الشريفية .............
........ شرح السراجية
جارٍ تحميل الكتاب…
الشريفية .............
........ شرح السراجية
الطبعة الأولى
1446 هـ ـ 2023 م
الشريفية
شرح السراجية
للعلامة الفرائضي سراج الدين محمد بن محمد بن عبد الرشيد
السجاوندى الحنفي
توفي بعد سنة (596 هـ)
للعلامة زين الدين أبي الحسن علي بن محمد بن علي الحسيني الجُرْجَانِيّ،
المعروف بالسيد الشَّريف
(ت 816 هـ)
اعتنى به
الأستاذ الدكتور صلاح ابو الحاج
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين.
قال المولى الشيخ الإمام سراج الملة والدين محمد بن محمد بن عبد الرشيد السجاوندي نور الله تعالى مرقده بعدما تيمن بالبسملة (الحمد لله رب العلمين حمد الشاكرين والصلاة والسلام على خير البرية محمد وآله الطيبين الطاهرين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم) هكذا رواية الفقهاء فالفرائض جمع فريضة وهي ما قدر من السهام في الميراث وإنما جعل العلم بها نصف العلم إما لاختصاصها بإحدى حالتي الإنسان وهي الممات دون سائر العلوم الدينية فإنها مختصة بالحياة وإما لاختصاصها بإحدى سببي الملك أعني الضروري دون الاختياري كالشراء والوصية وقبول الهبة وغيرها وإما للترغيب في تعلمها لكونها أمورا مهمة وفي رواية الدارمي والدارقطني تعلموا العلم وعلموه الناس تعلموا الفرائض وعلموها الناس وعلى هذه الرواية فالفرائض إما محمولة على ما ذكر وتخصيصها بالذكر لما مر أو على ما فرضه الله تعالى على عباده من التكاليف وخص ذكرها بعد التعميم لمزيد الاهتمام ولا يبعد أن يجعل لفظ الفرائض في الاصطلاح جاريا مجرى الإعلام كالأنصار فيقال في النسبة فرائضي كما يقال أنصاري وإن كان قياسه في أصله أن يقال فرضي.
(قال علماؤنا رحمهم الله تعالى تتعلق بتركة الميت حقوق أربعة مرتبة) أي مقدم بعضها على بعض (أولا يبدأ بتكفينه وتجهيزه بلا تبذير ولا تقتير) وذلك إما
باعتبار العدد فتكفين الرجل بأكثر من ثلاثة أثواب والمرأة بأكثر من خمسة تبذير وبأقل مما ذكر تقتير أو تبذير أو إذا كان له ثوب يلبسه في الأعياد وأخر يلبسه بين أقرانه وثالث يلبسه في داره يكفن بالثاني لأن الأول أعلى والثالث أدنى فالمتوسط أولى وقال بعض قدماء مشايخنا يكفن الرجل بما يلبسه في الجمع والأعياد والمرأة بما تلبسه لزيارة أبويها وكان الحسن البصري يقول يعتبر الكفن بما يلبس في أكثر أوقاته واختاره الفقيه أبو جعفر رضي الله عنه وقال أيضا إذا كان عليه دين مستغرق فللغرماء أن يمنعوا الورثة من تكفينه بما ذكر من العدد وهو كفن السنة بل يكفن بكفن الكفاية وهو للرجل ثوبان جديدان أو غسيلان وللمرأة ثلاثة وتمسك في ذلك بما ذكره الخصاف من أن المديون إذا كان له ثياب حسنة يكنه الاكتفاء بما دونها باعها القاضي وقضى الدين واشترى بالتباقي ثوبا يكفيه وإذا لم يكن للميت تركة فكفنه على من وجب عليه نفقته في حال حياته وقال أبو يوسف رحمه الله كفن المرأة على زوجها مطلقا خلامفا لمحمد فإن الزوجية قد انقطعت بالموت قال الصدر الشهيد وقاضي خان الفتوى على قول أبي يوسف وذا لم يكن له من يجب عليه نفقته أو كان هو أيضا فقير فكفنه على بيت المال واعلم أن الابتداء بالكفن ليس كما يشعر به عبارة الكتاب بل كل حق للغير تعلق بعين من التركة فإنه مقدم على تكفينه كالدين المتعلق بالمرهون إذا لم يكن للميت شيء سواه فيقضي من ديونه أولا وكذا أرش جناية العبد الذي جنى في حياة مولاه ولا مال له غيره وكذا الحال في المبيع المحبوس بالثمن إذا مات عاجزا عن أدائه وكذا في العبد المأذون إذا لحقه الديون ثم مات المولى وليس له مال سواه وكذا في الدار المستأجر فإنه إذا اعطى الأجرة أولا ثم مات المؤجر صارت الدار هنا بالأجرة
هكذا ذكره الإمام رضيالدين في نظم فرائضه وإنما قدمت هذه الحقوق على التكفين لتعلقها بالمال قبل صيرورته تركة.
(ثم تقضى ديونه من جميع ما بقي من ماله): أي ثم يبدأ بقضاء ديونه من جميع ماله الباقي بعد التجهيز بلباسه في حياته ألا يرى أنه مقدم دينه اذ لا يباع ما على المديون من ثيابه مع قدرته على الكسب ومقدما على الوصية وإن قدم ذكرها عليه في نظم الآية لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالدين قبل الوصية ثم النكتة في اقديمها أنها تشبه الميراث في كونها مأخوذة بلا عوض فيشق أخراجها على الورقة فكانت لذلك مظنة للتفريط فيها بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه فقدم ذكرها حثا على أدائها معه وتنبيها على أنها مثله في وجوب الأداء أو المسارعة إليه ولذلك جيء بينهما بكلمةالتسوية وأيضا إذا كانت الوصية بالتبرعات وليس في التركة وفاء بالكل فتقديمه علها ظاهر لأن قضاء الدين فرض عليه يجبره على أدائه في حال حياته والوصية المذكورة تطوع ولا شك أن القرض أقوى وإن كانت بفرض من فروض الله تعالى فإن كانت فيما سوى الزكاة كالصوم والصلاة وحجة الإسلام والنذر والكفارة فدين العباد مقدم على هذه الوصية أيضا وإن استويا في الفرضية لأنه يجبر على أداء الدين بالحبس فلا يجبر به على أداء شيء من تلك الفروض فالدين أقوى وإن كانت بالزكاة التي تساوي الدين في الإجبار بالحبس على الأداء فالدين المذكور أقوى لأن القاضي إذا وجد من مال المديون ما يجانس الدين يأخذه بلا رضا ويدفعه إلى صاحبه وليس له ذلك في الزكاة وإن ظفر بجنسها وأيضا إذا اجتمع حق الله تعالى وحق العباد في عين وقد ضاقت عن الوفاء بهما يقدم حق العباد لاحتياجهم مع استغناء الله تعالى وكرمه.
وتفصيل المقام أن الدين إن كان للعباد فالباقي بعد تجهيز الميت إن وفى به فذاك وإن لم يف فإن كان الغريم واحدا يعطى له الباقي وما بقي له على الميت إن شاء عفا وإن شاء تركه إلى دار الجزاء وإن كان متعددا فإن كان الكل دين الصحة لكونه أقوى ألا يرى أنه محجور في مرض موته عن التبرع بما زاد على الثلث ففي إقراره في نوع ضعف وأما إذا أقر في مرضه بدين علم ثبوته بطريق المعاينة كما يجب بدلا عن مال ملكه أو استهلكه كان ذلك في الحقيقة من دين الصحة إذ قد علم وجوبه بغير إقراره فلذلك ساواه في الحكم وإن كان الدين من حقوق الله تعالى كما سبق من الفروض فإن أوصى به الميت وجب عندنا تنفيذه من ثلث ماله الباقي بعد دين العباد وإن لم يوص لم يجب ثم نقول إذا فاتته صلوات وأوصى أن يطعم عنه فعلى الورثة أن يطعموا عنه من الثلث لكل صلاة نصف صاع من بر وكذا للوتر عند أبي حنيفة رحمه الله إذ قد روى أن الوتر فرض فإن فاته صوم رمضان لمرض أو سفر وتمكن من قضائه بعد صحته أو إقامته ولم يقض حتى مات وأوصى بالإطعام فعلى الورثة أن يطعموا من الثلث لكل يوم نصف صاع من بر لما روي من أنه - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ذلك قال إن مات قبل أن يطيق الصوم فلا شيء عليه وإن أطاقه ولم يصم حتى مات فليقض عنه يعني بالإطعام يدل عليه حديث ابن عمر موقوفا ومرفوعا لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد فوجب الحمل على الأطعام لأن الفدية تقدم مقام الصوم في حق الشيخ الفاني فكذا في حقه لاشتراكهما في اليأس عن أداء الصوم وإن الدين الزكاة وأوصى بها يجب أداؤها من ثلث ماله وإن كان الحج وأوصى به يؤدى من الثلث أيضاً ولو حج الوارث عنه بلا وصية يرجى من الله تعالى القبول.
(ثم تنفذ وصاياه) هذا هو ثالث الأربعة أي يبدأ بتنفيذ وصيته (من ثلث ما بقي بعد الدين) لا من ثلث أصل المال لأن ما تقدم من التكفين وقضاء الديون قد صار مصروفا في ضروراته التي لا بد له منها فالباقي هو ماله الذي كان له أن يتصرف في ثلثه وأيضا بما استغرق ثلث الأصل جميع الباقي فيؤدي إلى حرمان الورثة بالوصية ومقتضى عبارة الكتاب تقديم الوصية على الإرث في مقدار ثلث الباقي بعد الدين سواء كانت الوصية مطلقة أو معينة وهو الصحيح وقال شيخ الإسلام خواهر زاده إن كانت معينة كانت مقدمة عليه وإن كانت مطلقة كان يوصي بثلث ماله أو ربعه كانت في معنى الميراث لشيوعها في التركة فيكون الموصى له شريكا للورثة مقدما عليهم ويدل على شيوع حقه فيها كحق الوارث إنه إذا زاد المال بعد الوصية على الحقين وإن نقص نقص عنهما حتى إذا كان ماله حال الوصية ألفاً مثلا ثم صار ألفين فله ثلث الألفين وإن انعكس فله ثلث الألف.
(ثم يقسم الباقي) هذا رابع الأربعة وهو أن يقسم ما بقي من ماله بعد التكفين والدين والوصية (بين ورثته) أي الذي ثبت ارثهم (بالكتاب) كالمذكورين في الآيات القرآنية (والسنة) كمن ذكر في الأحاديث نحو قوله عليه السلام أطعموا الجدات السدس (وإجماع الأمة) كالجد وابن الابن وبنت الابن وسائر من علم توريثهم بالإجماع وقد يقال لم يرد بإجماع الأمة ما هو المتبادر منه بل أراد به ما يتناول أيضا اجتهاد مجتهد منهم فيما لا قاطع فيه حتى يشمل كلامه الوارث الذي اختلف في كونه وارثا كذوي الأرحام وغيرهم ولا يبعد أن يقال إنه اكتفى بذكر ما هو أقوى
مراتب الورثة:
(فيبدأ) شرع أن يبين إجمالا الترتيب بين الورثة أي يبدأ في تقسيم هذا الباقي بين الورثة (بأصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام مقدرة في كتاب الله تعالى) أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو الإجماع كما ذكره السرخسي وتقديمهم على العصبة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته الفرائض فللأولى» أي أقرب رجل ذكر وأيضا إنما قدرت لهم تلك السهام بلا تعرض لغيرهم ليأخذوها من التركة ابتداء فإن بقي شيء يأخذه غيرهم وأيضا إنما قدرت لهم تلك السهام بلا تعرض لغيرهم وأيضا تقديم العصبة يوجب حرمان أصحاب الفرائض وهو باطل قطعاً
(ثم يبدأ بالعصبات من جهة النسب) فإن العصوبة النسبية أقوى من السببية يرشدك إلى ذلك أن أصحاب الفروض النسبية يرد عليهم دون أصحاب الفروض السببية أي الزوجين
و (العصبة) مطلقاً (كل من يأخذ) من التركة (ما أبقته الفرائض) أي جنسها (وعند الانفراد) أي انفراده من غيره في الورثة (يحرز جميع المال) بجهة واحدة فلا يرد أن صاحب الفرض إذا خلا عن العصوبة فقد يحرز جميع المال لأن استحقاقه لبعض بالفرضية وللباقي بالرد واعترض بأن الأخوات عصبات مع البنات ولا يحرزن جميع المال عند الانفراد بجهة واحدة فلا يكون التعريف جامعا وأجيب بأن المراد بالعصبة ههنا من عصبة بنفسه فلا يتناول من هو عصبة مع غيره أو بغيره بل هما بالحقيقة من أصحاب الفرائض كما ستقف عليه ويخدشه أنه إذا خص التعريف به كان المفهوم من كلامه تقدمه على العصبة السببية مع أن التقديم عليها ليس مختصا به بل يشاركه فيه أخواه
(ثم يبدأ بالعصبة من جهة السبب وهو مولى العتاقة) أي المعتق مذكرا كان أو مؤنثا فإن من أعتق عبدا أو أمة كان الولاء له ويرثه به ويسمى ذلك ولاء العتاقة والنعمة
(ثم عصبته) أي يبدا عند عدم مولى العتاقة بعصبته الذكور ولا بد ههنا من قيد الذكورة لما سيأتي من قوله - صلى الله عليه وسلم - ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن الحديث
(ثم الرد) أي يبدأ بعد العصبات السببية بالرد (على ذوي الفروض النسبية) لبقاء قرابتهم بعد أخذ فرائضهم دون ذوي الفروض السببية لأنه لا رد على الزوجين كما مر إذ لا قرابة لهما بعد أخذ فرضهما (بقدر حقوقهم) أي تعتبر فيه نسبة مقادير السهام بعضها إلى بعض ويرد الباقي عليهم بحسبها
(ثم ذوي الأرحام) أي يبدأ عند عدم الرد لانتفاء ذوي الفروض النسبية بذوي الأرحام وهم الذين لهم قرابة وليسوا بعصبة ولا ذوي سهم وإنما أخروا عن الرد لأن أصحاب الفرائض النسبية أقرب إلى الميت وأعلى درجة منهم
(ثم مولى الموالاة) أي عند عدم هؤلاء المذكورين يبدأ في جميع الميراث بمولى المولاة إن لم يوجد أحد الزوجين وإن وجد يبدأ به أيضا لكن في الباقي من فرضه كذا ذكر في الفرائض العثمانية وصورة مولى الموالاة شخص مجهول النسب قال لأخر أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت وقال الأخر أيضا قبلت فعندنا يصح هذا العقد ويصير القابل وارثا عاقلا ويسمى هذا مولى الموالاة وإذا كان الآخر أيضا مجهول النسب وقال للأول مثل ذلك وقبله ورث كل منهما صاحبه وعقل عنه وللمجهول أن يرجع عن عقد الموالاة ما لم يعقل عنه مولاه
وكان إبراهيم النخعي يقول إذا أسلم الرجل على يدي رجل ثم والاه صح قال شمس الأئمة السرخسي ليس الإسلام على يده شرطا في صحة عقد الموالاة وإنما ذكر فيه على سبيل العادة وكان الشعبي يقول لا ولاء إلا ولاء العتاقة وبه أخذ الشافعي وهو مذهب زيد بن ثابت وما ذهبنا إليه مذهب عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم وإنما أخروا مولى الموالاة عن ذوي الأرحام لقرابتهم
(ثم المقر له بالنسب على الغير بحيث لم يثبت نسبه بإقرار من ذلك الغير إذا مات المقر على إقراره) يعني أن هذا المقر له مؤخر في الإرث عن مولى الموالاة ومقدم على الموصى له بجميع المال واعتبر فيه قيودا ثلاثة الأول أن يكون الإقرار بنسبه من المقر متضمنا لإقراره بنسبه على غيره كما إذا أقر لمجهول النسب بأنه أخوه فإنه يتضمن إقراره على أبيه بأنه ابنه الثاني أن يكون ذلك الإقرار بحيث لا يثبت به نسبه من ذلك الغير كما إذا لم يصدقه أبوه في هذا النسب الثالث أن يموت المقر على إقراره وفوائد القيود ظاهرة أما الأول فلأن إقراره لمجهول بنسبه منه إذا لم يتضمن تحميل نسبه منه واندراجه فيما مر ذكره من الورثة النسبية كأن يقر له بأنه ابنه وأما الثاني فلأنه إذا صدقه أبوه في هذا النسب يثبت بإقراره على هذا الوجه نسبه من أبيه أيضا وكان المجهول أخا للمقر وكذا الحال إذا أقر بأنه عمه وصدقه في ذلك جده فإنه يكون عما له مندرجا فيما مضى ذكره وأما الثالث فلأنه إذا رجع المقر عن ذلك الإقرار لا يعتد به قطعا فلا يثبت به الإرث أصلا وإذا اجتمعت هذه الصفات في المقر له صار عندنا وارثا في المرتبة المذكورة وعند الشافعي لا يصير وارثا أصلا وذلك لأن المقر في هذه الصورة كان مقرا بشيئين النسب واستحقاق المال بالإرث لكن إقراره بالنسب باطل لأنه تحميل نسبه على
غيره والإقرار على الغير دعوى فلا تسمع ويبقى إقراره بالمال صحيحا لأنه لا يعدوه إلى غيره إذا لم يكن له وارث معروف
(ثم الموصى له بجميع المال) أي إذا عدم من تقدم ذكره يبدأ بمن أوصى له بجميع المال فيكمل له وصيته لأن منعه عما زاد على الثلث كان لأجل الورثة فإذا لم يوجد منهم أحد فله عندنا ما عين له كملا وعند الشافعي له الثلث فقط وإنما أخر ذلك عن المقر له بناء على أن له نوع قرابة بخلاف الموصى له
(ثم ببيت المال) أي إذا لم يوجد أحد من المذكورين توضع التركة في بيت المال على أنها مال ضائع فصارت لجميع المسلمين فتوضع هناك وليس ذلك بطريق الإرث بناء على أنهم إخوته ألا يرى أن الذمي إذا لم يكن له وارث يوضع ماله في على أنها مال ضائع فصارت لجميع المسلمين فتوضع هناك وليس ذلك بطريق الإرث بناء على أنهم إخوته ألا يرى أن الذمي إذا لم يكن له وارث يوضع ماله في بيت المال ولا ميراث للمسلمين من الكفار ويشهد له أيضا أنه يسوي بين الذكر والأنثى من المسلمين في العطية من ذلك المال ولا تسوية بينهما في المواريث
وعند الشافعي رحمه الله إن كان بيت المال منتظما يقدم على ذوي الأرحام والرد وإن لم ينتظم رد أولا على ذوي القروض النسبية بنسبة فرائضهم ثم يصرف إلى ذوي الأرحام ولا ميراث أصلا عندهم لمولى الموالاة ولا للمقر له بالنسب على الغير ولا للموصى له بجميع المال كما نبهناك عليه
فصل
موانع الإرث
(المانع من الإرث أربعة)
الأول: (الرق وافراً) أي كاملاً (كان) كالقن (أو ناقصاً) كالمكاتب والمدبر وأم الولد وذلك لأن الرقيق مطلقا لا يملك المال بسائر أسباب الملك فلا يملكه أيضا بالإرث ولأن جميع ما في يده من المال فهو لمولاه فلو ورثناه من أقربائه لوقع الملك لسيده فيكون توريثا للأجنبي بلا سبب وإنه باطل إجماعا ومعتق البعض عند أبي حنيفة بمنزلة المملوك ما بقي عليه درهم في فكاك رقبته فلا يرث ولا يحجب أحدا عن ميراثه وعندهما هو حر فيرث ويحجب والمسألة مبنية على أن العتق يتجزأ عنده خلافا لهما
(و) الثاني (القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص أو الكفارة) أما القتل الذي يتعلق به وجوب القصاص فهو القتل عمدا وذلك بأن يتعمد ضربه بسلاح أو ما يجري مجراه في تفريق الأجزاء كالمحدد من الخشب أو الحجر وموجبه الإثم والقصاص ولا كفارة فيه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا تعمد ضربه بما يقتل به غالبا وإن لم يكن محددا كحجر عظيم فهو أيضا عند وأما القتل الذي يتعلق به وجوب الكفارة فهو إما شبه عمد كأن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا وموجبه على القولين معا الدية على العاقلة والإثم والكفارة ولا قود فيه وإما خطأ كأن رمى إلى الصيد فأصاب إنسانا أو انقلب في النوم عليه فقتله أو وطئته دابته وهو راكبها أو سقط من سطح عليه أو سقط عليه حجر من يده فمات وموجبه الكفارة والدية على العاقلة ولا إثم فيه فعندنا يحرم القاتل عن الميراث في هذه
الصور كلها إذا لم يكن القتل بحق وأما إذا قتل مورثه قصاصا أو حدا أو دفعا عن نفسه فلا يحرم أصلا وكذا قتل العادل مورثه الباغي وفي عكسه خلاف ابي يوسف وأما إذا كان القتل بالسبب دون المباشرة كحافر البئر او واضع الحجر في غير ملكه ففيه الدية على العاقلة و لا قصاص فيه ولا كفارة وكذا الحال إذا كان القاتل صبيا أو مجنونا فلا حرمان عندنا بالقتل في هذه الصور أيضا
فإن قلت أليس إذا قتل الأب ابنه عمدا لم يثبت به قصاص ولا كفارة أيضا مع أنه محروم اتفاقا؟
قلت: هو موجب في أصله للقصاص إلا أنه سقط بقوله - صلى الله عليه وسلم - لا يقتل الوالد بولده ولا سيد بعبده
لا يقال مقتضى قوله - صلى الله عليه وسلم - القاتل لا يرث أن يحرم مطلقا كما ذهب إليه الشافعي رحمه الله فكيف أخرجت تلك الصور كلها؟
لأنا نقول أما إخراج القاتل بحق فلأن الحرمان شرع عقوبة على القتل المحظور وأما إخراج المتسبب فلأنه ليس بقاتل حقيقة ألا يرى أنه لو فعل ذلك في ملكه لم يؤخذ بشيء والقاتل يؤاخذ بفعله سواء كان في ملكه أو في غيره كالرامي وأيضا القتل لا يتم إلا بمقتول وقد انعدم حال السبب فإن حفره مثلا قد اتصل بالأرض دون الحيوان ولا يمكن أن يجعل قاتلا عند الوقوع في البئر إذ ربما كان الحافر حينئذ ميتا وإذا لم يكن قاتلا حقيقة لم يتعلق به جزاء القتل أعني حرمان الميراث والكفارة وأما وجوب الدية على العاقلة فلصيانة دم المقتول عن الهدر بخلاف المخطئ فإنه أهل لذلك وأيضا الحرمان باعتبار التقصير في التحرز ويتصور نسبه التقصير إلى المخطئ دونهما
واعلم ان دية المقتول خطأ كسائر أمواله حتى يقضي منها ديونه وتنفذ وصاياه ويرثها كل من يرث سائر أمواله وقال مالك رحمه الله لا يرث الزوجان من الدية لانقطاع الزوجية بالموت ولا وجوب للدية إلا بعده قلنا إنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بتوريث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها وقال الزهري كان قتل أشيم خطأ وكذا يثبت عندنا حق الزوجين في القصاص لقوله - صلى الله عليه وسلم - من ترك مالا أو حقا فلورثته ولا شك أن القصاص حقه لأنه بدل نفسه فيستحقه جميع الورثة بحسب إرثهم كالدية وقال ابن أبي ليلى لا حق لهما في القصاص لأنه لا يستحق بالعقد الذي هو سبب استحقاقهما أي الزوجية كما لا حق فيه للموصى له وهو مردود بأن استحقاق الإرث بالزوجية لا يتوقف على القبول كاستحقاقه بالقرابة بخلاف الوصية فإن حق الموصى له يتوقف على قبوله ويرتد برده هكذا ذكره السرخسي في شرح كتاب الديات.
(و) الثالث: (اختلاف الدينين) فلا يرث الكافر من المسلم إجماعا ولا المسلم من الكافر على قول علي وزيد بن ثابت وعامة الصحابة رضوان الله عليهم وإليه ذهب علماؤنا والشافعي رحمهم الله تعالى لقوله - صلى الله عليه وسلم - لا يتوارث أهل ملتين شتى والقياس أن يرث لقوله عليه السلام الإسلام يعلو ولا يعلى ومن العلو أن يرث المسلم من الكافر ولا يرث الكافر منه وإليه ذهب معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان والحسن ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق رضي الله تعالى عنهم والجواب أن المذكور في الحديث نفس الإسلام حتى إن ثبت الإسلام على وجه ولم يثبت على وجه آخر فإنه يثبت ويعلو كالمولود بين مسلم وكافر فإنه بحكم إسلام الولد أو المراد العلو بحسب الحجة أو بحسب القهر والغلبة أي النصرة في العاقبة للمسلمين
وأما أن المسلم يرث عندنا من المرتد وعند الشافعي رحمه الله لا يرث المرتد أحدا ولا يرثه أحد بل ماله يوضع في بيت المال مع أنه لا يرث من المسلم فلأن إرث المسلم منه مستند إلى حال إسلامه ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إنه يورث منه ما اكتسبه في زمان إسلامه ولا يورث ما اكتسبه في زمان ردته ويكون ما اكتسبه في زمان ردته فيئا للمسلمين والوجه على قولهما أن الجميع لورثته لأن المرتد لا يقر على ما اعتقده بل يجبر على عوده إلى الإسلام فيعتبر حكم الإسلام في حقه لا فيما ينتفع هو به بل فيما ينتفع به وارثه
ثم إن الكفار يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم لأن الكفر ملة واحدة كما ذكره المزني في مختصره عن الشافعي رحمه الله تعالى وذكره ابن القاسم عن مالك أيضا وقال ابن أبي ليلى اليهود والنصارى يتوارثون فيما بينهم ولا توارث بينهما وبين المجوس واستدل بأنهما قد اتفقا على التوحيد والإقرار بنبوة موسى على نبينا وعليه السلام وإنزال التوارة فهما ملة واحدة بخلاف المجوس حيث ينكرون التوحيد ويثبتون إلهين يزدان موجد الخير وأهرمن موجد الشر ولا يعترفون بنبي مرسل ولا كتاب منزل فهم أهل ملة أخرى وذهب بعض الفقهاء إلى عدم التوارث بين اليهود والنصارى أيضا فهما أهل ملتين شتى كالمسلمين مع النصارى بخلاف أهل الأهواء فإنهم يعترفون بالأنبياء والكتب ويختلفون في تأويل الكتاب والسنة وذلك لا يوجب اختلاف الملة
(و) الرابع: (اختلاف الدارين) إما (حقيقة كالحربي والذمي) فإذا مات الحربي في دار الحرب وله أب أو ابن ذمي في دار الإسلام أو مات الذمي في دار الإسلام وله أب أو ابن في دار الحرب لم يرث أحدهما من الأخر لأن الذمي من أهل دار الإسلام والحربي من أهل دار الحرب فهما وإن اتحدا ملة لكن لتباين الدار
حقيقة تنقطع الولاية بينهما فتنقطع الوراثة المبنية على الولاية لأن الوارث خلف المورث في ماله ملكا ويدا وتصرفا (أو حكما كالمستأمن من الذمي أو الحربيين من دارين مختلفين) أما المثال الأول فظاهر لأن الحربي إذا دخل في دار الإسلام بأمان فهو والذمي في دار واحدة حقيقة لكنهما في دارين مختلفتين حكما لأن المستأمن من أهل دار الحرب حكما ألا يرى أنه يتمكن من الرجوع إليهما ولا يتمكن من استدامة الإقامة في دارنا بخلاف الذمي فلا توارث بينهما بل إذامات المستأمن من يوقف ماله لورثته الذين في دار الحرب لأن حكم الأمان باق في ماله لحقه ومن جملة حقه إيصال ماله لورثته فلا يصرف إلى بيت المال كما إذا مات الذمي ولا وارث له على ما مر وأما المثال الثاني فإن حمل كما قيل على أن الحربيين في داريهما المختلفتين اتجه عليه أنه من قبيل اختلاف الدارين حقيقة فكان حقه أن يقدم على قوله أو حكما ويحتاج إلى أن يجاب بأن الكفر ملة واحدة أمر حكمي لأن الكفار على ملل شتى حقيقة وذلك لا يقتضي كون ديارهم واحدة حقيقة بل حكما وإن حمل على أن الحربيين من دارين مختلفتين حقيقة لكنهما في دار الاسلام بالاستثمان فهما في دار واحدة حقيقة وفي دارين مختلفين حكما لم يتجه عليه ما ذكرناه ويؤيد حمله على هذا المعنى أنه قال من دارين لا في دارين وإن كان الأولى حينئذ أن يقول أو المستأمنين بدل أو الحربيين فكأنه ترك هذا الأولى إشارة إلى أنه يمكن جعله مثالا للاختلافين
والحاصل أن الحربيين المذكورين إن كانا في داريهما كان الاختلاف في الدار حقيقيا وإن كانا في دارنا كان الاختلاف حكميا لأنا نجعل كل واحد منهما كأنه في داره التي خرج منها إلينا بأمان فلا يتوارثان في دار الإسلام إلا إذا صارا أهل ذمة وإن كان الحربيان المستأمنان من دار واحدة يثبت بينهما التوارث ألا ترى
المستأمنين إن كانوا من دار واحدة قبل شهادة بعضهم على بعض وإن كانوا من دارين لم تقبل فكذا التوارث لأن الشهادة والميراث من باب الولاية
(والدار إنما تختلف باختلاف المنعة) أي العسكر (و) اختلاف (الملك لانقطاع العصمة فيما بينهم) كأن يكون مثلا أحد الملكين في الهند وله دار ومنعة والآخر في الترك وله دار ومنعة أخرى وانقطعت العصمة فيما بينهم حتى يستحل كل واحد منهما قتال الآخر وإذا ظفر رجل من عسكر أحدهما برجل من عسكر الآخر قتله فهاتان الداران مختلفتان فتنقطع باختلافهما الوراثة لأنها تبنى على العصمة والولاية وأما إذا كان بينهما تناصر وتعاون على أعدائهما كانت الدار واحدة والوراثة ثابتة
وليس اختلاف الدارين بمانع من الإرث عند الشافعي رحمه الله أصلا والحربيان وإن كانا مختلفي الدار كالهند والروم يتوارثان عنده والذمي والمستأمن يتوارث بعضهم من بعض لكن لا توارث بين الحربي والذمي لانقطاع الولاية وكذا حال المعاهد والحربي عند الشافعي رحمه الله وهو عندنا مانع فيما بين الكفار دون المسلمين لثبوت التوارث بين أهل البغي وأهل العدل وإن اختلفت المنعة والملك وذلك لأن دار الإسلام يجمعهم وأما دار الحرب فهي دار قهر وغلبة فباختلاف المنعة والملك تتباين الدار فيما بينهم وبتباينهما ينقطع الولاية والتوارث وكذا إذا خرجوا إلينا كما مر
ولم يعترض الشيخ هنا لاستبهام تاريخ الموت كما في الغرقى وإن كان مانعا من الميراث على الأصح لذكره إياه مفصلا في آخر الكتاب
باب معرفة الفروض ومستحقيها
عدد الفروض
(الفروض المقدرة) أي السهام المعينة في باب الميراث المذكورة في (كتاب الله تعالى ستة)
الأول (النصف) وقد ذكره الله تعالى في ثلاثة مواضع فقال الله تعالى ((وإن كانت ـ أي البنت ـ واحدة فلها النصف)) وقال الله تعالى ((ولكم نصف ما ترك أزواجكم)) وقال ((وله أخت فلها نصفما ترك))
والثاني نصف النصف (و) هو (الربع) المذكور في موضعين حيث قال ((فلكم الربع مما تركن)) وقال ((ولهن الربع مما تركتم))
والثالث نصف نصف النصف (و) هو (الثمن) وذكره مرة واحدة فقال ((فلهن الثمن ممت تركتم))
(و) الرابع (الثلثان) وقد ذكره في موضعين فقال في حق البنات ((فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك)) وفي حق الأخوات ((فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان))
والخامس نصف الثلثين (و) هو (الثلث) الذي ذكره في موضعين أيضا فقال ((فلأمه الثلث)) وقال ((وإن كانوا)) أي أولاد الأم ((أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث))
والسادس نصف الثلثين (و) هو (السدس) المذكور في ثلاثة مواضع حيث قال تعالى ((ولأبويه لكل واحد منهما السدس)) وقال تعالى ((وإن كان له
إخوة فلأمه السدس)) وقال تعالى في حق ولد الأم ((وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس))
عدد مستحقي الفروض
(وأصحاب هذه السهام) أي مستحقوها سواء علم استحقاقهم لها بنص الكتاب أو بغيره من الدلائل وهي السنة والإجماع (اثنا عشر نفرا: أربعة من الرجال وهم الأب والجد الصحيح) وهو (أب الأب وإن علا والأخ لأم والزوج) قدم الأب على الجد لكونه محجوبا بالأب وكذا يحجب الجد الأخ لأم إجماعا وتقديمه أي الأخ على الزوج لأن النسب أقوى من السبب كما عرفت (وثمان من النساء وهن الزوجة والبنت وبنت الابن وإن سفلت والأخت لأب وأم والأخت لأب والأخت لأم والأم والجدة الصحيحة وهي التي لا يدخل في نسبتها إلى الميت جد فاسد) قدم الزوجة على البنت لأنها أصل الولاد إذا منها يتولد الأولاد وليقع ذكرها قريبا من ذكر الزوج وقدم البنت على بنت الابن لكونها أقرب إلى الميت منها ولأن بنت الابن تقوم مقام البنت عند عدمها وأخر الأخت لأب وأم عن بنت الابن لكونها أبعد منها في القرابة وقدمها على الأخت لأب وأم عن بنت الابن لكونها أبعد منها في القرابة وقدمها على الأخت لأب لقوة القرابة ولأن الأخت لأب تقوم مقامها عند عدمها وتقديمها على الأخت لأم لأن قرابة الأب أقوى من قرابة الأم وتقديم الأخت لأم على الأم لأن الأختين لأم تحجبان الأم من الثلث إلى السدس وجنس الحاجب مقدم على جنس المحجوب وتقديم الأم على الجدة لكونها أقرب
لا يقال تقديم الأب في الرجال يقتضي تقديم الأم في النساء لأنا نقول معرفة نصيب الأم تتوقف على معرفة نصيب الأخوات من وجه دون العكس
وقيد الجدة بالصحيحة وفسرها بالتي لا يدخل في نسبتها إلى الميت جد فاسد وهو الذي تدخل في نسبته إلى الميت أم ضرورة أنه يقابل الجد الصحيح المفسر كما سيأتي بالذي لا تدخل في نسبته إلى الميت أم فالجدة إن خلت نسبتها عن الجد الفاسد كانت صحيحة سواء كانت مدلية بمحض الأنوثة كأم الأم وأم أم الأم أو بمحض الذكورة كأم الأب وأم أب الأب أو بخلط منهما كأم أم الأب وهي صاحبة الفرض في الجدات كالجد الصحيح في الأجداد وإذا دخل في نسبتها إليه الجد الفاسد كانت فاسدة ومنتمية بخلط الذكور والإناث كأم أب الأم وأم أب الأب وأم أب أب الأم وليست هي بصاحبة فرض كالجد الفاسد بل هما من ذوي الأرحام الذين يرثون بالقرابة لا بعصوبة لا بفرض
أحوال الأب في الميراث
(أما الأب فله أحوال ثلاث: الفرض المطلق) أي الخالص عن التعصيب (وهو السدس وذلك مع الابن أو ابن الابن وإن سفل والفرض والتعصيب) معا (وذلك مع الابنة أو ابنة الابن وإن سفلت) وبيان ذلك أنه تعالى قال عز شأنه ((ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد)) وهذا تنصيص على أن فرض الأب مع الولد هو السدس لكن اسم الولد يتناول الابن والبنت فإن كان مع الأب ابن فله فرضه أعني السدس والباقي للابن لقوله - صلى الله عليه وسلم - ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته فلأولى أي فلأقرب رجل ذكر وأولى الرجال من العصبات هو الابن كما ستعرفه وإن كانت معه بنت فله السدس وللبنت النصف
بالفرض وما بقي فللأب لأنه أولى رجل ذكر من العصبات عند عدم الابن وابنه (والتعصيب المحض وذلك عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل) وذلك لقوله تعالى ((فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث)) إذ يفهم منه أن الباقي للأب فيكون عصبة محضة
أحوال الجد في الميراث
(والجد الصحيح هو الذي لا تدخل في نسبته إلى الميت أم كالأب) عند عدمه في ثبوت تلك الأحوال الثلاث بل في جميع أحكام الميراث (إلا في أربع مسائل سنذكرها إن شاء الله تعالى) الأولى أن أم الأب لا ترث معه وترث مع الجد والثانية أن الميت إذا ترك الأبوين وأحد الزوجين فللأم ثلث ما بقي بعد نصيب أحد الزوجين ولو كان مكان الأب جد فللأم ثلث ما بقي بعد نصيب أحد الزوجين أيضا والثالثة أن بني الأعيان والعلات كلهم يسقطون مع الأب إجماعا ولا يسقطون مع الجد إلا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى والرابعة أن أب المعتق مع ابنه يأخذ سدس الولاء عند أبي يوسف رحمه الله تعالى وليس للجد ذلك بل الولاء كله للابن ولا فرق بينهما عند سائر الأئمة إذ لا يأخذن شيئا من الولاء وإذا جعلت المسألة الثانية مسألتين كما في عبارة الكتاب فالأولى أن يقال إلا في خمس مسائل وسيأتيك تتمة الكلام
(ويسقط) الجد (بالأب لأن الأب أصل في قرابة الجد إلى الميت) واعترض على هذا التعليل بأنه يلزم منه سقوط أولاد الأم بالأم لأنها أصل في قرابة أولادها وقد يدفع باعتبار انضمام العصوبة التي ترجح بزيادة القرب والجد الصحيح هو الذي لا يدخل في نسبته إلى الميت أم كأب الأب وإن علا
أحوال الأخ لأم والأخت لأم
ولما أراد أن يذكر الأخ لأم في فصل الرجال وكانت الأخت لأم مساوية له في الأحكام عمم الكلام كيلا يحتاج إلى ذكرها في فصل النساء فقال (وأما لأولاد الأم فأحوال ثلاث السدس للواحد) لقول تعالى ((وإن كان رجل يورث كلالة أوامرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس)) والمراد منه اولاد الأم إجماعا ويدل عليه قراءة ابي وسعد بن أبي وقاص رحمهما الله وله أخ أو أخت من الأم (والثلث للاثنين فصاعدا) لقوله تعالى ((فإن كانوا أكثر منذ ذلك فهم شركاء في الثلث)) (ذكورهم وإناثهم في القسمة والاستحقاق سواء) أما في القسمة فلأن الأنثى منهم تأخذ مثل ما يأخذه الذكر كما دل عليه جعلهم شركاء في الثلث وأما في الاستحقاق فلأن الواحد منهم مذكرا كان أو مؤنثا يستحق السدس وإذا تعددوا ذكورا او إناثا أو مختلطين استحقوا الثلث ولا يخفى عليك أن الاستحقاق يعم الواحد والمتعدد بخلاف القسمة
(ويسقطون بالولد وولد الابن وإن سفل وبالأب والجد بالاتفاق) لأنهم من قبيل الكلالة كما علم من الآية وقد اشترط في إرثها عدم الولد والوالد إجماعا لقوله تعالى ((قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت)) وقوله - صلى الله عليه وسلم - الكلالة من ليس له ولد ولا والد لكن ولد الابن داخل في الولد لقوله تعالى ((يا بني آدم)) والجد داخل في الوالد لقوله تعالى ((كما أخرج أبويكم من الجنة)) فلا إرث لأولاد الأم مع هؤلاء ثم لفظ الكلالة في الأصل بمعنى الإعياء وذهاب القوة كقوله
فاليت لا ارثى لها من كلالة
ثم استعيرت لقرابة من عدا الولد والوالد كأنها كالة ضعيفة بالقياس إلى قرابة الولاد وتطلق أيضا على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين
أحوال الزوج في الميراث
(وأما للزوج فحالتان النصف عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل) أي عند عدمهما معا ولذلك عطف بالواو (والربع مع الولد أو ولد الابن وإن سفل) أي يكفى وجود أحدهما في ذلك ومن ثم عطف بأو وكلتا الحالتين صرح بهما في نظم القرآن كما مر في ذكر السهام
فصول النساء
أحوال الزوجة والزوجات
(للزوجات حالتان الربع للواحدة فصاعدا عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل والثمن مع الولد أو ولد الابن وإن سفل) وقد صرح بهاتين الحالتين أيضا في النظم المذكور هناك وقد روعي بين نصيبي الزوجين أن للذكر منهما ضعف حظ الأنثى على التقديرين
أحوال بنات الصلب في الميراث
وأما بنات الصلب فأحوال ثلاث النصف للواحدة) وهذه مصرح بها في الآية (والثلثان للإثنتين فصاعدا) والمنصوص عليه في القرآن صريحا أنهن إذا كن نساء فهو اثنتين فلهن الثلثان مما ترك وأما الاثنتان فحكمهما عند ابن عباس حكم
الواحدة وهو ظاهر وعند سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم حكم الجماعة وعلل قولهم بوجوه ثلاثة الأول أنه قال الله تعالى ((للذكر مثل حظ الأنثيين)) وأدنى مراتب الاختلاط ابن وبنت فللابن حينئذ الثلثان بالاتفاق فعرف بهذه الإشارة أن البنتين لهما الثلثان في الجملة وليس ذلك إلا في حالة ما فوقهما فلذلك قيل ((فإن كن نساء فوق اثنتين)) أي فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للاثنتين أعني الثلثين لا يتجاوزنه الثاني أن البنتين أقرب رحما من الأختين اللتين تحرزان الثلثين فهما أولى بذلك الإحراز الثالث أن الأخت إذا كانت مع الأخ وجب لها الثلث فبالأولى أن يجب لها ذلك إذا كانت مع أخت أخرى وكذلك يجب مع أختها مثل ما كان يجب لها لو انفردت مع أخيها فوجب لهما الثلثان
(ومع الابن للذكر مثل حظ الأنثيين وهو يعصبهن) لقوله تعالى ((يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)) فإنه لما لم يبين نصيب البنات عند الابن دل على أنه يعصبهن وأن المال يقسم بينهن وبين الابن على ما ذكر من القسمة بطريق العصوبة
أحوال بنات الابن في الميراث
(وبنات الابن كبنات الصلب) في ثبوت تلك الأحوال الثلاث ولهن أحوال ثلاث أخر فلذلك قال (ولهن أحوال ست: النصف للواحدة والثلثان للاثنتين فصاعدا عند عدم بنات الصلب) فهاتان الحالتان من الثلاث الأولى ويشترط فيها عدم الصلبيات لأن النص ورد فيها صريحا فإذا عدمن قامت بنات الابن مقامهن (ولهن السدس مع الواحدة الصلبية تكملة للثلثين) هذه حالة أولى
من الثلاث الأخر والدليل عليها أن حق البنات الثلثان وقد أخذت الصلبية الواحدة النصف لقوة القرابة فبقي سدس من حق البنات فتأخذه بنات الابن واحدة كانت أو متعددة وما بقي من التركة فللأولى عصبة فبنات الابن من ذوات الفرائض مع الواحدة من الصلبيات ويصرن معها من العصبات إن كان معهن ابن الابن وإن كان معهن ذكر أسفل منهن درجة فلهن فرضهن كبنات الصلب مع ابن الابن (ولا يرثن مع الصلبيتين) عند عامة الصحابة رضي الله عنهم إذ لم يبق معهما شيء من حق البنات خلافا لابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذ حكمهما عنده حكم الواحدة وهذه حالة ثانية من الثلاث الأخر (إلا أن يكون بحذائهن أو أسفل منهن غلام فيعصبهن) وحينئذ يكون (الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين) هذه حالة ثالثة من الثلاث الأولى فإن بنات لابن إذا كان بحذائهن غلام سواء كان أخاهن أو ابن عمهن فإنه يعصبهن كما أن الابن الصلبي يعصب البنات الصلبية وذلك لأن الذكر من أولاد الابن يعصب الإناث اللاتي في درجته إذا لم يكن للميت ولد صلبي بالاتفاق في استحقاق جميع المال وكذا يعصبها في استحقاق الباقي من الثلثين مع الصلبيتين وإليه ذهب عامة الصحابة وعليه جمهور العلماء وقال ابن مسعود رضي الله عنه لا يعصبهن بل الباقي كله لابن الابن ولا شيء لبناته إذ لو جعل الباقي بينهم ههنا للذكر مثل حظ الأنثيين لزاد حق البنات على الثلثين وقد قال عليه السلام لا يزاد حق البنات على الثلثين وأيضا الأنثى إنما تصير عصبة بالذكر إذا كانت صاحبة فرض عند الانفراد عنه كالبنات والأخوات وأما إذا لم تكن كذلك فلا تصير به عصبة كالبنات والأخوات وأما إذا لم تكن كذلك فلا تصير به عصبة كبنات الإخوة والأعمام مع بنيهم وأجيب عن الأول بأن استحقاق الصلبيتين بالفرض واستحقاق بنات
الابن بالتعصيب وهما سببان مختلفان فلا يضم أحد الحقين إلى الآخر فلا زيادة على الثلثين وعن الثاني بأن بنت الابن صاحبة فرض عند الانفراد عن ابن الابن لكنها محجوبة بالصلبيتين ههنا ألا يرى أنها تأخذ النصف عند عدم الصلبيات بخلاف بنات الأخ والعم إذ لا فرض لهن عند انفرادهن عن ابنهيهما فلا يصرن عصبة به هذا كله إذا كان الغلام بحذائهن وأما إذا كان أسفل منهن فالحكم كذلك أيضا عندنا في ظاهر المذهب وقال بعض المتأخرين لا يعصبهن بل الباقي للغلام خاصة لأن الذكر إنما يعصب من في درجته لا من هو أعلى منه لصار محروما لأن في إرث العصبة يقدم الأقرب على الأبعد ذكراً كان الأقرب أن أنثى ألا يرى أن الأخت لما صارت عصبة مع البنت قدمت على ابن الأخ وإذا صار محروما لم يعصب أحدا ولنا أن هذه الأنثى لو كانت في درجة الذكر لكانت به عصبة فإذا كانت أقرب منه كانت لذلك أولى وكيف لا يرثن ومن في درجة الغلام ههنا من الاناث يسحتق شيئا والقول بأن الأقرب من البنات محروم مع استحقاق الأبعد منهن يشبه المحال
(ويسقطن) أي بنات الابن (بالابن) بخلاف بنات الصلب فهذه ثالثة الأحوال من الثلاث الأخر وبها تمت الأحوال الست لبنات الابن (ولو ترك) الميت (ثلاث بنات ابن بعضهن أسفل من بعض و) ترك أيضا (ثلاث بنات ابن ابن أخر بعضهن أسفل من بعض و) ترك أيضا (ثلاث بنات ابن ابن أخر بعضهن أسفل من بعض بهذه الصورة
الفريق الأول ... الفريق الثاني ... الفريق الثالث
اب
ن ... ابن ... ابن
ابن، بنت ... عليا ... ابن ... ابن
ابن، بنت ... وسطى ... ابن، بنت ... عليا ... ابن
ابن، بنت ... سفلى ... ابن، بنت ... وسطى ... ابن، بنت ... عليا
ابن، بنت ... سفلى ... ابن، بنت ... وسطى
ابن، بنت ... سفلى
(العليا من الفريق الأول ر يوازيها أحد) لانتمائها إلى الميت بواسطة واحدة وليس في هؤلاء البنات من هو كذلك (الوسطى من الفريق الأول توازيها العليا من الفريق الثاني) لأن كلا منهما تدلي إلى الميت بواسطتين (السفلى من الفريق الأول توازيها الوسطى من الفريق الثاني والعليا من الفريق الثالث) إذ كل واحدة منهن تدلي إلى الميت بثلاث وسائط (السفلى من الثاني توازيها الوسطى من الفريق الثالث) لانتماء كل واحدة منهما إليه بأربع وسائط (السفلى من الفريق الثالث لا يوازيها أحد) لأنها تدلي إلى الميت بوسائط خمس وليس في هذه من فهو كذلك
إذا عرفت هذا فنقول للعليا من الفريق الأول النصف) لأنها قامت مقام بنت الصلب عند عدمها (وللوسطى) من الفريق الأول (مع من توازيها) وهي العليا من الفريق الثاني (السدس تكملة للثلثين) وذلك لأن العليا من الفريق الأول لما قامت مقام الصلبية قامت من دونها بدرجة واحدة مقام بنت الابن (ولا شيء للسفليات) وهي الست الباقية من البنات التسع لأنه قد كمل الثلثان لتلك الثلاث فلم يبق للباقيات فرض وليس لهن عصوبة قطعا فلا يرثن من التركة أصلا (إلا أن يكون معهن) أي مع تلك السفليات الست (غلام فيعصب) أي يعصب منهن (من كانت بحذائه ومن كانت فوقه) كما سبق تقريره على قول عامة الصحابة وجمهور العلماء رحمهم الله تعالى (ممن لم تكن ذات سهم) فإنها تأخذ سهمها ولا تصير به عصبة وهي العليا من الفريق الأول التي أخذت النصف والوسطى منهم مع العليا من الفريق الثاني حيث أخذتا السدس وهذا قيد يعتبر فيمن كانت فوقه دون من كانت بحذائه فإنه يعصبها مطلقا (ويسقط من دونه) أي من دون ذلك الغلام في الدرجة من السفليات
فإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الأول أخذت العليا منهن النصف وأخذت الوسطى منهن مع العليا من الفريق الثاني السدس ويكون الثلث الباقي بين الغلام وبين السفلى من الفريق الأول والوسطى من الفريق الثاني والعليا من الثالث للذكر مثل حظ الأنثيين أخماسا وسقطت سفلى الثاني ووسطى الثالث وسفلاه
وإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الثاني كان الثلث الباقي بين الغلام وبين سفلى الأول ووسطى الثاني وسفلاه وعليا الثالث ووسطاه أسباعا للذكر مثل حظ الأنثيين وسقطت سفلى الثالث
وإن كان الغلام مع السفلى من الفريق الثالث كان الثلث الباقي بين الغلام وبين السفليات الست أثمانا هذا ما صرح به في الكتاب
وإن فرض الغلام مع العليا من الفريق الأول كان جمع المال بينه وبين أخته للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء للسفليات وهن ثمان
وإن فرض مع وسطى الأول فتأخذ عليا الأول النصف والباقي للغلام مع بمن بحذائه وهي وسطى الأول وعليا الثاني للذكر مثل حظ الأنثيين وكذا الحال إذا فرض مع عليا الثاني
وأما تصحيح المسائل في جميع هذه الصور فعلى ما ستحيط به فيما بعد فلا حاجة إلى إيراده ههنا
واعلم أن العلييات من بنات الابن في أي درجة كانت متى أخذت الثلثين بالفرضية ثم اختلط الذكور بالإناث فعلى قول عامة الصحابة يعصب الذكور الإناث على التفصيل المذكور وعند ابن مسعود رضي الله عنه يكون الباقي من الثلثين للذكور وحدهم بالعصوبة كما مر وإن أخذت العليا منهن النصف ثم اختلط الذكور بالإناث فإن كان عدد الذكور أكثر من عدد الإناث أو مساويا له كان الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بالاتفاق وإن كان عدد الإناث أكثر فعند العامة كذلك وعند ابن مسعود رضي الله تعالى عنه للإناث حينئذ السدس فإن كان ينظر إلى ما هو أضر ببنات الابن من المقاسمة والسدس فيعطيهن ما هو أقل احترازا عن الزيادة على الثلثين في حق البنات
واعلم أن ذكر البنات على اختلاف الدرجات كما ذكر في الكتاب يسمى مسألة التشبيب لأنها لدقتها وحسنها تشحذ الخواطر وتميل الآذان إلى استماعها فشبهت بتشبيب الشاعر القصيدة لتحسينها واستدعاء الاصغاء إلى استماعها
أحوال الأخوات الشقيقات في الميراث
(وأما للأخوات لأب وأم فأحوال خمس) ذكر المصنف رحمه الله ههنا أربعا منها وأخر الخامسة ليذكرها مع سابع أحوال الأخوات لأب روما للاختصار (النصف للواحدة) لقوله تعالى ((وله أخت فلها نصف ما ترك)) (والثلثان للاثنتين فصاعدا)) لقوله تعالى ((فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان)) والمراد الأخوات لأب وأم أو لأب لأن الأخوات لأم قد علم حالها في آية المواريث كما مر وإذا استحقت الاثنتان الثلثين كان استحقاق ما فوقهما له أظهر وقد يقال صرح في الأخوات بالاثنتين وفي البنات بما فوقهما ليعلم من حال الأختين حال البنتين ومن حال البنات حال الأخوات بطريق الأولوية (ومع الأخ لأب وأم للذكر مثل حظ الأنثيين يصرن عصبة به لاستوائهم في القرابة إلى الميت) قال الله تعالى ((وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين فلم يقدر نصيب الأخوات في حالة الاختلاط كما لم يقدر نصيب الإخوة فدل ذلك على أنهن قد صرن عصبات معهم وقد خالف بعض العلماء إذا خلف الميت بنتا وأخا وأختا لأب وأم فقال الباقي بعد نصيب البنت للأخ دون الأخت استدلالا بقوله عليه السلام فما أبقته الفرائض فلأولى رجل ذكر ورد بأنهم أجمعوا في بنت وبنت ابن وابن ابن على أن الباقي من نصيبها بين ولدي الابن للذكر مثل حظ الأنثيين وأجمعوا أيضا في بنت وعم وعمة على أن الباقي للعم وحده واختلفوا في الأخ والأخت مع البنت فنقول إلحاقهما بابن الابن وبنت الابن أولى من إلحاقهما بالعم
والعمة ألا يرى أنهم كما أجمعوا على أنه إذا لم يكن مع بنت الابن وابن الابن بنت كان المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين كذلك أجمعوا على أنه إذا لم تكن مع الأخ والأخت بنت كان المال بينهما كذلك بخلاف العم والعمة فإنه إذا لم يكن معهما بنت كان المال كله للعم وحده فكذا الحال في الباقي بعد نصيب البنت كذا ذكره الطحاوي في شرح الآثار (ولهن الباقي) أي النصف أو الثلث (مع البنات أو مع بنات الابن) لقوله - صلى الله عليه وسلم - اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة ذهب أكثر الصحابة إلى تعصيب الأخوات مع البنات وهو قول جمهور العلماء وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تعصيب لهن مع البنات وحكم فيما إذا اجتمعت بنت وأخت بأن النصف للبنت ولا شيء للأخت فقيل له إن عمر رضي الله عنه كان يقول للأخت ما بقي فغضب وقال أأنتم أعلم أم الله يريد أنه تعالى قال ((إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك)) فقد جعل الولد حاجبا للأخت ولفظ الولد يتناول الذكر والأنثى كما في حجب الأم من الثلث إلى السدس وحجب الزوج من النصف إلى الربع وحجب الزوج من النصف إلى الربع وحجب الزوجة من الربع إلى الثمن فلا ميراث للأخت مع الولد ذكرا كان أو أنثى بخلاف الأخ فإنه يأخذ ما بقي من الأنثى بالعصوبة ولا عصوبة للأخت بنفسها وإنما تصير عصبة بغيرها إذا كان ذلك الغير عصبة وليست للبنت عصوبة فكيف تصير الأخت معها عصبة
والجواب أن المراد بالولد ههنا هو الذكر بدليل قوله تعالى ((وهو يرثها إن لم يكن لها ولد)) أي ابن بالاتفاق لأن الأخ يرث مع البنت وقد تأيد ذلك بالسنة حيث روي عن هذيل بن شرحبيل أن رجلا سأل أبا موسى الأشعري عمن خلف بنتا وبنت ابن وأختا فقال للنت النصف والباقي للأخت ثم قال للسائل
اسأل عن ذلك ابن مسعود وأخبرني عما يجيب به فلما سأله قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى للبنت بالنصف ولبنت الابن بالسدس تكلمة للثلثين وللأخت الباقي فلما أخبر السائل أبا موسى الأشعري بذلك قال لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم فدل ذلك على أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الأخت مع البنت عصبة
أحوال الأخوات لأب في الميراث
(والأخوات لأب كالأخوات لأب وأم ولهن أحوال سبع النصف للواحدة والثلثان للثنتين فصاعدا عند الأخوات لأب وأم) وذلك لما ذكرناه من النصوص في الأخوات لأب وأم على ما أشير إليه هناك (ولهن السدس مع الأخت لأب وأم تكملة للثلثين) فإن حق الأخوات الثلثان وقد أخذت الأخت لأب وأم النصف فبقي منه سدس فيعطى للأخوات لأب حتى يكمل حق الأخوات (ولا يرثن مع الأختين لأب وأم) لأنه قد كمل لهما حق الأخوات أعني الثلثين فلم يبق للأخوات لأب شيء (إلا أن يكون معهن أخ لأب فيعصبهن لأب و) حينئذ يكون (الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين) وذلك لأن ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم أجري مجرى ميراث الأولاد الصلبية وميراث الصلبية وميراث الأخوة والأخوات لأب أجري مجرى ميراث أولاد الابن ذكورهم كذكورهم وإناثهم كإناثهم (والسادسة أن يصرن عصبة مع البنات أو مع بنات الابن كما ذكرنا) من قوله - صلى الله عليه وسلم - اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة وهو قول أكثر الصحابة والعلماء كما مر خلافا لابن عباس - رضي الله عنه - وإنما صرح بلفظ السادسة دون غيرها لئلا يتوهم أن قوله إلا أن يكون معهن أخ لأب من تتمة الرابعة لكونه استثناء منها فلا يكون حالة خامسة ولكن مثل ذلك قد مر في أحوال بنات الابن فاكتفي هناك بشهادة المعنى فقط
(وبنو الأعيان) أي الإخوة والأخوات لأب وأم (و) بنو (العلات) أي الإخوة والأخوات لأب كلهم (يسقطون بالابن وابن الابن وإن سفل وبالأب بالاتفاق وبالجد عند أبي حنيفة رحمه الله ما ذكره ههنا من حكم السقوط مشتمل على الحالة الخامسة للأخوات لأب وأم وعلى السابعة للأخوات لأب أما سقوط الأخوة بالابن فبقوله تعالى وهو يرثها إن لم يكن لها ولد أي ابن كما مر وأما سقوط الأخوات به فبقوله تعالى ((ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك)) والمراد الابن عندنا لما سبق وأما سقوطهم بابن الابن فلدخوله تحت الابن وقيامه مقامه عند عدمه وأما سقوطهم بالجد عند أبي حنيفة رحمه الله فلما سيأتيك في باب مقاسمة الجد إن شاء الله تعالى وهذه المسألة من المسائل التي استثناها في أول الباب من كون الجد الصحيح كالأب فإن أبا يوسف ومحمدا رحمهما الله تعالى لم يجعلاه مسقطا كالأب لهؤلاء الأخوة والأخوات
(ويسقط بنو العلات أيضا بالأخ لأب وأم) وذلك لما عرفت من أن ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم جار مجرى ميراث الأولاد الصلبية وأن ميراث الإخوة والأخوات لأب كميراث أولاد الابن ذكورهم كذكورهم وإناثهم كإناثهم فكما يحجب أولاد الابن بالابن كذلك أولاد العلات بالأخ لأب وأم
فإن قلت ما ذكره ههنا مشتمل على حالة ثامنة للأخوات من جهة الأب وهي سقوطهن بالأخ المذكور فكيف قال أحوالهن سبع
قلت: هذه من تتمة السابعة من أحوالهن كأنه قال: وبنو العلات كلهم يسقطون بالابن وابن الابن وإن سفل والأب والأخ لأب وأم إلا أنه لما ذكر أولا
بني الأعيان مع بني العلات لم يمكنه أن يذكر الأخ لأب وأم هناك كما لا يخفى فلذلك أردفه بسقوط بني العلات وحدهم به
ويوجد في بعض النسخ و ((وبالأخت لأب وأم إذا صارت عصبة)) أي إذا كانت مع البنات أو مع بنات الابن كما علمته وإنما سقطوا بها لأنها حينئذ كالأخ لأب وأم في كونها عصبة أقرب إلي الميت كما سيأتي في باب العصبات
أحوال الأم في الميراث
(وأما الأم فلها أحوال ثلاث: السدس مع الولد) لقوله تعالى ((ولأبويه لكل واحد منها السدس مما ترك إن كان له ولد)) ولفظ الولد يتناول الذكر والأنثى ولا قرينة تخصصه بأحدهما (أو ولد الابن وان سفل) وذلك إما لأن لفظ الولد يتناول ولد الابن أيضا وإما للإجماع على أنه يقوم مقام ولد الصلب في توريث الأم (أو الأثنين من الإخوة والأخوات فصاعدا من أي جهة كانا) أي سواء كانا من جهة الأبوين معا أو من جهة الأب أو من جهة الأم لقوله تعالى ((فإن كان له إخوة فلأمه السدس)) ولفظ الأخوة يتناول الكل للاشتراك في الأخوة وإلى هذا ذهب أكثر الصحابة وجمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى خلافا لابن عباس رضي الله عنهما فإنه جعل الثلاثة من الإخوة والأخوات حاجبة للام دون الاثنين فلها معهما الثلث عنده بناء على أن الأخوة صيغة الجمع فلا يتناول المثنى ورد بأن حكم الاثنين في الميراث حكم الجماعة ألا يرى أن البنتين كالبنات والأختين كالأخوات في استحقاق الثلثين فكذا في الحجب وأيضاً معنى الجمع المطلق مشترك بين الاثنين وما فوقهما وهذا المقام يناسب الدلالة على الجمع المطلق فدل لفظ الإخوة عليه ثم الباقي من السدس الذي حجبوها عنه للأب عند
جمهور الصحابة ويروى عن ابن عباس أنه للاخوة لأنهم إنما حجبوها عنه ليأخذوه فإن غير الوارث لا يحجب كما إذا كان الإخوة كفارا أو أرقا وقد يستدل عليه بما رواه طاوس رحمه الله مرسلا من أنه عليه السلام أعطى الإخوة السدس مع الأبوين ولنا أنه تعالى قال ((فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس)) والمراد من صدر الكلام أن لأمه الثلث والباقي للأب فكذا الحال في آخره كأنه قيل ((فإن كان له أخوة وورثه أبواه فلأمه السدس)) ولأبيه الباقي ثم إن شرط الحاجب أن يكون وارثا في حق من يحجبه والأخ المسلم وارث في حق الأم بخلاف الرقيق والكافر فالإخوة يحجبونها وهم يحجبون بالأب ألا يرى أنهم لا يرثون مع الأب شيئا عند عدم الأم لأنهم كلالة فلا ميراث لهم مع الوالد وليس حال الإخوة مع وجود الأم بأقوى من حالهم مع عدمها وقد روي عن طاوس أنه قال لقيت ابن رجل من الإخوة الذين أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السدس مع الأبوين وسألته عن ذلك فقال كان ذلك وصية وحينئذ صار الحديث دليلا لنا إذ لا وصية للوارث والظاهر أنه لا صحة لهذه الرواية عن ابن عباس رحمه الله لأنه يوافق الصديق في حجب الجد للإخوة فكيف يقول بإرثهم مع الأب كذا في شرح الإمام السرخسي
وذهبت الزيدية إلى أن الأخوة لأم لا يحجبونها بخلاف غيرهم فإن الحجب ههنا لمعنى معقول هو أنه إذا كان هناك إخوة لأب وأم أو لأب فقد كثر عيال الأب فيحتاج إلى زيادة مال للإنفاق وهذا المعنى لا يوجد فيما إذا كان الإخوة لأم إذ ليس نفقتهم على الأب وجمهور العلماء على أنه لا فرق بين الإخوة لأن الاسم حقيقة في الأصناف الثلاثة وهذا حكم غير معقول المعنى ثبت بالنص
ألا يرى أنه يحجبون الأم بعد موت الأب ولا نفقة عليه بعد موته ويحجبونها كبارا وليس عليه نفقتهم
(وللأم ثلث الكل عند عدم هؤلاء المذكورين) أي عند عدم الولد وولد الابن وإن سفل وعند عدم الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعدا علم ذلك بقوله تعالى ((فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس)) هذا إذا لم يكن مع الأبوين أحد الزوجين (و) أما إذا كان معهما أحدهما فلها (ثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين وذلك في مسألتين) كأنه أراد في صورتين لأن عدهما مسألتين حقيقة يوجب زيادة المسائل المستثناة في الجد على الأربع كما أشرنا إليه فيما سلف ويمكن أن يقال جعلهما مسألتين في توريث الأم مع الأب ومسألة واحدة في توريثهما مع الجد إذ لكل من الجعلين وجه ظاهر (زوج وأبوين أو زوجة وأبوين) وهذا مذهب جمهور الصحابة والفقهاء وكان ابن عباس رحمه الله يقول إن لها ثلث أصل التركة في هاتين الصورتين مستدلا بأنه تعالى جعل لها أولا سدس التركة مع الولد بقوله تعالى ((ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد)) ثم ذكر أن لها مع عدمه الثلث بقوله تعالى ((فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث)) فيفهم منه أن المراد ثلث أصل التركة أيضا ويؤيده أيضا أن السهام المقدرة كلها بالقياس إلى أصلها بعد الوصية والدين وكان أبو بكر الأصم يقول بأن لها مع الزوج ثلث ما يبقى من فرضه ومع الزوجة ثلث الأصل لأنه لو جعل لها مع الزوج ثلث جميع المال لزاد نصيبها على نصيب الأب لأن المسألة حينئذ من ستة لاجتماع النصف والثلث فللزوج ثلاثة وللأم اثنان على ذلك التقدير فبقي للأب واحد وفي ذلك تفضيل الأنثى على الذكر وإذا جعل لها ثلث ما بقي من فرض الزوج كان لها واحد وللأب اثنان ولو جعل لها
مع الزوجة ثلث الأصل لم يلزم ذلك التفضيل لأن المسألة من اثنا عشر لاجتماع الربع والثلث فإذا أخذت الأم أربعة بقي للأب خمسة فلا تفضيل لها عليه ولنا أن معنى قوله تعالى ((فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث)) هو أن لها ثلث ما ورثاه سواء كان جميع المال أو بعضه وذلك لأنه لو أريد ثلث الأصل لكفى في البيان ((فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث)) كما قال تعالى في حق البنات ((وإن كانت واحدة فلها النصف)) بعد قوله تعالى ((فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك)) فيلزم أن يكون قوله ((وورثه أبواه)) خاليا عن الفائدة فإن قيل نحمله على أن الوراثة لهما فقط قلت ليس في العبارة دلالة على حصر الإرث فيهما وإن سلم فلا دلالة في الآية حينئذ على صورة النزاع أصلا لا نفيا ولا إثباتا فيرجع فيها إلى أن الأبوين في الأصول كالابن والبنت في الفروع لأن السبب في وراثة الذكر والأنثى واحد وكل واحد منهما يتصل بالميت بلا واسطة فيجعل ما بقي من فرض أحد الزوجين بينهما أثلاثا كما في حق الابن والبنت وكما في حق الأبوين إذا انفردا بالإرث فلا يزيد نصيب الأم على نصف نصيب الأب كما يقتضيه القياس فلا مجال لما ذهب إليه الأصم الذي لم يسمع ما ذكرناه من معنى الآية واعلم أن الأم إذا أعطيت ثلث الباقي مع الزوجة اجتمع في المسألة ربعان حقيقة لا لفظا فإن ثلثها حينئذ ربع في الحقيقة (ولو كان مكان الأب جد فللأم ثلث بجميع المال) وهو مذهب ابن عباس رض الله تعالى عنهما وإحدى الروايتين عن الصديق رض الله عنه وروي ذلك أيضا أهل الكوفة عن ابن مسعود رضي الله عنه في صورة الزوج (إلا عند أبي يوسف رحمه الله فإن لها) مع الجد أيضاً (ثلث الباقي) كما مع الأب وهو الرواية الأخرى عن أبي بكر رضي الله عنه فعلى هذه الرواية جعل الجد كالأب فيعصب الأم كما يعصبها الأب والوجه على الرواية الأولى هو أنا تركنا
ظاهر قوله تعالى ((فلأمه الثلث)) في حق الأب وأولناه بما مر كيلا يلزم تفضيها عليه مع تساويهما في القرب وأيدنا تأويله بقول أكثر الصحابة وأما في حق الجد فأجريناه على ظاهره لعد التساوي في القرب وأيدنا تأويله بقول أكثر الصحابة ولا استحالة في تفضيل الأنثى على الذكر وأيضا للأم حقيقة الولاد كما للأب فيعصبها والجد له حكم الولاد لا حقيقة الولاد فلا يعصبها إذ لا تعصيب مع الاختلاف في السبب بل مع الاتفاق فيه وهذه المسألة من المسائل الأربع التي استثناها في أوائل الباب فإن أبا حنيفة ومحمدا رحمهما الله لم يجعلا الجد كالاب هنا.
أحوال الجدة والجدات في الميراث
(وللجدة السدس لأم كانت) كأم الأم (أو لأب) كأم الأب (واحدة كانت أو أكثر إذا كن ثابتات) أي صحيحات كالمذكورتين فإن الفاسدات من ذوي الأرحام كما سيأتي (متحاذيات في الدرجة) لأن القربى تحجب البعدى كما ستحيط به علما أما إعطاء الجدة الواحدة السدس فلما رواه أبو سعيد الخدري والمغيرة بن شعبة وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم من أنه عليه الصلاة والسلام أعطاها السدس وأما التشريك بينهن في ذلك إذا كن أكثر متحاذيات فلما روي أن الأم جاءت إلى الصديق رضي الله عنه وقال أعطني ميراث ولد ابنتي فقال اصبري حتى أشاور أصحابي فلم أجد لك في كتاب الله تعالى نصيبا ولم أسمع فيك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم سألهم فشهد المغيرة بإعطاء السدس فقال للمغيرة هل معك أحد فشهد محمد بن سلمة فأعطاها ذلك ثم جاءت أم الأب وطلبت الميراث فقال أرى أن ذلك السدس بينكما وهو لمن انفردت منكما فشركهما فيه وفي رواية أخرى أن أم الأب جاءت إلى عمر رضي الله عنه وقالت أنا أولى بالميراث من أم الأم إذا لو ماتت لم يرثها ولد ولدها ولو مت ورثني ولد ولدي فقال هو ذلك السدس
فإن اجتمعتما فهو بينكما وأيتكما خلت به فهو لها فحكم بالتشريك بينهما فقد أجمعا على أن الجدات الصحيحات المتحاذيات يتشاركن في السدس بالتسوية وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن الجدة أم الأم تقوم مقام الأم مع عدمها فتأخذ الثلث إذا لم يكن للميت ولد ولا إخوة والسدس إذا كان له أحدهما كما أن الجد أب الأب يقوم مقام الأب عند عدمه ثم إن الأم لا يزاحمها في فرضها أحد من الجدات فكذلك أم الأم لا يزاحمها أحد منهن ورد بان الإدلاء بالأنثى ليس سببا لاستحقاق المدلي فريضة المدلى به كبنات البنات وبنات الأخوات لكنا تركنا هذا القياس في الجدات بالسنة ولم يرد فيها ما زاد على السدس فاكتفينا به
(ويسقطن) أي الجدات (كلهن) سواء كانت أبويات أو أميات (بالأم) أما الأميات فلوجود إدلائها بالأم واتحاد السبب الذي هو الأمومة وأما الأبويات فلاتحاد السبب وحده (و) تسقط (الأبويات) دون الأميات (أيضا بالأب) وهو قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم رضي الله عنهم ونقل عن عمر رضي الله عنه وابن مسعود وأبي موسى الأشعري أن أم الأب ترث مع الأب واختاره شريح والحسن وابن سيرين لما رواه ابن مسعود من أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى أم الأب السدس مع وجود الأب والمعنى في ذلك أن إرث الجدات ليس باعتبار الإدلاء بالأنثى لأن الإدلاء بالأنثى لا يوجب استحقاق شيء من فرضيتها كما مر آنفا بل استحقاقهن للأرث باسم الجدة ويتساوى في هذا الاسم ام الأم وأم الأب فكما أن الأب لا يحجب الأولى كذلك لا يحجب الثانية أيضا وهو مردود بأن مجرد الاسم لا يوجب الاستحقاق والوراثة بل لا بد فيه من اعتبار الإدلاء ثم نقول ههنا
معنيان اتحاد السبب والإدلاء ولكن منهما تأثير في الحجب فكما أن اتحاد السبب إذا انفرد عن الإدلاء تعلق به حكم الحجب ألا يرى أنه تحجب بنات الابن بالبنتين لاتحاد السبب مع عدم الإدلاء كذلك إذا انفرد الإدلاء عنه يثبت به الحجب أيضا فالجدة التي تدلي بالأب تحجب به لوجود الإدلاء بالأب وإن انعدم معنى اتحاد السبب وتحجب بالأم لاتحاد السبب والجدة التي هي من قبل الأم ترث مع الأب لانعدام الإدلاء واتحاد السبب جميعاً وأما أن الأخ لأم يرث مع الأم مع كونه مدليا بها فقد قيل لأنه لم يوجد ههنا اتحاد السبب ولا المشاركة في النصيب وقيل هذه الصورة مستثناة عن القاعدة القائلة بأن المدلي بغيره يحجب به هذا وأما تأويل ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه فهو أنه يحتمل أن يكون أب ذلك الميت رقيقا أو كافراً (وكذلك) تسقط الأبويات (بالجد إلا أم الأب وإن علت) كأم أم الأب وهكذا (فإنها ترث مع الجد لأنها ليست من قبله) اي ليست قرابتها من قبل الجد بل هي زوجته فهي لا تسقط به بل ترث معه كالأم مع الأب هذا إذا كان بع الجد عن الميت بدرجة واحدة وأما إذا بعد بدرجتين كأب أب الأب فإنه يرث معه أبويتان أم أب الأب التي هي زوجة الجد المذكور وأم أم الأب التي هي أم زوجة أب الأب على هذه الصورة
وإذا بعد عنه بثلاث درجات ترث معه ثلاث أبويات على هذه الصورة
(و) الجدة (القربى من أي جهة كانت) اي سواء كانت من قبل الأم أو من قبل الأب (تحجب) الجدة (البعدى من أي جهة كانت) البعدى فيثبت الحجب ههنا في أقسام أربعة وهذا مذهب علي وإحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وفي رواية أخرى عنه أن القربى إن كانت من قبل الأب والبعدى من قبل الأم فهما سواء فيكون حينئذ حجب القربى في أقسام ثلاثة فقط من تلك الأربعة وقد عمل بهذه الرواية مالك والشافعي في الأصح من قوليه والدليل عليها أن الجدة إنما تستحق بالأمومة وهي في التي من جانب الأم أظهر فإنها أم تدلي بأم والأخرى أم تدلي بأب فإذا كانت القربى من جهة الأم فلها رجحان بزيادة القرب وظهور صفة الأمومة جميعا فكانت أولى وأما إذا كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم فلإحداهما ظهور الصفة وللأخرى زيادة القرب فتستويان في استحقاق الأرث ولنا أن استحقاق الجدة باعتبار الأمومة وهي الأصلية ومعنى الأصلية في القربى أظهر وأقوى منه في البعدى مطلقا ولو كان ظهور الأمومة موجبا للتقديم لكانت أم الأم مقدمة على أم الأب مع تساويهما في الدرجة وهو باطل اتفاقا (وارثة كانت القربى) كأم ألأب عند عدمه مع أم أم الأم وكأم الأم عند عدمها مع أم أم الأب (أو محجوبة) كأم الأب عند وجوده فإنها محجوبة به ومع ذلك تحجب أم أم الأم يكون المال كله للأب عندنا لأن البعدى محجوبة بالقربى والقربى محجوبة بالأب ونظيرها أن الأخوات يحجبن الأم من الثلث إلى السدس مع كونها محجوبة بالأب وقال الحسن بن زياد ميراث الجدات ههنا لأم أم الأم وإن كانت أبعد من وأم الأب وهذا على قياس قول علي وهو ان القربى إنما تحجب إذا كانت وارثة
(وإذا كانت جدة ذات قرابة واحدة كأم أم الأب والأخرى ذات قرابتين أو اكثر كأم أم الأم وهي ايضا أم أب الأب) بهذه الصورة
ذات قرابتين ... ذات قرابة واحدة
وتوضيحها أن امرأة زوجت ابن ابنها بنت بنتها فولد بينهما ولد فهذه المرأة جدة لهذا الولد الذي مات من قبل أبيه لأنها أم أب ابيه ومن قبل أمه لأنها أم أم أمه فهي جدة ذات قرابتين ثم نقول هناك أمرأة أخرى قد كانت تزوج بنتها ابن الامرأة الأولى فولد من بنت الأخرى ابن ابن الأولى الذي هو أب الميت فهذه المرأة الأخرى ام أم أب الميت فهي ذات قرابة واحدة فهاتان المرأتان جدتان في مرتبة واحدة فإذا اجتمعتا فقد وجدت ذات قرابتين مع ذات قرابة واحدة
وأما صورة اجتماع ذات ثلاث قرابات مع ذات قرابة واحدة فهي في هذه الصورة
ذات ثلاث قرابات ... ذات قرابة واحدة
وتوضيحها أن تلك المرأة التي زوجت ابن ابنها بنت بنتها فولد منهما ذكر إذا زوجت هذا المولود بنت بنت بنت أخرى فولد منهما ولد كانت تلك المرأة للمولود الثاني أم أم أم الأم وأم أم الأب وأم أب أب الأب وكانت صاحبتها أعني زوجة ابنها للمولود الثاني أم أم أب الأب (يقسم السدس بينهما عند أبي يوسف رحمه الله أنصافا باعتبار الأبدان) وهو قول سفيان (وعند محمد أثلاثا باعتبار الجهات) وهو قول زفر وجه قول محمد رحمه الله أن استحقاق الإرث باعتبار الأسباب فإذا اجتمع في واحد سببان متفقان كجدتين من جهتين كان في
الصورة واحدا وفي المعنى متعددا فيستحق الإرث بسببيه معا كما إذا اجتمع فيه سببان مختلفان ألا يرى أنه إذا ترك ابني عم أحدهما أخ لأم فإنه يأخذ ذلك الأخ السدس بالفرض والباقي بينهما نصفين بالعصوبة وكذا إذا تركت ابني عم أحدهما زوجها فإنه يأخذ الزوج النصف بالفرضية ويقاسم الاخر في النصف الباقي بالعصوبة وكذا إذا ترك المجوسي أمه وهي أخته لأبيه فإنها ترث بالسببين معا لا يقال الأخ لأب وأم لا يرث من جهتي قرابتيه معا لأنا نقول أخوته من جهة الأم قد اعتبرناها في الترجيح حتى يقدم على الأخ لأب فلا تكون معتبرة في الاستحقاق بخلاف الجدة المذكورة ووجه قول ابي يوسف رحمه الله أن تعدد الجهة إن اقتضى تعدد الاسم كما في الأمثلة الثلاثة المذكورة كان مقتضيا لتعدد الاستحقاق بحسب تعددها وإذا لم يقتض تعدد الاسم كان في حكم الجهة الواحدة وما نحن فيه من هذا القبيل فإن ذات القرابتين تسمى بالجدة كذات القرابة الواحدة وإذا كانت جدة ذات قرابات ثلاث مع جدة ذات قرابة واحدة يقسم السدس بينهما أنصافا [باعتبار الأبدان] عند أبي يوسف وأرباعا عند محمد وقال الإمام السرخسي لا رواية عن أبي حنيفة رحمه الله في صورة تعدد قرابة إحدى الجدتين وذكر في فرائض الحسن بن عبد الرحمن بن عبد الرزاق الشاشي من أصحاب الشافعي رحمه الله أن قول أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله تعالى كقول أبي يوسف رحمه الله.
باب العصبات
عصبة الرجل في اللغة قرابته لأبيه وكأنها جمع عاصب وإن لم يسمع من عصب القوم بفلان إذا أحاطوا به فالأب طرف والابن طرف والعم جانب والأخ
جانب ثم يسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث [للغلبة] وقالوا في مصدرها العصوبة والذكر يعصب الأنثى أي يجعلها عصبة
(العصبات النسبية) قدمها لأنها أقوى من السببية كما مر (ثلاثة عصبة بنفسه وعصبة بغيره وعصبة مع غيره أما العصبة بنفسه فكل ذكر) اعتبر الذكورة لأن الأنثى لا تكون عصبة بنفسها بل بغيرها أو مع غيرها (لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى) فإن من دخلت الأنثى في نسبته إليه لم يكن عصبة كأولاد الأم فإنها من ذوات الفروض وكأب الأم وابن البنت فإنهما من ذوي الأرحام
فإن قلت الأخ لأب وأم عصبة بنفسه مع أن الأم داخلة في نسبته إليه قلت قرابة الأب أصل في استحقاق العصوبة فإنها إذا انفردت كفت في إثبات العصوبة بخلاف قرابة الأم فإنها لا تصلح بانفرادها علة لإثباتها، فهي ملغاة في استحقاق العصوبة لكنا جعلناها بمنزلة وصف زائد فرجحنا بها الأخ لأب وأم على الأخ لأب
(ولهم) أي العصبات بأنفسهم (أربعة أصناف) الأول (جزء الميت) والثاني: (أصله و) الثالث: (جزء أبيه و) الرابع (جزء جده) فيقدم في هذه الأصناف والمندرجين فيها (الأقرب فالأقرب) أي (يرجحون بقرب الدرجة أعني أولاهم في الميراث) الذي يستحق بالعصوبة (جزء الميت أي البنون ثم بنوهم وإن سفلوا ثم أصله أي الأب ثم الجد أب الأب وإن علا) وإنما قدم البنون على الأب لأنهم فروع الميت والأب أصله واتصال الفروع بأصله أظهر من اتصال الأصل بفرعه ألا يرى أن الفرع يتبع اصله ويصير مذكورا بذكره دون العكس فإن البناء والأشجار يدخلان في بيع الأرض ولا تدخل في في بيعهما
فظهور اتصالهم يدل على أنهم اقرب إلى الميت في الدرجة حكما وإن لم يكن ذلك حقيقة لأن الاتصال من الجانبين بغير واسطة وقدم بون البنين وإن سفلوا على الأب لأن سبب استحقاقهم أيضا البنوة المتقدمة على الأبوة [لأنهم فروع] وكون الأب أقرب درجة من الجد ظاهر كظهوره فيما بين الابن وابن الابن وتقييد الجد بأب الأب ليخرج عنه أب الأم الذي هو الجد الفاسد فيكون ذلك تصريحا بما علم ضمنا من قوله فكل ذكر لا تدخل في نسبته إلى الميت أنثى لمزيد الاهتمام بأمرهم وهو إثبات إرثه وحرمانه بغيره ومن علا من الأجداد إذا تعددوا يقدم منهم من كان أقرب درجة (ثم جزء أبيه أي الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا) تأخير الإخوة عن الجد وإن علا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لهما كما ستقف عليه في باب مقاسمة الجد وإنما أطلق الحكم ههنا بلا تنبيه على الخلاف لأنه المختار للفتوى وتأخير بنيهم عنهم لبعد درجتهم (ثم جزء جده أي الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا) تأخير الأعمام عن الإخوة وتأخير بنيهم عنهم لبعد الدرجة فظهر أن أسباب العصوبة بنفسه انواع أربعة البنوة بغير واسطة أو بواسطة والأبوة كذلك والأخوة وفروعها والعمومة وفروعها والترتيب ما عرفته
(ثم) أي بعد الترجيح بقرب الدرجة (يرجحون بقوة القرابة أعني به) أي بالمذكور وهو الترجيح بقوة القرابة (أن ذا القرابتين) من العصبات (أولى من ذي قرابة واحدة) مع تساويهما في الدرجة (ذكرا كان) ذو القرابتين (أو أنثى لقوله - صلى الله عليه وسلم - إن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات) أي بنو الأعيان أولى بالميراث من بني العلات والمقصود من ذكر الأم ههنا إظهار ما يترجح به بنو الأعيان على بني العلات (كالأخ لأب وأم) فإنه مقدم على الأخ لأب إجماعا وهذا مثال للذكر من ذوي القرابتين (أو الأخت لأب وأم إذا صارت عصبة مع البنت) أي البنات
الصلبية أو غيرها فإنها أيضا (أولى من الأخ لأب) خلافا لابن عباس فإن الأخت لا تصير عصبة مع البنات عنده كما مر وهذا مثال للأنثى من ذوي القرابتين وإنما ذكرها ههنا وإن لم تكن عصبة بنفسها لمشاركتها في الحكم لمن هو عصبة بنفسه وإذا لم تصر عصبة بل كانت ذات فرض فلها فرضها والباقي للأخ لأب (وابن الأخ لأب وأم) فإنه (أولى من ابن الأخ لأب) لأنهما متساويان في الدرجة مع كون الأول ذا قرابتين (وكذلك الحكم في أعمام الميت، ثم في أعمام أبيه، ثم في أعمام جده) أي يعتبر بين هؤلاء الأصناف من الأعمام قرب الدرجة أولا وقوة القرابة ثانيا فعم الميت مقدم على عم أبيه المقدم على عم جده وذلك لقرب الدرجة وفي كل واحد من هذه الأصناف يقدم ذو القرابتين على ذي قرابة واحدة مع التساوي في الدرجة فعم الميت لأب وأم أولى من عمه لأب وكذا الحال في عم أبيه وعم جده وهكذا الحكم في فروع هذه الأصناف فيعتبر أولا قرب الدرجة وثانيا قوة القرابة فإن ابن عم الميت مقدم على ابن ابن عمه وابن عم الميت لأب وأم مقدم على ابن عمه لأب
(وأما العصبة بغيره فأربع من النسوة وهن اللاتي فرضهن النصف والثلثان) الأولى منهن البنت إذ للواحدة النصف وللاثنين فصاعدا الثلثان الثانية بنت الابن فإن حالها كحال البنت عند عدمها الثالثة الأخت لأب وأم فإنها كذلك إذا لم توجد بنات الصلب وبنات الابن الرابعة الأخت لأب فإن حكمها كذلك إذا لم توجد بنات الصلب وبنات الابن الرابعة الأخت لأب فإن حكمها كذلك إذا لم يوجد الثلاثة المتقدمة فهؤلاء الأربع (يصرن عصبة بإخوتهن كما ذكرنا في حالاتهن) ويدل على صيرورة الأوليين عصبة قوله تعالى ((يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)) الآية وعلى صيرورة الأخريين عصبة قوله
تعالى ((وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين)) الآية (ومن لا فرض لها من الإناث وأخوها عصبة لا تصير عصبة بأخيها) وذلك لأن النص الوارد في صيرورة الإناث بالذكور عصبة إنما هو في موضعين البنات بالبنين والأخوات بالإخوة كما عرفت آنفا والإناث في كل منهما ذوات فروض فمن لا فرض له من الإناث لا يتناوله النص وأيضا الأخ يعصب أخته بنقلها من فرضها حالة الانفراد إلى العصوبة كيلا يلزم تفضيل الأنثى على الذكر أو المساواة بينهما فإذا لم تكن الأنثى بانفرادها صاحبة فرض فلا يلزم هذا المعنى من عدم تعصيبها بأخيها (كالعم والعمة) إذا كانا لأب وأم أو لأب كان (المال كله للعم دون العمة) وكذا الحال في ابن العم مع بنت العم لأب وأم أو لأب وفي ابن الأخ مع بنت الأخ لأب وأم أو لأب
(وأما العصبة مع غيره فكل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى كالأخت) لأب وأم أو لأب (مع البنت) سواء كانت صلبية أو بنت ابن وسواء كانت واحدة أو أكثر (كما ذكرنا) من قوله - عليه السلام - «اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة» والمراد من الجمعين ههنا هو الجنس واحدا كان أو متعدداً
والفرق بين هاتين العصبتين أن الغير في العصبة بغيره يكون عصبة بنفسه فتتعدى بسببه العصوبة إلى الأنثى وفي العصبة مع غيره لا يكون عصبة بنفسه أصلا بل تكون عصوبة تلك العصبة مجامعة لذلك الغير
(وآخر العصبات مولى العتاقة) وهو عندنا مقدم على ذوي الأرحام والرد على ذوي الفروض وهو قول علي وزيد بن ثابت وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - هو مؤخر عن ذوي الأرحام أيضا واستدل بقوله تعالى ((وأولو الأرحام بعضهم أولى
ببعض في كتاب الله)) أي بعضهم أقرب إلى بعض ممن ليس له رحم والميراث يبتنى على القرب وبقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن أعتق عبدا «هو مولاك فإن شكرك فهو خير له وإن كفرك فهو شر له وخير لك وإن مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته» فقد اشترط في توريث مولى العتاقة أن لا يدع المعتق وارثا وذوو الأرحام من قبيل الورثة
والجواب أما عن الآية فهو أن سبب نزولها ما روي من أنه - عليه السلام - لما قدم المدينة آخى أي أمر بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وكانوا يتوارثون بذلك فنسخ الله تعالى هذا الحكم بهذه الآية وبين أن الرحم مقدم على المؤاخاة والموالاة ولا نزاع لنا في تقدم ذي الرحم - عليه السلام - مولى الموالاة وأما عن الحديث فهو أنه - عليه السلام - بقوله «ولم يدع وارثاً» هو أنه لم يدع وارثا هو عصبة ألا ترى أنه قال في آخره «كنت أنت عصبته» ولم يقل كنت أنت وارثه وإذا كان مولى العتاقة عصبة هو آخر العصبات كما دل عليه الحديث كان مقدما على ذوي الأرحام والرد لتقدم العصبات عليهما
ثم المعتق يرث من معتقه مطلقا سواء كان أعتقه لوجه الله تعالى أو للشيطان أو أعتقه على أنه سائبة أو بشرط أو لا ولاء عليه أو أعتقه على مال أو بلا مال أو بطريق الكتابة إلى غير ذلك وقال مالك إن أعتقه لوجه الشيطان أو شرط أو لا ولاء عليه لم يكن مستحقا للولاء لأنه ضلة شرعية والقاصد لوجه الشيطان قد ارتكب بالإعتاق المعصية فيحرم هذه الصلة ومن صرح بنفي الولاء فقد ردها فلا يستحقها ولنا أن السبب هو الإعتاق لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» وهذا السبب متحقق في جميع هذه الصور فيثبت به مسببه في جميعها
(ثم عصبته) أي عصبة مولى العتاقة (على الترتيب الذي ذكرناه) في العصبات فتكون عصباته النسبية متقدمة على عصباته السببية أعني معتق المعتق والمراد بعصباته النسبية ما هو عصبة بنفسه فقط لما ستعرفه والترتيب بين هؤلاء العصبات ما مر فيكون ابن المعتق أولى عصباته ثم ابن ابنه وإن سفل ثم أبوه ثم جده وإن علا إلى آخر ما فصل هناك (لقوله - عليه السلام - «الولاء لحمة كلحمة النسب») ومعنى ذلك أن الحرية حياة للإنسان إذ بها تثبت له صفة المالكية التي امتاز بها عن سائر ما عداه من الحيوانات والجمادات والرقية تلف وهلاك فالمعتق سبب لإحياء المعتق كما أن الأب سبب لايجاد الولد فكما أن الولد يصير منسوبا إلى ابيه بالنسب وإلى أقربائه بتبعيته كذلك المعتق يصير منسوبا إلى معتقه بالولاء وإلى عصبته بالتبعية فكما يثبت الإرث بالنسب كذلك يثبت بالولاء
(ولا شيء للإناث من ورثة المعتق) فليس في عصبة المعتق الوارثين من المعتق بالولاء من هو عصبة بغيره أو مع غيره كما نبهت عليه آنفا وذلك (لقوله - عليه السلام - «ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن أو دبرن أو دبر من دبرن أو جر ولاء معتقهن أو معتق معتقهن») وهذا الحديث وإن كان فيه شذوذ لكنه قد تأكد بما روي من أن كبار الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - أجمعين قالوا بمثل ذلك فصار بمنزلة المشهور ومعناه ليس للنساء شيء من الولاء إلا ولاء ما أعتقنه أو ولاء ما أعتقه من أعتقنه أو ولاء ما كاتبنه أو ولاء ما كاتبه من كاتبنه أو ولاء ما دبرنه أو ولاء ما دبره من دبرنه فكلمة ما المذكورة والمقدرة عبارة عن مرقوق يتعلق به الإعتاق فإنه بمنزلة سائر ما يتملك مما لا عقل له كما في قوله تعالى ((أو ما ملكت أيمانهم)) وكلمة من عبارة عمن صار حرا مالكا فاستحق أن يعبر عنه بلفظ العقلاء وقوله أو جر ولاء يحتاج
إلى ان يقدر معه أن حتى يصير مؤولا بالمصدر أي ليس لهن شيء من الولاء إلا ولاء ما ذكر أو أن جر ولاء معتقهن.
والحاصل أن ليس لهن شيء من الولاء إلا ولاء معتقهن أو ولاء معتق معتقهن الخ أو الولاء الذي هو مجرور معتقهن أو مجرور معتق معتقهن فولاء معتقهن ومكاتبهن ظاهر وولاء معتق معتقهن فيما إذا أعتقت امرأة عبدا فاشترى ذلك العبد عبدا آخر وأعتقه ثم مات المعتق الثاني وليس له عصبة نسبية وقد مات قبله العبد الأول وعصبته فميراثه لتلك المرأة بالعصوبة من جهة الولاء وكذا الحكم في مكاتب مكاتبها وصورة ولاء مدبرهن هي إن دبرت امرأة عبدا ثم ارتدت ولحقت بدار الحرب وحكم القاضي بحرية عبدها المدبر ثم أسلمت ورجعت إلى دار الإسلام ثم مات المدبر ولم يخلف عصبة نسبية فهذه المرأة عصبة وحكم مدبر هذا المدبر كذلك أي إذا حكم القاضي بعتق مدبرها بسبب لحاقها فاشترى عبدا ودبره ثم مات ورجعت المرأة تائبة إلى دار الإسلام إما قبل موت مدبرها أو بعده ثم مات المدبر الثاني ولم يخلف عصبة نسبية فولاؤه لهذه المرأة وصورة جر معتقهن الولاء أن عبد امرأة تزوج بإذنها جارية قد أعتقها غيرها فولد بينهما ولد وهو حر تبعا لأمه فإن الولد يتبع أمه في الرقية والحرية وولاؤه لمولى أمه فإذا اعتقت تلك المرأة عبدها جر ذلك العبد بإعتاقها إياه ولاء ولده إلى نفسه ثم إلى مولاته حتى إذا مات المعتق ثم مات ولده وخلف معتقة أبيه فولاؤه لها وصورة جر معتق معتقهن الولاء أن امرأة أعتقت عبدا فاشترى العبد المعتق عبدا آخر وزوجه لمعتقة غيره فولد بينهما ولد وهو حر وولاؤه لمولى أمه فإذا أعتق ذلك العبد المعتق عبده جر بإعتاقه ولاء ولد معتقه إلى نفسه ثم إلى مولاته
وقد يستدل أيضا على جر الولاء بما روي من أن الزبير قد رأى فتية أعجبه ظرفهم وأمهم مولاة لرافع بن خديج وأبوهم عبد لغيره فاشترى الزبير أباهم وأعتقه ثم قال للفتية انتسبوا إلى فنازعه رافع وقال هم موالي فاختصما إلى عثمان - رضي الله عنه - فحكم بالولاء للزبير فدل ذلك على أن الولد منسوب إلى موالي أمه ما لم يثبت له ولاء من قبل أبيه فإذا ثبت ولاء من قبله جر الأب ولاء الولد إلى مواليه وكيف لا والنسبة إلى الأم للضرورة كولد الزنا لدوو الملاعنة حتى إذا كذب الملاعن نفسه صار الولد منسوبا إليه
(ولو ترك) أي المعتق (أب المعتق وابنه) كان (عند أبي يوسف سدس الولاء للأب والباقي للابن) هذا قوله الأخير وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وبه قال شريح والنخعي وعند أبي حنيفة رحمه الله ومحمد الولاء كله للابن وهو اختيار سعيد بن المسيب ومذهب الشافعي رحمه الله والقول الأول لأبي يوسف وجه قول الأخير أن الولاء كله أثر الملك فيلحق بحقيقة الملك وإذا ترك المعتق مالا وترك أبا وابنا كان لأبيه سدس ماله والباقي لابنه فكذا إذا ترك ولاء والجواب أنه وإن كان أثرا للملك لكنه ليس بمال ولا له حكم المال كالقصاص الذي يجوز الاعتياض عنه بالمال بخلاف الولاء فلا يجري فيه سهام الورثة بالفرضية كما في المال بل هو سبب يورث به بطريق العصوبة فيعتبر الأقرب فالأقرب والابن أقرب العصبات ولو كان يجري فيه سهام الورثة بالفرضية كالمال لكان للنساء نصيب من الولاء بالإرث على أن قوله - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لحمة كلحمة النسب» أي وصلة كوصلة النسب أو قرابة كقرابة النسب لا يباع ولا ويوهب ولا يورث دليل واضح على قوله الأول الذي هو مذهبهما
(ولو ترك) أي المعتق (ابن المعتق وجده فالولاء كله للابن بالاتفاق) وذلك لأن الأب كالابن في العصوبة بحسب الظاهر لأن اتصال كل منهما بالميت بلا واسطة وكون الابن أقرب يحتاج إلى ما مر من أن زيادة قربه أمر حكمي فوقع الخلاف هناك بخلاف الجد فإن اتصاله بواسطة الأب فيكون الأب أقرب من الجد ويكون الابن أقرب منه بلا اشتباه فلا يزاحمه الجد في الولاء بلا خلاف
وهذه من المسائل الأربع المستثناة على القول الأخير لأبي يوسف - رضي الله عنه - حيث لم يجعل فيه الجد كالأب.
قال شيخ الإسلام خواهر زاده ولو ترك جد المعتق وأخاه كان الولاء كله للجد عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأنه أقرب إلى الميت في العصوبة من الأخ على مذهبة وعندهما الولاء بينهما نصفان وذكر محمد في كتاب الولاء عن كبار الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب - رضي الله عنهم - أجمعين وغيرهم أنهم قالوا الولاء للكبر فاستدل بعض الفقهاء بظاهره على أن الولاء لأكبر بني المعتق سنا بعد موته فإنه قائم مقامه في الذب عن العشيرة حينئذ لكن المذهب عندنا أن المراد بالكبر القرب أي يقدم في استحقاق الولاء أقرب بني المعتق يوم موته حتى إن مات المعتق عن ابن وابن ابن آخر كان الولاء لابنه لأنه أقرب
(ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه ويكون ولاؤه له) هذا البحث تتمة لمباحث العصبات السببية وتنبيه على أن العتق وإن لم يكن اختياريا سبب للولاء
وتفصيل الكلام في هذا المقام أن القرابة على ثلاثة أنواع
الأول القرابة القريبة وهي قرابة ذي الرحم المحرم من الولاء إما بطريق الأصلية كالأبوين والأجداد والجدات وإن علوا وإما بطريق الفرعية كالأولاد وأولاد الأولاد وإن سفلوا فمن ملك واحدا من هؤلاء عتق عليه اتفاقا أراد عتقه أو لم يرده
الثاني المتوسطة وهي قرابة المحارم غير العمودين أعني قرابة الإخوة والأخوات وأولادهما وإن سفلوا وقرابة الأعمام والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم ومن ملك واحدا من هذه المحارم عتق عليه أيضا عندنا خلافا للشافعي - رضي الله عنه -
الثالث البعيدة وهي قرابة ذي الرحم غير المحرم كأولاد الأعمام والأخوال فإذا ملك واحدا منهم لم يعتق عليه باتفاق
وللشافعي - رضي الله عنه - في مسألة الخلاف أنه ليس بينهما أي بين المالك والمملوك قرابة جزئية كما في الأصول والفروع فلا يعتق أحدهما على صاحبه كأولاد الأعمام ألا يرى أن قرابتهما في الأحكام كقرابة أولاد العم حيث تقبل شهادة كل منهما لصاحبه ويجوز لكل منهما أن يضع زكاته في الآخر ويجري القصاص بينهما من الجانبين وتحل حليلة كل منهما لصاحبه بخلاف الوالدين والمولودين
ولنا ما روي عن ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني وجدت أخي يباع في السوق فاشتريته وأنا أريد أن أعتقه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قد أعتقه الله» والمعنى في ذلك أن القرابة المتأيدة بالمحرمية علة العتق مع الملك كما في الآباء والأولاد وتوضيحه أن هذا العتق بطريق الصلة وللقرابة المذكورة تأثير في استحقاق الصلة ألا يرى أن حرمة المناكحة تثبت في هذه القرابة لأجل الصيانة
عن ذل الاستفراش والاستخدام قهرا ومن البين أن ملك اليمين أقوى في الاستدلال من الاستفراش والاستخدام وأيضا الجمع بين الأختين في النكاح حرام لصيانة القرابة عن القطيعة بسبب ما يكون بين الضرائر من المنافرة والظاهر أن معنى القطيعة في استدامة الملك أكثر و لا شبهة في أن للملك تأثيرا في استحقاق الصلة فعلة العتق هذان الوصفان فلا يكون بعد ثبوتهما لانتفاء الجزئية مضرة وأيضا اتصال أحد الأخوين بالآخر بواسطة الأب كما أن اتصال النافلة بالجد كذلك ومن ثم شبه بعضهم الجد مع النافلة بشجرة انشعب منها غصن ومن ذلك الغصن غصن آخر والأخوين بغصنين من شجرة واحدة وشبه آخرون الجد مع النافلة بواد ينشعب منه نهر ومن النهر جدول والأخوين بنهرين قد تشعبا من واحد وعلى هذا يكون معنى القرب بين الأخوين أظهر لحصولهما بتشعب واحد واحتياج الجد والنافلة إلى تشعبين فيكون باقتضاء العتق أولى إلا أنه لم يجعل الأخ كالجد في حكم الولاية إذ مدارها على الشفقة مع القرابة وليس شفقة الأخ كشفقة الجد ولا في حكم الإرث عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأنه نوع ولاية وخلافه في الملك والتصرف كما سبق وأما أولاد الأعمام والأخوال فقد كثرت هناك الوسائط فكانت القرابة بعيدة ولهذا لم يثبت هناك حرمة النكاح ولا حرمة الجمع في النكاح
ثم إن الشيخ أورد لهذا الفصل مثالا فقال (كثلاث بنات) حرائر تولدن بين حرة وعبد (للصغرى عشرون دينارا وللكبرى ثلاثون دينارا فاشترتا أباهما بالخمسين) فعتق عليهما (ثم مات الأب وترك شيئا) من المال (فالثلثان) من ذلك المال (بينهن أثلاثا بالفرض والباقي) وهو الثلث الأخير (بين مشتريتي الأب أخماسا بالولاء ثلاثة أخماسه للكبرى وخمساه للصغرى) لأن الكبرى قد أعتقت
ثلاثة أخماس الأب بثلاثين والصغرى قد أعتقت خمسيه بعشرين (وتصح من خمسة وأربعين) وذلك لأن أصل المسألة من ثلاثة بنات بل بينهما مباينة فأخذنا جميع عدد رؤوسهن أعني الثلاثة ولا يستقيم أيضا الباقي وهو الواحد على سهام الولاء وهي خمسة وذلك لأنا وجدنا بين مالي الصغرى والكبرى موافقة بالعشر لأن العشرة أكثر عدد يعدهما فعشر الثلاثين ثلاثة وعشر العشرين اثنان ومجموعهما خمسة وهن بمنزلة عدد الرؤوس من الورثة لأن تقسيم الثلث الباقي من الثلاثة على الكبرى والصغرى يجب أن يكون على نسبة ماليهما وهي بعينها نسبة الوفقين وبين الخمسة والواحد مباينة فأخذنا مجموع الخمسة أيضا ومعنا ثلاثة هي عدد رؤوس البنات وبينهما مباينة فضربنا إحداهما في الأخرى فحصل خمسة عشر ثم نضرب هذا المبلغ في أصل المسألة وهي ثلاثة فحصل خمسة وأربعون فمنها تصح المسألة إذ قد كانت للبنات من أصلها اثنان وإذا ضربناهما في المضروب وهو خمسة عشر حصل ثلاثون فلكل بنت عشرة وكان للصغرى والكبرى من أصلها واحد فضربناه في المضروب فلم يتغير فقسمنا الخمسة عشر الباقية على سهام الولاء فأصاب كل سهم ثلاثة فللكبرى من خمسة عشر تسعة وقد كان لها عشرة بالفرضية فلها حينئذ تسعة عشر وللصغرى من الخمسة عشر ستة وقد لها عشرة بطريق الفرضية ومجموعهما ستة عشر وليس للوسطى إلا تلك العشرة التي أصابتها بالفرضية ثم إن للكبرى وللصغرى إن تزوجا أباهما بالولاء إذا جن جنونا مطبقا
قال شيخ الإسلام خواهر زاده كان شيخنا أبو بكر الجنيدي يحكي عن أبي إسحاق الحافظ أنه كان يقول هذا من الغرائب التي يسأل عنها وأن تكون بنت الرجل وليه وبه يفتى
باب الحجب
معنى الحجب
وهو في اللغة المنع ومنه الحجاب [اسم] لما يستر به الشيء ويمنع من النظر إليه، وفي اصطلاح أهل هذا العلم: منع شخص معين عن ميراثه: إما كله، أو بعضه، بوجود شخص آخر.
أنواع الحجب وبيان من يقع عليه كل نوع:
(والحجب على نوعين):
أحدهما: (حجب نقصان، وهو حجب عن سهم) أكثر (إلى سهم) أقل (وذلك): اي حجب النقصان (لخمسة نفر) من الورثة (للزوجين، والأم، وبنت الابن، والأخت لأب، وقد مر بيانه) في أحوال هؤلاء: فالزوج يحجب من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن بوجود الولد أو ولد الابن والأم تحجب من الثلث إلى السدس بالولد أو ولد الابن أو الاثنين من الإخوة والأخوات وبنت الابن تحجب مع بنت الصلب من النصف إلى السدس تكملة للثلثين والأخت لأب تحجب مع الأخت لأب وأم من النصف أيضا كما انكشف لك تفاصيلها فيما سبق
(و) ثانيهما: (حجب حرمان) وهو أن يحجب الشخص عن الميراث بالمرة فيصير محروما بالكلية (والورثة فيه) أي في حجب الحرمان وبالقياس إليه (فريقان فريق لا يحجبون) هذا الحجب (بحال البتة) وإن كان البعض منهم يحجب حجب النقصان (وهم ستة) ثلاثة من الرجال (الابن والأب والزوج) وثلاثة من النساء
(البنت والأم والزوجة) فإن قلت قد يحجب هذا الفريق بالقتل والردة والرقية فلا يصح أنهم لا يحجبون بحال البتة
قلت: الكلام في الورثة وهم على ذلك التقدير ليسوا بورثة (وفريق يرثون بحال ويحجبون) حجب الحرمان (بحال) أخرى وهم غير هؤلاء الستة من الورثة سواء كانوا عصبات أو ذوي الفروض (وهذا) أي حجب الحرمان في الفريق الثاني (مبني على أصلين: أحدهما وهو أن كل من يدلي) أي ينتمي (إلى الميت بشخص لا يرث مع وجود ذلك الشخص) كابن الابن فإنه لا يرث مع الابن (سوى أولاد الأم فإنهم يرثون معها) مع أنهم يدلون إلى الميت بها وذلك (لعدم استحقاقها جميع التركة) وتحقيق هذا الأصل أن الشخص المدلي به إن استحق جميع التركة لم يرث المدلي مع وجوده سواء اتحدا في سبب الإرث كما في الأب والجد والابن وابنه أو لم يتحدا كما في الأب والإخوة والأخوات فإن المدلى به لما أحرز جميع المال لم يبق للمدلي شيء أصلا وإن لم يستحق المدلي به الجميع فإن اتحدا في السبب كان الأمر كذلك كما في الأم وأم الأم لأن المدلى به لما أخذ نصيبه بذلك السبب لم يبق للمدلي من النصيب الذي يستحق بذلك السبب شيء وليس له نصيب آخر فصار محروما وإن لم يتحدا في السب كما في الأم وأولادها فإن المدلى به حينئذ يأخذ نصيبه المستند إلى سببه والمدلى يأخذ نصيبا آخر مستنداً إلى سبب آخر فلا حرمان
فإن قيل أليست الأم تستحق جميع التركة إذا انفردت عن غيرها من أصحاب الفرائض والعصبات؟
قلنا: ليس ذلك الاستحقاق من جهة واحدة فإنها تستحق بعض التركة بالفرض وبعضها بالرد والمراد استحقاق جميعها من جهة واحدة فإنها تستحق بعض التركة بالفرض وبعضها بالرد والمراد استحقاق جميعها من جهة واحدة كما في العصبات
(و) الأصل (الثاني الأقرب فالأقرب كما ذكرنا في العصبات) وقد مر في باب العصبات أنهم يرجحون بقرب الدرجة فالأقرب منهم يحجب الأبعد حجب حرمان سواء اتحدا في السبب أولا وهذا جار في غيرهم أيضا لكن إذا كان هناك اتحاد السبب كما في الجدات مع الأم وفي بنات الابن مع الصلبيتين وفي الأخوات لأب مع الأختين لأب وأم وإنما لم يكتف المصنف بالأصل الأول كيلا يتوهم أن ولد الابن ذكرا كان أو أنثى يرث مع الابن الذي ليس بأبيه فإنه لا يدلي به ولا بالأصل الثاني كيلا يتوهم أن أم الأم لا ترث مع الأب هكذا قيل وفيه نظر لأن بالأصل الثاني كيلا يتوهم أن أم الأم لا ترث مع الأب هكذا قيل وفيه نظر لأن الأصل الثاني إن أجري ههنا على ظاهره وهو أن الأقرب في الدرجة مطلقا يحجب الأبعد لزم منه حجب أم الأم بالأب وحجب ابن الأخ لأب وأم بالأخ لأم وإن قيد بأن يكون الأبعد مدليا بالأقرب كان الأصل الثاني بعينه الأصل الأول فلا معنى لجعلهما أصلين
وكان الوهم الأول لازما وهو أن أولاد الابن يرثون مع الابن الذي ليس أبا لهم
فإن قلت المراد أن الأقرب بحسب الدرجة من العصبات يحجب الأبعد ويدل على ذلك قوله ((كما ذكرنا في العصبات))
قلت: هذا الأصل إنما ذكره للفريق الثاني الذين يرثون تارة ويحرمون تارة أخرى فيندرج فيهم العصبات وغيرهم فذكر العصبات على سبيل التمثيل دون التخصيص كما اشرنا إليه
المحروم من الميراث وهل يحجب غيره؟
(والمحروم) من الميراث بالكلية (لا يحجب عندنا) غيره أصلا لا حجب حرمان ولا حجب نقصان وهو قول عامة الصحابة - رضي الله عنهم - وروي أن امرأة مسلمة تركت زوجا مسلما وأخوين من أمها مسلمين وابنا كافرا فقضى فيها علي وزيد بن ثابت بأن للزوج النصف ولأخويها الثلث وما بقي فهو للعصبة (وعند ابن مسعود - رضي الله عنه - يحجب المحروم حجب النقصان) لا حجب الحرمان ففي المسألة المذكورة يكون عند للزوج الربع وللأخوين الثلث والباقي للعصبة هذا ما تقتضيه رواية هذا الكتاب وقد يروى عنه أيضا أنه جعل في تلك الصورة للزوج الربع ولم يجعل للأخوين شيئا بل حكم بأن ما بقي للعصبة فعنه في حجب المحروم لغيره حجب الحرمان روايتان (كالكافر والقاتل والرقيق) هذه أمثلة للمحروم الذي لا يحجب عندنا أصلا ويحجب عند ابن مسعود - رضي الله عنه - حجب النقصان
دليله على ذلك أن هذا الحجب ثبت بالنص باسم الولد والأخ وهذا الاسم يتناول المسلم والكافر والقاتل والحر والعبد وغيره فالتقييد بكون الولد أو الأخ وارثين زيادة على النص وهي نسخ فلا تثبت إلا بما يثبت به النسخ وأما حجب الحرمان فهو باعتبار تقديم الأقرب على الأبعد وإنما يتصور ذلك إذا كان
الأقرب مستحقا بخلاف حجب النقصان فإنه نقل من الأكثر إلى الأقل ولا فرق في هذا المعنى بين أن يكون الحاجب وارثا أو غير وارث
ولنا أن الاسم وإن كان أعم لكن ذكره في آية المواريث يدل على أن المراد الوارث فإن من لا يصلح للميراث أصلا كالكافر مثلا جعل في حق استحقاق الإرث كالميت فكذا يجعل في حق [استحقاق] الحجب بمنزلته أيضا لفوات الأهلية بخلاف الإخوة مع الأب فإنهم يحجبون الأم ولا يجعلون كالموتى وإن كانوا لا يرثون معه لأن أهلية الإرث ثابتة لهم وإنما لم يرثوا في هذه الحالة لفقدان شرطه وهو عدم الأب وأيضا إذا لم يحجب الكافر حجب الحرمان كما في الرواية المشهورة عنه فكذا لا يحجب حجب النقصان إذ لا فرق بينهما لأن في الحرمان تقديم الأقرب على الأبعد في الكل وفي النقصان تقديم الحاجب على المحجوب في البعض فإذا كان صفة الوراثة في الحاجب شرطا هناك كانت أيضا شرطا ههنا وقد ادعى الطحاوي في كتاب اختلاف العلماء أنهم قد أجمعوا على أن من خلف أبا مملوكا أو كافرا وجدا حرا مسلما فإن جده يرث منه فقد جعل الأب بمنزلة العدم فلم يحجب به الجد اصلا
المحجوب يحجب غيره حرمانا ونقصانا
(والمحجوب) حجب الحرمان (يحجب غيره) كلا الحجبين (بالاتفاق) بيننا وبين ابن مسعود - رضي الله عنه - (كالاثنين من الإخوة والأخوات فصاعدا من أي جهة كانا) أي من الأبوين كانا أو من أحدهما فإنهما (لا يرثان مع الأب ولكن يحجبان الأم من الثلث إلى السدس) وكذا الحال في حجب الحرمان فإن أم الأب محجوبة به وحاجبة لأم أم الأم أما عند ابن مسعود فلأن المحروم عنده حاجب مع أنه
ليس بوارث أصلا فكذا المحجوب بل هو أولى لأنه وارث من وجه دون وجه وأما عندنا فلأن المحروم إنما جعلناه بمنزلة المعدوم لأنه ليس بأهل للميراث من كل وجه بخلاف المحجوب فإنه أهل له من وجه دون وجه آخر فيجعل كالميت في استحقاق الإرث حتى لا يرث شيئا ويجعل حيا في حق الحجب فهو وارث في حق محجوبه لولا حاجبه فيحجبه
باب مخارج الفروض
لما فرغ من بيان الحجب شرع أن يبين أصولا يحتاج إليها في قسمة الفروض على مستحقيها ولما كانت الفروض كلها كسورا كانت مخارجها مخارج الكسور فمخرج كل كسر منفرد أقل عدد يكون ذلك الكسر منه واحدا صحيحا فمخرج النصف اثنان ومخرج الثلث ثلاثة وعلى هذا
(اعلم أن الفروض) الستة (المذكورة) في كتاب الله تعالى (نوعان) ثلاثة منها نوع وثلاثة أخرى نوع آخر (الأول النصف والربع والثمن والثاني الثلثان والثلث والسدس على التضعيف) أراد بذلك أن الثمن إذا ضعف حصل الربع وأن الربع إذا ضعف حصل النصف وكذلك السدس إذا ضعف صار ثلثا وإذا ضعف الثلث صار ثلثين (والتنصيف) أراد بذلك أن النصف إذا نصف صار ربعا وأن الربع إذا نصف صار ثمنا وكذا الحال في تنصيف الثلثين والثلث
والحاصل أنه إذا اعتبر كل واحد من هذين النوعين أمكن هناك عبارتان ففي النوع الأول تارة يقال النصف ونصف النصف أي الربع ونصف نصف النصف أي الثمن وتارة يقال الثمن وضعفه اي الربع وضعف ضعفه أي النصف وفي النوع الثاني يقال تارة الثلثان ونصف ونصف نصفه ويقال تارة أخرى
السدس وضعفه وضعف ضعفه والسبب في أنهم جعلوا الفروض الستة نوعين أنهم طلبوا ما هو الأقل من تلك الفروض مقدارا فوجدوه الثمن الذي مخرجه الثمانية ووجدوا الربع والنصف خارجين منها بلا كسر فجعلوا هذه الثلاثة نوعا واحدا ثم طلبوا أقل فرض بعد الثمن فوجدو ه السدس الذي مخرجه الستة ووجدوا الثلث والثلثين خارجين منها بلا كسر فجعلوا هذه الثلاثة الأخرى نوعا آخر وقد يقال إنما سمى النوع الأول بالأول لأنه نصيب لأول الموجودات من الناس أعني الزوجين لأن نصيبهما لا يوجد إلا فيه
(فإذا جاء في المسائل من هذه الفروض أحاد أحاد) كان يكفيه أن يقول «أحاد» مرة واحدة لأن معناه مكرر ولكنه نظر إلى جانب اللفظ فكرره ونظيره ما ورد في الحديث «صلاة الليل مثنى مثنى» (فمخرج كل فرض) منفرد عن سائر الفروض (سميه) من الأعداد (إلا النصف وهو من اثنين) وليس الاثنان سميا له (كالربع من أربعة والثمن من ثمانية والثلث من ثلاثة والسدس من ستة) فإن مخرج كل كسر من هذه الكسور سميه من الأعداد إذ الربع سميه الأربعة وكذا الباقي وقدم في التمثيل الربع والثمن على الثلث لأنهما من النوع الأول كالنصف ولم يذكر الثلثين لأنه في حكم الثلث وتكرير له وترك السدس لظهور حاله مما ذكر فإن كان في المسألة النصف فقط كما في من خلف بنتا وأخا لأب وأم فهي من اثنين وإن كان فيها الربع وحده كما فيمن تركت الزوج مع الابن كانت من أربعة وإن كان فيها الثمن فقط كما فيمن ترك الزوجة والابن كانت من ثمانية وإن كان فيها الثلث وحده كما أذا ترك أما وأخا لأب وأم وإن كان فيها الثلثان فقط كما إذا ترك بنتين وعما فهي من ثلاثة وإن كان فيها السدس فقط كما إذا ترك أبا وابنا فهي من ستة
(وإذا جاء) في المسائل شيء من هذ الفروض (مثنى أو ثلاث وهما من نوع واحد فكل عدد يكون مخرجا لجزء) أي لكسر من ذلك النوع (فذلك العدد أيضا يكون مخرجا لضعف ذلك الجزء ولضعف ضعفه كالستة هي مخرج للسدس) الذي هو جزء من النوع الثاني (و) مخرج (لضعفه) الذي هو الثلثان وكالثمانية فإنها مخرج للثمن ولضعفه أعني الربع ولضعف ضعفه أعني النصف والسبب في ذلك أن مخرج ضعف كل جزء داخل في مخرج ذلك الجزء أي مخرج الضعف موجود في مخرج الجزء وعاد له فيخرج الضعف صحيحا من مخرج جزئه فيستغنى بمخرج الجزء عن مخرج ضعفه مثلا مخرج الثلث والثلثين ثلاثة وهي داخلة في مخرج السدس الذي هو الستة وكذلك كل واحد من مخرج الربع والنصف داخل في مخرج الثمن فإذا اجتمع في المسألة السدس والثلث كما إذا ترك أما وأختين لأم كانت من ستة وكذا إذا اجتمع فيها السدس والثلثان كما إذا ترك أما وأختين لأب وأم أو اجتمع فيها الثلاثة كما إذا ترك أما وأختين لأب وأم وأختين لأن وأما إذا اجتمع فيها الثلث والثلثان كما إذا ترك أختين لأم وأختين لأم وأختين لأب وأم فهي من ثلاثة وإذا اجتمع في المسألة الثمن مع النصف كما إذا ترك زوجة وبنتا كانت من ثمانية وإذا اجتمع فيها الربع والنصف كما إذا تركت زوجا وبنتا كانت من أربعة
ولما فرغ من بيان حال الاختلاط مثنى وثلاث بين فروض نوع واحد شرع في بيان حال الاختلاط بين فروض أحد النوعين بالآخر فقال (وإذا اختلط النصف من) النوع (الأول بكل) النوع (الثاني) أي بالثلثين والثلث والسدس كما إذا تركت زوجا وأما وأختين لأب وأم وأختين لأم (أو ببعضه) كما إذا اختلط النصف بالثلث فقط كما فيمن خلفت زوجا وأختين لأم أو اختلط بالثلثين فقط
كما فيمن خلف زوجا وأختين لأب وأم أو اختلط بالسدس وحده كما إذا خلف أما وبنتا أو اختلط بالثلث والثلثين معا كما إذا تركت زوجا وأختين لأب وأم وأختين لأم أو اختلط بالثلثين والسدس معا كما إذا تركت زوجا وأختين لأب وأما أو اختلط بالثلث والسدس معا كما إذا تركت زوجا وأختين لأم وأما (فهو) اي اختلاط النصف في هذه الصور (من ستة) يعني أن مخرج الفروض في هذه الاختلاطات كلها هو الستة وذلك لأن مخرج النصف الاثنان ومخرج الثلث والثلثين ثلاثة وكلاهما داخلان في الستة فهي مخرج النصف المختلط بفروض النوع الثاني على جميع الوجوه المذكورة وأيضا بين مخرجي النصف والثلث مباينة فإذا ضرب أحدهما في الآخر حصل ستة فهي مخرج لهما
(وإذا اختلط الربع) من النوع الأول (بكل) النوع (الثاني) أي بالثلثين والثلث والسدس كما إذا خلف زوجة وأما وأختين لأب وأم وأختين لأم (أو ببعضه) كما إذا اختلط بالثلثين فقط كزوج وبنتين أو بالثلث فقط كزوجة وأم أو بالسدس فقط كزوجة وواحد من أولاد الأم أو اختلط بالثلثين والسدس معا كما إذا ترك زوجة وأختين لأب وأم وأما أو بالثلثين والثلث كزوجة وأختين لأب وأم وأختين لأم أو بالثلث والسدس كزوجة وأم وأختين لأم (فهو من اثني عشر) أي هو مخرج مسائل هذه الاختلاطات الثنائية والثلاثية والرباعية وذلك لأن مخرج أقل جزء من النوع الثاني هي السنة وقد دخل فيها مخرج الثلث والثلثين فاكتفينا بها مخرجا للكل ثم أخذنا مخرج الربع وهو الأربعة فوجدنا بينها وبين الستة موافقة بالنصف فضربنا نصف إحداهما في كل الأخرى فصار اثني عشر وأيضا مخرج الثلث والثلثين ثلاثة وهي مباينة للأربعة فضربنا الكل في الكل فحصل أيضا اثني عشر فهو مخرج هذه الفروض المختلطة ومنه تخرج مسائلها المذكورة
(وإذا اختلط الثمن) من النوع الأول (بكل) النوع (الثاني) اي بالثلثين والثلث والسدس وهذا الاختلاط إنما يتصور على رأي ابن مسعود - رضي الله عنه - لأن المحروم يحجب عنده حجب النقصان كما إذا ترك ابنا كافرا وزوجة وأما وأختين لأب وأم وأختين لأم فإن الابن المحروم يحجب عنده الزوجة من الربع إلى الثمن وأما على رأينا فهو غير متصور لأن الثمن إذا كان للمرأة وجب أن يكون صاحب الثلثين بنتين وصاحب السدس أما أو جدة وحينئذ ينعدم صاحب الثلث لأن صاحبه إما الأم أو أولاد الأم والأم ههنا قد حجبت من الثلث إلى السدس وأولادها قد حجبوا من جميع الثلث فيكون اختلاط الثمن بالثلثين والسدس فقط دون الثلث (أو) اختلط الثمن (ببعضه) اي ببعض النوع الثاني كما إذا اختلط بالثلثين والسدس كزوجة وبنتين وأم أو بالثلث والسدس على رأيه كزوجة وأم وأختين لأم وابن محروم أو بالثلثين والثلث على رأيه أيضا كزوجة وابن كافر وأختين لأب وأم وأختين لأم أو اختلط بالثلثين فقط كزوجة وبنتين أو بالسدس فقط كزوجة وأم وابن أو بالثلث فقط كزوجة وابن رقيق وأختين لأم على رأيه أيضا (فهو من أربعة وعشرين) يريد أم مخرج فرائض هذه الاختلاطات كلها هو هذا العدد ومنه تخرج مسائلها وبيان ذلك أن مخرج أقل جزء من النوع الثاني هو الستة التي دخل فيها مخرج الثلث والثلثين فوجب الاكتفاء بها لما عرفت وبين الستة ومخرج الثمن أعني الثمانية موافقة بالنصف فضربنا نصف إحداهما في كل الأخرى فحصل أربعة وعشرون وأيضا بين مخرج الثلث والثلثين وبين مخرج الثمن مباينة فضربنا الكل في الكل فصار الحاصل ايضا أربعة وعشرين فمنها تخرج الفروض المختلطة بالثمن
باب العول
هو في اللغة يستعمل بمعنى الميل إلى الجور يقال فلان يعول أي يميل جائرا وبمعنى الغلبة يقال فلان عيل صبره أي غلب وبمعنى الرفع يقال [فلان] عال الميزان إذا رفعه ومن هذا الأخير أخذ المعنى المصطلح عليه فلذلك قال (العول) هو (أن يزاد على المخرج) شيء (من أجزائه) كسدسه أو ثلثه إلى غير ذلك من الكسور الموجودة فيه (إذا ضاق) المخرج (عن فرض) وحاصله أن المخرج إذا ضاق عن الوفاء بالفروض المجتمعة فيه ترفع التركة إلى عدد أكثر من ذلك المخرج ثم تقسم حتى يدخل النقصان في فرائض جميع الورث على نسبة واحدة كما سيأتيك تفصيله وقيل هو مأخوذ من المعنى الأول لأن المسألة مالت على أهلها بالجور حيث نقصت من فروضهم أو من المعنى الثاني كأن المسألة غلبت على أهلها بإدخال الضرر عليهم
وأول من حكم بالعول عمر - رضي الله عنه - فإنه وقع في عهده صورة ضاق مخرجها عن فروضها فشاور الصحابة فيها فأشار العباس إلى العول وقال أعيلوا الفرائض فتابعوه على ذلك ولم ينكره أحد إلا ابنه بعد موته فقيل له هلا أنكرته في زمن عمر - رضي الله عنه - فقال هبته وكان مهيبا وسأله رجل كيف تصنع بالفريضة العائلة فقال أدخل الضرر على من هو اسوأ حالا وهن البنات والأخوات فإنهن ينقلن عن فرض مقدر إلى فرض غير مقدر فقال الرجل ما تغنيك فتواك شيئا فإن ميراثك يقسم بين ورثتك على غير رأيك فغضب وقال هلا تجتمعون حتى نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن الذي أحصى رمال عالج عددا لم يجعل في مال نصفين وثلثا ويؤيد كلامه أنه إذا تعلق حقوق بمال لا يفي بها يقدم منها ما كان أقوى كالتجهيز والدين والوصية والميراث فإذا ضاقت التركة عن الفروض يقدم الأقوى ولا شك أن من ينقل من فرض مقدر إلى فرض آخر مقدر يكون صاحب فرض من
كل وجه فيكون أقوى ممن ينقل من فرض مقدر إلى فرض آخر غير مقدر لأنه صاحب فرض من وجه وعصبة من وجه آخر فإدخال النقص أو الحرمان عليه أولى لأن ذوي الفروض مقدمون على العصبات
ولنا أن أصحاب الفروض المجتمعة في التركة قد تساووا في سبب الاستحقاق وهو النص فيتساوون في الاستحقاق وحينئذ يأخذ كل واحد منهم جميع حقه إن اتسع المحل ويضرب بجميع حقه إذا ضاق المحل كالغرماء في التركة فإذا أوجب الله تعالى في مال نصفين وثلثا مثلا علم أن المراد الضرب بهذه الفروض في ذلك المال لاستحالة وفائه بها بخلاف التجهيز وأخواته فإنها حقوق مرتبة كما سلف والنقل من الفرض إلى العصوبة لا يوجب ضعفا لأن العصوبة أقوى أسباب الإرث فكيف يثبت النقصان أو الحرمان بهذا الاعتبار في بعض الأحوال فإذا الحق ما عليه عامة الصحابة وجمهور الفقهاء
(اعلم أن مجموع المخارج سبعة) لأن الفرائض المذكورة في كتاب الله ستة ومخارجها خمسة أعداد الاثنان والثلاثة والأربعة والستة والثمانية وذلك لاتحاد مخرج الثلث والثلثين كما مر وقد عرفت أن الاختلاط الذي يكون في نوع واحد لا يقتضي مخرجا خارجا عن تلك الخمسة فبقي اثنان وإذا انضما إلى الخمسة صار المجموع سبعة (أربعة منها) أي من تلك السبعة (لا تعول) أصلا لأن الفروض المتعلقة بهذه المخارج الأربعة إما أن يفي المال بها أو يبغى منه شيء زائد عليها وهي (الاثنان والثلاثة والأربعة والثمانية) فلا عول في الاثنين لأن المسألة إنما تكون من اثنين إذا كان فيها نصفان كزوج وأخت لأب وأم أو نصف وما بقي
كزوج وأخ لأب وأم ولا في الثلاثة لأن الخارج منها إما ثلث وما بقي كأم وأخ لأب وأم وإما ثلثان وما بقي كبنتين وأخ لأب وأم وإما ثلث وثلثان كأختين لأم وأختين لأب وأم ولا في الأربعة لأن ما يخرج منها إما ربع وما بقي كزوج وابن أو ربع ونصف وما بقي كزوج وبنت وأخ لأب وأم أو ربع وثلث ما يبقى وما بقي كزوجة وأبوين ولا في الثمانية لأن الخارج منها إما ثمن وما بقي كزوجة وابن أو ثمن ونصف وما بقي كزوجة وبنت وأخ لأب وأم فلا عول في شيء من مسائل هذه المخارج الأربعة (وثلاثة) منها (قد تعول) أما (الستة) فإنها (تعول إلى عشرة وترا وشفعا) اي تعول بسدسها إلى سبعة فيما إذا اجتمع نصف وثلثان كزوج وأختين لأب ووأم أو اجتمع نصفان وسدس كزوج وأخت لأب وأم وأخت لأم وتعول بثلثها إلى ثمانية فيما إذا اجتمع نصف وثلثان وسدس كزوج وأختين لأب وأم وأختين لأم وأم وتعول بثلثيها إلى العشرة إذا اجتمع نصف وثلثان وثلث وسدس كزوج وأختين لأب وأم وأختين لأم وأم وهذه المسألة تسمى شريحية إذ قضى شريح فيها بأن للزوج ثلاثة من عشرة فجعل الزوج يطوف في البلاد ويسأل الناس عن امرأة خلفت زوجا ولم تترك ولدا ولا ولد ابن ماذا نصيب الزوج فكانوا يقولون النصف فيقول لم يعطني شريح لا نصفا ولا ثلثا فبلغه ذلك وطلبه وعزره وقال قد سبقنى بهذا الحكم إما عادل ورع وأراد به عمر - رضي الله عنه - (و) أما (اثنا عشر) فهي (تعول إلى سبعة عشر وترا لا شفعا) أي تعول بنصف سدسها إلى ثلاثة عشر إذا اجتمع ربع وثلثان وسدس كزوجة وأختين لأب وأم وأخت لأم وتعول بربعها إلى خمسة عشر إذا اجتمع ربع وثلثان وثلث كزوجة وأختين لأب وأم وأختين لأم أو اجتمع ربع وثلثان وسدسان كزوجة وأختين لأب وأم وأخت لأم وأم وتعول بسدسها وربعها إلى سبعة عشر إذا اجتمع ربع وثلثان وثلث
وسدس كزوجة وأختين لأب وأم وأختين لأم وام (و) أما (أربعة وعشرون) فإنها (تعول إلى سبعة وعشرين عولا واحدا في المسائل المنبرية) التي اجتمع فيها الثمن والثلثان والسدسان (وهي امرأة وبنتان وأبوان) وإنما سميت منبرية لأنها سئل عنها علي - رضي الله عنه - على منبر الكوفة فأجاب عنها بديهة فقال السائل متعنتا أليس للزوجة الثمن فقال صار ثمنها تسعا ومضى في خطبته فتعجبوا من فطنته (ولا يزاد) عول أربعة وعشرين (على هذا) العدد الذي هو سبعة وعشرون (إلا عند ابن مسعود - رضي الله عنه - فإن عنده تعول) أربعة وعشرون (إلى أحد وثلاثين) بزيادة سدسها وثمنها عليها كامرأة وأم وأختين لأب وأم وأختين لأم وابن محروم إذ عنده يحجب هذا الابن الزوجة من الربع إلى الثمن فالمسألة عنده من أربعة وعشرين لاختلاط الثمن من النوع الأول بكل النوع الثاني وإنما عالت إلى أحد وثلاثين إذ للزوجة الثمن وهو ثلاثة وللأم السدس وهو أربعة وللأختين لأب وأم الثلثان أعني ستة عشر وللأختين لأم الثلث وهو ثمانية فالمجموع أحد وثلاثون وعند غيره هذه المسألة من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر
والدليل على انحصار العول فيما ذكرنا من الوجوه استقراء صور اجتماع الفروض كما لا يخفى
فصل
في معرفة التماثل والتداخل والتوافق والتباين بين العددين
هذه مقدمة يحتاج إلى معرفتها في تقسيم التركة على أعداد المستحقين بلا كسر
(تماثل العددين كون أحدهما مساويا للآخر) كثلاثة وثلاثة مثلا ويسميان بالمتماثلين ولا بد ههنا من اعتبارهما في محلين وإلا فمطلق الثلاثة مجردا عن المحل لا تعدد فيه فلا يتصف بالمساواة قطعا
(وتداخل العددين المختلفين أن يعد أقلهما الأكثر أي يفنيه) ومعنى عده أي إفنائه إياه أنه إذا ألقي الأقل من الأكثر مرتين أو أكثر لم يبق من الأكثر شيء كالثلاثة والستة فإنك إذا ألقيت الثلاثة من الستة مرتين فنيت الستة بالكلية وكذا الحال إذا ألقيتها من التسعة ثلاث مرات أفنيت التسعة بالمرة الثالثة فهذان العددان يسميان بالمتداخلين اصطلاحا بخلاف الثمانية فإنه إذا ألقيت من الثلاثة مرتين بقي اثنان فلا يمكن إفناؤها بالثلاثة لكن إذا ألقي منها اثنان أربع مرات فنيت الثمانية فهما أيضا متداخلان واختلاف العددين في أنفسهما بالقلة والكثرة لا يتصور في التماثل بل في التداخل وما بعده إلا أنه صرح بذكر الاختلاف في التداخل وحده وأشعر به فيما بعده
ثم إنه فسر التداخل بمعنيين آخرين ملازمين له فقال (أو نقول) تداخل العددين هو (أن يكون أكثر العددين منقسما على الأقل قسمة صحيحة) أي قسمة لا كسر فيها كالستة فإنها منقسمة على الثلاثة وعلى الاثنين أيضا بلا كسر فيصيب من الستة كل واحد من الثلاثة اثنان ومن الاثنين ثلاثة وقس على ذلك سائر المتداخلين
والسبب فيه أنه إذا عد عدد ما هو أكثر منه كان الأكثر مثلي الأقل أو أمثاله فيصيب بالقسمة كل واحد من آحاد الأقل آحاد صحيحة بعدد أمثال الأقل في الأكثر وهذا هو السبب أيضا فيما ذكره بقوله (أو نقول) التداخل هو (أن تزيد على
الأقل مثله أو أمثاله فيساوي الأكثر) فإذا زيد مثلا على الثلاثة مثلها مرة صارت ستة ومرتين صارت تسعة وأما قوله (أو نقول) هو (أن يكون الأقل جزء الأكثر) فمن قبيل الاختلاف في العبارة فقط فإن العدد الأقل إن كان يعد الأكثر يسمى جزءا له اصطلاحا وإن لم يعده كان أجزاء له فالمراد بالجزء ما كان جزءا واحدا لا مكررا فلا ينتقض التعريف حينئذ بالأربعة مقيسة إلى العشرة فإنها خمساها ولا بالثلاثة بالقياس إلى الخمسة لأنها ثلاثة أخماسها (مثل ثلاثة وتسعة) فإن الثلاثة ثلث التسعة فهي جزء لها تعدها بثلاث مرات وتساويها بأن يزاد عليها مثلها مرتين والتسعة منقسمة عليها بلا كسر كما مر فهذا مثال للتداخل على جميع التفاسير
(وتوافق العددين) في جزء كالنصف ونظائره (أن لا يعد أقلهما الأكثر ولكن يعدهما عدد ثالث) هذا التعريف صحيح إذا فسر العدد بالكمية المتألفة من الوحدات فلا يكون الواحد حينئذ عددا وكذا يصح على هذا التقدير تعريف التداخل بما ذكره وأما إذا فسر العدد بما يقع في مراتب العد دخل فيه الواحد أيضا فاحتيج ههنا إلى أن يقال «ولكن يعدهما عدد ثالث غير الواحد» وانتقض تعريف التداخل المذكور بلا شبهة إلا أن يعتبر مغايرة كل واحد من العددين المختلفين للواحد وذلك لأن الواحد يعد جميع الأعداد وليس في الاصطلاح بينه وبين شيء منها تداخل بل تباين وليس أيضا بين العددين اللذين يعدهما الواحد فقط توافق والظاهر أن المصنف لم يجعل الواحد عددا فلا إشكال على مذهبه قطعا (كالثمانية مع العشرين) فإن الثمانية لا تعد العشرين لكن (تعدهما أربعة) فإنها تعد الثمانية بمرتين والعشرين بخمس مرات (فهما متوافقان بالربع) وذلك (لأن العدد العاد لهما مخرج جزء الوفق) بينهما فلما عدهما الأربعة وهي مخرج للربع كانا متوافقين به
فإن قلت مخرج النصف أعني الإثنين يعدهما أيضا فهلا جعلتهما من المتوافقين بالنصف
قلت المعتبر في هذه الصناعة مع تعدد العاد هو أكثر عدد يعدهما ليكون جزء الفق أقل فيسهل الحساب ألا يرى أن ربع الشيء أقل من نصفه وأن حسابه أسهل ولا منافاة في ان يكون بين عددين توافق من وجوه متعددة كالاثني عشر والثمانية عشر فإنهما متوافقان بالنصف والثلث والسدس إلا أن العبرة في سهولة الحساب بتوافقهما في السدس الذي هو من أحدهما اثنان ومن الآخر ثلاثة
(وتباين العددين [المختلفين] أن لا يعد العددين) المختلفين (معا عددا ثالث) أصلا (كالتسعة مع العشرة) فإنه لا يعدهما معا شيء سوى الواحد الذي ليس بعدد عنده
ولا خفاء في معرفة التماثل والتداخل بين العددين بل في معرفة التوافق والتباين بينهما فلذلك قال (وطريق معرفة الموافقة والمباينة بين المقدارين المختلفين أن تنقص من الأكثر بمقدار الأقل من الجانبين مرارا حتى يتفقا في درجة واحدة فإن اتفقا في واحد فلا وفق بينهما وإن اتفقا في عدد فهما متوافقان) بالجزء الذي مخرجة (في ذلك العدد) مثلا إذا أفنيت من العشرة سبعة بقي ثلاثة وإذا أفنيت ثلاثة من السبعة مرتين بقي واحد وإذا أفنيت واحدا من الثلاثة مرتين بقي أي ضا واحد فقد اتفقت العشرة والسبعة بإفناء الأقل من الجانبين مرارا في الواحد فإنه الباقي من كل منهما في بعض درجات الإفناء فهما متباينان وإذا أفنيت من الثمانية عشر ثمانية مرتين بقي منها اثنان وإذا أفنى اثنان من الثمانية ثلاث مرات بقي منها أيضا اثنان فهما عددان متوافقان بالنصف والتفصيل أن يقال إذا نقص أمثال
الأقل من الأكثر فإن فني الأكثر فهما متداخلان وإن بقي منه واحد فهما متباينان إذ لا يعدهما سوى الواحد وإن بقي منه واحد فهما متباينان إذ لا يعدهما سوى الواحد وإن بقي منه عدد هو أق من الأقل فإن عد هذا الباقي الأقل فهو أعني الباقي أكثر عدد يعدهما على معنى أنه ليس هناك عدد يعدهما وهو أكثر منه وإن بقي من الأقل واحد فبين العددين أيضا تباين وإن بقي من الأقل عدد أقل من الباقي الأول فإن عد الباقي الثاني الأول فالثاني هو أكثر عدد يعد العددين المفروضين بالمعنى المذكور وليس يمكن أن يبقى دائما من الجانبين عدد كذلك بل لا بد ان ينتهي إما إلى عدد يعد ما يليه فيعد جميع ما قبله فيكون هو أكثر عدد يعد ذينك العددين بذلك المعنى فيتوافقان في الكسر الذي هو مخرجه وإما إلى الواحد فيتباينان وكل هذه الأحكام مبنية بما ذكر في كتاب أصول الحساب وما ذكره المصنف راجع إلى ذلك فإنه إذا انتهى الإفناء في جانب إلى الواحد فلا بد أن ينتهي إليه في الجانب الآخر فيتوافقان في الواحد وإذا انتهى في أحد الجانبين إلى عدد يعد ما قبله فلا بد أن يبقى مثله في الجانب الآخر فيتفقان في ذلك العدد فيكونان متوافقين في الكسر الذي هو مخرجه (ففي الاثنين) يتوافقان (بالنصف) كما في الأربعة والعشرة (وفي الثلاثة) يتوافقان (بالثلث) كما في التسعة والأثنى عشر (وفي الأربعة) يتوافقان (بالربع) كالثمانية والاثنى عشر (هكذا إلى العشرة) أي يكون التوافق بين الأعداد التي هي العشرة وما دونها بواحد من الكسور التسعة المشهورة وهي النصف إلى العشر وتسمى هي مع ما يتركب منها بالإضافة أو التكرير بالكسور المنطقة (وفي ما وراء العشرة يوافقان بجزء) من الكسور الأصم التي لا يمكن التعبير عنها إلا بإضافتها إلى مخارجها (أعني في أحد عشر) يتوافقان (بجزء من أحد عشر) كاثنين وعشرين مع ثلاثة وثلاثين فإن العدد العاد لهما ثلاثة
عشر (وفي خمسة عشر) يتوافقان (بجزء من خمسة عشر) كثلاثين مع خمسة وأربعين فإن خمسة عشر يعدهما معا فهما متوافقان بجزء منها ويمكن أن يعبر عن هذا الأخير بأنهما يتوافقان بثلث الخمس الذي مخرجه خمسة عشر كما يعبر فيما يعدهما اثنا عشر كاربعة وعشرين وستة وثلاثين بأنهما متوافقان بنصف السدس وفيما يعدهما أربعة عشر كثمانية وعشرين واثنين وأربعين بأنهما متوافقان بنصف السبع وبالجملة يمكن فيما وراء العشرة بأسرها أن يعبر في التوافق بالأجزاء المضافة إلى المخرج كجزء من أحد عشر وجزء من اثني عشر وجزء من ثلاثة عشر ويمكن في بعضها ان يعبر بالكسور المنطقة المركبة وللتنبيه على ذلك خلط الشيخ المنطق بالأصم حيث ذكر أحد عشر وخمسة عشر معا (فاعتبر هذا) الذي ذكرناه في سائر الأعداد تعرف توافقها بالمنطقات والأجزاء المضافة إلى مخارجها
والوجه في انحصار النسب بين الأعداد في الأقسام الأربعة أنك إذا نسبت عددا إلى آخر فإن ساواه فهما متماثلان وإلا فإن كان الأقل مفنيا للأكثر فمتداخلان وإن لم يكن مفنيا له فإما أن يعدهما عدد غير الواحد فهما متوافقان أو لا يعدهما غيره فمتباينان
باب التصحيح
أي تصحيح مسائل الفرائض وهو أن تؤخذ السهام من أقل عدد يمكن على وجه لا يقع اليكسر على أحد من الورثة
(يحتاج في تصحيح المسائل) بالمعنى الذي ذكرناه (إلى سبعة أصول ثلاثة) منها (بين السهام) المأخوذة من مخارجها (و) بين (الرؤوس) من الورثة (وأربعة) منها (بين الرؤوس والرؤوس)
(أما) الأصول (الثلاثة فأحدها) ما ذكره بقوله (إن كان سهام كل فريق) من الورثة (منقسمة عليهم بلا كسر فلا حاجة إلى الضرب كأبوين وبنتين) فإن المسألة حينئذ من ستة فلكل من الأبوين سدسها وهو واحد وللبنتين الثلثان أعني أربعة فلكل واحدة منهما اثنان فاستقام السهام على رؤوس الورثة بلا انكسار
(والثاني) من الأصول الثلاثة هو (أن يكون الكسر على طائفة واحدة) أي ينكسر على طائفة واحدة فقط نصيبهم من التركة (ولكن بين سهامهم ورؤوسهم موافقة) بكسر من الكسور (فيضرب وفق عدد رؤوسهم) أي رؤوس من انكسر عليهم السهام وهم تلك الطائفة الواحدة (في أصل المسألة) إن لم تكن عائلة وفي اصلها (وعولها) معا (إن كانت عائلة كأبوين وعشر بنات أو زوج وأبوين وست بنات) فالأول مثال ما ليس فيها عول إذ أصل المسألة من ستة السدسان وهما اثنان للأبوين ويستقيمان عليهما والثلثان وهما أربعة للبنات العشرة ولا يستقيم عليهن لكن بين الأربعة العشرة موافقة بالنصف فإن العدد العاد لهما هو الاثنان فرددنا عدد الرؤوس أعني العشرة إلى نصفها وهو خمسة وضربناها في الستة التي هي أصل المسألة صار الحاصل ثلاثين فتصح منه المسألة إذ قد كان للأبوين من أصل المسألة سهمان وقد ضربناهما في المضروب الذي هو خمسة صار عشرة فلكل منهما خمسة وكان للبنات العشر منه أربعة وقد ضربناها أيضا في خمسة فصار عشرين فلكل واحدة منهن اثنان والثاني مثال ما فيها عول فإن أصل المسألة ههنا من اثني عشر لاجتماع الربع والسدسين والثلثين على ما سبق تحريره فللزوج ربعها وهو ثلاثة وللأبوين سدساها وهما أربعة وللبنات الست ثلثاهما وهما ثمانية فقد عالت المسألة إلى خمسة عشر وانكسر سهام البنات أعني الثمانية على رؤوسهن فقط لكن بين عددي السهام والرؤوس توافق بالنصف فرددنا عدد
رؤوسهن إلى نصفه وهو ثلاثة فضربناها في أصل المسألة مع عولها وهو خمسة عشر فحصل خمسة وأربعون فاستقامت منها المسألة إذ قد كان للزوج من أصل المسألة ثلاثة وقد ضربناها في المضروب الذي هو ثلاثة فصارت تسعة فهي له وكان للأبوين أربعة وقد ضربناها في ثلاثة صار اثني عشر فلكل واحد منهما ستة وكان للبنات ثمانية ضربناها في ثلاثة فحصل أربعة وعشرون فلكل واحدة منهن أربعة
(والثالث) من الأصول الثلاثة (أن) تنكسر السهام أيضا على طائفة واحدة فقط و (لا يكون بين سهامهم ورؤوسهم موافقة) بكسر بل مباينة (فيضرب حينئذ كل عدد رؤوسهم) أي رؤوس من انكسر عليهم السهام (في أصل المسألة) إن لم تكن عائلة
وفي أصلها مع عولها إن كانت عائلة ثم ذكر مثال العائلة بقوله (كزوج وخمس أخوات لأب وأم) فأصل المسألة من ستة النصف وهو ثلاثة للزوج والثلثان وهو أربعة للأخوات فقد عالت المسألة إلى سبعة وانكسر سهام الأخوات عليهن فقط وبين عددي سهامهن ورؤوسهن أعني الأربعة والخمسة مباينة فضربنا كل عدد رؤوسهن وهو خمسة في أصل المسألة مع عولها وهو سبعة فصار الحاصل خمسة وثلاثين فمنها تصح المسألة إذ قد كان للزوج ثلاثة وقد ضربناها في المضروب وهو خمسة فصار خمسة عشر فهي له وكان للأخوات الخمس أربعة وقد ضربناها أيضا في خمسة فصار عشرين فلكل واحدة منهن أربعة ومثال غير العائلة زوج وجدة واحدة وثلاث أخوات لأم فالمسألة من ستة للزوج منها نصفها وهو ثلاثة وللجدة سدسها وهو واحد وللأخوات ثلثها وهو اثنان ولا يستقيمان على عدد رؤوسهن بل بينهما مباينة فضربنا كل عدد رؤوس