي، والكافي شرح أصول البزدوي. ينظر: تاج التراجم (ص160)، الفوائد (ص106).
وكذا وطءُ أمةِ سيِّدِهِ وزوجتِه، فإنَّ بين هؤلاءِ انبساطاً في الاستخدامِ والاستمتاع، فلا يحدُّ إذا ظنَّ الحلّ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ اشتباه.
وكذا إذا قالتِ الجارية: ظننتُ أنه يحلُّ لي، ولم يدَّعِ الرَّجل، سقطَ الحدُّ عنهما في ظاهرِ الرِّواية؛ لأنَّ الفعلَ واحد، فإذا سقطَ عنها سقطَ عنه أيضاً.
بخلافِ ما إذا وَطِئ جاريةَ أخيهِ أو عمِّهِ أو غيرِهما من المحارمِ سوى قرابةِ الولادِ وقال: ظننتُ أنّه حلال، فإنَّ في هذه الصُّورةِ لا يسقطُ الحدّ؛ لعدمِ الانبساطِ الموجبِ للاشتباه.
ومثلُهُ وطءُ الجاريةِ المستأجرة، والعارية، والوديعة، فإنّه يحدُّ فيها، وإن ادَّعى ظنَّ حلِّه، وأمّا المستعيرُ للرَّهنِ وحكمُهُ حكمُ المرتهن. كذا في ((البحر)) (¬1)، وغيره (¬2).
فمجرَّدُ ادِّعاءِ الاشتباهِ غيرُ معتبر، بل فيما كان الموضعُ موضعَ اشتباه.
ومنها:
ما إذا زفَّت إليهِ غيرُ زوجتِه، وقالت النِّساء: إنَّها زوجتُك فوطِئها يسقطُ عنه الحدُّ بخلافِ ما إذا وجدَ على فراشِهِ امرأةً فوطئها ظانَّاً أنّها زوجتُهُ فإنّه
¬
(¬1) البحر الرائق (5: 15).
(¬2) ينظر: الهداية (2: 101).
يحدّ؛ لأنّه لا اشتباهَ بعد طولِ الصُّحبةِ فلم يكنْ الظَّنُ فيه مستنداً إلى دليلٍ إذ قد ينامُ على فراشِها غيرُها من المحارم.
وكذا إذا كانَ أعمى؛ لأنّه يمكنُهُ التَّمييزُ بالسُّؤال والمسِّ ونحوِ ذلك، إلاَّ إذا كان دعاها فأجابت أجنبيَّةٌ وقالت: أنا زوجتُك، فوطئها معتبراً بقولِها، فإنّه يسقطُ عنه؛ لأنَّ الإخبارَ دليلٌ فصار نظيرَ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِهِ فوطئها معتمداً على قولِ النِّساء: إنَّها زوجتُك.
والوجه في سقوطِ الحدِّ عنه أنَّ الفعلَ صدرَ منه بناءً على دليلٍ أجازَ الشَّرعُ العملَ به، وهو الإخبارُ بأنها امرأتُه، والموضعُ موضعُ اشتباهٍ (¬1) إذ الإنسانُ لا يميِّزُ بين امرأتِهِ وغيرِها في أوَّلِ الوهلة، فصارَ كالمغرور (¬2). كذا ذكره في ((العناية)) (¬3) (¬4) وغيره، وعلى هذا تكونُ هذه الصُّورةُ من صورِ شبهةُ المحلّ.
¬
(¬1) في الأصل: الاشتباه.
(¬2) المغرور: هو الذي اشترى جارية فنكحها ثم استحقت.
(¬3) العناية على الهداية (5: 39).
(¬4) هو شرح الهداية للشيخ أكمل الدين محمد بن محمود، وقيل: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين البَابَرتيّ نسبةً الى بابرتا قريةٌ بنواحي بغداد، المتوفَّى سنة (786). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الكفوي عنه: إمام محقِّق، مدقِّق متبحّر، حافظ ضابط، لم ترَ الأعين في وقته مثله، كان بارعاً في الحديث وعلومه، ذا عناية باللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان، ومن مؤلفاته: شرح الفرائض السراجية، وشرح ألفية ابن معطٍ، وشرح أصول البزدوي، (714 - 786). ينظر: تاج التراجم (ص276)، الفوائد (ص320).
والحقُّ كما في ((فتحِ القدير)) (¬1)، و ((البحرِ الرَّائق)) (¬2)، و ((تبيينِ الحقائق)) (¬3)، وغيرِها (¬4): إنّها من شبهةِ الفعل؛ لأنَّ الدَّليلَ المعتبرَ في شبهةِ المحلّ يقتضي ثبوتَ الملكِ فيه بوجه، وهو مفقودٌ فيما نحنُ فيه، لا ما يجوِّزُ شرعاً مجرَّدَ الوطء ويثبتُ النَّسبُ إن صدرتْ منه الدَّعوةُ في هذهِ الصّورة، وإن كانت من فروع شبهةِ الاشتباهِ قياساً على ولدِ المغرور، وهو مَن وطئ امرأةً معتمداً على ملكِ يمينٍ أو نكاحٍ ثم استحقّت، فإنَّه حرٌّ بالقيمةِ (¬5) كما نقلَ عن جمعٍ من الصَّحابة.
ومنها:
وطءُ أمِّ الولدِ إذا أعتقَها مولاها؛ لثبوتِ حرمتِها بالإجماع، وتثبتُ
¬
(¬1) فتح القدير (5: 40).
(¬2) البحر الرائق (5: 16).
(¬3) تبيين الحقائق (3: 179).
(¬4) ينظر: منحة الخالق (5: 16)، وحاشية الشلبي على التبيين (3: 179).
(¬5) ولد المغرور هو من يكون لمن اشترى أو تزوج أمة ممن ليست له وهو لا يعلم ذلك، فطلبها صاحبها، فإنها تستحق له وترجع إليه، وما أنجبته عند من ملكها أو تزوجها مغروراً يكون حراً بقيمته على والده من صاحبها الأصلي.
الشُّبهةُ عند الاشتباه؛ لبقاءِ أثرِ الفراش وهي العدّة.
ومنها:
وطءُ المُرْتَهِنِ الجاريةَ المرهونةَ على روايةِ كتابِ الحدود، وقد ذكرنا الخلافَ فيه (¬1)، واختار الزَّيْلَعِيُّ (¬2) في ((التَّبيين)) (¬3) كونَهُ من فروعِ شبهةِ الفعلِ لا من شبهةِ المحلِّ تبعاً لصاحبِ ((الهداية)) (¬4).
ووجهُهُ بأنَّ الاستيفاءَ من عينها لا يتصوّر، وإنّما هو من ماليَّتها، فلم يكن الوطءُ حاصلاً في محلِّ الاشتباه، ولكن لَمَّا كان الاستيفاءُ سبباً لملكِ المالِ في الجملة، وملكُ المالِ سببُ ملكِ المتعةِ في الجملةِ حصلَ الاشتباه، وبخلافِ المستأجرةِ وجاريةِ الميِّت إذ وطئها الغريم؛ لأنَّ الإجارةَ لا تفيدُ ملكَ المتعة، وكذلك الغريمُ لا يملكُ عينَ التَّركة، وإنّما يستوفي حقَّه من الثَّمن.
¬
(¬1) (ص38،45).
(¬2) نسبةً الى زيلع بلدة بساحل بحر الحبشة، وهو عثمان بن علي، المتوفَّى سنة (743). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، ومن مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، وبركة الكلام على أحاديث الأحكام، (ت743هـ). ينظر: تاج (ص204). الفوائد (194 - 195).
(¬3) تبيين الحقائق (3: 177).
(¬4) ينظر: الهداية (1: 100).
ومنها:
وطءُ المعتدَّةِ بالطَّلاقِ على مال، وكذا المختلعةُ (¬1) على مال؛ لأنّهم اتَّفقوا على تحريمِ المحلّ فيه، ولم يقمْ دليلٌ يورثُ شبهةً إلا أنَّ نفسَ الفعلِ يمكنُ أن يقعَ الاشتباهُ فيه، ولو كان الخُلعُ خالياً عن المال، كان من شبهةِ المحل (¬2).
ومنها:
وطءُ المطلَّقةِ المعتدَّةِ بالطَّلقاتِ الثَّلاثِ مُتفرِّقةً كانت أو جملةً في مجلسٍ واحد، أمّا إذا كانت متفرِّقة؛ فلأنَّ حرمةَ محلّها قطعيَّة، لم يخالفْ فيها أحد، فلا يسقطُ الحدُّ عنه إلا إذا ظنَّ حلّه.
وأمَّا إذا كانت مجتمعة؛ فلأنّه وإن وقعَ فيه خلاف، فعند بعضِ الرَّوافض: يقعُ واحد، وعند بعضهم: لا يقعُ شيء، لكن لا عبرةَ بعدما نطقَ ظاهرُ القرآنِ (¬3) بوقوعِه، وثبتَ عليه إجماعُ الصَّحابةِ من عهدِ عمرَ رضيَ الله عنه، فلم يكن من شبهةِ المحل، فإن قال: ظننتُ أنّها تحلُّ لي لا يحدُّ لكونِ
¬
(¬1) المختلعة: من خلع الرجل امرأته خُلعاً: بضم الخاء، أي نَزعها، واختلعت المرأة منه: أي قبلت خلعه إياها ببدل، وتخالع الزوجان، وخالعها وخالعته. ينظر: طلبة الطلبة (ص108).
(¬2) ينظر: البحر الرائق (5: 14).
(¬3) وهو قوله تعالى: ?فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ?، [البقرة: 230].
الظَّنّ في موضعِ الاشتباه؛ لأنَّ أثرَ الملكِ قائمٌ في حقِّ الحبس، ووجوب النَّفقة، وثبوت النَّسب، فإنّه إن ادَّعى الولدَ يثبتُ النَّسبُ سواء ولدت لأقلَّ من سنتَيْن أو لأكثرَ إن لزمَ الوطءُ في العدَّة؛ لوجود شبهةِ العقد، (2وأما بدون (¬1) الدّعوى لا يثبتُ إلا إذا ولدت لأقلَّ من سنتين حملاً على أنّه بوطئ سابقٍ على الطَّلاق.
وكذا يثبتُ النَّسبُ بتفصيلِهِ في المُختلعةِ والمُطلَّقةِ بعوضٍ بالطَّريقِ الأولى، كذا حقَّقَهُ في ((الهداية)) (¬2) و ((البناية)) (¬3) وغيرهما، وبه نظرٌ أنَّ في شبهةِ الفعلِ يثبتُ النَّسبُ في موضعَيْن في المطلَّقة، وفيمَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِهِ كما مرّ، لا غير.
وفي ((البحر)): أطلقَ الثَّلاثَ فشملَ ما إذا أوقعَها جملةً أو متفرِّقاً، ولا اعتبارَ بخلافِ مَن أنكرَ وقوعَ الجملة؛ لكونِهِ مُخالفاً للقطع، كذا ذكرَهُ الشَّارحون.
وفيه نظر؛ لما في ((صحيحِ مسلم)): من أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ كان واحداً (¬4)
¬
(¬1) في الأصل غير واضحة، والمثبت من رد المحتار (4: 23). دار الفكر.
(¬2) الهداية (2: 100 - 101).
(¬3) البناية في شرح الهداية (5: 397 - 398).
(¬4) أصح التوجيهات أنهم كانوا يطلقون ثلاثاً، بقولهم: أنت طالق وطالق وطالق ونحوهم، ويقصدون به التأكيد، فلمَّا تتابع في ذلك الناس، وكثر منهم الطلاق ثلاثاً وتعسَّرَ ضبطُ المنوي، واختلفَتْ العادات أمضى عمر بن الخطاب الثلاثَ وحكم بوقوعه، ووافقه جمع غفير من الصحابة، وتبعهم جمهور علماء الأمَّة وفقهاء الملة. منه رحمه الله.
في زمنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ وصدرٍ من خلافةِ عمر، حتى أمضى عمرُ على النَّاسِ الثَّلاث (¬1).
وإن كان العلماءُ قد أجابوا عنه، وأوَّلوهُ فليسَ الدَّليلُ على وقوعِ الثَّلاثِ جملةً بكلمةٍ واحدةٍ قطعيَّاً.
فإن قيل: العلماءُ قد أجمعوا عليه.
قلنا: قد خالَفَهُ أهلُ الظَّاهرِ في ذلك، فينبغي أن لا يحدّ، وإن عَلِمَ الحرمة، والدَّليلُ عليه ما ذكرَهُ في ((الهداية)) من كتابِ النِّكاحِ في (فصلِ المحرَّمات): إنَّ الحدَّ لا يجبُ بوطء المطلَّقةِ طلاقاً بائناً واحداً أو ثلاثاً مع العلمِ بالحرمةِ على إشارةِ كتابِ الصَّلاة، وعلى عبارةِ كتابِ الحدودِ يجب؛ لأنَّ الملك قد زالَ في حقِّ الحلِّ فيتحقَّقُ الزِّنا. انتهى (¬2).
وينبغي أن نحملَ إشارةَ كتابِ الطَّلاقِ على ما إذا أوقعَها بكلمةٍ واحدة، وعبارةُ كتابِ الحدودِ على ما إذا أوقعَها متفرِّقة، كما ذكرنا توفيقاً بينهما. انتهى (¬3).
¬
(¬1) انتهى من صحيح مسلم (2: 1099).
(¬2) من الهداية (1: 193)، بتصرف.
(¬3) من البحر الرائق (5: 14).
* وأمَّا الشُّبهةُ الثَّانية: وهي الشُّبهةُ في الفعل:
وتسمَّى شبهةُ اشتباه؛ فهي أن يكون وقعَ للواطئ اشتباهٌ في نفسِ الفعل: أي الوطء واشتبه عليه كونُه محرَّماً، من دون أن يكون اشتباهٌ وملكٌ في المحلّ، بل حرمةُ المحلِّ تكونُ مقطوعاً بها إذ لم يقمْ دليلُ ملكِهِ عارضَه غيرُه؛ ولذلك لا يحدُّ فيه مَن ظنَّ حلّه، أو ادِّعى ظنُّهُ به، ويحدُّ به غيره؛ لأنَّ هذه الشُّبهةُ تقتصرُ على مَن وجدتْ به، ويحدُّ إن قال: علمتُ أنه حرام.
هذا هو الفرقُ بين الشُّبهتَيْن، وفرقٌ آخرَ وهو أنه يثبتُ النَّسبُ في الشُّبهةِ الأولى إن ادَّعى الواطئُ ذلك، إلاَّ إن عارضَهُ عارضٌ لكونِ النَّسبِ ممَّا يُحتاطُ في إثباتِه، والمحلُّ محلُّ اشتباه، ولا يثبتُ في الثَّانيةِ وإن ادَّعاهُ إلاَّ أن يقومَ دليلٌ آخر؛ لأنه تمحَّضَ زنا، فإنَّه لا حقَّ له في المحلّ، وسقوطُ الحدِّ إنّما هو بعارضِ الاشتباه.
وقد استثني من الأُولى وطءُ الجدِّ جاريةَ ابنِ ابنِهِ وابنُهُ حيّ، فإنّه لا يثبتُ فيها النَّسب، وإن ادَّعاهُ الجدّ؛ لأنَّ الجدَّ لا يتملَّكُها في حياةِ ابنِه (¬1)، نعم؛ إن صدَّقهُ ابنُ الابنِ عتقَ الولدُ عليه (¬2) لزعمِه أنه عمّه. كذا حقَّقَ ابنُ الهمامِ في
¬
(¬1) أي لأن الجدَّ يكون محجوباً بحياة ابنه وهو أب ابن الابن.
(¬2) أي يعتق على ابن الابن لحق القرابة.
((فتح القدير)) (¬1). وغلَّطَ ما ذكرَ صاحبُ ((النِّهاية)) (¬2) من ثبوتِ النَّسبِ في هذهِ الصُّورة.
والحاصلُ أنَّ في أكثرِ مواضعِ الشُّبهةِ في الفعلِ لا يثبتُ النَّسبُ مطلقاً وإن ادَّعاه، وفي صورِ الأُولى أكثرها يثبتُ فيها النَّسبُ بعد الدَّعوة، وفي بعضها لا يثبت.
ولهذه الشُّبهةُ أيضاً صورٌ كثيرةٌ:
منها:
وطءُ أمةِ أبويهِ وإن عَلَوا؛ فإنّه ليس هناك دليلٌ شرعيٌّ يورثُ شبهةَ الملكِ في المحلّ، لكن ما بين الإنسانِ وأبويهِ من الانبساطِ التَّامِّ في الانتفاعِ بالأملاكِ مظنَّةُ أن يقعَ الاشتباهُ في حرمةِ هذا الفعلِ لأحد.
¬
(¬1) فتح القدير (5: 37 - 38)، وتفصيل هذه الصورة فيه.
(¬2) هو شرح الهداية لحسام الدين، حسين بن علي السِّغْنَاقي، نسبةً إلى سِغْناق بالكسر بلدةٌ بتركستان، وحسين اسمه حسن، وكانت وفاته على ما في كشف الظنون (2: 2032) سنة (710)،وعلى ما في مدينة العلوم سنة (711)، أو سنة (714)، وقيل سنة (676). رحمه الله.
وأضيف: قال السيوطي: كان عالماً فقيهاً، نحويّاً جدليّاً، ومن مؤلفاته: شرح التمهيد في قواعد التوحيد لأبي المعين المكحولي، و الكافي شرح أصول البزدوي. ينظر: تاج التراجم (ص160)، الفوائد (ص106).
وكذا وطءُ أمةِ سيِّدِهِ وزوجتِه، فإنَّ بين هؤلاءِ انبساطاً في الاستخدامِ والاستمتاع، فلا يحدُّ إذا ظنَّ الحلّ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ اشتباه.
وكذا إذا قالتِ الجارية: ظننتُ أنه يحلُّ لي، ولم يدَّعِ الرَّجل، سقطَ الحدُّ عنهما في ظاهرِ الرِّواية؛ لأنَّ الفعلَ واحد، فإذا سقطَ عنها سقطَ عنه أيضاً.
بخلافِ ما إذا وَطِئ جاريةَ أخيهِ أو عمِّهِ أو غيرِهما من المحارمِ سوى قرابةِ الولادِ وقال: ظننتُ أنّه حلال، فإنَّ في هذه الصُّورةِ لا يسقطُ الحدّ؛ لعدمِ الانبساطِ الموجبِ للاشتباه.
ومثلُهُ وطءُ الجاريةِ المستأجرة، والعارية، والوديعة، فإنّه يحدُّ فيها، وإن ادَّعى ظنَّ حلِّه، وأمّا المستعيرُ للرَّهنِ وحكمُهُ حكمُ المرتهن. كذا في ((البحر)) (¬1)، وغيره (¬2).
فمجرَّدُ ادِّعاءِ الاشتباهِ غيرُ معتبر، بل فيما كان الموضعُ موضعَ اشتباه.
ومنها:
ما إذا زفَّت إليهِ غيرُ زوجتِه، وقالت النِّساء: إنَّها زوجتُك فوطِئها يسقطُ عنه الحدُّ بخلافِ ما إذا وجدَ على فراشِهِ امرأةً فوطئها ظانَّاً أنّها زوجتُهُ فإنّه
¬
(¬1) البحر الرائق (5: 15).
(¬2) ينظر: الهداية (2: 101).
يحدّ؛ لأنّه لا اشتباهَ بعد طولِ الصُّحبةِ فلم يكنْ الظَّنُ فيه مستنداً إلى دليلٍ إذ قد ينامُ على فراشِها غيرُها من المحارم.
وكذا إذا كانَ أعمى؛ لأنّه يمكنُهُ التَّمييزُ بالسُّؤال والمسِّ ونحوِ ذلك، إلاَّ إذا كان دعاها فأجابت أجنبيَّةٌ وقالت: أنا زوجتُك، فوطئها معتبراً بقولِها، فإنّه يسقطُ عنه؛ لأنَّ الإخبارَ دليلٌ فصار نظيرَ مَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِهِ فوطئها معتمداً على قولِ النِّساء: إنَّها زوجتُك.
والوجه في سقوطِ الحدِّ عنه أنَّ الفعلَ صدرَ منه بناءً على دليلٍ أجازَ الشَّرعُ العملَ به، وهو الإخبارُ بأنها امرأتُه، والموضعُ موضعُ اشتباهٍ (¬1) إذ الإنسانُ لا يميِّزُ بين امرأتِهِ وغيرِها في أوَّلِ الوهلة، فصارَ كالمغرور (¬2). كذا ذكره في ((العناية)) (¬3) (¬4) وغيره، وعلى هذا تكونُ هذه الصُّورةُ من صورِ شبهةُ المحلّ.
¬
(¬1) في الأصل: الاشتباه.
(¬2) المغرور: هو الذي اشترى جارية فنكحها ثم استحقت.
(¬3) العناية على الهداية (5: 39).
(¬4) هو شرح الهداية للشيخ أكمل الدين محمد بن محمود، وقيل: محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين البَابَرتيّ نسبةً الى بابرتا قريةٌ بنواحي بغداد، المتوفَّى سنة (786). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الكفوي عنه: إمام محقِّق، مدقِّق متبحّر، حافظ ضابط، لم ترَ الأعين في وقته مثله، كان بارعاً في الحديث وعلومه، ذا عناية باللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان، ومن مؤلفاته: شرح الفرائض السراجية، و شرح ألفية ابن معطٍ، و شرح أصول البزدوي، (714 - 786). ينظر: تاج التراجم (ص276)، الفوائد (ص320).
والحقُّ كما في ((فتحِ القدير)) (¬1)، و ((البحرِ الرَّائق)) (¬2)، و ((تبيينِ الحقائق)) (¬3)، وغيرِها (¬4): إنّها من شبهةِ الفعل؛ لأنَّ الدَّليلَ المعتبرَ في شبهةِ المحلّ يقتضي ثبوتَ الملكِ فيه بوجه، وهو مفقودٌ فيما نحنُ فيه، لا ما يجوِّزُ شرعاً مجرَّدَ الوطء ويثبتُ النَّسبُ إن صدرتْ منه الدَّعوةُ في هذهِ الصّورة، وإن كانت من فروع شبهةِ الاشتباهِ قياساً على ولدِ المغرور، وهو مَن وطئ امرأةً معتمداً على ملكِ يمينٍ أو نكاحٍ ثم استحقّت، فإنَّه حرٌّ بالقيمةِ (¬5) كما نقلَ عن جمعٍ من الصَّحابة.
¬
(¬1) فتح القدير (5: 40).
(¬2) البحر الرائق (5: 16).
(¬3) تبيين الحقائق (3: 179).
(¬4) ينظر: منحة الخالق (5: 16)، و حاشية الشلبي على التبيين (3: 179).
(¬5) ولد المغرور هو من يكون لمن اشترى أو تزوج أمة ممن ليست له وهو لا يعلم ذلك، فطلبها صاحبها، فإنها تستحق له وترجع إليه، وما أنجبته عند من ملكها أو تزوجها مغروراً يكون حراً بقيمته على والده من صاحبها الأصلي.
ومنها:
وطءُ أمِّ الولدِ إذا أعتقَها مولاها؛ لثبوتِ حرمتِها بالإجماع، وتثبتُ الشُّبهةُ عند الاشتباه؛ لبقاءِ أثرِ الفراش وهي العدّة.
ومنها:
وطءُ المُرْتَهِنِ الجاريةَ المرهونةَ على روايةِ كتابِ الحدود، وقد ذكرنا الخلافَ فيه (¬1)، واختار الزَّيْلَعِيُّ (¬2) في ((التَّبيين)) (¬3) كونَهُ من فروعِ شبهةِ الفعلِ لا من شبهةِ المحلِّ تبعاً لصاحبِ ((الهداية)) (¬4).
ووجهُهُ بأنَّ الاستيفاءَ من عينها لا يتصوّر، وإنّما هو من ماليَّتها، فلم يكن الوطءُ حاصلاً في محلِّ الاشتباه، ولكن لَمَّا كان الاستيفاءُ سبباً لملكِ المالِ في الجملة، وملكُ المالِ سببُ ملكِ المتعةِ في الجملةِ حصلَ الاشتباه، وبخلافِ
¬
(¬1) (ص38،45).
(¬2) نسبةً الى زيلع بلدة بساحل بحر الحبشة، وهو عثمان بن علي، المتوفَّى سنة (743). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، ومن مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، و بركة الكلام على أحاديث الأحكام، (ت743هـ). ينظر: تاج (ص204). الفوائد (194 - 195).
(¬3) تبيين الحقائق (3: 177).
(¬4) ينظر: الهداية (1: 100).
المستأجرةِ وجاريةِ الميِّت إذ وطئها الغريم؛ لأنَّ الإجارةَ لا تفيدُ ملكَ المتعة، وكذلك الغريمُ لا يملكُ عينَ التَّركة، وإنّما يستوفي حقَّه من الثَّمن.
ومنها:
وطءُ المعتدَّةِ بالطَّلاقِ على مال، وكذا المختلعةُ (¬1) على مال؛ لأنّهم اتَّفقوا على تحريمِ المحلّ فيه، ولم يقمْ دليلٌ يورثُ شبهةً إلا أنَّ نفسَ الفعلِ يمكنُ أن يقعَ الاشتباهُ فيه، ولو كان الخُلعُ خالياً عن المال، كان من شبهةِ المحل (¬2).
ومنها:
وطءُ المطلَّقةِ المعتدَّةِ بالطَّلقاتِ الثَّلاثِ مُتفرِّقةً كانت أو جملةً في مجلسٍ واحد، أمّا إذا كانت متفرِّقة؛ فلأنَّ حرمةَ محلّها قطعيَّة، لم يخالفْ فيها أحد، فلا يسقطُ الحدُّ عنه إلا إذا ظنَّ حلّه.
وأمَّا إذا كانت مجتمعة؛ فلأنّه وإن وقعَ فيه خلاف، فعند بعضِ الرَّوافض: يقعُ واحد، وعند بعضهم: لا يقعُ شيء، لكن لا عبرةَ بعدما نطقَ
¬
(¬1) المختلعة: من خلع الرجل امرأته خُلعاً: بضم الخاء، أي نَزعها، واختلعت المرأة منه: أي قبلت خلعه إياها ببدل، وتخالع الزوجان، وخالعها وخالعته. ينظر: طلبة الطلبة (ص108).
(¬2) ينظر: البحر الرائق (5: 14).
ظاهرُ القرآنِ (¬1) بوقوعِه، وثبتَ عليه إجماعُ الصَّحابةِ من عهدِ عمرَ رضيَ الله عنه، فلم يكن من شبهةِ المحل، فإن قال: ظننتُ أنّها تحلُّ لي لا يحدُّ لكونِ الظَّنّ في موضعِ الاشتباه؛ لأنَّ أثرَ الملكِ قائمٌ في حقِّ الحبس، ووجوب النَّفقة، وثبوت النَّسب، فإنّه إن ادَّعى الولدَ يثبتُ النَّسبُ سواء ولدت لأقلَّ من سنتَيْن أو لأكثرَ إن لزمَ الوطءُ في العدَّة؛ لوجود شبهةِ العقد، (2وأما بدون (¬2) الدّعوى لا يثبتُ إلا إذا ولدت لأقلَّ من سنتين حملاً على أنّه بوطئ سابقٍ على الطَّلاق.
وكذا يثبتُ النَّسبُ بتفصيلِهِ في المُختلعةِ والمُطلَّقةِ بعوضٍ بالطَّريقِ الأولى، كذا حقَّقَهُ في ((الهداية)) (¬3) و ((البناية)) (¬4) وغيرهما، وبه نظرٌ أنَّ في شبهةِ الفعلِ يثبتُ النَّسبُ في موضعَيْن في المطلَّقة، وفيمَن زُفَّتْ إليه غيرُ امرأتِهِ كما مرّ، لا غير.
وفي ((البحر)): أطلقَ الثَّلاثَ فشملَ ما إذا أوقعَها جملةً أو متفرِّقاً، ولا اعتبارَ بخلافِ مَن أنكرَ وقوعَ الجملة؛ لكونِهِ مُخالفاً للقطع، كذا ذكرَهُ الشَّارحون.
¬
(¬1) وهو قوله تعالى: ?فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ?، [البقرة: 230].
(¬2) في الأصل غير واضحة، والمثبت من رد المحتار (4: 23). دار الفكر.
(¬3) الهداية (2: 100 - 101).
(¬4) البناية في شرح الهداية (5: 397 - 398).
وفيه نظر؛ لما في ((صحيحِ مسلم)): من أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ كان واحداً (¬1) في زمنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأبي بكرٍ وصدرٍ من خلافةِ عمر، حتى أمضى عمرُ على النَّاسِ الثَّلاث (¬2).
وإن كان العلماءُ قد أجابوا عنه، وأوَّلوهُ فليسَ الدَّليلُ على وقوعِ الثَّلاثِ جملةً بكلمةٍ واحدةٍ قطعيَّاً.
فإن قيل: العلماءُ قد أجمعوا عليه.
قلنا: قد خالَفَهُ أهلُ الظَّاهرِ في ذلك، فينبغي أن لا يحدّ، وإن عَلِمَ الحرمة، والدَّليلُ عليه ما ذكرَهُ في ((الهداية)) من كتابِ النِّكاحِ في (فصلِ المحرَّمات): إنَّ الحدَّ لا يجبُ بوطء المطلَّقةِ طلاقاً بائناً واحداً أو ثلاثاً مع العلمِ بالحرمةِ على إشارةِ كتابِ الصَّلاة، وعلى عبارةِ كتابِ الحدودِ يجب؛ لأنَّ الملك قد زالَ في حقِّ الحلِّ فيتحقَّقُ الزِّنا. انتهى (¬3).
¬
(¬1) أصح التوجيهات أنهم كانوا يطلقون ثلاثاً، بقولهم: أنت طالق وطالق وطالق ونحوهم، ويقصدون به التأكيد، فلمَّا تتابع في ذلك الناس، وكثر منهم الطلاق ثلاثاً وتعسَّرَ ضبطُ المنوي، واختلفَتْ العادات أمضى عمر بن الخطاب الثلاثَ وحكم بوقوعه، ووافقه جمع غفير من الصحابة، وتبعهم جمهور علماء الأمَّة وفقهاء الملة. منه رحمه الله.
(¬2) انتهى من صحيح مسلم (2: 1099).
(¬3) من الهداية (1: 193)، بتصرف.
وينبغي أن نحملَ إشارةَ كتابِ الطَّلاقِ على ما إذا أوقعَها بكلمةٍ واحدة، وعبارةُ كتابِ الحدودِ على ما إذا أوقعَها متفرِّقة، كما ذكرنا توفيقاً بينهما. انتهى (¬1).
* * *
¬
(¬1) من البحر الرائق (5: 14).
* وأمَّا الشُّبهةُ الثَّالثة: وهي شبهة العقد:
شبهةٌ حاصلةٌ بسببِ عقدِ النِّكاح، وأدرجَها بعضُهم في شبهةِ المحل، وبعضُهم في شبهةِ الفعل، والحقُّ أن بعضَ صورِها مندرجةٌ في الأولى، وبعضُها في الثَّانية، والأَولى هو إفرادُها بالذِّكرِ لمغايرتها وامتيازِها عنهما.
ولها صورٌ كثيرةٌ:
منها:
الوطءُ بالمحارمِ بعد النِّكاح بهنّ، وهي المسألةُ المُتنازعُ فيها التي قصدَنا بهذا التَّأليفِ تحقيقها.
قال في ((المجتبى شرحِ مختصرِ القُدُورِيّ)) (¬1): تزوَّجَ بمَحْرَمِه، أو منكحوحةِ الغير، أو معتَّدتِهِ ووطئها ظانّاً الحلّ، لا يحدّ ويعزَّر، وإن ظانّاً الحرمةَ فكذلك عنده خلافاً لهما. انتهى.
وفي ((الهداية)) (¬2) وشرحِها ((البناية)): ومَن تزوَّجَ امرأةً لا يحلُّ له نكاحُها مثل نكاحِ المحارم، والمطلَّقةِ بالثَّلاث، ومنكوحةِ الغير، ومعتدَّةِ الغير، ونكاحِ الخامسة، وأختِ المرأةِ في عدَّتِها، والمجوسيَّة، والأمةِ على الحرَّة، ونكاحِ العبدِ والأمةِ بلا إذنِ المولى، والنِّكاحِ بغيرِ شهود، فوطئها لا يجبُ عليه الحدُّ عند أبي
¬
(¬2) الهداية (2: 102).
حنيفةَ في جميعِ ذلك، وإن قال: علمتُ أنَّها عليَّ حرام، لكنّه يوجعُ عقوبةً إذا كان علمَ بذلك: يعني يضربُ بطريقِ التَّعزيرِ ضرباً مؤلماً عقوبةً عليه لا بطريقِ الحدّ.
وقال أبو يوسفَ ومحمَّدٌ والشَّافعيُّ (¬1) ومالكٌ (¬2) وأحمد (¬3): عليهِ الحدُّ إذا كان عالماً بذلك، وإلا فلا، ولكنَّ أبا يوسفَ ومحمَّداً قالا فيما ليسَ بحرامٍ على التَّأبيدِ لا يجبُ الحدُّ كالنِّكاح بغير شهود؛ لأنّه عقدٌ لم يصادفْ محلّه؛ لأنَّ محلَّ التَّصرُّفِ ما يكونُ محلاً لحكمِهِ وهو الحلّ، وهذا المحلُّ ليس محلاً لحكمِه، وهي من المحرَّماتِ على التَّأبيدِ فيلغو، كما إذا أضيفَ إلى الذُّكور.
ولأبي حنيفةَ أنَّ العقدَ صادفَ محلّه؛ لأنَّ محلَّ التَّصرُّفِ ما يقبلُ مقصودَه: أي قصورُ المتصرِّفِ بالنَّاكح، وهو قضاءُ الشَّهوةِ والولدِ والسُّكنى، والأُنثى من بناتِ آدمَ قابلةٌ للتَّوالدِ وهو المقصودُ فكان ينبغي أن ينعقدَ في حقِّ جميعِ الأحكام، إلا أنه ـ أي هذا العقد ـ تقاعدَ عن إفادةِ حقيقةِ الحلّ فيورثُ الشُّبهة؛ لأنَّ الشُّبهةَ ما يشبهُ الثَّابتَ لا نفسَ الثَّابت.
فإن قلت: لو كانت الشُّبهةُ ثابتةً لوجبتْ العدِّة، ويثبتُ النَّسب.
قلنا: منعَ بعضُ أصحابِنا عدمَ وجوبِ العدَّة، وعدمَ ثبوتِ النَّسب،
¬
(¬1) ينظر: التنبيه (ص148)، المنهاج (4: 146).
(¬2) ينظر: مختصر خليل (ص270)، و رسالة القيرواني (ص257).
(¬3) ينظر: المحرر في الفقه (2: 152).
وعلى تقديرِ التَّسليمِ نقول: مبنى وجوبُ العدِّةِ وثبوتُ النَّسبِ على ثبوتِ الحلّ، وهنا لم يوجدْ فيه الحلُّ أصلاً، ونعني بالحلِّ أن يكونَ الفاعلُ على حالةٍ لا يلام، وهاهنا يلامُ الواطِئُ إلاَّ أنه ارتكبَ جريمةً وليس فيها حدٌّ مقدَّرٌ فيعزَّر. انتهى ملخصاً (¬1).
وفي ((البحر الرَّائق)) أخذاً من ((فتحِ القدير)): حاصلُ الخلافِ أنَّ هذا العقدَ هل يوجبُ شبهةً أم لا؟ ومدارُهُ على أنه هل وردَ على محلِّهِ أم لا؟
فعند الإمامِ وردَ على ما هو محلِّه؛ لأنَّ المحليَّة ليست بقبولِ الحلّ، بل بقبولِ المقاصدِ من العقد، وهو ثابت، وكذا صحَّ من غيرِهِ العقدُ عليها.
وعندهما: لا؛ لأنَّ محلَّ العقدِ ما يقبلُ حكمَه، وحكمُهُ الحلّ، وهذه من المحرَّماتِ في سائرِ الأحوال، فكان الثَّابتُ صورةَ العقدِ لا انعقادُه، وبتأمُّلٍ يسيرٍ يظهرُ أنّهم لم يتواردوا على محلٍّ واحد، فحيث نفوا محلِّيتَها أرادوا بالنِّسبةِ إلى خصوصِ هذا العاقد: أي ليست محلاً لعقدِ هذا العاقد؛ ولهذا علَّلوهُ بعدمِ حلِّها، ولا شكَّ في حلِّها لغيرِهِ بعقدِ النِّكاح.
والإمامُ حيثُ أثبتَ محلِّيتَها أرادَ محلِّيَته لنفسِ العقدِ لا بالنَّظرِ إلى خصوصِ هذا العاقد، ولهذا علَّلَ بقبولِها مقاصدَ النِّكاح.
وقد أخذَ الفقيهُ أبو اللَّيثِ بقولِهما؛ قال في ((الواقعات)): ومستحسنٌ نأخذُ به أيضاً.
¬
(¬1) من البناية (5: 405 - 407).
وفي ((الخلاصة)): الفتوى على قولِهما، ووجهُ ترجيحِهِ أنَّ تحقُّقَ الشُّبهةِ يقتضي تحقُّقَ الحلِّ من وجه؛ لأنَّ الشُّبهةَ لا محالةَ شبهةُ المحلّ، لكنَّ حلَّها ليسَ بثابتٍ من وجه، وإلاَّ وجبتِ العدَّة، ويثبتُ النَّسب. انتهى (¬1).
وفي ((ردِّ المحتار)): قولُهُ بشبهةِ العقد: أي ما وجدَ فيه العقدُ صورةً لا حقيقة؛ لأنَّ الشُّبهةَ كما مرَّ (¬2) ما يشبهُ الثَّابت، وليس بثابت، فخرجَ ما وجدَ فيهِ العقدُ حقيقةً؛ ولذا قال في ((التاتارخانيّة)) (¬3): وإذا كان الوطءُ بملكِ النِّكاحِ أو بملكِ يمين، والحرمةُ بعارض آخر، فذلك لا يوجبُ الحدَّ نحو: الحائض، والنُّفَساء، والصَّائمةِ صومَ الفرض، والمُحْرمة، والموطوءةِ بشبهة، والتي ظاهرَ منها، أو آلى منها فوطِئها في العدَّة لا حدَّعليه، وكذا الأَمةُ المملوكةُ إذا كانت محرَّمةً عليه برضاع، أو مصاهرة، أو لكونِ إختها مثلاً في نكاحِه، أو هي مجوسيّة، أو مرتدَّة، فلا حدَّ عليه وإن عَلِمَ الحرمة. انتهى (¬4).
¬
(¬1) من البحر الرائق (5: 16) عن فتح القدير (5: 42)، بتصرف.
(¬2) أي في الدر المختار (3: 150).
(¬3) للفقية عالم بن علاء الحنفي، ألَّفَهُ بأمرِ الرئيس الخان الأعظم تاتارخان، ولذا اشتهر به. كذا في كشف الفنون (1: 268). منه رحمه الله.
وأضيف: قال الحسني عنه: الشيخ الإمام العالم الكبير، أحد العلماء المبرزين في الفقه والأصول والعربية. واسمها التاتارخانية أيضاً: زاد المسافر، (ت786هـ). ينظر: التَّاتارخانيَّة (ق1/أ، ب)، نزهة الخواطر (2: 64 - 65)، معجم المؤلفين (2: 26).
(¬4) من رد المحتار (3: 153).
وفي ((فتحِ القدير)): ومن شبهةِ العقدِ ما إذا استأجرها ليزني بها، ففعل لا حدَّ عليه ويعزَّر، وقالا هما (¬1)، والشَّافعيّ (¬2)، ومالك (¬3)، وأحمد (¬4): يحدّ؛ لأنَّ عقدَ الإجارةِ لا يستباحُ به البضع، فصارَ كما لو استأجرَها للطَّبخِ ونحوَهُ من الأعمالِ ثمَّ زنا بها، فإنه يحدُّ اتّفاقاً.
وله: أنَّ المُستوفى بالزِّنا المنفعة، وهي المعقودُ عليه في الإجارة لكنّه في حكمِ العين، فبالنَّظرِ إلى الحقيقةِ يكونُ محلُّ عقدِ الإجارة، فأورثَ شبهةً بخلافِ الاستئجارِ للطَّبخِ ونحوه؛ لأنَّ العقدَ لم يضفْ إلى المُستوفى بالوطء، والعقدُ المضافُ إلى محلٍ يورثُ الشُّبهةَ فيه لا في محلٍ آخر. انتهى (¬5).
قلت: المرادُ بشبهةِ العقدِ المذكورةِ في كلامِهم ممتازةً عن شبهةِ المحلِّ والفعل، إنّما هي شبهةُ عقدِ النِّكاحِ لا الشُّبهةُ الحاصلةُ بسببِ عقدٍ آخر، فالأَولى إدراجُ هذه الصُّورة في إحدى الشُّبهتَيْن السَّابقتَيْن، وقد مرَّتْ نظائرها.
¬
(¬1) أي أبو يوسف ومحمد رحمهما الله.
(¬2) ينظر: التنبيه (ص148)، و المهذب (2: 268)، و روضة الطالبين (10: 94)
(¬3) ينظر: مختصر خليل (ص270)، و التاج والإكليل (6: 291).
(¬4) ينظر: الكافي (4: 203)، و المغني (9: 73)، و المبدع (9: 73) و كشاف القناع (6: 98).
(¬5) من فتح القدير (5: 42).
وفي ((فتحِ القدير)) أيضاً: إنَّ الذين يعتمدُ على نقلِهم وتحريِرِهم كابنِ المُنْذر (¬1)، ذكرُوا: إنَّه إنِّما يحدُّ عندهما في ذاتِ المَحْرَمِ لا في غيرِ ذلك كمجوسيَّة، وخامسة، ومعتدّة.
وكذا عبارةُ ((الكافي)) (¬2) للحاكم (¬3) تفيدُهُ حيث قال: تزوَّجَ امرأةً ممَّن لا يحلُّ له نكاحُها فدخلَ بها لا حدَّ عليه، وإن فعلَهُ على عِلْمٍ لم يحدَّ أيضاً، ويوجعُ عقوبةً في قولِ أبي حنيفةَ وقالا: إن عَلِمَ بذلك فعليه الحدُّ في ذواتِ المحارم (¬4).
¬
(¬1) وهو محمد بن إبراهيم بن المُنْذِر النيسابوري، أبو بكر، قال الأسنوي: أحد الأئمة الأعلام، لم يقلِّد أحداً في آخر عمره، من مؤلفاته: المبسوط، و الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، و الإشراف على مذاهب أهل العلم، (242 - 319). ينظر: وفيات (4: 207)، طبقات المفسرين (2: 50 - 52)، طبقات الأسنوي (2: 197).
(¬2) ينظر: المبسوط (9: 85)، وهو شرح الكافي.
(¬3) هو محمد بن محمد بن أحمد، الشهير بالحاكم الشهيد البَلْخِيّ، المتوفَّى شهيداً سنة (344هـ)، وقيل: سنة (334هـ)، وهو أستاذُ الحاكم المحدِّثُ مؤلِّفُ المستدرك. منه رحمه الله.
وأضيف: قال السمعاني عنه: إمام أصحاب أبي حنيفة في عصره. ومن مؤلفاته: المنتقى، و المختصر. ينظر: الجواهر (3: 313 - 315)، طبقات طاشكبرى (ص75)، الفوائد (ص305 - 306).
(¬4) انتهت عبارة الكافي كما في الفتح (5: 41).
فعمَّمَ في المرأةِ التي لا تحلُّ له في سقوطِ الحدِّ على قولِ أبي حنيفة، ثمَّ خصَّ مخالفتَهما بذواتِ المحارمِ من ذلك. انتهى (¬1).
وفيه أيضاً قبيل ذلك: مَن تزوَّجَ امرأةً لا تحلُّ له نكاحاً بأن كانت من ذوي محارمِهِ بنسبٍ كأمِّهِ أو ابنتِهِ فوطئها، لم يجبْ عليه الحدُّ عند
أبي حنيفةَ وسفيانَ الثَّوريّ وزُفَرَ (¬2) إن قال: علمتُ أنّها عليَّ حرام، ولكن يجبُ المهر، ويعاقبُ عقوبةً هي أشدُّ ما يكون من التَّعزيرِ سياسةً (¬3)، لا حدّ مقدَّر شرعاً إذا كان عالماً بذلك، وإذا لم يكن عالماً لا حدَّ ولا عقوبةَ ولا تعزير.
وقالا والشَّافعيّ: أي أبو يوسف، ومحمَّد، والشَّافعيُّ (¬4)، ومالكٌ (¬5)، وأحمد (¬6): يجبُ حدُّهُ إذا كان عالماً، وعلى هذا الخلافِ كلُّ مُحَرَّمةٍ برضاعٍ أو صهريّة (7هذا (¬7) متَّفقٌ عليه.
¬
(¬1) من فتح القدير (5: 41).
(¬2) وهو زفر بن الهُذَيْل بن قيس العَنْبَرِيّ البصريّ، صاحب أبي حنيفة، كان يفضِّلُه، ويقول: هو أقيس أصحابي، قال الذهبي: كان ثقة في الحديث، موصوفاً بالعبادة، (110 - 158هـ). ينظر: العبر (1: 229)، طبقات الفقهاء (ص18)، الفوائد (ص132).
(¬3) في الأصل: وسياسية، والمثبت من الفتح.
(¬4) ينظر: التنبيه (ص148)، المنهاج (4: 146).
(¬5) ينظر: مختصر خليل (ص270)، و رسالة القيرواني (ص257).
(¬6) ينظر: المحرر في الفقه (2: 152).
(¬7) غير موجودة في الفتح.
وأما غيرُ ذلك: ففي ((الكافي)) (¬1): منكوحةُ الغير، ومُعتدَّتُه، ومُطلَّقةُ الثَّلاثِ بعد التَّزوُّجِ كالمَحْرَم، قال: إن كان النِّكاحُ مُختلفاً فيه كالنِّكاحِ بلا وليٍّ وبلا شهودٍ فلا حدَّ عليه اتِّفاقاً؛ لتمكُّنِ الشُّبهةِ عند الكلّ، وكذا إذا تزوَّجَ أمةً على حرَّة، أو تزوَّجَ أمةً مجوسيّة، أو أمةً بلا إذنِ سيِّدِها، أو تزوَّجَ العبدُ بلا إذنِ سيِّدِه فلا حدَّ عليه اتِّفاقاً.
أمَّا عنده فظاهر، وأمَّا عندهما؛ فلأنَّ الشُّبهةَ إنّما تنتفي عندهما إذا كان مُجمعاً على تحريمه، وهي حرامٌ على التَّأبيد.
وفي بعضِ الشُّروح: أرادَ بنكاحِ مَن لا يحلُّ له نكاحُها نكاحُ المحارم، والمطلَّقةِ الثَّلاث، ومنكوحةِ الغير، ومعتدة الغير، ونكاحُ الخامسة، وأختُ المرأةِ في عدَّتِها، والمجوسيّة، والأمةُ على الحرَّة، ونكاحُ العبدِ أو الأمةِ بلا إذنِ المولى، والنِّكاحُ بغيرِ شهود، ففي كل هذا لا يجبُ الحدُّ عند أبي حنيفة، وإن قال: علمتُ أنّها عليَّ حرام، وعندهما: يجبُ إذا علمَ بالتَّحريمِ وإلا فلا.
ثمّ قال: ولكنّهما قالا فيما ليسَ بحرامٍ على التّأبيد: لا يجبُ الحدُّ كالنِّكاحِ بغيرِ شهود.
فقد تعارضا حيث جعلَ في ((الكافي)) الأمةَ على الحرّة، والمجوسيّة،
¬
(¬1) هو لصاحب المنار، و المدارك، و الكنَز، حافظُ الدِّين، عبدُ الله بنُ أحمدَ النَّسَفِيُّ، المتوفَّى سنة (710). منه رحمه الله. سبقت ترجمته.
والأمةَ بلا إذن السيِّد، وتزوُّجه بلا إذنِ السيِّدِ محلَّ الاتِّفاقِ على سقوطِ الحدّ، وجعلَها هذا الشَّارحُ في محلِّ الخلاف.
لكنَّ قولَ حافظِ الدِّين في ((الكافي)) في التَّعليلِ يقتضي أن لا يحدَّ عندهما في تزوِّجِ منكوحةِ الغيرِ وما معها؛ لأنّها ليست مُحَرَّمةً على التَّأبيد، فإنَّ حُرمَتَها مُقيَّدةٌ ببقاءِ نكاحِها، وبقاءِ عدَّتِها، كما أنَّ حرمةَ المجوسيَّةِ مقيَّدةٌ بتمجُّسِها، حتى لو أسلمَت حلَّتْ كما أنَّ تلك لو طُلِّقتْ وانقضتْ عدَّتُها حَلَّت، فإنّه لا يُحدُّ عندهما إلاَّ في المحارمِ فقط، وهذا هو الذي يغلبُ على ظنّي. انتهى (¬1).
قلتُ: يظهرُ من هذه العباراتِ ونظائرها المبسوطةِ في المبسوطاتِ أنَّ عقدَ النِّكاحِ شبهةٌ تسقطُ به الحدُّ عند الحنفيَّةِ خلافاً لغيرِهم، ووقعَ فيهم الاختلافُ أيضاً:
فذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنه مسقطٌ للحدِّ مطلقاً.
واختلفوا في ذكرِ خلافِهما:
1.فمنهم: مَن أجراهُ مطلقاً حتى في النِّكاحِ بغير شهود، وأيضاً قالوا: أنه يحدُّ عندهما في جميعِ الصُّورِ إذا عَلِمَ بالحرمة. كما مرَّ عن ((جامع الرُّموز)) (¬2).
2.ومنهم: مَن أخرجَ النِّكاح المختلفَ فيه؛ كالنِّكاحِ بغيرِ شهود، وأدخلَ فيه تزوَّجَ منكوحةِ الغير، ومعتدَّتِه، ومطلَّقةِ الثَّلاث.
¬
(¬1) من فتح القدير (5: 40 - 41).
(¬2) من جامع الرموز في شرح النقاية (2: 291).
3.ومنهم: مَن خَصَّ الخلافَ بنكاحٍ متَّفق على تحريمِهِ بمحرمةِ تأبيد، فأخرجَ سائرَ الصُّورِ إلاَّ نكاحَ المحارم، فعندهما يحدُّ فيه، وفيما سواهُ اتِّفاق بينهما وبينَهُ على سقوطِه، وهذا هو الذي حقَّقَهُ صاحبُ ((فتح القدير)) (¬1)، و ((البحرِ الرَّائق)) (¬2)، و ((النَّهرِ الفائق)) (¬3) وغيرهم، فليكن هو المعتمد.
وبه يظهرُ أن لا حدَّ بالوطء بنكاحِ المُتعة (¬4)، والنِّكاحِ المؤقَّتِ (¬5) أيضاً ممَّا اختلفَ في صحَّتِهِ وفسادِهِ على ما حقَّقَ في موضعِه (¬6).
¬
(¬1) فتح القدير (5: 40 - 42).
(¬2) من البحر الرائق (5: 16).
(¬3) النهر الفائق شرح كنْز الدقائق لعمر بن إبراهيم بن محمد، المشهور بابن نُجَيْم المِصْريّ الحنفيّ، سراج الدين، أخو صاحبالبحر الرائق، ومن مؤلفاته: إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل، وعقد الجواهر في الكلام على سورة الكوثر، (ت1005هـ). ينظر: خلاصة الأثر (3: 306 - 307). طرب الأماثل (ص509). هدية العارفين (1: 796).
(¬4) نكاح المتعة: وهو أن يقول لامرأة اتمتع بك كذا مدَّة بكذا من المال. ينظر: الهداية (1: 195).
(¬5) النكاح المؤقَّت: هو أن يتزوج امرأة عند الشهود عشرة أيام، وفرق ما بين النكاح المؤقت ونكاح المتعة أن يكون بذكر لفظ التزوج والنكاح في المؤقت، ولفظ المتعة في نكاح المتعة. ينظر: الكفاية (1: 149).
(¬6) ينظر: الهداية (1: 195)، والعناية (3: 149)، وفتح القدير (1: 149)، وغيرها.
وقد بقيَ بعد في المقامِ تفصيلٌ وتطويلٌ مظانُّه الكتبُ المبسوطة، ولولا مخافةُ الإملالِ والإخلالِ لأتيتُ بها، والمقصودُ هاهنا ضبطُ المذهب، وذكرُ بعضِ فروعِهِ توضيحاً بقدرِ الضَّرورة، وقد حصلَ ذلك بحمدِ اللهِ بالعباراتِ والتَّنقيداتِ التي ذكرناها.
* * *
الإفادةُ الرَّابعة
في دفعِ المطاعن
التي أوردوها على الحنفيّة
في باب سقوط الحدّ بنكاح المحارم
منها: ما هو مختصٌّ بهذهِ الصُّورة.
ومنها: ما هو يشملُها وغيرُها.
ولنذكرْ كلَّ طعنٍ بلفظِ: التَّشكيك، وجوابُهُ بلفظِ: التَّفكيك مستفيداً من كلامِ الفقهاءِ الكرام، مضيفاً إلى ذلك ما ألهمني الملكُ العلاَّم.
تشكيك
إسقاطُ حدِّ الزِّنا، وكذا غيرُهُ من الحدودِ بالشُّبهاتِ ممَّا لا دليلَ عليه.
تفكيك
هذا قولُ مَن لا عِلْمَ له، ولا عقلَ له، فإنَّ إسقاطَ الحدودِ بالشُّبهاتِ ممَّا ثبت بالضَّرورةِ من أخبارِ صاحبِ الشَّريعةِ وأصحابِهِ رؤوسِ الطَّريقة، وقد وردتْ في ذلك أخبارٌ وآثار، فمن ذلك الحديثُ المعروفُ على الألسنة،
المذكورُ في ((الهداية)) (¬1) وغيرِهِ من كتبِ الأجلَّة: (اِدْرَؤا الحُدُودَ بِالشُّبُهَات)، وهذا بهذا اللَّفظ، وإن قال ابنُ حَجَر فيه في ((تخريجِ أحاديثِ الهداية)): لم أجدْهُ مرفوعاً. انتهى (¬2).
وقال العَيْنِيُّ في ((البناية)): غريبٌ بهذا اللَّفظ. انتهى (¬3).
موجودٌ في مسانيدِ الإمامِ أبي حنيفةَ من روايتِه، وكفاكَ به ثقةً وعمدة.
وله شواهدُ مرفوعةٌ وموقوفة:
ففي ((مسندِ أبي حنيفة)) الذي جمعَهُ أبو المؤيَّدِ محمَّدُ بن محمود الخوارزمِيّ (¬4): أبو حنيفةَ عن مقسم عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (اِدْرَؤا الحُدُودَ بِالشُّبُهَات). انتهى (¬5).
¬
(¬1) الهداية (2: 100).
(¬2) الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2: 101).
(¬3) من البناية (1: 391).
(¬4) المتوفَّى كما في كشف الظنون (2: 1680) سنة (665). منه رحمه الله.
وأضيف، هو: محمد بن محمود بن محمد بن حسن الخَوَارَزْمِيّ الخطيب، أبو المؤيد، الإمام، وليَّ قضاء خَوارَزْم وخطابتها، صنَّف مسانيد الإمام أبي حنيفة، في مجلدين، جمع فيهما بين خمسة عشر مصنَّفاً، (593 - 655هـ). ينظر: الجواهر (3: 365). تاج (ص278).
(¬5) من جامع مسانيد أبي حنيفة (2: 182).
وفي ((مسنده)) الذي جمعَهُ صدرُ الدِّين موسى بن زكريّا الخَصْفَكِيّ (¬1): عند ذكرِ رواياتِ الإمامِ عن مِقْسَم (¬2): أبو حنيفةَ عن مِقْسَمٍ عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (اِدْرَؤا الحُدُودَ بِالشُّبُهَات). انتهى (¬3).
قال عليٌّ القاريّ المكيّ (¬4) في شرحِه المسمَّى بـ ((سندِ الأنام)): الحديثُ رواهُ ابن عديّ عن ابن عبّاسَ بلفظ: (اِدْرَؤا الحُدُودَ بِالشُّبُهَات، وأَقِيلُوا الكِرَامَ عَثَرَاتَهُم إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله) (¬5).
¬
(¬1) المتوفَّى كما في شرح المسند لعلي القاري (ص8) سنة (650). منه رحمه الله.
وأضيف: ضبطه القاري في شرح مسند الإمام (ص7 - 8): الخَصْفَكيّ: بفتح الخاء المعجمة، وسكون الصاد المهملة ففاء مفتوحة، فكاف، فياء نسبة، كذا رأيته مضبوطاً بخط شيخنا عبد الله السندي رحمه الله. لكن في الجواهر (3: 1713): الحَصْكَفِيّ نسبةً حصن كيفا مدينة من ديار بكر، وهو موسى بن زكريا بن إبراهيم بن محمد بن صاعد، صدر الدين القاضي الإمام العلامة، (0/ 581 - 65). ينظر: الجواهر (3: 516 - 518)، شرح مسند الإمام للقاري (ص7 - 8).
(¬2) مِقْسَم بن بُجْرة، ويقال نَجْدة، أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له، قال ابن حجر: صدوق وكان يرسل. ينظر: التقريب (ص477).
(¬3) من مسند أبي حنيفة للحصكفي (ص186).
(¬4) هو مؤلِّف التأليفات الشهيرة كـ المرقاة شرح المشكاة، وغيره، المتوفَّى سنة (1014) لا سنة (1016)، ولا سنة (1044) كما قيل. منه رحمه الله. أي كما قال القنوجي في مؤلفاته إتحاف النبلاء، و أبجد العلوم، و الحطة (ص194)، وينظر: تفصيل ذلك في إبراز الغي (ص32،58،72،74،78).
وأضيف، هو: علي بن سلطان محمد الهَرَوي القَارِيّ الحَنَفي، أبو الحسن، نور الدين، من مؤلِّفاته: فتح باب العناية بشرح النقاية، و الأثمار الجنية في طبقات الحَنَفِيَّة، و شرح الشفا، و شرح الشمائل (930 - 1014هـ). ينظر: خلاصة الأثر (3: 185 - 186)، الكواكب السائرة (1: 445 - 446)، الإمام علي القاري (ص44).
(¬5) في الكامل لابن عدي (5: 308)، بلفظ: عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا حداً من حدود الله عز وجل.
ورواهُ الدَّارَقُطْنِيّ (¬1) والبَيْهَقِيّ عن عليّ، ولفظُه: (اِدْرَؤا الحُدُود، وَلاَ يَنْبَغِي لِلإِمَامِ تَعْطِيلُ الحُدُود) (¬2).
ورواهُ ابنُ ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: (اِدْفَعُوا الحُدُودَ عَنْ عِبَادِ اللهِ مَا وَجَدْتُّم لَهُ مَدْفَعَاً) (¬3).
ورواه ابنُ أبي شيبة، والتِّرمذِيّ، والحاكم، والبَيْهَقِيّ، عن عائشة: (اِدْرَؤا الحُدُودَ عَنْ المُسْلِمِينَ مَا اِسْتَطَعْتُم، فَإِن وَجَدْتُم لِلمُسْلِمِ مَخْرَجَاً فَخَلُّوا
¬
(¬1) وهو علي بن عمر بن أحمد بن مَهْدي الدَّارَقُطْنِيّ البَغْدَادِيّ الشَّافِعِيّ، أبو الحسن، والدَّارَقُطْنِيّ: نسبة إلى دار القُطْن، محلة كبيرة ببغداد. قال أبو الطيب الطَبَريّ: الدَّارَقُطْنِيّ أمير المؤمنين في الحديث. من مؤلفاته: السنن الكبير، و المختلف والمؤتلف، و الأفراد، (306 - 385هـ). ينظر: الكامل في التاريخ (7: 174). طبقات الشافعية الكبرى (2: 312). الأنساب (2: 437 - 439).
(¬2) في سنن البيهقي (8: 238)
(¬3) في سنن ابن ماجه (2: 850).