الجزء 1 · صفحة 5
الصنيعة في تحقيق البقعة المنيعة
تأليف العلامة
المُلَاعَلى القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
زدْنِي عِلماً يا كريم
جاءني هذا السُّؤال، من عند بعض أرباب الكمال؛ بناءً على تشكيكِ مَن ليس له اطّلاع على حقيقة الحال، وصورته:
ما قول علمائنا الأعلام، وفقهائنا ذوي الأفهام، في أنَّ الحج فرضٌ وسببه البيتُ؛ لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، ولقوله عَزَّ مِن قائلٍ على التحقيقِ: {وَلْيَطَوَفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]؟
فإن كان المراد من البيت الجدران الأربعةَ، فانهدامه وانعدامه ـ والعياذ بالله تعالى ـ هل يُسقط الحج عن المسلمين؟
والحالُ أنَّ جميع شرائطِ الوجوبِ والأداء موجودة سوى البيت، أو ذُكِرَ البيتُ وأُريدَ البقعة، فبقي الفرضُ كما كان، وجواز طواف البقعة بلا جدران كجواز الاستقبال؟ إلى آخرِ السُّؤال.
الجواب: أقول وبالله التوفيق، وبعنايته أَعِنَّةُ التَّحقيق:
إنَّ حكمَ الطَّوافِ في الحج وغيره كحكم الصَّلاة في اعتبار بقعة خَيرة؛ لما صح في الحديثِ: «إنَّ الطَّواف صلاة، أو كالصَّلاةِ»، فحكمه حكمها، إلَّا فيما استثني منها، ولا أظنُّ إِلَّا الإجماع على ذلك من غير النزاع فيما هنالك.
الجزء 1 · صفحة 7
وإِنَّما نشأ هذا التّردُّدُ من قولِ بعض المنطقيِّينَ الذينَ حُرِّمَ اعتناء مذهبهم و اعتبار مشربهم عند المحققين، حيثُ عرَّفوا مطلق البيتِ بأنه: ذو جدران وسقف. أو من قول بعض الفقهاء بناءً على اعتبارِ العُرفِ في بابِ الحَلْفِ، حيث قالوا: مَن حَلَفَ لا يدخل هذا البيت، فدخله بعدما انهدم وصار صحراء، لم يحنَثٌ؛ لأنَّ اسم البيت قد زال بالانهدام؛ لزوالِ مسمَّاه: وهو البناء الذي يُباتُ فيه. انتهى.
ولا يخفى أنَّ الكعبة التي هي القبلة غير موضوعة للبيتُوتة ليتغيَّر حالها بتغير البنية؛ ففي «القاموس»: البيتُ: من الشَّعَرِ والمَدَرِ، والقصر، والقبر، والكعبة، وبيت الشاعر 2.
فالبيتُ يُطلق على الكعبة؛ باعتبار البقعة، مع قطعِ النَّظر عن البنية، وإلا لكان ذكَرَها مستدركاً مع قوله: والمَدَرَ؛ فَإِنَّه يَعُمُّ الحَجَرَ.
ثم إنَّه لم يذكر أحدٌ من الفقهاء في باب الحجّ أنَّ وجودَ جُدرانِ البيتِ وسَقْفَه من شرائط وجوبه أو أدائه، فمن خالف الأعيان، فعليه البيان، ولم يذكروه أيضاً في موانع وجوب الحج وأعذار سقوطه، فمَن زادَ عليهم يعده منها، فيجب أن يخرج من عُهدته بما صدر عنه فيها.
هذا، وممَّا يُؤيدُ ما قرّرناه، ويُقوِّي ما حرَّرْناه أمورٌ:
منها: أنَّ الله سبحانه رفع بنية هذا البيت الذي عظَمَ شأنه إلى السَّماءِ في زمن طوفانِ نوح عليه السَّلام، وهو المسمى الآن بالبيت المعمور الذي يطوفُ حوله الملائكةُ الكرام، ثم لم يبين بعده إلا الخليل، بأمر الرب الجليل وقد صح أنَّ هُوداً وصالحاً عليهما السّلامُ، وغيرهما من الأنبياء الفخام، حجوا البيت الحرام، وقصدوا هذا المكان المعظم بالإكرام، فدل على أنَّ ساحةً البقعة هي المعتبرة في حجة الإسلام، وقد قال تعالى: {أَوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَتهُمُ اقْتَدِهُ} [الأنعام: 90].
الجزء 1 · صفحة 8
ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السَّلامُ حين دعا بقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي [إبراهيم: 37]، لم تكن البنية موجودة، ولا البقعة مشهودةً، وإِنَّما بناه حين بلغ إسماعيل مناه، كما قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ} [البقرة: 127]، مع أنَّ في نفس هذه الآية إشارة إلى أنَّ المراد بالبيت هي البقعة، لا البنية؛ فإنَّه سبحانه قال: الْقَوَاعِدَ؛ أي: الأساس والجدران من البيت العظيمِ الشَّأْنِ، فدل على أنَّ البيتَ كان موجوداً قبل تحقق الجدران.
وأما حمله على المعنى المجازي باعتبار ما يؤول، فلسنا به نقول؛ لأنَّ الحمل على المعنى الحقيقي مهما أمكن لا يجوز العدول عنه إلى المعنى المجازي، كما هو مقرر في الأصول.
ومنها: أنَّ قولَه تعالى: {وَإِذْ بَوَأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: 26] يدلُّ على أنَّ البيت كان موجوداً، لكن لم يكن في نظر الخلق مشهوداً.
ومنها: أنَّ قولَه تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ وَالْقَاسِمِينَ وَالرُّكَّعِ السجود} [الحج: 26] صريح في أنَّ القدر المشترك لأربابِ الطَّوافِ والصَّلاةِ والاعتكاف هو البقعة المنيعة، لا البنيةُ الرّفيعة.، ولا يمكن حمل أحد المعنيين على الحقيقة والآخر على المجاز، ولا جعله من قبيل استعمال الاسم المشترك في معنييه؛ فإنَّ كلا الطَّريقين ليس على قواعدِ أصول أئمتنا الحنفية وأُصولهم الحنيفية؛ بل يقولون في مثل هذا بعموم المجاز المرسل ..
الجزء 1 · صفحة 9
فتأمل. ثم الحكمة في كون هذه البقعة هي المعتبرة دون الهيئة المصوّرة: أنَّها زُبدة التَّجلّي الإلهي على بحرِ الماءِ قبل خلقِ السَّماءِ، فاضطرب البحر وتزبَّدَ منه هذا القَدَرُ، وصدر عنه دخان خارج إلى الهواء، فجعل منه السَّماءَ، ثم وقع فيه البناء مرَّةً بعد أخرى بحسب القضاء.، ولأنَّها بيتُ الرَّبِّ؛ كقلب العبد، ومحل تجلياتِ رحمته سبحانه، ولا اعتبار للقالب بحسب الغالب. ولذا ورد: «إِنَّ الله لا ينظرُ إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأحوالكم».
وللإيماء إلى أنَّ هذه البقعة أصل بنية بني آدم؛ كما قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ، ومرجع أفراد العالم في أواخر القدم؛ كما قال: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، ومنشؤهم ثانياً بعد العدم؛ كما قال: {وَمِنْهَا تُخْرِجُكُم تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55]، فكأَنَّهم أُمروا بأنَّهم في زبدة الطَّاعَاتِ، وعمدة العبادات؛ من الطَّوافِ والاعتكاف والصَّلوات؛ بل في جميعِ الحالات، وسائر الأوقاتِ نظروا إلى أصل مَعدِنِهم، وتوجهوا إلى فصل منبعهم؛ فقد ورد: «خيرُ المجالس ما استقبل القبلة»