الجزء 1 · صفحة 5
الغُسْلُ يَتضمنُ والوضُوءَ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
اعلم أنه يتضمن الغسل الوضوء، روعي فيه السنة، بأن بُدِئَ بالوضوء، أو لم تُراع، حتى اختلف في انتقاضه بالقهقهة في الصلاة.
قال "الإمام كمال الدين ابن الهمام" (¬1): «ولو اغتسل جنب وصلى، فقهقه، هل يعيد الوضوء؟
اُخْتُلِفَ فيه، فقيل: لا يعيد، لأنه ثابت في ضِمْنِ الْغُسْلِ، فَإِذَا لَمْ يَبْطُلُ الْمُتَضَمِّنُ، لَا يَبْطُلُ الْمُتَضَمَّنُ الغسل، لا تُبطَلُ المُتَضَمِّنُ الوضوء، والصحيح أنه يعيد؛ لأن إعادته واجبة عقوبةً» كذا في "المحيط" (¬2)» (¬3) انتهى.
وصححه في "الخانية" (¬4)
¬
(¬1) محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد ابن مسعود، السيواسي ثم الإسكندري، كمال الدين، ابن الهُمَام 861 هـ، إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات والتفسير والفرائض والفقه والحساب واللغة والموسيقى والمنطق، من مؤلفاته، فتح القدير في شرح الهداية، ثماني مجلدات في فقه الحنفية، والتحرير في أصول الفقه والمسايرة في العقائد المنجية في الآخرة. (الأعلام للزركلي ج 6، ص 255، الفوائد البهية 180)
(¬2) زيادة في ج
(¬3) فتح القدير للكمال ابن الهمام ج!، 53، كمال الدين ابن الهمام، دار الفكر، عشرة أجزاء، بأعلى الصفحة كتاب الهداية للمرغيناني يليه - مفصولا بفاصل - «فتح القدير» للكمال بن الهمام وتكملته «نتائج الأفكار» لقاضي زاده. (كشف الظنون ج 2،ص 2022،)
(¬4) فتاوى قاضيخان فخر الدين أبي المحاسن الحسن بن منصور المعروف بقاضي خان الأوزجندي الفرغاني ت 592، تحقيق سالم مصطفى البدري، دار الكتب العلمية، لبنان، ط 1، 2009 الكتاب pdf(كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ج 2، ص 1227)
حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، فخر الدين، المعروف بقاضي خان الأوزجندي الفرغاني: فقيه حنفي، من كبارهم ت 592 هـ، من مؤلفاته الفتاوى ثلاثة أجزاء، و الأمالي و الواقعات و شرح الزيادات (الأعلام للزركلي ج 2، ص 224، الجواهر المضية ج 11، ص 205)
الجزء 1 · صفحة 6
أيضًا، وقال "العلّامة ابن أمير الحاج" (¬1): وهو متجِّه.
وقال "المولى عصام" (¬2): «وهو الأوفق للحديث، ولا يخفى أن قوله لأنه ثابت في ضمن الغسل، الح منقوض بسائر النواقض».
ونقل "الشيخ علاء الدين القارئ" (¬3) في شرح "المشكاة" (¬4) عن "القاضي" (¬5): «أن منصوص الشافعي رحمه الله: «أن (¬6)
¬
(¬1) موسى بن محمد التبريزي، أبو الفتح، مصلح الدين المعروف بابن أَمِير الحَاجّ، 733 هـ فقيه حنفي، من مؤلفاته: الرفيع في شرح البديع لابن الساعاتي، في الأصول (الأعلام للزركلي ج7، ص328، وهدية العارفين ج2، ص479).
(¬2) إبراهيم بن محمد بن عرب شاه الأسفراييني عصام الدين، العِصَام الأَسْفَرَايِيني، ت 945،من مؤلفاته: الأطول، وميزان الأدب، وحاشية على تفسير البيضاوي (الأعلام ج1،ص66، شذرات الذهب ج10،ص417)
إبراهيم الحَلَبي حاشية على شرح عصام للسمرقندية. (الأعلام للزركلي ج1، ص188)
(¬3) علي بن سلطان محمد القارى الْهَرَوِيّ نور الدين الفقيه الحنفي نزيل مكة المتوفى بها سنة 1014، من مؤلفاته: الاجوبة المحررة في البيضة الخبيثة المنكرة، الاحاديث القدسية، الادب في رجب المرجب، المرقاة على المشكاة في شرح مشكاة المصابيح. (هدية العارفين ج1، ص751، الأعلام للزركلي، ج5، ص12)
(¬4) المرقاة على المشكاة في شرح مشكاة المصابيح.، علي بن سلطان محمد أبو الحسن نور الدين الملا الهروي، 1014هـ، دار الفكر، بيرو- لبنان، ط1، 2002م، عدد الأجزاء 9
(¬5) محمد بن عبد الله بن محمد، أبو إسحاق الفارسيّ التِّبْرِيزي، 884 هـ، باحث، من علماء تبريز مؤلفاته، تقرير الحق مجلدان، في الحكمة والفلسفة (الأعلام للزركلي ج6، ص238)
(¬6) زيادة في ج
الجزء 1 · صفحة 7
الغسل يتضمن الوضوء (¬1)، (فيجتزئ به عنهما) (¬2)، وأنه قول مالك رحمه الله (¬3)، وقال: ومذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى كذلك» انتهى.
وادعى ابن "البطال" (¬4) (¬5) في "شرح البخاري" (¬6)، إجماع العلماء عليه (¬7)، ولكن نازعه شيخ الإسلام ابن حجر (¬8) رحمه الله في إجماعهم فيما لم يبدأ بالوضوء، وقال: «أنه لا (¬9) يجزئ عن الوضوء عند جماعة، منهم "داود" و"أبو ثور"، فما نقل في ظهر بعض الكتب عن بعض المعتبرات أن الوضوء قبل الغسل سنة، وبعده فرض.
¬
(¬1) بإندراج ارتفاع الحدث الأصغر تحت ارتفاع الأكبر؛ بإيصال الماء إلى جميع أعضائه (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج2، ص430).
(¬2) ساقطة من ب
(¬3) قال ابن القاسم: قلت لمالك رحمه الله: رأيت رجلا اغتسل في واد ولم يتوضأ؟ قال مالك إن كان في الغسل فالغسل أجزأه. (ينظر كتاب مجالس ابن القاسم التي سأل عنها مالكًا، ص34).
(¬4) علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن: عالم بالحديث، من أهل قرطبة. 449 هـ - 1057م " شرح البخاري، ينظر الأعلام للزركلي ج4 ص285، وشذرات الذهب 3: 283
(¬5) نسخة أ بطال
(¬6) شرح صحيح البخاري لابن بطال أبي الحسين علي بن خلف بن عبد الملك، تعليق أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد الرياض،
(¬7) شرح صحيح البخاري ج، ص387
(¬8) أحمد بن علي بن محمد الكناني ابن حَجَر العَسْقَلَاني، أبو الفضل، شهاب الدين، من أئمة العلم والتاريخ852 هـ، أصبح حافظ الإسلام في عصره، وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح الوجه. وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل، من مؤلفاته: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، و لسان الميزان تراجم، والإحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام في تخريج أحاديث الكشاف. (الأعلام للزركلي ج، ص178، والضوء اللامع 2: 36)
(¬9) ساقطة من ب وج
الجزء 1 · صفحة 8
لأن السنة لا تقوم مقام الفرض، افتراء بلا امتراء، وكتب المذهب منه براء لا يفترّ به إلّا من ابتلي بالخبال، واتباع الخيال، قوله لأن السنة لا تقوم مقام الفرض، مردود. فإن من السنة ما شرع سنة وتقع فرضًا، كغسل اليدين إلى الرسغين في بدء الوضوء على قولٍ، وله نظائر يعرفها المتتّبع، على أن الصحيح في غسل أعضاء الوضوء في بدء (¬1) الغسل كونه فرضًا، وإنما السنة البداءة به وهو الصحيح في غسل اليدين في بدء (¬2) الوضوء أيضًا (¬3).
¬
(¬1) في ج بداء
(¬2) في ج بداء
(¬3) فتتح الباري ج1،ص360
الجزء 1 · صفحة 9
يقول العبد الضعيف عصمه الله تعالى وقد دلَّ على ذلك المطلوب عدّة أحاديث مرفوعة منها، ما أخرجه "الترمذي" (¬1) و"أبو داود" (¬2) و"النسائي" (¬3) و"ابن ماجه" (¬4) عن الصديقة بنت الصديق - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يتوضأ بعد الغسل» فإن الأصل في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على ما في علم الأصول هو التأسي، ولا صارف.
¬
(¬1) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى أبو عيسى السلمي البوغي التِّرْمِذي، ت 279 هـ، من أئمة علماء الحديث وحفاظه، وكان يضرب به المثل في الحفظ، من مؤلفاته: الجامع الكبير باسم صحيح الترمذي في الحديث، مجلدان، والشمائل النبويّة والتاريخ والعلل في الحديث (الأعلام للزركلي ج6، ص322، أنساب السمعاني 95).سنن الترمذي ج1،ص150
(¬2) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني، أَبُو دَاوُد، ت 275 هـ، إمام أهل الحديث في زمانه، من مؤلفاته: السنن، والمراسيل، وكتاب الزهد. (الأعلام للزركلي ج3، ص123، وطبقات الحنابلة 118).
(¬3) أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النَّسَائِي، ت 303 هـ، صاحب السنن، القاضي الحافظ، شيخ الإسلام، من مؤلفاته: السنن الكبرى في الحديث، و المجتبى وهو السنن الصغرى، من الكتب الستة في الحديث. (الأعلام للزركلي ج1، ص171، وشذرات الذهب ج2، ص239).
(¬4) محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله، ابن مَاجَهْ، 273 هـ، أحد الأئمة في علم الحديث، من مؤلفاته: سنن ابن ماجة، وهو أحد الكتب الستة المعتمدة، وله تفسير القرآن، وكتاب في تاريخ قزوين. (الأعلام للزركلي ج7، ص144، وفيات الأعيان ج1، ص484).
الجزء 1 · صفحة 10
فإن قيل واقعة حالٍ لا عموم لها، قال "شراح المصابيح" من "أهل المذهبين" يحتمل أن معناه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ قبل الغسل ولا توضأ بعده، وأنه لا يتوضأ لاقبل الغسل ولا بعده لارتفاع الحدث الأصغر بارتفاع الحدث الأكبر، قلنا هو كما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكعبة، وقد قالوا يثبت جواز البعض بفعله، وجواز البعض الآخر بالقياس.
ومنها ما أخرجه "الحاكم" عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الوضوء بعد الغسل، فقال: وأيُّ وضوء أفضل من الغسل؟ (¬1)، وقد رواه نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - موقوفًا عليه بلفظ، وأيُّ وضوء أعمُّ من الغسل، وسالم بلفظ وأيُّ وضوء أتمُّ من الغسل ذكره ابن بطال في شرح البخاري.
فالغسل الواقع في السؤال عام (¬2)، فكذا الجواب، على أن ترك الاستفصال في وقائع الأحوال، ينزل منزلة العموم في الأقوال.
قاله "الشافعي" رحمه الله تعالى، وقاله علمائنا أيضًا: على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، (على ما في أصول "المذهبين") (¬3)، ومنها ما أخرجه "الطبراني"، عن ابن عباس - رضي الله عنه - مرفوعًا: {من توضأ بعد الغسل فليس منا}، ففيه تصريح بالمطلوب، ووعيد، لمن توضأ بعد الغسل، وذلك أنه لم يقتنع بما سنَّه سيد المرسلين صلوات الله تعالى وسلامه عليهم اجمعين.
وزاد عليه ما أحدث في الدين عصمنا الله تعالى عن اتباع الهوى ووفقنا في لإقتفاء (¬4) الهدى بلطفه العميم وفضله الكريم.
نجزت الرسالة على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه وإحسانه عالم محمد بن حمزة عفا عنهما الملك رب العزة يوم الأحد الثاني والعشرين من جمادي الآخرة المنتظمة في شهور سنة مائة وأربع عشرة وألف. تمت، الحمد لله على التمام
¬
(¬1) المستدرك للحاكم ج 1 ص 154
(¬2) (لأنه مفرد محلى بالام ولا عهد فيحمل على العموم والاستغراق على ما كتب الأصول) هامش في نسخة ج
(¬3) ساقطة من ب
(¬4) الاقتفاء في ج