الفضل المغول في الصف الاول
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الفضل المغول في الصف الاول
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم ربِّ زِدْنِي عِلْماً يا كريم
الحمد الله أوَّلاً وآخراً وباطناً وظاهِراً، والصَّلاة والسَّلامُ على أَوَّلِ المَوجوداتِ،
وأفضل المخلوقات، وعلى آله وأصحابه الصَّافِّينَ ببابه، والحافِّينَ حولَ جَنابِه. أمَّا بعد: فيقولُ المُفتَقِرُ إلى بِرِّ رَبِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطان محمد القارِي: قد قال الله تعالى: {وَالصَّفَاتِ صَفًّا} [الصافات: 1]، أقسم بالملائكة الصافينَ في مَقامِ العُبودِيَّةِ، للقيام بحق الربوبيَّةِ، أو بنفوس العلماءِ الصَّافِّينَ في العباداتِ، الجامعين بين العلمِ والعَمَلِ في جميع الحالات، أو بنفوسِ الغُاةِ الصَّافِّينَ في الجهاد، الواقفينَ لفَتْحِ البلاد.
وقد قال عزّ من قائل حكاية عن الملائكةِ المُفتَخِرين بالعبادة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ} [الصافات: 165]؛ أي: في أداءِ الطَّاعَةِ، وقَضاءِ الخِدمَةِ.
وقال عزّ وعلا: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم يُنْيَن مرصوص} [الصف: 4]، و «سبيله» يشمل طريقَ الغُزاةِ، وفَرِيقَ الصَّلاةِ. وقال جل جَلالُه وعَظُمَ نَوَالُه: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَخِرِينَ} [الحجر: 24]. رُوِيَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَغَبَ على الصَّفُ الأَوَّلِ، فاز دَ حَموا عليه، فنَزَلَت.
وقيلَ: إِنَّ امرأةً حَسناءَ كانت تُصلِّي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتَقَدَّمَ بعضُ القومِ؛ لئَلَّا ينظُرَ إليها، وتأخَّرَ بعضُهم؛ ليقع نظره عليها، فنزلت.
وقد وَرَدَ أحاديثُ كثيرةٌ في هذا الباب، استيعابها يُفضي إلى الإطنابِ. منها قوله عليه السلام: «إنَّ الله وملائكته يصلون على الصف المُقدم. رواه أحمد والنسائي والضّياءُ عن البَراء.
وفي رواية للنسائي: «على الصُّفوفِ المُتقدِّمةِ».
ومنها قوله عليه السَّلامُ: «إِنَّ الله وملائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على الذين يَصِلُونَ الصفوف، ولا يَصِلُ عبدٌ صَفاً إلا رَفَعَهُ اللهُ به دَرَجَةً». رواه الطبراني في الأوسط» عن أبي هريرةَ رضي الله عنه. ومنها قوله عليه السَّلامُ: «ألا تصُفُونَ كما تَصُفُ المَلائِكَةُ عند ربها، يُتِمُّونَ الصُّفوف الأول، ويتَراضُونَ في الصَّفِّ». رواه أحمدُ ومُسلِمٌ وأبو داودَ والنَّسائِيُّ وابن ماجه، عن جابر بن سَمُرَةَ.
ومنها: قوله عليه السَّلامُ للصَّفّ الأَوَّلِ فَضْل على الصُّفوفِ». رواه الطبراني (الكبير) عن الحكيمِ بنِ عُمَيرٍ ومنها قوله عليه السَّلامُ عليكُم بالصَّفّ الأَوَّلِ، وعليكم بالميمنة، وإِيَّاكم والصَّفَ بينَ السَّواري». رواه الطبراني عن ابنِ عباس رضي الله عنهما. ومنها قوله عليه السَّلامُ: «لو تعلمون ما في الصَّفِّ الأَوَّلِ ما كانَت إِلا قُرعَةٌ». رواه مُسلِمٌ وابن ماجه، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
ومنها: قوله عليه السَّلامُ: «أَقِيمُوا الصفوف؛ فإِنَّ إِقامةَ الصَّفِّ مِن حُسْنِ الصَّلاةِ». رواه مُسلِمٌ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه.
ومنها: قوله عليه الصَّلاة والسَّلامُ: «إنَّ من تَمَامِ الصَّلاةِ إِقَامَةَ الصَّفٌ». رواه أحمد عن جابر رضي الله عنه.
ومنها قوله عليه السَّلامُ خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أَوَّلُها، وشَرُّها آخِرُها، وخَيرُ صفوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشرُّها أَوَّلُها». رواه مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
ومنها قوله عليه السَّلام: «لا يزال قوم يتأخرونَ عن الصَّفُ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهم الله في النَّارِ». رواه أبو داودَ عن عائشة رضي الله عنها. ومنها: قوله عليه السَّلامُ: مَن تَرَكَ الصَّفَ الأَوَّلَ مَخافَةَ أَن يُوْذِيَ مُسلِماً، فصَلَّى في الصَّفِّ الثَّاني أو الثَّالِثِ أضعَفَ الله له أجرَ الصَّفُ الأَوَّلِ». رواه الطَّبرانِيُّ في «الأوسَطِ»، وابنُ النَّجارِ، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومنها: أنَّه عليه السَّلامُ كانَ يستغفِرُ للصَّفِّ المُقَدَّمِ ثَلاثاً، وللثَّانِي مَرَّةً. رواه ابنُ ماجه عن أبي جَعفَرٍ
ثمَّ الأَوَّلُ ضِدُّ الآخِرِ، واختار صاحبُ «القاموس» أَنَّه من «وأَلُ» مَهْمُوزَ العين، فوزنه «أَفْعَلُ»، وأصله: «أَوْءَلُ»؛ قُلِبَتِ الهمزَةُ الثَّانية واوا، ثمَّ أُدغِمَت، وهذا ظاهر، وإليه ذهب الكوفيُّونَ.
وقيل: وَزَنُه فَوْعَل»، وأصله «وَوْ لُ، فقُلِبَت الواوُ الأولى، وهي فاءُ الفِعلِ هَمرَةً، ثُمَّ قُلِبَت الهمزةُ الثَّانيةُ، وهي عَينُ الفِعل واواً، ثمَّ أُدغِمَتِ الواو في الواو.
وذهَب سيبويه إلى أنَّه لفِيفٌ مَقرون، وأنَّ فاءَه وعينه واوان؛ فوزنُه «فَوعَل»، وأصله «وَأَوَلُ».
وقيل: إِنَّه أَجوَفُ مَهموزُ الفاءِ؛ فوزنُه «أَفْعَلُ» وأصله: «أَوْأَلُ».
ويترتب على هذا الأصل، اختلافُ الصَّرفِ وعَدَمُه في هذا الفَصلِ، ممَّا لا يخفى على أهلِ الفَضلِ، والأظهَرُ أنَّه «أفعل التفضيل بمعنى الأَسبَق؛ قالَ اللهُ تعالى: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرِيهِ} [البقرة: 41]، وقال عزّ وجَلَّ: {وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ} [التوبة: 100].
ثمَّ الأَوَّلُ ما لا يكونُ مَسبوقاً، بأن لا يتقَدَّمَ عليه غيرُه وُجوداً أو شُهوداً، وهذا مُتَّفَقٌ عليه وَضعاً وعُرْفاً وشَرْعاً.
فالأوَّلُ الحقيقي هو الله سُبحانَه؛ فإنَّه لا بداية لأوَّليَّته، كما أنَّه الآخِرُ بمعنى لا نهاية لآخِريَّتِه، والأوَّلُ الإضافيُّ رُوحُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو نُورُه.
ثمَّ الأَوَّلُ يُستَعمَلُ في الزَّمانِ والمَكانِ وغيرهما؛ فمن الأوَّلُ حديث: «أَوَّلُ الوقتِ رِضوانُ اللهِ، ووَسَطُ الوقتِ رَحمةُ اللهِ وآخِرُ الوقتِ عَفْوُ اللَّهِ». رواه الدَّارَ قُطنِيُّ عن أبي محذورَة.
ومنه حديث: «أَوَّلُ شهر رمضانَ رَحمةٌ، وأوسطه مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُه عِتَقٌ مِنَ النَّارِ». رواه ابن عساكر وغيره عن أبي هريرة.
ومن الثاني ما ورَدَ في فضلِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثمَّ إِنَّه في غيرِ المسجد الحرام من المساجد العِظامِ لا يُتصَوَّرُ إِلا لِمَن يلي الإمام.
وأمَّا هذا المسجدُ الشَّرِيفُ والمَحَلُّ المُنيفُ، الذي سماه الله «مساجِدَ اللهِ» بصيغة الجمع؛ إمَّا ِللتَّعظيم، وإمَّا لكونه قِبلَةَ العالَمِ ومحراب مساجد بني آدم، وإمَّا لأنَّ جِهاتِه الأربعةَ المُكرَّمَةَ بمنزلةِ مَساجِدَ حول الكعبة المُعظَّمة.
وأجمَعَ عُلماءُ الأنامِ على جوازِ كَوْنِ المُقتدي بالإمام في غير جهتِه أقرب منه إلى الكعبة في المقام، وأنَّ المُتقدِّمَ في كلّ جهة، بحيث لم يكن قبله صف آخَرُ مَوصوف بأنَّه في الصَّفُ الأَوَّلِ، خلافاً لبعض العوامِ.
وإِنَّما قال بعضُ الفُضَلاءِ الحنفيَّةِ تبعاً لبعض العُلماءِ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الأَفضَلَ من الصف الأول هو الذي يكون تخلف الإمام، ولو كان بعيداً عن قُرب بيت الله الحرام.
وأنا أقولُ وبحولِ اللهِ أصولُ: إِنَّ الوُقوفَ في الصَّفِّ الأَوَّلِ بِقُربِ البيتِ المُكَمَّلِهو الأفضَلُ من وُجوهِ فَتَأَمَّلْ:
منها: قُربُ الكَعبة؛ فإنَّ الصَّلاةَ والطَّواف والاعتكاف كلَّما يكون إلى جانبها أقرب فهو أفضَلُ وأَنسَبُ.
ومنها: أنَّ حَدَّ المطافِ لا يُشبِهُ غيره من الأوقافِ؛ فإِنَّه وقفُ مالكِ المُلكِ، بخِلافِ ما سواه فإنَّه من تَصُرُّفاتِ أربابِ المُلكِ؛ فالعبادةُ فِي وَقْفِ مَولانا، أطيبُ منها في وَقْفِ واحدٍ منَّا.
ومنها: أنَّه المسجِدُ القديم، وهو أحد المُرجّحاتِ القويمِ، وقد قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96]، وقال: {لَمَسْجِدُ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108].
ومنها: أنَّه مَحَلُّ مُضاعَفَةِ الثَّوابِ من غير خلاف، بخلاف خارج حده من هذا الباب.
ومنها: أنَّه يحصل فيه المُشاهَدَةُ أيضاً؛ ففي الحديثِ: «النَّظر إلى الكعبة عِبادة». رواه أبو الشَّيخِ عن عائشةَ رضي الله عنها.
وقد ورَدَ: «إِنَّ نظرةً إلى الكَعْبَةِ ساعة كعِبادَةِ سَنَةٍ».
بخلافِ خلف الإمامِ في ذلك المَقامِ؛ فَإِنَّ الأَفضَلَ فيه أن ينظُرَ إلى موضِعِ سجوده، وهو يمنعه من كَمالِ شُهودِه، ولأنَّه لو نظر إليها، لاشتغل بالطَّائفين وغيرِهم لديها، فيَحصُلُ الجمعُ بينَ المُشاهَدَةِ والمُجَاهَدَةِ حولَ الكَعْبَةِ.
ومنها: أنَّ تلك الأرضَ التي جَعَلُوها مَقامَ الإمامَ فيها شُبهَةٌ من جهةٍ مُلكِها ووَقْفها، وأخذها من يد أَهْلِها، أو ثَمَنِ ما دُفِعَ في مُقابلها، بخلافِ المَطافِ حَوْلَ الكَعْبَةِ وَحِيالَها.
ومنها: البعد عن أئمَّةِ هذا الزَّمانِ، كما صَرَّحَ عُلماء هذا الشَّانِ: إِنَّ البعيد عن الخطيب، أفضَلُ من القريب؛ لِما يُرى عليهم من المُنكَراتِ الواقعة لديهم، ولو في مشاهدة العمائم الكبيرة كالأبراج، وملاحظة الأكمامِ الوَسيعةِ الطَّويلة كالأَخْراجِ، وغير ذلك مما يستحقون التَّعزير بالإخراج.
ومنها: عدَمُ سَماعِ قِراءَتِهم واطلاعِ تلاوتهم في ألحانهم من نُقصانهم وزيادتهم، وعدمُ وُقوفهم في محال وقوفهم، ووَصلِهم في حالتهم، لا سيما وهم مشغوفون بإطالتهم في مَقامِ عِبادَتِهم، وموصوفون بسماتِ رُؤيَتِهم وسُمعَتِهم.
ومنها: أنَّ نفس قيامِ الإمامِ ومَن تبعه من الأنامِ في ذلك المَقامِ خِلافُ الأَوْلى؛ فإنَّ ترككَ المَقامِ الأعلى الذي كانَ يُصلّي فيه عليه الصَّلاة والسَّلامُ وأصحابه الكرام مع ما سبق فيه من الفَضائِلِ الفِحَامِ، لا شك أنه مكروه كراهة تنزيه في نظر الأعلامِ؛ ولهذا أفتى جماعةٌ من الفُقَهَاءِ بِهَدْمِ المَقاماتِ المُحدَثِةِ، وَاعْتَذَرَ آخَرون بأنَّها تنفَعُ المسلمين عن الحَرِّ والمَطَرِ، واختارُوا أَنَّ إِبقاءَها خيرٌ في الجُملة.
ومنها: أنَّ قُرْبَ الكَعْبَةِ غالباً يُصلّي على الأرضِ الظَّاهِرَةِ، وهو أفضَلُ من الصَّلاةِ على السجادة وغيرِها في الروايةِ الظَّاهِرَةِ.
ومنها: أَنَّ قُربَ الكَعبةِ أبْعَدُ من الرِّياءِ والسُّمعَةِ، ومِن التزامِ مَوضعِ بِخُصوصه المُشعِر بالشُّهَرَةِ.
وبهذا تبيَّنَ أَنَّ الصَّفَّ المُتأَخَّرَ من حول بيت الله الحرامِ أَفضَلُ من الصَّفْ المُتقَدِّمِ في المَقامِ المُختَصّ بالإمامِ، باعتبارِ بعض الاعتباراتِ المُصوَّرة، وبعض الحَيثَيَّاتِ المُعتبَرةِ. ومما يتفرّعُ على هذا الأصلِ أَنَّ مَن صلَّى في آخر المسجد من غير جهة الإمام ولم يكن حول الكعبة صَفٌ، فقد صلَّى في الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَأَنَّ الصَّفَ الذي في المقام إذا تجاوَزَ عن جهة الإمامِ يَمنَةً أَو يَسْرَةً، وكان حول الكعبة صَفٌ لا يكونُ القَدْرُ المُتجاوِزُ من الصَّفُ الأَوَّلِ، فَتَدَبَّرُ وتأمل.
فإن قلت: أي جهةٍ من جهاتِ الكَعْبة أفضَلُ، وثواب العبادة فيها أكمَلُ؟ فأقولُ: قد يُقالُ: الجانب الغربي أفضَلُ في هذه المسألة؛ لأنَّه يَقَعُ يمينَ الإمامِ في تلك الحالة. وقد يقال: بين الركنين؛ لحيازة الفضيلةِ بينَ المَقامَينِ، ولأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصلِّي نحوه قبلَ الهِجْرَةِ، فَإِنَّه مُسْتَمِلٌ على القبلتين.
وقد يُقالُ: جهةُ البابِ المُحترم؛ لاشتماله على المُلتَزَمِ، واحتوائه بالحَجَرِ الأعظَمِ، والحَجَرِ المُكرَّم، وانطوائه على مَقامِ جبريل عليه السَّلامُ، الذي فيه أمَّ النَّبِيَّ عليه الصلاةُ والسَّلامُ في يومين من الأيام، إعلاماً بأوائل الأوقاتِ وأوَاخِرِها. وقد قال الله تعالى: {وَلكُلّ وِجْهَهُ هُوَ مُوَلِهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، والمعنى: لكلِّ أُمَّةٍ قِبلَةٌ، أو لكُلِّ جماعة من المسلمين جانِبٌ وجِهَةٌ من الكعبة، والتنوين بدل الإضافة، هُوَ مُوَلِهَا، أي: العبد، موليها وجهَهُ، أو الله تعالى مُوَلِّيها إِيَّاه، وقرأ ابن عامر بفتح اللام: أي هو مَولى تلك الجِهَةِ قد وَليَها، فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ؛ أَي: فتَبادَرُوا إلى أحسَنِ الجِهاتِ، وأيمَنِ الطَّاعات.
أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا؛ أي: أينما تكونُوا من الجهاتِ المُتقابلة يأتِ بكم الله جميعاً، ويجعَلُ صَلَواتِكم كأنَّها إلى جهةٍ واحدةٍ في المرتبة الفاصلة. إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ} [البقرة: 148]: من التَّفرِقَةِ والجَمْعِ الكثير، وبإجابةِ عَبِيدِه حَقيقُ وجَديرٌ.
وقد قالَ ابنُ جُرَيجِ: قلتُ لعَطاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ: إِذا قَلَّ النَّاسُ في المسجدِ الحرامِ، أَيُّهما أحَبُّ إليك؟ أن يُصَلُّوا خلف الإمام، أو يكونُوا صَفاً واحِداً حول الكعبة؟ فقال: أن يُصَلُّوا صَفّاً واحداً حول الكعبة، انتهى.
والمُرَادُ بخَلفِ الإمام الواقِفُ خَلْفَ المَقامِ، وَمَفهومه: أَنَّ النَّاسَ إِذا كَثُرُوا يتَعَيَّنُ كَونُهم صَفاً واحِداً حول الكعبة.
وبهذا يُعلَمُ أَنَّ فِي زَمِنِهِ عليه الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مَعَ أَصحابِهِ الكِرامِ يُصَلُّونَ حول البيت الحرام؛ إذ لا شَكٍّ ولا شُبهَةَ أنَّ جميعَ الصَّحابةِ ومَن كانَ بمكَّةَ فِي حَجَّةِ الوداع، وقد قيل: بلَغُوا مئة وعشرين ألفاً، ما يُتَصَوَّرَ أن يسعَ لجماعتِه في وقتِ صلاته جهة واحدة، لا سيما إذا صلَّى خَلَفَ المَقامِ.
على أنَّه وَرَدَ: أَنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: أَمَرَ امرأةً أن تطوف وراءَ المُصَلِّين في تلك الأيام.
وأَمَّا ما نُقِلَ من أَنَّ أَوَّلَ مَن أدار الصفوف حول الكعبة عبد الله بن الزبير أو غيره؛ فلعله محمولٌ على كيفية خاصة، أو يُقالُ: كانَ أهل مكة بعده عليه الصَّلاة والسَّلامُ اختارُوا جهة البابِ، حيثُ يَسَعُهم، وكانُوا قَليلين، فرأى ابنُ الزبير أنَّ التحليق أولى معَ القِلَّةِ أيضاً؛ ليُحَصِّلَ الصَّفَّ الأَوَّلَ من جميع الجهاتِ، ويترتب عليها زيادة المثوبات، والله أعلم بحقيقة الحالاتِ.
هذا، وأصلُ المَرامِ في هذا المقام أكل الحلال، واجتناب الحرام من المال؛ قالَ اللهُ تعالى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَتِ وَاعْمَلُواْ صَلِحًا} [المؤمنون: 51]؛ أي: من العبادات.
فإنَّ الذي يُصلِّي في الصَّفِّ الآخِرِ رُبَّما يكونُ أفضَلَ ممَّن يُصلِّي في الصَّفِّ الأَوَّلِ، فتأمل. ولا تنظُرْ بعَينِ الحقارة لأحدٍ في هذا المحل.
وقد كان بعضُ السَّلَفِ يسبِقُ النَّاسَ في الإتيان، ويتأخَّرُ عنهم في وقوفِ المَكانِ؛ لمَّا ظَهَرَ له الحِكمَةُ والمَصْلَحَةُ في هذا الشَّانِ، وفي ذلك الزَّمانِ. ثمَّ الأولى والأهَمُّ تصحيحُ الاعتقادِ على الوَجْهِ الأتم، والاحتراس والاحتراز عن الخروج عن الدِّينِ الأقوَمِ.
ونسأل الله سبحانه الخاتمة الحُسنَى، والحالة الأَسنَى، واللحوق بالرَّفِيقِ الأعلى مع النَّبيِّينَ، والصِّدِّيقين، والشُّهداء، والصالحين، وسلام على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.