الجزء 1 · صفحة 5
العلامات البينات في فضائل بعْضُ الايات
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي زَيَّنَ جَيَّدَ وُجودِنا بنور الإيمان، وعَيَّنَ عَيْنَ شُهُودِنَا بِظُهورِ الإيقان، وأبرز لنا جَواهِرَ زَواهِرِ القُرآن، وأظهَرَ لنا دُرَرَ غُرَرِ الفُرقان، من بحارِ عرفانِ الفَضْل والإحسان، ومَنَّ علينا بإرسال النَّبِيُّ الأكمل، وبإهداء الرَّسولِ الأفضل، من بني عدنان، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه ما اختلف المَلَوَانِ وَابْتَلفَ الفَرْقَدَانِ.
أما بعد:
فيقولُ المُلتَجِيُّ إِلى حَرَمِ رَبِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطان محمد القاري: إِنَّ اللهَ سُبحانَه بمُقتَضَى أَسماءِ ذاتِهِ اللَّازِمَةِ لكَمالِه، من نُعوتِ جَمالِهِ وصِفاتِ جَلالِه، جَعَلَ الأشياء متفاوتَةً في مراتب أحوالها، ومناقب انتقالها، فخَلَقَ الملائكة مجالي أنوارِ جمالِه الرَّحَموتيّةِ والشَّياطينَ مَرائِيَ أسرارِ جَلالِه الجَبَرُوتِيَّةِ.
وجَعَلَ أفرادَ النَّوعِ الإنساني بموجبِ التَّقسيمِ الرَّحماني نوعين: أحدهما: مائِلونَ إلى الصِّفاتِ المَلَكيَّةِ، فتَرَقَّوا في الدَّرَجَاتِ العُلْوِيَّةِ، إلى أن تَجاوَرُوا عن الملائِكَةِ المُقرَّبين، ووَصَلُّوا في أعلى مراتبِ العِليِّين.
الجزء 1 · صفحة 7
والآخرون: آيلونَ إلى تحصيلِ مَقاماتِ الشَّياطينِ، حَتَّى تَعَدُّوا عنهم، ونَزَلوا منهم في أسفل السافلين، كما أشارَ عزَّ شأنه وعَظُمَ بُرهانه إلى هذا المعنى في قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَنَ فِي أَحْسَنِ تَقويم؛ أي: من مراتب إمكانِ الإحسانِ، ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ بمَيله إلى الطغيان والعصيانِ، إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ؟ أي: الجامعين بين الإيمانِ والعَمَلِ وَفْقَ العِرفانِ، فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 4 - 6]؛ أي: غير مقطوع في وقت من الأزمان.
فسُبحانَ مَن جَعَلَ فَرْداً من مخلوقاتِه أفضَلَ مَوجوداتِه، وصيَّرَ آخر من مصنوعاتِه أَرذَلَ مَشهوداته، فلا يُسأل عما يفعل فيما شاءَ من مكنوناته. وانظر بعين الاعتبار في تفاوتِ الأحجار، حيثُ جَعَلَ الحَجَرَ الأسودَ محلَّ الأنوارِ ومَوضِعَ الأسرارِ، حَتَّى وَرَدَ في الأخبار: أنَّه يمينُ اللهِ في أرضه وبلادِه، يُصافح به مَن شَاءَ من عبادِه.
وجَعلَ بعض الأشياء أيضاً منسوباً إلى ذاتِه، فَحَصَلَ له شَرَفٌ وعِزَّةٌ فِي مَرَاتِبِ حالاته، ومناقبِ مَقاماتِه؛ كَبيتِ اللهِ، وناقةِ اللهِ.
وجعل ليلةَ القَدْرِ خَيْراً من ألفِ شهرٍ، وأبهَمَها لحِكمَةِ اقتضت ذلك، لا اطَّلاع لغَيرِه على ما هنالك، وكذا ساعةُ الجُمُعةِ من بينِ السَّاعَاتِ، وكذا الاسم الأعظَمُ من بين الأسماء والصفاتِ.
وكذا فَضَّلَ من كلامه بعضَ السُّوَرِ والآياتِ، كما يدلُّ عليه صريح الأحاديثِ من الروايات.
منها: قوله: «أفضَلُ سُوَرِ القُرآنِ، البقرة، وأفضَلُ آيِ القُرآنِ آيةُ الكُرْسِيِّ». رواه البَغَوِيُّ في «مُعجَمِه».
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «آيةُ الكُرْسِيِّ رُبُعُ القُرآنِ». رواه أبوالشَّيخِ في «الثَّواب».
ومنها: «هي أعظَمُ آية في كتابِ اللهِ». رواه مسلم وأبوداود.
الجزء 1 · صفحة 8
ومنها: «هي سيِّدَةُ آيِ القُرآنِ». رواه الترمذي وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ.
ومنها: قوله: «الفاتحة أعظم سورة من القُرآنِ». رواه البخارِيُّ وأبوداودَ والنَّسائِيُّ وابن ماجه.
ومنها قوله: «إذا زُلْزِلَت رُبُعُ القُرآنِ». رواه الترمذي.
وفي رواية: «تَعدِلُ نِصفَ القُرآنِ».
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «الكافِرونَ رُبُعُ القُرآنِ».
ومنها: قوله: «إِذَا جَاءَ نَصْرُ رُبُعُ «القرآن». رواه الترمذي. ومنها قوله: (قُلْ هُواللَّهُ أَحَدٌ} ثُلُثُ القُرآنِ». رواه البخارِيُّ ومُسلِمٌ: وأبوداود والترمذي.
ومنها: أنه كان يقرأُ المُسبِّحاتِ قبل أن يَرقُدَ، ويقولُ: «إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً خيرٌ من ألف آية». رواه أبوداود والترمذي والنسائي.
وهُنَّ: الحديد والحَشْرُ والصَّفُّ والجُمُعَةُ والتَّغَابُنُ والأَعلى. رواه النَّسائِيُّ)). فهذه أحاديثُ صحيحةٌ وروايات صريحةٌ دالَّةٌ على أَنَّ بعضَ سُوَرِ القُرآنِ أَفضَلُ من بعضها، وكذا بعضُ آياتِه أفضَلُ من سائرها.
وقد بينت معاني هذه الأخبار وما يتعَلَّقُ بها من الأسرار في «المرقاة شرح المشكاة»، وكذا في الحِرْزِ الثَّمين لشرح الحصن الحصين». ولا يزال العلماء والأولياء اختارُوا الأحزاب والأوراد، وتلَخَّصُوا بعضَ السُّوَرِ والآياتِ والأدعية للرُّهَّادِ والعُبَّاد؛ اقتصاراً على الأفضل، واختصاراً على الأكمل، وإن كانت كلماتُ اللهِ سُبحانَه كلُّها كاملةً، وفي مراتبِ كمالها ومَناقِبِ جمالِها شامِلَةً كافِلَةً، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115]، وفي الحديثِ:
الجزء 1 · صفحة 9
«أعوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّةِ»، لكن قد يكون بعضُها أتمَّ لكونها في التَّأثيرِ أعم. والتحقيق: أنَّ كلماتِ اللهِ تعالى باعتبار ذاتِها وما يتعلق بها من كَمالاتها على حد سواء في حقيقة مقاماتِها، وإِنَّما التَّفاوُتُ باعتبار متعلقاتِها، فمَثَلاً: (سورة الإخلاص) لما فيها من بيان توحيدِ الذَّاتِ، وتفريدِ الصَّفاتِ، واشتمالها على النُّعوتِ الثَّبوتية والصِّفاتِ السَّلبيَّةِ، أفضل من سُورةِ اللَّهَبِ؛ لما فيها من بيانِ ذَمّ أبي لَهَبٍ وامرأتِه حَمَّالِةِ الحَطَبِ.
وكذا (آيةُ الكُرسِيّ) لاشتمالها على بيان أسماء اللَّهِ الحُسْنَى وصفاته العلى، أفضَلُ من (آيةِ المُدايَنَةِ) ونحوها فيما يتعَلَّقُ بالمُعاملة؛ فإِنَّ شرفَ العلم بشرفِ المعلوم، وشرفَ الذَّكرِ بشرفِ المذكور والمفهوم، كما تقرر في فضائل العلوم، ومراتبِ العُلماء ومناقبِ الأولياء، فالكُلُّ وَرَثة الأنبياء، إلا أنَّ درجاتِهم مختلفةٌ كما لا يخفى على الأذكياء. وممَّن غاصَ في بحرِ المُحيط القُرآني، وأبرَزَ منه الجواهِرَ والدُّرَرَ المنسوبة إلى الكلامِ الفُرقاني، الإمامُ حُجَّةُ الإسلام، وبُرهانُ الإعلام، أبوحَامِد الغزالي، حيثُ جمع اليواقيت واللآلي ليُواظب عليها المريدُ لِمقامِ المَزيدِ في الأَيَّامِ واللَّيالي، ويترقى عن الحضيض الأدنى إلى المَقامِ الأعلى، ويلتقط من البحر الأعظم الأكبر الياقوت الأحمر، والدُّرَّ الأَزْهَرَ والزَّبَرجَدَ الأَحْضَرَ والعَنْبرَ الأَنضَرَ، ويَتَخَلَّص من شواغِلِ السَّواحِلِ، ورَواحِلِ الجَلاجِلِ، ويَستَغرِقَ في بحرِ الشُّهودِ، ويَفْنَى فِي لُجَّةِ الوُجودِ، ويبقى ببقاء الكرَمِ والجودِ، ويصل بعد طي مقامات المُجاهدة، إلى حالاتِ المشاهدة، كما أشار إلى هذا المقامِ حديثه عليه السَّلامِ: «الإحسانُ أَن تعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ ا تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك».
الجزء 1 · صفحة 10
فاترك ما سواه، وتوَكَّلْ على الله؛ فإنَّه مَن تَوَكَّلَ عليه كفاه، وقد قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ بتِيلا [المزمل: ?]، {فَاتَخِذَهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9]، {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 11].
فعُمدَةُ الطَّريقِ المُوصِلِ إلى التحقيق: مُوافَقَةُ ذكرِ اللَّه، ومُخالَفَةُ ما يَشْغَلُكَ عن الله، وهذا هوالسير إلى الله، وفي الله، وبالله، ومع الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبحانَه أَقرَبُ إلى المُريدِ من حَبْلِ الوَريد، ومن كمال نوره اختفى جمالُ ظُهورِه، أولِضَعْفِ بصرِكَ ونُقصانِ نَظَرِكَ، أوظُلمةِ قَلبِكَ عن مشاهدة ربِّكَ، فعليك بالتّخليَةِ والتَّحلية؛ لتصير مرآة قلبك قابلة للتجلية.
فإنَّ مثالَ الطَّالبِ والمَطلوبِ في نظر أربابِ القُلوبِ كصورة حاضرة معَ مِرآة حاصرة، فمتَى صَقَلْتَها تجلَّتْ منه الصُّورةُ، بارتحال الصورة إلى المِرآةِ بالضَّرورة، لا بارتحال الصُّورة إلى المرآة، ولا بحَرَكَةِ المِرآة إلى الصُّورة من الهيئات، ولكِنْ بَزَوالِ الحجاب، وارتفاع النقاب، يتجَلَّى ربُّ الأرباب.
الجزء 1 · صفحة 11
ولكنْ هُنا مَزلَّةُ الأَقدامِ لسالكي هذا المَقامِ، فَإِنَّه إِذا ظَهَرَ فِيكَ تَجلِّيه، ولم يثبُتْ قدمك فيه، بادَرْتَ إلى الوَسْواسِ الشَّيطاني، وقلت: أنا الحقُّ وسُبحاني، وتدَرَّعَ اللاهوتُ بالنَّاسوت، وغَفَلتَ عن مَقامِ جمع الجمع الفَارِقِ بينَ الرَّبِّ والطَّاغُوتِ، إلَّا أَنْ يُثبتك الله بالعلمِ القُرآني، والفَهم الفُرقاني، فتَعرِفَ أنَّ الصُّورة ليست في المرآة بالضَّرورة، وإِنَّما تجَلَّت لها وما حلَّتْ فيها، ولوحلَّتْ بالفَرْضِ والتَّقدير، لَمَا تُصُوِّرَ أن يتجلى واحد في الجمع الكثير، في آن واحد وزمانٍ مُتَّحِدٍ، بل كانَ إِذا حلَّت في مرآة وظهرت لها ارتحلت عن غيرها وهيهات هيهات عن هذه الوَقْعَة، فإِنَّه يَتَجلَّى لجُملة العارفين دفعة، دفعة، نعم يتجَلَّى في بعض المرائي أصح، وأتم وأوضَحَ، وذلك
بحسب قابلية المجالي وصقالة المرائي، وصِحَّةِ استدارتها، وشِدَّةِ استقامتها. ولعله صلى الله عليه وسلم قال في هذا المَقامِ: «إِنَّ اللهَ يَتجَلَّى للنَّاسِ عَامَّةً، ولأبي بكرٍ
خاصَّةً»، فالحذَرَ الحذَرَ ممّا يظهرُ على خلاف ذلك من الكَدَرِ، ولا تغتر بكلمات ابن العربي وأتباعه الغبي، من شُرَّاحِ كلامه في كُفَرَيَّاتِ مَرامِه، التي من جُملَتِها اعتقاد أنَّه سُبحانَه أوجَدَ الأشياءَ وهوعَيْنُها، وهذا عين الخطأ في نظَرِ العُرَفاءِ؛ فإنَّ المُوجِدَ، قديم، والمُوجَدَ حادث، فكيف يُتصَوَّرُ أن يكونَ المخلوق عين الخالق، ويَسْتَوِيَا في مراتب الحقائق؟!
والغَريبُ أنَّهم أخذوا العينيَّةَ من آية المَعيَّة، وقد ابتلي طائفةٌ من الإلحادية والاتحادية في هذه البليّة، وقد أوضَحْتُ هذه القَضِيَّةَ في رسالتي المُسماة بـ: المَرتبَةُ الشُّهودِيَّةُ في المنزلة الوُجودِيَّةِ». والله أعلَمُ.