الفصول المهمة في حصول المتمة
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الفصول المهمة في حصول المتمة
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْني علماً يا كريم
الحمد لله الذي أقامَ أمرَ الدِّينِ؛ بإقامةِ الصَّلاةِ وإدامتِها، وأمر بالمحافظة عليها، والقيام بشروطها وأركانها وواجباتها، ووعد بالإثابة على تحسينها؛ بإتيانِ سُنَنِها ومستحبّاتها، وأوعد على تقصيرها؛ بارتكاب مُفسداتِها ومُحرَّماتِها ومكروهاتها. والصَّلاة والسَّلامُ على مَن جُعِلَ قرَّةُ عينه في الصَّلاةِ على كلِّ حالٍ، حتى كان يقول: «أرخنا يا بلالُ»؛ أي: بالصَّلاةِ عن سائر الأشغال؛ فإنَّها مِعراج المؤمن، ومُناجاته بالمُهيمن، فيا لها من سعادة لمن قام بها! ويا لها من شَقاوة لمن أعرض عنها ورضي الله عن آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه، أرباب المعرفة والشهود، وأصحاب القيام بالركوع والسجود.
أما بعد:
فيقول المحتاجُ إلى كرم ربِّه الباري، علي بن سلطانِ محمَّدِ القارِيْ: لَمَّا رأيتُ عامَّةَ النَّاسِ من الجهلاء؛ بل أكثرَ العُلماء والفُضلاء؛ بل مَنْ يَدَّعي المشيخة، ويزعم أَنَّه منَ الأولياء والأصفياء، أهمَلُوا أمرَ عبادةِ الصَّلاةِ على ما يجب عليهم إعمالها، ويتعيَّن لهم إكمالها، لا سيّما في رُكني الرُّكوع والسجودِ، وما يتبعهما منَ القَوْمَةِ والجِلْسَةِ والقُعود، وصارت القضيّة من عُموم البلوى لهذا البلاء في كل مكان وزمان الخَلَاء والمَلاءِ، وجرَتِ العبادةُ جَرْيَ، العادةِ ممَّن له الفَطَانةُ والبَلاده، واقتدى الخاصة بالعامة، ولم يدروا لجهلهم الطَّامَّةَ - أن لا يجوز الاقتداء بأفعالِ عُلماء هذا الزَّمانِ؛ بل يحسنُ الاهتداء بأقوالهم؛ بناءً على الضّرورة في هذا الشَّأْنِ؛ ففسادُ العَالَمِ مترتب على فسادِ العالم من بني آدم، فضَلُّوا عن طريق الأقومِ، إِلَّا القليل، وأضلُّوا كثيراً عن سواء السبيل؛ حيث تركوا طريقَ السَّلفِ الصَّالحين، من الاحتياط في أمرِ العبادات، وحق عليهم ما ثبت في الآياتِ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59]، {إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحَا فَأَوْلَتَبِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتِ} [الفرقان: 70].
لمح في الخاطرِ الفاتر، ولمع في البَالِ القاصرِ، أَنَّ يُنَبِّهَ إخوانَ الزَّمَانِ، وأقرانَ الأَوانِ؛ بناءً على أنَّ الدِّينَ هو النَّصيحةُ النَّاشئة من الإيمان وكمال الإحسان وتمام الإيقان، ولكي يتنبه هو أيضاً من نوم الغفلة إلى يقظة الحضرة، ويترقى من مقامِ التّوبة إلى مرتبة الأوبةِ، فها أنا أشرعُ هنا في ذكر ما يحصل به الهنا، ويزولُ العَنَا، ويدوم الغناء في الدُّنيا والعُقبى، بلغنا الله المقامَ الأَسْنى، والمرتبة الحُسْنى، وزيادةَ النَّظر إلى لقاء المولى، على الوجه الأعلى. فأقول، وبالله التوفيق، وبيده عَنانُ التَّحقيق: إِنَّ اللهَ تعالى حيثُ ذَكَرَ الصَّلاةَ في كتابه، عبر عنها بالإقامة والمحافظة ونحوها، إلَّا في موضع أُريدَ ذَمُّ القائمينَ بها؛ لأنهم كانوا غافلين عنها، غير ملتفتين إلى مراعاتِها؛ من تحسين هيئاتها، حيث قال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - ه]؛ أي: معرضون عنها بالكلية، أو غافلون عن مراعاة حقائقها الجزئية، ولذا لم يقل: في صلاتهم ساهون؛ فإنَّ الإنسان مأخوذ من النسيان، فسبحان العلي الأعلى، مَن لا يسهو ولا ينسى.
وقد ورد في الحديث الصحيح، ما يدلُّ على هذا المعنى بالصريح؛ كما يُشيرُ قوله صلى الله عليه وسلم إليه: «رفعَ عن أُمَّتِي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه». ثمَّ إقامةُ الصَّلاةِ: تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع ربع في أفعالها وشأنها، على ما قاله «الكشَّافُ»، وصاحبُ «المدارك»، والقاضي، وغيرهم من المفسرين والعلماء المعتبرين.
فإن قلت: هذا يدلُّ على الفَرْضِيَّةِ؟
قلت: هو كذلك عند جمهور عُلَماءِ الأُمَّةِ، لكنَّ المُحققين من الفقهاء حيث قالوا: الفَرْضُ ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني. وقد فُسِّر الإقامة أيضاً بنحوِ المُحافظة والمداومة، فلا تكونُ الآية قطعية الدَّلالة.
فإن قيل: لا يصح الاستدلال مع وجودِ الاحتمال.
قلنا: قد يكونُ حُجَّةً بالترجيح على القولِ الصَّحيح، فالأكثر على القولِ الأَوَّلِ، فيكون هو المعوّل، وهو في المعنى أظهرُ؛ فالمدارُ عليه أكثر، وهو إلى الحقيقة أقرب، فالاعتماد عليه أنسب؛ بل قال صاحبُ الكشف»: إِنَّ الإقامة في معنى تعديل الأركان هو الحقيقة، وضعف سائر المعاني المجازية الخارجة عن الطريقة.
ثمَّ هو مؤيَّدٌ بالأحاديثِ النَّبوية، ومؤكدُ بالأدلة الشرعية، ومنقول عن أكابر المِلَّةِ الحنيفية، وأعاظم الأئمة الحنفية، فلنُقدِّمْ ما حقه التَّقديمُ، ممَّا ثبت عن الرَّسولِ الكريم، ثم تتبعه نقل العلماء، ورواية الفقهاء:
فمنها ما روى أصحابُ السِّتْ إِلَّا مالكاً، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاءَ وسلَّمَ على النَّبِيِّ، فَرَدَّه وقال: «ارجع فصل؛ فإنَّك لم تُصلِّ»، فرجع فصلَّى كما صلَّى، ثمَّ جَاءَ فسلَّمَ على النبي، فرده وقال: «ارجع فصل فإنك لم تُصلّ ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحسنُ غيره، فعلَّمْني، فقال: «إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ، فَكَبِّر، ثُمَّ اقرأ ما تيسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ، ثمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعاً، ثم ارفع حتّى تعتدل قائماً، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفع حتّى تطمئنَّ جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها. وقد شرحنا الحديث مفصَّلاً في المرقاة شرح المشكاة، لكن هنا نقتصر على المورودِ الدَّال على المقصودِ عند المخالفِ والموافق، فقد قال الشَّيخُ أكمل الدِّينِ في «شرح المشارق»: قوله: «ثم ارفع حتّى تعتدل» يدلُّ على أن تعديل الأركان فيها واجب. انتهى. وفي كلامه دلالة على شمول تعديل الأركانِ لطمأنينةِ القَوْمَةِ على ما صَرَّحَ به «المغرب»، واختاره صاحب «الاختيار».
ومنها ما روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أتمُّوا الركوع والسجود. والإتمام إنَّما يكونُ بالطُّمأنينة، فيدلُّ على وُجوبِها. ومنها ما روى الطبراني في «الكبير»، وأبو يعلى، وابنُ خُزيمة، عن عمرِو بنِ العاص وخالد بن الوليدِ وشُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةَ رضي الله عنهم: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لا يُتِمُّ رُكوعَه، ويَنْقُرُ في سجودِه وهو يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو مات هذا على حاله، مات على غيرِ مِلَّةِ محمَّدٍ». وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، يُخافُ منه سوء الخاتمة، فنسأل الله العافية من دُخُولِ الهاوية.
ومنها: ما روى البخاري، عن زيد بن وهب، قال: إِنَّ حذيفة رضي الله عنه رأى رَجُلاً لا يُتِمُّ رُكُوعَه ولا سُجودَه، فلما قضى صلاته دعاه، فقال له حذيفة: ما صلَّيتَ. قال: وأحسبه قال: ولو مُتَّ متَ على غيرِ سُنَّةٍ.
وفي رواية: «ولو مُتَّ متَ على غيرِ الفِطرةِ التي فَطَرَ اللهُ محمَّداً عليها». ومنها: ما رواه مالك في «الموطَّا»، عنِ النُّعْمَانِ قال: إِنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ما ترون في الشَّارِبِ والزَّاني والسَّارِقِ؟»، وذلك قبل أن ينزل فيهم الحدود. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هُنَّ فواحش، وفيهنَّ عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق صلاته»، قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: «لا يُتِمُّ رُكوعَها ولا سُجودَها».
ومنها ما رواه أبو داود والنسائي، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ شبل قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نَقْرَةِ الغُرَابِ، وافتراش السَّبُعِ، وأن يُوطَّنَ الرَّجلُ المكانَ في المسجد؛ كما يُوطِّنُ البعير
ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابنُ خُزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ، عن علي بنِ شَيْبانَ قال: خرجنا حتَّى قَدِمنا على رسول الله، فبايعناه وصلَّينا خلفه، فَلَمَحَ بمؤخَّرِ عينه رجُلاً لا يُقيمُ صلاته، فلما قضى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: «يا معشر المُسلمين! لا صلاة لمن لا يُقيمُ صُلْبَه في الركوع والسُّجودِ»؛ أي: لا يُسوِّي ظهرَه في عقبِ الرُّكوعِ والسُّجودِ، فهذا الحديث يدلُّ على وجوبِ القَوْمَةِ والجِلْسَةِ. ومنها ما رواه أبو يعلى والأصبهاني، عن عليّ كرَّمَ الله وجهه، قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ وأنا راكع، فقال: «يا عليُّ! مَثَلُ الذي لا يُقيمُ صُلْبَه في صلاته؛ كَمَثَلِ حُبْلَى حملت، فلمَّا دَنَا نفاسُها، أسقطَتْ، فلا هي ذاتُ حمل، ولا هي ذاتُ ولد».
ومنها: ما رواه الإمام أحمد، عن طَلْقٍ بن عليّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله تعالى إلى صلاةِ عبد لا يُقيمُ فيها صُلْبَه بين رُكوعِها وسُجودِها». ومنها ما رواه مسلم وأبو دواد، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصَّلاةَ بالتكبير، والقراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ، وكان إذا ركع لم يُشخص رأسه، ولم يُصوّبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً». وهذا الحديث يدلُّ على المواظبة، فيكونُ القَوْمَةُ والجِلْسَةُ من الأفعال الواجبة.
ومنها ما رواه الأصبهاني، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً: «إِنَّ الرَّجلَ يُصلِّي ستين سنة وما تُقبل له صلاة؛ لعله يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ السُّجود، أو يُتِمُّ السُّجود ولا يُتِمُّ الرُّكوع.
ومنها ما رواه الطبراني في «الأوسط»، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه وأنا حاضر: «لو كان لأحدكم هذه الشَّاةُ، لكرة أن تُجْدَعَ، كيف يعمَدُ أحدكم فيجدَعُ صلاته التي هي الله تعالى، فأتمُّوا صلاتكم؛ فإنَّ الله تعالى لا يقبلُ إِلَّا تاماً».
ومنها: ما رواه الأصبهاني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرفوعاً: ما مِن مُصَلِّ إِلَّا ومَلَكٌ عن يمينه ومَلَكٌ عن يساره، فإنْ أَتمَّها، عَرَجَا بها، وإنْ لم يُتمَّها ضَرَبَا بها وجهَه» (4).
ومنها: ما رواه ابن خزيمة، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فلما سلَّم نادى رجلاً كان في آخر الصفوف فقال: «يا فلان! ألا تتقي الله؟! ألا تنظر كيف تُصلِّي؟! إِنَّ أَحدَكم إذا قامَ يُصلِّي، إِنَّما يقومُ يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه.
ومنها ما رواه الترمذي، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً: «إِنَّ أَوَّلَ ما يُحاسب به العبد يوم القيامة من عمله: صلاته، فإنْ صَلَحَتْ، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد خابَ وخَسِرَ».
ومنها: ما رواه الطبراني في «الأوسط»، عن عبد الله بنِ قُرْطٍ مرفوعاً: «أَوَّلُ ما يُحاسب به العبد يوم القيامةِ الصَّلاةُ، فإنْ صَلَحَتْ، صَلَحَ سائر عمله، وإن فسدَتْ، فسد سائر عمله».
فثبت بهذه الأحاديث - وإن كانت ظنية، لكنها من حيثُ المجموع كادَتْ أن تكون قطعية - أنَّ تعديل الأركان في الركوع والسجودِ والقَوْمَةِ بينهما والقَعْدَةِ بين السجدتين فرض، وهو مذهبُ جُمهور العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف.
وذهبَ جماعةٌ من أثمَّتِنا إلى الوُجوبِ، وهو مختارُ المُحَقِّقين، ومذهبُ جَمْعِ أَنَّه من السنن المؤكَّدة القريبة إلى الوجوب.
فها أنا أُبيِّنُ لك ما اطّلعتُ عليه من أقوالِ العُلماء، ورواياتِ الفقهاء: ففي شرح مجمع البحرين المُصنِّفه: قال أبو يُوسُفَ: تعديل أركانِ الصَّلاةِ وهو الطمأنينة في الرُّكوعِ والسُّجودِ، وكذا إتمام القيام بينهما، وإتمامُ القُعودِ بين السجدتين - فرضٌ، تبطلُ الصَّلاةُ بتركه، وبه قال الشَّافعيُّ.
و عبارة صدر الشريعة حيث قال في شرح قول تاج الشريعة عند عد واجباتِ الصَّلاةِ وتعديل الأركان، خلافاً لأبي يوسف والشَّافعيّ؛ فإنَّه فرضٌ عندَهُما، وهو الاطمئنان في الركوع، وكذا في السجودِ، وقُدرَ بمِقْدارِ تسبيحةٍ، وكذا الاطمئنان بين الركوع والسجود، وبين السجدتين.
وقوله: «قُدِّرَ بمقدار تسبيحةٍ»: تقدير أدناه؛ فقد صرَّحَ به الزيلعي حيث قال: وأدناه مقدار تسبيحة.
ثم اعلم: أنَّ التَّعديل سُنَّةٌ على تخريج الجُرْجَاني، وواجب على تخريج الكَرْخِي، كذا في «الهداية».
وفي «التاتارخانية»: وفي «صلاةِ الأثر» عن هشام عن محمد مسألةٌ تدلُّ على أنَّ قولَ محمد مثل قول أبي يوسف.
وقال المحقق ابن الهمام: سُئل محمَّدٌ عن تركِ الاعتدال في الركوع والسجودِ، فقال: إنّي أخافُ أنْ لا تجوز صلاتُه.
وكذا في «الخُلاصة»، وكذا رُويَ عن أبي حنيفة ذَكَرَه في «شرح المنية. وفي «الظهيريَّةِ»: قال القاضي الإمام صدر الإسلام أبو اليُسرِ: إِنَّ مَن تركَ الاعتدال في الركوع والسجود، يلزمه الإعادة، وإذا أعاد يكون الفرض الثاني - أي: لكماله ـ دُونَ الأَوَّلِ؛ أي: لنقصانِه. وذكر الشَّيخُ الإمامُ شمسُ الأئمةِ السَّرَخْسيُّ: أَنَّه يلزم الإعادة، ولم يتعرض أنَّ الفرضَ هو الثَّاني أو الأوَّلُ؛ بناءً على القول المعوّل المنقول عن بعض السلف: أنَّ أمره إلى الله سبحانه.
وفي شرح المنية للحلبي عن السَّرَخْسيٌّ: مَن ترك الاعتدال، يلزمه الاعتدال؛ أي: يلزمه أن يعيدَ الصَّلاةَ بالاعتدال.
ومن المشايخ من قال: يلزمه [أن يُعِيدَ]، ويكون الفرضُ هو الثاني؛ يعني: إعادة الصلاة بالاعتدال، والمختارُ هو الأوَّلُ؛ يعني: الصَّلاةَ بغير الاعتدال، والثاني جبر للخَلَلِ الواقع فيه بترك الواجب، وكذلك كلُّ صلاة أُديت مع الكراهةِ التَّحريميَّةِ يجب إعادتها، والفرضُ هو الأوَّلُ؛ أي: معَ كراهتها، والثاني جابر. قاله ابن الهمام في شرح الهدايةِ».
وقال ابنُ الهُمامِ رحمه الله ولا إشكال في وجوب الإعادة؛ إذْ هو الحكم في كل صلاةٍ أُديت مع كراهة التَّحريم، وتكون جابراً للأولى؛ لأنَّ الفرْضَ لا يتكرر، وجعله الثاني يقتضي عدم سقوطه بالأوَّلِ، وهو لازم تركِ الرُّكن لا الواجب، إلَّا أَنْ يُقالَ: إنَّ ذلك امتنان من الله تعالى؛ إِذْ يَحتَسِبُ الكامل وإنْ تأَخَّرَ عن الفرْضِ، لِمَا عَلمَ سبحانَه أَنَّه سيوقع له. انتهى.
والظَّاهرُ من عبارة الإعادة في كلامِ السَّادَةِ: أَنَّه يوي الصَّلاةَ الثَّانية بالفرْض، لا النَّفل؛ كما قاله بعضُ علمائنا؛ لأنَّه لا يصدق عليه الإعادة حينئذ، وكذا لا يتصوَّرُ عنده القول بأنَّ الفرْضَ هو الثاني دون الأَوَّلِ، فتأمل.
نَعَمْ؛ إذا صلَّى منفرداً، ثم لحق جماعة، فيقتدي منفلا، كما في متن «النُّقاية»، قال البِرْ جَنْدي: قوله: متنفلاً، احتراز عن أحد قولي الشافعي، وهو أنَّ الفرضَ أحدهما لا بعينه. انتهى.
ومفهومه أنَّ الفرضَ عندنا هو الأوَّلُ بلا خلافٍ، وإنما الخلافُ في المُعادِ، ولهذا ينوي الشَّافعي في هذه الصورة إعادة أيضاً، ونحن ننوي النَّفْلَ؛ لأنَّ الإعادة، مكروهة، إلَّا إذا وجبت الإعادة، والله سبحانه أعلم.
ثم اعلم أنه لا يجوز الإعادة الواجبة في الأوقات المكروهة؛ لِمَا صرَّحوا: أنَّ مَن صلَّى الصُّبحَ أو العصر منفرداً، لا يصلّي جماعةً إذا أدرك الإمام، ثمَّ تكرار الجماعة مكروه عندنا ومالك والشافعي في الأصح، خلافاً لأحمد.
و ما فعله بعضُ النَّاسِ مِنَ الاقتداء بالشَّافعي في الصُّبحِ أولاً، ثم إعادته مع الحنفي، معللاً بأنَّ صلاةَ الشَّافعيّ أوَّلُ صلاةٍ أُقيمت، فنُصلّي معه ونعيدها؛ لأنَّه وقعت مكروهةً، فعجيب وغريب؛ لأنَّ الشروع في الصَّلاةِ مع احتمال الفسادِ وتحقق الكراهة قبيح؛ لما فيه من تعريض العمل على البطلان أو النقصانِ، فتعين الاحتراز عنه، كما لا يخفى على الأعيان.
ثم اعلم: أَنَّ هَاهُنا ستَّةَ أشياء:
أحدها: الرُّكوعُ والسُّجود، ولا خلاف ولا شبهةً في رُكنيَّتهما. وثانيهما: تعديلهما؛ أي: تسكين الجوارح حتى يطمئن الفاعل فيهما، وقد
ذكر أدناه تسبيحة، وهو ركن عند جمهور المُجتهدين، وواجب عند المحققين، وسُنَّةٌ مؤكَّدةٌ في قول بعض المتأخرينَ.
وثالثها: الانتقال منهما، وهو ركن أيضاً وإن كان مقصوداً لغيره؛ إذ لا يتحقق ما بعدهما من الأركانِ إلَّا به.
ورابعها رفعُ الرَّأْسِ منهما، ففي «التّاتارخانيَّةِ»: اختلفتِ الرّوايات عن أبي حنيفة؛ ففي بعضها: أنَّ رفعَ الرَّأْسِ من الركوع والسجودِ فرض، فأما عوده إلى القيام عند رفعِ الرَّأْسِ من الرُّكوعِ، والجلسة بين السجدتين، ليسا بفرض، وهو قول محمد.
ثم تكلموا في مقدار الرفع من السُّجودِ، والأصح أنَّه إذا كان إلى السجودِ أقرب، لا يجوز؛ لأنَّه يُعدُّ ساجداً، وإن كان إلى الجلوس أقرب، جازَ؛ لأنَّه يُعدُّ جالساً، فتتحقَّقُ السَّجدة الثانية، كذا في «الهداية».
وأمَّا الركوع، فالانتقال منه إلى السُّجودِ ممكن من غير رفع أصلاً، فلا يُجعلُ رفعُ الرَّأْسِ عنه ركناً، وفي «الحاوي»: إذا ركع المصلي فلم يرفع رأسه من الرُّكوعِ حتى خَرَّ ساجداً وهو ساءٍ، يُحكى عن عِدَّةٍ من أصحابنا: أنَّه يجب عليه سجدتا السَّهوِ. وخامسها: القَوْمَةُ والجِلْسَةُ.
وسادسها: الطُّمأنينة فيهما، قال الزيلعيُّ: ثُمَّ الجلسَةُ والطُّمأنينة فيها، والقَومَةُ والطمأنينة فيها سُنَّةٌ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
جميعاً تشديداً بليغاً، فقال: وإكمال كل ركن واجب عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف والشَّافعي فرضٌ، فيمكتُ في الرُّكوعِ والسُّجودِ والقَومَةِ والجلسة بينهما حتى يطمئنَّ كل عضو منه، وهذا هو الواجب عند أبي حنيفة ومحمد، حتى لو ترك شيئاً منها ساهياً، يلزمه السهو، ولو تركها عمداً، يُكرَهُ أشدَّ الكراهية، ويلزمه أن يُعيدَ الصَّلاةَ.
وفي شرح الطَّحَاوي»: ولو تركَ القَوْمَةَ، جازتْ صلاته، ولكنْ تُكرَهُ أشد الكراهية.
وفي «الظَّهيريَّة»: وعند أصحابنا: يأثم بتركِ قَومَةِ الرُّكوعِ.
وقال الإمامُ ابنُ الهُمام في شرح قول صاحبِ «الهداية»: «ثمَّ القَومَةُ والجلْسَةُ سُنة عندهما»: أي: باتفاق المشايخ، بخلافِ الطُّمأنينة على ما سمعت من الخلافِ، وعند أبي يوسف هذه فرائضُ للمواظبة الواقعة بياناً، وأنتَ علمتَ حالَ الطُّمأنينة، فينبغي أن تكونَ القَومَةُ والجلسَةُ واجبتين؛ للمواظبة، ولما روى أصحابُ «السُّننِ» الأربعة، والدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي مسعودٍ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ: أنه قال: «لا تُجزى صلاةٌ لا يُقيمُ الرَّجلُ فيها ظَهرَه في الركوع والسجودِ»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ولعله كذلك عندهما، ويدلُّ عليه إيجابُ سُجودِ السَّهوِ فيه؛ لِمَا ذُكرَ في فتاوى قاضي خان» في فصل ما يوجبُ السَّهو: المصلّي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الرُّكوعِ حتى خَرَّ ساجداً ساهياً، يجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السَّهو، ويُحمل قول أبي يوسف: «إِنَّها فرائضُ» على الفرائضِ العملية، وهي الواجبة، فيرتفع الخلافُ، ثمَّ قال: وأنتَ علمتَ أنَّ مقتضى الدليل في كل من الطُّمأنينة والقَومَةِ والجلْسَةِ الوُجوبُ، ثمَّ قال: واعتقادي أنَّه إذا لم يُسوِّ صُلْبَه في الجلسَةِ والقَومَةِ، فهو يأثم؛ لِمَا تقدَّمَ، والله أعلمُ.
وخلاصة الكلام، وزُبدَةُ المَرامِ، في هذا المقام: أنَّ مذهب الإمام أحمد، وكذا مذهب مالك على الرواية الصحيحة، كمذهب الشافعي وأبي يوسف في رُكنيَّةِ الأُمورِ السَّتَّةِ السَّابقة وفَرْضيَّتها، فلا خلاف في الرُّكوعِ والسُّجودِ أَنَّهما رُكْنانِ وفَرْضانِ، وإنَّما الخلافُ في الأربعة الباقية؛ فعن أبي حنيفة ومحمَّدٍ ثلاثُ روايات: أصحها الوجوب، ودُونَها السُّنية، وأضعفها احتمالُ الرُّكنيَّةِ.
ثم اعلم: أنَّ أكثرَ النَّاسِ تركوا القَوْمَةَ، والجلسَةَ، فضلاً عن الطُّمأنينة؛ فإِنَّها صارت كالشَّريعة المنسوخة، حتَّى يُسمِّي العامَّةُ فاعلها: من أربابِ الرِّياءِ والسُّمعةِ، ولو تركَ سُنَّةً مختلفاً فيها؛ كوضع اليد، لبادروا فيه إلى الطَّعن بالرفض والبدعة، مع أنَّ في تركِ التَّعديل آفاتٍ كثيرةً في الدُّنيا قبل العقوبة في العُقبى:
منها: إيراتُ الفقرِ؛ فإنَّ تعديل أركانِ الصَّلاةِ، وتعظيمها، من أقوى الأسباب الجالبة لرزق الحلال، وتركُه منَ الأُمورِ السَّالبة له على وجه الكمال؛ كما ذَكَرَه في تعليم المتعلم.
ومنها: إيراتُ البغض لمَن يُرى من العلماء والفضلاء؛ لا سيما من المشايخ ومَن يدَّعي أنَّه من الصلحاء، وسقوط حرمته عندهم؛ حيث لا يبقى له اعتماد على أقوالهم وأفعالهم.
فقد حُكيَ أنَّ أبا يزيد البِسْطَامي قدَّسَ اللهُ سِرَّه السَّامي، سمعَ أَنَّ شخصاً يدعي أنَّه من الأولياء والعلماء الأصفياء، فقصده ليستفيد من نُورِه في مقام حُضورِه، فرآه من بعيد بعيداً عن مراتبِ القُرْبةِ؛ لأنَّه بَزَقَ إلى جهة القبلة، فرجع، وقال: هذا غيرُ مأمون على هذا الأدب، فيبعُد أن يكونَ مِنْ أربابِ قُربِ الرَّبِّ.
ومنها: إهانة نفسه، وإضاعة حق غيره، بسقوط شهادته؛ فإنَّ من اعتاد ترك القومَةِ أو الجلْسَةِ أو الطُّمأنينة في أحدهما، صار مصراً على المعصية، فلا تُقبلُ لهُ الشَّهادة.
ومنها: إيقاعُ النَّاسِ في المعصية؛ فإنَّه يجب الإنكار على كل قادر يرى منكراً، فإذا لم يُنكَرْ، صارَ سبباً لمعصية الغيرِ.
ومنها: إظهار المعصيةِ للنَّاسِ في كلّ يوم وليلةٍ مرَّاتٍ كثيرةً، وهو أبعد منَ المغفرة؛ لأنَّها معصية، وإظهارها معصية أخرى، بخلاف المعصية المخفيَّة؛ فإنَّها للمغفرة أخرى، فقد جاءَ في حديثِ قُدسي: أنَّ الله تعالى يقولُ لبعض عبادِه عند ذنوبه: «سترتُها عليك في الدُّنيا، وكذلك أسترها عليك»، وإليه الإشارة بقوله سُبحانَه وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرُكُمْ} الآية [فصلت: 22]. ومنها: وجوب الإعادة، أو فَرْضيَّتُها على خلاف تقدَّمَ، فإذا لم يُعدها، تعددت المعصية، وكثرت المصيبةُ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].
ثم اعلم: أنَّ مَن صلَّى النَّوافل وترك تعديل الأركان بها، يكون عاصياً مستحقاً للعقاب في العقبى، ويجب عليه قضاؤُها في الدُّنيا، فلو لم يقض، يكون معصية أُخرى مثل الأولى، ولو سلمنا أنَّها سُنَّةٌ مؤكّدة، كان مستحقاً للعتاب وحِرْمَانِ الشفاعة وفقدانِ الثَّوابِ، ولو لم يُصلِّ النوافل، تخلَّص من ذلك كله، فترك أفعاله خير من أعماله، وهو مع ذلك من الأخسرين أعمالاً الذي يحسبونَ أَنَّهم يحسنونَصنعاً، وقد قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47].
ومنها: ضرر اقتداء العالم به على ظنّ أنّه العالِمُ بحُكمه، فلولا أَنَّه جازَ تركه، لَمَا أصر عليه مثله، فيكون ضالاً مُضِلَّاً، وكان ينبغي له أن يكون كاملاً مكملاً؛ فقد روي مسلم وغيره، عن جَرِيرٍ رضي الله عنه مرفوعاً: «مَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كان عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شي.
ومنها: أنَّ العَجَلَةَ من الشَّيطانِ، والتُّؤَدَةَ من الرَّحمنِ، وبيانه في هذا الشَّانِ: أنه يلزم من الاستعجال مسابقته للإمام في الأفعال، وهي حرام بالإجماع؛ بل مبطل للصَّلاةِ عند ابنِ عمرَ من السَّلفِ، وعند زُفَرَ منَ الخلفِ، فالحَذَرَ الحَذَرَ من التَّلَفِ. ومنها: أنه سبب لإتيانِ الأذكار المشروعة في الانتقالات بعد تمام الانتقال، وهو مكروه كما صرَّحَ به في «التاتارخانيَّةِ»؛ بل قال في «المنية»: فيه كراهتان: تركها عن موضعها، وإتيانها في غير محلها. وتوضيحه: أنَّه مثلاً إذا ترك القَومَةَ أو الطمأنينة فيها، يقعُ التَّسميعُ أو التَّحميدُ أو هما معاً حين الانخفاض؛ بل قد يقعُ التكبير بعد السُّجود، والسُّنَّةُ أن يقعَ التّسميعُ حين رفعِ الرَّأْسِ، والتَّحميدُ حِينَ الطُّمأنينة، والتَّكبيرُ حين الانخفاض.
ومنها: أنَّه باعث للَّحْنِ في الأذكار، وهو حرام بلا خلاف كما صرح به في «البَزَّازيَّةِ»، وبيانُه: أنَّ الإسراع يوجب ترك الحركة، أو تحريك السُّكونِ بلا مُهْلة؛ بل قد تقتضي ترك الحرفِ من غايةِ السُّرعةِ، وهو إنْ كان مُغيَّراً للمعنى، فمُبطل، وإِلَّا فمكروه وفعلٌ مُضِلٌ.
إذا عرفت هذا، فاعلم مُجمَلاً، وقس عليه مُفصَّلاً: أَنَّكَ إِذا اقتصرتَ في يومٍ وليلة على الفرائض المكتوبة والواجبِ والسُّننِ المؤكَّدة، يكون عدد ركعاتك ثنتين وثلاثين ركعةً، وفي كلّ ركعةٍ قَومَةٌ وجلسَةٌ، فلو تركت طمأنينة كل منهما، يصير أربعةً وستينَ معصية، ولو تركت نفسَهما أيضاً، يبلغ مئة وثمانية وعشرينَ سَيِّئَةً، وإذا ضُمَّ إليه معصية الإظهارِ، صارَ مئتين وستة وخمسين، وإذا ضُمَّ إليه الهُويُّ من الرُّكوعِ إلى السجدة الأولى، ومنها إلى الثانية قبل الإمام في كل ركعةٍ معَ إظهارها، صارَ المجموع ثلاث مئة وأربعة وثمانين، وإذا ضُمَّ إليه عدم إعادة الواجبة، صارَ المجموع ثلاث مئة وخمسةً وتسعين، وإذا تركَ القَوْمَةَ، صارَ في كل ركعة أربع مكروهات: أوَّلُها: تركُ التّسميعِ عن محله؛ وهو رفعُ الرَّأْسِ إلى القومةِ.
وثانيها: إتيانه في غير موضعه؛ وهو الهُويُّ إِلى السَّجدة. وثالثها: تركُ التَّحميدِ عن محله؛ وهو طمأنينةُ القَوْمَةِ.
ورابعها: إتيانه في غير موضعه؛ وهو الهوي إلى السَّجدة.
وإذا اشتغل بالنوافل؛ كالتَّهجُدِ، والضُّحى، ونحو ذلك، فتزدادُ الذُّنوبُ والمكروهات هنالك، ولو تنزَّلنا إلى سُنيَّةِ القَومَةِ والجلْسَةِ والطُّمأنينة، صارَ تاركاً مثلاً
كذا من السُّننِ المؤكَّدة في كلِّ يوم وليلة.
فعلى العاقل أن يتدارك أحوال بقيّةِ عُمُرِه في تحصيل كمال علمه وعمله، ويصرف زيادة أوقاته من فرائضه وواجباتِه وسُننِ مؤكَّداتِه إِلى قضاءِ صَلَواتِهِ فِي أَيَّامٍ حياته؛ لئلا يكون عاصياً حين مماته، نعوذ بالله من ذلك، ونستعين به على المهالك.
***
معرفة وجوب المتابعة فمِنَ الكتاب: قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31]. ومن الأحاديثِ الشَّريفة: ما رواه البخاري، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربَّنا لك الحمد، وإذا سجد، فاسجدوا.
ومنها: ما رواه أبو داود عنه أيضاً مرفوعاً: «إنَّما جُعَلَ الإمامُ لِيُؤتَمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبروا، ولا تُكبّروا حتى يُكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمعَ الله لمن حمده، فقولوا: اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمد ـ وفي رواية: ولك الحمد ـ وإذا سجد، فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجدَ.
ومنها: ما رواه مسلم، والنسائي، عن أنس رضي الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلما قضى الصَّلاةَ، أقبل علينا بوجهه فقال: «يا أيها النَّاسُ! إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالرُّكوعِ ولا بالقيام ولا بالانصراف). قال النووي: فيه تحريم هذه الأُمورِ وما في معناها، والمراد بالانصراف: السَّلامُ عنها.
ومنها: ما رواه مسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: كان رسولُ اللهِ يعلّمنا؛ يقولُ: «لا تبادروا الإمام؛ إذا كبَّرَ فكبروا، وإذا قال: {وَلَا الضالين}، فقولوا آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد».
زاد في رواية: ولا ترفعوا قَبْلَه.
قال النووي: وفيه وجوبُ مُتابعة المأموم لإمامه في التكبير والقيام والقُعودِ والركوع والسجود، وأنَّه يفعلها بعد الإمام؛ لتكون صلاته على وجه الإتمام. ومنها: ما رواه مالك في «الموطَّأ»، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً، قال:
«الَّذي يرفع رأسه ويخفضُه قبل الإمام، فإنَّما ناصيته بيد شيطان». ومنها ما رواه السِّنَّةُ إِلَّا مالكاً، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَمَا يخشى، أو ألَا يَخْشى أحدكم إذا رفع رأسه من ركوع أو سجود قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأسَ حمارٍ ويجعل صورته صورة حمار. قال الشَّيخُ أكمل الدِّينِ في شرح المشارق»: ويُقاس عليه المسابقة في الخَفْضِ إلى الركوع والسجود؛ بجامع المخالفة. قال النَّوويُّ: هذا كله بيانُ لغِلَظ تحريم ذا ذلك.
وقال الكرماني: هذا وعيد شديدٌ؛ وذلك أَنَّ المَسْخَ عقوبةٌ لا تُشبه العقوبات، فضرب المثل؛ ليُتَّقى هذا الصنيع، ويُحْذر كل الحذر، وكان ابنُ عمر رضي الله عنهما لا يرى [صلاة لمن فعل ذلك، وأما أكثر العلماء، فإنَّهم لم يروا عليه إعادةةَ الصَّلاةِ مع شدَّةِ الكراهة والتغليظ فيه، وقالوا: كان عليه أن يعود إلى الركوع والسجودِ حتى يرفع الإمام.
ومنها ما رواه الطبراني في «الأوسط»، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «أيأمَنُ أحدُكم إذا رفع رأسه قبل الإمامِ أن يُحوِّلَ الله رأسه رأس كلبٍ. ومنها: ما رواه الشيخان عن البراء رضي الله عنه قال: «كنا نصلي خلفَ النَّبي، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أَحدٌ مِنَّا ظهرَه حَتَّى يَضعَ جبهته على الأرض».
ومنها: ما رواه مسلم عن عمرو بن حُرَيثِ، قال: صلَّيتُ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فسمعته يقرأُ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخَنَّ الْجَوَارِ الكس [التكوير: 15 - 16]، فكان لا يحني رجل منا حتى يستقيم ساجداً.
ومن أقوال الفقهاء: ما في «التَّاتارخانيَّةِ»: لو رفع المقتدي رأسه من الركوع والسجودِ قبل الإمام، يجب عليه أن يعود؛ يعني: يركع ويسجد. وفي موضع آخر: إذا سجد قبل الإمام وأدركه الإمام فيها، جاز عند علمائنا الثلاثة، ولكن يُكره للمقتدي أن يفعل ذلك، وقال زُفَرُ: لا يجوز. وفي «الكافي»: ركع مقتد، فلحقه إمامه، صح وكُرِهَ.
وقد عرفت فيم سبق ان الصلاة المكروهة يجب اعادتها
وقد قال صاحبُ «الهدايةِ»: وتُعاد؛ ليقع الأداء على غير وجه مكروه، وهو الحكم في كل صلاةٍ أُديت مع الكراهة".
وقال ابنُ الهُمامِ: وقد صرَّحَ بلفظ الوجوبِ الشَّيخُ قِوامُ الدِّينِ الكاكِيُّ في شرح المنار»، ولفظ الخبر المذكور يفيده أيضاً، على ما عُرف. وفي الكشف»: إعادةُ الطَّوافِ بالجنابة واجبة؛ كوجوب إعادة الصَّلاةِ التي أُديت مع الكراهة على وجه غير مكروه.
فصل
ومن المهمات: معرفة الاقتداء بالإمام حالَ الرُّكوعِ
فإِنَّه إِنْ كَبَّرَ وسبقه الإمامُ إلى الركوع، وركع المقتدي بعده، ولحقه في السجودِ، صح اقتداؤه، وتلك الركعة محسوبة.
وإِنْ كَبَّرَ فرفع الإمامُ رأسه قبل أن يركع المقتدي، فالاقتداء صحيح، والركعة غير محسوبة، لكنَّ هذا إذا كبَّرَ وهو قائم.
وأما لو كبَّرَ مُنْحنياً كما يفعله العامَّةُ والجهلة من جهة العَجَلة، فلا تنعقد صلاته؛ إذ القيام شرط في تكبير التحريمة للقادر عليه، كيف وبعضُهم يُكبرونَ حال الركوع؟! وحينئذ لا يكون محسوباً أبداً.
نَعَمْ إِنْ كَبَّرَ تكبيرة التحريمةِ قائماً، ثمَّ كَبَّرَ تكبيرةَ الرُّكوعِ في الرُّكوعِ أو ترگها، صحت صلاته مع الكراهة.
والنقول في هذه المسائل مشهورة، وفي كتب المذهب مسطورة، وإنَّما أردنا تنبيه الغافلين، ولو كانوا بزعمهم من العلماء العالمين أو المشايخ الكاملين.
فصل
ومن المهمات أيضاً: معرفة آداب السُّجودِ
فإنَّه لا بد في صحتِه من وجدانِ حجم الأرض عند وضع الجبهة، فلو سجد على حائل ولم يطمئنَّ في السجودِ بحيث لم يجد حجمها، لا يصح صلاته اتفاقاً، وهذا يقعُ كثيراً، خصوصاً ممن يستعجل في صلاته ويضعُ منديلاً فوق سجادةٍ ويَحُطُّ رأسه من غير انكاء واعتماد، فيقعُ في حَرَج عظيم، وذنب جسيم، حيث بطلت صلاته، وضاعت حياته.
وأما إذا سجد على كَوْرِ عمامته، أو طرف ثوبه من كُمِّه أو ذيله، ولو وَجَدَ حجمها، فإنَّه تُكره صلاته، ويجب إعادته؛ لِمَا تقدم، ولا تصح صلاته عند الإمام الشافعي وغيره، فالحَذَرَ كلَّ الحَذَرِ.
فقد روى أبو داودَ والنَّسَائِيُّ، والتّرْمِذِيُّ: «أَنَّه عليه السَّلامُ كان إذا سجدَ
مكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن ضَبْعَيه، ووضعَ كَفَّه حَذْوَ مَنْكِبيه.
فصل
ومن المهمات: معرفة متابعة الإمام حتى في السَّلام، لِمَا سبقَ [في] حديث في ضمن الكلام ثم فيه تفصيل حسن، وتقييد مستحسن، ذكره الإمامُ ابنُ الهُمامِ؛ حيث قال: ولا يقوم المسبوق قبلَ السَّلامِ بعد قدرِ التَّشهدِ إِلَّا في مواضع: إذا خافَ؛ وهو ما يُبيحُ انقضاءَ تمام المدَّة لو انتظر سلامَ الإمامِ أو خافَ المسبوق في الجُمُعةِ والعيدين والفجر، أو المعذور خروج الوقتِ، أو خافَ أن يبتدرَه الحَدَثُ، أو أن يمرَّ النَّاسُ بين يديه، ولو قامَ في غيرها بعد قدْرِ التّشهد صح ويُكرَه تحريماً؛ لأنَّ المتابعة واجبة بالنَّص، قال عليه السَّلامُ: «إِنَّما جُعل الإمامُ ليُؤتم به، فلا تختلفوا عليه». وهذه مخالفة له في غير ذلك من الأحاديث المفيدة للوجوب.
ولو قام قبله، قال في «النوازل»: إِنْ قرأَ بعد فراغ الإمامِ من التشهد ما
يجوز به الصَّلاةُ، جازَ، وإِلَّا فلا.
هذا في المسبوق بركعة أو ركعتين، فإن كان بثلاث، فإِنْ وُجد منه قيام بعد تشهد الإمام، جاز وإن لم يقرأ؛ لأنَّه سيقرأُ في الباقيتين، والقراءة فرضُ في الركعتين. ولو قامَ حيث يصح، وفَرَغَ قبل سلام الإمام، وتابعه في السَّلام، قيل: تفسد، والفتوى على أن لا تفسد وإنْ كان اقتداؤُه بعد المفارقة مفسداً؛ لأنَّ هذا مفسد بعد الفراغ، فهو كتعمُّدِ الحَدَثِ في هذه الحالة.
***
ومِنَ المُهمَّات: أن لا يُحسِّنَ ظاهره بإصلاح طاعاته، ويُخبِّثَ باطنَه بمُراعاة مراءاته، بل يُخلص أعماله بتحسين نيّاته، وتزيين طوياته كما بيناها في رسالة على حِدَةٍ
وقد قال تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحَا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا الله [الكهف: ???]؛ قال القاضي بأن يُرائيه، أو يطلب منه أجراً.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: المراد بالنَّهي عن الإشراك بالعبادة: أن لا يُرائي بعمله، وأن
لا يبتغي به إلا وجه ربِّه خالصاً لا يخلط به غيره.
وقد قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ <5د الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 4 - 6].
رُويَ أَنَّ عمر رضي الله عنه رأى بَدَويَّاً يصلي ويُسيء في صلاته، فحمل عليه بالدرة، فقال: علمني حتى لا أترك منه الذَّرَّةَ. فأمره أن يصلي بتمام الأركانِ وتحصيل الاطمئنان وأنواع الإحسان، ثم قال له: أَعِد صلاتك وزد حياتك، فصلًاها كما عُلّمها، فقال له: أهذه أحرى أو الأُخرى؟ فقال: الأُولى أولى؛ لأنها كانت الله، وهذه من خوفِ الدَّرَّةِ، فتبسَّمَ عمر رضي الله عنه وتعجَّبَ منه. وقد قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) أُولَيكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَطِل ما كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 14 - 16].
قال صاحب «الكشَّافِ»: لم يكن لهم ثواب؛ لأنهم لم يريدوا به ثواب الآخرة، وإنما أرادوا به الدُّنيا، وقد وفَّى إليهم ما أرادوا، وَبَطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ؛ أي: كان عملهم في نفسه باطلاً؛ لأنَّه لم يُعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ثوابَ له.
وقال الإمامُ الرَّازِيُّ في تفسيره الكبير»: اعلم أنَّ العقل يدلُّ عليه قطعاً؛ وذلك لأنَّ مَن أتى بالأعمالِ الصَّالحة لأجل طلبِ الثَّناء، ولأجلِ الدُّنيا، فذلك لأجل أَنَّه غلَبَ على قلبِه حُبُّ الدَّنيا ولم يحصل في قلبه حُبُّ الآخرة؛ إذ لو عرف حقيقةَ الآخرة وما فيها من السَّعاداتِ، لامتنع أن يأتي بالخيراتِ لأجلِ الدُّنيا، فثبتَ أَنَّ الآتي بأعمال البر لأجلِ الدُّنيا، لا بد وأن يكون عظيمَ الرَّغبة في الدُّنْيا عديمَ الطَّلبِ للآخرةِ، وإذا كان كذلك، فإذا مات فاته جميع منافع الدُّنيا، ويبقى عاجزاً عن وِجْدَانِها، غيرَ قادر على تحصيلها، ومن أحبَّ شيئاً ثم حِيلَ بينه وبين المطلوب، فإنَّه لا بُدَّ وأن يشتعل قلبه بالحسرات. فثبت بهذا البرهان العقليّ أنَّ الآتي بعمل من الأعمال لطلب الأحوالِ الدُّنيوية، فإنَّه يجد تلك المنفعة الدُّنيويَّةَ اللائقة بذلك العمل، ثم إذا ماتَ فإِنَّه لا يُحصل له منه إِلَّا النَّارُ، ويصير ذلك العمل في الدَّارِ الآخرةِ مُحبَطَاً باطلاً عديم الأثر، انتهى. وتوضيحه: قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْلَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20].
وقال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَيْكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا} [الإسراء: ?? - ??].
قال القاضي: فائدةُ اللَّامِ في (لها): اعتبارُ النَّيَّةِ، والإخلاص فيها. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: اشترط ثلاثَ شرائط في كونِ السَّعي مشكوراً: إرادة الآخرةِ؛ بأن يعقد بها هَمَّهُ، ويتجافى عن دارِ الغُرورِ. والسعي فيما كُلَّفَ من الفعلِ والتَّركِ. والإيمانَ الصَّحيحَ الثَّابت.
وقال أبو اللَّيثِ: بين الله تعالى في هذه الآيةِ أنَّ من عمل لغير وجه الله تعالى، فلا ثواب له في الآخرة، ومأواه جهنَّمُ، ومن عمل لوجه الله تعالى، فعمله مقبول، وسعيه مشكور.
ثم الأحاديثُ في هذا الباب كثيرة شهيرة:
منها: ما رواه البَزَّارُ، والبيهقي، عن الضَّحَاكِ بنِ قَيس، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله تعالى يقولُ: أنا خيرُ شريك؛ فمَن أشرك معي شريكاً، فهو لشريكي، يا أيها النَّاسُ! أخلِصُوا أعمالكم؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى لا يقبلُ من الأعمالِ إِلَّا ما خَصَ له، ولا تقولوا: هذا لله وللرَّحِمِ؛ فإنَّها للرَّحِمِ وليس الله منها شيء، ولا تقولوا: هذا الله ولوجوهكم؛ فإنَّها لوجوهكم وليس الله فيها شي). ومنها ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد، عن أبي أمامة، قال: جاءَ رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر، ما لَهُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء لـ»، فأعادها ثلاثَ مَرَّاتٍ، ويقولُ: (لا شيء له»، ثم قال: «إِنَّ اللهَ لا يقبلُ من العمل إلا ما كان خالصاً وابتُغيَ [به] وجهَه».
ومنها ما رواه الطبراني، عن أبي الدَّردَاءِ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الدُّنيا ملعونة، وملعون ما فيها، إلَّا ما ابتغي به وجه الله تعالى. ومنها: ما رواه الطبرانيُّ في «الأوسط»، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله الله يقولُ: مَن تزيَّنَ بعمل الآخرة وهو لا يُريدُها، لُعِنَ في السَّماواتِ والأرض». ومنها: ما رواه الطبراني في «الكبير»، عن الجارود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن طلبَ الدُّنيا بعمل الآخرةِ، طمس وجهه، ومُحقَ ذِكرُه، وأُثبت اسمه في النَّارِ). ومنها: ما رواه ابن ماجه، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعوَّذوا بالله من جُبِّ الحَزَنِ»، قالوا: يا رسول الله! وما حُبُّ الحَزَنِ؟ قال: «وادٍ في جهنَّمَ، تتعوَّذُ منه جهنَّمُ كلَّ يومٍ أربع مئة مرة»، قيل: يا رسول الله! مَن يدخله؟ قال: «أُعدَّ للقُرَّاءِ المُرائينَ بأعمالهم، وإن أبغضَ القُرَّاءِ إلى الله تعالى الذين يزورُونَ الأُمَراءَ». ومنها ما رواه أحمد بإسنادٍ جيّد، وابن أبي الدُّنيا، والبيهقي، عن محمودِ بنِ لبيد: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أخوف ما أخافُ عليكم، الشِّرك الأصغر»، قال: وما الشَّركُ الأصغر يا رسول الله! قال: «الرِّياءُ؛ يقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذا جزى النَّاسُ بأعمالهم:
اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤونَ في الدُّنيا، فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء؟».
ومنها: ما رواه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه»، والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا أغنى الشركاء عن الشّركِ؛ فمَنْ عَمِلَ لي عملاً أشرك فيه غيري، فإنّي منه بريء، وهو للذي أشرك.
ومنها: ما رواه ابن جرير الطبري مرسلاً، عن القاسمِ بنِ مُخَيْمِرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عيله وسلم قال: «لا يقبل الله عملاً فيه مثقال حَبَّةِ خَردَلٍ من رِياءِ».
ومنها ما رواه البيهقي، عن أبي الدَّردَاءِ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الاتقاء على العمل أشدُّ من العمل؛ فإنَّ الرَّجلَ ليعمل العمل، فيُكتب له عمل صالح معمول به في السِّرِّ يُضاعَفُ أجرُه سبعين ضعفاً، فلا يزالُ به الشَّيطانُ حتى يَذْكُرَه للنَّاسِ ويُعلنه، فيُكتب علانيةً، ويُمحى تضعيفُ أجرِه كله، ثمَّ لا يزالُ الشَّيطانُ به حتَّى يَذْكُرَه للنَّاسِ ثانياً، ويُحبَّ أنْ يُذكر به ويُحمد عليه، فيُمحى من العلانية، ويُكتب رياءً، فلْيَتَّقِ الله امرؤٌ صانَ دِينَه، وإِنَّ الرِّياءَ شِرك».
وأَمَّا ما رُويَ من أنَّ جُندُبَ بنَ زُهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأعملُ العمل الله تعالى، فإذا اطلع عليه سَرَّني، ففي رواية قال عليه السَّلام: «لا يُقبلُ ما شُورك فيه»،
وفي رواية أنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «لكَ أجرانِ أجْرُ السِّرِّ، وأجر العلانية»: فذلك إذا قَصَدَ أن يُقتدى به، والله أعلم.
ومنها: ما أخرجه الترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله من تعلم علماً لغير الله، فليتبوأ مقعده من النَّارِ».
ومنها ما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: «مَن تعلم علماً ممَّا يُبتغي به وجه الله تعالى، لا يتعلَّمُه إِلَّا لِيُصِيبَ به عَرَضَاً من الدُّنيا، لم يجد عَرْفَ الجنَّةِ يوم القيامة؛ يعني: ريحها.
ومنها ما رواه أحمد، والطبراني، عن أبي علي رجل من بني كاهل، وقد وثقه ابنُ حِبَّانَ، قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا هذا الشرك؛ فإنَّه أخفى من دبيبِ النَّمل، فقام إليه عبد الله بن حَزْنٍ وقيسُ بنُ المُضارِبِ فقالا: والله لَتَخرُجنَّ ممَّا قلت أو لَنَأتينَّ عمر مأذوناً لنا أو غير مأذون؟ فقال: بل أخرجُ مما قلت؛ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «يا أَيُّهَا النَّاسُ! اتقوا هذا الشرك؛ فإنَّه أخفى من دبيبِ النَّمل»، فقال له من شاء الله أن يقول له: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله! قال: «قولوا: اللَّهمَّ إِنَّا نعوذ بك أن نُشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرُك لِمَا لا نعلمه.
ورواه أبو يعلى بنحوه، من حديث حذيفة، إلَّا أَنَّه قال فيه: «يقول كلَّ يومٍ ثلاث مرات».
فاقتصرنا على الدُّعاءِ، الذي هو سبب الخلاص عن الرياء، الذي هو في غاية من الخفاء؛ كدبيبِ النَّملة على الصَّخرةِ السَّوداء، في الليلةِ الظَّلماء. وحاصل الكلام، ومجمل المرام، في هذا المقامِ: أَنَّ الخَلَقَ كلَّهم هَلْكَى إلَّا العالمون، والعالمونَ كلُّهم هَلْكَى إِلَّا العامِلُونَ، وَالْعَامِلُونَ كلُّهم هَلْكَى إِلَّا المُخلصون، والمُخْلِصونَ على خطر عظيم. رزقنا الله العلمَ النَّافِعَ، ووفقنا للعملِ الصَّالح، وجعلنا من المخلصين، ورُفَّينا إلى مرتبة المخلصين، وختم لنا بالحُسنى، وبلغنا المقامَ الأسنى، مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَبِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: ??? - ???].
&&&
تزيين العبارة لتحسين الأشارة
تأليف العلامة
الملاعلي القاري
توفي سنة (1014هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
رب زدني علماً يا كريم
الحمد لله الذي هدانا للتَّوحيد، وأشارَ لنا إلى معنى التفريد، والصَّلاةُ
والسَّلامُ على مَن أظهرَ العَجْزَ عن القيام بتمامِ التَّحْميد)، وعلى آله وأصحابه أرباب الطريق الشديد.
أما بعد:
فيقولُ المُلتجِيُّ إلى كرَمِ رَبِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِيْ: إِنَّ هَذِهِ رِسالةٌ مُسْتَمِلَةٌ على تحقيق مسألةٍ، وهي الإشارة بالمُسبِّحة في قراءةِ التّشهدِ حالةَ القعدة، وبيانِ أدِلَّتِها، وتوضيح كيفيَّتِها، ونَقلِ اختلافِ روايتها، وتخليص المُعْتَمَدِ في روايتها ودرايتها، راجياً أن أدخُلَ في سِلْكِ زُمْرَةِ مَن قالَ صلى الله عليه وسلم في حقهم: «مَنْ أَحْيا سُنَّتي فقد أحبَّني، ومَنْ أحبَّني كان معي في الجنَّةِ»، وسميتها بـ:
«تزيين العبارة لتحسين الإشارة»
أمَّا أَدِلَّتها: فمن الكتاب إجمالاً قوله تعالى: {وَمَاءَ الكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا هَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} [الحشر: ?] أي: في إطاعة من سواه، وقد قال سبحانَه مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].
ومنَ السُّنَّةِ: أحاديثُ كثيرة:
منها ذكر صاحِبُ المِشكاة» عن ابن عمر رضي الله عنهما قالَ: كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قَعَدَ في التَّشهدِ، وَضَعَ َيدَه اليُسرى على رُكَبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يده اليمنى على رُكبته اليُمْنَى، وعَقَدَ ثلاثةً وخمسين، وأشار بالسبابة. وفُسِّرَ العَقْدُ المذكورُ: بأن يعقِدَ الخِنْصِرَ والبَنْصِرَ والوُسْطى، ويُرْسِلَ الإبهام إلى أصلِ المُسبحة، وهذا مُختارُ أَئِمَّةِ الشَّافعيّةِ رضي الله عنهم، وسيأتي ما يدل على مُختارِ مَذهَبِنَا السَّادة الحنفية.
قال صاحِبُ المِشكاة»: وفي رواية: كانَ إذا جَلَسَ فِي الصَّلاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ على ركبته، ورَفَعَ إِصْبَعَه اليُمْنَى التي تلي الإبهام، يدعُو بها - أي: يُشيرُ - ويده اليُسرى على رُكبته باسطها عليها، رواه مسلم.
وهذا مُختارُ بعضٍ أَئِمَّتِنا؛ أنَّه يُشيرُ من غيرِ قبض الأصابع.
وذاکرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب، عن أنس هذا الحديث ولا غيره، ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة خمس وتسعين.
قال: وعن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رضيَ الله عنهما قال: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذا قَعَدَ يدعو - أي: يقرَأُ التَّحِيَّاتِ وَضَعَ َيدَهُ اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى، وأشار بإصبَعِهِ السَّبَّابَةِ، ووَضَعَ إبهامه على إِصْبَعِه الوسطى، ويُلِقِمُ كَفَّهُ اليُسْرَى رُكَبَتَه - أي: يُدخِلُ رُكَبَتَه في راحة كفّه اليُسرَى، حَتَّى صارت رُكبته كاللُّقَمَةِ في كفّه، وهذا اختيار بعض أهل العلم - رواه مُسلِمٌ أيضاً.
وعن وائل بن حُجْرٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: وَضَعَ يَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسْرَى، وحَدَّ مِرفَقَه اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، يعني: جَعَلَه منفرداً عن فَخِذِه وقَبَضَ ثنتين - أي: من الأصابع، وهما الخِنْصِرُ والبِنْصِرُ - وحَلَّقَ حَلْقَةً - أي: أخَذَ إبهامه بإصبَعِه الوسطى كالحَلْقَةِ - ثم رفع إصْبَعَه - أي: المُسبِّحة - ورأيتُه يُحرِّكُها - أي: يُشيرُ بها إشارةً واحدةً عندَ الجُمهور وقت الشهادة، وإشاراتٍ مُتَعدِّدةً عند الإمام مالك رضي الله عنه من أَوَّلِ التَّحِيَّاتِ إلى آخره. رواه أبو دوادَ والدَّارِمِيُّ وكذا النسائي.
وهذا الحديثُ مأخَذُ جُمهورِ عُلمائِنا فيما اختارُوهُ من الجمع بينَ القَبْضِ والإشارة، وقالوا: يرفعُ المُسبِّحة عند قول (لا إلهَ»، ويضعها عند قول: «إلا الله»؛ المناسبة الرفع للنفي، وملاءمة الوضع للإثبات، حتى يُطابق القول الفعل في التَّوحيدِ والتَّفريد.
وعن عبد الله بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما قالَ: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُشيرُ بِإصْبَعِهِ إِذا دَعا ولا يُحركها. رواه أبو داود والنسائي، وقالَ النَّووِيُّ: إِسناده صحيح.
وهذا يدلُّ على أنه لا يُحرِّكُ الإِصْبَعَ إذا رفعها للإشارة إلَّا مَرَّةً، وعليه جمهور العلماء، ومنهم الإمام الأعظم، خلافاً للإمام مالك رضي الله عنهما على ما سبق.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يدعو بإصْبَعَيْه، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَحدٌ أَحَدٌ» - بكسر الحاءِ المُشدَّدَةِ، أَمرٌ كُرِّرَ للتأكيد بالوَحْدَةِ من التوحيد دائماً؛ أي: أشر بإصبع واحدةٍ؛ لأنَّ الذي تدعوه واحد، وأصله: «وَحَدْ»، قُلِبَتِ الواو همزة - رواه الترمذي والنسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ.
وعن نافع قال: كانَ عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ـ إذا جَلَسَ في الصَّلاةِ وَضَعَ يديه على رُكبتيه، وأشار بإصبَعِه، وأتبَعَها بَصَرَه، ثمَّ قالَ: قالَ رسولُ الله: أشدُّ على الشَّيطانِ من «الحديد، رواه أحمد.
ومعنى الحديث: أَنَّ الإشارة بالمُسبحة أصعَب على الشَّيطانِ من استعمالِ الحديد من السلاح في الجهادِ، فكأنَّه بالإشارة إلى التَّوحِيدِ يقطَعُ طَمَعَ الشَّيطانِ من إضلاله ووقوعه في الشركِ.
فهذا ما ذكره صاحِبُ «المشكاة» من الأحاديث في هذا الباب، وقد أَوْضَحْتُ معانيها ومبانيها في الكتابِ المُسمَّى بـ «المِرقَاةِ المِشْكاةِ» في شَرْحِي عليها. وقد جاءَ الحديثُ بطرق كثيرة، منها:
عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا جَلَسَ في الصَّلاةِ، وَضَعَ كَفَّه اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، وقَبَضَ أصابعه كلَّها، وأشارَ بإِصْبَعِهِ الَّتِي تلي الإبهام، ووَضَعَ يَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى. رواه مسلم، ومالك في «المُوطَّأ»، وأبو داود، والنسائي.
وقال الباجِيُّ: رَوى سُفيانُ بنُ عُيِّينَةَ هذا الحديث عن مُسلمِ بنِ أَبِي مَريم، وزادَ
فيه: وقالَ: «هي مِذَبَّةُ الشَّيطانِ، لا يسهو أحدُكُم ما دامَ يُشيرُ بِإصْبَعِه». قال الباجِيُّ: ففيه أنَّ معنى الإشارة دفعُ السَّهو وقَمْعُ الشَّيطانِ الذي يُوَسوِسُ
وقيل: إنَّ الإشارة معناها التَّوحيد، ذكره السُّيوطي.
أقولُ: لا منافاة بينهما، بل الجَمعُ الحقيقي أنَّ كونَ معناها التَّوحيد هو السَّبَبُ
لقمعِ الشَّيطانِ عن الوَسوَسةِ، وإيقاعِ المُؤْمِنِ في السَّهِوِ والغَفْلَةِ.
وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أيضاً أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يده اليُمْنَى على رُكَبَتِه، ورَفَعَ إِصْبَعَه اليُمْنَى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليُسرى على ركبته باسطها عليها. رواه مسلم والترمذي والنَّسائِيُّ.
عنه أيضاً: قلتُ: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ قال: هكذا، ونَصَبَ اليُمْنَى وأَضْجَعَ اليُسرى، وجَعَلَ يده اليمنى على فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ.
وفي أُخرى له نحوه قال: وكيف كان يصنع؟ قال: فوضَعَ يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ويده اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرَى، وأشارَ بالتي تلي الإبهام إلى القبلة، ورَمَى ببَصرِه إليها، ثمَّ قالَ: هكذا رأيتُ رسولَ الله لا يفعله.
وعن عبد الله بنِ الزُّبَيرِ رضي الله عنهما: أَنَّه وضَعَ يده اليسرى على رُكَبَتِه اليُسرى، ووَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، وأشار بإصبَعِه. رواه أبو داود والنسائي.
وعنه رضيَ الله عنه: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا جَلَسَ فِي الشَّتَينِ أو في الأربعِ يَضَعُ يده على رُكَبَتِه ثُمَّ أَشار بإصبَعِه.
وعن وائل بن حُجْرٍ رضي الله عنه: أنَّه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جَلَسَ فِي الصَّلاةِ، فافتَرَشَ رِجلَه اليُسْرَى، وَوَضَعَ ذِراعَيه على فَخِذَيه، وأشارَ بالسَّبَّابة يدعو. رواه النسائي. وفي رواية لأبي داودَ والنَّسائِي: وحَلَّقَ حَلْقةً.
وفي رواية: حَلَّقَ الإبهام والوُسْطَى، وأشارَ بالسَّبَّابة.
وعنه أيضاً: ثمَّ وَضَعَ َيدَه اليُسْرَى على رُكبته اليُسْرَى، وَوَضَعَ ذِراعَهُ الْيُمْنَى على فَخِذِهِ اليُمْنَى، ثمَّ أشار بسبابته، ووَضَعَ الإبهام على الوسطى، وحلَّقَ بها، وقَبَضَ سائر أصابعه. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعنه أيضاً: وَضَعَ مِرْفَقَه الأيمنَ على فَخِذِه الأيمن، وعَقَدَ أصابعه، وجَعَلَ حَلْقَةً بالإبهام والوسطى، ثمَّ جَعَلَ يدعو بالأخرى. رواه أبو يعلى.
وفي رواية له: وقَبَضَ ينتَينِ، وحَلَّقَ حَلْقَةً فِي الثَّالثة.
وعن أبي حُمَيدِ السَّاعِدِيّ رضي الله عنه قال: أنا أَعلَمُكم بصلاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فذَكَرَ حديثاً طويلاً، وفيه: وَضَعَ كفَّه اليُمْنَى على رُكبته اليُمْنَى، وكفَّه اليُسْرَى على رُكَبَتِه اليُسْرَى، وأشار بإصبَعِه. رواه أبو داود.
وعنه: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جَلَسَ في الصَّلاةِ فِي الرَّكعَتَينِ الأُولَيَينِ، نَصَبَ قَدَمَه اليُمْنَى، وافترشَ اليُسرى، وأشار بإصبَعِه التي تلي الإبهام، وإذا جَلَسَ في الأُخْرَيَيْنِ أفضَى بمَقعَدَتِه الأرضَ ونَصَبَ اليُمْنَى. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
قال:
وعن عاصِمِ بنِ كُلَيبٍ رضي الله عنه، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُصلِّي وقدْ وَضَعَ يدَه اليُسْرَى على فَخِذِهِ اليُسْرَى، ووَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، فَقَبَضَ أصابعَه وبَسَطَ السَّبَّابَةَ، وهو يقولُ: «يا مُقلبَ القُلوب ثبت قلبي على دينك». رواه الترمذي.
وروى أبو يعلى نحوَه، وقال: فيه بدلَ بَسَطَ»: «يُشيرُ بالسَّبَّابة». وعن نُمَيرِ الخُزاعِيُّ رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واضِعاً ذِراعَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى في الصَّلاةِ يُشيرُ بِإِصْبَعِه. وعنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً ذِراعَه اليُمْنَى رافِعاً إِصْبَعَه السَّبَّابَةَ قد حناها شيئاً؛ أي: أمالَها شيئاً يسيراً. رواه أبو داود والنسائي
وعن خُفاف الغِفارِيِّ رضي الله عنه قال: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا جَلَسَ في آخر صلاته، يُشير بإصبَعِهِ السَّبَّابَةِ. رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الكبير»، ورجاله ثقات. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّ جُزءاً من سبعينَ جُزءاً مِنَ النُّبُوَّةِ تأخيرُ السُّحور، وتبكيرُ الإفطار، وإشارةُ الرَّجُلِ بإصبعه في الصَّلاةِ». رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعن مُعاذِ بنِ جَبَلِ رضيَ اللهُ عنه: كانَ إِذا جَلَسَ في آخر صلاته، اعتمد على فَخِذِه اليُسرى، ويده اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ويُشيرُ بإصبَعِه إذا دَعا. رواه الطّبرا «الكبير».
وعن بِشْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابن عمر رضي الله عنهما يقولُ: إِنَّ رَفْعَكُم أَيدِيَكُم في الصَّلاة لَبِدعَةٌ، والله ما زادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا؛ يعني بإصبعه. رواه ابن أبي شيبة. وعن ابنِ التَّميمي قالَ: سُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن تحريكِ الرَّجُلِ
إصْبَعَه في الصَّلاةِ، فقالَ: ذلك الإخلاص. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما مرفوعاً: «تحريكُ الإِصْبَعِ فِي الصَّلَاةِ مَذْعَرَةٌ للشَّيطانِ»؛ أي: آلَةُ تَخويف للشَّيطانِ. رواه البَيْهَقِيُّ
وفي «الجامع الصغيرِ»: كانَ يُشيرُ في الصَّلاةِ. رواه أحمد، وأبو داود الله عن أنس رضي الله عنه عنه.
وفي «الجامع الكبير» عن عُقبَةَ بنِ عامرٍ رضيَ اللهُ عنه: يُكتَبُ في كلِّ إشارةٍ يُشيرُ الرَّجُلُ في صلاتِه عَشْرُ حَسَناتٍ، بكلِّ إصْبَعِ حَسَنةٌ. رواه الحاكِمُ في «تاريخه». وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبْزَى: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته هكذا، وأشار بإصبَعِهِ السَّبَّابة. رواه عبدُ الرَّزَّاقُ.
وعن وائل بنِ حُجْرٍ رضي الله عنه: رَمَقْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فرفَعَ يديه في الصَّلاةِ حِينَ كبر ... إلى أن قالَ: ثمَّ جَلَسَ فافتَرَشَ رِجْلَه اليُسْرَى، ثمَّ وَضَعَ يَدَه اليُسرى على رُكبته اليُسرى، ووَضَعَ ذِراعَه اليُمنى على فَخِذِه اليُمنى، ثمَّ أَشَارَ بِسبَّابَتِهِ وَوَضَعَ الإِبهام على الوُسْطَى، وحَلَّقَ بها وقَبَضَ سائر أصابعه. رواه عبدُ الرَّزَّاقِ.
وعنه أيضاً: فلما فَعَدَ يتشَهَدُ فَرَشَ قَدَمَه اليُسرى الأرضَ، وجَلَسَ عليها، ووَضَعَ كَفَّه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى، ووَضَعَ مِرفقه الأيمن على فَخِذِه اليمنى، وعَقَدَ أصابعه، وجَعَلَ حَلْقَةً بالإبهام والوُسْطَى، ثمَّ جَعَلَ يدعو بالأخرى.
رواه سعيد بن منصورٍ في «سُنَنِه». وروى البيهقي وابن ماجه بإسناد صحيح: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَقَدَ الخِنْصِرَ وَالبِنْصِرَ، ثمَّ حَلَّقَ الوُسْطى والإبهام. فهذه أحاديث كثيرةٌ بطرقٍ مُتَعدّدةٍ شهيرة، فلا شك في صِحَّةِ أصل الإشارة؛ لأنَّ بعض أسانيدها موجود في «صحيح مسلم». وبالجملة فهو مذكور في الصّحاحِ السِّتّ وغيرها؛ ممَّا كادَ أن يصير مُتواتِراً، بل يصح أن يُقالَ: إِنَّه مُتواتر معنى.
فكيف يجوزُ المُؤمن بالله ورسوله أن يَعدِلَ عن العمل به؟ ويأتي بالتعليل في معرضِ النَّص الجليل، مع أنَّ ذلك التعليلَ مدخول صَدَرَ من العليلِ، وهو ما قيلَ نَقْلاً عن بعض المانعين للإشارة بأنَّ فيها زيادة رفع لا يُحتاجُ إليها، فيكونُ التَّركُ أولى؛ لأنَّ مَبَنَى الصَّلاةِ على الوَقارِ والسَّكينة.
وهو مَردودٌ بأنَّه لو كانَ التَّركُ، أولى، لما فعله له، وهو على صفة الوَقارِ والسَّكينة في المقام الأعلى، ثم لا شكّ أنَّ الإشارة إلى التفريدِ معَ العبارة بالتَّوحيد نور على نور، وزيادة على سُرور، فهو مُحتاج إليه، بل مدارُ الصَّلاةِ والعبادةِ والطَّاعَةِ عليه. وعلل بعضُهم بأنَّ فيها موافقة فرقة الرافضة، فكان تركه أولى؛ تحقيقاً للمُخالفة. وهو أيضاً ظاهِرُ البطلانِ من وُجوه:
أمَّا أَوَّلاً: فلأنَّ عامَّتَهم على ما نُشاهِدُهم في هذا الزَّمن لا يُشيرونَ أصلاً، وإِنَّما يُشيرون بأيديهم عندَ السَّلامِ، ويَضْرِبُونَ على أفخاذهم تأسفاً على فوات الإسلام، فينقلِبُ التَّعليلُ عليهم حُجَّةً لنا.
وأما ثانياً: فلأنَّه على تقديرِ صِحَّةِ النِّسبة إليهم؛ فلأنَّ كلَّ ما يفعلونه نحنُ مأمورون بمخالفتهم حتَّى يشمل أفعالهم المُوافِقَة للسُّنَّةِ، كالأكل باليمنى ونحوِ ذلك، بل المُستَحَبُّ تركُ مُوافقتهم فيما ابتدَعُوه وصارَ شِعاراً لهم، كما هو مُقرَّر في المذهب؛ كوضعِ الحَجَرِ فوقَ السَّجَّادة؛ فإنَّه وإن كانتِ السَّجدة على جنس الأرض أفضل باتفاق الأئمة مع جوازها على البساطِ والفَرْوِ ونحوهما عند أهلِ السُّنَّةِ، لكنَّ وَضْعَ نحوِ الحَجَرِ والمَدَرِ بدعةُ ابْتَدَعوها، وصارَ علامةً لمَعشَرِهم، فينبغي الاجتناب عن فعلهم لسببين:
أحدهما نفس موافقتهم في البدعة؛ كما وَرَدَ في الحديث: «خالِفُوا اليهود والنصارى».
وثانيهما: رفع التهمة، وقد وَرَدَ: «اتَّقُوا مواضِعَ التُّهَم».
ونظيره الوقوف للدُّعاءِ في المُستَجارِ؛ فإنَّه صارَ من ذلك الشَّعارِ، وكذا الخُروجُ من مكَّةَ إِلى يَلَمْلَمَ للإحرامِ خارِجَ الحَرَمِ، مَعَ الاتِّفَاقِ على جوازِ ما ذُكِرَ عندَ أربابٍ العلم وأصحاب الحكم، بخلاف ما إذا شاركونا في سُنَّةٍ مُستمِرَّةٍ؛ كالخُروج لإحرامِ العُمرة إلى التنعيمِ والجِعْرَانَةِ. والحاصِلُ: أَنَّ مُخالَفَةَ المُبتدعة في الأمرِ المُباحِ يُستَحسَنُ زَجْراً لهم، ورجوعاً إلى الصَّلاحِ، وأمَّا الإشارة المذكورة الثابتة على نَهجِ الصَّوابِ: فليست من هذا الباب.
ثمَّ من أدلَّتِها الإجماعُ؛ إذ لم يُعلَمُ من الصَّحابة ولا من عُلماءِ السَّلَفِ خِلافٌ في هذه المسألة، ولا في جَوازِ هذه الإشارة، ولا في تصحيح هذه العبارة. بل قال به إمامنا الأعظَمُ وصاحباه، وكذا الإمام مالك والشافعي وأحمد، وسائر علماء الأمصار والأعصارِ، على ما وَرَدَ به صحاحُ الأخبار والآثارِ.
وقد نص عليه مشايخنا المُتقدِّمون والمُتأخّرون، فلا اعتداد لما عليه المُخالِفون، ولا عبرة لما ترك هذه السُّنَّةَ الأكثرون من سُكَانِ ما وراء النَّهْرِ وأَهلِ خُراسان والعِراقِ والرُّومِ وبلادِ الهندِ ممَّن غَلَبَ عليهم التقليد، وفاتَهُم التَّحقيقُ والتَّأييدُ، من التَّعَلُّقِ بِالقَولِ السَّدِيدِ.
هذا؛ وقد ذكر الإمامُ محمَّدٌ في «مُوَطَّيَّه»: أخبرنا مالك، أخبرنا مُسلِمُ بنُ أَبي مريم، عن عليّ بنِ عبدِ الرَّحْمنِ المُعَاوِيِّ، أَنَّه قال: رآني عبد الله بنُ عُمَرَ وأنا أعبَتُ بالحَصَا في الصَّلاةِ، فلما انصرَفْتُ نهاني، وقالَ: اِصْنَعْ كما كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصنَعُ، فقلتُ: كيف كانَ رسول الله الله يصنَعُ؟ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كفَّه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، وقَبَضَ أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووَضَعَ كَفَّه اليُسرى على فَخِذِهِ اليُسرى.
قال محمد: وبصنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخُذُ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله انتهى
وهذا صريح بأنَّ الإشارة مَذهَبُ أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ومفهومه أنَّ أبا يوسف مُخالِفُ لِما قامَ عنده من الدَّليل، وما ثَبَتَ لديه من التَّعليل، الله أعلم بصحته، وإن لم يكن لنا معرفة بثبوته؛ لكِنْ نقَلَ الشُّمُنِّيُّ صاحبُ شَرحِ مُختصر الوقاية أنَّه ذكر أبو يوسف في «الأمالي» أَنَّه يعقِدُ الخِنْصِرَ وَالبِنْصِرَ ويُحلَّقُ الوُسْطَى والإبهام ويُشيرُ بالسَّبَّابة، انتهى.
فتَحَقَّقَ أنَّ الإمام أبا يوسُفَ أيضاً ذهب إلى الإشارة، فيَتَحَصَّلُ أَنَّ المذهب الصَّحيحَ المُختار إثباتُ الإشارة، وأنَّ روايةَ تَركِها مرجوحةٌ متروكة.
قال الإمامُ المُحقِّقُ كمالُ الدِّينِ بنُ الهُمامِ من أَجَلِّ شُرَّاحِ «الهداية»: في «صحيح مسلم كان إذا جَلَسَ في الصَّلاةِ، وَضَعَ كَفَّه اليُمْنَى على فَخِذِهِ، وقَبَضَ أصابعه كلَّها، وأشار بإصبَعِه التي تلي الإبهام، ووَضَعَ كفّه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى. ولا شكّ أنَّ وَضْعَ الكفَّ معَ قَبْضِ الأصابع لا يتحقَّقُ حقيقةً، فالمُراد ـ والله أعلَمُ - وَضْعُ الكفّ، ثمَّ قَبضُ الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المَروِيُّ عن محمَّدٍ في كيفية الإشارة، حيثُ قالَ: يقبضُ خِنْصِرَه وبِنْصِرَه والَّتي تليها، ويُحلِّقُ الوُسْطَى والإبهام، ويُقيمُ المُسَبِّحة.
وكذا عن أبي يوسف في «الأمالي»، وهذا فرغ تصحيح الإشارة، وعن كثير من المشايخ: لا يُشيرُ أصلاً، وهو خِلافُ الرواية والدراية. فعن محمد رحمه الله: أنَّ ما ذكره في كيفيَّةِ الإشارة بما نقلناه قول أبي حنيفة، ويُكرَهُ أَن يُشير بمُسبِّحتَيهِ، وعن الحُلْوانِي: يُقيمُ الإصْبَعَ عندَ: «لا إله»، ويضَعُ عندَ إلا الله»؛ ليكونَ الرَّفعُ للنَّفي، والوَضْعُ للإثباتِ، انتهى كلامه.
وقال السغناقي: قد نصَّ محمَّدٌ على هذا؛ يعني: الإشارة بالمُسبحة في كتاب «المشيخة»، وروى فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يفعل ذلك، ثمَّ قَالَ: نحن نصنع بصنيع رسول الله، ونأخُذُ بفعله، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وقولنا، ثم ذكر كيفية الإشارة كما ذكره ابن الهمام عن محمد، وأسندها إلى أبي جَعْفَرِ الهُندُوانِيُّ.
وفي «الخانِيَّةِ»: الإشارة عند قوله: «لا إله إلا الله» لا خلاف فيه.
إمام الحنفية في وقته ببخارى عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، المعروف بشمس الأئمة الحلواني؛ نسبة لبيع الحلوى و صاحب المبسوط»، حدَّث عن أبي عبد الله غُنجار، وتفقه على جماعة، توفي سنة ثمان، أو تسع وأربعين وأربع مئة بـ: «كش»، ودفن ببخاري. انظر: «تاج التراجم» لا بن قطلوبغا (ص ???).
وفي المُلْتَقَطِ»: عن أبي نَصْرِ بنِ سلام: ليس في الإشارة اختِلافُ العلماء. وفي «الزَّاهِدِي»: اتَّفَقَت الرواياتُ عن أصحابنا الثلاثة جميعاً أَنَّه سنّة، وكذا عن المَدَنِيِّين والكُوفِيِّين، وكَثُرَت به الأخبار والآثارُ، فكانَ العَمَلُ به أَولى، وكذا نَقَلَ السَّرُوحِيُّ عن أصحابنا، وكأَنَّهم ما اعتبروا خِلافَ مَن خالف، ولم يعتَدُّوا برواية المخالف؛ لمخالفته الآثارَ الصَّحيحة، والرواياتِ الصَّريحة. وفي «مختاراتِ النَّوازِلِ» لصاحب الهداية»: الإشارة عند قول «لا إلهَ إلا الله».
وفي شرح «المجمع» لابنِ مَلَكِ: قال صاحِبُ مُنيَةِ المُفتي: رَفعُ السَّبَّابَةِ اليُمنى في التّشهد عندَ التَّهليل مكروه، لكِنْ في «المُحيطِ» أَنَّه سُنَّةٌ حَسَنٌ يرفعها عندَ النَّفي، ويضَعُها عند الإثباتِ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وكَثُرَت به الأخبار والآثارُ، فالعَمَلُ به أولى.
وقد قال صاحِبُ مَواهِبِ الرَّحمنِ في متنه: ووَضَعَ يَدَيْهِ على فَخِذَيه، وبَسَط أصابعه وأشار في الصحيح.
ثمَّ المُعْتَمَدُ عندَنا: أنَّه لا يعقِدُ يُمناهُ إِلَّا عندَ الإشارة؛ لاختلافِ ألفاظ الحديثِ وأصنافِ العبارة، وبما اخترناه يحصُلُ الجَمعُ بينَ الأَدلَّةِ؛ فإِنَّ بعضها يدلُّ على أَنَّ العَقْدَ من أوَّلِ وَضْع اليد على الفَخِذِ، وبعضها يشير إلى أنْ لا عَقْدَ أصلاً، معَ الاتِّفَاقِ على تحقيق الإشارة، فاختار بعضُهم أنه لا يعقِدُ ويُشيرُ، وبعضُهم أَنَّه يعقدُ عندَ قَصدِ الإشارة، ثم يرجع إلى ما كان عليه.
والصَّحيحُ المُختارُ عندَ جُمهور أصحابنا: أنَّه يَضَعُ كَفَّيه على فَخِذَيه، ثمَّ عندَ وصوله إلى كلمةِ التَّوحيد يعقِدُ الخِنصِرَ والبِنْصِرَ، ويُحلَّقُ الوُسْطَى والإبهام ويُشيرُ بالمُسبِّحةِ رافعاً لها عندَ النَّفي، وواضعاً لها عندَ الإثباتِ، ثمَّ يستمر على ذلك؛ لأنَّه ثَبَتَ العَقْدُ عند الإشارة بلا خلاف، ولم يوجد أمر بتغييره، فالأصل بقاءُ الشَّيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخر أمرِه وماله إليه.
هذا؛ وقال شارح «المُنيَةِ»: وهل يُشيرُ بالمُسبِّحة عندَ الشَّهادةِ؟ عندنا فيه اختلاف، صحَّحَ في «الخُلاصة» و «البَزَّازِيَّة»: أنَّه لا يُشيرُ، وصحَّحَ شُرَّاحُ «الهداية» أَنَّه يُشيرُ، وكذا في «المُلْتَقَطِ» وغيرِه.
وصفتها: أن يُحلّق من يده اليمنى عندَ الشَّهادةِ الإبهام والوُسْطَى ويقبضَ البِنْصِرَ والخِنْصِرَ ويُشير بالمُسبحة، أو يعقد ثلاثة وخمسين؛ يعني كالمُشير إلى هذا العدد بأن يقبضَ الوسطى والبنصِرَ والخِنْصِرَ وضَعَ رأسَ إبهامه على حَرْفِ مِفْصَلِ الوسطى، ويرفعُ الأُصْبُعَ عندَ النَّفي، ويَضَعُها عندَ الإثباتِ، انتهى
وهو يُفيدُ التَّخيير بين نوعي الإشارةِ الثَّابِتَينِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول حَسَنٌ، وجَمعٌ مُستَحْسَنُ، فينبغي للسَّالكِ أن يأتي بأحدهما مرَّةً وبالآخَرِ أُخرَى، فَإِنَّه بالتَّحرِّي أَحْرَى.
ثمَّ قال في مَتنِ «مُنيَةِ المُصلِّي»: ويُشيرُ بالسَّبَّابَةِ إذا انتهى إلى أُولى الشَّهادتين. وقال في «الواقِعاتِ»: لا يشيرُ. قالَ الشَّارحُ: والأَوَّلُ هو المُختار على ما قدمناه، انتهى.
وقد أَغْرَبَ الكيدانِيُّ حيثُ قال: والعاشِرُ من المُحرَّماتِ: الإشارةُ بالسَّبَّابَةِ، كأهل الحديثِ؛ أي: مثل إشارة جماعة يجمعهم العِلمُ بحديث الرسول الالالالال. وهذا منه خطأ عظيمٌ وجُزمٌ جَسيم، مَنشَؤُه الجهل عن قواعد الأصول ومراتب الفروع والنُّقول)، ولولا حُسنُ الظَّنِّ به وتأويل كلامه، لكانَ كُفره صريحاً، وارتداده صحيحاً. فهل يحِلُّ لَمُؤمن أن يُحرِّمَ ما ثَبَتَ بِفِعِلِهِ صلى الله عليه وسلم ممَّا كَادَ نقله أن يكونَ مُتواتِراً، ويمنع جواز ما عليه عامَّةُ العلماء كابراً عن كابر مُكابراً؟ والحالُ أنَّ الإمامَ الأَعظَمَ والهمامَ الأقدَمَ قالَ: لا يحلُّ لأحدٍ أن يأخُذَ بقولنا ما لم يعرِفُ مَأخَذَه من الكتاب أو السُّنَّةِ أو إجماع الأمة والقياس الجلي في المسألة.
وقال الشافعي: إذا صح الحديث على خلاف قولي، فاضربوا قولي على الحائط، واعملوا بالحديث الضابط.
فإذا عرفت هذا، فاعلم أنه لو لم يكُنْ نصّ للإمام على المَرامِ لكَانَ من المُتعَيِّنِ على أتباعه من العُلماءِ الكِرامِ فَضْلاً عن العوام أن يعمَلُوا بما صَحَّ عنه، وكذا لو صَحَّ عن الإمامِ فَرَضاً نفي الإشارة، وصحَ إثباتها عن صاحبِ البشارة، فلا شكّ في ترجيح المُثبتِ المُسنَدِ إليه، كيف وقد طابَقَ نقله الصريح لما ثبت عنه بالإسنادِ الصَّحيح؟! فمَن أنصَفَ ولم يتَعَسَّفْ عَرَفَ أنَّه هذا سبيلُ أهلِ التَّدينِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، ومَن عَدَلَ عن ذلك فهو هالِكٌ بوَصفِ الجاهل المُعاند المُكابر، ولو كان عندَ النَّاسِ من الأكابر. وغاية ما يُعتَذَرُ عن بعض المشايخ حيثُ مَنَعوا الإشارة وذهبوا إلى الكراهة عدم وصول الأحاديث إليهم، وقد رَأَوا ورود اختِلافِ فعلها وتركها عليهم، فظنُّوا أنَّ تركها أولى؛ لقاعدة هي في أصلها صحيحة وإن كان نسبتها إلى هذه المسألة غير صحيحة، وهي أنَّه إذا اجتَمَعَ دليلُ المُبيح والمُحرِّم يُرَبَّحُ جانبُ المنع احتياطاً لاجتِنابِ المَنْهِيِّ عنه مِمَّا وَرَدَ من السَّمَعِ.
ولعل المأخَذَ قوله: ما نَهَيْتُكُم عنه فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُم به فافعَلُوا منه ما استَطَعْتُم.
لكن من المعلومِ أنَّ ما نحن فيه ليس من هذا المفهوم؛ إذ لم يرد نص من الشارع يدلُّ على نهي الإشارة، بل ثبت عنه على أصح العبارة. فالجاهل بالأخبارِ النَّبوِيَّةِ والآثارِ المُصطَفَوِيَّةِ، لَمَّا رَأَى أَنَّ بعضَ النَّاسِ يُشيرون عَمَلاً بالسُّنَّةِ، وبعضهم يتركون الإشارة إما للجَهْلِ أو الكَسَلِ أو الغَفْلَةِ، فقال: تركُها أولى؛ لأنَّها زيادة في المبنى على أصل المعنى.
فجاء بعده غيره، وقال: هي مكروهة، وأرادَ أَنَّها كراهة تنزيه، لكن لم يجعل عليه من تنبيه، فتوهم من بعدهم أنَّه حرام، وحَسِبَ أنه في الدِّينِ العظيم؛ بناءً على أنَّ الكراهة إذا أُطلقت، فهي كراهة تحريم.
ثم قال من بعده: ما كُرِه فهو حرام عندَ محمد، لا سيما وهوَ مُتعلق بعبادة الأحد.
فانظر كيف تدرَّجَ الجَهلُ، وتركَّبَ في نظر العقل العاري عن النقل، إلى أَنْ جَعَلَ السُّنَّةَ المشهورة من الأُمورِ المَنهيَّةِ المُحَرَّمَةِ المَهجورة! فاعلَمْ أَنَّ تعريف الحرام: ما ثَبَتَ نَهيه بالدليل القطعِيِّ من الكتابِ أو السُّنَّةِ، ومن القواعدِ المُقرَّرة أنَّ تحريم المُباحِ حرام، فكيف تحريمُ السَّنَّةِ الثابتة عنه؟ إذ يكفي في مُوجب تكفير الكيداني إهانة للمُحَدِّثين الذين هم عُمدَةُ الدِّينِ المَفهوم من قوله: كأهل الحديثِ المُفضِيَةِ إِلى قِلَّةِ الأَدبِ المُفضي لسوء الخاتمة؛ إذ من المعلومِ أنَّ أهلَ القُرآنِ أهل الله، وأنَّ أهلَ الحديث أهل رسول الله، وأنشد في هذا المعنى: أهل الحديث هم أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسَه أَنفاسَهُ صَحِبُوا أماتنا الله على محبَّةِ المُحدِّثين وأتباعهم من الأئمةِ المُجتهدين، وحَشَرَنا مع العلماء العاملين، تحت لواء سيد المرسلين، وصلى الله على سيدنا محمَّدٍ وآله أجمعين.
&&&
التدهين للتزيين
على وجب التبيين
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلماً يا كريم
الحمد لله الذي دلّ على الخيرِ وهَدَى، وأمر بما فيه صلاح الأمر وعن ضده قد نَهَى، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن جَعَلَ اتَّبَاعَه واجِباً على مَن وَرَاءَهُ من الوَرَى، فَمَنِ اتَّبَعَ هَدْيَه فقد اهْتَدَى، ومَنِ امْتَنَعَ عنه فقد ضَلَّ وغَوَى، وعلى آله وأصحابه نُجومِ الهُدَى ورُجومِ الرَّدَى.
أما بعد:
فبعد ما كتبتُ رسالةٌ مُسْتَمِلَةٌ على تحقيق مسألة الإشارة بالمُسبِّحَةِ فِي الصَّلاةِ حالَ الشَّهادة في القَعَدَةِ، وبيَّنتُ أَنَّها ثابتةٌ بأحاديثَ ورَدَتْ فِي السُّنَّةِ، وصَحتِ الرِّوايةُ المُطابقة لها عن أئِمَّتِنا الثَّلاثةِ، وكذا عن بقيَّةِ الأربعةِ، وزَيَّفْتُ كلامَ مَن قَالَ بَتَركِ الإشارة، أو برواية الكراهةِ، وطَعَنْتُ على مَن تعدَّى عن حد الاستقامة بجَعْل الإشارة من الأفعالِ المُحرَّمة؛ كتَبَ إِليَّ بعض علماءِ زماننا ومشايخ أواننا من ذَوِي الفَضائلِ الحميدة، والفَواضِلِ العديدة بما خُلاصَتُه:
إنِّي طالعتُ الرِّسالة المذكورة، واستَفَدْتُ من فوائدها المسطورة، لكِنْ وقَعَت لي شُبهَةٌ في الظَّاهرِ، وأُريدُ رَفعَها عن الخاطر، وهي أنَّه أوقع على الكَيْدَانِي تشنيعاً كثيراً، وطَعْناً كبيراً في القَولِ بالحُرْمَةِ، مَعَ أَنَّه مِن أربابِ العِلْمِ
والحِشمة، فإنَّه وُجِدَ في ظَهْرِ كتابٍ عَتيق أنَّه تصنيف حافِظِ الدِّينِ أبي البركاتِ عُمَرَ النَّسفِيِّ، وكذا أيضاً سُمِعَ من بعض النَّاسِ أَنَّه من تأليفه الوَفِي، والحالُ أَنَّ في الروايات الفقهية، وقعَ اختلاف كثير من العُلَماء الحنفية: ففي «الواقعاتِ»، و «التجنيس»، و «مختاراتِ النَّوازِلِ»، و «المُضْمَراتِ» و «الوَلْوَالِجِيَّ»، و «الفَتاوَى الكُبرى: لا يُشيرُ، وعليهِ الفَتوَى.
وفي شرح الكَنْزِ»: إذا انتهى إلى قوله: «أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، فالمختارُ أَنَّه لا يُشيرُ، كذا في «الواقعاتِ» و «الخُلاصة» وغيرهما.
وفي السمني» و «إيضاح الإصلاح» و «الزيلَعِي وَمُنْيَةِ المُفتي: تُكرَهُ الإشارة، وفي «الظَّهيريَّةِ»: ولا يُشيرُ عندَ قوله: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله. وفي «الكفاية شرح الهداية»: وفي ظاهِرُ الأصول: لا يرفَعُها، وكذا رُوِيَ عن أبي يوسف.
وفي «جَواهِرِ الأَخْلاطِي وفي ظاهر روايةِ الأُصولِ عَدَمُ رَفعها، وهو المروي عن القاضي، والمختارُ الكراهة فيه.
وفي «العتابيَّةِ»: ولا يُشيرُ بالسَّبَّابَةِ عندَ التَّشهدِ، وهو المُختارُ.
وفي «الغياثية»: هو المُختار وعليه الفتوى.
ومن هذا القبيل ورَدَتْ روايات أُخَرُ.
وأيضاً من المعلومِ أنَّ بعضهم قال: كلُّ مَكروه حرام، فيحتمل أَنَّ الكَيدانِيَّ ذهَبَ إلى هذا المذهَبِ.
وأيضاً من المُقرَّرِ أَنَّ تحريمَ الحَلالِ وتحليل الحرامِ كُفْرُ إِنَّما هو في الأمرِ المُتَفَقِ عليه، لا في الفُرُوعاتِ المُختلفَةِ في المذهب. والغَرَضُ من العَرْضِ أَن يُتَأمَّل في هذا الباب، ويُكتَبَ المُرجّحُ في الجواب على وَجهِ الصَّوابِ.
فأقول وبالله التوفيق وبيدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق: إِنَّ مُجْمَلَ الكلامِ في مَقامِ المَرامِ هو أنَّ ما نُقِلَ عن المشايخ فهو خِلافُ الرّواية والدراية، على ما صَرَّحَ به الإمامُ المُحقِّقُ ابنُ الهُمامِ في «شرح الهداية».
وتوضيحه: أنَّ رِواية الإشارة ثابتةٌ عن أئمَّتِنا الثَّلاثةِ على وَجهِ الصَّراحةِ، فما قالَ غيرُهم خلافُ روايةِ السَّلَفِ المُتقدِّمين، وإنَّما هو من اختياراتِ بعض الخَلَفِ المُتأخرين، معَ أَنَّها مُتعارِضَةٌ، والعِباراتُ مُضطَرِبَةٌ ومُتناقِضَةٌ، وَأَمَّا خِلافُ الدِّرايةِ:
فلأنَّ الإشارة ثبَتَتْ بالأحاديثِ النَّبويَّة، واتَّفَقَت عليه كلمةُ الأئمة الإسلامية. ثم نقولُ: القائِلُ بِعَدَمِ الإشارة هل هو يدَّعي الاجتهادَ المُطلق، أو الاجتهاد في المذهب المُحَقِّقِ؟!
ولا سبيل إلى الأوَّلِ على ما عليه المُعوَّلُ، وعلى تقديرِ التَّنَزُلِ فيُقالُ: أخطأ في اجتهاده حيثُ خالَفَ السُّنَّة وإجماع علماء الأمة، فلا يجوز تقليده؛ لقوله: «مَن أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدُّ.
وإن كان هو مُجتَهِداً في المذهَبِ، فمَحَلُّه إِنَّما هو إذا لم تكن المسألة منصوصة، فتخرج على مقتضى قواعد أصول إمام المذهب وفروعه المبينة،
قوله: «كفر» ليس في «س».
وعلى سبيلِ الفَرضِ فَغَيرُه أثبَتَ الإشارة، والمُثبِتُ مُقدَّم على النَّافِي، لا سيّما وهو مُؤَيَّد بالأحاديثِ الصَّحيحة.
ثمَّ القائِلُ بأَنَّ الفَتوى على تَرْكِ الإشارةِ مُدَّعِ بِأَنَّه مُجتَهِدُ في المسألةِ، فَمَحَلُّه إذا وُجِدَ عن الإمامِ روايتان، أو عنه روايةٌ وعن صاحبَيهِ رِوايةٌ أُخرَى، فحينَئِذٍ لَه وَجهُ التضحيح، مع أنَّه مُحتاج إلى دليل الترجيح؛ إذ لا يُقبَلُ ترجيح بلا مُرَجّح، ولا تصحيح بلا مُصَرِّح، فلو فُرِضَ وُجود روايتين فالرَّاجِحُ ما وافق الأحاديثَ المُصطَفَوِيَّةَ، وطابَقَ أقوال جمهورِ عُلماءِ الأُمَّةِ، مَعَ أَنَّه مُعارَضُ بقولِ آخرين من المشايخ المُعتبَرين أَنَّ الفتوى على الإشارة، وأنْ لا خلاف في كونها من السُّنَّةِ.
وأما القائِلُ بإثباتِ الكراهة، فقد أبعد عن مرتبةِ النَّزَاهِةِ، فَإِنَّ المَكروه ما ثبتَ النَّهي في حقه معَ المُعارض المُساوِي له بلا ترجيح، وحكمه التَّوابُ بالتَّركِ الله تعالى، وخَوفُ العِقابِ بالفعل، وعدَمُ الكُفر بالاستحلال، ولا شك في عدمِ ورودِ نهي الشَّارِعِ عنه، ولو ادَّعاهُ مُدَّعِ فعليه البيانُ، وعلينا رَدُّهُ بالبرهان.
وأمَّا الاحتمالاتُ الوَهمِيَّةُ والتَردُّدات العقليَّةُ بأنَّه يُحْتَمَلُ أن يكونَ القائِلون برواية تركِ الإشارة، أو وَجهِ الكراهَةِ، وَجَدوا نقلاً عن بعض أَئِمَّتِنَا الثَّلاثةِ، أو ورودِ نهي بالخصوص في كُتُبِ السُّنَّةِ: فهي غيرُ مُعتبرة عند أرباب الاعتبار من أصحابِ الأنظارِ، فَثَبِّتِ العَرْشَ ثمَّ انقُشْ، وأَسرِج السِّراجَ ثُمَّ انكُش.
ومن أكبرِ العَجائب وأظهَرِ الغَرائب أنَّ بعضَ النَّاسِ في هذا الزَّمانِ مَعَ دَعواهُمْ أَنَّهم من فُضَلاء الأوانِ يرضَونَ بتقليد بعض المُقلّدين من غير دليل وبُرهان في الدِّينِ، ويتركون الرواياتِ الصَّريحة عن المجتهدين، المُؤيَّدةَ بالأحاديثِ الصَّحيحة عن سيد المرسلين.
وهل هذا إِلَّا من قبيل ما قال الله تعالى في حقهم: {وَقَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى أَثَرِهِم مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]؟
وأمَّا العامَّةُ الجاهِلَةُ عن معرفةِ الرّوايةِ والدراية: فهم في الجُملة معذورون، فمن تبع عالِماً لَقِيَ الله سالماً، ولذا قال: «ويل للجاهل مرَّةً، وويل للعالم سبع مرات.
وأَمَّا القائِلُ بحُرمتِها المُنفرِدُ بكفايتها المُسَمَّى بِمُلَّا لُطفِ الله النَّسِفِيِّ المَشهور بالفاضِلِ الكَيْدانِي، كما صرَّحَ به شارِحُه مَولانا شمسُ الدِّينِ محمَّدٌ القُهُسْتَانِيُّ، فَقَولُه من أقبَح القَبيحِ، بل منَ الكُفْرِ الصَّريح، حيثُ وَقَعَ مُخالفاً للحديثِ الصَّحيح، ومُناقضاً لقول أئمة المذهب على ما ثبَتَ عنهم بالتصريح، واتَّفَقَ عليه أكثر المشايخ والفُضَلاء، بل انعقد عليه إجماعُ العلماء؛ إذ لا عِبرَةَ بمُخالفة مَن خَالَفَهم من الخَلَفِ من غيرِ نقل وبيان ودليل وبُرهان، بل بالحُكمِ المُجرَّدِ العاري عن الوَجهِ المُؤيَّد.
رواه الخطيب البغدادي في «اقتضاء العلم للعمل) (6?) من قول أبي الدرداء رضي الله عنه، ولفظه: ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة وقال ابن خلاد وويل لمن يعلم ولا يعمل مرة، وويل لمن علم ولم يعمل، سبع مرات، قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء» (?/ ???): وقد يروى ذلك أيضا عن عبد الله بن مسعود موقوفاً عليه أخرج أبو نعيم في ترجمته من طريق معاوية بن صالح، عن عَدِيّ بن عدي قال: قال ابن مسعود: ويلٌ لمَنْ لا يعلم ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم ثم لا يعمل سبع مرات، وقد يروى هذا القول مرفوعاً إلى رسول الله رفعه حذيفة بن اليمان فيما أخرجه الخطيب في كتابه المذكور (64) من طريق أبي أحمد الزبيري قال: حدثنا قيس بن الربيع عن الأعمش، عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان فيما أعلمُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل لمن لا يعلم، وويل لمن يعلم ثم لا يعمل ثلاثاً»، وكذا رفعه سليمان بن الربيع مولى العباس، روى الخطيب بسنده إلى إسماعيل بن عمرو البجلي قال: حدثنا فرج بن فضالة، عن سليمان بن الربيع مولى العباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويل لمن لا يعلم ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات»، وأخرج أبو نعيم في الحلية) (7 / 286) من طريق سفيان بن عيينة قال: سمعتُ الفضيل بن عياض يقول: يُغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد.
ونَقْلُ السَّائِلِ: «كلُّ مَكروهِ حَرام ... » غير مستقيم عند علماء الأنامِ، حيث قال علماء الأصول، ومن جُملَتِهم الكَيْدَانِيُّ في الفَرْقِ بين المكروه والحرام: إنَّ الحرام ما ثبَتَ النَّهي فيه بلا مُعارِض له.
وحُكمُه التّوابُ بالتَّركِ الله عزّ وجَلَّ، والعِقابُ بالفعل، وحُكمه الكفر بالاستحلال في المُتَفَقِ عليه، وأمَّا المكروه فقد قدَّمنا تعريفه.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ المكروه على نوعين: تحريم وتنزيه، واختَلَفُوا في الفَرْقِ بينهما، فعند محمد: أنَّ ما منع عن الفعلِ بدليل قطعِيٌّ فحرام، وبظَنِّي فَمَكروه تحريماً، وما لم يمنع عنه وتَرْكُه أَولى فتَنزِيهُ.
وعندهما: إِنْ منع منه فحرام، وإن لم يمنع منه فإن كانَ إلى الحرام أقرَبَ بأن استَحَقَّ فاعِلُه مَحذُوراً؛ كحِرْمَانِ الشَّفاعةِ دُونَ العُقوبةِ بالنَّارِ، فَتَحريم؛ كَلَحْمِ الفَرَسِ على الصحيح، وإن كانَ إلى الحِلِّ أقرَبَ بأن لم يَستَحِقَّ فاعِلُه مَحذُوراً وأُثيب تارِكُه فتنزيه.
فالمكروه تحريماً وتنزيهاً عندَهُما تنزية عنده، والتحريم عندَه قِسم من الحرام عندهما، وهو ما مُنعَ عنه بدليل ظَنّي. فهذا تفصيل بيان المكروه والمُحرَّمِ عِندَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ.
وقالَ المُحَقِّقُ ابنُ الهُمامِ: الحَرامُ مُقابَل بالفَرْضِ، والمكروهُ تَحريماً مُقابل بالواجب، والمكروه تنزيهاً مُقابَل بالسُّنَّةِ.
فقول القائل: كُلُّ مكروه حرام» باطل قطعاً؛ إذ من جملة المكروهات المكروه التنزيهي، وهو الذي تركه أولى من فعله، فلا يصح إطلاق الحرام عليه على تقدير ثبوتِ الكراهية التنزيهية إلا بطريق المجاز، وهو عُموم المعنى اللُّغَوِيِّ، فإنَّ الحرامَ جَاءَ بِمَعْنَى المَمنوع، وهو في الجُملَة شامِلٌ للتنزيهي والتحريمي والحرامِ القَطعِيُّ كما هو المعلوم.
ومع هذا إذا قالَ شَخص لأمرٍ مُباحِ مُتَّفق عليه فضلاً عن أن يكونَ مُستَحَباً مجمعاً عليه: إنَّه حَرام، ويدعي أنه أراد بالتَّحريم الكراهة التنزيهيَّةَ، فَلا شَكٍّ أَنَّه لا يُقبَلُ قَولُه، فإنَّا نحكُمُ بالظَّواهر، والله أعلَمُ بالسَّرائِرِ.
نعم هو بينه وبين الله غيرُ مُعاقَب عليه، وقد تبين أن مسألتنا هذه ما هي من الفروعاتِ المُختَلَفِ فيها، فإنَّ ما حققنا دلَّ على أَنَّها من المُستَحَيَّاتِ المُتفق عليها، وغايةُ العُذرِ في حق غيره من المشايخ هو أن يُقال: ما وَصَلَ إليهم نقل صريح عن الأئِمَّةِ، ولا بلَغَهم حديث صحيح عن صاحبِ النُّبُوَّةِ. وإلا فكيفَ يَسوعُ لِمُسلم أن يسمَعَ بحديث في «صحيح مسلم»، وغيره من الأُصولِ المُعتبَرةِ والكُتُبِ المُعتَمَدةِ بالطَّرقِ المُختلِفَةِ، عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين، ويدرِي بنَقلِ مثل الإمام محمَّدٍ في «مُوَطَّيَّه» حديثاً صحيحاً ثم يقول: هذا قول أبي حنيفة وقولي؟!
ومع هذا عليه بقيَّةُ العلماء المجتهدين والسَّلَفِ الصَّالحينَ، فَيَعدِلُ عن هذا كله، ويجتَرِئُ على القول بنفي الإشارة وإثباتِ الكراهة بلا حُجَّةٍ ودَلالة. وأَمَّا القَولُ بالتحريم وإن كانَ عُدْرُهُ الظَّاهِرِيُّ أَنَّه جَهل، لكِنْ لا يُقبَلُ هذا العُذْرُ عندَ أربابِ العَدْلِ.
فإذا تبيَّنَ لك المُراد، وظَهَرَ لك طريقُ السَّدادِ، فعليك بمتابعَةِ السُّنَّةِ والاقتداء برواية الأئِمَّةِ، وإِيَّاكَ والنَّظَرَ إِلى خُلْفِ الخَلَفِ معَ مُخالفَتِهم للسَّلَفِ، هَدَانَا اللهُ وإِيَّاكم إلى الطَّريقِ المُستقيم، والمنهج القويمِ.
&&&
إفراد الصلاة عن السلام هَلْ يُكْرَهُ .. أم .. لا؟
تأليف العلامة
الملَا عَلي القَارِي
توفي سنة (1014هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الملكِ المنَّان، الَّذي هدانا للإيمان، وخَصَّنا بالقُرآن، وعمنا بالإحسان، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَتمَّانِ الأَكْمَلان على الجَوهَرةِ الفَاخِرَةِ الطَّاهِرَةِ الظَّاهِرَةِ من مَعِدِنِ عدنان، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه في كل زمان ومكان.
أما بعد:
فيقول أحقَرُ عباد الله الباري علي بن سلطانِ محمد القارِي: إِنَّ الإمام النَّووِيَّ قالَ: (يُكرَهُ إفرادُ الصَّلاةِ عن السَّلامِ)؛ أي: في كلِّ مَقامِ يُصلَّى ويُسلَّمُ على سيد الأنام.
وفي الاستدلال على هذا المَقالِ سَلَكَ مَسلَكَين لتحقيق الحال:
أمَّا مَسلَكُه الأَوَّلُ: فذكَرَهُ صاحِبُ «المواهب» حيثُ قال: (قالَ النَّووِيُّ: يُكرَهُ إفرادُ الصَّلاةِ عن السَّلام، واستدلَّ بورودِ الأمر بهما معاً في الآية؛ يعني: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]
وتعقبوه بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم علَّمَ أصحابه التسليم قبل تعليم الصَّلاةِ، كما هو مُصرَّح به في قولهم: يا رسول الله، قد عَلِمْنا كيفَ نُسلّمُ عليك، فكيفَ نُصلّي عليك؟،
وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد أن علمهمُ الصَّلاةَ والسَّلامَ: (كما عَرَفْتُم)، فأُفِرِدَ التسليمُ مُدَّةً قبلَ الصَّلاةِ عليه.
لكن قال في فَتح الباري»: إنَّه يُكرَهُ أَنْ يُفْرِدَ الصَّلاةَ ولا يُسلَّمَ أصلاً، أمَّا لوصَلَّى في وقت وسلَّمَ في وقت آخر، فإنَّه يكونُ مُمْتَئِلاً؛ يعني: من غير كراهة. وحاصل هذا التَّعقُبِ، وما ذُكِرَ فيه من التّرتُبِ: أَنَّ الواو في الآيةِ لِمُجَرَّدِ الجمعية، لا لإفادة المعيَّة، ولا للدَّلالةِ التَّعقيبيَّة، كما هو مُقرَّرُ في الضَّوابط الأُصوليّةِ والقواعد العربيَّة، فلا دَلالة فيها على الكراهة أصلاً ولا فَرْعاً، فهي كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ} [البقرة: 43]، وكقوله: {وَأَتِمُوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، بل في الجمع بينهما دَلالة واضحة على أنَّهما عِبادتانِ مُستقلتان، لا يتوقَّفُ وُجود إحداهما على الأُخرى.
وأما كون الجمع بينهما أفضل فهو ثابت بالإجماع، ولا يُتصَوَّرُ فيهِ النّزاعُ، ولا يُلتَفَتُ إلى قول بعض المُتَفَقِّهِةِ منَ الشَّافعيّةِ: إِنَّ مُرادَ النَّووِي بالكراهة الكراهة التنزيهيَّةُ الَّتي هي بمعنى خلافِ الأَوْلى؛ فإنَّه حينئذ لا يحتاجُ إلى الاستدلال، ولا يُنسَبُ إليه بالاستقلال.
وأَمَّا مَسلَكُهُ الثَّاني: فقد ذكرَه الشَّيخُ الجَزَرِيُّ في «مفتاح حِصْنِه» ما هذا نصه: وأما الجمعُ بينَ الصَّلاةِ والسَّلامِ فهو الأولى والأفضَلُ والأكمل، ولو اقتَصَرَ أحدٌ، جازَ من غير كراهة، فقد جَرَى عليه جماعةٌ من السَّلَفِ، منهم الإمامُ مُسلِمٌ في أوَّلِ «صحيحه، وهَلُمَّ جَرَّاً، حتَّى الإمامُ وَليُّ الله أبو القاسِمِ الشَّاطِبِيُّ في قصيدَتَيْهِ اللامية والرائية.
وقولُ النووي: وقد نصَّ العلماء، أو مَن نصَّ منهم على كراهة الاقتصار على الصَّلاةِ من غير تسليم. انتهى؛ فليس بذاك؛ فإنِّي لا أعلم أحداً نصَّ على ذلك من العلماء، ولا من غيرِهم، انتهى
وكأَنَّه فَهِمَ من قولِ النَّوَوِيِّ أنَّه أرادَ بقوله: (وقد نصَّ العلماء) أنَّه أرادَ الإجماع على كراهة الإفرادِ، فَنَقَضَه بفعلِ مُسلِمِ والشَّاطِبِيٌّ؛ فإنَّهما من أجلَّةِ العُلماء والقُرَّاءِ، وإلا فلو أرادَ عُلماء مذهبه لما صحَ نَقضُ قولِه بفعلِ مُحدِّثٍ من المُحَدِّثين، أو بِعَمَلِ قارئ من المالكيين. وأيضاً لا يخلو أنَّ النَّوَوِيَّ في هذا المقامِ من دَعوى المَرامِ مُجتهدٌ مُستدِلٌ، فالنقل المجهول في منتهاه لا يصلُحُ لمُدَّعاه؛ فإنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ مثلاً إِذا رَوَى الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُرسَلاً ليس بحُجَّةٍ عندَ الشَّافعيّة، وكذا موقوفاتُ الصَّحابةليست مُعتبرةً عندهم إذا كانت متعارِضَةً، فكيف أقوال غيرهم من العُلماء؟!
أو هو مُقلّد في هذه المسألة لبعض أصحابِ الشَّافعي وسائر الأئمة، فينتقل البحث عنه إليهم، ويَرِدُ الاعتراض عليهم، وهذا بعيدٌ جداً؛ فإِنَّه مشهور بهذا المَقالِ، ومُنفَرِدٌ بهذا الاستدلال، ولذا تعقبوه وعارَضُوهُ، ونقَضُوا كلامه بما ذكرُوهُ.
وعندي أنَّ الإمامَ النَّوَوِيَّ إِنَّما سَلَكَ مَسلَكاً آخر، وهو أَنَّه قال بعضُهم: المُرادُ بقوله: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]: انقادوا له انقياداً، وأَطيعُوهُ فيما يأمُرُكم وينهاكُمُ اعتقاداً، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] وكقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي} [الأحزاب: 56]، بالاقتصار على الصَّلاةِ، وإِلَّا كانَ مُقتضى ظاهرِ المُقابلة أن يُقالَ: يُصَلُّون ويُسَلِّمون على النَّبِيِّ، يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]؛ إذ لا شَكٍّ ولا ريبَ أنَّ سلام الله وملائكته أيضاً واقعانِ عليه، وواصلانِ إليه، وحاصلانِ دائماً لَدَيه. فمَقصودُ النَّوَوِيِّ أنَّ ظاهِرَ الآية هو الأمرُ بالجمع بينهما، بمعنى أنَّه كما أنَّ المُؤمنينَ مَأْمورُون بالصَّلاةِ عليه، فهُمْ مُكلَّفون بالسَّلامِ عليه.
فمَن فَسَّرَ التسليم بمعنى الانقيادِ ولم يقع منهُ السَّلامُ لم يكُنْ مُمتَيْلاً بالآية الشَّريفةِ، لا أَنَّ مُرادَه هو أنَّه كلَّما صَلَّى عليه إن لم يُعقِبْهُ بالسَّلامِ يكونُ مَكروهاً كراهة تحريم أو تنزيه؛ فإنَّه لا دَلالة للآيةِ عليه بلا شُبهَةٍ.
ثمَّ استظهَرَ هذا المُستَبَطَ بما نصَّ عليه العلماء قولاً وفعلاً بالجمع بينهما. وأمَّا إذا وقعَ الصَّلاةُ مَرَّةً والسَّلامُ، تارةً، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون مكروهاً؛ للأحاديث الواردة في الصَّلاةِ على النبي صلى الله عليه وسلم في الصَّلاةِ وغيرها، كلُّها بالاقتصار على الصَّلاةِ دُونَ ذِكرِ السَّلامِ، وإِنَّما وقعَ السَّلامُ في نفسِ التَّشهدِ مُنفرداً عنِ الصَّلاةِ.
ويُؤيَّدُ ما ذكرناه قوله: يُكره إفرادُ الصَّلاةِ عن السَّلامِ من غيرِ ذِكرِ عكسه، وإِنَّما زاد هذا بعضُ أتباعه ممَّن لم يفهم حقيقةَ قَصْدِه.
وممَّا يُؤَيِّدُ ما حرّرناه في حمل كلامه على ما قررناه: الأحاديث الواردة في فضيلةِ مَن صلَّى عليه وحدَها، وفيمَن سلَّمَ عليه بانفرادها، ولم يُجمَعْ في حديث بينهما.
فدَلَّ على أنَّهما عِبادتانِ مُستقِلَّتانِ لا يُكرَهُ انفِرادُ إحداهما، وإِن كانَ الأَوْلى والأفضَلَ جَمعُهُما.
وقد أغرَبَ الشَّيخُ زكرِيَّا المصرِيٌّ حيثُ اعْتَرَضَ على العلامةِ الجَزَرِي في اكتفائه بالصَّلاةِ دُونَ السَّلامِ في «مُقدَّمَتِه»، واستدل بالآية الشريفة، وكأَنَّه لم يطلع على اعتراض الجَزَرِيٌّ على قولِ النَّوَوِيِّ، ولا على تَعَقُبِ غيرِه له، على ما ذَكَرَه القَسْطَلانيُّ، وقرَّرَهُ وحرَّرَهُ العَسْقَلانيُّ.
أو أشرَفَ على كلامهم، ولم يفهم تحقيق مرامهم، واختارَ التَّقليد الصِّرْفَ في تصحيح مذهبه وترجيح مشربه، فظهر صدق قول أستاذه الإمام ابن الهمام في حقه: إنَّه إنَّما يجتهد في تصحيح كتابه من غير تحقيق في بابه.
وأعجَبُ منه أنَّ تلميذه الشَّيخَ ابنَ حَجَرِ المَكِّيَّ عَدَّه مُجدِّدَ التَّسع مئةٍ، مَعَ أَنَّه لا يُعرَفُ له مهارَةً في فنّ من العلوم الشرعيَّة، إلَّا في تحرير المسائل الفقهية على القواعدِ الشَّافعيّةِ والاصطلاحاتِ النَّوَوِيَّةِ.
ثمَّ من أعجب العجائب أنَّ بعضَ المُتَفَقِّهِةِ تفوَّهوا بأنَّ الجَزَرِيَّ ليس له أن يخرُجَ من المَذهَبِ المُقرَّر على اختيار النَّوَوِيِّ، وأَنَّه لا يعرِفُ المذهبَ إِلَّا صاحب المذهَبِ المُهذّب، وأمثال ذلك ممَّا تَمُجه العُقولُ، وتدفعه النُّقولُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وظَهَرَ صِدقُ مقاله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: «إنَّ الدِّينَ بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطُوبَى للغُرَباءِ»؛ أي: المُصلِحين للدِّينِ ما ضيَّعَه بعضُ المُفسِدين. وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الاهتداء في الاقتداء
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خَلَقَ الخَلْقَ وصيَّرَهُم أزواجاً، وجَعَلَ لكُلِّ أُمَّةٍ منهم شِرْعَةً ومنهاجاً، والصَّلاة والسَّلامُ على إمام الأنبياء وإمام الأصفياء، الذي بدء به الأشياء في عالم الأرواح، وخُتِمَ به الأشياء في عالم الأشباح مدراجاً، وأَسرَى به إلى السَّماءِ، وطَوَى له السَّواءَ معراجاً، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأشياعه وأتباعه وقَرابتِه وذُرِّيتِه وأَزْواجاً.
أما بعد: فيقولُ المُفتَقِرُ إلى جُودِ ربِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدِ القَارِي: إِنَّ جماعةً من عُلماءِ زَماننا، وفُضَلاء أواننا كتبوا رسائل وجَعَلوها وَسائل لكلِّ طالب وسائل، في اقتداء الحنفيَّةِ بالشَّافعيّة، وما يتعلَّق بهذه القضيَّةِ.
لكِنْ خَرَجَ كُلّ عن حد الإنصاف، ودَخَلَ في باب الاعتساف، عندَ مَن نظر فيها بعينِ الإنصاف، حيثُ مالَ كلَّ المَيل عن جادَّةِ الطَّريقِ، ولم يُحقِّقِ المسألة حق التحقيق.
فقال بعضُهم: الاقتداء بالمُخالفِ أولى عند تعددِ الجَماعةِ، وخالفه الآخرُ فقالَ: الانفِرادُ أَفضَلُ من الاقتداء بالمُخالفِ أيضاً في تلك السَّاعَةِ.
فسَنَحَ بالخاطِرِ الفاتر أن أسلُكَ مَسلَكاً عَدْلاً وسَطَاً، خالياً عن الإفراط والتفريط، مُعرِضاً عن طَرَفَي الأخلاطِ والتَّخبيط، وأذكُرَ فُصولاً مُهِمَّةً في مسألة الجماعة، وما اختلف فيه الأئمَّةُ، وما اتَّفَقَ عليه الأمَّةُ، مما يدل عليه الكتاب والسُّنَّةُ.
قال الله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِمِينَ} [البقرة: 43]، قد استدلَّ كثير من أئمةِ الأُمَّةِ بهذه الآية على وُجوبِ الجماعةِ؛ لأنَّ العبرة بعمومِ اللَّفْظِ والمبنى، لا بخُصوص السبب الوارد في هذا المعنى، فلا يُنافيه أنَّ الآية نزلت في حق اليهود، والمعنى: صَلُّوا مَعَ المُصلَّين؛ يعني مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم والمُسلمين.
وذُكِرَ بلفظ الرُّكوعِ؛ لأنَّ الرُّكوعَ رُكن من أركانِ الصَّلاةِ، فهو من بابِ إطلاق الجزء وإرادة الكل، وقيل: لأنَّ صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأَنَّه قالَ: صَلُّوا صلاةً ذاتَ الرَّكوعِ نحوَ صَلاةِ المُسلمين، ففيه تنبيه على نسخِ مِلَّتِهم، وإشارة إلى نسخ طريقتهم.
وقال عزَّ وعلا: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ أَثَرَهُمْ} [يس: 12]، قال قوم: أي خُطاهُم إلى المسجدِ؛ فعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قَالَ: شَكا بنو سَلِمَةَ بُعدَ مَنازِ لهم من المسجد، فأنزَلَ اللهُ تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَاثَرَهُمْ} [يس: ??]، قالَ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علَيكُم منازِلَكُم؛ فإِنَّها تُكتَبُ آثَارُكُم.
وفي رواية لمُسلم: «دِيارَكُم دِيارَكُم تُكتَبْ آثارُكم»؛ أي: الزَمُوها ولا تَكرَهُوها، فإنَّ لكم بكلِّ خُطوَةٍ إلى المسجدِ درجةً، كما في رواية لمُسلم عن جابر وأما الأحاديث والأخبارُ المَرفوعَةُ والمَوقوفَةُ في هذا الباب، فكثيرة خارجة عن حَدِّ إمكان الاستيعاب، فلْنَقتَصِر على بعضها؛ خوفاً من المَلالة الناشئة عن الإطناب.
منها: «صَلاةُ الجَماعةِ تفضُلُ صلاةَ الفذّ بسبع وعشرين درجَةً». رواه مالك وأحمدُ والشَّيخانِ والتّرمذي والنسائي وابن ماجه عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما. والظَّاهِرُ أنَّ المُراد به الكثرة، فلا يُنافي ما رواه مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: صَلاةُ الجَماعةِ تعدِلُ خَمساً وعشرينَ صَلاةَ الفَذْ». و ما رواه ابن ماجه عن أبي، ولفظه: «صَلاةُ الرَّجل في جماعة تزيد على صلاةِ الرَّجل وحده أربعاً وعشرين درجة».
وما رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ عن ابن مسعود رضي الله عنه: «صَلاةُ الرَّجل في جماعة تزيد على صلاته وحده تسعاً وعشرين صلاة».
و ما رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: صَلاةُ الرَّجل في بيته بصلاةٍ، وصَلاتُه في مسجدِ القبائل بخمس وعشرين صلاةً، وصلاته في المسجدِ الذي يُجمَعُ فيه بخَمسِ مئة، وصلاته في مسجد الأقصى بخمسة آلاف صلاةٍ، وصلاته في مسجدي هذا بخَمسينَ ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة.
وقد رَوَى أحمد عن أبي ذرّ: اثنانِ خَيرٌ من واحد، وثلاثةٌ خيرٌ من اثنين، وأربعةٌ خير من ثلاثة، فعليكم بالجَماعةِ؛ فإنَّه لن تجتمعَ أُمَّتِي إلا على هُدًى.
ورَوَى البَيْهَقِيُّ عن عُثمانَ رضيَ اللهُ عنه: لأَنْ أُصلِّيَ الصُّبحَ في جماعة أحبُّ إليَّ من أن أصلي ليلة، ولأن أصلي العشاء في جماعة أحبُّ إليَّ من أن أصلي نصف ليلة.
ولعلَّ وَجْهَ تخصيص الصَّلاتَينِ لأنَّهما أثقل على النَّفْسِ، وَأَشَقُها، والأجرُ على قدر المَشقَّة، ولكونهما في وَقْتِ الغَفْلَةِ والرَّاحِةِ، ولما في حُضورهما من مُخالَفَةِ المنافقين، ولذا وَرَدَ: «الو يَعلَمُ النَّاسُ ما في العَتَمَةِ والصُّبحِ لأتوهُما ولو حَبْوا». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما.
وفي رواية: «أَثْقَلُ الصَّلاةِ على المُنافِقِينَ صَلاةُ العِشاء، وصَلاةُ الفَجرِ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهُما ولو حبوا».
ورَوَى أحمدُ وغَيرُه عن ابن عمرو رضي الله عنه: «مَن راحَ إلى مسجدِ الجَماعةِ فخُطوَةٌ تَمحُو له سيِّئَةً، وخُطوَةٌ تُكتب له حسنَةٌ، ذاهباً وراجعاً».
ورَوَى الحاكِمُ عن أبي مُوسَى: مَن سَمِعَ النَّداءَ فارِغاً صحيحاً فلم يُجِبْ فلا صلاة له»؛ أي: كاملة.
ورَوَى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم عن أبي الدرداء: ما من ثلاثة في قريةٍ ولا بَدْوِ لا تُقام فيهم الصَّلاةُ إلا استحوذ عليهم الشَّيطانُ، فعليكم بالجَماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصِيةَ».
وفي رواية: «وعليكم بالجَماعةِ والعامَّةِ والمَسجدِ.
ووَرَدَ في رواياتٍ مُتعدّدةٍ: «لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ فِتِيةً فَيَجمَعوا حُزَماً من حَطَبٍ، ثمَّ آتِي قَوماً يُصَلُّونَ في بيوتهم ليسَتْ بهم عِلَّةٌ، فَأَحرِقُها عليهم»، وهذا رواية أبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
***
فصل
أجمع علماء الأمة على أنَّ الصَّلاةَ بجماعة مشروعة، وأنه يجب فيها المُجاهرة، فإن امتنع أهل بلد أو قرية عنها قُوتِلُوا عليها ليقوموا بها. واختَلَفُوا: هل الجماعةُ واجِبةٌ في الفرائض غيرِ الجُمُعَةِ؟
فقال أصحاب أبي حنيفة: إنَّها سُنَّةٌ مُؤكَّدة، وبه قال مالك، وهو المشهور عن الشَّافعيّة، ونصَّ الشَّافعيّةُ على أنَّها فرضٌ على الكفاية، وهو الأصح عن المحققين من أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال أحمد: هي واجبة على الأعيانِ، وليسَتْ شَرْطاً في صِحَّةِ الصَّلاةِ، ولا من الأركان، وقيلَ: فَرْضُ عَيْنٍ، ولعله عينُ مَذهَبِ أحمدَ، وإِنَّما الخِلافُ في العِبارَةِ، وهذا خُلاصَةُ ما ذكرَه صاحِبُ رَحمةِ الأمَّة في اختلافِ الأَئِمَّةِ».
وقال ابن الهمام: حاصِلُ الخِلافِ في المسألة: أنَّها فرضُ عَين إلا من عُذر، وهو قول أحمد وداود وعطاء وأبي ثَوْرِ، وعن ابن مسعودٍ وأبي موسى الأشعري وغيرهما: مَن سَمِعَ النَّداءَ ثمَّ لم يُجِبْ فلا صلاة له».
وقيل: على الكفاية.
وفي «الغاية»: قال عامَّةُ مَشايخنا إِنَّها واجبةٌ، وفي «المُفيد»: إِنَّها واجبة، وتسميتها سنةٌ لوجوبها بها، وفي «البدائع: يجب على العُقَلاءِ البالغينَ الأحرار القادرين على الجماعة من غيرِ حَرَجٍ، انتهى
ولا منافاة بين الأقوالِ المذكورة، والأخبار المسطورة في مقام التحقيق، والله ولي التوفيق.
فصل
واعلَمْ أَنَّ اختلاف الأئمَّةِ وتعدُّدَ الجماعة من الأُمورِ الحادِثَةِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ إماماً للأنام، ثمَّ في مَرَضِ مَوْتِه أمرَ الصِّدِّيقَ أن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فكانَ تَصريحاً بأنه أولى بالإمامة، وتلويحاً بأنَّه أحقُّ بالخلافة، ثمَّ قامَ مَقامَه في المحرابِ عمرُ بن الخطاب، بإشارة منه وموافقة لسائر الأصحاب، وهكذا انتقلت الإمامة والخلافَةُ إلى عُثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب بالإجماع. ومَنشَأُ الاختِلافِ في زَمانِهِ إِنَّما كانَ لبَعضِ الموادِ المُوجِبَةِ للنزاع، وهكذا كانت بقيَّةُ الصَّحابة، كانُوا أئِمَّةً، ولم يختلف أحَدٌ عن الاقتداء بهم، معَ أَنَّهم كانُوا مختلفين في بابِ الرّواية والدراية، وذلك لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «أَصحابي كالنُّجوم بأيهم اقتَدَيتُمُ اهْتَدَيْتُم». أخرجه ابن ماجه على ما ذكره السُّيوطِيُّ في تخريج
أحاديثِ الشَّفاءِ»، وتعقبه بعضُ العُلماءِ بأنَّه لم يجده فيه معَ البَحثِ عنه، وقد ذكره صاحِبُ مِشكاة المصابيح وقالَ: أَخْرَجَهُ رَزِينٌ.
وفي «جامع الأُصولِ» عن ابنِ المُسيَّبِ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: «سألتُ رَبِّي عن اختِلافِ أصحابي من بعدي، فأوحى إليَّ: يا محمد، إِنَّ أصحابك عندي بمَنزِلَةِ النُّجومِ في السَّماءِ، بعضُهم أقوى من بعض، ولكلِّ نورٌ، فَمَن أَخَذَ بِشيءٍ مِمَّا هُمْ فِيه من اختلافهم فهو عِندي على هُدًى».
ثم إنه صلى الله عليه وسلم بنور الوحي أو ضياء الإلهام عَرَفَ اختلاف الأنامِ فيما بعد الصحابة الكرام، وأرادَ اجتماع الأمة، وكره تفرُّقَ الجَماعةِ، فَقالَ: «صَلُّوا خَلْفَ كل بر وفاجر، وصلوا على كلِّ بَر وفاجر، وجاهِدُوا مَعَ كُلِّ بَر وفاجره. رواه البَيْهَقِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ، وابن ماجه والدَّارَ قُطنِيُّ عن واثِلَةَ.
ولهذا كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يقتَدُون بالفَجَرةِ كيزيد والحجاج وزيادٍ، وسائر أرباب الظلم والفساد، وكذا أمراء بني أمية، منهم الوليد بن المغيرةِ لَمَّا وَلاهُ عُثمان بن عفَّانَ الكوفة شَرِبَ الخمرَ، وصلَّى الصُّبحَ سكران أربع ركعات، وسأل الجماعة: هل تصلي غيرها أو تكفي؟؟؟
فمَعَ هذا كله لم يُجوِّزُوا ترك الجماعة وهو على هذه الحالةِ مُحافظةٌ عن التَّفْرِقَةِ بينَ جَماعةِ المُسلمين، لِما وَرَدَ أَنَّ الجَمَاعَةَ رحمةٌ، والفُرقةَ عُقوبةٌ، ويُشيرُ إليه قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] الآية.
واستمر الأمر على ذلك في زَمَنِ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائرِ المُجتهدين هنالك، فلم يُنقَل عن أحدٍ من الأئمَّةِ أن يمنَعَ الاقتداء بالمُخالِفِ من أهلِ الملَّةِ، وذلك لعَدَم قَطعِهِم أَنَّهم على الصَّوابِ البَتَّةَ، وغَيرُهم على الخطأ لا محالة، بل كانُوا مُجتهدين في أمر الدين طالبين للأولى في طريقِ المَولى، من جِهَةِ الفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ بالأدلَّةِ الظَّنِّيةِ، مَعَ اتَّفاقِهم على الأُصولِ الدِّينِيَّةِ التي مَدارُها على الأدلَّةِ اليَقِينِيَّةِ، كما يُشير إليه حديثُ: «العُلماءُ وَرَتْهُ الأنبياء». رواه أحمد والأربعةُ عن أبي الدرداء. فالأئمَّةُ المُجتهدون كالصَّحابة، فمن اقتَدَى بهم اهْتَدَى؛ لأنَّ اختلافهم راجع إلى اختلافِ الصَّحابة، ويُشيرُ إليه قوله تعالى: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وظاهره أنَّه يجوز الاقتداء بالمفضولِ معَ وُجودِ الأَفضَلِ، كما هو مَذهَبُنَا المُختارُ.
ويُؤَيّده ما قال بعضُ مَشايخنا: مَن تَبعَ عالِماً لَقِيَ اللَّهَ سالِماً، ولا شُبهَةَ أَنَّ تقليد الأفضل هو الأكمَلُ، ولذا وَرَدَ: «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكرٍ وعُمَرَ. وقال أحمد وطائفةٌ: لا يجوز تقليدُ المَفضولِ َمعَ وُجودِ الفاضل، وهو وجه لبعض أصحابنا، وهو الأظهَرُ، وبني عليه ما قال بعضُهم من أَنَّهُ يَنبَغِي للمُقَلِّدِ لإمامِ أن يعتقد أنَّه على الصّوابِ ويَحتَمِلُ الخطأ، ومُخالِفُه على الخطأ ويحتَمِلُ الصَّواب، ومن هنا كل حزب بما لديهم فَرِحُونَ، ويستَدِلُّونَ وَفْقَ مَا يُوافِقُهم ويُصَحِّحُونَ، وقد عَلِمَ كُلُّ أُناس مِدْرَاجَ مَشربهم، وكل طائفة منهاج مَذهَبهم.
فصل
ذَهَبَ عَامَّةُ مشايخنا منهم شمس الأئمةِ الحَلْوانِيُّ، وشَمسُ الإسلام، والفقيه أبو اللَّيثِ، وصاحِبُ «الهداية»، وقاضي خان، وغيرهم، حتَّى ادَّعى بعضُهم الإجماع على أنه: يجوزُ الاقتداء بالمُخالفِ إذا كان يحتاط في موضعِ الخِلافِ، وإلا فلا. والمعنى: أنه يجوز في المُراعي بلا كراهة، وفي غيره مع الكراهة، لا أنَّه لا يصح الاقتداء، وهذا القَولُ ممَّا لا شك فيه ولا شُبهَةَ؛ فَإِنَّ المُخالِفَ إِذَا رَاعَى اختلاف الأئمةِ، وخَرَجَ عن عُهدَةِ الخِلافِ الذي هو مُستَحَب بالإجماع تبقى صلاته صحيحةً من غير نزاع، ويكون أولى من الموافق الذي لا يحتاط؛ إذ غاية أمره أنَّ صلاته صحيحة عنده دون غيره، وشانَ بينَ الطَّريقَينِ. ولهذا اختارَ السَّادَةُ الصُّوفيَّةُ الصَّفَيَّةُ هذه الطَّريقَة المَرضيَّةَ، لكنَّ وُجودَ هذا الإمام عزيز كالعَنْقاء فيما بين الأنام)، بل وجودُ مَن يُراعي الجَمْعَ من مُتَفَرِّقات مذهبه من المعدوم في هذه الأيام، كما لا يخفى على العلماء الأعلام. ثمَّ المَواضِعُ المهمة للمُراعاة في حقٌّ المُخالفِ أَن يَتَوَضَّأَ من الفَصْدِ والحجامة والقيء والرُّعافِ والقَهْقَهَةِ في الصَّلاةِ، وأن لا يتوَضَّأَ من القُلتَينِ الواقع فيه النَّجاسة؛ إذ الغالب عليه الماء المُستَعْمَلُ، وأن يغسِلَ المَنِيَّ أو يفرُكَه إذا كانَ قَدْراً مانعاً، وأن لا يقتصر في مسح الرَّأْسِ على أقل من الرُّبُعِ، بل يمسحُ كلَّ الرّأسِ خُروجاً عن خلافِ مالك، لا سيّما وقد ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بذلك، وأن لا يتركَ المَضْمَضَةَ والاستنشاق في غُسل الجنابة، ونحو ذلك ممَّا يَكونُ مُبْطِلاً لمَذهَبِ غيرِ المُخالِف هنالك.
وأما مُراعاة بعض الأفعال التي هي سنة عندَ المُخالف، ومكروهة عندَ غَيرِه، كرَفْعِ اليدَينِ في حال الانتقال، وكجَهْرِ البسملة وإخفائها، وبسط اليدَينِ في القنوتِ ونحوها؛ فهذا وأمثاله ممَّا لا يُمكن الجمعُ بينهما، ولا يُتَصوَّرُ الخُروجُ عن عُهدة خلافهما، فكلُّ يَتَّبِعُ مَذهَبَه، ولا يمنعُ مَشربه.
وقد أغرَبَ صاحِبُ الفتاوى الخانيَّةِ» حيث قال: إذا قال شافِعِيُّ المذهب: إلهي ما عَرَفناك حقٌّ مَعرِفَتِك، أو يقولُ: أَنا مُؤمِنٌ إِن شاءَ الله تعالى، أو يقولُ: العَمَلُ من الإيمان، أو يقولُ: الإيمان يزيد وينقُصُ؛ فلا تُجزِئُ الصَّلاةُ خلفه، انتهى.
ولا يخفى أنَّ هذا خلاف لفظي لا تحقيقي، كما بينته في «شرح الفقه الأكبر»، على أنَّه لا دخل لها في الفروع، فإنَّها من مسائل الأصول، وقد أجمَعُوا أَنَّ الأئمة الأربعة من أكابر أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، ولا خِلافَ أَنَّهم على الصَّوابِ في باب الاعتقادِ، المبني على الكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما الخِلافُ في فروعهم، بخلافِ المُبْتَدِعَةِ من نحوِ المُعتَزلَةِ والقَدَرِيَّةِ والمُرْجِيَّةِ.
وكذا من الغَريبِ ما نُقِلَ عن الفقيه السَّمَرْ قَنْدِيّ: أَنَّه إذا رأى الحنفي رجُلاً يأكل لحم الثّعلب أو الضّب ويعمل بخلافِ الحنفي المذهب لا يجوز الاقتداء به. إذ لا دخل لأكل لحم المُختَلَفِ في حلّه في باب الاقتداء؛ إذ غايته أن يكونَ فاسقاً بزَعْمِه، والاقتداء بالفاسق جائز اتفاقاً، ولعله أرادَ أَنَّه لا يجوز الاقتداء به من غير كراهة، وإنَّما أطلق تنفيراً عن الاقتداء في تلك الحالة.
وأما ما ذكره صاحِبُ «المبسوط» من أنَّ الصَّلاةَ خَلْفَ الشَّافِعِيُّ المَذهبِ جائزة إذا كان لا يميل عن القبلة. فهذا الميل لا يُعرَفُ من مَذهَبِهم، بل مَذهَبُهم أضيقُ في هذه المسألة من غيرهم، فإنَّهم يشترطون إصابة عين الكعبة، ولا يكتفون بتحَرِّي الجهةِ.
وأما ما ذكره أيضاً من أنَّه لا يكونُ مُتعَصباً ففيه أَنَّ غايةَ تعصُّبِه أَنَّه مُوجِبٌ لفسقه، على أنَّ هذا أيضاً مذموم من غيرِه
فصل
وذَهَبَ جماعة أنَّه يجوز الاقتداء به إذا لم يُعلَمْ منه هذه الأشياء بيقين، فإن عُلِمَ: لا، وهذا القَولُ صححه خواهِرُ زَادَه، ويُؤَيِّدُه ما قال شيخُ الإسلامِ من أَنَّه: لو شاهد احتجامه ولم يتوَضَّأْ وَغَسَلَ موضِعَ الحِجامة، الصحيحُ أَنَّه لا يجوزُ الاقتداء به، ولو شاهد ذلك وغاب عنه، ثم رآه يُصلّي الصَّحيحُ أَنَّه يجوزُ الاقتداء به، انتهى وهذا بناءً على حُسنِ الظَّنِّ في حقه.
وفي الفتاوى الغيائيَّةِ»: والمُختارُ أنَّه إذا لم يُعلم منه شيء من هذه الأشياء يجوز الاقتداء به من غَيرِ كراهة؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُها؛ أَي: عَدَمُ وُجودِها. وهذا الإطلاق يُفيدُ أنَّه إذا عُرِفَ من حاله أنَّه لم يحتَطْ مَواضِعَ الخِلافِ لا يجوزُ الاقتداء به، وهذا القولُ أعدَلُ الأقوال، والله أعلَمُ بحقيقة الأحوال.
وقد صرَّحَ العلامةُ إبراهيمُ الحلبي شارِحُ المُنيَةِ»: بأَنَّ الاقتِداءَ بالمُخالفِ في الفروع كالشَّافِعِيُّ يجوزُ، ما لم يُعلَمُ منه ما يُفْسِدُ الصَّلاةَ على اعتقادِ المُقتَدي، وعليه الإجماع، وإنَّما الخِلافُ في الكراهة.
***
فصل
قال أبو اليُسر: اقتداءُ الحَنَفِيِّ بالشَّافعيّ غير جائز؛ لِما رَوَى مَكحول النَّسفيُّ: أَنَّ رَفعَ اليدَينِ في الصَّلاةِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه مُفسِدٌ؛ لأَنَّه عمل كثيرٌ.
قالَ ابنُ الهُمام: وأخذَ صاحِبُ «الهداية الجواز خلفَهم من جهة الرواية، وتُقَدَّمُ هذه لشذوذ تلك، وقد صَرَّحَ بشُذوذها في «النهايةِ»، والمُختارِ في تفسيرِ العَمَلِ الكثير لو رآه شَخص من بعيد ظنَّه أَنَّه ليسَ في الصَّلاةِ. انتهى
لأنَّ مُفسِدَها ما لم يُعرَف قُربةً فيها، ورَفعُ اليدين في الوِترِ والعيدَينِ سُنَّةٌ إجماعاً. وقد ذكر العلامة أبو بكر بن الحدَّادِيٌّ في «السِّراحِ الوَهَّاجِ»: أَنَّه قد استدلَّ أصحابنا على جواز الاقتداء بمَن خالَفَنا في المَذهَبِ بمَسائل، منها أَنَّه لو اقتَدَى بِمَن قنَتَ في الفجرِ قال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: يسكُتُ المُقتدي ولا يُتابعه، وقال أبو يوسف: يُتابعه؛ لأنَّه تبع لإمامه، وهو مجتهد فيه، ثمَّ عندهما يقفُ قائماً ليتا بِعَه فيما يجب متابعته، وخالَفَهُما بعضُ مَن لا فقة له وقالَ: يقعُدُ أو يسجُدُ تحقيقاً للمخالفة.
وعلى هذا إذا كبَّرَ خَمساً في الجنازة فعندَهُما لا يُتابعه في الخامسة، وإذا لم يُتابعه قال بعضُهم: يسكُتُ لئَلَّا يصيرَ مُخالِفاً لإمامه فيما هو مشروع، وقال بعضُهم: يُسلَّم قبله، والصَّوابُ أنَّه يسكتُ، وكذا الحكم فيما إذا زاد في صلاة العيد على ثلاث تكبيرات، فعلى قولهما يسكُتُ، وعلى قول أبي يوسُفَ يُتابعه، إلا أَنَّه ينبغي أن لا يرفع يديهِ اتّفاقاً.
وذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّه يجوزُ مُطلَقاً قياساً على قول أبي بكرِ الرَّازِيِّ؛ فإِنَّه
قالَ: إِنَّ اقتِداءَ الحَنَفَيّ بمَن يُسلَّمُ على رأسِ الرَّكعَتين في الوِترِ يجوزُ، ويُصلِّي معَه بقيته؛ لأنَّ إمامه لم يخرُجْ بِسَلامِه عندَه؛ لأنَّه مُجتَهَدٌ فيه، كما لو اقتَدَى بِمَن رَعَفَ، وخالَفَه جُمهورُ المَشايخ.
قالَ الشَّيخُ كمالُ الدِّينِ شارِحُ «الهدايةِ»: وكانَ شيخُنا سِراجُ الدِّينِ يعتقدُ قولَ الرازي، وأنكر أن يكون فسادُ الصَّلاةِ بذلك مَروِيَّاً عن المُتقَدِّمين، حتّى ذكَّرتُه بمسألة الجامع في الذين تحرَّوا في الليلةِ المُظلِمَةِ، وصلَّى كلِّ إلى جهةٍ مُقتدين بأحدهم فإِنَّ جوابَ المسألة أنَّ مَن عَلِمَ منهم بحالِ إمامِه فَسَدَت صلاته؛ لاعتقادِه أَنَّ إمامه على الخطأ، انتهى وأجيب عن هذا بأنَّ فسادَ صلاةِ المُقتَدي في مسألةِ التَّحرِّي لَا تَستَلِزِمُ فَسَادَ صلاته فيما ذكره الرَّازِيُّ؛ لأنَّ المُقتدِيَ في الصُّورة الأولى يعتَقِدُ أَنَّ إمامه أخطأ فيما و قطعِيُّ الثَّبوتِ في الصَّلاةِ، وهو استقبال القبلة، وفي الثَّانِيةِ اعْتَقَدَ أَنَّ إمامه أخطأ ي أمرٍ ظَنِّيٍّ مُجتَهَدٍ فيه، فشَتَانَ ما بينهما.
فصل
وذهَبَ بعضُ عُلمائنا إلى أنه إذا احتاطَ جميع مواضعِ الخِلافِ يُكرَهُ الاقتداء به أيضاً، في «الفَتاوَى الغِيائيَّةِ»: من مشايخنا مَن قالَ: الأولى أن لا يُصلي خلفه، وفي الفَتاوَى الخانية»: ومع هذا لو صلَّى خَلَفَه كانَ مُسيئاً، وفي «الكفايةِ» و «مفتاح السَّعادةِ»: يجوز مع الكراهة.
ولعلّ وجهَهُ ما ذكره بعضُ الشَّافعيّةِ حيثُ قال: لا يصح اقتداءُ الشَّافِعِيِّ بالحنفي، ولو حافظ على جميع الواجبات؛ لأنَّه لم يُؤَدِّها على اعتقادِ الواجباتِ. وهذا قول ساقط الاعتبارِ، حيثُ يُرُدُّه ما وَرَدَ فيه من الأخبارِ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّمَ أصحابه الكرام أفعال الصَّلاةِ قَولاً وعَمَلاً على وَجْهِ الإبهام، من غير أن يُبين لهم أنَّ هذا، فرضُ، وهذا واجب، وهذا سُنَّةٌ، وهذا شَرْطٌ، وهذا رُكْنُ. ولو كانَ العِلمُ بتفصيل الأعمال واجباً لبينه لأُمَّتِه؛ لأنَّه مُبيِّن لما هو مُتعَيِّن في ملتِه، ولَما وَقَعَ اختِلافُ المُجتهدين في فُروع شريعته.
ولعل الحكمة في ذلك ما أشار إليه بقوله: «اختِلافُ أُمَّتِي رَحمَةٌ»، ذكرَه نَصْرُ المَقدِسي في «الحُجَّةِ»، والبَيْهَقِيُّ في «الرِّسالة الأشعرِيَّةِ» بغَيْرِ سَنَدٍ، وأورَدَه الحَلِيمِيُّ والقاضي حُسَين وإمامُ الحَرَمَينِ وغيرُهم، ولعلَّه خُرِّج في بعض كتُبِ الحُفَّاظِ التي لم تصل إلينا، كذا ذكرَه شَيخُ مَشايخنا جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ في «جامِعِه الصَّغير»)، وأَغْرَبَ المُلَّا مُحيي الدِّينِ في «رِسالته» حيثُ قالَ: ذكره الحافظ السُّيوطِيُّ في «جامِعِه الصَّغير» نقلاً من أصحابِ الصَّحاحِ»، وأنتَ ترَى أَنَّه لا يوجَدُ له سَنَدٌ ضَعِيفٌ، فَضْلاً أن يُنْسَبَ إلى أصحابِ الصّحاحِ» المُرادِ بهم أصحابُ الكُتُبِ السِّتَّةِ.
***
فصل
وقد كُرِهَ تكرار الجماعة عندنا، وبه قال مالك والشَّافِعِيُّ في الأَصحُ، خلافاً لأحمد، ثمَّ اختلَفَ عُلماؤنا: فكَرِهَه بعضُهم كراهة تحريم، ففي «الكافي»:
تكرار الجماعة لا يجوزُ، وفي شرح المنظومة» و «المجمع: لا يُباحُ، وفي شرح الجامع الصغير: بدعة، وفي بعض الكتب: يجوز تكرار الجماعة بلا أذان ولا إقامة ثانية اتفاقاً، وفي بعضها: إجماعاً بلا كراهة. قال في شرح الدُّرَرِ: وهو الصَّحيحُ، وقد رُوِيَ عن أبي يوسفَ أَنَّه لم يرَ بأساً في الصَّلاةِ في المَسجِدِ مَرَّةً بعدَ أُخرَى إذا لم يقُمِ الإمامُ في موضعِ الإمامِ الأَوَّلِ، وهذا هو الذي عليه العَمَلُ، فينبغي أن يكون هو المُعوّلَ.
وفي «القُنية»: أهلُ المَحلَّةِ قسموا المسجد، وضربوا فيه حائطاً، ولكل منهم إمام على حِدَةٍ، ومُؤَذِّنُهم واحدٌ لا بأسَ به انتهى
وهذا أقرَبُ الرّوايات إلى صنيع القَومِ اليوم، فإنَّ الجِهاتِ الأربع بمنزلة مساجد، ولهذا قال الله تعالى في حق المسجد الحرام: إِنَّمَا. د الحرامِ: وَإِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ) [التوبة: 18]، بصيغة الجمع.
هذا، وقد صُرَّحَ في «المجمع» وشروحه نقلا عن المشايخ من أنَّ الصَّلاةَ معَ الجَماعةِ الثَّانية في مسجد له جماعة خاصة بتكرار الأذان والإقامة مكروهة، وأما المسجد على الشارع، أو المسجد الجامع فيرد عليه ناس بعد ناس فلا كراهة في التكرار ولو بجماعة كثيرة.
وقال شارح «المُنيةِ»: هذا عندَهما، وأمَّا عند أبي حنيفة: لو كانت الجماعةُ الثَّانيةُ أكثر من ثلاثة يُكرَهُ التكرار، وإلا فلا وعن أبي يوسف: إذا لم تكُن على هيئة الأولى لا تكره، وهو الصَّحيحُ، وبالعدول عن المحراب تختلفُ الهيئة، كذا في «البزازِيَّة»، وهذا كله إذا كانَ تكرار الجماعةِ على مَذهَبٍ واحدٍ.
وأمَّا إذا تكرّرَتِ الجَماعةُ لاختلافِ الأئمة فلا وجه للكراهة أصلاً، ولا سمعنا في المسألَةِ نَقْلاً، وأمَّا دَعوى بعضهم من أنّه قد أجمَعُ العلماء من المذاهب الأربعةِ علي گراهته، بل على حُرمتِه؛ فباطلة، ليس تحتها طائِلَةٌ، ومن المعلومِ أنَّ الأصل في كلِّ مسألة هو الصِّحَّةُ، وأمَّا القَولُ بالفَسادِ أو الكراهة فيَحتاجُ إلى حُجَّةٍ من الكتاب
والسُّنَّة وإجماع الأمَّةِ، فمَن ادَّعى إثبات هذا الشَّانِ، فعليه بالبَيانِ فِي مَيدانِ التَّنْبِيانِ. وما أبعد من قال بكراهةِ التَّكرارِ وشدَّدَ فيه الإنكار، وجعله في حكم مسجدِ الضّرارِ، وهذا جهل منه بعلم التفسير، وما قصد أهل ذلك المسجدِ من الفَسادِ والنَّكَيرِ.
وقد أجمَعَ العُلماءُ على استحباب تعدُّدِ المَساجِدِ فِي المَحِلَّاتِ؛ ليَسَعَهم الاجتماع في سائر الحالات، وإنَّما قُلْنَا: الكراهة محمولة على تكرارِ الجَماعةِ إذا لم تكُن على وجهِ المُخالَفَةِ بخِلافِ ما ابتلي به أهلُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهم من اختِلافِ الإمامين، فإنَّ الكلامَ فيه مُحتاج إلى تفصيل يدفَعُ النّزاعِ من البَيْنِ. فاعلَمْ أَنَّه لم يكُنْ تعدُّدُ الجَماعةِ في الأزمنة السَّابِقَةِ لَعَدَمِ ظُهورِ التَّعَصُّبِ في علماء الأمة، فكانَ الإمام في المسجدِ الحرامِ وسائِرِ المُقَعِ العِظامِ، إِمَّا حَنَفِيَّاً أو مالِكِيَّاً بحسَبِ غالب الأنام، والقليلُ يَتَّبِعُ الكثير في تلكَ الأَيَّامِ، ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ الشَّافِعِيُّ وانتَشَرَ مَذهَبُه في بعض الأماكِنِ الكِرامِ وغَلَبَت أتباعه على غَيْرِهِم إِمَّا كَثرَةً أَو شَوْكَةً قدَّمُوا إمامهم منهم وَفْقَ مَرامِهم فيهم، وكانَ يقتدي به مَن وُجِدَ من غَيْرِهم، واستَمَرَّ الأَمرُ على ذلك إلى أن نشأ التَّعصُّبُ من الطَّرَفين هنالك.
حتّى قال بعضُهم: تُكرَهُ الصَّلاةُ خَلْفَ المُخالفِ، ولو راعى المذاهب، وقال بعضُهم: لا يصح في جميع المراتبِ، فنشَأَ الاختِلافُ على هذا الخِلافِ، فاختارَ كُلُّ طائفة أن يُصلِّيَ معَ مَن يُوافِقُه في المَذهَبِ، ويُلائِمُه فِي المَشْرَبِ، فهذا وإِن كَانَ بِدعَةٌ إلا أَنَّها حَسَنةٌ، وبحَسَبِ النُّقولِ المُتفاوِيَّةِ فِي مَرَاتِبِ العُقولِ مُستَحْسَنةٌ.
وقد رُوِيَ عن ابن مسعود: ما رَآه المُسلِمُونَ حَسَناً فهو عندَ اللهِ حَسَن، وممَّا يدلُّ على استحسانِ هذا التَّعدُّدِ أَنَّه لو استَمَرَّ التَّفَرُّدُ، ورَأى بعضُ الحنفيَّةِ إمامَ الشَّافعيَّةِ أَنَّه رَعَفَ ولم يتوَضَّأُ استَنْكَفَ وصَلَّى مُنفَرِداً، إمَّا في المسجد، وهو محذورُ الظَّاهِرِ؛
للتّشبه بالمُعتَزِلة، أو في بيته، وهو محظور؛ لأنَّه يكونُ تاركاً للجَماعةِ المَسنونة. وكذا إذا رأى شافعِيٌّ إمامَ الحَنَفِيّ أَنَّه لَمسَ امرأةً ولم يتوضأ استَنْكَفَ، وجَرَى أَحَدُ المُنكَرَينِ المَذكورَينِ؛ أَي الصَّلاةُ مُنفَرِداً في المَسجِدِ أو في بيته. فبهذا تبيَّنَ أَنَّ هَذا رَحمةُ بالنِّسبة إلى عُمُومِ الأُمَّةِ، واندَفَعَ قولُ المُلَّا رَحمةُ اللهِ رحمه الله: أنَّ هذا الوَجهَ الذي يُصَلُّون عليه في الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ مَكروه بالاتِّفَاقِ، اللَّهُمَّ إلا أن يُريد بالكراهة التنزيهيَّةَ المُعبَّر عنها بأنَّها خِلافُ الأُولى، فإِنَّ الأولى من جهة الآخرةِ والأُولى أن يتَّفِقَ المُسلمون على إمامٍ واحدٍ يكونُ أقرأ وأعلَمَ وأَوْرَعَ وأَحْسَنَ مُراعِياً لمَواضِعِ الخِلافِ قَدْرَ ما أمكن، ولكنَّ مثل هذا الأمرِ مُتَعسر، بل مُتَعذِّرٌ، لظهور أهلِ البطلانِ في هذا الشَّأْنِ، حيثُ يأخذونَ المَناصِبَ العالية من غيرِ استحقاق في القضيَّة، فترى واحِداً منهم يتَقَدَّمُ ويَضَعُ اليُسْرَى على اليُمْنَى، إِمَّا جَهالَةً بالمَسألة، وإمَّا غَفلَةً في تلك الحالة، ورُبَّما يكونُ أمَرَدَ صَبِيحَ الوَجهِ والمَلَاحَةِ وأَمْثَالِ ذلك طلباً للوظيفَةِ المُحرَّمةِ هُنالك.
وأَمَّا قَولُ رَحمةِ الله: إِنَّ الانفِرادَ أَفضَلُ من هذه الجماعة المكروهة؛ فما أبعده عن التحقيق، فإنَّه كيفَ تُتَرَكُ السُّنَّةُ المُؤَكَّدة، بل الواجبةُ، بل فَرْضُ الكِفاية، بل فَرْضُ العين على الأعيانِ؛ لكونه من شَعائِرِ أهلِ الإيمانِ، لوقوع تكرارِ الجَماعةِ من أهلِ العلم والإتقان؟!
وأي محذورٍ في ذلك؟ وأي مَحظُورٍ يترتب على ما هنالك؟ حتَّى يكونَ الانفراد المُحرَّمُ الذي هو أقوَى المُنكَراتِ، ومن شعائرِ أهل البدع والنِّفاقِ وأرباب البطالاتِ أفضَلَ من تكثيرِ الطَّاعاتِ وتعُدُّدِ الجَماعاتِ، لا سيما إذا اهْتَدَى كُلُّ طائفةٍ خَلْفَ اختار من الأئمة، والله ولي دينه، وناصِرُ سَنَّة نبيه.
فصل
واعلَمْ أَنَّه لا تُوجَدُ الصَّلاةُ بلا كراهة في هذه المُدَّةِ مَعَ أحدٍ من الأئمَّةِ أعم من أن يكون من الجَماعةِ المُوافقة، أو من الطَّائفة المُخالفة، لكِنْ لا يُقالُ: إِنَّ الانفِرادَ أَوْلى؛ لأنَّه يُؤَدِّي إِلى تَرْكِ شَعائِرِ الإسلامِ الذي أجمَعَ العُلماء الأعلامُ أَنَّه فَرْضٌ على الأَنامِ، فإذا كانَ الأمر كذلك، فالمَخْلَصُ عن الاختِلافِ فيما هنالك أن يُصلِّيَ كلُّ صاحبِ مَذهَبِ مَعَ إِمَامٍ يُوافِقُه، ويُراعي شَرائط مَذهبه، وفَرائضَه وسُنَنَه وآدابه. وأمَّا القَولُ بأنَّه على تقدير تعدُّدِ الجَماعةِ فالاقتداء بالأُولى أَوْلى، فلا يصح على إطلاقه، فإنَّه لو فُرِضَ إمامانِ حَنَفَيَّانِ ويُصلِّي أحدهما في الصُّبحِ من الغَبَشِ، وثانيهما يُؤَخِّرُ إلى الإسفارِ، فإنَّ الاقتداء بالثَّاني أولى، كما لا يخفى على العُلماءِ الأبرار، حيثُ رَاعَى سُنَّةَ سيّد الأخيار، وهو قوله: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ؛ فَإِنَّه أَعظَمُ للأجرِ». رواه الترمذي والنَّسَائِيُّ وابنُ حِبَّانَ عن رافع.
وهو لا يُنافي قوله: «أَوَّلُ الوَقتِ رِضوانُ اللهِ؛ لأنَّ المُرادَ بِه أَوَّلُ الوقت المُختارِ جمعاً بين الأخبار، وبهذا يندَفِعُ قَولُ بعض علمائنا المائل إلى أنَّ الجَماعةَ الأُولى أولى مُطلَقاً، حيثُ علل بأنَّ اللهَ تعالى مَدَحَ الأنبياء بأَنَّهم كانوا يُسارِعُونَ في الخيراتِ والوَقتُ سيف قاطع، والعُمرُ لا اعتماد عليه، والمُؤمِنُ ينبغي له أن يحسب كلَّ نَفَسٍ من أنفاسه آخرَ عَهدِه من الدُّنيا، ويعْتَنِمَ عافيتَه وعَدَمَ حُلولِ المانع بينه وبين أداء ما فَرَضَ اللهُ عليه.
وفي التأخيرِ آفات، وقد غَفَلَ عَمَّا وَرَدَ في مَذهبه من الروايةِ، وذَهَلَ عَمَّا جاء في تأخير بعض الصَّلوات من الدراية، كالحديثِ المُتَقَدِّم، وكحديثِ: أبرِدُوا بالظهرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فَيحِ جَهَنَّمَ». أَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ من المُخَرِّجين عن جماعة من الصَّحابة.
وكحديثِ: «لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي لأخَّرتُ صلاةَ العِشاء إلى ثُلُثِ اللَّيلِ. رَواهُ جَماعةٌ. على أنَّه قد وَرَدَ: «القاعِدُ في المسجدِ ينتَظِرُ الصَّلاة كالقانِتِ. رَواهُ ابنُ المُبارَكِ.
والحاصِلُ: أَنَّ أَئِمَّتَنا اختارُوا تأخير صلاتهم عن الشَّافعيّة؛ لهذه الأحاديثِ الوارِدَةِ في القَضِيَّةِ، وكذا في العَصرِ؛ لأنَّ في تأخيره خُروجاً عن خلاف في تعيين وقته، بخلافِ صلاةِ المَغرِبِ، فإنَّ أفضَلَ أوقاتِها أَوَّلُها إجماعاً، بل إنَّ وَقتَه مُضَيَّقٌ في مذهب الشافعي كذلك، ولهذا أكابر المالكيَّةِ يقتَدُونَ بالحنفية في المغرب، والشَّافعيَّةُ لتَعَصُّبِهم ما يُراعُونَ أفضليَّةَ الوَقتِ هنا، ولا الخُروج عن الخِلافِ مَعَ أَنَّه مُستَحَبُّ بالإجماع. فالعَجَبُ كلُّ العَجَبِ من بعض الحنفية حيثُ أَطلَقُوا: بأنَّ الجَمَاعَةَ الأُولى هي الأولى مُستدِلِّين بقوله: (إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إِلا المَكتوبةُ». رَواهُ مُسلِمٌ والأربعةُ عن أبي هريرة، ولم يَدرُوا أَنَّه مَحمُولٌ على نفي الكَمالِ لا على نَفْيِ الصَّحَّةِ، وأنَّ محلَّه إذا كانَ يخافُ فَوْتَ الجَمَاعَةِ بِالكُليَّةِ كما صَرَّحَ به في «الهداية»، وأمَّا إذا أمكنه أن يُصلِّيَ سنةَ الفَجرِ ويُدرِكَ الركعة الثانية، بل التَشَهدَ فيُصلِّيها ثم يقتَدِي. والحاصل كما قالَ ابنُ الهُمامِ أَنَّه: إذا أمكنَ الجَمعُ بينَ الفَضيلَتَينِ ارتكَبَ الأرجَحَ، وفَضيلَةُ الفَرْضِ بِجَمَاعَةٍ أَعظَمُ من فَضيلَةِ رَكَعَتَي الفَجْرِ؛ لأنَّها تفضُلُ الفَرْضَ مُنفَرِداً بسبع وعشرين ضعفاً، لا تبلغ ركعتا الفَجْرِ ضِعْفاً واحداً منها؛ لأنَّها أضعافُ الفَرْضِ، والوعيدُ على التَّركِ للجماعةِ أَلزَمُ منه على ركعتي الفَجْرِ، انتهى. ولا يخفى أنَّه إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ إلا أنّها ليسَتْ على وَجْهِ السُّنَّةِ، بل على جِهَةِ الكراهَةِ، ويُتَوَفَّعُ إقامةُ الصَّلاةِ على وَجْهِ الفَضيلةِ، فلا يُكرَهُ تأخيرها لإدراك ما هو الأكمل، فتأمل.
ويُؤيده ما في «التَّجنيس»: مسجِدٌ دَخَلَ بعضُ أَهْلِه فَأَذَنُوا وأقاموا فيه على المُخافَتَةِ، ثمَّ حَضَرَ الباقون لهم أن يُصَلُّوا بجماعة؛ لأنَّها ما أُقِيمَتْ على وَجْهِ السُّنَّةِ بإظهار الأذانِ، فلم يبطل حَقُّ الباقين، انتهى.
وأما ما في «الخلاصة»: ويُكرَهُ التَّطوُّع في مسجد والنَّاسُ في المكتوبة؛ فمحمول على أنَّه إذا كانتِ الجَماعةُ غيرَ مُتعدّدَةٍ؛ لأنَّ فيه الإعراض عن الجماعة وشُبهة مُشابهة أهل البدع، بل الأولى في حقه بعد إقامَةِ الصُّبحِ أن يُصَلِّيَ التَّطوُّعَ في بيته، أو على باب المسجد، أو في أواخر المسجد، أو وَراءَ أُسطوانة، بحيثُ لم يطلع عليه كلُّ أحدٍ؛ لأنَّه أبعد عن التُّهمَةِ.
وأمَّا إذا كانتِ الأئمَّةُ مُتعدّدة والمَذاهِبُ مُختلِفةً فلا يُتوَهَّمُ ذلك، فيستوي أن يُصَلِّيَ عندَ إقامة المُخالِفِ، ويقعُدَ مُنتَظِراً لإقامة المُوافقِ، واللهُ المُوفِّقُ.
***
فصل
أغرَبَ بعضُ عُلمائِنا أنَّه ذكر ههنا عن بعض أَئِمَّتِنا: أَنَّه إِذا شَرَعَ في الفَرْضِ وأُقيمَتِ الجَماعةُ يقطَعُ ويَدخُلُ معَهم.
ففي «الحَدَّادي»: صلَّى من الفَجْرِ ركعة ثمَّ أُقيمَتْ، يقطعُ ويدخُلُ معهم، وكذا إذا قام إلى الثانية قبل أن يُقيَّدَها بسَجْدَةٍ؛ فَإِنَّه يقطَعُ لأَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذا أتى أحَدُكم الصَّلاةَ والإمام على حالٍ فليَصْنَعْ كما يصنَعُ الإمام». رواه مسلم والترمذي عن عليّ ومُعاذ رضي الله عنهما. انتهى. ولا يخفَى أَنَّهُ لا دَخْلَ له لما هنا، فإنَّ المَعنى: مَن شَرَعَ في فرضِ مُنفَرِداً و أُقِيمَت الجماعةُ يجوز أن يقطَعَ ويدخُلَ معَهم ليُدرِكَ فضيلةَ الجَماعةِ بِقَطْعِها.
قال صاحِبُ «الهداية»: وهذا القطعُ للإكمال؛ يعني: هو تفويتُ وَصفِ الفَرضِيَّةِ لتحصيله بوَجهِ أكمَلَ في القَضيَّةِ، فصارَ كمَن هَدَمَ مَسجِداً خَراباً ليبنيه جديداً، وإلا فقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33].
ومنه قالَ عُلماؤُنا: لزِمَ النَّفْلُ بالشُّروعِ، فإذا كانَ حكمُ الفَرْضِ هكذا فالنَّفْلُ بالأولى، إلا أنَّ محلَّه إذا خافَ فَوْتَ الجَماعةِ بالكُلّية.
وقد قال ابنُ الهُمامِ: جَوابُ المسألة مُقيّد بما إذا اتحد مسجِدُهما، فلو كانَ يُصلي في البيت مثلاً، فأُقيمَتِ الصَّلاةُ في المسجد، أو مَسجد فأُقيمَتِ الصَّلاة في مسجد آخر؛ لا يقطعُ مطلقاً، ذكره المرغيناني.
***
فصل
خُلاصَةُ الكلام في هذا المَقامِ: أَنَّه لم يرد عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلام، ولا عن أحدٍ من أصحابه الكرام، ولا عن أحدٍ من الأئمة الأعلام، أنَّه لا يجوزُ الاقتداء بالمُخالفِ، أو يُكرَهُ، بل وَرَدَ: صَلُّوا خَلْفَ كُلَّ بَر وفاجر»، وهو بظاهرِه يُفيدُ التّعميم، وإِنَّما
وَقَعَ اختِلافُ مشايخ الإسلامِ بحَسَبِ ما ظهر لهم من الرَّأيِ في هذا المَرامِ. ولا يَبعُد أن يُجمَعَ بينَ ما وقع لهم من مُتفَرِّقاتِ الرِّواياتِ بِحَسَبِ اختِلافِ الحالاتِ، أو أن يُقالَ: مَن قالَ بِعَدَمِ الجَوازِ أرادَ من غيرِ الكَراهَةِ، ومَن قالَ بالكَراهَةِ أرادَ التَّرهَ المُعبَّر عنه بخِلافِ الأولى، أو محمولٌ على أَنَّه إِذا شَاهَدَ من المُخالفِ ما يعتَقِدُ المُقتدي فَساد صلاتِه، فإنَّ المذهَبَ الصَّحيحَ الذي عليه الجمهورُ هو أنَّ العِبَرَةَ في جَوازِ الصَّلاةِ وعَدَمِه لَرَأْيِ المُقتَدي في حق نفسه، لا لرأْي إمامِه، فإِنْ صلَّى به يعيدُ كما صَرَّحَ به الصَّدرُ الشَّهِيدُ.
وأمَّا إذا شاهَدَ من الإمامِ ما يُفْسِدُ الصَّلاةَ عندَه دونَ المُقتَدي، كمَسِّ المرأةِ
والذَّكَرِ، فالأكثر على أنَّه يجوزُ، وهو الأصحُ.
ومختار الهندواني وجماعة: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ اعتقاد الإمامِ أنَّه ليس في الصَّلاة، ولا بناء على المعدوم.
ثمَّ هذا كله في الفرائض، وأمَّا النَّوافِلُ فأَمرُها أَوسَعُ من جهةِ الرّوايةِ والدراية، ولم أرَ مَن صَرَّحَ بالمَنعِ أو الكراهة، بل في المُتونِ المُصَحَّحَةِ ورَدَتِ العباراتُ المُصَرِّحةُ بأنه: يجوز اقتداءُ المُتَنَفِّلِ بالمُفتِرِضِ، والنَّفْلُ يَسْمَلُ السُّنَنَ المُؤَكَّدة والمُستحبَّةَ، كما يدلُّ عليه المُقابلة.
وقد سَمِعتُ شَيخنا بدرَ الدِّينِ الشَّهَاوِي الحَنَفَيِّ، المُفتي بالحَرَمِ المَكِّيُّ: أَنَّ الاقتِداءَ نَفْلاً لا يُكرَه أصلاً، وأما ما ذكره رحمه الله - رحمه الله ـ من أَنَّه لا يخلو عن الفَسادِ أو الكراهة؛ فغَيْرُ مُطابق للرواية، ولا مُوافق للدراية.
***
فصل
وأنا أُبيّنُ لك تفصيلاً حَسَناً في هذه المسألة ممَّا ينبغي أن يَفْعَلَ الحنفِيُّ معَ
الشَّافعيّ في الصَّلواتِ الخَمْسِ، واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ.
أما صلاةُ الصُّبحِ: فالأولى في حقه كما في حقِّ غَيره أن يُصلِّيَ السُّنَّةَ في بيته، ثم يدخُلُ المسجد ويشرَعُ في الطُّوافِ إن قدر عليه، وإلا فيدخُلُ المَسجِدَ ويُصلّي السُّنَّةَ؛ ليقومَ مَقامَ التَّحِيَّةِ، ويقعد بعيداً عن صفّ الشَّافعيّةِ؛ لئَلَّا يكون قاطعاً عليهم ما يتعلق باتّصالِ الصَّفُ من الفَضيلةِ، وظاهِرُ إطلاقاتِ الرّوايات: أنَّه يجوز أن يقتدي بالشافعي في سُنَّةَ الفَجرِ، إلا أنَّ الأظهَرَ أَنَّه لا يخلو عن كراهة؛ لأنَّها أقوَى السُّنَنِ، بل قيلَ: إنَّها واجبة.
ويُؤَيَّده ما رواه الحسَنُ عن أبي حنيفة: لو صلاها قاعِداً من غَيرِ عُدْرٍ: لا يجوز، وقالوا: العالِمُ إذا صارَ مَرجعاً للفتوى جازَ له تركُ سائرِ السُّنَنِ لحاجة النَّاسِ إِلا سُنَّةَ الفَجْرِ؛ لأَنَّها أَقوَى السُّنَنِ؛ أي: فتكون قريباً من الواجب.
وأما ما يفعله بعضُ مَن يدعي أنه من الفُضَلاء أو يُتَوَهَّمُ أَنَّه من الفُقَهَاءِ من الاقتداء بالشَّافعيّة أولاً بالفَرْضِ، ثمَّ يُعيده مع الحنفي، ويظُنُّ أنَّه أَوْلى، وأنه في المَقامِ الأعلى؛ فَوَهُمُ منه وغَفْلَةٌ عن الرواية والدراية، فإنَّه لا يخلو كل واحدة من صلاتيه عن الكراهة.
أمَّا الأُولى: فلِكَونِ إمامِه مُخالفاً غيرَ مُراعٍ، ومع هذا تارِكٌ للإسفار (2) الذي صح في حقه الفضيلة.
وأمَّا الثَّانيةُ: فلأنَّها إما إعادَةٌ للفَرْضِ، وإمَّا على وَجهِ النَّفْلِ، وَكِلاهُما مكروه عندنا.
أمَّا دليلُ الأَوَّلِ: فما رواه أبو داود والنسائي عن سُليمانَ بنِ يَسَارٍ قَالَ: أَتيتُ ابنَ عمر على البلاطة، وهم يُصَلُّونَ، قلتُ: الا تصلي معهم، قال: قد صَلَّيتُ، إِنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُصَلُّوا صلاة في يوم مرتين.
ورَوَى مالكٌ في «المُوطَّأَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: إلي أصلي في بيتي ثُمَّ أُدركُ الصَّلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال ابن عمر: نعم، قال: فهذا من ابنِ عُمَرَ دليلٌ على أنَّ الذي رُوِيَ عن سُليمانَ بنِ يَسَارٍ عنه إنَّما أَرادَ كِلتاهما على وَجْهِ الفَرْضِ، أو إذا صلَّى جَمَاعَةً فلا يُعيدُ، انتهى. ولا يبعد أن يُراد بالنَّفي إعادةُ الصَّلاةِ نَفْلاً إِذا كانَ الوَقْتُ مَكَرُوها كصلاة الصُّبحِ والعَصْرِ، وبالجَوازِ إذا كانَ الوَقتُ غيرَ مَكروه كالظُّهرِ والعِشَاءِ. ويُؤَيَّده ما رَواهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قالَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه: لا يُصَلَّى بعدَ صَلاةٍ مثلُها، وفي رواية عن ابن مسعودٍ: لا يُصَلَّى على إثرِ صَلاةٍ مثلها.
قالَ ابنُ الهُمام: وفيه نَفْيٌّ لقَولِ الشَّافعيّة بإباحةِ الإعادَةِ مُطلَقاً، وإِن صَلَّاها في جماعة، وقد رَوَى أبو دوادَ والترمذي والنسائي عن يزيد بن الأسود قالَ: شَهِدْتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الوَداع، فصليتُ معَه الصُّبحَ في مسجدِ الخِيفِ، فلما قضَى الصَّلاةَ إذا هو برَجُلَينِ في آخرِ القَومِ ولم يُصلِّيا مَعَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقال: «علَيَّ بهما، فأتيتُ بهما تَرْعُدُ فرائِصُهما، قالَ: «ما مَنَعَكُما أن تُصلَّيا معنا؟»، قالا: يا رسول الله! إِنَّا كُنَّا صَلَّينا في رِحالِنا، قالَ: «فلا تَفْعَلا، إذا صَلَّيْتُما في رِحالِكُما ثمَّ أتيتُما مسجِدَ جَماعةٍ فصَلِّيا معهم؛ فإنَّه لكُما نافلةٌ». رواه الترمذي، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ قال ابن الهمام: إلا أن النهي عن النقل بعدَ فَرْضِ الصُّبح، وعَدَمَ مَشروعية النفل بالوثر، ومُخالفة الإمامِ اللَّازِمِ بزيادةِ رَكعةٍ في المغربِ، عارَضَ إِطلاقه ومَوْرِدَه، فبقيَ في الظهرِ والعِشاء سالماً عن المُعارِضِ، فيُعْمَلُ به في الوَقتَينِ فقط. وأما دليلُ الثَّانية - وهي أداء النافلة في الأوقاتِ المَكروهَةِ: فَأَشهَرُ ممَّا يُذكَرُ، وأكثَرُ ممَّا يُحصَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ بعضهم: أنا أُصَلِّي الفَرْضَ مَعَ الشَّافِعِيِّ، وهو صَلاةٌ أُديت مع الكراهة، ثمَّ أُعيدُها؛ فما أبعده عن الفقه؛ لأنهم قالوا: كلَّ صَلاةٍ أُديت على وجهِ الكَراهَةِ تُعاد على غير وجه الكراهة، والإعادة في وقتِ الكَرامَةِ أَشدُّ من كلّ كراهةٍ، على أنَّ مُرادَهم تقَعُ منه كراهةٌ بغَيْرِ اختياره، يُعيدُها جبراً لانكساره، وليس معناه أن يتعمد الكراهة، ثمَّ يُعِيدُها لَدَفْعِ المَلالَةِ، فَإِنَّ مثله حينَئِذٍ مثلُ مَن لَطَّخَ نفسه أو ثوبه بالنَّجاسة، ثمّ يشتغل بعده بالطَّهارة، ثمَّ أقل مراتبِ الكَراهَةِ أن يكون تركها أَوْلى من فِعْلِها.