الغيث المنبجس في حكم المصبوغ بالنجس
للفقيه عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي
توفي في سنة (1143 هـ)
تحقيق:
هالة الشامي
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الغيث المنبجس في حكم المصبوغ بالنجس
للفقيه عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الحنفي
توفي في سنة (1143 هـ)
تحقيق:
هالة الشامي
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
الغيث المنبجس في حكم المصبوغ بالنجس
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
يقول الحقير عبد الغني النابلسي: هذه رسالة في بيان حكم الثوب اذا صُبِغ بالصَّبغ النَّجس، وما أشبه ذلك، سلكتُ فيها أوضح المسالك، وسمَّيتها بالغيثُ (¬1) المنبجس (¬2) في حكمِ المصبوغِ (¬3) بالنجس (¬4).
¬
(¬1) (الغيث) المطر وهوأيضاً مضدر 0 غاث) يغيث كباع. و (غاث) الغيث الأرض أصابها. وغاث الله البلاد وبابهما باع. و (غيثت) الأرض تغاث (غيثا) فهي أرض (مغيثة) و (مغيوثة). وربما سمي السحاب والنبات (غيثا). مختار الصحاح (ص: 232)، تاج العروس (5/ 317).
(¬2) بجس: البَجْسُ: انْشِقَاقٌ فِي قِرْبة أَوحَجَرٍ أَوأَرض يَنْبُعُ مِنْهُ الماءُ، فإِن لَمْ يَنْبُعْ فَلَيْسَ بانْبِجاسٍ؛ وأَنشد (لسان العرب (6/ 24) انبجسَ من ينبجس، انْبِجاسًا، فهومُنبجِس، والمفعول مُنْبَجَس منه، انبجس الماءُ من الأرض: مُطاوع بجَسَ: انفجر، انبثَق وتدفّق " {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} ". القاموس المحيط (1/ 532)
(¬3) [صبغ] الصِبْغُ والصِبْغَةُ: ما يُصْبَغُ به، والجمع أَصْباغٌ. والصِبْغُ أيضاً: ما يُصْطَبَغُ به من الإدام، وأصل الصبغ: التغييرالصِّبْغُ، بالكَسْرِ، وبهاءٍ، والصِّبَغُ، كعِنَب، مِثْلُ: شِبْعٍ وشِبَعٍ والصِّباغُ: مِثْلُ كِتَابٍ، كدِبْغٍ ودِباغٍ، ولِبْسٍ ولِبَاسٍ: مَا يُصْبَغُ بهِ، وتُلَوَّنُ بهِ الثِّيابُ.، مختار الصحاح (1/ 172)، لسان العرب (8/ 442)، تاج العروس (22/ 514).
(¬4) نجس: النَّجْسُ والنِّجْسُ والنَّجَسُ: القَذِرُ مِنَ النَّاسِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَذِرْتَه .. ونَجِسَ الشيءُ، بِالْكَسْرِ، يَنْجَسُ نَجَساً، فَهُونَجِسٌ ونَجَسٌ، وَرَجُلٌ نَجِسٌ ونَجَسٌ، وَالْجَمْعُ أَنْجاسٌ وتَنَجَّسَ: فَعَلَ فِعْلاً يَخْرُجُ به عن النَّجَاسَةِ.،،لسان العرب (6/ 226)، القاموس المحيط (1/ 576).
فأقول، وعلى الله القبول:
قال في "الخلاصة" (¬1) نقلاً عن "المحيط" (¬2):"قال الفقيه أبوإسحق الحافظ (¬3):المرأة إذا خضبت يدها بحناء نجسة، أوصبغت ثوبها بصبغٍ نجس، تغسل يدها والثوب إلى أن يصفو، ويسيل معه ماء أبيض، ثم يُغسل بعد ذلك ثلاثاً.
¬
(¬1) خلاصة الفتاوي للشيخ، الإمام: طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد، البخاري. وهوكتاب، مشهور، معتمد. في مجلد.
ذكر في أوله: أنه كتب في هذا الفن خزانة الواقعات، وكتاب النصاب، فسأل بعض إخوانه تلخيص نسخة قصيرة، يمكن ضبطها، فكتب الخلاصة جامعة للرواية، خالية عن الزوائد مع بيان مواضع المسائل، وكتب فهرست الفصول، والأجناس على رأس كل كتاب ليكون عوناً لمن ابتلي بالفتوى. وللزيلعي المحدث تخريج أحاديثه. ت (542) كشف الظنون (1/ 718)، ايضاح المكنون (3/ 391).
(¬2) المحيط البرهاني، في الفقه النعماني، للشيخ، الإمام، العلامة، برهان الدين: محمود بن تاج الدين: أحمد بن الصدر، الشهيد، برهان الأئمة: عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري الحنفي، المتوفى: سنة 616.أوله: (الحمد لله خالق الأشباح بقدرته، وفالق الإصباح برحمته ... الخ).،قال ابن الحنائي: تتبعت ترجمته في كتب (الطبقات)،فلم أظفر؛ وأصحابنا يفرقون بين المحيطين في التلقيب، فيقولون للكبير: (المحيط البرهاني)، وللصغير: (المحيط السرخسي) ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/ 1619).
(¬3) أبواسحاق الحافظ: أستاذ شيخ الإسلام وعلاء الدين سديد بن محمد الخياطي، ينظر الجواهر المضية في طبقات الحنفية (2/ 305).
ويقول على قول محمد: لا يطهر، وهويعني أبا اسحاق يقول في الدم إذا كان عتيقاً-لا يذهب أثره-: يُغسل إلى أن يصفو (¬1)،ويسيل الماء من الثوب على لونه، ثم يُغسل بعد ذلك ثلاثاً، وكذلك غيرها من النجاسة." (¬2) (¬3)
وفي "منية المصلي (¬4)
¬
(¬1) في الأصل: يصفوا.
(¬2) ورد في الخلاصة، لوحة 13،كيفية غسل الثوب النجس: النجاسة نوعان،: مرئية كالدم وغير مرئية كالبول، ... فإن كانت مرئية فطهارتها زوال عيهنا إلا أن يبقى لها أثر فأن كان لا يزول، لا يضره أثره فلوزالت النجاسة بمرة واحدة ثبتت صفة الطهارة وعن الفقيه أبوجعفر أنه يغسل بعد زوال العين مرة أومرتين لكن هذا خلاف ظاهر الرواية، هذا إذا صب الماء أوغسله في الماء الجاري، فلوغسله في اجانة يطهر بالثلاث إذا عصر في كل مرة والقياس أن لا يطهر في عشر اجانات ما لم يصب عليه الماء، وأبويوسف أخذ بالاستحسان في الثوب وقال: يطهر حين يخرج من الإجانة الثلاثة، وفي العضوبالقياس ومحمد استحسن فيهما، وحد العصر أن لا يبقى التقاطر، فلوعصر الثوب النجس ثم تقاطرت منه قطرة أصابت شيئأ فإن عصر في المرة الثالثة عصراً بالغ فيه حتى صار بحال لوعصر لم يسل منه الماء، فاليد طاهرة، والثوب طاهر، والبلل طاهر، وإن كان بحال لوعصر سال منه الماء فاليد نجسة، والبلل نجس.
(¬3) المحيط البرهاني (1/ 196).
(¬4) منية المصلي، وغنية المبتدي، للشيخ، الإمام، سديد الدين، الكاشغري، هو: محمد بن محمد، المتوفى: سنة 705.
أوَّله: (الحمد له رب العالمين ... الخ)،وهو: كتاب معروف، متداول بين الحنفية، وقد شرحه: ابن أمير الحاج، شرحا بسيطا.،في مجلدين، ثم إن الشيخ: إبراهيم بن محمد الحلبي، ألف شرحا جامعا، كبيرا، في مجلد، سماه: (غنية المتملي)،فأقبل عليه الناس، وتلقاه الفضلاء بالقبول، ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/ 1886).
":"وإن أصابت الجلد نجاسة فتشرّب، أوأدخل يده في السمن النجس، أوالمرأة اخضبت بالحناء النجس، أوالثوب إذا صبغ بالصبغ النجس، ثم غسل ثلاث مرات يطهر الجلد، والثوب، والبدن، وإن بقي أثر الدهن، والصبغ، وما تشرب الجلد فهوعفو" (¬1).
وذكر في " المحيط " (¬2):"يطهر الثوب بشرط أن يُغسل حتى يصفو، ويسيل منه الماء الأبيض (¬3)، وإن غُسل بغير أن يصفوالماء الأبيض فلا (¬4) (¬5).
إلا ترى ألى ما روي عن أبي يوسف في الدهن النجس: إذا جعل في إناء، فصب عليه الماء فيعلوا الدهن، فيرفع بشيء هكذا، إذا فعل ثلاث مرات، يحكم بطهارة الدهن". (¬6)
وفي"الإحكام شرح درر الحكام" (¬7) للوالد رحمه الله تعالى (¬8):حكي عن الفقيه أبي اسحاق الحافظ، أن المرأة إذا خضبت يدها بحناء نجس، أوالثوب إذا انصبغ بصبغٍ نجس، غسلت يدها، وغسلت الثوب إلى أن يصفو، ويسيل منه ماء أبيض (¬9) بعد ذلك ثلاثاً، يُحكم بطهارة يدها، وطهارة الثوب بالإجماع (¬10).) "
¬
(¬1) منية المصلي وغنية المبتدي، للكاشغي، (1/ 84).
(¬2) سبق ذكره، ص (17)
(¬3) زائدة في (ب) و (ج))] وأن غسل بغير حرض [.
(¬4) ينظر المحيط (1/ 196).
(¬6) منية المصلي (1/ 84)، الحقائق شرح كنز الدقائق (1/ 75)،فتح القدير (1/ 209).
(¬7) الإحكام شرح درر الحكام، لمنلا خسرو، اسم المؤلف: عبد الغني النابلسي، ت (1062) ينظر: الأعلام (1/ 317) وهديةالعارفين (1/ 218)
(¬8) إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد النابلسي، أصله من فلسطين، ولد بدمشق، من مؤلفاته: الإحكام شرح درر الحكام، عنوان الآيات في ترتيب ألفاظ القرآن على حروف المعجم، ت (1062)، ينظر: الأعلام (1/ 317)،هدية العارفين (1/ 218).
(¬9) زائدة في (ج) ثم يغسل،
(¬10) لم أقف عليه في كتاب الإحكام. ولكن وقفت عليه في كتاب (المحيط البرهاني في الفقه النعماني (1/ 196).
ونُقل قبل ذلك عن "الكافي" (¬1): "وما بقي من أثر النجاسة عفو، وإن كان كثيراً لقوله - صلى الله عليه وسلم - " اغسله ولا يضرك (¬2) أثره." (¬3)
لأن فيه حرجاً، فإن المرأة إذا خضبت يدها بحناء نجس، لوشرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة؛ لتباعدت عن الصلاة، وفيه حرج بيّن" (¬4).
وفي "مبسوط" (¬5) شيخ الإسلام (¬6):أنه - صلى الله عليه وسلم -،"قال ذلك لخولة بنت يسار (¬7)
¬
(¬1) الْكَافِي فِي شرح الوافي، وَهُولعبد الله بن احْمَد بن مَحْمُود حَافظ الدّين ابوالبركات النَّسَفِيّ، ينظر: أسماءالكتب المتمم لكشف الظنون (1/ 237).
(¬2) زائدة في نسخة (ج) بقاء.
(¬3) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2/ 409) والهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 282). روى حديثها البيهقى فى رواية أبى هريرة بإسناد ضعيف وضعفه، ثم روى بإسناد عن إبراهيم الحربى الإمام. قال: لم نسمع بخولة بنت يسار إلا فى هذا الحديث، تهذيب الأسماء واللغات (2/ 343)، البدر المنير (1/ 521)،فتح الباري (2/ 86)
(¬4) مخطوط الكافي شرح الوافي، لوحة (18).
(¬5) مبسوط خواهر زاده، وهو: الإمام، شيخ الإسلام: محمد بن حسين البخاري، الحنفي، المعروف: ببكر خواهر زاده.
في: خمسة عشر مجلدا. وتوفي: سنة 483، وقيل: له مبسوطان. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/ 1580)
(¬6) خُوَاهَرْ زَادَهْ: محمد بن الحسين بن محمد، أبوبكر البخاري، المعروف ببكر خواهر زاده، أوخواهر زاده: فقيه. كان شيخ الأحناف فيما وراء النهر. مولده ووفاته في بخارى. له (المبسوط) و (المختصر) و (التجنيس) في الفقه. وهو: ابن أخت القاضي أبي ثابت محمد بن أحمد البخاري، ولهذا قيل له بالعجمي خواهر زاده، وتفسيره ابن أخت عالم)، ت (483 هـ) الأعلام (6/ 100)،معجم المؤلفين (9/ 252)،كشف الظنون (2/ 1223)
(¬7) وهي خولة بنت الهذيل بن هبيرة بن قبيصة بن الحارث ابن حبيب حرفة بن ثعلبة بن بكر بن حبيب بن عمروبن غنم بن تغلب. (موقع نداء الإيمان).
وروى أبوهريرة، رضي الله عنه، أن خولة بنت يسار، قالت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرأيت إن لم يخرج أثر الدم؟ قال: " يكفيك غسله ولا يضرك ".أخرجها الثلاثة، وقال أبوعمر: أخشى أن تكون خولة بنت اليمان، لأن إسناد حديثهما واحد، وإنما هوعلي بن ثابت، عن الوازع، عن أبي سلمة. أسد الغابة ط العلمية (7/ 98)،الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 121)
لما قالت: يا رسول الله، إنَّ لي ثوباً واحدا، ً وإني أحيض فيه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رشيه فاقرصيه ثم اغسليه بالماء، فقالت: يا رسول الله! إنه يبقى له أثر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "يكفيك الماء فلا يضرك أثره" (¬1).
(¬2) والحاصل أنَّ الصابون، ونحوه زائد على الآلة المعدة للتطهير، وفيها مشقة والقاعدة أن المشقة تجلب التيسير." (¬3) انتهى.
وفي "خزانة الروايات" (¬4): "واليد المخضوبة بالحناء النجس، والثوب المصبوغ بالصبغ النجس، يطهر بالغسل ثلاثاً، والسمن إذا تنجس، وغمس إنسان يده فيه، وغسلها ثلاثاً بغير حُرْض (¬5) تطهر، وآثار الدسومة لا يضر؛ لأن نجاسته بالمجاورة، وقد زالت." انتهى. (¬6)
¬
(¬1) رواه أحمد وأبوداود، ينظر: نيل الأوطار (1/ 58).سبق تخريجه، في رأس الصفحة.
(¬2) زائدة في نسخة (ج)،إلى أن قال رحمه الله تعالى.
(¬3) مبسوط خواهر زادة (مفقود).
(¬4) خزانة الروايات في الفروع، للقاضي: جكن الحنفي، الهندي، الساكن بقصبة كن من الكجرات، وهومجلد، أوله: (الحمد لله، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان ... الخ)،ذكر فيه: أنه أفنى عمره في جمع المسائل، وغريب الروايات، وابتدأ بكتاب العلم؛ لأنه أشرف العبادات. ينظر: كشف الظنون (1/ 702).
(¬5) الحرض: الأشنان ورماد غذا أحرق ورش عليه الماء، انعقد وصاركالصابون ن تنظف به الأيدي والملابس0المعجم الوسيط (167).
(¬6) مخطوطة خزانة الروايات ص (31).
ونقل الشيخ عبد الرحمن العمادي (¬1) في مقدمته (¬2)، قال: "المرأة إذا اختضبت بحناء نجس، أوصبغ الثوب بصبغ نجس يكفي غسله ثلاثاً".
وقال في "الذخيرة " (¬3):" يُغسل حتى يسيل منه ماء أبيض، ثم يُغسل ثلاث مرات فيُحكم بطهارته بالإجماع (¬4)."
قلت: وفي المسألة من الواقعات (¬5)
¬
(¬1) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عماد الدين الملقب بالعمادي: مفتي الشام. دمشقي المولد والوفاة من فقهاء الحنفية. له "الأغلاط التسعة "في مخطوطات الأنكرلي، "رسالة صغيرة في النقد اللغوي"، و"الروضة الريّا، في من دفن بداريّا (2). (-ت 1051) ينظر: الأعلام (3/ 332)،هدية العارفين (1/ 549)
(¬2) مخطوطة المقدمة: هي كتاب "هدية ابن العماد لعبّاد العبّاد) مقدمة الصلاة، لعبد الرحمن بن محمد العمادي الحنفي ينظر: هدية العارفين (1/ 549)
(¬3) كتاب الذخيرة: اختصار لكتاب المحيط البرهاني في الفقه النعماني للعلامة: برهان الدين محمود بن تاج الدين أحمد بن الصدر الشهيد برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازة، البخاري، الحنفي ت (616) ينظر: كشف الظنون 2/ 1619
(¬4) الذخيرة البرهانية (1450)،هدية ابن العماد (مقدمة العمادي في الصلاة) لوحة رقم 12،نهاية المراد في شرحهدية ابن العماد (245).
(¬5) الواقعات: نازلة من مصائب الدّهر، حادث طارئ، معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 2482)
الواقعات اصطلاحاً: هي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئل منهم، ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب، وتسمى بالفتاوى، وبالنوازل، وأول كتاب جمع في هذه الفتاوي، كتاب "النوازل"، للفقيه أبي الليث السمرقندي. الطبقات السنية في تراجم الحنفية (ص: 12،)
في هذا الزمان، حيث اعتياد بعض الناس صبغ الثوب بالدم، (¬1) أوبالصبغ النجس (¬2).
الحاصل أن الثوب إذا صبغ بالدم، اوالصبغ النجس، ففي تطهيره قولان:
الأول: أنه يطهر بمجرد الغسل ثلاثاً، ولا يحتاج أن يصفو (¬3) منه الماء الأبيض، كما سبق ذلك عن "منية المصلي" (¬4)، و"خزانة الروايات" (¬5)، وأشار اليه الشيخ عبد الرحمن العمادي في مقدمته.
والقول الثاني: أنه لا يطهر حتى يصفو، ويخرج منه ماء أبيض، ثم يغسل ثلاث مرات، فيحكم بطهارته كما سبق التصريح به عن "الخلاصة"، وجزم فيه في الأحكام تبعاً لها.
ومال إليه الشيخ عبد الرحمن العمادي رحمه الله تعالى.
وقال العلامة ابن أمير الحاج (¬6) في "شرحه على منية المصلي" (¬7): "إعلم أنَّ الحكم بالطهارة في هذه المسائل الثلاث-أعني على ما تقدم ذكرها في منية المصلي- وهي:
مسألة غمس اليد في السمن النجس.
ومسألة صبغ اليد بالحناء النجس.
وصبغ الثوب بالصبغ النجس.
¬
(¬1) زائدة من نسخة (ب) و (ج): [ولا حول ولا قوة الا بالله انتهى كلام الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى، والحاصل].
(¬2) زائدة (في نسخة (ج): والحاصل أن الثوب إذا صبغ بالدم أوفي صبغ النجس.
(¬3) زائدة نسخة (ب) (ج): ويخرج.
(¬4) سبق ذكره، ص (18)
(¬5) سبق ذكره. ص (20).
(¬6) ابن أَمِير الحَاجّ: هومحمد بن محمد بن محمد، ويقال له ابن الموقت، ابوعبد الله، شمس الدين، فقيه منن علماء الحنفية، من أهل حلب، لازم ابن الهمام، وبرع في فنون، وتصدى للإقراء، والافتاء، وشرح منية المصلي وتحرير شيخه ابن الهمام، ت (879) من كتبه "التقرير والتحبير"في شرح التحرير لابن الهمام، و" ذحيرة القصر في تفسير سورة العصر"، "وحلية المجلي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي"، كشف الظنون (2/ 1886)، الأعلام (7/ 49).
(¬7) حلية المجلي وبغية المهتدي في شرح منية المصليأوَّله: (الحمد لله عظيم الفضل والطول ... الخ) للفقيه: ابن امير الحاج ت (879)، ينظر: كشف الظنون (2/ 1886).
إذا بقي في اليد أثر السمن، وفيها، وفي الثوب لون الحناء، والصبغ، يُحتملأن يكون مبنياً على أنَّ الباقي من هذه الأشياء من الدسومة (¬1)، واللون مما يشق زواله فإنهم قد فسروا المشقة. (¬2)
كما في "الكافي" (¬3):" بأن يحتاج إلى شيء آخر يقطع الأثر سوى الماء كالحُرْضبالضم للحاء وسكون الراء المهملتين وهوالأشنان (¬4) وكالصابون؛ لأنه الآلة المعدة لقطع النجاسات بالماء، فإذا احتيج إلى شيء آخر يشق عليه ذلك" (¬5)،
وعلى هذا مشى غير واحد من المشايخ في مسألة الحناء والصبغ، وصرحوا به.
ويحتمل أن يكون مبنياً على ما استفيض من نقل مشايخ المذهب عن أبي يوسف: "من أن الدهن المائع المتنجس يطهر بالغسل، وذلك بأن يوضع في إناء، ويصب عليه الماء فيعلوا الدهن، فيؤخذ بشيء هكذا ثلاث مرات" (¬6).
وقد وقع التصريح به لبعض المشايخ، ففي" الذخيرة" (¬7):وكان الفقيه أبوجعفر يذكر مسألة الحناء والثوب المصبوغ بالنجس، وكان يقول على قول محمد: لا يطهر.
وفي "الفتاوى الخانية (¬8) ": (¬9) إذا تنجست اليد بدهن نجس، فغسلها ثلاثاً بغير حرض، وبقي أثر الدهن في يده على قياس قول ابويوسف: يطهر (¬10).
¬
(¬1) الدسومة: مصدرقولهم: شيء دسم، أي: ذودسم، وهوالودك من شحم أولحم،"المغرب في ترتيب المعرب" للمطرزي (1/ 287).
(¬2) حلية المجلي وبغية المهتدي في شرح منية المصلي (1/ 496).
(¬3) سبق ذكره، ص (19)
(¬4) الأشنان: شجر يصنع من ما تغسل به الثياب وتحوها، ينظر:"تهذيب اللغة" (4/ 122).
(¬5) مخطوطة الكافي شرح الوافي لوحة رقم 18.
(¬6) فتح القدير (1/ 209).
(¬7) سبق ذكره، ص (20)
(¬8) في نسخ المخطوط ذكرت الخيرية.
(¬9) الفتاوى الخانية: فتاوي قاضي خان، تأليف: فخر الدين حسن بن منصر الأوزجندي، الفرغاني، ت (592) نينظر: كشف الظنون (2/ 1227) 0
(¬10) الفتاوى الخانية (1/ 32).
وفي الفتاوى (¬1)، رجل غمس يده في سمن نجس، ثم غسل يديه بالماء الجاري ثلاث مرات (¬2)، فيعلوا الدهن على الماء، فيرفع الدهن هكذا في كل مرة، يطهر في المرة الثالثة (¬3).
وعلى هذا الاحتمال في الكتاب- أي "منية المصلي" (¬4) - كما علمت، وحينئذٍ يكون القول بالطهارة في هذه المسائل، قول أبويوسف خاصة كما سمعت: وينبغي أن لا يشترط في الطهارة بعد الغسل ثلاثاُ خروج الماء صافياً في المرة الثالثة، وهي (¬5) اقتصار النظرعلى هذا ما في الفتاوى الخانية، وغيرها.
إذا وقعت النجاسة في صبغ، فإنه يُصبغ به، ثم يُغسل ثلاثاً، فيطهر، كالمرأة إذا اختضبت بالحناء النجس.
وعلى الاحتمال الأول: يكون القول بالطهارة في المسائل المذكورة قول الكل، وينبغي أن يُشترط في الحكم بالطهارة خروج الماء صافياً؛ لأن ذلك الصبغ مثلاً قد صار نجاسة مرئية.
¬
(¬1) زائدة في (ب) (ج) الفتاوى الولوالجية: هي فتاوى للفقيه الحنفي: عبد الرشيد بن أبي حنيفة بن عبد الرازق، ابوالفتح، ظهير الدين، الولوالجي: ولد ومات في ولوالج (ببدخشان) وتفقه ببلخ، "الفتاوى الولوالجية "مجلدان، ت (467)، ينظر: الأعلام للزركلي (3/ 353)
(¬2) زائدة (ب، ج) [من غير حرض وأثر السمن باقي على يديه طهرت يداه لأن نجاسة السمن بالمجاورة وقد زالت المجاورة فبقي على يديه سمن طاهر، كما روي عن ابي يوسف: الدهن إذا أصابته النجاسة يجعل في إناء فيصب عليه الماء ثلاث مرات].
(¬3) وقفت على هذا القول في الفتاوى الخيرية (لوحة رقم 3)، في نسخة (ب) (ج) ذكرت كلمة الولوالجية، وبحثت عنه في الفتاوى اللوالجية ولم أجده، وأظنه خطأ من النساخ ذكر كلمة اللولوالجية.
(¬4) سبق ذكره، ص (18)
(¬5) (ج) وعلى.
والشرط في الطهارة زوال عينها، ولا يضر بقاء أثرها في الجسم الذي أصابته من لون أوريح يشق زواله، وخروج الماء متلوناً بلون الصبغ، دليل على أن العين لم تزل فيوقف الحكم بطهارة اليد، والثوب على خروج الماء صافياً من غير تقدير بعده، ثم لا يضر ما بقي قائما باليد، والثوب من البدن الذي هوأثر الصبغ.
وإذا (¬1) كان ذلك بحيث يضمحل شيئاً فشيئا، وربما نقض على ثوب آخر، أوظهر في الماء عند غسله في وقت آخر.
وقد لحظ قاضي خان (¬2) هذا المناط، حيث قال في "فتواه" (¬3):"المرأة إذا اختضبت بحناء نجس، وغسلت ذلك الموضع بماء طاهر يطهر؛ لأنها أتت بما في وسعها، وينبغي أن لا يكون طاهراً ما دام يخرج منه لون الماء الملون بلون الحناء،" (¬4) انتهى.
وعلى هذا يتخرج قول الفقيه أبي اسحاق الحافظ، غير أن ظاهر كلامه يفيد مع ذلك اشتراط الغسل ثلاث مرات في الحكم بطهارته بالاجماع.
¬
(¬1) (ج) وإن.
(¬2) قاضي خان: هُوالعَلاَّمَةُ شَيْخُ الحَنَفِيَّةِ، أَبُوالمَحَاسِنِ حَسَنُ بنُ مَنْصُوْرِ بنِ مَحْمُوْدٍ البُخَارِيُّ الحَنَفِيُّ، الأُوْزْجَندِيُّ، صاحب التصانيف، سَمِعَ الكَثِيْر مِنَ الإِمَام ظَهِيْر الدِّيْنِ الحَسَن بن عَلِيِّ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ. وَمِنْ إِبْرَاهِيْمَ بن عُثْمَانَ الصَّفَّارِيّ وَطَائِفَة. وَأَملَى مَجَالِس كَثِيْرَة.،رَوَى عَنْهُ: العَلاَّمَة جَمَال الدِّيْنِ مَحْمُوْد بن أَحْمَدَ الحَصِيْرِيّ، أَحَد تَلاَمِذته، ت (589)، ينظر: سير اعلام النبلاء (15/ 386)، تاج التراجم، ابن قطلوبغا (1/ 151)
(¬3) فتاوى قاضي خان، سبق ذكره في النقطة السابقة.
(¬4) لم اقف عليه في فتاوى قاضي خانبهذه الصيغة بل قال (إذا وقعت النجاسة في ضبغ فإنه يصبغ به الثوب ثم يغسل ثلاثأ، فيطهر كالمرأة إذا اختضبت بحناء نجس] ينظر: فتاوي قاضي خان (1/ 34)
والعبد الضعيف غفر الله له لا يَعلم عن أحد من أهل المذهب اشترط ذلك، ولا دليل فيما يظهر يدله عليه، وإنما المسطور في غير موضع أن العين، والأثر بمرة واحدة، هل يطهر؟
فقيل: لا يطهر، ما لم يغسله بعدها ثلاثاً الحاقاً له بعدها بنجاسة (¬1) مرئية، وقيل: ما لم يغسله مرتين للنجاسة غير المرئية وغسله (¬2) مرة.
وقيل: إذا ذهب العين، والأثر بمرة يطهر.
قال شيخنا رحمه الله تعالى، أعني ابن الهمام (¬3) - وهوأقيس-؛لأن نجاسة المحل بمجاورة العين، وقد زالت، وحديث المستيقظ من منامه (¬4) في غير المرئية ضرورة، أنه مأمور بتوهم النجاسة، ولذا كان مندوباً، ولوكانت مرئية كانت محققة، وكان حكمه الوجوب، انتهى.
¬
(¬1) (ج) غير.
(¬2) (ج) غسلت.
(¬3) ابن الهُمَام: محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ابن مسعود، السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام: إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق. أصله من سيواس. ولد بالإسكندرية، ونبغ في القاهرة. وأقام بحلب مدة، وجاور بالحرمين. ثم كان شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية بمصر. وكان معظما عند الملوك، وأرباب الدولة. توفي بالقاهرة. من كتبه (فتح القدير) في شرح الهداية، ثماني مجلدات في فقه الحنفية، و (التحرير) في أصول الفقه ت (861) الأعلام للزركلي (6/ 255)
(¬4) يعني حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) رواه البخاري، بابا الاستجار وترا (1/ 72) حديث رقم (160) ومسلم، باب كراهة غمس المتوضىء (1/ 233) حديث رقم (87) و (88).
وهوحسن، وغاية ما في الباب، أنَّ هذه المسألة التي نحن بصددها، إذا قيست على المسألة المذكورة، ينبغي أن لا يقع الإطلاق باشتراط الغسل ثلاثاُ للطهارة بعد خروج الماء صافياً (¬1) في المرة الثانية على ما فيه من بعد لا مطلقاً فتأمله.
ثم الأشبه المشي على هذا الاحتمال، أعني أن العلة هي كون الأثر المذكور من اللون، والدسم مما يشق زواله بالتغير المذكور، وإن كان ذلك (¬2) اللون أتمّ، وأقوى فليكن التعويل على مقتضى هذه في الفتوى.
وفي "الحاوي القدسي" (¬3):" الدهن الذائب، وغيره من المائعات إذا وقعت (¬4) نجاسة، أوفأرة، لا يطهر بالغسل، ويجوز الانتفاع به في غير الأكل كالدباغ، والإسراج، ويباع إذا بيّن عيبه " (¬5).
وإلى هنا كلام ابن أمير الحاج في" شرح المنية" (¬6).
وفي "البحر الرائق" (¬7): "المرأة إذا اختضبت بحناء نجس، فغسلت ذلك الموضع ثلاثاً بماء طاهر، يطهر؛ لأنها أتت بما في وسعها، وينبغي أن لا يكون طاهراً ما دام يخرج منه الماء الملون بلون الحناء"، كذا في "فتاوي قاضي خان".
¬
(¬1) زائدة ف (ب) [أما إذا كان الماء صافياً في المرة الثانية].
(¬2) زائدة (ب) في مسألة.
(¬3) الحاوي القدسي في فروع الفقه الحنفي، للقاضي جمال الدين: أحمد بن محمد بن نوح القابسي، الغزنوي، الحنفي، المتوفى سنة 593 تلميذ الكاساني صاحب " بدائع الصنائع " وهومن أهم كتب المذهب، وقد جعله على ثلاثة أقسام: أصول الدين، أصول الفقه، الفروع الفقهية وأكثر فيها من ذكر الفروع المهمة في كراريس يسيرة، أوله (الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام ..... الخ) ينظر: كشف الظنون (1/ 627).
(¬4) زائدة (ج) فيه.
(¬5) الحاوي القدسي (1/ 124).
(¬6) شرح المنية (1/ 498).
(¬7) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، للعلامة: زين العابدين بن نجم المصري (ت: 970) أوله: (الحمد لله الذي دبر الأنام بتدبيره القوي ... الخ) ينظر: كشف الظنون (2/ 1516)
وظاهره أن المذهب الطهارة، وإن لم ينقطع اللون، وظاهر ما في "فتح القدير" (¬1): أن ما ذكره بصيغة (¬2) ينبغي هوالمذهب، فإنه قال: قالوا لوصبغ ثوبه، أويده بصبغ، أوحناء نجس فغسل إلى أن صفا (¬3) الماء يطهر مع قيام اللون، ويغسل بعد ذلك ثلاثاً، انتهى"
وفي "المجتبى" (¬4): غسل يديه من دهن نجس طهرت، ولا يضر أثر الدهن على الأصح، انتهى (¬5) (¬6).
والذي تحصل لنا مما تبنى الرسالة عليه أن في المسألة قولين (¬7):
وهوالأحوط، والمجمع عليه الذي ينبغي الافتاء به-: أن هذا الثوب المصبوغ بالصبغ النجس، لا يُحكم بطهارته ما لم يغسل إلى أن يصفو، ويخرج منه الماء الأبيض، وإلا يستمر نجساً.
ولا يُراعى في ذلك صيانة الثوب من التخريق، بدليل قولهم في مسألة العصر على ما صرح به في "خزانة الروايات" (¬8)، وغيرها، وإذا غسل الثوب ثلاثاً، وعُصر في كل مرة، وقوته أكثر من ذلك، ولم يبالغ صيانة الثوب لا يجوز، انتهى.
¬
(¬1) فتح القدير، الإمام، كمال الدين: محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف: بابن همام الحنفي (ت:861) وهوشرح من شروحات كتاب "الهداية"لشيخ الإسلام، برهان الدين علي، ابن ابي بكر المرغياني، الحنفي ا (ت:593) اوله: (الحمد لله رب العالمين على ما ألهم ... ) ينظر: كشف الظنون (2/ 2022)
(¬2) (ج) بصيغته.
(¬3) (ب) (ج) جف.
(¬4) المجتبى لأحمد بن مظفر الرازي، شمس الأئمة الكردي (ت:642) وهوشرح لكتاب القدوري، للإمام أبي الحسين: أحمد بن محمد القدوري، البغدادي، الحنفي (ت:428) وهوالذي يطلق عليه لفظ (الكتاب) في المذهب. يتظر: كشف الظنون (2/ 1631).
(¬5) مخطوطة المجتبى لوحة رقم (19).
(¬6) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (1/ 249)
(¬7) (ج) قولين.
(¬8) سبق ذكره، ص (20).
لا سيما إذا كان مصبوغاُ بالدم، كالثياب الحمر المجلوبة في زماننا من ديار بكر، وغيرها فإنهم يصبغون (¬1) بالدم، ويبقى صباغها يحل في الماء كلما غسلت، وإن وضع مع الدم صبغ أخر، فإن عمدتهم في ذلك الدم، فإنه لا يصح قياسه في الغسل ثلاثا فقط على مسألة الدهن النجس إذا أصاب اليد (¬2)، وأنه يكتفي الغسل ثلاثاً لا يضر بقاء الدهن على يده؛ لما علمت من أن الدهن متنجس لا عين النجاسة كالدم.
ثانيهما: قال في "الأحكام" (¬3): لوتنجست يده بسمن نجس، فغمسها في الماء الجاري، وجرى عليها الماء طهرت، ولا يضره بقاء اثر الدهن؛ لأنه طاهرٌ في نفسه، وإنما تنجس بمجاورة النجاسة، بخلاف ما إذا كان الدهن ودك (¬4) ميتة فإنه يجب عليه إزالة أثره، انتهى. (¬5)
نعم، إذا كان الصبغ متنجس يصح القياس المذكور بناء على مسألة غسل الدهن النجس، وقد علمت ما في "الحاوي القدسي" (¬6)، من عدم طهارته بالغسل على أن الاحتياط في مثل ذلك أولى.
قال في "البحر" (¬7) - بعد أن أورد فروعاً كثرة في الطهارة-:" وإنما أكثرنا من هذه الفروع للحاجة اليها، وتكون الطهارة من المهمات، ولهذا ورد أن أول ما يسئل عنه العبد في قبره الطهارة" (¬8) (¬9)، انتهى.
¬
(¬1) (ج) يصبغونها.
(¬2) ساقطة من (ج)
(¬3) سيق ذكره، ص (20).
(¬4) الودك من الشحم أواللحم: ما يتحلب ومنه، وقول الفقهاء: ودك الميته من ذلك، المغرب في ترتيب المعرب (2/ 346)
(¬5) مخطوطة الإحكام شرح درر الحكام لوحة (199) وهوموجود في البحر الرائق (1/ 250).
(¬6) سبق ذكره، ص (25)
(¬7) البحر الرائق: سبق ذكره، ص (25)
(¬8) يعني حديث (اتقوا البول؛ فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر) رواه الطبراني في المعجم الكبير 8/ 133)، حديث رقم (7605)، (7607)، قال الهيثمي: رجاله موثقون، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 209).
(¬9) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (1/ 245).
وفي "حاشية شرح المنهج في مذهب الشافعية: (¬1) لابن قاسم العبادي (¬2)، قال: إذا صُبغ ثوب بصبغ متنجس، ثم جف الثوب، ثم غمر في ماء كثير، أوصب عليه ماء غمره، طهر هووصبغه (¬3).
وإذا علمت ذلك ظهر لك، أن الثوب المصبوغ بالصبغ النجس، أوالدم لا يطهر مالم يغسل حتى يسيل منه ماء أبيض، فيحكم بطهارته، ولا يحتاج إلى غسله ثلالاً بعد ذلك، كما علمت مما سبق.
وأيضاً لوسال منه ماء أبيض، ولكن صبغه بعد ذلك يضمحل شيئاً فشيئاً، وربما نقض على ثوب آخر، أوظهر في الماء عند غسله في وقت آخر، فهذا لا يطعن في طهارته، وكون ما بقي أثراً لازماً معفواً عنه، بعد أن يسيل منه الماء الأبيض من غير تقدير بعدد في الغسلات.
والقول الثاني: الطهارة بمجرد غسله ثلاث مرات، والعصر في كل مرة، لكن هذا قولأبويوسف خاصة كما تقدم، وقد سمعت أن بعض المفتيين أفتى به في زماننا مع إنه خلاف الأحوط كما ذكرنا، بل غير صحيح لأن الدم ليس كالصبغ المتنجس الذي يطهر بالغسل ثلاثاً.
والله الموفق للصواب واليه المرجع والمآب
تم تحريره في 5 ذي الحجة على يد كاتبه أحمد ابن محمد الجسري غفر الله ولكل المسلمين.
¬
(¬1) مخطوط بعنوان (حاشية ابن قاسم العبادي على شرح منهج الطلاب المسمى فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب) للمؤلف: شهاب الدين أبوقاسم أحمد بن قاسم الصباغ العبادي، ت (992) أوله: ظهر بقطع الشفة من لحم الأسنان ....... ) ويكبيديا.
(¬2) هو: شهاب الدين أحمد بن قاسم الصباغ العبادي الشافعي الأزهري ت (992)، هونحوي وفقيه مصري من القرن العاشر الهجري، وهوأشهر نحاة عصره، يعده مؤرخوالنحوالعربي من رجال المدرسة المصرية الشامية، ويكبيديا.
(¬3) وقفت عليه في حاشية الجمل شرح المنهج (1/ 194) للمؤلف: سليمان بن عمر بن منصور العجيلي المعروف بالجمل.