الزبدة في شرح البردة
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الزبدة في شرح البردة
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعينُ
أحمده امتثالاً لأمره لا إحصاء لشكره، وأُصلِّي على حبيبهِ وصَفيَّهِ ورسولِهِ ونبيه، وعلى آله وصحبه وتابعيه وحِزْبه.
وبعد:
فقد رُوِيَ عن ناظمِ القصيدة المعروفة بالبرءةِ المشهورة بـ «البردة» أنَّه قال: أصابني خَلْطُ فالج أَبطلَ نِصفي، ففكّرتُ أنْ أَعْمَلَ قصيدةً في مدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأستشفع بها إلى الله تعالى، فأنشأت هذه القصيدة ونمتُ، فرأيتُ النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، فمَسَحَ عليَّ بيده المُبارَكَةِ فَعُوفِيْتُ لِوَقْتِي، فخَرَجْتُ غُدوةً مِن بيتي فإذا بعضُ الفقراء يَسْتَنشِدُني قصيدةً أَوَّلُها:
أَمِنْ تَذَكُرِ حِيرانٍ بِذِي سَلَمِ فتَعَجَّبتُ إِذْ ما كنتُ أخبرتُ بها أحداً، فقال: والله لقد سمعتُها تُنْشَدُ بين يدي النَّبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يتمايَلُ تَمايُل الأغصان، فأعطيتُه إيَّاها، فَنَشَرَ الخبر بينَ النَّاس، ولمَّا انْتَهَى إلى وزير الملكِ الظَّاهِرِ اسْتَنْسَخَها ونَذَرَ أَنْ لا يَسْمعَها إلَّا واقفاً حافياً حاسراً، فرأى هو وأهله من بركاتِها خيراً كثيراً.
ثُمَّ أصاب مُوَقِّعَ هذا الوزيرِ رَمَدٌ عظيمٌ أَشرفَ منه على العَمَى، فرأى في مَنامِهِ كأَنَّ قائلاً يقولُ: امْض إلى الوزيرِ وخُذْ منه البردةَ واجْعَلْها على عينيكَ، فَعَرَضَ على الوزير ما رأى فقال: ما عِندِي شيءٌ يقال له البُرده، وإِنَّما عندي مديحُ النَّبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم ونحنُ نَستشفي به، فأخرج القصيدة ووضعها على عينيه وقُرِئتْ وهو جالس، فشَفَاهُ اللهُ مِن الرَّمَدِ لوقته، فسميت بالبردة.
هي مجربة عند طلب الحاجاتِ ونُزولِ المُهمَّاتِ، ولعلَّها سُمِّيت بُردةً لكونها في المعنى كِسوةً شَريفةٌ فُصِّلت على قامة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وتسمية الصفةِ كِسوةً مَجاز مشهور.
هذا، وقد سَنَحَ لخاطرِ أفقرِ عِبَادِ اللهِ الغنيّ البارِي، علي بن سلطان محمد الهَرَويّ القارِي، أَنْ أَخْدُمَ هذه القصيدة المباركة الميمونةَ المَرْضِيَّة؛ رجاءً لشفاء الأمراض الظاهرية والباطنية، من الأخلاقِ الدَّنيَّة، وابتغاء لخِلْعة العافية الساترة للذُّنوبِ القولية والفعلية، بوضع شرح لطيف على المقصودِ، مُطِلٌ غيرِ مُمِلٌ ولا مُخِلٌ، جَعَلَه الله خالصاً لوجهه الكريم، فإنَّه بعباده لغفور رحيم، وسمَّيْتُ سميته «الزبدة في شرح البُرْدَة»
اعْلَمْ أَنَّ هذهِ القصيدةَ الشَّريفةَ مُشتمِلةٌ على فوائد لطيفة:
منها: أنَّ عادةَ الشُّعراءِ جَرَتْ بأَنَّهم يَذْكرونَ في مطالع قصائِدِهم تيمناً بذِكْرِ لَوازِمِ العشقِ مِن مُقاساة الأحزانِ والأشواقِ وتَحمُّلِ مَكَارِهِ البُعْدِ والفِراقِ، ويُسمونه تَغَزُّلاً وتشبيباً، ويَعُدُّونَهُ مِن جُملةِ لُطفِ المَطْلِع تقريباً.
ومنها: أنَّهم يجردونَ مِن أنفُسِهِم مُخاطَباً يُحاوِرونهُ دَلَالاً وعِتاباً، ويُحاضرونه
سُؤالاً وجواباً، إشارةً إلى نُدرةِ خبير يُظهرون رموز العشق عليه، وإشعاراً إلى قلة
صديق يُضْمِرُونَ كنوز الحُبِّ لدَيْه.
ومنها: أنَّهم يُغيّرونَ كلامهم من أسلوب إلى آخر على طريق الالْتِفاتِ تكلماً وخطاباً وغَيْبةً؛ تَطْرِبَةً للمسموع وتنشيطاً للسامع، فإنَّهم في ضيافة الأرواحِ يتصنعون بأساليب الإيرادات، كما أنَّ النَّاسَ في إطعام الأشباح يصنعون ألوان
الأطعمة الواردات.
ومنها: معرفة الحب والعِشقِ، فإنَّ الحب في وضع اللسان: عبارة عن مَيلِ النَّفْسِ إلى المُوافِق الذي تصَوَّرَهُ مِن حُسْنٍ أو إحسان، والعشق هو الميل المُفْرِطُ الغالِبُ على الإنسان، وكلُّ مِن الحُسْنِ والإحسانِ يُدْرَكُ تارةً بالبصرِ
وتارةً بالبصيرة، والحبُّ يَتْبعُهما، وكمالهما للحقِّ تعالى حقيقةٌ؛ إذْ لا يَصِحُ،
وانتفاؤُه عنه تعالى، بخلافِ صفاتِ الخَلْقِ فَإِنَّها بمنزلة ثوبِ مُسْتعارٍ. ثُمَّ المَجَازِيُّ قِسْمانِ:
نَفْساني: وعلامته أن يكون أكثر إعجاب المُحِب بشمائل المحبوب، وهو يَجعلُ النَّفْسَ لينةً ذاتَ وَجْدِ ورِقَةٍ، مُنقطعة عما سِوَى محبوبه، ولذا قيل: المَجازُ قَنطرة الحقيقة.
وحيواني: وهو يُعِينُ الأمارة على استخدام العاقلة في تحصيلِ اللَّذَّةِ
العاجلة، والأكثرُ مُقارنته للفُجور حقيقةً أو حكماً.
ومنها: أنَّ القصيدةَ مُرتَّبَةٌ على عشرة أبواب:
الأوَّلُ: في التَّغَزُلِ وبيانِ داءِ النَّفْسِ ودوائها.
الثاني: في رياضته صلى الله تعالى عليه وسلم.
الثَّالثُ: في تفضيله على الكائناتِ.
الرَّابِعُ في خَلْقِهِ وخُلْقِهِ.
الخامس: في إرهاصاته.
السَّادِسُ: في مُعْجِزاته. السابع: في القرآن.
الثَّامِنُ: في مِعْراجهِ.
التَّاسِعُ: في غَزَواتِهِ.
العاشر: في عَرْضِ الحاجةِ على الممدوح والمناجاة مع المَوْلَى. قال النَّاظِمُ شَرَفُ الدِّينِ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ سعيد البوصيري المصري،
وقيل: الدَّمَشْقِيُّ الشَّامِيُّ، كساه الله حُلَلَ الغُفرانِ، وأَسْكنه بحبوحةَ الجِنَان: 1 - أَمِنْ تَذَكُرِ جِيرانٍ بِذِي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِن مُقْلةٍ بدَمِ همزة الاستفهام للتَّقريرِ مُنْصَبَّةٌ على مَزَجْتَ قُدِّمتُ للصَّدارةِ، ومِن تَذَكَّرِ مُتعلّق بـ مَزَجْتَ قُدَّمَ للحَصْرِ، وتَذَكُرِ مصدرٌ مُضافٌ إلى مفعوله، وفاعِلُه محذوفٌ؛ أي: مِن تَذَكَّرِكَ جيراناً، وهو جَمعُ جارٍ أو مُجاوِرٍ، وهو الأَوْلَى بالمَقامِ. و بذي سَلَم؛ أي: صاحِبِ شجرةٍ في البادِيَةِ مُتَعلَّق بمحذوف؛ أي: كائنين بمكانٍ فيه هذا الشجرُ، وهو بفتح اللام، ورُوِيَ بكسرها. ودمعاً ماءُ البُكاء مفعول به لـ مَزَجْتَ، وجَرَى صِفَتُه؛ أي: دمعاً جارياً، مِن مُقلةٍ مُتعلّق بـ جَرَى وهي داخِلُ العين. وبِدَمِ متعلق بـ مَزَجْتَ.
والمعنى: يُحاوِرُ مُخاطَبَاً جَرَّدَه مِن نَفْسِهِ، ويقولُ: يَا مَن يُبالِغُ فِي البُكاءِ لا بدَّ لعُروض بكائِكَ مِن سببٍ، فما هو؟ أهوَ لوعةُ الفراقِ ومَشَقَّتُه بِأَنِ ابْتُلِيْتَ بفراقِ أحباب كنتَ فَرِحاً بوجدانهم فصِرْتَ وَجعاً بهجرانهمْ؟ أم سببُ آخَرُ يأتي في البيتِ الآتي.
2 - أمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِن تِلْقاءِ كاظمةٍ وأَوْمَضَ البَرْقُ فِي الظُّلْماءِ مِن إِضَمِ أم مُنقطعةٌ، وهَبَّتْ فعل ماض والرِّيحُ فاعِلُه، وهي مُؤنَّثُ سَماعِيٌّ،
ومِن تِلْقاءِ كاظمةٍ؛ أي: مِن جِهَتِها، مُتَعلَّق بـ هَبَّتْ، وهي اسم لموضِعِ، وصَرْفُها للضَّرورةِ، وأَوْمَضَ بمعنَى: لَمَعَ، عَطْفٌ على هَبَّتْ، والبَرْقُ فاعِلُه، وفي الظَّلْماءِ متعلّق بمحذوف حالٍ مِن الفاعل؛ أي: واقعاً في الليلةِ الظُّلْماءِ، ومِن إضَم بكسر الهمزة مُتعلّق بـ أَوْ مَضَ بتقديرِ مُضافٍ؛ أي: مِن تِلْقاءِ إِضَمٍ، فَإِنَّهُ جبل، والبرقُ لا يَلْمِعُ مِن نَفْسِ الجبلِ بَل مِن جِهَتِهِ.
قيل: المراد بذي سَلَمِ وكاظمة وإضَمٍ مواضعُ قُرب مدينة الإسلام، مدينتهِ عليهِ
السَّلام، وهو يناسِبُ جداً في المقام، وقريب المأخذِ لمعنَى المَرام. والمعنى: أو سَبَبُ بُكائِكَ لُمْعةُ الوِصالِ، بأنْ تَمَنَّيْتَ وِصالهم بإهداءِ الرِّيح
إليك نسيم أخبارهم وأسرارهم وإبداء البرقِ عليكَ آثارَ مَساكنهم وديارهم. وفيه إيماء إلى أنَّ مأواهم في البُعْدِ بحيثُ لا يَنتهي إليهِ إِلَّا الرِّيحُ، وفي الرفعة بحيثُ لا يَرْتَقي إليهِ إِلَّا السَّحابُ، فالقاصِد إِليهِ يَتحملُ جهداً على جُهْدِه، ويقاسي وَجْداً على وَجْدِهِ.
ثُمَّ بُعْدُ المسافةِ استعارةُ البُعْدِ المرتبة، وعُلُو المَكانِ لِعُلُو القَدْرِ والمَكانةِ. وإنما قال: في الظُّلْماءِ؛ لأنَّ الضَّوءَ في الظُّلمةِ أَجْلَى، ومِن مكانٍ عالٍ أَجْلَى. ومُحصَّلُ معنَى البيتينِ: إِنَّ بُكَاءَكَ إِمَّا لَتَذَكَّرِ وصلِ ماضِ مُنطَلَّع، أو لَتَطَلُّبِ وصل حالٍ مُتوقع.
ويُمْكِنُ حمل المعنَى على الحقيقة بتمهيدِ مُقدِّمةٍ، وهي: أَنَّ المُريدَ قد يَبْلُغُ بالرياضة حدًّا تَعْرِضُ لَهُ خُلْساتٌ وجَذباتٌ مِن اطلاعِ نورِ الحقِّ عليه لذيذة، كأَنَّها بُروقٌ تَلْمَعُ إليهِ ثُمَّ تَخْمُدُ لَدَيْهِ، وتُسَمَّى تلك الخُلْساتُ وقتاً، وهو أَوَّلُ دَرجاتِ الوجدانِ والوُصولِ، وكلُّ وقتٍ محفوفٌ بوَجْدَيْنِ: وَجْدٌ إِليهِ؛ أَي: حُزنٌ على اسْتِبْطانهِ، ووَجْدٌ عليه؛ أي: حُزنٌ وأَسَفٌ على فَوْتِهِ، فيقول: أيها المريدُ المرتاضُ،
ما سبب بكائكَ؟ هل تَذْكُرُ تلك الجَذْباتِ اللَّذيذة والاشْتِيَاقَ إليها بعد انقضائها، أو تَطْلبُ أمثالها أو أَعْلَى مِنها إلى أنْ يَحِقَّ الوصول؟ بلَّغَنا الله الحصول بجاهِ الرَّسولِ. فكأنَّ المخاطَبَ أنكر ذلك الناشئ عن الحب، فقال له:
- فما لعَيْنَيْكَ إِنْ قُلْتَ اكْفُفَا هَمَنَا ومَا لَقَلْبِكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَفِقُ يَهِمِ الفاء جواب شرط محذوف تُسمى فصيحةً؛ أي: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكاؤُكَ لأَجْلِ هَذَيْنِ السببين، و ما استفهامية في الموضِعَينِ في محلّ رفع على الابتدائية، والجار والمجرور فيهما متعلق بمحذوف في محلّ رفع على الخَبَريَّة، وتقديره: أيُّ شيءٍ حادثُ لعينيكَ ولقلبكَ؟ والشَّرْطَيَّتان في محلّ نَصْبٍ تقديره: ما حَدَثَ لَعَينيكَ هَامِيَتَينِ؟ أَي: سائلَتينِ دمعهما عند قولك لهما: اكْفُفا؛ أي: امْتَنِعَا عن البكاء، وما حَدَثَ لقلبك هائماً؟ أي: حائراً عند قولك له: اسْتَفِق؛ أي: كُنْ مُفِيقاً حاضراً.
قال الخبيصي في شرح القصيدة: يجوزُ: كُفَّا وَاكْفُفا، بالإدغامِ والفَكِّ. وهو وهم منه؛ إذْ صرحوا بوجوبِ إدغامِ مِثْلِهِ في كتبِ الصَّرفِ.
وقال عصامُ الدِّينِ في شرحها: فَكَّه للضَّرورة. ا:
وقال أبو شامة في شرحها: فَكُه خلافُ القياس.
وقيل: تَعَدُّدُ العينِ إنَّما هو في الصُّورةِ، وأمَّا في المعنى المطلوب منها فواحدة، ولهذا قد يُرَى الشَّيءُ شَيئين، فالتَّعدُّدُ الصُّورِيُّ لا يَقْدحُ في الوحدة الحقيقيَّة؛ كما هو مذهب بعض المتصوفة المشتهرة بالوجوديَّة، فلفظ اكْفُفا بالنَّظر إلى الحقيقةِ مُفْرِدٌ وإن كان في صورةِ التَّثنيَةِ.
وهذا كما تَرَى تَكلُّف.
وقيل: فك الإدغام على تَوَهُم الإفراد، فلا يُخل بالفصاحةِ كما أَخَلَّ في قوله: الحمدُ للهِ العَليُّ الأَجْلَلِ
ثُمَّ قال: ويُمكنُ أنْ يقال: إنَّه أشار إلى أنَّه - أي: النَّاظم ـ قال به بلسانِ الحَيْران،.
وهو لا يُعاتَبُ بهفَواتِ اللّسان، ومثل هذا يعدُّ ظَرافةً مِن البلغاء في البَيَان. والمعنى: إنْ كنتَ تُنْكِرُ كونَ البكاءِ مِن أعماق المحبَّةِ بناءً على أنَّ له أسباباً أُخَرَ، فلِمَ لا تَمْلِكُ عينيك وقلبكَ، فإنَّكَ إِنْ أَرَدْتَ ترك البكاء سال دمعُهما، وإِنْ أَرَدْتَ إفاقة القلب عن الوَجْدِ يتحيَّرُ ويَتَوَلَّهُ، ومِثْلُ هذا البكاء لا يكونُ إِلَّا مِن الحبّ، ومثل هذا التَّحيُّرِ لا يُوجَدُ إِلَّا مِن البُعْدِ أَو القُرْبِ.
ثُمَّ قال له مُلتفتاً مِن الخطاب إلى الغَيبة:
- أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أَنَّ الحُبَّ مُنْكَتِم ما بَيْنَ مُنْسَجِمٍ مِنهُ ومُضْطَرِمِ همزة الاستفهام للتَّعجُبِ أو للإنكارِ التَّوْبيخي؛ أي: لا يَنبَغِي أَنْ يكونَ. ويَحْسبُ بكسرِ السِّينِ وفتحها، والصَّبُّ: العاشِقُ مِن صَبَّ المَاءَ، غَلَبَ عليه لكثرة بكائه غالباً، و ما زائدةٌ، وبَيْنَ ظرف لـ مُنْكَتِم، والانسجامُ: السَّيَلانُ بشدة، والاضطرامُ الاشْتِعالُ بقوَّةٍ، والتَّقدير: بين دمعٍ مُنسجِمِ وقلبٍ مُضْطَرمٍ.
وضمير منه راجع لـ الصَّبّ، وحذفُ بعدَ مُضْطَرِم لدلالةِ ما قَبْلَهُ عليهِ. والمعنَى ما يَليقُ للمُحِبُّ أنْ يَظُنَّ أنَّ حُبَّه يَخْفَى على النَّاسِ في حال كمال
ظهوره، بسبَبَ سَيَلانِ دمعه واضطرابِ قلبهِ، فإِنَّها بمنزلة شاهِدَينِ على إثباتِ حُبِّهِ ومُخْبِرَينِ مِن أهل بيته على نَفْسِهِ، فحسبانُ الكِثْمَانُ بُطلان الحسبان. وفي البيت إشارة إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: ??].
ثُمَّ استَدَلَّ على أنَّه مُحِب، فقال مُخاطباً له:
5 - لَوْلَا الهَوَى لَمْ تُرقُ دَمْعاً على طَلَلٍ ولا أَرِقْتَ لِذِكْرِ البانِ والعَلَمِ الهوَى مصدرُ هَوِيَه أحبَّهُ، والإراقةُ الصَّبُّ، والطَّلَلُ: ما شَخَصَ مِن أثر الدَّارِ مِن نحوِ اللَّبِنِ والأحجار، وأرِقَ بالكسرِ بمعنى: سَهِرَ، والبان: نوعٌ مِن الشَّجرِ يُشبهُ بهِ القَدُّ، وطول القامة، وحُسْنُ الهيئة، وطيبُ الرَّائحةِ، والعَلَم إِمَّا العَلَامَةُ أو الجبل، واللَّامُ فيهما للجنس أو للعَهْدِ؛ أي: الذين في منازلهم، قيل: المراد جبل إضم، و، والتَّنْوينُ عِوَضٌ عن المُضاف إليهِ؛ أي: على طَلَلِهِمْ، والظاهرُ أنْ يكونَ بتقديرِ مُضافٍ؛ أي: على تَذَكَّرِ الطَّلَلِ، وإلا فلا وصول إلى منزل المحبوب، ولا حصول على أثر المطلوب، وكلمة لا إمَّا زائدة للعطف على المَنْفِيَّ بتأويل لَمْ تُرِقْ بـ: لا أَرِقْتَ؛ لأنَّ لَمْ لَمْ تَدخل على الماضي، وإمَّا نافيةٌ مع أنَّها لا تدخل على الماضي بلا تكرارٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِن التَّأويل.
والمعنى: يَستَدِلُّ على حُصولِ الحب بلا وُصولِ القُرْبِ، ويقولُ: لو لَمْ يَتمكَّنْ سلطان المحبَّة في مدينةِ قَلْبكَ لتَوقَّفَ أمْرُكَ إِلى مَشِيئَتِكَ، فَلَمْ تُرِقْ دمعاً على أثر وخبر، ولم تسهر لذكرِ جبل وشجرٍ، فَلَاحَ أَنَّ دَمَعَكَ قطرةٌ مِن بحرِ الهَوَى، وسَهَرَكَ شُعلةٌ مِن نارِ الجَوَى.
وما حبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قَلْبي ولكن حُبُّ مَن سَكَنَ الدَّيارَ
ثُمَّ تَعَجَّبَ مِن إنكاره الحب بعد ظهوره فقال:
6 - فكيفَ تُنْكِرُ حُبّاً بَعْدَما شَهِدَتْ به عليكَ عُدُولُ الدَّمْعِ والسَّقَمِ الاستفهام للإنكارِ التَّوبيخي، أو للاستبعادِ والتَّعَجُبِ، والفاءُ فَصيحة في جواب شرط محذوف، يعني: إذا دَلَّتِ الأدلة على المطلوب الذي هو حب المحبوب، وتنوينُ حُبّاً للتَّعظيم، و ما مَصْدريَّةٌ، وضمير به للحُب، و عُدولُ الدَّمْعِ والسَّقَمِ كقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] 3. وقيل: المراد بالعدول: دَمْعُ العينين مع السَّقَمِ، أو أنواعُ الدَّمعِ وأصنافُ السَّقَمِ، والإضافة بيانية، والمراد: الدمع والسقم الناشتان عن الحب والألم. - وَأَثْبَتَ الوَجْدُ خَطَّيْ عَبْرَةٍ وَضَنِّى مِثْلَ البَهَارِ عَلى خَدَّيْكَ والعَنَمِ
لا يبكي إلا للحبيب والمريض لا يتمنى إلا لقاء الطبيب، ولذا قيل:
سهر العيون لغي وجهك باطل
وبكاؤهن لغير فقدك ضائع.
البيت لمجنون بني عامر، واسمه قيس بن معاذ، ويقال قيس بن الملوّح، أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.
أَثْبَتَ عَطْفٌ على شَهِدَتْ، والوَجْدُ: الحُزْنُ مِن جهة الحب، وهو بمعنى كاتِبِ دارِ الحُكْم، والضَّنَى: الهُزَالُ والضَّعْفُ، ويُلازِمُه عادةً صُفْرة الوجه، و البَهَار بفتح الباء: نوع من الوردِ الأصفر، والعَنَم: شجرٌ له أغصانُ حُمرانيَّة تُشَبَّهُ به الأصابع، و ضَنِّى على زِنَةِ رَحَى عَطْفٌ على عَبْرةً على وزنِ: قَطْرَة؛ أي: وأثبت على خدَّيْكَ اللَّذَينِ هما بمنزلةِ الوَرَقِينِ خَطُّ عبرة؛ أي: الدَّمعُ الممزوج بالدَّمِ مِثْلَ العَنَمِ، على وزنِ العَلَمِ، وخَطُّ ضَنِّى مِثْلَ البَهَارِ، فَالنَّثْرُ مُشَوَّشُ.
وقيل: المراد بالخطَّينِ: دمعُ العينين على الخدين، وضَنِّى عطف على خَطَّي، ومِثْلَ البَهارِ والعَنَم صفة خَطَّي. لكنْ فِيهِ فَضْل بينَ الصِّفَةِ والموصوف بالأجنبي وهو ضَنِّي.
كذا قيل، والأَوْلَى أنْ يُعطَفَ ضَنِّى على خَطَّي، ويُجعَلَ مِثلَ البَهَارِ والعنم صفة لمجموع المعطوف والمعطوف عليه.
ومعنى البيتين: كيفَ تُنْكِرُ المحبَّةَ بعدَ أنْ شَهِدَ بها شاهِدًا عدلٍ ما قَدَرْتَ على جَرْحِهما، وحَكَمَ قاضٍ لا يُنْقَضُ حُكْمُه مع وُجودِهما، وكَتَبَ على صفرةِ الخدَّينِ منشور المحبة بخطينِ أحمرين، أو سَجّل قضيَّةَ المودَّةِ مع شُهُودِ الأَثَرِ على وَرَقَيْ خَدِّكَ بخط أحمر وأصفر، فكلُّ مَن رآك يقرأُ آية المحبَّةِ اللائحةِ مِن وَجْهِكَ، ويُطالعُ العلامة الواضحة من خدَّكَ، فالإنكارُ بانحرافِ الضُّلوع لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوع. وأَسْنَدَ إثباتَ الحُمرةِ والصُّفرةِ إلى الوَجْدِ لأنَّه سبب قريب لعروض الحالاتِ للقلبِ مِن الحَيْرةِ والاضْطِرامِ والأَرَقِ والسَّقَمِ، والدَّمعِ مِن السَّيَلانِ والانسجام والانصباب والاحمرار والاصفرار، بلا اختيار.
وأما الحبُّ فهو سبب للحزنِ أَوَّلاً وبالذَّاتِ، ولهذه الأحوالِ ثانياً وبالعَرَضِ.
ولَمَّا انْتَهَى أمرُ السَّقَمِ إِلى صَبْغِ البَشَرِ بالصفرة، وأمرُ الدَّمعِ إلى الانصباغ بالحُمرةِ، وَصَفَهما بالعدالة إذ لا مجال للتُّهَمةِ والبطالة، فقد تأثَرَ الظَّاهِرُ والباطنُ مِن العشق والمودَّةِ، وفَنِي المحبُّ عن ذاته في المحبَّةِ، والظاهِرُ عنوان الباطن، ونحنُ نَحكُمُ بالظَّاهِرِ والله أعلمُ بالسَّرائِرِ.
ولَمَّا انْكَشَفَ كونُ المخاطبِ مُحِبّاً، وكان هو المُتكلّم في المعنى، رَجَعَ عن التَّجريدِ إلى التكلُّمِ، واعْتَرَفَ بالحب فقال:
7 - نَعَمْ سَرَى طَيْفُ مَن أَهْوَى فَأَرَّقَنِي والحبُّ يَعْتَرِضُ اللذات بالألم نَعَمْ تصديقٌ لِمَا أُثْبِتَ بالاستدلالِ مِن قرائنِ الأحوال وإقامة البينة وتسجيل القاضي مِن المُحِب؛ أي ما ادَّعَيْتَ عليَّ مِن المحبَّةِ وأَثْبَتَهُ حَقٌّ، وله كمالُ الصحة،
فقد أَسْهرني خَيَالُ مَحبوبي، وأَوْجَعني فراقُ مَطلوبي.
يعني: جاءَني في اللَّيلِ خَيَالُه، وأَسْهِرَني أَلَمُ وِصالِه، بَعْدَ أَنْ كُنْتُ في لذَّةِ النوم غافلاً عن حاله.
والحبُّ يَعرِضُ؛ أي: يُعْدِمُ ويُزيلُ ويَمنعُ اللَّذَّاتِ بسببِ أَلَمِ المحبوبِ بالذات، وقيل: يَتَخلَّل بينهما، والجملة حاليَّةٌ أو معترضةٌ، واللَّهُ: إدراك المُلَائِمِ، والألم خلافه.
فالأولى في طريق محبَّةِ المَوْلَى: أنْ يُفسَّرَ اللَّذَّةُ بخيالِ المَهْوي والألم بما يَخْطر بباله مِن السِّوَى، فالمعنى: جاءَني في ليلةِ القَدْرِ خيالُ مَآلِ الوِصالِ، ونبَّهَني مِن نومِ الغَفْلَةِ وشَغَلني بذكرِه وفكره على طريق أرباب الكمال، وانْقَلَبَتِ اللَّذَّاتُ الظَّاهريَّةُ آلاماً باطنيَّة، والآلام الحِسيَّةُ لذَات معنويَّةً، فطُوبَى لها، فطُوبَى لها.
البشر: ظاهر جلد الإنسان، جمع بشرة انظر: «القاموس» مادة: بشر.
8 - يا لائِمِي فِي الْهَوَى العُذْرِيٌّ مَعْذِرَةً مني إليك ولو أنصفت لم تلم العُذْرِي: مَنسوب إلى بني عُذرة - بضم العينِ: قبيلة من العرب في اليمنِ إذا عَشِقُوا ماتُوا؛ لأنَّ نساءَهم تكون جميلة عفيفة كثيرة الحياء، وفتيانهم سريع الحب قليل الصبر شديد الحياء.
وقيل: الهَوَى العُذْرِيُّ: هو المُفْرِطُ الذي من شأنه أنْ يكونَ صاحبه مقبول العُذْرِ عند كل أحدٍ.
ومَعْذِرةً مفعولُ فعل مقدَّرٍ؛ أي: اقْبَلْ مَعذِرةً، أو: اعْذُرْني معذرةً، ومِنِّي متعلّق بها، وقيل: مُتعلّق بمحذوف، وإليكَ حال، أو كلاهما صِفَتَان؛ أي: معذرةً صادرة مني متوجّهةً إِليكَ، أو: مُلقاةً إِليكَ.
والمعنى: أَعْتَذِرُ إليكَ بأنّي مُبْتَلّى بالحبّ المذكور على الوجه المَسْطورِ، ولو أَنْصَفتَ؛ أي: لو أَتَيْتَ بالإنصاف والعدلِ لَمْ تَكُمْ في الحبِّ وتَرَكْتَ العَذْلَ؛ لعِلْمكَ بأنَّه ليس اختيارياً، بل يكون العشقُ اضْطِرارياً.
وقيل: المعذرة قوله: مَخَضْتَني النُّصْحَ.
وقيل: قوله: والحبُّ يَعتِرِضُ اللَّذَّاتِ بالألم.
وتفصيله: يا مَن يَلُومُني في الحبّ المُفْرِطِ اقْبَلْ مَعْذِرتي ولا تَظْلِمُ بملامتي، فإنَّ الحبّ أذابَ لحمي، وأسال دمي، وأزال دمعي عن حدقتي، وصَبَغَ بالصُّفرةِ بَشَرتي، ونَهَبَ قراري، وسَلَبَ اختياري:
وعيب الفتى فيما أتى باختياره ولا عيب فيما كانَ خَلْقاً مُرَكَّبا فحاصل المعذرة: إِنَّ حُبّي عُذْرِيٌّ، وحُبُّ العُذْرِيٌّ عُذْرِيٌّ.
وقال العصام: مَعذِرةً تمييز مِن نِسبةِ العُذْرِيَّ، ومِنِّي متعلّق بـ إليكَ
وهو اسم فِعْلِ بمعنَى: ابْعُدْ.
10 - عَدَتْكَ حالي لا سِرِّي بِمُسْتِتِرٍ عن الوشاة ولا دائي بمُنْحَسِ يقالُ: عَدَا عنهُ عَدْواً: جاوَزَه، وإليهِ عَدْوَى سَرَى إليه سِرَايةً، وعلى كلِّ تقدير
لا بد من القول بحذف حرف الجر، والمشهور تقديرُ إلى؛ ليكون دعاءً عليه، إشارةً إلى ما وَرَدَ: مَن عَيَّرَ أَخاهُ بذنبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى ابْتَلَاهُ اللهُ به».
و الوشاة بضم الواو: جمعُ واش؛ أي: الكَذَبَةِ السَّاعِينَ بالفسادِ بَيْنِي وَبَيْنَ مَن
هو بمنزلة الفؤادِ، والانْحِسامُ: هو الانْقِطاعُ.
والمعنى: ليَكُنْ حالُكَ مِثْلَ حالي؛ لتَذُوقَ وَبَالي، وحُرقةَ قَلْبي وبَالي، وهو أَنَّ سِرِّي لا يَخْفَى عن الوَاشِينَ واللَّائِمينَ لأَخْلُصَ عن الشَّمَاتِةِ والمَلَامَةِ، ومَرَضِي لا ينقطِعُ بالوَصلِ لأفوز بالسَّلامةِ.
وقيل: المعنى تَجاوَزَ حالي عنكَ إِلى الغَمَّازِينَ، وفاشَ سِرِّي عندَ اللَّمَّازِينَ، وذاعَ عندَ الأحباء، وشاعَ عند الأعداء، ولا ينقطعُ هذا الداء، وليس له دواء عند الأطباء، فإذا عَلِمْتَ حالي في هذا المقام، فَأَنْصِفُ واتْرُكِ المَلام.
ويُمكنُ أنْ يكونَ بتقديرِ عن دعاءً لهُ بِعَدَمِ الابتلاء بحاله، أو دعاءً عليه
بالحِرْمانِ عن الوصول إلى مرتبة كماله.
و لا في الموضِعَينِ لنَفْي الجنس لا للمُشابهة بـ: ليس؛ لعَدَمِ جواز دخولها على المعرفة عند الجمهور.
ولما رأى مُبالَغَةَ اللَّائِمِ في مَلَامَتِهِ، وظهرَ أَنَّ قَصْدُهُ مُنحصِرٌ في سلامَتِهِ، وقد بالغ في تدليس عَيْبه، والاعتذار عمَّا ظهر مِن سُوءِ غَيْبِهِ، ثُمَّ اسْتَيَقَنَ أَنَّ عُذْرَهُ غَيْرُ نافِعٍ، وتدليسه غيرُ ناجِعِ، أَنْصف واعترف بأنَّ التَّقصير مِن قِبَلِهِ على كل حال، فقال هذا
المقال:
11 - مَحَضْتَني النُّصْحَ لَكُنْ لَسْتُ أَسْمَعُه إِنَّ المُحِبَّ عَنِ العُذَالِ فِي صَمَمِ النصيحة: إرادة الخير للغير، والمَحْضُ: الإخلاص والتصفية، والمراد من
عَدَمِ السَّماعِ ومِن الصَّمَمِ: عَدَمُ الالْتِفاتِ وعَدَمُ القبولِ والإجابةِ. و العُدَّال بالدَّالِ المُعْجَمةِ: جمعُ عاذل، وهو اللَّائِمُ النَّاصِحُ؛ أي: أَخْلَصْتَ لى 1 النَّصيحةَ وصَفَّيْتَها عن الأعراض الفاسدة في لومِكَ لي في الهَوَى مِن جهة أسبابه؛ كالالتفاتِ إلى ما يُحَبُّ، والتَّطَلُّع إليه، والتَّفَكَّرِ فِي مَحاسنه وا سنه والتَّولُّعِ به، ولكنْ لا أَقْبَلُها، فإنِّي أَسيرُ العشقِ وأنتَ أمينُ العقل، ولا يَجرِي حُكْمُه في مملكة العشقِ، فالعقلُ يَبْني والعشقُ يَهْدِمُ، والعقل في التجارة والعشقُ في الغارة. و في البيت تلميح إلى الحديث الصحيح: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيَصُمُّ»
رواه أحمد وأبو داودَ والبخاري في تاريخه. و بعد بيانِ حالٍ يَعُمُّ المُحِيِّينَ مِن عَدَمِ سَماعِ كَلامِ اللَّائِمِينَ، ذَكَرَ مَا يَخصُّه مِن عدم قبولِ النَّصيحة مع إفضائه إلى حالة الفضيحة:
12 - إنِّي أَنَّهَمْتُ نَصِيحَ الشَّيبِ فِي عَذَلي والشيب أبعد في نصح عن التهم نُصْحٍ نصيح بمعنى: ناصح، والإضافة بيانية، والعَذَلُ بفتحِ الدَّالِ: اسمُ مَصدرٍ، وبالسكون مصدر، وقال العصامُ: هما مَصْدرانِ. وجملة: والشَّيبُ ... حال لازمةٌ مِن مفعول اتَّهَمْتُ في المعنى وهو الشَّيب.
والمراد من نصيحةِ الشَّيبِ: أَنَّه يقولُ بلسان الحالِ: إِنَّهُ قَرُبَ الارْتِحال، وآنَ زمانُ التّوبةِ والانْتِقالِ مِن سَيِّئ الأحوال، وحَلَّ تركُ العشقِ المَجَازِيُّ، وَوَجَبَ الحبُّ الحقيقي، وتَدارُكُ ما فات، مِن تَضييع الأوقات، وعَدَمِ إصلاح الحالات.
ولذا لما رأى أبو يزيد البَسْطَامي قدَّسَ اللهُ سِرَّه السَّامي مِراةً، وطالع فيها وقد ظهر البياضُ في لحيتهِ الشَّريفةِ وطَلْعَتِهِ المُنِيفة، قال: ظَهَرَ الشَّيبُ ولَمْ يَذهَبِ العَيبُ، وما أَدْرِي ما في الغَيْب. فإذا كانَ حالُ العاشِقِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ نصيحةَ نَصيحِ الشَّيبِ الخالي عن التُّهَمةِ والعيب، فبِالْأَوْلَى أنْ لا يَقبل كلامَ أَهلِ المَلَامِ بلا كلام.
:وقيل: المراد باتّهام الشَّيب: حمل وقوعه على غيرِ أَوَانِهِ؛ لئَلَّا يَستَعِدَّ بما يجب في زمانه، كما يقولُ كهولُ الأَوْباش: إسراعُ الشَّيبِ مِن المِحَن. ومن كلامهم ا م: الشَّيب نُورُ الهموم، والمعنى: إنّي اتَّهِمْتُ النَّاصحَ الذي هو أَبْرأُ مِن كلِّ تُهمةٍ وأصدقُ مِن كُلِّ ناصح وهو الشيب، فإنَّه دليل انهزام القلب وانهدام القالبِ، فالسَّعِيدُ مَن يَتَّعِظُ بوعظهِ. قيل: نَظَرَ رجلٌ إلى شيبة في رأسهِ، فجمع نساءه فقال: انْدُبْنَني فقد ماتَ
بَعْضِي، وأنشد: إذا ما مات بعضُكَ فابْكِ بَعْضاً فبعض الشيء من بعض قريب
ثُمَّ عَلَّلَ انّهامَهُ للشَّيبِ مع بُعْدِهِ مِن الوقوع، فقال:
أَفضَى بي
13 - فإِنَّ أَمَارَتي بِالسُّوءِ مَا اتَّعَظَتْ من جهلها بنذيرِ الشَّيبِ والهَرَمِ الفاء للعطف على اتَّهَمْتُ مُفيدةٌ للتَّسَبُّبِ؛ أي: إذا اتَّهَمتُ نَصِيحَ الشَّيبِ الجهل إلى عَدَمِ الاتِّعاظِ مِن النَّذيرِ المُخْبِرِ بوصول الموتِ، وهو الشَّيبُ الكامل والهرم، فالنَّذير بمعنى المُنذِرِ، والإضافةُ مِن بابِ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوف، والهرمُ تَنَاهِي الشَّيبِ، والمنذِرُ بمعنى: المُخَوِّفِ بِقُربِ المَوتِ المُفوِّتِ للتَّوبة وسائرِ الطَّاعاتِ، و مِن جَهْلِها علَّةٌ لعَدَمِ الاتِّعَاظِ بما ذُكِرَ، وقيل: النَّذِيرُ بمعنى الإنذار مصدرٌ، وهو متعلق بالاتعاظ أو بالجهل.
واعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ - أعني القوَّةَ الحيوانية التي تَشْتَمِلُ على القوَّةِ المُدْرِكَةِ والمُحرِّكة - إذا لَمْ يكن لها طاعة القوَّةِ العاقلة مَلَكةً، كَانَتْ بمنزلة بهيمةٍ غيرِ مُرْتاضةٍ تَنْبَعِثُ إلى ما يَدْعوها إليه شهوتها وغضبها، وتستخدِمُ العاقلة، فيكونُ النَّفْسُ أَمَّارَةً والعاقله مؤتمرةً عن كره مُضطَرَّةً.
أمَّا إذا راضَتْها العاقلةُ ومَنَعَتها عن تلك الدَّعاوِي المختلفة، فإِنْ تَأَدَّبَتْ في خدمتِها، وتمرنتْ على طاعتها بحيث تأتمر بأمرها وتنتهي بنهيها، كانت العاقلة مطمئنة والنفسُ مؤتمرةً، وإِنْ أطاعَتْ تارةً وعَصَتْ أُخرى، فحينَ عَصَتْ تَتَّبِعُ هَوَاهَا، ثُمَّ تندمُ فَتَلومُ نَفْسَها فتكونُ لَوَّامَةً.
والأَخْصَرُ أنْ يُقال: الأمارةُ هي العاصيةُ، والمطمئنة هي المطيعة، والدَّوَّامة
هي المقتصدة المختلطة.
ثُمَّ عَطَفَ على مَا اتَّعَظَتْ قولَهُ:
14 ولا أَعَدَّتْ مِن الفِعْلِ الجَميلِ قِرَى ضيف أَلَمَّ برأسِي غيرَ مُحْتَشِمِ الفعل الجميل: هو ما اسْتَحْسَنَهُ الشَّرْعُ والطَّبْعُ، والقرى بكسر القافِ: الضّيافةُ، والمراد هنا: الأعمالُ الصَّالحةُ مِن التّوبة وغيرها، والإلمام: النزول، والاحتشام: الاسْتِحْياءُ مِن جهة الاحترام والتقييدُ بنَفْي الاحتشام إشارة إلى سُهولةِ قِرَاهُ عندَ الكرام، والتَّخصيصُ بالرَّأسِ لأَنَّه أَوَّلُ ما يبدو فيهِ الشَّيبُ، وإيماء إلى أنَّه جاء على رأسه بالغفلة.
وقيل: المرادُ أَنَّ الشَّيبَ غيرُ مُحتشِمٍ عِندَ النَّفْسِ لكراهَتِهَا إِيَّاهُ.
ولا أَعَدَّتْ عطفٌ على ما اتَّعَظَتْ عَطَّفَ الخاص على العام، فإِنَّ الاتِّعاظَ يكون بامتثالِ الأوامرِ واجْتِنابِ الزَّواجِرِ.
ويُمكنُ أنْ يُراد بالاتعاظ: الاجْتِنابُ، وبالإعداد: إتيان المحاسن، فالبيتُ الأَوَّلُ إشارةٌ إِلى أَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَنتَهِ بنَهْي العاقلة، والبيتُ الثَّاني إلى أَنَّهَا لَمْ تَأْتَمِرْ بِأَمْرِ الكَامِلةِ، فبانَ أَنَّها في العصيانِ غايةٌ، وفي الأمر بالطغيان نهايةٌ، وغير منصوب على الحاليَّةِ من ضمير 1 الم، يعني: أَنَّ النَّفْسَ الأَمَّارَةَ بالسُّوءِ لَمْ تَجْتَنِبُ عن السَّيِّئَاتِ وَلَمْ تَمتَثِلُ بالطَّاعات، حتّى إنَّها ما أَعَدَّتْ ضيافة ضيفٍ مُكرَّم محمول على الهام، نازل على فَرقِ الأنام، بلا طريق الاحتشام، وإكرامُ الضَّيفِ واجب عقلاً وثابت نقلاً، سيما إذا كان ذا شيبة، وجاءَ غَفْلَة، قال الله تعالى: {هَلْ أَنَنكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ [الذاريات: 24]، وقال: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضيفه وقال: «إِنَّ مِن إجلالِ اللهِ إكرامَ ذِي الشَّيبةِ المُسْلِمِ».
15 - لو كنتُ أَعْلَمُ أَنِّي ما أُوَقِّرُهُ كَنَمْتُ سِراً بَدَا لي منهُ بالكَتَمِ الكتم بفتحتين: نَبتُ يُخلط بالوَسْمة أو بالحِنَّاءِ ويُخْتَضَبُ به، والمراد بالسر: إنذارُ الشَّيبِ عن الغفلة، وتنبيهه على قُرْبِ الرّحلة؛ أي: لو كنتُ أَعلمُ أنِّي ما أُعظمُ الشَّيب الذي هو واجب الإكرام عندَ العُقلاء الكرام، بعد نزوله بي وظهوره عندي، وقبل ظهوره عند غيري، أخفيتُ أسرارَهُ وأَسْررتُ إظهاره، التي بَدَتْ على راسي، وظهرتْ على سَاسِي 2، من أثرِ الكِبَرِ وزوالِ الصَّغَرِ، بالكتم؛ أي: خَضَبْتُه حَتَّى لا أُنْسَبَ إلى الفَضيحة، وعَدَمِ سماعِ النَّصيحة، من لسان الحال، والحالُ أنَّه أبلغ من بيان القال.
16 - مَن لِي بِرَةٌ جِمَاحٍ مِن غَوَايَتِهَا كما يُرَدُّ جِمَاحُ الخَيْلِ باللُّجُمِ الجماح بكسر الجيم: جمع جَموح، شبَّهَ الأخلاق الذَّميمة بالدَّوابِّ الذَّميمة. وقيل: الجماح مصدر، فالرَّدُّ بمعنى الإزالة. و مِن غَوَايتها صفةٌ جماح؛ أي: ناشئة من ضلالتِها، والاستفهام للتَّضرع، والاستعانة بغيره، والاستعطاف لنَفْسه.
والمعنى: مَن يَتكفَّلُ لي بتبديلِ الصِّفاتِ الرَّديَّة، والأخلاقِ الدَّنيَّة، الحادثة مِن النَّفْسِ الأمارة، المَكَارِةِ الغَدَّارة، بتأديبها وتحصيل الأحوال الجميلة، والمقاماتِ الجليلة، كما تُبدَّلُ الحركاتُ الغَيْرُ المَرْضِيَّة، للخيول الغَيْرِ المَهْدِيَّة، باللُّجُمِ المشبَّهة بالمواعظ السَّنية.
قال عصامُ الدِّين: وتشبيه النَّفْسِ بالفَرَسِ مَأخوذُ مِن لسانِ الشَّرِعِ: «نَفْسُكَ
مَطِيَّتُكَ فارْفُق بها».
قيل: مقصوده: مُرشد كامل، وهو العالِمُ العامِل، فاسْتَشْعَرَ قائلاً غيبياً يقولُ:
?? - فلاترم بالمعاصي كسر شهوتها إنَّ الطَّعَامَ يُقَوِّي شَهْوَة النَّهم النَّهَمُ بفتح الهاء: إفراطُ الشَّهوةِ في الطَّعامِ، وبكَسْرِها صفةٌ منه.
والمعنى: إِذا أَرَدْتَ ردَّ الحِمَاح؛ لإرادةِ التَّخلُّص مِن الجُنَاحِ، فلا تَطْلُبْ كسر شهوةِ النَّفْسِ بالمناهي، ولا حَسْمَ نَشْواتِها بالملاهي، يعني: لا تَظُنُّ أَنَّكَ إِذا شَبَّعْتَها بمقصوداتِها امْتَنَعَتْ عن مَضَرَّاتها، فإنَّ الحرص يزداد بوجدانِ ما ابْتَغَاه، والطَّبْعَ يَتقوَّى بما يُلائِمُ مُقْتَضاه، كمَن ابتلي بالمعدة النَّارِيَّة، أو الجوعةِ البَقَريَّة، فإنَّه يزداد قوة مرضه بالأكل كالبهائم، والمُسْتَسْقِي يزيدُ عطشُه بالشرب الدائم، فالمعاصِي تَزيدُ شهوتها ولا تَنْقُصُها، وتُفْسِدُها ولا تُصْلِحُها، المشهور بينَ أطباء الأرواح: أنَّ معالجةَ النَّفس بالتّخليَةِ والتَّحلية، كما أنَّ المعروف بين أطباء الأشباح: أَنَّ المداواة بالتَّقِيَّةِ والتَّقْوية. فالحاصل: أنْ ليس لها دواء إلا الاحْتِمَاء، فإنَّ لها بحُبِّ المألوفِ ابتلاء، ويدلُّ عليه قوله:
18 - والنَّفْسُ كَالطَّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى حُبُّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
شب الصبيُّ: بَلَغَ الشباب، والرّضاع بكسر الراء وفتحها.
والمعنى: مَثَلُ النَّفْسِ في الاستمرار على المُستَلَذَّاتِ المُضِرَّةِ حالَ إهمالها، والانزجار عنها عند إعمالها، مَثَلُ الطِّفْلِ الرّضيع: إِنْ تَرَكْتُه على الرضاع، ينشأ على حبه بحُكْمِ الطباع، فيَرضعُ في غير أوانِهِ، ويَفْسُدُ مِزَاجِهُ بالأخلاطِ الرَّدِيَّةِ في زمانِهِ،
وإِنْ تَفْطِمه بتنفيرها عن اللذي بالحِيَل، وتأنيسه بلذيذ الأطعمة على المَهَل يَنْفَطِمْ وفي سلك الخيرِ يَنْتَظِمْ، وَنِعْمَ ما قال مَن قال:
النَّفْسُ رَاغِبةٌ إِذا رَغَبْتَها وإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقْنَعُ ?? - فاصْرِفْ هَوَاهَا وَحاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَهُ إِنَّ الهَوَى مَا تَوَلَّى يُصْمِ أَو يَصِمِ صَرَفَه: مَنَعَه، وقيل: صَرَفَهُ: غَيَّره. والهوَى: مَيَلانُ النَّفْسِ إِلَى مَا تَسْتَلِنُّه مِن غير داعية الهُدَى، و حاذِرْ مبالغةُ احْذَرْ، فإنَّ المُفاعَلَة إذا لم تكن للمُغالبة فهي للمبالغة، ولذا قيل: معناه: احْذَرُ احْذَرُ.
وولاه: جَعَله والياً، وقلَّده الوِلايةَ، وتَوَلَّى الأمرَ: تَقَلَّده والتزمه وصار والياً عليه،
و ما شرطيّةٌ زَمَانِيَّةٌ أو عُمُوميَّةٌ، وقيل: موصولةٌ، وصححه العصامي. أَرْمَى الصَّيدَ: قتله في مكانه الذي ضربه فيهِ، وَوَصَمهُ: جَعَلَهُ ذا.
وبينَ يُصْمِ ويصم تجنيس خطي، وهو صنيعٌ بَدِيعي. والمعنى: إذا عَرَفْتَ أَنَّ النَّفْسَ منبع للمفاسد العِظام، وهي قابلة لقطعها عنها بالفطام، فامْنَعْها عن هَواها، وغيّرها عن مُشْتَهاها، واحْذَرْ كل الحذر أن تجعل الهوَى أميراً على مملكة عَقْلِكَ وحِصْنِ قلبكَ، فإنَّه داع إلى الضَّلالة والخسارة، غير صالح للحكومة والإمارة؛ لأنَّ الهوَى إذا استولى وخالف المولى، يُهلك في الحال بسوء المال، أو يَعِيبُكَ بالإضلال بقبيح الأعمال، وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26]، فَإِنَّهُ إِنْ أُريد بنسيان يوم القيامةِ عدم الاعتقاد بحقيقته فهو ضلالةٌ حقيقية، وإنْ أُريدَ به عدم العمل بمقتضاه فهو ضلالةٌ إضافية.
ولمَّا فَرَغَ عن بيانِ قابليَّةِ النَّفْسِ بالتربيّةِ، شَرَعَ في بيانِ التَّحْلِيَةِ المتقدِّمةِ على التحلية، ومن المعلومِ أنَّ رياضةَ النَّفْسِ مَنْعُها هواها، وجَبْرُها على طاعةِ مَوْلاها، والأوّل زهد وتبر، والثاني عبادة وتولّ، ولذا قال:
?? - وراعها وهي في الأعمال سائِمَةٌ وإن هي اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِمِ المراعاة: المراقبة، وسامَتِ الماشيةُ: إذا رَعَتْ، والإسامة: إخراجها إلى المَرْعَى، واستَحْلَى الشَّيء: عدَّهُ حُلُواً، وأرادَ بالأعمال: الصَّالِحاتِ، فكأَنَّ السَّيِّئَاتِ لخُلُوها عن النَّفْعِ ليست بأعمال، وبالسَّوْمِ فيها: الاشْتِغالَ بها، وبالمَرْعَى: النَّوَافِلَ لا الواجبات والمُسْتحَيَّات، فإنَّهما لا يَسْتوجِبانِ التَّرْكَ بِالاسْتَحْلاءِ. والمعنى: راعِ النَّفْسَ وراقبها حالَ اشتغالها بصالِحٍ أعمالها، فَضْلاً أحوالها، وازْجُرْها إذا عَمِلَتْ بالنَّوافل على طريق العادَةِ الإِلْفِيَّة، مِن غيرِ إخلاص نيَّة، و حضورِ طَوِيَّة، فإنَّ العادة غيرُ العِبادة، ولذا قيل: الإرادة ترك العادة.
:وقيل: المعنى راقبِ النَّفْسَ في أثناء العبادة، حتّى لا تَجْرِيَ مَجْرَى العادة، بتَرْكِ أركانها وشرائطها، وسُنَنِها وآدابها، أو لا تَفْسُدَ بمُفسِداتِها الدَّاخِلة فيها والخارجة منها؛ مِن العُجْبِ والرِّياء، والغُرورِ والخُيَلاء، واستجلابِ حُطامِ الدُّنيا، وإِنِ اكْتَفتِ النَّفْسُ بظاهر عبادَتِها، ولَمْ تُبالِ بفسادِ صُورتها، أو معناها ومَرْتَبَتِها، فَازْجُرُها فَإِنَّها ليستْ بعبادة، بل هي مَحْضُ عادة، ولهذا المعنى قيل: صاحبُ الوِردِ ملعون.
ويمكنُ أنْ يُجعل هذا البيتُ خِطاباً للعارِفِ الذي يفهم المعارف، ويُقالَ: اعْمَل صالحاً ولا تُلاحِظُ في عملِكَ؛ لتَحْظَى بالوصول إلى أَمَلِك، وإِنْ تَبَجَّحَتِ النَّفْسُ بتزينها بزينة الأعمال، أو تعجبتْ بحِلْيَةِ الأحوال، فازْجُرْها فإِنَّ وراء الأعمال والأحوالِ حصول الكَمَال، وهو حقيقةُ الوِصال، رَزَقَنَا اللهُ المهيمِنُ المُتَعَال.
?? - كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةٌ للمَرْءِ قاتِلَةٌ من حيثُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ السَّم في الدَّسَمِ تعليل لقوله: فلا تُسم، وكَمْ خبَريَّةٌ منصوبةُ المَحَلِّ على المصدرِيَّةِ أو الظَّرْفِيَّةِ؛ أي: كثيراً مِن التَّحسينات أو المَرَّات، وهي متعلقة بـ حَسَّنَتْ أو لَذَّةٌ على سبيلِ التَّنازُع، أو قاتلة. و حيثُ في الأصل بمعنى المكان، فاستُعيرَ في مَقامِ التَّعليل بمعنى الجهةِ. و السم بتثليث السِّينِ، لكنَّ الرواية هنا بالفتح للمُناسَبةِ، ومعنى حَسَّنهُ: جَعَلَهُ حَسَناً، أو: نَسَبهُ إِلَى الحُسْنِ، والمَرْءِ مفعولُ قاتِلَةٌ، واللَّام للتَّقوِيَةِ. والمعنى: إِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ غَدَّارَةٌ خَدَّاعَةٌ مَكَارَةٌ، فكثيراً ما خَدَعتِ المرءَ، وحسَّنَتْ في باصِرَتهِ ما يُفسِدُ فِطرة بَهْجَتِهِ، فَانْخَدَعَ بخُرافاتها، واسْتَحْسَنَ المُهْلِكاتِ مِن آفَاتِها، فانْصَرَعَ فَجْأَة؛ لتَناوُلِ سُمِّها فَلْتَة، إذ للَّهُ الدَّسَم، أَخْفَتْ طَعْمَ السَّم، فلَمْ يَدْرِ ضُرَّهُ، وصادَفَ شَرَّهُ، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا} [الكهف: 104].
وفي البيت لطيفةٌ؛ وهي: أنَّ لفظ سَمٌ مذكور في الدَّسَم، كما قيل في قوله عليه السلام: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِن سَقَر»، يعني: بزيادة نقطة في سَقَر، أو بزيادة القافِ على الفاء بحسابِ الجُمَّلِ، وإِلَّا فمعناه: أنَّ السَّفَرَ نوعُ عَذَابٍ مِن أنواعِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّ مِن جملة أنواعِها الصَّعود، وهو جبل عظيمٌ مِن نارٍ يُكَلِّفُ الجَهَنَّمِيُّ بالطَّلوعِ والنُّزُولِ منضماً إلى بقيَّة أنواع العقاب، وبهذه المعاني يظهرُ أنَّ عكسَهُ لا يُفيدُ هذه الإفادَةً، وإِنْ كان يُفيدُ نوع مُبالغةٍ غيرِ مُطابِقةٍ في الخارج بحسَب العادة، ونظيره: العِيَادةُ أفضلُ مِن العِبادة، والله أعلم. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ النَّفْسَ كما تُراعَى في العِبادات، كذلكَ تُراقَبُ ولا تُلاحَظُ في
المُباحات، التي لا بدَّ للسَّالك منها في الحالات، فقال:
?? - واخْشَ الدَّسَائِسَ مِن جوعِ ومِن شِبَعٍ فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِن النُّخَمِ أي: اتَّقِ المكائِدَ الخبيثة والرذائلَ الخَفِيَّة الحاصلةَ مِن الجوعِ والشَّبَعِ مَثَلاً، فَإِنَّ في معناهما السَّهر، والنوم، والسُّكوتَ، والكلام، والعزلة، والخلطة، والفقر، والغِنَى، والعزوبة، والتّزوج، ففي كلِّ مَنافِعُ ومَضَرَّات، وفوائدُ وبَلِيَّات، فكثرة الأكل والشُّربِ تُوْرِثُ المَصائبَ في الدُّنيا والمَعائب في العُقْبَى، فإِنَّها جالبةٌ لأدواء الجسدِ الذي هو مَرْكَبَ رُوحِ السَّالِك، ولخَسارةِ النَّفْسِ وإيقاعِها في المَهالِك1، وبها تَحدُثُ كثرةُ النَّومِ المُقْتضيَّةُ للكسل، وتضييع العُمرِ وقَسَاوةِ القلبِ وغَفْلَتِهِ وَمَوتِهِ بطولِ الأمل، وقلَّةُ الأكل والشُّربِ سبب لحِدَّةِ المِزَاج، وسوء الخُلُقِ بلا عِلاج، وذُبول النَّفْسِ والمَلَال، والكَلَالِ في تحصيل الكمال، فعليك في الاغْتِذاء بالاعتدال، فإنَّ الأطراف رذائل والأوساط فضائل، وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: ??]، ونِعْمَ ما قال من قال: جَمَعَ اللهُ الطَّبَّ - أي: الصُّورِيَّ والمعنوي ـ في نصف الآية.
وإِنَّما قال: فَرُبَّ مَخْمَصةٍ؛ أي: شدَّةَ مَجاعةٍ شرٌّ مِن التُّخَمِ: جمعُ تُخَمةٍ، وهي عدم انهضامِ الطَّعام في المَعِدة، مع اشتعاله على صاحبهِ وتَعَفَّنِهِ فيها وإيذائه، والمراد: شدَّةُ الشَّبَعِ، فإنَّ العرب والحكماء تتمادَحُ بقلَّةِ الأكلِ والشُّربِ وتَتَذَامُّ بكثرتهِ؛ لأنَّ قلتَهُما دليلٌ على القناعة ومِلْكِ النَّفْسِ وقَمْعِ الشَّهوة، وسبب للصحة، وباعث لصفاء الخاطرِ وحِدَّةِ الذَّهْنِ، وكثرتهما دليلٌ على الحرص والشِّدَّةِ وغَلَبَةِ الشَّهوة وغيرها مما تقدَّمَ.
فيتوهم في بادئ الرأي أن الجوع لا يكون فيه شر، ثم بدقة النظر يُعرف أن فيه شروراً أيضاً، فَدَفَعَ الوَهْمَ، وأزالَهُ، وقرَّرَ الحق وأَجْلَى حالَهُ، ورُبَّ للتَّقليل، وقد يكون للتكثير.
ثُمَّ قال تحريضاً على التّوبة، وتحضيضاً على الأَوْبة:
?? - واسْتَفْرِعِ الدَّمْعَ مِن عين قد امْتَلاتُ مِن المَحَارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَّدَمِ - الاستفراغ في علم الطب: علاج الامتلاء، والحِمْيَةُ بمعنى الاحْتِمَاء، والإضافةُ بيانية؛ أي: الاحتماء الذي هو النَّدَمُ، وقيل: بمعنَى مِن؛ أي: الاحْتِمَاءَ الحاصل من النَّدَمِ النَّاشِئَ منه. والمَحَارِم: جمعُ مَحْرَمِ بمعنَى حرام، وامتلاء العين من المحارم كناية عن ارتكاب كثرة المَنَاهِي، والالْتِذاذ بالشَّهَواتِ والمَلاهي.
والمعنى: إن كانتِ امتلاتْ مَعِدَتُكَ المعنوية، بالأخلاط الفاسدةِ الرَّدِيَّة، فَفَرِّغْ عن مدخل عينك الحسيَّة، دمعَ النَّدامةِ لارتكاب الأمورِ المَنْهيَّة، ثُمَّ الْتَزِمِ الاحْتِمَاءَ الذي هو النَّدَمُ، فإنَّه الأصل في التّوبة، وعليهِ المَدَارُ في الأَوْبة، ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «النَّدَمُ تَوبة»، كما قال: «الحجُ عَرَفة، وإنْ كان لكل منهما أركان أُخَرُ، وكلٌّ منهما في حقيقة كلّ منهما مُعْتبر؛ لأنَّ النَّدَامَةَ إِذا حَصَلَتْ تَستَلِزِمُ بقيَّةَ أركانِ التَّوبة غالباً؛ مِن قَلْعِ المعصية في الحال، ومن العزم على عَدَمِ العَوْدِ في الاستقبال، وما يَتْبعُها مِن أداءِ حُقوقِ الملكِ المُتعال، ومن قضاء حقوقِ العِبَاد ولو بالاستخلال.
وفي البيتِ إشارة إلى أنَّ صَبَّ العَبَراتِ يضعُ السَّيِّئات ويَرفعُ الدَّرَجات، وإيماء إلى قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَنكُوا كَثِيرًا} [التوبة: ??]، وفي 1 قوله
تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} [الرحمن: 50] لمن له اليوم عينان بالدمع تجريان، وما أحسن من قال من أرباب الحال وكيف ترى ليلى بعين ترى بها سواها وما طَهَّرْتَها بالمَدَامِعِ
وقال آخر:
طهرِ العَيْنَ بالمَدَامِعَ سَبْعاً من شهودِ السِّوَى تَزُل كُل عِله
ثم قال مشيراً إلى مَقامِ المُجاهَدَة؛ للوصول إلى مَرْتبَةِ المُشَاهَدة:
24 - وخالفِ النَّفْسَ والشَّيطانَ وَاعْصِهِما وإن هما مَحْضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِم يعني: قد عَرَفْتَ وُلُوعَ النَّفْسِ في هَوَاهَا، وحِرْصَها ومُبَالَغَتَها فِي مُشْتَهاها، ولها مُعِينٌ يَحثُها على تحصيل مُراداتها، ويُزينُ لها مقصوداتها، وهو الشَّيطانُ، الذي له على غيرِ التَّائبِ سلطان، فهُما عَدُوَّاك فيما أَمَراكَ ونَهَياك، وأَعْدَى عَدُوَّيك: نَفْسُكَ التي بين جنبيك، فإنَّ اللصّ الدَّاخِلَ بداءٍ عُضال، لا يُمْكِنُ الاحْتِرازُ عنه بحال، ولأنَّها عدو محبوب، وعيب المحبوبِ مستورٌ ومَحْجوب، ففي الحديثِ: «حبُّكَ الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ، وقال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا ولأنَّها المَطِيَّةُ في الوصول إلى مقام حصول المأمول، فلا يُمْكِنُ مخالفتها بالمرَّةِ وإلَّا تُذِلُّكَ، ولا مُوافَقَتُها فتُضِلَّكَ، فَإِنْ سَمَّنْتَهَا تَأْكُلُكَ، وَإِنْ جرَّعْتَها تَخْذُلْكَ، فعليك بالاعتدال؛ لتُوْصِلكَ إلى منزلِ الوِصال، وأمَّا الشَّيطانُ فعدو لا صُلْحَ معه؛ إذ هو مجبول على عداوتك، وموكول إلى ضلالتِك، فتَشَمَّرْ لمُحارَبتِهِ، واجْتَهِد في مُخالفته، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].
قال بعضُهم: اسْتَعِذْ بِاللهِ مِن شَرِّهِ، فإِنَّهُ كلبٌ سُلّط عليك، فارْجِعْ إلى ربِّه، فإِنَّه تعالى قادر على صَرفه ومنعه.
وقال بعضهم: جاهِدٌ وحارب.
وقال الغزالي: اجْمَعْ بينهما، فإنْ نَجوْتَ بالاستعاذة فيها، وإِنْ تَغَلَّبَ عليكَ فجاهد بعون ربها.
يعني: خالِفُهُما في أمرهما واعْصِهِما في نَهْيِهِما، وإِنْ أَتَبَاكَ بِمحْضِ النُّصْحِ صورةً فانسبهما إلى الغدر والخيانة، والمكر والحيلة، قال تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]، وقال تعالى: {الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268].
واسمع حكايتين لطيفتين روايتين ظريفتين:
إحداهما: حكاها المَوْلوِيُّ الرُّومِيُّ في كتابه «المثنوي المعنوي: أنَّ معاويةَ خال المؤمنينَ كانَ نائماً عندَ الصَّباح، فجاءَ الشَّيطانُ وقال: حَيَّ عَلى الفَلَاحِ، فَفَطِنَ معاويةُ لمَكْرهِ وغَدْره في ظهوره وأَمْرهِ، فقال: أنتَ ما تأمُرُ إلَّا بالمعصية، فكيف أَمْرُكَ لي بالطَّاعة؟! فتعلَّلَ بعِلَلِ لَمْ يَلتفِتْ إليها، ولا يُمكنُ أنْ يُقر العاقل عليها، فقال معاوية: لا بدَّ لك من إظهارِ سبب هذا الأمر العجيب، فإِنَّه مِنْ مُثلِكَ غريبٌ أَيُّ غَرِيب! فقال: نَعَمْ، فاتَكَ الصُّبحُ يوماً من الأيام، بسبب المَنامِ عن صلاة الجماعة مع سيد الأنام، فندِمْتَ على ما فات، وتحسّرْت عليه في الأوقات، فكُتِبَ لكَ أضعاف ما كنتَ تَلحَقهُ مِن الطَّاعات، فخِفْتُ أنْ تنامَ عن الصَّلاةِ مَرَّةً أُخرى، فيَحْصُلَ لك زيادة المثوبة في الأُخرى.
وثانيتهما: ما ذكره الغزالي في «منهاج العابدين»: لقد بَلَغَنا عن بعض الصَّالحين يقال له: أحمدُ بنُ أَرْقَمَ البَلْخِيُّ، أَنَّه قال: نازَعَتْني نَفْسي بالخروج إلى الغزو، فقلتُ: سُبحانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ تعالى يقول: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةٌ بِالسُّوء} [يوسف: 53] وهذه تأمرني بالخير، فلا تكون هذه أبداً، ولكنَّها استَوْحَشَتْ فتريدُ لقاءَ النَّاسِ لتَسْتَرُوحَ إليهم، ويَتَسامعَ النَّاسُ بها فيستقبلونها بالتَّعظيم، والبر والتكريم، فقلتُ لها: لا أُنْزِلُكِ العُمْرانَ، ولا أُنْزِلُكِ على ذي مَعْرفةٍ، فأجابَتْ، فَأَسَأْتُ الظَّنَّ بها وقُلْتُ: الله تعالى أصدقُ، فَقَلْتُ لها: أُقاتِلُ العدو حاسِراً - أي: بلا سلاح - فتكونينَ مِن أوَّلِ قتيل،
فأجابَتْ، فَأَسَأْتُ الظَّنَّ بها ... وعَدَّدَ أشياء ممَّا أرادَها، فأجابَتْ إلى ذلك كله. قال: فقُلْتُ: يا ربِّ! نبهني لها فإنِّي مُتَهم لها ومُصدِّقٌ لك، فكُوشِفْتُ كأَنَّها تقول: يا أحمد! أنتَ تقتلني كلَّ يومٍ بمنعِكَ إِيَّايَ مِن شَهَواتِي مَرَّاتٍ، وبمخالَفَتِكَ لي
ولا يَشْعُرُ به أحدٌ، فإنْ قاتَلْتَ قُتِلْتُ مَرَّةً واحدةً فنَجَوْتُ مِنكَ، وَيَتَسامَعُ النَّاسُ فيُقالُ:
استُشْهِدَ أحمد، ويكون لي شرفٌ وذِكْرٌ.
قال: فقعدتُ ولَمْ أَخرج إلى الغزو في ذلك العام.
فانْظُرْ إلى خِداعِ النَّفْسِ وغُرورِها تُرَائي النَّاسَ بعد الموتِ بعمل لَمْ يكن بعد،
ولقد أَحْسَنَ مَن قال:
تَوَقَّ نَفْسَكَ لا تَأْمَنْ غَوَائِلَها فالنَّفْسُ أخبثُ مِن سَبعينَ شيطاناً ولهذا قدَّمَها عليهِ ثُمَّ أَكَّد الأمرَ السَّابق، فقال:
25 - ولا تُطِعْ منهما خصماً ولا حكماً فأنتَ تَعرِفُ كيدَ الخَصْمِ والحَكَمِ منهما حالٌ مِن المفعول، والضَّميرُ للنَّفْسِ والشَّيطان، والفاء تعليليَّة، وفي نسخة بالواو والجملة حالية، واللام للعهد الخارجي، كذا قيل، والأظهر أنَّها للجنس، والخَصْمُ مَن يَظهرُ كونُه مِن جهتهما، ويُروِّجُ لَبَهْرجَتِهما، والحَكَمُ مَن يُبطِنُ ذلك، ويَستَدْرِجُ ليُوْقِعَ في المَهالِك.
والمعنى: لا تُطِعْ أحداً تَعْرِفُ كونَهُ مِن جهةِ النَّفْسِ والشَّيطان، خَصْماً كانَ أو حَكَماً، مِثْلَ المُبْتَدِعةِ المُظْهِرةِ والفَسَقةِ المُتَسيّرة، فإِنَّ قولَ كُلِّ مَكْرُ وتلبيس، وفِعْلَه
كيدٌ وتَدْليس، فَإِنَّ مُحِبَّ العدو عدو، ومُبْغِضَ الحبيبِ إبليس، قال الشَّاعرُ: تَوَدُّ عَدُوّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني صديقك ليس النَّوْكُ عنكَ بعازِبٍ أي: ليس الحماقة عنك ببعيد عند القريب والبعيد.
قد يقال: أهو الذي خالف نفسه بتركه الجهاد في ذلك العام، أم هي التي خدعته بمنعه من أمر يعد من أعظم القربات إلى الله؟
وفي البيت إيماء إلى قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْكَفُورًا} [الإنسان: 24]، أو إشارة إلى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». ولما رأى العاقل الصَّادق، الناصح للعاشق، أنَّه بنَفْسه متلون بالمناهي، ومُتلبس بالملاهي، وقد قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَب أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وقال تعالى: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3]، والأمر بالمعروفِ من غير العامِلِ وإِنْ كان حَسَنةٌ، لكنَّه بحسَبِ العُرفِ الظَّاهِرِ سيئة = أناب إلى الله، وتاب عما سواه، وقال:
26 - أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن قولٍ بلا عَمَلٍ لقد نَسَبْتُ بِهِ نَسْلاً لِذِي عُقُمِ النَّسْلُ: الولد، والعَقَمُ - كالفَرَسِ - والعُقْمُ: عَدَمُ النَّسْلِ، يريدُ أَنَّ نِسبَةَ الولدِ إِلَى مَن ليس له ولدٌ زُورٌ وبَهْت، فكذا نسبةُ الفضلِ والعَمَلِ إلى غيرِ أَهلِهِما كَذِبُ بَحْت. وبيانه: أنَّ ظاهر حالِ الآمِرِ أَنَّه مُؤْتَمِرٌ، فكأَنَّه نَسَبَ إِلى نَفْسِهِ أَنَّه بالعملِ مُتأَثَّرُ، أو كأَنَّهُ ادَّعَى أنَّ هذا الحال ثابت له على هذا المنوال، والحالُ أَنَّ فِعالَهُ تُخالِفُ الأقوال، فيكون كاذباً فيما ادَّعاهُ مِن المقال.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ قولهُ بلا عَمَل، وأمرَهُ لغيرِه لا يَخْلُو عن زَلَل، فقال:
?? - أَمَرْتُكَ الخير لكن ما اثْتَمَرْتُ به وما اسْتَقَمْتُ فما قولي لكَ اسْتَقِمِ ما في الأوَّلَيْنِ نافية، وفي الثَّالث استفهاميَّةٌ، والخير منصوب بنَزْعِ الخافِضِ، كذا قاله أكثرُ الشُّرَّاحِ، ويَدلُّ عليه قول البيضاوي في قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 104] مِن أنَّ حذف الجار من أن يجوز أنْ يكونَ مِن المطَّردِ مع أنَّ و أن، وأنْ يكونَ مِن غيره؛ كقوله:
أَمَرْتُكَ الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بهِ
وقال المحلّيُّ: أمر يتعدى إلى اثنين، ثانيهما بنفسه تارةً وبالباء أُخرى، والاستعمالان في البيت، انتهى. وكأنَّهُ نَظَرَ إلى ظاهر الاستعمال، والله أعلم بالحال، وعَنَى أَنَّهُ يُستعمَلُ تارةً بحذف الباء وتارةً بإثباتها.
والمراد بالأمر: ما يَعُمُّ الأمر والنهي، والخيرُ: ما له عاقبة حميدة، والاستقامة:
النَّباتُ، والإقامة على الطَّاعةِ والعبادة، وامتثالِ الأوامر واجتنابِ الزَّواجِرِ. يعني: هذا القولُ مِنِّي ليس له حقيقةٌ، وإنَّما هو مجرَّدُ صورة، وحينئذ لا يكون له تأثير ونفع كبير، ولذا قيل: عِظْ نَفْسَكَ، فإنِ اتَّعَظْتَ فِعِظِ النَّاسَ، وَإِلَّا فَاسْتَحِ. ويقالُ: طبيب يُداوِي النَّاسَ وهو مريضُ
?? - ولا تَزَوَّدْتُ قَبْلَ المَوتِ نافِلَةً ولَمْ أُصَلُّ سِوَى فَرْضِ وَلَمْ أَصُمِ التَّزود: طَلَبُ الزَّادِ وأَخْذُه عندَ التَّوجُهِ إلى المراد، قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: ???]، وفيه إشارة إلى أنَّ الدُّنيا مَعْبَرة، والنَّاسُ عليها عبرة، وأكثرهم بلا عِبرة، فلا بدَّ مِن تحصيلِ الزَّادِ ليَصِلَ السَّالك المريدُ إلى المُرادِ. والنافلة في اللُّغةِ مُطْلَقاً: الزّيادة، وفي الاصْطِلاح: الطَّاعاتُ الزَّائدة علىلفَرائِضِ والسُّنَنِ المؤكَّدة، فكما أنَّ الزَّادَ وُصْلةٌ إلى قُرْبِ المَقْصِدِ فِي السَّفْرِ الدُّنْيوي، فكذا النَّافلةُ وسيلة إلى حيثُ المقصود الأصلي في السير المعنوي، ففي الحديث القدسي: «لا يزال العبد يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّه، فإِذا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ ... وبَصَرَهُ ... الحديثَ.
والمعنى: ما جَعَلتُ شيئاً مِن النوافل زادَ السَّفرِ قبل الموتِ، ولا تَهيَّاتُ للوصول إلى مراتب الكمال قبل الفَوْتِ واقتَصَرْتُ مِن قُصورِ هِمَّتي على فرضِ الصَّلاةِ والصِّيام، وما قُمْتُ بحقِّ العُبوديَّةِ حَقَّ القِيَام، بزيادةِ النَّوافل في الليالي والأيام. ثُمَّ انْتَقَلَ مِن التشبيب إلى مَدْحِ الحبيب، فقال بلا وَصْلِ عَطْفٍ، مُشيراً
إلى فَصْلِ لُطْفِ:
?? - ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَن أَحْيَا الظَّلامَ إِلى أَنِ اشْتَكَتْ قَدَمَاهُ الضُّرَّ مِن وَرَمِ الظُّلمُ: وضعُ الشَّيء في غير موضعه، والمراد منه هنا: التَّركُ. والسُّنة: الطَّريقةُ المَرْضِيَّةُ والظَّلامُ: ذَهابُ النُّورِ، يُرادُ بِه اللَّيْلُ بِذِكْرِ اللَّازِمِ وإرادةِ الملزومِ، وإخاؤُه: تركُ النَّومِ مُشتغلاً بنوع عبادة فيه، فإنَّ النَّومَ أَخُو الموتِ، واليقظة كالحياةِ، والإيقاظ كالإحياء، فتنبيه النَّفْسِ من النومِ كإحيائها، وفي الحديثِ: «الحمد لله الذي أَحْيانَا بعدَما أَمَاتَنا.
والمراد من شكايَةِ القَدَمينِ المكرمينِ: دَلَالَتُهُما على الوَجَعِ النَّاشئ مِن العَوَارض البشريَّةِ والأمورِ الحِرِّيَّةِ، وأمَّا الرُّوحُ فكانَتْ مُتَلذّذة بالراحة المعنوية، ومطمئنة بالحالاتِ والمقاماتِ الأُنسيَّةِ القُدسية، والعبرة بالأحوال الباطنية، لا بالأعضاء الظاهرية، ولذا قال: «ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَضِ، إِنَّمَا الغِنَى غِنَى النَّفْسِ».
و الضُّر بالضَّمِّ ويُفتح، منصوب بنزع الخافض؛ أي: مِن الضُّر الكائن من جهة الوَرَمِ. والمعنى: تركتُ سُنَّةَ مَن أَحْيا الليالي بذكر الله تعالى ومناجاته، والقيامِ بأنواع طاعاته، حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَماه، ولا يترك عبادة مولاه، فقيل له: أتتكلَّف هذا وقد غُفِرَ لكَ ما تقدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّر؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً»، رواه البخاري ومسلم.
فإذا كان صلى الله تعالى عليه وسلم مع عُلُوّ حالهِ ورِفْعَةِ كمالهِ قامَ بهذا المقام، وصلَّى والنَّاسُ نِيَام، فكيف يَصْلُحُ لسائرِ الأَنامِ، أَنْ يَرقدوا طُولَ اللَّيالي كالأنعام، وقد قيل: للعابِدِ في اللَّيلِ أَجْرانِ على الطَّاعة: أَجْرُ تَرْكِ النَّومِ والرَّاحِةِ، وأجر لتَحَمُّل العبادة.
ولمَّا ذَكَرَ عبادته صلى الله تعالى عليه وسلم، التي هي الوسيلة إلى الدرجاتِ العُلْيا في العُقْبَى، أشار إلى مَقامِ زُهْدِهِ في الدُّنيا، واختيار الرياضةِ في مَرْضاةِ المَوْلَى، وقال:
?? - وشَدَّ مِن سَغَبٍ أَحشَاءَهُ وطَوَى تَحْتَ الحِجَارَةِ كَشْحاً مُتْرَفَ الأَدَمِ شَدَّ عطفٌ على أَحْيا، ومِنْ سَبيَّةُ، والسَّغَبُ بفتحتين: الجوع، والحشا:
القلبُ وما أحاط به الجَوفُ، وحَشَا البَطْنِ: أَمْعاؤُه، والجمعُ: أحشاء. وطَوَاه: لقَّهُ، والكَشْحُ: الخَصْرُ، وهو مفعولُ طَوَى. والمُتْرَفُ اسم مفعول بمعنَى: المُفْرِطُ في النُّعومة. والأَدَم بفتحتين: جمعُ الأَديمِ، وهو الجِلْدُ. يعني: تركتُ طريقة من ارْتاضَ بالجوع حتّى احتاجَ إِلى شَدَّ أَحشائِهِ، ورَبْطِ أضلاعه من أعضائه، وقد رَبَطَ الحجر على خصره الناعم ليستعينَ بثِقَل الحجر على خِفَّةِ الأخشاء، ويستريح ببردِهِ مِن حرارة باطن الأعضاء، مع أَنَّه سَيِّدُ الأَنْبِيَاء، وسَنَدُ الأَوْلِيَاء؛ لاختيارِ المَوْلَى له الفقر على الغِنَى، فإنَّه أَوْلَى لسلوكِ طريقِ العُقْبَى، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَوَاهُ اسْتَغْنَ} [العلق: 6].
وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كُفراً، مع نُدرتِه، إشارة إلى كمالِ مَشَقَّتِه، وعَدَمِ تحمل كل أحد على مرارته، ولذا قال صلى الله تعالى
عليه وسلم: «أشدُّ النَّاس بلاء الأنبياءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ مِن الأَصْفِيَاء. وشَدُّه الحجر على بطنه من الجوع وقع له في حفر الخندق، رواه البخاري عن جابر.
ورَوَى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: جِئْتُ رسولَ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يوماً فوَجَدْتُه جالساً مع أصحابه يحدِّثُهم وقد عَصَّبَ بطنَهُ بعصابة، [فقُلْتُ لبعض أصحابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَطْنَهُ؟] فقالوا: من الجوع. نقله المحلي.
ولما كان في البيت الأوَّلِ إشارة إلى صلاته وعبادته، وفي هذا البيتِ إيماء إلى صومه ورياضته، وقد يَتَوهَّمُ مُتوهّمٌ مِن العَوَامَ أَنَّ رياضتَهُ كانَتِ اضْطِراريَّة، وعند الخواص تُعتبرُ الرِّياضةُ الاختياريَّة، أزالَ ذلكَ المَقالَ، فقال:
?? - ورَاوَدَتْهُ الجِبَالُ الشُّمُّ مِن ذَهَبٍ عن نَفْسِهِ فَأَرَاهَا أَيْمَا شَمَمِ المُراوَدَةُ: المُطالَبَةُ، والمُفاعَلَةُ إذا لم تَكُنْ للمُغالَبة فهي للمُبالَغةِ، والشُّم: جمعُ الأَشَمِّ، والشَّمَمُ: الارْتِفاعُ، ومِن ذهب صفةٌ أو حال، وأَيَّما شَمَم؛ أي: شديد الارتفاع، مفعول ثان لـ أَرَاها، وأصلُه: أنَّ ما زائدة للتأكيد وأيّ مضافٌ إلى شَمَمِ وهو مصدر بمعنى الوصف؛ أي: مُرتفعاً أَيَّ مُرتَفَعٍ، يقالُ: مَرَرْتُ برجلٍ أي رجلٍ؛ أي: كامل في الرجوليَّةِ، ثُمَّ استُعمل المضاف والمضاف إليه بمعنى الوَصْفِ المناسب للمَقامِ. والمعنى: أعْرضَ عن الدُّنيا وأَقْبَلَ على المَوْلَى، وَآثَرَ مَتاعِبَ الفقرِ على مناصِبِ الغِنَى، حتَّى إِنَّ الجبال الشَّامخة مِن الدَّنانيرِ الرَّاسِحَة عَرَضَتْ نفسَها عليه،
وتَزيَّنَتْ بأنواع الزِّينَةِ لَدَيه، ومالَتْ غايةَ الميل إليه، لعلَّه يَرفعُ النَّظَرَ عليها، فتَرَفَّعَ عن الالتفات إليها، قال تعالى: {مَازَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17]، وما ذلك إِلَّا بِأَمْرِهِ بعد قضائه وقدره، قال عزّ وجلَّ: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ???].
وفيه إشارة إلى ما رُوِيَ أَنَّ جبريل عليه السَّلامُ قال لَهُ: إِنَّ اللهَ تعالى يقولُ لكَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَجْعَلَ لكَ هذه الجبال ذهباً وتكونُ معكَ حيثما كنتَ؟ فَأَطرَقَ ساعةً ثُمَّ قال: يا جبريلُ الدُّنيا دارُ مَن لا دارَ لهُ، ومالُ مَن لا مَالَ لهُ، وقد يَجْمعُها مَن لا عقل له، فقال له جبريلُ: ثَبَّتكَ اللهُ تعالى بالقولِ الثَّابِتِ. قال المحلي: ذكره صاحب «الشفا» وغيره.
وفي هذا برهان شافٍ وبيان كافٍ، على فضل الفقير الصابر على الغني الشَّاكِرِ، كما أَجمعَتْ عليهِ السَّادَةُ السُّنيّة والطَّائفةُ الصُّفْيَّةُ الصُّوفيَّة، نَفَعَنا الله بأسرارهم، وجَعَلَنا تابعين لآثارهم، وكأنَّهُ أشار إلى معنى هذا المقال، مَن قال من أرباب الكمال: همَّةُ الرِّجالِ تَهدُّ الجِبال.
وفيه تلميح إلى قوله تعالى: {وَرَوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} [يوسف: 23]، وإيماء مليح إلى مَزِيَّة فضيلة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم حيثُ عَرَضَ عليه المَوْلَى جميع الدُّنيا؛ لأنَّ الذَّهَبَ وسيلة إلى تمام لذاتها، وجميعِ شَهَواتها، مع أَنَّهُ على وجهِ الإباحة، بل بدونِ المحاسبة، كما ورد في رواية: فأَعْرَضَ عنها ولَمْ يَقبَلْ شَيئاً مِنها، مع كمال الاحتياج بها، وإمكان تحصيل العبادات المالية بسببها، وسيدنا يوسف عليه السَّلامُ عَرَضتِ امرأةٌ نفسها عليه على وجهِ الحُرمةِ، فوقع فيما وَقَعَ مِن الهَمِّ والهِمَّة، فيا لها من همَّةٍ عظيمة، ويا لها من نعمةٍ جَسيمة، ويا لها من عصمةٍ وَسيمَة.
32 - وأَكَدَتْ زُهْدَهُ فيها ضَرورتُهُ إِنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَعْدُو عَلَى العِصَمِ الزُّهدُ: عزوفُ النَّفْسِ عن الدُّنيا، والإعراض عن الهَوَى، والضرورة:
شدة الحاجة، ومنها الاضْطِرارُ ضِدُّ الاختيار.
ويقال: عَدَا عليه: إِذا غَلَبَهُ واستَوْلَى عليه.
والعِصَمُ: جمع عِصْمةٍ، وهي قوَّةٌ بالِغَة، أو زاجرة سابِغَة، أَوْدَعَها الله تعالى في خَوَاصٌ عباده وأكابر عُبَادِهِ، يَمْنعُهم عن التَّعَرُّضِ لَمَنْهيَّاتِهِ، والإعراض عن مأموراته.
يعني: أَحد فَقْرَهُ الظَّاهري، واحْتِيَاجَهُ الحِسي، زهله وإعراضه عن أعراض الدُّنيا، وعَدَمُ إقباله على جبالِ الذَّهَبِ الذَّاهبِ في الهَوَى، فَإِنَّ هذا أمرٌ خارِقٌ للعادة، ولا يَختارُ هذا إِلَّا مَن تَلَذَّذَ بحلاوة العِبادة، ومع هذا لا يكونُ تَرْكُ الدُّنيا والتَّوَجُهُ إِلَى المَوْلَى إلَّا بعصمةِ اللهِ في حق الأنبياء، وبحفظه في جانب العلماء والأولياء، فإذا حَصَلتْ لهم العِصمةُ الجَليَّة، وغَلَبَتْ بحِفْظِ الله همَّتُهم العَلِيَّة، لا تَعْدُو ولا تَغْلِبُ الضَّرورةُ الغالبية على القُوَّةِ القَلْبيَّة، رَزَقَنَا اللهُ مِن أذواقِهِم القُدْسِيَّة، ونَفَعَنا بنَفَحاتِهِمُ الأُنسيَّة. 33
- وكيفَ تَدْعُو إِلَى الدُّنْيا ضَرورةُ مَنْ لَوْلَاهُ لَمْ تُخْرَجِ الدُّنْيا مِن العَدَمِ
قال المحلّيُّ: تُخْرَجُ على بناء المفعول، وفيه نكتة لطيفة لا تَخْفَى. والدُّنْيا تأنيتُ الأَدْنَى بمعنى: الأقرب إلينا بالنسبة إلى الأُخرى، وقيل: مُسْتَقَةٌ مِن الدَّناءَةِ والخِسَّةِ، وله بمقامِ التَّعجُبِ غايةُ المُناسَبة، وهي في الأصل صفة الحياة أو الدَّارِ، وقد تُستعمَلُ بمعنى أعراضها الكاسِدَة، وأغراضها الفاسدة، من الجاه والمال، وما يَتْبعُهما ممَّا يَجرُّ إلى الوَبَالِ في المآل، وبهذا الاعتبار تكونُ الدُّنيا مَذمومةً دَنِيَّة، وأَمَّا إذا صُرِفتْ في مَرْضاةِ المَوْلَى تكونُ مُستَحْسَنةً مَرْضِيَّة، كما وَرَدَ: «نِعْمَ المالُ الصَّالِحُ للرَّجلِ الصَّالح».
ومع هذا تركها أفضلُ عند الأكابر الكُمَّل، ولذا قال عيسى عليه السَّلام: يا طالب الدُّنيا لِتَبَر، تَرْكُكَ للدُّنْيا أَبَرٌ.
وقال: «لو أنَّ رجلاً في حِجْرِهِ دَرَاهِمُ يَقْسِمُها، وَآخَرَ يَذْكُرُ اللهَ، كان الذاكر الله أفضل، رواه الطبراني.
ثُمَّ الدُّنيا والآخرة على وجه الكمال لا تَجْتَمِعان، ولذا قيل: إنَّهما ضَرَّتان، أو:
مثل كفني الميزان. وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ آخِرَتهُ، وَمَن أَحَبَّ
آخِرَتهُ أَضَرَّ بدُنْياه، فآثِرُوا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى.
والمعنى: كيف تَدْعو إلى المَيْلِ إلى الدُّنيا الدنيَّة، وأعراضها الفانِيَةِ الرَّدِيَّة، الضَّرورة الاختياريَّة، أو الفقر والحاجةُ الاختياريَّة، لِمَن لولا وجودُهُ، وفَضْلُه وجُودُهُ، لَمْ تَظْهِرِ الدُّنْيا مِن العَدَمِ إلى الوجود، ولا وُجِدَ في العالمِ غيرَ المُوْجِدِ موجود، وفيه لائحة إلى أنَّ الدُّنيا تابعة له، ولا خُلِقتْ إِلَّا له ولأتباعه، فكيف يكونُونَ تابِعِينَ لها، أو مغلوبين لهواها، بل همَّتُهمُ، العالية، ونَهْمَتُهم الغالية، عَدَمُ الالتفاتِ إلى النَّعِيمِ الباقية، فَضْلاً عن اللَّذَّاتِ الفانية، ولذا قيل: الدُّنيا حرام على أهلِ الآخِرَةِ، والآخِرةُ حرام على أهلِ الدُّنيا، وهما حَرَامَانِ على أهلِ اللهِ.
وفي البيتِ إشارة إلى ما وَرَدَ في الحديثِ: «لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخطيئة، وكان قد رأى على قوائم العرش مكتوباً: لا إلهَ إِلَّا الله محمدٌ رسولُ اللهِ، فسأل الله بحق محمد أنْ يَغفر له، فقال: إِذْ سَأَلْتَني بحقه فقد غَفَرْتُ لكَ، ولولا محمَّدٌ ما خَلَقْتُكَ»، رواه الحاكم والبيهقي
وآدم أبو البَشَرِ، وقد خَلَقَ الله لهم ما في الأرض، وسخَّر لهم الشَّمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك، وأمَّا الحديثُ القُدْسِيُّ المشهور: لولاك لَمَا خَلَقْتُ الأفلاك، فليس له أصل، لكن معناه صحيح.
34 ـ محمد سيد الكونَيْنِ والثَّقَلَيْ ن والفَرِيقَيْنِ مِن عُرْبِ وَمِن عَجَمِ رُوِيَ في محمد الجرُّ على أَنَّهُ بَدَلٌ مِن مَن، والرَّفعُ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف وهو: هو، والأظهرُ أنَّه مبتدأ، وسيد خبره، و الكونَيْنِ؛ أي: الوُجودَينِ، بمعنى: المَوجُودَينِ، وهما: الدُّنيا والعُقْبَى، والمراد: أهلهما، أو: عالَمُ الغَيبِ وعالَمُ الشَّهادةِ. وقيل: الإضافة بمعنى: في. وعطفُ الثَّقَلَينِ والفَرِيقَيْن للتَّخصيص بعدَ التَّعْمِيمِ، وللرَّدُّ على مَن خَصَّ رسالته إلى الأنسِ دونَ الجِنِّ، وإلى العرب دونَ العَجَم، ومن الأُولى بيانية والثَّانية زائدةٌ للضَّرورة.
وفي العرب والعجمِ لُغتانِ: فَتْحُهما، وضم الأوَّلِ وسكونُ الثَّاني، ففي البيتِ تَفَتُن.
وتُقرأ نونُ الثَّقَلين مِن المِصْراعِ الثّاني
والمعنى: عُرِفتْ مَراتبه - فإِنَّه في الأصل اسم مفعول للمُبالَغةِ، ثُمَّ نُقِلَ مِن الوصفيَّةِ إلى الاسْمِيَّةِ، فرائحةُ الوصفية لائحةٌ في العَلَميَّة - سيِّدُ مَن وُجِدَ في الكونَيْنِ، وأفضلُ مَن ظَهَرَ في العالمين؛ لأنَّه تعالى خَلَقَ لأَجْلِهِ الدَّارَينِ، وأرسله إلى الثَّقَلَيْنِ مِن الجن والإنس،
محمد الذي كَثُرَتْ مَحامِدُه ومَناقِبُه، وكَثُرَتْ حَامِدِيَّتُه حيثُ والصنفينِ مِن العَرَبِ والعَجَمِ المكلَّفَينِ، بل قيل: إِنَّه مُرسَلٌ إلى الملائكة، وقيل: إلى الحجرِ والشَّجرِ والنَّباتات، وجميع المخلوقات، وسائر الحيوانات، بل قيل: إنَّه مُرسل إلى الأنبياء السابقين، فهو أفضلُ الخَلْقِ أجمعين، على الإطلاق بالاتفاق.
35 - نبينا الآمر الناهي فلا أحدٌ أَبرَّ في قول لا مِنهُ ولا نَعَمِ النبي أصله الهَمْزُ، وقد قُرى به، وهو فعيل بمعنى المفعول أو الفاعل، فإنَّه مُخبرٌ ومُخْبِرُ، والجمهور بالياء المشدّدة، والظاهرُ أَنَّه مُبْدَلٌ.
وقيل: إنَّه مأخوذ من النَّبوة وهو الرّفْعَةُ، فإنَّه مرفوع المرتبة. وهو إنسان بعثهُ اللهُ وَأَوْحَى إِليه سواءٌ أُمِرَ بالتَّبليغ أم لا، فهو أعمُّ مِن الرَّسولِ، وأشار إليه بقوله: الآمِرُ النَّاهي. وأَبَرَّ بمعنَى: أَصْدَق، مِن بَرَّ في الحديثِ: صَدَقَ. يعني: سيدنا ونبينا ومولانا ورسولنا هو الآمِرُ بما هو مأمورٌ مِن عندِ اللهِ؛ مِن العقائدِ الرَّضِيَّة، والأعمالِ السَّنِيَّة، والأخلاقِ البَهيَّة، والنَّاهي عن الأمورِ الدَّنِيَّة، والأفعالِ الرَّدِيَّة، وهو في تكميلِ النَّاقصين حاذِقٌ، وفي إخباره بكلِّ ما أَخبره صادِقٌ؛ لأنَّه مَا يَنْطِقُ عن الهوى، بل بالوَحْيِ الجَلِيِّ أو الخَفِيِّ مِن عندِ المَوْلَى، فلا أحد أصدقُ منه في النَّفي والإثبات، ولا أحقُّ منه في الوعد والوعيد وسائر الحالات.
36 - هو الحَبِيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُه لكلّ هول من الأهوالِ مُقْتَحِم الحبيب بمعنى: المحبوبِ، ومَحبَّةُ المخلوقِ: هي مَيلُ النَّفْسِ إِلى مُلائِمِهِ،
ومَحبَّةُ الخالق لعبده: تمكينه من سعادته، وتوفيقه على عبادته، وتهيئةُ أسبابِ قُرْبتِهِ، والإفاضة عليهِ مِن خزائنِ رحمته.
والشَّفاعةُ: طَلَبُ العفو والفضلِ مِن الغَيْرِ للغَيْرِ.
والهول مصدر بمعنى الخوف، يُستعمل بمعنى الهائل أو المهول منه. واقْتَحَمَ في الأمر؛ أي: دخل فيه بشدَّة، والتقدير: لكل هول مقتحم فيه. والمعنى: ذلك السيِّدُ العَلِيُّ الشَّان، والنَّبيُّ الجَلي البرهان، هو حبيب الله وأحبَّائِه، ولا عبرة بمَن سِواهُمْ مِن أعدائه، الذي ثَبَتَتْ شفاعتُه وتُرْجَى إجابته لكل أمر عسير وهولٍ خَطير وفيه إشارة إلى أنَّ له شفاعاتٍ متعدّدَة؛ كما وَرَدَ بها الأحاديث المعتمدة:
منها: الشَّفاعةُ العُظمى، وهي المقام المحمود، واللواء الممدود، الذي يَحتاجُ
إليه الوالد والمولود.
ومنها: الشَّفاعةُ في إسقاط العذاب، أو تخفيفه عن المعذبين.
ومنها: المُسامَحةُ عن ذنوبِ المُستَحِقِّين.
ومنها: رَفْعُ درجاتِ مَن شَاءَ اللهُ مِن المؤمنين.
37 - دعا إلى اللهِ فَالمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بحبل غيرِ مُنْفَصِمِ الاسْتِمْساكُ: التَّمَسُّكُ والتَّشَبُّتُ والتَّعَلُّق، والحَبْلُ معروفٌ، ويُستعارُ لِمَا
يَتعلَّق به ويُتَوَصَّلُ به إلى المطلوب. والانْفِصامُ: الانْقِطاعُ.
والمعنى: دَعَا الخَلْقَ إلى طاعَةِ الخالقِ دعوةً تامَّةً كاملة، غير منسوخةٍ مخصوصة بل هي شامِلَة، للخَلْقِ إلى يوم القيامةِ واصِلَة، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: {أَدْعُ إِلَى
يعني من المؤمنين فإن الكافرين في نار جهنم خالدين لا يخفف عنهم وما هم منها بمخرجين.
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، وإيماء إلى قولهِ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحَا} [فصلت: ??]، فمَن تمسَّكَ بدعوتِهِ مِن كتابه وسُنته، فقد تمسك بحبل وثيق غير منقطع إلى حين وصلته، قال تعالى: {وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: ???]، وقال عزّ وجلَّ: فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256]؛ أي: لا انقطاع، وفيه إشارة إلى بِشارةِ حُسْنِ الخاتمة.
?? - فاقَ النَّبِيِّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ ولَمْ يُقانُوهُ في عِلْم ولا كَرَمِ فاقه وفاق عليه: زادَ عليه في الرفعةِ مِن فوق.
والخلق بفتح الخاء: حُسْنُ الصُّورة، وهي اعتدال الأعضاء، وتَناسُبُ الأشكال، والخُلُق بضمتين - وقد يُسكَنُ الثَّاني: حُسْنُ السِّيرة، وهي اعتدال قُوَى النَّفْسِ وأوصافها بالكمال، وخَصَّ منها العِلْمَ لأَنَّه رأسُ الفضائل، والكَرَمَ لأنَّه أُسُ الفَوَاضل، وهو مبني على القُدرةِ، فهما مَرْجِعَا الكمالات بأسرها، ومَدَارُ نظام الكائناتِ عن آخرها.
يعني: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم فاقَ الأنبياء في الجمالِ الصُّوري، حتَّى رَجَّحوه على الكريم بن الكريم بن الكريم، وفي الكمال المعنوي، حتَّى أَثْنَى الله عليه بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ} [القلم: 4]، ولَمْ يُقارِبُهُ أَحَدٌ مِن الأنبياء، فضلاً عن العلماء والكُرَماءِ مِن الأولياء والأصفياء، في جنس من أجناس علمه، وفي نوع من أنواعِ كَرَمِهِ، واطْلُبْ تفصيلَ هذه المناقِبِ العَلِيَّة، في كتابِ المَواهِبِ اللَّدُنْيَّة.
39 - وكُلُّهُمْ مِن رسولِ اللهِ مُلْتَمِسُ غرفاً من البحر أو رَشْفاً من الديم الغَرْفُ والاغْتِرافُ: أخذُ الماء باليدِ مِلْءَ الكفّ، والرَّشْفُ: المص، والدِّيمُ: جمعُ الدّيمةِ، وهي المطرُ الدَّائم المتصل بالليل والنَّهارِ.
والمعنى: وجميع الأنبياء - أو كلُّ واحدٍ مِنهُم - مُلْتَمِسٌ ومُستَمِدٌ مِن رسولِ اللهِ الفَرْدِ الأكمل، والغوثِ الأفضل، وهو مِن وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوضِعَ المُضْمَرِ؛ للتنبيه على الوَصْفِ النَّبيه.
غَرْفاً؛ أي: شيئاً يسيراً، أو مدداً كثيراً، من بحرِ عِلْمِه، أو رَشْفاً؛ أي: استطعاماً لطيفاً واستسقاء شريفاً من أمطار كَرَمِه، ومن مَوائِدِ نِعَمِه.
40 - وواقِفونَ لَدَيْهِ عندَ حَدِّهِمُ من نُقْطَةِ العِلْمِ أو مِن شَكلةِ الحِكم لَدَيهِ؛ أي: عنده صلى الله تعالى عليه وسلم، وحَدُّ الشَّيء: غايته ومنتهاه، والنُّقطة بالضم: ما حَصَلَ مِن النَّقْطَةِ بالفَتْحِ، مِن نَقَطَ الكِتابَ نَقْطَةٌ ونَقَطَهُ: وَضَعَ عليه النقطة. والشَّكْلةُ بالفتح مِن شَكَلْتُ الكتاب: إذا قيَّدته بالإعراب. والحكم: جمعُ الحِكْمَةِ، وهي إحكامُ الرَّأي والتدبير، وقيل: إتقان العلم والعَمَلِ. وخَصَّ النُّقطة بالعلمِ والشَّكْلةَ بالحِكَمِ؛ لأَنَّ الشَّكْلَ يَحصُلُ بِه مَزيدُ بيانٍ لا
يحصل بالنُّقطة، كذا قيل. والأظهرُ: أَنَّ النُّقطةَ أَوْلَى بمزيَّةِ الظُهورِ، ولذا أُضيفَتْ إلى العلم، والشَّكْلةَ أمر زائد خارج عن ماهِيَةِ المفهوم المتوقفِ على النُّقطة التي مَدَارُ البِنْية عليها، ولذا نُسِبَتْ إلى الحِكَم، وهي علوم دقيقةٌ عقليَّةٌ مُتفرّعةٌ على العلوم الشَّرْعِيَّة، ولذا لما أرادَ رئيسُ الحُكماءِ الظَّاهريَّةِ أنْ يستغني عن رئيس العلماء الباطنية، رُدَّ عن الباب، ووَقَعَ في الحِجَاب، المُنتج للعذاب، والحِرْمَانِ عن الثَّواب.
ولمَّا كان كلٌّ مُفرَداً لفظاً وعبارةً عمَّا أُضيف إليه معنى، جازَ إفرادُ الضَّمِيرِ العائدِ إليه أوّلاً في مُلْتَمِس، وجمعه ثانياً في واقفون؛ كقوله تعالى: كُلُّ كَذَبَ الرُّسُلَ [ق: 14]، وقوله تعالى: دَعَا الخَلْقَ إلى طاعةِ الخالقِ دعوةً تامَّةً كاملة، غير منسوخةٍ مخصوصة بل هي شامِلَة، للخَلْقِ إلى يوم القيامةِ واصِلَة وَكُلٌّ لَّهُ قَيتُونَ} [البقرة: 116]. والمراد من العلم: علمُ اللهِ الذي لا يَتَناهَى، ومن الحِكَم: حِكمه التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.
ثُمَّ إِنَّ علوم الأنبياء والعلماء بأسرها بمنزلة نقطةٍ مِن كلماتِ اللهِ التي لا تَنْفَدُ، وحكم الحكماء عن آخِرِها بمنزلة شَكْلةٍ مِن حِكَمِ اللهِ التي لا تُعَدُّ، وهذه النُّقطةُ والحكمة حاصِلَتانِ له عليه السَّلامُ على وجهِ التَّمَام، والأنبياء لهم حَدٌ مُعيَّن، ومَقامُ
معلوم مُبيَّن، يقفون عنده لا يَتَخطَّونَ عنهُ قَدْرَ أُنْمُلة، ولا يَتعدَّونَ مِنْهُ طُولَ نَمْلة. وما ذكرْتهُ في نُقطة العلم إيماء إلى قوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، وإشارة إلى قولِ الخَضِرِ لموسى عليهما السَّلامُ لمَّا غَمَسَ العصفور منقاره في البحر: «ما عِلْمُكَ وعِلْمِي وعِلْمُ الخلائق في عِلْمِ اللهِ تعالى إِلَّا مقدار ما غَمَسَ هذا العُصفورُ مِنقارَهُ رواه البخاري. ويَحْتَمِلُ أَنْ يُرادَ بالعلمِ والحِكَمِ: عُلُومُهُ وحِكمه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإِنَّ عِلْمَهُ حاوِ لفُنونِ العلم؛ كعلم القراءة والتفسير والحديث والفقه والقصص والمواعظ والعقائد وغيرها، وفي كلِّ مِنها صُنّفَ مُجلّدات وأُلْفَ مُدوَّنات، وكذا حِكَمُهُ جَامِعُ لأنواعِ الحِكَمِ
منها: علمه بالطَّب الظاهري المتعلّق بالأشباح، وعِلْمُهُ بالعلاج المعنوي
ومنها: علومُ خَوَاصٌ الأشياء مِن مَنافِعِها أو مضارها.
ومنها: معرفةُ أحوالِ الفَلَكيَّةِ والآفاقيَّةِ، المسمَّاةِ بالهيئةِ السَّنِيَّةِ السُّنيَّة.
ومنها: عِلْمُهُ بالأمورِ الغَيبيَّةِ التي عَجز عنها الكَهَنةُ والمُنَجِّميَّة.
ومنها حقائقُ الصُّوفيَّةِ ودقائقُ العَرَبيَّة، فدَوَّنَ الدَّفاتر وزَيَّنَ المنابِرَ تحريرها وتقريرها، حتّى صار علماءُ أُمَّتِي وَرَثة الأنبياء، وظَهَرَتْ لهم خَوَارِقُ العادات المنسوبة إلى الأولياء الأصفياء.
فعِلْمُ كل نبي وحِكْمَتُهُ كنقطة من كتابِ عِلمه، وشَكْلةٍ مِن بابِ حِكَمِهِ، يعني: حَدُّهم ورُتبتُهم بالنِّسبة إلى مقامهِ ومَنزِلَتِهِ مِثْلُ مَرْتبةِ النُّقْطَةِ مِن اللَّفْظِ والمَبَنَى، أو نسبةِ الشَّكْلةِ والإعراب من المعنى، ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «أُوتِيتُ بجوامع الكلم، و: «أُمِرْتُ بمكارم الأخلاق، وإليه الإشارة بقولهِ تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55]، فـ من في
البيت على هذا بيانية، وعلى الوجهِ الأَوَّلِ ابتدائيَّةٌ، وأو للتَّقْسيم. 41 - فَهُوَ الذي تَمَّ معناهُ وصُورَتُهُ ثُمَّ اصْطَفَاهُ حَبيباً بارِئُ النَّسَمِ يُقرأُ البيت بسكون الهاء في فهو وبإشباعها في معناه، وهما لغتانِ مشهورتان، وقراءتانِ مُتَواتِرَتان، فأَخطأَ مَن قال: إِنَّهما مِن ضَروراتِ الشّعر. و حَبيباً حال، وقيل: مفعول ثان لـ اصْطَفاهُ بِتَضْمِينِهِ معنى: جَعَلَ، والنَّسَم بفتحتين: جمعُ نَسمة، وهي النَّفْسُ، أو كلُّ ذي رُوحٍ، وقيل: هي
الآدمي، والفاء للجزاء.
أي: إِذا عَرَفْتَ أَنَّه عَلَا على الأنبياء في الخَلْقِ والخُلُقِ، وفاق عليهِم في الشَّرِيعَةِ والحقيقة، أو في الأعمال والأحوال، أو في العِلْمِ والعمل، أو في الظاهر والباطن، أو في مُعاملته مع الخَلْقِ والحَقِّ، أو في الكمال المُطلَق، ثُمَّ اختارَهُ واجْتَباه، واتَّخِذَهُ مُحِبّاً أو محبوباً وارْتَضَاه، مِن بين الخلائق بارئُ النَّسَمات، وفاطِرُ الأرض والسَّماوات.
و ثُمَّ لإفادةِ التّرتيب في الصفات، وقيل: إنَّها على بابها مِن التّراخي، يعني: قُورَتْ لهُ مرتبةُ النُّبوَّة بعد تمامِ الصُّورةِ والسِّيرة، وإنْ كانَ إعطاء هذه الرتبة المعنوية غير متوقفة على وجودِ الكمالاتِ الصُّوريَّةِ، فإنَّ الله تعالى قادر على كلِّ شيءٍ بالسَّوِيَّة، وإنَّما الاختلافُ مبني على الأمور العاديَّة، وفيه إيماء إلى وجه انتظار الاصطفاء إلى المدَّةِ الأَرْبَعينيَّة، وترجيحه على عيسى ويَحْيَى ممَّن أُعطيَ النُّبوَّةَ في حالِ الطُّفوليَّة، وإن كان المتبادر إلى الوهم عكس هذه القضيَّة، وهذا مستفاد من الكلماتِ العِصامية. وفي البيت تلويح إلى قوله تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَيْكَةِ رُسُلًا وَمِن النَّاسِ [الحج: 75]، وتلميح إلى حديث صحيح، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنانة من ولد إسماعيل، واصْطَفَى مِن كنانة قريشاً، واصْطَفَى مِن قُريش بني هاشم، واصْطَفاني من بني هاشم» رواه مسلم. وفي رواية: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِن وَلَدِ إبراهيمَ إسماعيل الحديث رواه الترمذي
وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «أنا سيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يومَ القيامةِ ولا فَخْرَ، وبيدِي لواء الحمدِ ولا فَخْرَ، وما مِن نبي يومئذٍ آدمَ فَمَن سِوَاهُ إِلَّا تحتَ لوائي، وأنا أَوَّلُ مَن تَنْشَقُ عنه الأرضُ وَلا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافع [وأوَّلُ] مُشَفَّعِ ولا فَخْرَ» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
42 - مُنَزَّه عن شَرِيكِ فِي مَحَاسِنِهِ فجوهَرُ الحُسْنِ فيه غيرُ مُنْقَسِمِ مُنَزَّه خبر ثان لـ هو، أو مُبتدَؤُه محذوفٌ، وهو: هو، والمحاسن: جمعُ
حَسَنٍ على خلافِ القياس، و فيهِ بإشباعِ الضَّمَّةِ صفةُ الحُسْنِ أو حالٌ منه. وفي إثباتِ الجوهَرِ للحُسْنِ الذي هو عَرَضُ والحُكْمِ عليه بِعَدَمِ الانْقِسامِ لطافةٌ لا تَخْفَى.
يعني: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مُنفرد في جمالِ الصُّورةِ البَهيَّة، والسِّيرة السَّنيَّة، لا يُشارِكُه في كمالهما أحدٌ مِن البَرِيَّة، إما في مجموع المحاسنِ مِن حيثُ المجموع على الوجه الحقيقي، وإما في كلّ واحدٍ منها على طريق الادعائي، فكأنَّ مَحاسِنَ غيرِه غَيْرُ حُسْنٍ فِي جَنْبِ حُسنِهِ.
43 - دَعْ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِمُ واحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحاً فيه واحْتَكِمِ يجوز في نبيهم التشديد والهمز، ويُقرأُ بإشباع ميم الجمع ولو وَقْفاً؛ تَنْزِيلاً للوَقْفِ منزلة الوصل للوَزْنِ، و مَدْحاً تمييز، والاحتكام استعمال الحكمة وإتقانُ الحُكْم.
يعني: اتْرُكُ في مَدْحهِ صلى الله تعالى عليه وسلم مِثْلَ ما ادَّعَتْهُ النَّصارى في نبيهم عيسى عليه السَّلامُ من الاتحادِ، والحلول، والتثليث، والتَّناسُخِ، والتَّوالُدِ، ونحو ذلك مما يُوجِبُ الكفر والشِّرْكَ والضَّلَالَ، ويترتب عليه العذابُ والنَّكَالُ، والوَبَالُ والأغلال، حيث قال بعضهم: المسيح ابنُ اللهِ، وقال بعضُهم: إِنَّ اللهَ هو المسيح، وقال بعضهم: إنَّ الله ثالث ثلاثة، واحْكُمْ مَا شِئْتَ في حقه من جهة نَعْتِهِ ومَدْحِهِ؛ مِن شَرف شأنه، وعُلُوِّ مَنصبه ومكانه، وتكلم بالحِكْمَة، وأَثْقِنْ في الحُكْمِ بالمِدْحة، حتّى لا تتجاوَزَ عن الحد الإنساني إلى الوصفِ الصَّمَداني، قال تعالى: {يَأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء: 171]، أين التُّرابُ وربُّ الأرباب؟!
44 - وانسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِن شَرَفٍ وانْسُبْ إِلَى قَدْرِهِ مَا شِئْتَ مِن عِظَمِ ما موصولةٌ، ومن بيانيَّةٌ، والتّنوينُ للتَّعظيم فيهما، والفاء للعطف التفسيري، أو للفصاحةِ عن الشَّرطِ التَّقْديري؛ أي: إذا تَركْتَ مِثْلَ دَعْوَى النَّصَارَى وكلامَ الحَيَارَى فلكَ السَّعةُ فى دائرة النِّسبة إلى ذاتِهِ المعظَّمة ما شِئْتَ مِن الأوصاف المكرَّمة؛ مِن جمالِ الخَلْق، وكمال الخُلُقِ، وطِيبِ العِرْق، وذكاءِ اللُّبِّ وصَفَاءِ الجَنَان، وبلاغةِ الكلام وفصاحة اللسان، وسائر كمالات الإنسان، فإِنَّه مَنْبِعُ الإحسان، ومُبْدَعُ الرَّحمن. وأيضاً لك الرُّخصةُ في النِّسبةِ الدَّائرة على إحاطة كمالِ قَدْرِهِ ومَرْتبته، وجمال طَوْرِهِ وعَظَمَتِهِ، مَا أَرَدْتَ مِن أنواع العظمة وفنونِ الكرامة، وأجناس المعجزة التي لا يُسْتَقْصَى حَدُّها، ولا يُحْصَى عَدُّها.
45 - فإنَّ فَضْلَ رسولِ اللهِ ليسَ لَهُ حَدٌ فيُعْرِبَ عنهُ ناطِقٌ بِفَمِ الفاء للتعليل لامتناع المدحِ بالتفصيل، ونَصْبُ يُعْرِبَ على جوابِ النَّفْي، وضمير عنه للحد، ويُقرأُ بالإشباع على لُغةٍ مُراعاةً للزِّنَةِ، والباء للاستعانة متعلقة بـ
ناطق أو يُعْرِبَ.
والإعراب: الإفصاح والبيانُ والإيضاح، وهو لا يكونُ إلَّا باللسان، فالتَّعبير عنه بالفم من باب إرادة الحالِ بذِكْرِ المكان وفائدة ذِكْرهِ مع أنَّ النُّطْقَ لا يكونُ بغيره: زيادة إفادة عموم الحكمِ في عَدَمِ حَصْرِ قَدْرِهِ، وقوله تعالى: {وَمَامِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 38] من نظائره.
يعني: إنَّما أمرتُكَ بالنسبة الإجماليَّة، في عَدٌ صِفاتِهِ الكَمَاليَّة، فإِنَّ فضائلَهُ التفصيلية ليس لها، نهاية، حتَّى يُمْكِنَ أنْ يُبَيِّنَهُ أحدٌ على غاية، ولو بَلَغَ مَبْلَغَ البلغاء والفُصحاء، وفيه إشارة إلى أنَّه أفضل من جميع الملائكة وسائر الأنبياء، بل إيماء إلى أنَّه لا يَعْلَمُ حقيقةَ الذَّاتِ المحمَّديَّة، وحقيقة الصفاتِ الأحمدية، إلَّا الموصوفُ بصفاتِ الربوبية، ولذا قال بعضُ العارفين: الخَلْقُ عَرَفوا الصِّفاتِ الألوهيَّة، ولَمْ يَعرِفوا النُّعوتَ المُصْطفوية.
46 ـ لو ناسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَماً أخيا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرَّمَمِ العِظَمُ بكسر العينِ خِلافُ الصِّغَرِ، كذا في «القاموس»، فيكونُ مُستعاراً للعَظَمة، والرِّمَمُ: جمعُ الرَّمَّةِ؛ كالقِطَعِ والقطعة، وهي العظام البالية.
ويقال: دَرَسَ الرَّسم: إِذا عَفَا، فانْدِراسُها زيادةٌ في البِلَى.
و قَدْرَه مفعول به قُدَّمَ لاهتمامه، و عِظَماً تمييز؛ ك: طَابَ زِيدٌ نَفْساً، واسْمُهُ فاعل أَحْيا، والنِّسبةُ مَجازِيَّة، فإنَّ الإحياءَ مِن الصِّفاتِ الإلهية، وضمير يُدْعَى راجع إلى اسْمُهُ، أو إلى الله، أي: يُسأَلُ باسْمهِ، ودارِسَ مفعول، والإضافةُ مِن
قبيل إضافةِ الصّفةِ إلى الموصوفِ؛ أي: الرَّميمَ الدَّارِسَ، والجملة جواب لو. والمعنى: أنَّه ظَهَرَ لهُ الآيات البينات الدالة على رسالتِهِ ونبوَّته، وتَبَيَّنَتْ له الكرامات والمعجزاتُ المُشْعِرةُ على عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَرِفْعَتِهِ وَعَظَمَتِهِ بِقَدْرِ ما
اقْتَضَى مِن قضاءِ اللهِ وقَدَرهِ وحكمته وإرادته، ومن جملة معجزاته إحياء الموتى حتَّى على أيدي بعض أمته، ومع هذا لو أراد الله تعالى المناسَبةَ التَّامَّةَ السَّنِيَّة بين ذاتهِ العَلِيَّة وآياتِهِ البَهِيَّة، لأَحْيا الله تعالى باسمه فضلاً عن رَسْمِهِ إِذا دُعِيَ وذُكِرَ اسم من أسمائه أو وصف مِن أوصاف صفاته العظام البالية والأجسام الفانِيَةَ من الأمواتِ الحقيقيَّةِ والمَجَازِيَّة، حيثُ جَعَلَ خاصيَّةَ اسمه المحمدي أو وَصْفه الأحمدي أَنَّهُ إِذا ذُكِرَ على ميت حقيقي لصارَ حيّاً حاضِراً، وإذا ذَكَرهُ كافر أو غافل جُعِلَ مؤمناً وحُوِّلَ ذاكراً، لكنَّ الله تعالى سَترَ جمال هذا الدُّرّ المكنون، وكمال هذا الجوهر المصون، لحكمة بالغة ونكتة سابعة، ولعلها ليكون الإيمان غيبيّاً، والأمرُ تكليفياً، لا الشُّهود عينيّاً والعِيَانُ بديهياً، أو لئلا يَصِيرَ مَزلقةً لأقدام العوام، ومَزَلَةً لتنصر الجهال بمعرفة الملك العلام.
ولا شُبهةَ أَنَّ فِي مَقامِ المبالغةِ عَودُ ضميرِ يُدْعَى إلى اسْمُهُ أَوْلَى مِن
أنْ يُقالَ: يُدْعَى الله تعالى بأسمائه الحُسنَى. ولا يَرِدُ أنَّ القرآنَ لَشَرِفِهِ شَأن لا يُمكنه البيانُ، فإنَّ الكلامَ في عظمةِ الدَّلالة، لا في شَرَفِ المَقالة، فإِنَّهُ لو كان دلالةُ القرآنِ ظَهَرَتْ على قَدْرِ عَظَمَةِ نبينا العظيمِ الشَّأْنِ لَمَا أنكر أحدٌ نبوَّته ورسالته، وأَظْهَرَ اللهُ في الدُّنيا عظمته، ولذا قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانَا سُيَرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: ??]؛ أي: لكانَ هذا القرآنَ لكنَّه صُرِفَ عَمَّا ذُكِرَ لمَّا كان هناك مانع منيعاً بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} [الرعد: 31].
ثُمَّ خَطَرَ لِي أَنَّ الناظِمَ لو قال: لو ناسَبَتْ عُظْمَهُ آيَاتُه عِظَماً أحيا اسمه حينَ يُدْعَى العَظْمَ في الرَّمَمِ بضم العينِ في عُظْمَه، وبفتحِها في العَظْم لكانَ أنسب بالمناسبة اللفظيَّة، والمُلاطَفَةِ النُّطْقِيَّة، مع مُراعاة اللطائفِ المعنوية، التي تَقْتَضِي الذَّاتَ الجامعية.
47 - لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا العُقولُ به جرْصاً علينا فَلَمْ تَرْتَبْ وَلَمْ نَهِم الامتحانُ: الابتلاء والاختبار، وعَيِيَ بالأمرِ: عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يَهْتِدِ لَوَجْهِهِ.
والعقلُ: مَلَكَةٌ تَعْقِلُ صاحِبَها عن الفَضائح، وتمنعه عن القبائح.
والحرص: شدَّةُ الرَّغبة في الشَّيء والميل إليه، وصَرْفِ اللِهمَّةِ عليه. والارتيابُ: الشَّدُّ والتَّردُّد.
ويقال: وَهَمَ بالفتح: إذا رَبَّحَ جانبَ الباطل، وهام: إذا تَحيَّر في عقله العاقل. و ما موصولةٌ، والضَّميرُ في به راجع إليه، وحرصاً مفعول له أو حال. والمعنى: أنَّ النَّبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم من غاية رأفته ونهاية رحمته لَمْ يَأْتِنَا بِشيءٍ مِن عقائدِ الإسلام، ولَمْ يُكلِّفْنا بشيءٍ مِن تكاليف الأحكام، لَمْ يَهْتِدِ العقلُ بإدراكهِ أو يَعْجِرُ صاحبه عن إدراكه، بل أتانا بالحَنيفيَّةِ النَّوْراء، والملَّةِ السَّمْحةِ البيضاء؛ لأَجْلِ حِرْصِهِ علينا، وكمال التفاته إلينا، فلَمْ نَشُكٍّ في رسالته، ولَمْ نَتحيَّرْف مُتابَعَتِه، ولَمْ نَخْتَرْ طريقاً على طريقته، الجامعة بين شريعته وحقيقته.
وفي البيت إيماء إلى قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ???]. 48 - أَعْيَا الوَرَى فَهُمُ مَعْناهُ فليسُ يُرَى في القُرْبِ والبُعْدِ مِنهُ غيرَ مُنْفَحِمِ الإعياء: التَّعْجِيزُ، والوَرَى: الخَلْقُ، وضمير مَعْناهُ يُقرأُ بالإشباع، والمعنى: مقصود الكلام، وكمال كلّ شيء على وجه التمام، وفي نسخة: للقُرْب فاللَّامُ بمعنى في وضمير مِنهُ يُشْبَعُ، وكذا فيه في نسخة، والضمير راجع إليه صلى الله
تعالى عليه وسلم، وفي نسخة: مِنْهُم فالضمير راجع إلى الوَرَى، وجوز على النسخةِ الثَّانيةِ عَودُ الضَّمِيرِ إلى معناه.
والانْفِحامُ: قَبول الإلزام، وأصلُه: أَنَّ الخَصْمَ يَتَسَوَّدُ وجهه كالفَحْمِ عند الإلزام. وإسناد الإعياء إلى الفَهْمِ مَجَازِيٌّ؛ أي: أَعْيا اللهُ الوَرَى عن فهم معناهُ. وَفَهُمُ مضاف إلى مفعول؛ أي: فَهُمُهم معناه.
وما بعد ليس مُفسِّر لضميرِ الشَّأن فيها، ويُرَى مبني للمفعول، وفي القُرْب متعلق به أو بـ ليس، ويجوز نصب غير على أنه مفعول ثان لـ يُرَى على تقديرِ أنْ يكونَ مِن الرُّؤيةِ القَلْبيَّة.
والمعنَى: أَنَّ فَهُمَ مَعانيهِ الخَفيَّةِ البَهيَّة، وكَمَالاتهِ السَّرِيَّةِ السَّنِيَّة، أَعْجَزَ الكائناتِ بأسرها، والمخلوقاتِ بشَرَاشِرِها، فليسَ يُبْصَرُ - بل ولا يُعْلَمُ ـ في القُرْبِ والبُعْدِ المكانيّين، أو العَهْدِ والعَصْرِ الزَّمانيين، منه صلى الله تعالى عليه وسلم غيرُ عاجز عن إدراكِ حقيقة معناه، وغيرُ ساكت عن حَقَّيَّةِ مَبْناه، سواءٌ مَن تَشَرَّفَ بِلُقْياه، وطُوبَ لمن رآه، أو تَحسّرَ على عدمِ مُطالعةِ طَلْعةِ مولاه، مَقُولا فِي حَقِّهِ: واشَوْقاه.
أو القُرْبُ والبُعْدُ بحَسَبِ المَرْتبة واعتبارِ المَنْزلة، يعني: يَستَوِي فِي عَدَمِ العلم بإحاطة كمالاته، والتَّحَوُّرِ في عُلُوّ ذاته ورفعةِ صِفاته، مَن قَرُبَ إِليهِ في الحالِ والمقام؛ كأُولي العَزْمِ مِن الرُّسلِ الكِرَام، والملائكة المقربينَ وحَمَلة العرش الكِرَام، ومَن بَعُدَ عن مُساهَمتِهِ ومُسايَرَتِهِ مِن عَوَامُ الأَنَامِ.
49 ـ كالشَّمسِ تَظْهرُ للعينينِ مِن بُعدِ صغيرة وتكل الطَّرْفَ مِن أسم بعد بضمتين لغةٌ، والإكلالُ: التَّعجيز عن الإدراك، والطَّرْف: البَصَر، وأَمَمٍ بفتحتين: القُرْبُ.
يعني: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم في وَصْفِهِ الذِي تَقَدَّمَ ـ مِن أَنَّهُ عَجَزَ عَن فَهْمِ مَبَانيهِ وإدراكِ معانيه القريب والبعيد، والشَّقيُّ والسَّعيد ـ كالشَّمسِ التي تَظْهرُ للعينين من جهةِ البُعدِ حالَ كونها صغيرةً، وتُعْجِزُ البَصَرَ والنَّظَرَ مِن القُرْبِ وتُصَيِّر نَفْسَ الرَّائِي حَسيرةً، وهذا من تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لتقريبِ الفَهْمِ المَنْكوس. والحاصل: أَنَّ الشَّمسَ - على ما قيل: إنَّها قَدْرُ كُرةِ الأَرضِ مئةً وتسعاً وسِتِّينَ مَرَّةً 1 ـ كما أَنَّها تَظهرُ مِن المسافة البعيدة صغيرةً، وإذا تَقَرَّبَ الشَّخصُ لإدراكِ حقيقتِها ومَنزِلتِها يَرَى نَفْسَه عاجزةً حقيرةً، كذلك هو صلى الله تعالى عليه وسلم يُرَى في بادي النَّظَرِ أَنَّه فردٌ مِن آحادِ، البشر، وإذا تَأمَّل الواحِدُ في جمالِ ذاته وكمالِ صِفاتِه، تَحيَّرَ وعَجَزَ عن إدراك مراتبِ دَرَجاتِه، قال تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253]، قال المفسرون: المراد بالبَعْضِ: ذاتُه العَلِيَّةُ الصفات.
أو يقالُ: إِنَّه لا يُرَى في نظرِ الأغيار من أهل الغفلة عن الأسرار صغيراً2، وفي عينِ أهلِ البَصيرة من الأعيانِ وخُلاصة الإنسان كبيراً، قال تعالى: {وَتَرَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ}؛ أي: ظاهراً وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: ???]؛ أي: باطناً. ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اللهمَّ اجْعَلْني في عيني صغيراً»؛ أي: لمشاهدة عَظَمَتكَ وفي أَعْيُنِ النَّاسِ كبيرا» 4؛ أي: لمكاشفة قُدْرَتِكَ.
50 - وكيف يُدْرِكُ في الدُّنْيا حقيقته قوم نام تَسَلَّوا عنه بالحلم كيف ظرف متضمن لاستفهام الإنكار والاستبعاد، ومُتعلّق ب يُدْرِكُ، وتَقَدَّمَ لصدارة الاستفهام، و الحُلُم بضمتين لغةٌ، وهو ما يراه النائم، والمراد هنا الخَيَالُ. والقومُ همُ الوَرَى، أو ما وراء الأنبياء والأولياء.
والمعنى: كيفَ يَعلَمُ في الدُّنيا الدَّنيَّة حقيقةَ الذَّاتِ المحمَّديَّة، وحَقِّيَّةَ الصِّفاتِ الأحمدية، جماعةٌ غافلة كالنِّيام، قَنِعُوا عن معرفته بالخَيَالاتِ والأوهام، وفيه تنبيه على ما رُوِيَ: «النَّاسُ نِيَامٌ فإذا ماتوا انتبهوا»، وإشارة تحتها بشارة: أنَّ شمس جمالهِ وكوكب جلالِهِ تَطْلُعُ مِن أُفُقِ كمالهِ في الآخرة وقت النَّدَامة، كما قال: «آدمُ ومَن دُونَهُ تحتَ لِوَائي يومَ القِيَامَةِ»، فإنَّ البصائر تكمل حينئذ لإدراك السرائر للقريبِ والبعيد، قال تعالى: {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: ??]، ولذا قال بعضُ العارفين: إِنَّمَا امْتَنعَ رؤية الله تعالى في الدُّنيا الفانية لأنَّ الباقي لا يُرى إلَّا بالعين الباقية.
51 - فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ وأنَّه خيرُ خَلْقِ اللهِ كُلّهـ يُقرأُ البيتُ بإشباع هاء فيه على قراءة المكي، وكسر الميم في كلهم، والإشباعُ مِن الحُكْمِ الشِّعري.
يعني: نهاية بلوغ عِلْمِنا، وغايةُ وصول فَهْمِنا، فِي مَبْنَى ذَاتِهِ: أَنَّهُ بِشَرٌ عَظِيمٍ، وجوهرٌ جَسيم، من أفراد الإنسان، وآحادِ الأعيان، وفي معنى صفاتهِ أنَّه أفضلُ الكائنات، وسيِّدُ الموجودات، وإنما أَكَدَ بالـ كُلّ دَفْعاً لخلافِ البعض، وهذا إشعار بالعجز والقُصور لأهل الثقلين، عن إحاطةِ كُنْهِهِ في الجانبين.
52 - وكلُّ آي أَتَى الرُّسُلُ الكِرَامُ بها فإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمِ كل مرفوع على الابتداء، والواوُ لعطف الجمل، ويَبْعُدُ قولُ عصامِ الدِّينِ: إنَّه منصوب عطفاً على اسم أنَّ، والآي: جمعُ الآية بمعنى المعجزة، والرُّسُلُ بسكون السين تخفيفاً: جمعُ الرَّسولِ، و الكِرَامُ: جمع الكريم، وهو من باب الاكتفاء، إذ يُفْهَمُ غيرُه بالطَّريقِ الأَوْلَى.
يعني: جميع ما أَتَى الرُّسل والأنبياءُ مِن خَوَارِقِ العاداتِ فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ تلك الآياتُ الظَّاهرات، أو المعجزات الباهراتُ، مِن أثرِ نُورِهِ الأصلي، الذي اتَّصلَ إليهِم بالطَّريقِ الفَرْعي، فمعجزاتُ السَّابقِينَ معجزةٌ له، كما أنَّ كراماتِ اللَّاحِقِينَ كرامة له، فالسَّابِقُونَ واللَّاحِقونَ إنَّما هُمْ في الحقيقة له نائبون، كالمقدمة والسَّابقة للأمير سائرون، وإلى حُكْمه صائرون، وكذا كلُّ عِلْمٍ ومعرفةٍ ونُكتةٍ وحِكمةٍ فإِنَّهَا مِن أَشعَةِ أنواره، ولمعة أسراره.
53 ـ فَإِنَّه شمسُ فَضلِ هُمْ كَوَاكِبُها يُظْهِرْنَ أَنوارها للنَّاسِ فِي الظُّلَمِ الاكتفاء: أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم و ارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر لنكتة، ويختص غالباً بالارتباط العطفي كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَ} [النحل: ??]؛ أي: والبرد، وخصص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد عندهم من البرد، وقيل في تأويله غير ذلك.
ومنه: بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آل عمران: 26]؛ أي والشر، وإنما خص الخير بالذكر لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم، أو لأنه أكثر وجوداً في العالم، أو لأن إضافة الشر إلى الله ليس من باب الآداب. ومنه: وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنعام: ??]؛ أي: وما تحرك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
ومنه: هِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]؛ أي: والشهادة؛ لأن الإيمان بكل منهما واجب، وآثر الغيب لأنه تَحْيِيلٌ حَسَنُ وتعليلٌ مُسْتَحْسَنُ، فإنَّ تشبيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
بالشَّمس تشبيه بليغ، والإضافةُ بمعنى مِن؛ أي: مِن أفضالِ اللهِ، كذا قيلَ. والأظهرُ أنَّ الفضلَ بمعنى الفَضيلةِ والزِّيادةِ، والإضافة لأَدْنَى الملابسة، يعني: كما أنَّ الشَّمسَ متميّزة بزيادةِ الضَّوء وأصالة النُّورِ مِن سائر الأقمار والكواكب الكَوَامِل، كذلك نبيُّناً ممتاز بفضل أسرار الفضائل، وأصل أنوارِ الشَّمائل، عن سائر أربابِ الفَوَاضِل، وهم - يعني: الرُّسل والأنبياء - أمثالُ الكَوَاكِبِ لتلك الشَّمس. والإضافةُ تُفيدُ أنَّ كوكبَ الشَّمسِ مُختص بما يستفيضُ مِن فَيْضه، ويستفيد من ضوئه، وهو القمر، كما هو في محلّه مُقرّر، فَجَمْعهُ لتَعَدُّدِ المشبه به، وقيل: باختلافِ أحواله من الهلاليَّةِ والبَدْريَّةِ وغيرهما.
وقيل: المراد مُطلَقُ الكواكب، فيكونُ الحُكْمُ تغليبيا أو مُبالغةً أو ادعائيا، يُظْهِرْنَ؛ أي: الكواكب أنوارَ الشَّمس للنَّاسِ، وخُضُو الشرفهم، ولو قال: للخَلْقِ، لَعَمَّ. في الظُّلَمِ: جمعُ ظُلمةٍ؛ أي: ظُلَمِ اللَّيالي.
والمعنى: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بمنزلة الشَّمس في أفق سماء العَدْلِ والفَضْل بزيادةِ النُّورِ ومَزيَّةِ الأَصل، وسائر الأنبياء في المشارق والمَغَارِب، إنما هم بمنزلة القمرِ مِن بين الكواكب، في أنَّهم يستمدُّونَ مِن نورِ نبوته القديمة، ويستنيرونَ مِن ضياء رسالته القويمة، أو لأنَّهم كالنُّجومِ يُظْهِرُونَ أنوارَهُم في الليالي المُظْلِمَة، والأوقاتِ المُدْهِمَة. للناس؛ أي لبعضهم، أو لكلّهم، والتّخصيص بالنَّاسِ لأَنَّ الجِنَّ لَمْ يُبْعَثْ غير نبينا بهم.
هذا فالتَّعبير عن الأنبياء المشبَّهين بالكواكب المُنوِّرين بضميرِ الإِناثِ في يُظْهِرْنَ بناء على حُكْم المعبّر به، وهذا عكس ما وَرَدَ في القرآنِ مِن قوله تعالى: {رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَجِدِينَ} [يوسف: 4].
وفيه إشارة إلى نسخ شريعة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم شرائعَ مَن قَبْلَهُ مِن الأنبياء، وإيماء إلى أنَّ يومَهُ ليس بعده ليلٌ، وَدِيْنَهُ لا يَعْقُبُه زوالٌ وفَنَاء.
4 5 ـ أَكْرِمْ بِخَلْقِ نَبِيٍّ زَانَهُ خُلُقٌ بالحُسْنِ مُشْتَمِل بالبِشْرِ مُتَّسِمِ أَكْرِمْ به صيغةُ تَعَجبِ، والخَلْقُ بالفتح: الخِلْقة والصورة، وبضَمَّتَينِ:
الصفة والسيرة.
والاشْتِمالُ في أصل الاستعمالِ التَّلَفُّفُ بالشَّمْلِةِ والتَّلبس بها مع الإحاطة. والبشر بالكسر: ما يَظهَرُ في بَشَرةِ البَشَرِ مِن أثر الشرور، ويسمى: البشاشة، وفي بعض النسخ: بالبِر، وهو سَعَةُ الخيرِ والسَّمَاحَةُ. والاتسامُ بالشَّيء: الاتصافُ به، مِن الوَسْمةِ وهي العَلَامَةُ.
وجملة زانَهُ صفةٌ نبي أو خَلْقِ نبي. و بالحُسنِ متعلّق بـ مُشتمِل وهو بالجرّ صفةٌ أُخرَى، وَمِثْلُه ما بعده، والحُسْنُ راجع إلى الخَلْقِ، والبِشْرُ ناظر إلى الخُلُق، أو كلُّ منهما أعم، وهو في ذَوْقي أَتَم. يعني: ما أَكْرمَ خَلْقَ نبيٌّ وصُورتَهُ الظَّاهِرةَ، الذي زَيَّنهُ وحَسَّنهُ خُلُقُه والباطنةُ الطَّاهِرة، فهو كما قال تعالى: {نُورُ عَلَى نُورٍ} [النور: 35]، وقال: نُورِهِ كَمِشْكُورٍ فِيهَا مِصْبَاحُ} [النور: 35] هو 1 الموصوف باشتِمالِ الحُسْنِ وإحاطته جميع حالاته ومقالاتِه، وحركاته وسكناته، والمُتَّصِفُ بالارْتِسامِ بالبِشْرِ النَّام، والبشاشة على طريق الدوام، والابتسام في وجه الخاص والعام، على وجه
يرتضيه الملك العلام، عليه الصَّلاة والسَّلام، ما دامَتِ اللَّيالي والأيام. وإنْ كُنْتَ تُريدُ أنْ تُدْرِكَ لائحةً مِن صِفاتِ خَلْقِهِ الجَسيم، أو تَشَمَّ رائحةً مِن نُعوتِ خُلُقه العظيم، فعليك بـ «الشَّفا» و «المواهب»؛ لتَظْفَرَ بالعجائب والغرائب.
55 - كالزَّهْرِ فِي تَرَفٍ والبَدْرِ فِي شَرَفٍ والبحر في كَرَمِ والدَّهْرِ في هِمَمِ أي: هو صَلَّى اللهُ تعَالَى عليهِ وسلَّمَ، وشَرَّفَ وَكَرَّمَ، مِثْلُ الزَّهْرِ والوَرْدِ فِي الظرافةِ والطَّرَاوة، وفي اللطافة والطَّلاوة. ومِثْلُ البَدْرِ وهو ليلةَ أربعةَ عَشَرَ، المُعبَّر بطَرَفي الرفعةِ والتَّعْليَةِ على الكائنات، وفي غَلَبَةِ نُوره على سائر المخلوقات، وهو وما قَبْلَهُ متعلقانِ بخَلْقِهِ المكرَّم، كما أنَّ الوصفانِ المتأخّرانِ راجِعانِ إلى خُلُقِهِ المُعظَمِ، ومِثْلُ البحر في أنواع الإحسان إلى أفراد الإنسان، كما قال تعالى في سورة الرَّحْمَن يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ?? - ??]. ومِثْلُ الدَّهر - وهو أعمُّ مِن العَصْر - في الهمة، والقَصْدِ والنيَّة، والظاهرُ أنَّ المراد بها مَلَكةُ الشَّجاعة، وعُلُو همَّةِ الزَّمانِ تَخْييلي، وأمَّا وَصْفُه فتَحقيقي، والتشبيه مِن بَابِ تشبيه النَّعَتِ المَعْنوي بالأمرِ الحِسي.
و ممَّا وَرَدَ في نُعومةِ بَدَنه ورعانةِ جَسَدِه: ما أَخرجه الشيخان عن أنس رضِيَ الله عنه: ما مَسِسْتُ حريراً ولا ديباجاً ألينَ مِن كف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وممَّا جاء في عُلُوّ مَقامهِ ونُورِ وجههِ ما أشار إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله: «فَضْلُ العالم على العابِدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البَدْرِ على سائر الكواكب»،
رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وقال في حديث آخَرَ: «فَضْلُ العالم على العابِدِ
كَفَضْلِي على أَدْناكُمْ»، رواه الترمذي وغيره.
وممَّا رُوِيَ في كَرَمهِ وإحسانه وبِرِّهِ وامتنانه ما رواه مسلم عن أنسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ما سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلَّا أعطاه، قال: فسأله رجلٌ غَنَماً بينَ جَبَلِينِ فأعطاه إياه، فأَتَى قومه فقال: يا قومِ أَسْلِموا، فوالله إنَّ محمداً يُعطِي عطاءَ مَنْ لا يخافُ الفقر.
وممَّا يَدُلُّ على قُوَّةِ قَلبهِ وهِمَّتِهِ ومَلَكَةِ شَجَاعَتِهِ: رَكْضُ بِغَلَتِهِ لَمَّا وَلَّى المسلمون في حُنَينِ قِبَلَ الكفَّارِ إلى أنِ انْهَزَمُوا بِحَصَياتٍ رماهم بها. وعن البَرَاءِ: كنا والله إذا احْمَرَّ البأسُ نتّقِي بهِ صلى الله تعالى عليه وسلم.
رَوَى الحديثينِ مُسلم، والتشبيه الأخيرُ على عادةِ شُعراء العرب ومُبالَغتِهم في تحسينات الأدب، ونظيره قول الشاعرِ في ممدوحِهِ: وهمته الصُّغَرَى أَجَلُ مِن الدَّهْرِ له هِمَمٌ لا مُنْتَهى لكبيرها
وقد نُسِبَ هذا البيتُ إلى حسَانٍ مَدَحَ به النَّبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم.
56 - كأنَّهُ وهو فَرْدٌ في جَلَالَتِهِ في عَسْكَرِ حِينَ تَلْقاهُ وفِي حَشَمِ في جلالته صفةٌ لـ فرد، و في عَسكر متعلّق بمحذوف في محلّ رفع على أَنَّهُ خَبَرُ كأنَّ؛ أي: كأنَّ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم والحال أنه مُنفرد بذاتِه، وثابت في عَظَمَةِ صِفاتِه، وكائن في ظهورِ كَمَالاتِه، مِن كمال هيبته، وجَلالِ أُبهتِه، قائم في قلبِ عسكرٍ كبير، وفي وَسْطِ حَشَمِ كثير، حينَ تَلْقاهُ أَيُّها المخاطَبُ، وتَرَاهُ في ذلك الموكب.
و في البيت إشارة إلى قوَّةِ شجاعتِه، وعَظَمَةِ مَهابَتِه، بأنْ يكونَ حالَ الانْفِرادِ مِن قوَّةِ الجَأْشِ كمَن يكون في قلب الجيوش مِن حالِ الانْتِعاش، وإيماء إلى أَنَّهُ لَا يَخلُو عن متابعة أعوانه، ومُشايَعةِ خِلَّانهِ مِن الرِّجالِ الغَيبيَّة، والملائكةِ السَّماوية.
وفي نسخة: مِن جَلَالَتِهِ على أنَّه علَّةٌ للتَّشبيه المُستفادِ مِن كأنَّ، وهو في المعنى وجهُ الشَّبَهِ؛ إذِ القَصْدُ تَشبيههُ مُفْرَداً بنَفْسِهِ المُختار، مصحوباً بعسكرٍ وحَشَمِ في الهيبة والوَقَار.
وفي نسخة: بهم - بدل حَشَم - بضم الباء: جمعُ بَهم بفتحها، وهو الشَّجِيعُ، وقيل: جمع بُهمةٍ كـ: تُهمة، وهو العسكر أو الركبان، والنسخة المشهورةُ أَوْلَى؛ لإتيانِ هذهِ اللّفظةِ فِي القَوَافِي الآتِيَةِ.
57 - كَأَنَّمَا اللُّؤْلُؤُ المَكْنونُ فِي صَدَفٍ مِن مَعْدِنَيْ مَنْطِقٍ مِنهُ ومُبْتَسَمِ يُقرأُ البيت بسكون الهمزة الأُولَى وإبدالها من اللُّؤلؤ، وبإشباع هاء منه،
وهو راجع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم.
والمَنْطِقُ: مكانُ النُّطْقِ، وهو القلب أو اللسانُ، وهما مَظْهَرُ البيان.
والمُبْتَسَمُ بصيغة المفعول: مكانُ التَّبسم وهو الشَّفَتانِ، وهما مَظْهَرُ الأَسنانِ.
ويُمْكِنُ أَنْ يكونَ المَنْطِقُ والمُبْتَسَمُ مَصْدرانِ، والإضافةُ بمعنى اللَّام، وعلى الأول للبيان.
وفي البيتِ تَشْبيهانِ: أَحدهما مَعْنويٌّ، والآخَرُ حِسِّيٌّ، يعني: أَنَّ جَوَامِعَ كَلِمَهِ ودُرَرِه، ومَنْظُومَ أَسنانِهِ وثَغْرِهِ؛ كاللُّوْلوِ المَصُونِ في لَطَافَتِهِ وغُرَرِه، كما قال البُخْتُرِيُّ: فمِنْ لُؤْلُوْ يُبْدِيهِ عندَ ابْتِسامه ومن لُؤْلُو عند الكلامِ يُسَاقِطه وشبة الفم والقلبَ بالمَعْدِنِ في أَنه لا يَنْفَدُ بكثرة لطافتِهِ، وَوَصَفَ اللُّؤْلو بالمكنونِ
الدال على طَرَاوَتِهِ، وتقييده بكونهِ في صَدَفَهِ ومَعْدِنِهِ لكونه فيه أحسن منه في غيرِه. قال المحلي: حُكِي أنَّ بعضهم رأى في المنام أنَّ الصِّدِّيقَ يَزُفُ النَّبيَّ عليه السَّلامُ بهذا البيت والبيت الذي قبله، بأحسن الأنغام.
ولَمَّا أشار ببعض كمالاتهِ الصُّوريَّةِ والمعنويَّةِ مِن خَلْقِهِ وخُلْقِهِ حالَ الحياةِ، أَوْمَاً بأنَّه أيضاً متميز عن سائر المخلوقاتِ في حالِ المَمَات، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ على الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاء.
58 - لا طيب يَعْدِلُ تُرباً ضَمَّ أَعْظُمَه طُوبَى لِمُنتَشَقٍ مِنهُ ومُلْتَتَمِ الطَّيِّبُ: اسمٌ لِمَا يُتطَيَّبُ بهِ وعَدَلَ به ساواه، والتُّرْبُ بالضم بمعنى التُربةِ أو
التّرابِ، ونصبه بتنزع الخافض والصم بمعنى الجمع واللم.
والأَعْظُمُ: جمعُ العِظام والمراد: جميع أعضائه المعظَّمةِ، مَجازاً بذِكْرِ الجزء وإرادة الكل.
و طُوبَى مصدرٌ مِن بابِ طَابَ؛ كَبُشْرَى وزُلْفَى، والواو منقلبةٌ عن الياءِ لضمَّةِ ما قَبْلَها، وهو مرفوع المحل؛ كقولك: سلام لك، أو منصوب المحل؛ ك: طيباً لك، و سلاماً لك. واللام للبيان كما في سَقْياً لكَ، ومعناه: أَصَبْتَ خيراً أو طيباً، وفيه معنَى التَّعجُبِ والتَّمَنِّي. وانْتَشَقَ؛ أي: شَمَّ، وتُقرأُ هاءُ منهُ بالإشباع، وضميره راجع إلى ترب، وهو أبلغ من أنْ يكونَ عائداً إليه صلى الله تعالى عليه وسلم. ولَثَمَهُ والْتَثَمهُ: قَبَّلَهُ. يعني: لا يُوجَدُ طيب مِن مِسْكِ أو مِن مِسْكِ أو عبير أو عنبر أو غيرها يساوي نفسه بتراب تربته التي لَمَّتْ أعضاءَهُ وجَمَعَتْ أجزاءه، وأحاطَتْ بجسمه الشريف، وقُرِنَتْ بِقُرْبِ بدنه اللطيف.
ولهذا يتعجَّبُ ويَتمَنَّى - ويُقالُ: ويَتَرنَّى - بأنَّ الحال المستطابةَ حاصلةٌ لمُنْشَم ذلك التراب، ومُقبَّل مِن ذلكَ الأَعْتاب، وهو كناية عن الزيادة والاقتراب، مِن ذلك الباب، ففي الحديثِ المتَّفق عليه عن أنس رضيَ اللهُ عنه قال: ما شَمَمْتُ عَنْبراً ولا مِسْكاً ولا شَيْئاً أَطْيَبَ مِن رِيح رسولِ اللهِ
والبيتُ مُقْتَبَسٌ مِن مَرْثِيَةِ البَتُولِ الزَّهْراءِ فاطِمَةَ الكُبرى رضِيَ اللهُ عنها: صُبَّتْ عَلَيَّ مَصائِبٌ لَوْ أَنَّها صُبَّتْ عَلَى الأَيَّامِ صِرْنَ لَيَالِيَا ماذا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ لَوْ لَمْ يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
ثُمَّ صَرَّحَ العلماء بأنَّ ضَريحه صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من الكعبة،
وإنما الخلافُ المشهورُ بينَ مكَّةَ والمدينة، بل رُوِيَ عن الغزالي: أَنَّ تُربةٌ لَصِقَتْ بجسده مِن الفَرْش، أَعلى رتبةً مِن العرش.
ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ بَلَغَ مَبْلَغَ الكمال في جميع الأحوال، أَشَارَ إِلى أَنَّهُ ظَهَرَ مِن مَبَادِيهِ لوائح الجَمَال، فقال:
59 - أَبَانَ مَوْلِدُه عَن طِيبِ عُنْصُرِه ياطِيبَ مُبْتَدَأَ مِنهُ ومُخْتَتَم الإبانة: الإظهارُ، والمولد والمبتدأ و المختتم، وفي نسخة: المُفْتَتح: أسماءُ زمانٍ.
والعُنْصُرُ: الأصل والأركانُ. و منه بإشباع الهاء، والضمير راجع إليه. يعني: أَظْهَرَ زمان ولادته، بإظهار الله وإرادته، عن نظافة مادَّتِه وأصله ونَسَبِه، ولَطَافة خِلْقَتِه وحَسَبِه، فيا قومِ انْظُرُوا طِيْبَ زمان ابتداءِ خِلْقتِه، وطَهَارَةَ وقتِ اختتامِ رِخلتِه. والنداء للتّعجب والتعجيب، والحثّ على فَهْمه والترغيب، وفيه إيماء إلى حُسْنِ فاتحته وخاتِمَتِه، وإنْباء إلى عُلُوّ سعادَتِهِ في بِدَايَته، التي هي أساس نهايته، ولذا قال الصِّدِّيقُ الأكبرُ لمَّا قبَّلَهُ بعد مماته: طِبْتَ حيّاً وميتاً، وكما قال الشاعر: في المَهْدِ يَنْطِقُ عَن سَعادَةِ جَدِّهِ أثرُ النَّجَابةِ ساطعَ البُرْهانِ والمراد بالابتداء والاختتام: الاستمرار والدوام؛ كما في قوله تعالى: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42]، {وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيَّا} [مريم: 62]. 60 - يومٌ تَفَرَّسَ فِيهِ الفُرْسُ أَنَّهمُ قد أُنذِروا بحلولِ البُؤْسِ والنِّقَمِ يشم»، وفيها أيضاً عكس الترتيب في البيتين.
في هذا الكلام والاستدلال نظر، فإن مثل هذه الأمور الغيبية يستدل لها بالحديث والأثر.
المراد باليوم: مُطْلَقُ الزَّمان؛ لقوله في البيت الآتي: وبات إيوان كسرى، وهو بدل من مولده، أو خبر مقدر هو: هو.
وتَفَرَّسَ؛ أي: نَظَرَ وعَلِمَ بالفِرَاسة، وهي قوَّةٌ يُدْرِكُ بها الإنسانُ المعاني الباطِنَة مِن المخايل الظاهرة.
والفُرْسُ: اسم جمع لأهلِ بلادِ فارِسَ، وهو بكسر الراء في لغة العرب، وبسكونها في كلامِ العَجَمِ.
وأَنَّهمُ يُقرأُ بِصِلَةِ الميمِ. والبُؤْس يُهْمَزُ وَلا يُهْمَزُ، وهو الشِّدَّةُ المُوْرِثةُ للهم والحزن. والنَّقَم بكسرِ النُّونِ وفتح القافِ: جمعُ نِقْمَةٍ بمعنَى العقوبة. يعني: زمانُ وِلادَتِه، وأوانُ بدَايَتِه صلى الله تعالى عليه وسلم، هو وقت ظَهَرَ بطريقِ الفِرَاسَة، في ساعتِه الموصوفة بالنَّفَاسَة، لأهلِ الفُرْسِ مِن عُظمائِهِمْ وَعُلَمائِهِمْ، أنهم قد أُعْلِموا إعلاماً متضمناً للتخويف، بنزولِ الشَّدائِدِ والعُقوباتِ بهم على وَجْهِ التضعيف، مِن زوالِ دولتِهم، وانْقِراضِ مِلَّتِهِمْ، حيثُ قارَنَ ولا دَتَهُ الآيات والعلامات، التي يُقال لها: الإرْهَاصَاتُ، وهي خَوَارِقُ، العادات المتقدمة على ظُهورِ المُعْجِزات، كما أشار إلى بعضها المصنِّفُ، ويَعْجِزُ عن إحصائها المُنْصِف.
61 - وباتَ إِيوانُ كِسْرَى وهو مُنْصَدِعْ كشَمْلِ أَصحابِ كِسْرَى غَيْرَ مُلْتَئِمِ بات عطف على تَفَرَّسَ؛ أي: صارَ في وقتِ البَيْتوتة، والمراد: ليلة ميلادِهِ عليه التَّحِيَّةُ، والإيوانُ بكسر الهمزةِ مُعَرَّبٌ لمُسقَفِ لا يكون لجانبه المقدَّمِ جدارٌ. وكِسْرَى بكسر الكافِ وفتحها مُعرَّبُ خُسْرُو، وهو اسم لملِكِ الفُرْس؛ كَفَرْعُونَ لِمِصْرَ، وقَيْصَرَ للرُّومِ، والنَّجاشي للحَبَشِةِ، والخاقانِ للتُّرْكِ، وتُبَّع لليَمَنِ. والانْصِدَاعُ: الانْشِقَاقُ والشَّمْلُ: التَّفَرُّقُ بعد الاجتماع. والالْتِنامُ بالهمز:
الاتصال.
والمراد بـ كسرى الثَّاني غير الأوَّلِ، وليس من باب الإظهار موضع الإضمار، فإنَّ الأَوَّلَ أَنُوشرْوَانُ بنُ قُبَاذَ العادِلُ، وحديث: «وُلِدْتُ في زمانِ الملِكِ العادِلِ» لا أصل له كما قاله السَّخَاوِيُّ، وأَمَّا الثَّاني فهو أَبْرَويزُ بنُ هُرْمُزَ بنِ يَزْدَجِرْدَ بنِ أَنُوشَرْوَانَ.
وفي «شرح المنظومة»: أنَّ هذا الثَّاني عم والدِ الإمامِ الأَعظَمِ أبي حنيفةَ نُعمانَ ابنِ ثابت بن طاوس بنِ هُرْمُزَ، وتلميذه الإمام محمدٌ يَصِلُ إِليه في طاوس، وهو محمد بن حسنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ طاوس.
و غيرَ مُلْتَمِ خبر بات، وكَشَمْلِ متعلق بـ غير مليم، وإِنَّما لَمْ يَلْتَيم ليكون تذكرةً باقية، وتَعِيَها أَذُنْ واعِيَة.
ويجوز أن يكونَ كَشَمْلِ أَصحابِ كِسْرَى خبر بات، وغيرَ مُلْتِئِمٍ حالاً مِن الشَّمْلِ، فيرادُ مِن الالْتِنامِ الاتِّفاقُ.
والمعنى: صارَ ليلة ظهوره وبُدُو نُورِه صلى الله تعالى عليه وسلم طاق إيوانِ كِسْرَى مكسوراً إشارةً إلى كَسْرِهم، وغير مُلتتم إيماء إلى عَدَمِ جَبْرِهم؛ كتفرقة أصحاب كسرى الآخَرِ بعد اتفاقهم اتفاقاً لَمْ يَتَّفِقُ لأحدٍ مِن مُلوكِ الأرض؛ كَمَسْنَدِهِ، ومَقَامِهِ وحَشَمهِ وجُيوشِهِ وأعوانه وخَدَمهِ، فَلَمْ يَزالوا في الانهدام والانهزام حتى جاءَ تباشير الإسلام.
رُوِيَ أَنَّه لَمَّا ارْتَجَّ إيوانه، خافَ هو وأعوانه، إذْ سقط أربعَ عَشْرَةَ شُرْفةً، فوجَّهَ قاصداً إلى النعمانِ بنِ مُنذرٍ أحد ملوك العرب؛ ليَستفسر عن سِرِّ ما بدا، فرَفَعَ الخبر وقد أَشْفَى على الضَّريح، وهو أحدقُ كَهَنةِ العرب، مَا كَانَ لَهُ عَظْمٌ سِوَى إلى سَطِيحٍ
رأسه أصلاً، فقال: يكونُ أسبابُ شَتَاتٍ، ويموتُ مُلوكُ ومَلِكاتٌ بعدَدِ الشُّرُفات. قيل: قال كِسْرَى: بينما يعيشُ أربعةَ عَشَرَ مَلِكاً ويموتون، يُدَبِّرُ الله فيما سيكون. فماتَ عَشَرَةٌ مِنهم في أربع سنين، وانْقَرَضَ أربعتهم إلى خلافة أمير المؤمنين، عثمان رضي الله تعالى عنه وعن كلَّ الصَّحابة أجمعين.
62 - والنَّارُ حَامِدَةُ الأنفاسِ مِن أسفٍ عليهِ والنَّهْرُ سَاهِي العينِ مِن سَدَمِ الحمود: الانطفاء، ونَفَسُ النَّارِ كِناية عن لَهَبِها، والأَسَفُ: الحُزْنُ، والسَّاهي الغافِلُ، والسَّدَمُ: الحَيْرَةُ. وجملةُ: النَّارُ خامِدَة عَطْفٌ على قوله: وهو مُنْصَدِعْ،
ويجوز أن تكونَ عطفاً على بات؛ لأنَّ هذهِ الجُمل في تقدير المفردات.
يعني: والنَّارُ التي كانَتْ مُوقَدَةً مُدَّةَ أَلف سنة ـ لأنهم كانوا يَعْبُدُونَها، ولها خَدَمة يحفظونها ويفقدونها ـ خَمدَتْ وهَمدَتْ عند ظهورِ نورِ ولادته، وأشعة شمس نبوته وولايته.
وفيه إيماء إلى أنَّ مَن اقْتَبَسَ مِن هذا النُّورِ انْطَمَسَ وَانْطَفَأَ عَنهُ النَّارُ، ويُؤيَّدهُ أَنَّ نارَ جَهَنَّمَ تقولُ: «جُزْ يا مُؤْمِنُ فَإِنَّ نُورَكَ أَطْفَأَ لَهَبي».
وقوله: مِن أَسَف؛ أي: مِن تَأْشُفٍ وتَحَزُّنٍ على كسرى، أو الفُرْسِ، أو على كفرهم حيثُ عَبدُوها وتركوا عبادةً خالِقِها، أو مِن أَجْلِ حصولِ الأَسَفِ والحُزْنِ لهم بتَفَقُدِ مَعْبودِهم.
قوله: «ويفقدونها»، كذا في النسختين، ولعل الصواب: «ويتفقدونها».
وفيه إشارة إلى أنَّ الحادث والفاني غير مستحِق للعبودية، بل الحيُّ الذي لا يموتُ يَسْتحِقُ الربوبية.
وقوله: والنهر؛ أي: وصار في تلكَ اللَّيلةِ المُظْلِمَةِ والسَّاعَةِ المكرَّمة نهر الفراتِ غافلاً يَنْبوعُه عن مَجْراهُ مِن حَيرةِ الفِراق، ووَقَعَ في ساوة وهي بادية بين دمشق والعراق.
أو المراد بالعين: الباصرةُ، فالمعنى: سَهَا عينُ ماءِ الفُراتِ لتَحَيُّرِهِ مِن مفاجأة البَلْوَى، وضلَّ الطَّريقَ لطُّرُوِّ العَمَى، كذا قيل.
:
وقيل: أي: نهر كسرى الذي جَعَلَ فوقَهُ سدًّا عظيماً ومَقاماً كريماً، وصَرَفَ فيه خَرَاجَ العالَمِ، ولَمْ يَرَ مِثْلَه عينُ بني آدَمَ يَبِسَ في تلك اللَّيلِةِ عَيْنُهُ، مِثْلَ قاسي قلبٍ لَمْ تَدْمَعْ عينه من الحيرة في القدرة الإلهية، والخشية مِن العَظمةِ السُّلطانية.
وفيه إشارة إلى أنَّ الجمادات لها تَغَيُّرات بتغيير المغيرِ الرَّبَّاني، وتأثيرات بتأثير المؤكِّرِ الصَّمَداني، قال تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74].
وقال تعالى: {قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69].
وقال عزَّ وجلَّ: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25].
فَخَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: ??].
وفي هذا كله ردُّ على الطبيعية، التي تُخالف الأصول الشَّرعيَّة، وفيه إشعار إلى أنَّ كلَّ نهرٍ من العلوم العقلية، المتضمنة للدقائق الفلسفية، ليس لها وجود عندَ بحرِ عُلومهِ الشَّرْعِيَّة، ويَنْبوع مَعَارِفِهِ الحقيقيَّة.
63 ـ وساءَ سَاوَةَ أَنْ غَاضَتْ بُحَيْرَتُها وَرُدَّ وارِدُها بالغَيظِ حينَ ظَمِي ساءَهُ: أَحْزَنَهُ، و ساوَة: بلدةٌ بعينها تابعة لهَمْدان في قديمِ الزَّمان، وصارَتْ أَيَّامَ هارونَ الرَّشِيدِ مِن أَتْباعِ قُمْ قريباً مِن كاشانَ.
و غاضَ بمعنَى: نَقَصَ، جاء لازماً ومُتعدِّياً، والبحيرة: تصغير البحر، قيل: وهي عظيمةٌ، فتصغيرُها للتَّعظيم. ورُدَّ على بناء المفعول، وواوه للعطف أو للحال.
والوارد: هو المُشْرِفُ على الماءِ دَخَلَهُ أو لَمْ يَدْخُلْه، ويقال للسَّابق أيضاً. والباء للملابسة إنْ كان الغَيْظ بالظَّاء المُشَالِةِ، أو للسببيَّة على روايته بالصَّادِ بمعنى النَّقْصِ، وهو متعلق بـ رُدَّ. و حينَ يتعلق بـ رُدَّ أو بـ الغيظ أو بـ وارد. و ظَمِي فعل ماض مِن الظَّمأ بالهمز، وهو العطشُ، فلمَّا سَكَّنَ الهمزةَ وَقْفاً أَبْدَلَ ياءً، وما وَقَعَ في بعض النُّسَخِ مِن حذفِ الياءِ فهو سَهْوُ قَلَمِ. والمعنى: أحْزنَ أَهلَ ساوَة - وكانَتْ حَوَالَيْها صوامع لليهود وكنائس للنَّصَارَى مُعْتبَرة، ومُتنزهاتٌ مُشْتَهِرة - نقصان بحيرتها مائها، وانتِقاصُ ماء بحيرتها في ليلة الميلادِ على خِلَافِ المُعتاد، ورَجَعَ قاصِدُ مائها وطالبُ ما بها بالقَهْرِ والغَضَب، أو بسببِ النَّقْصِ والتَّعَب، حينَ عَطِشَ َورَجَعَ عَطَشَانَ، وَعَلى نَفْسِهِ غَضْبان.
وفيه إيماء إلى أنَّ بحرَ أهل العذابِ إِنَّما هو كسرابِ بقِيعَةٍ يَحسبه الظمآنُ مَاءً، بخلافِ الكَوْثِرِ الذي أُعْطيَ خيرُ البَشَر، فإِنَّهُ مَن شَرِبَ منهُ شَرِبةً لا يَظمأ بعدها أبداً. وفي نسخة: غارَتْ بدل غاضَتْ وهو أظهر في المعنى، وأدلُّ على المُدَّعَى، ويندفع وهمُ التَّقْصانِ بقولهِ: رُدَّ الوارِدُ السابِقُ فكيف باللاحق؟ وأَكَّدَ دَفْعَه أيضاً بقوله:
64 - كأنَّ بالنَّارِ ما بالماءِ مِن بَلَلِ حزناً وبالماءِ مَا بِالنَّارِ مِن ضَرَمِ
الضَّرَم بفتحتين: الْتِهابُ النَّارِ، والألِفُ واللَّامُ في الماء والنَّارِ للعَهْدِ؛
أي: نارِ فارِسَ وماء بحيرة، وقيل: للجنس. والأوَّلُ أظهر.
والمعنى: أنَّ الذي كان بالماءِ مِن بَلَلٍ كأَنَّه حَصَلَ بالنَّارِ؛ لأَجْلِ الحزنِ على زوالِ الكُفْرِ والكفَّار، فكأَنَّها تبكي على اضْمِحْلالِ الكفرِ وجَلَاءِ عَبَدتِها، وتَحتِرِقُ على مُفارَقةِ أحِبَّتِها، وكأنَّ بالماءِ حَصَلَ الذي كانَ بالنَّارِ مِن شُعلةِ الالْتِهاب، حُزناً على مفارقة الأصحابِ والأَحْباب، فكأَنَّه يَحتِرِقُ وَجْداً لفُقْدانِ شارِبَتِها، وتأسفاً لذهاب منزهاتها.
65 - والجِنُّ تَهْتِفُ والأنوار ساطِعَةٌ والحَقُّ يَظْهرُ مِن معنى ومن كلم الجن مأخوذ من جَنَّهُ: إِذا سَتَرَهُ، سُمُّوا به لاسْتِتارِهم عن أعيُنِ النَّاسِ.
وهَتَفَ؛ أي: صاحَ وأَفْهَمَ الكلامَ مِن حيث لا يَراهُ السَّامِعُ. يعني: وطائفةُ الجِنِّ أيضاً عَلِموا بولادته، وأخبروا بحُلولِ وقتِ رسالته، والأنوار في زمان ظهورِ ذلك النُّورِ ظَهَرَتْ على الأنام، بحيثُ أَضَاءَتْ قُصورَ الرُّومِ والشَّامِ. و الحق؛ أي: أَمْرُ نبوّتِهِ يَظْهَرُ مِن مَعْنَى قارَنَ ولادته وهو الإضاءَةُ، ومن كلم نَطقَتُ بهِ الجِنُّ لإرادة الإشاعة.
رُوي أنَّه سَمِعَ النَّاسُ مِن جبل أبي قبيس والحَجُون، عند ولادة ذلك الدُّرِّ المكنون، أصوات الجن في مدح أمِّهِ آمِنَةَ، وَلَمْ يَرَوا مِنهم أَحَداً: لقد وَلَدْتِ خير البَرِيَّةِ أحمد.
ونُقل عن أم عثمان بن أبي العَاصِ أَنَّها: قالَتْ: كنتُ حَضَرْتُ ليلة الميلاد،
فرأيتُ الأنوار ساطعة على جميع العِبَادِ والبلاد.
وقالتْ صَفيَّةُ بنتُ عبد المطّلب: رأيتُ نوراً على نورِ السِّراحِ غالب. وقيل: المراد مِن هَتْفِ الجِنِّ: إخبارُهم للكَهَنةِ أَنَّه سيُولَدُ صاحبُ النُّبُوَّةِ، ومِن الأنوارِ السَّاطعة الواضحة: أنوارُ جِبَاهِ آبَائِهِ وأجدادِهِ اللَّائِحَة.
وقيل: تَظهرُ حقيقته مِن صُورَته ومعناه أو من ظاهره وباطنه، أو من الأمور
المعقولة والمحسوسة، أو مِن مَعَانِي القُرْآنِ وألفاظ الفُرْقان.
66 - عَمُوا وَصَمُّوا فَإِعْلَانُ البَشَائِرِ لَمْ تُسْمَعْ وبارِقَةُ الإنذارِ لَمْ تُشَمِ الضمير في عَمُوا وصَمُّوا - بفتحِ الصَّاد - إلى أهلِ العِناد، والدَّالُ قَرِينةُ الحال؛
لأنَّ ذِكْرَ الحبيبِ يَدلُّ على العدو، والأشياءُ تَتَبَيَّنُ بأَصْدَادِها.
و الإعلانُ بالكسر: مصدرُ أَعْلَنَ بمعنى أَظْهَرَ، وبالفتح: جمعُ عَلَنٍ بمعنى عَلَانيَة.
و البشائر: جمعُ البَشِيرة، وهي المُبَشِّرة، وقيل: جمعُ البشارة بكسر الباء، وهي الخبرُ المورِثُ لسرورِ البَشَرةِ.
و لَمْ يُسمَع رُوِيَ بِالتَّذكيرِ والتَّأْنيثِ.
والبارقه مصدرٌ بمعنى البرق؛ كالكاذبة في قوله تعالى: {لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَاذِبَةٌ [الواقعة: 2]، وقيل: اسم فاعل وهي السَّيفُ، ويُراد بها: الإنذاراتُ اللَّامِعةُ.
والإنذار: إعلام فيه تخويف ونصيحةٌ. وشامَ البَرْقَ: نَظَر إليه.
والمعنى عَمِيَ الكفارُ عن رؤية الأنوار فلَمْ يَنظروا إلى إنذاراتِهِمُ المَرْتَيَّةِ بالضّياءِ واللمعان، وصموا عن الأخبار والآثارِ فَلَمْ يَسْمَعُوا بشائر النُّبوَّةِ الواقعة على وجه الإعلان، قال الشاعر:
20: فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك.
لقد أَسْمَعْتَ لو ناديتَ حيّاً ولكن لا حياةَ لَمَنْ تُنادِي والحاصل: أنَّهم ما انتفعوا ببشارة البشير، ولا تأثروا بنذارةِ النَّذير، لا مِن الآياتِ والمعجزاتِ المَرْتَيَّة، ولا مِن الدَّلالات والحِكَميَّاتِ السَّمْعِيَّة، أو: لا مِن رُؤية الأنوار في ليلة ولادته، ولا مِن أخبار الجنّ بظهورِ رِسالته، أو: لا مِن كَسْرِ قَصْرِ كسرى حينَ أَبْصَروا، ولا مِن قولِ الكَهَنةِ لهم حينَ أَخْبَروا. لكونهم صُمَّا عن سماعِ الحقِّ وقبولِه، وعُمياً عن رؤية الحقِّ ووصوله.
وفي البيتِ لَفٌ ونَشْرٌ مَشوَّشُ، والأظهرُ أَنَّهُ عَكَسَ ليتعلَّقَ ما بعدَهُ بما قبلَهُ لفظاً ومَعْنِّي، فيكونَ مِن قَبيلِ: {يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} الآية [آل عمران: 106].
67 - مِن بعدِ ما أَخْبَرَ الأَقْوَامَ كَاهِنُهُمْ بأنَّ دِينَهُمُ المُعْوَجَّ لَمْ يَقُمِ الجارُّ تَنَازَعَ فيه الفِعْلانِ المتقدّمانِ. والكاهِنُ: المُخْبِرُ عن بعض الأمورِ الغيبيَّة، بالسَّمَاعِ مِن الطَّائِفَةِ الجِنِّيَّة، المُسْترِقَةِ مِن الملائكةِ السَّماوِيَّة، وقد قال تعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]. والاعْوِجَاجُ في الأمورِ الحِسيَّة: عَدَمُ الاستقامةِ الصُّورِيَّة، وفي غيرالحِسيَّة: عَدَمُ الاستقامة المعنوية.
وقامَتِ السُّوق: إذا نَفَقَتْ.
والمعنى: صَمُّوا حيثُ لَمْ يَسمعوا بشائر الإنذار، مِن بعدِ ما أَخْبَرَ كَاهِنُهُم أقوامهم الكفَّار، بأنَّ طريقتهم التي تَدَيَّنوا بها، وخَرَجوا عن طريقِ الصَّوابِ الذي فُطروا عليه بسببها، لم يَقُمِ اعْوِ جاجُها، ولَمْ يَحْصُلْ رَوَاجُها، قال تعالى:
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: ??].
وفيه إيماء إلى أَنَّه أَجْمَعَ المُحِقُ والمُبْطِلُ على حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ وصِدْقٍ رِسالتِهِ، فالإصرار على الإنكار؛ لإطفاء نور الأبصار، ولذا قال النَّاظِمُ - رحمه الله تعالى - بعدَهُ:
68 - وبَعْدَ ما عاينوا في الأفق مِن شُهُبٍ مُنْقَضَّةٍ وَفْقَ مَا فِي الْأَرْضِ مِن صَنَمِ بعد رُوِيَ بالجرِّ والنَّصبِ، و ما مَصْدريَّةٌ أو موصولةٌ، والأُفق بسكونِ الفاءِ مخفَّفٌ وضمها: مفرد الآفَاقِ، وهي جَوَانبُ السَّمَاءِ.
و الشُّهُبُ بضمتين: جمعُ شهاب بمعنى الكوكب المُضيء، ويُطلَقُ على شعلة نار ساطعة، والأصح أنَّها مُنفصلةٌ مِن نارِ الكَوَاكِبِ وليسَتْ نَفْسَ الكَوَاكِبِ؛ لضَمها قارَّةٌ في الفَلَكِ على حالها، وما ذاكَ إِلَّا كَقَبْسٍ يُؤْخَذُ مِنَ النَّارِ وَهِي ثَابِتَةٌ كَامِلَةٌ غير ناقصة.
والانقضاض: السُّقوط، يُقالُ: انْقَضَ السَّهُمُ: سَقَطَ، وتَجوزُ الحَرَكاتُ الثَّلاثُ في مُنْقضَة، ونُصِبَ وَفْقَ بنزع الخافض، أو على الحالية؛ أي: حال كونها مُوافِقةً لِمَا في الأرضِ.
والمعنى عَمُوا حينَ لَمْ يَرُوا بَوَارِقَ الإنذار الواضحة، من بعدِ مُعاينتهمْ في أطراف السَّماءِ بعضَ الشُّهُبِ السَّاقِطةِ اللائحة، على وَفْق سقوط ما في الأرض من الأصنام الكالِحَة.
والحاصل أنه ما نَفَعَهم الآياتُ الآفاقيَّة مِن مَنْعِهِمُ الاسْتِراقاتِ السَّمْعِيَّة، ولا الآيات الأنْفُسيَّة مِن انْكِبابِ الأصنام على الوجوه المَقْلُوبيَّة، فَلَمْ يَنْجَحْ فِيهِمُ العِيَانُ، كما لَمْ يَنفع لهمُ البَيَان، والله المستعان، وعليه التكلان.
69 - حتَّى غَدَا عن طَرِيقِ الوَحْيِ مُنْهَزِمٌ مِن الشَّيَاطِينِ يَقْفُو أَثْرَ مُنْهَزِمِ حتّى عاطفة أو ابتدائيَّةٌ مُتعلّقة بـ مُنْقَضَةٍ، وغَدَا بمعنى: صارَ، وقيل:
بمعنى ذَهَبَ، معطوف على مُنْقَضَةٍ؛ كما في قوله تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا} [الأنعام: 96]. و منْهَزم اسم غدا، و يقفو خبره، إثْرَ ظرف، ومِن الشَّياطين صفةٌ مُنْهزم، و عن طريق الوحي وفي نسخة: الحقِّ متعلّق بـ يَقْفُو لتَضَمُّنِهِ يَهْرِبُ، كذا قيل، وقيل: مُتعلّق بـ غدا، والأَظْهَرُ أَنَّه مُتعلّق بـ مُنْهَزِم، وطريق الوَحْي: أبواب السَّماءِ.
يعني: وقت ظهورِ نُورِ ولادته الميمونة، وحينَ نِفَاسِ وِلادةِ أُمِّهِ الآمنة المأمونَة، انْقَضَ الشُّهُبُ حَتَّى صارَ الشَّياطينُ المُسْرِقُونَ مُنْهَزِمين هاربين، عن أبواب السماء التي هي طرق وحي الأنبياء والمرسلين، ويتبع كل منهزم منهم عَقِبَ مُنْهَزِمٍ آخَرَ مُتَتَابِعين.
والحاصلُ: أَنَّ تَتَابَعَ الشُّهبِ مع كثرتهِ ظَهَرَ أَيَّامَ ظهورِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم ووَقتَ ولادته، ولمْ يَكُنْ للكفَّارِ عهد بمثل ذلك، وإنْ كانَ لهم علمٌ في الجُمْلَةِ بانْقِضَاضِها رُجوماً لأولئك، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَاةَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِ} [الملك: 5]، وأما قوله تعالى حكاية عنهم وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعُ فَمَن يَسْتَمِع الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدَا} [الجن: ?-?]، فالمراد به: بعد البعثة، كذا حقَّقَهُ الشَّيخُ جلالُ الدِّينِ المَحَلِّي، رَفَعَ اللَّهُ تعالى مَحلَّه العَلِيِّ.
70 - كأَنَّهُمْ هَرَباً أبطالُ أَبرهة أو عَسْكَرُ بالحَصَى مِن راحَتَيْهِ رُمِي ضمير كأَنَّهم إلى الشَّياطين، وهَرَباً تمييز، أو حال بمعنى: هاربين، و الأبطال جمع بطل بمعنى الشجاع، وأبرهة اسم رئيس أصحاب الفيل، أو عسكر بالرفع عطفاً على أبطال، والرَّاحةُ: بطن الكف، والضمير راجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وضمير رمي راجع إلى العَسْكَرِ.
والمعنى: كأَنَّ الشَّياطين حينَ يُقْذَفون بالشُّهُبِ مِن السَّماءِ الدُّنيا، وهُم هاربون إلى الأرضِ السُّفْلَى، شجعان أبرهة حيثُ شَرَدوا مع الفيل لمَّا رَمَتْهم الأبابيل بحجارة من سجيل، أو كأنَّهم عسكر بدرٍ أو حُنين حيث انهزموا حينَ رُمُوا بالحَصَيَاتِ مِن كَفَّيهِ الكريمتين.
وفي بناء رمي على صيغة المجهول إيماء إلى قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ. رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال: 18].
فالمصراعُ الأَوَّلُ: إشارة إلى قضيَّة أصحاب الفيل؛ إِذْ كَانَ مَوْلدُه عامَ الفيل ليلةَ الإثنينِ لَاثْنَيْ عَشَرَ مِن شَهِرٍ ربيعِ الأَوَّلِ.
وسَبَبُ القِصَّةِ: أَنَّ مَلِكَ اليمنِ بَنَى كنيسة بصَنْعَاءَ ليَصْرِفَ الحاج إليها، فأَحْدَثَ رجلٌ مِن كِنانة فيها ولَطَّخَ بالعَذِرَةِ قِبْلتَها، فَحَلَفَ لِيَهْدِمَنَّ الكعبة، فجاءَ بجيش كثير وفيل عظيم مع أفيال إلى مكة، فحينَ تَهَيَّؤُوا للدخولِ غُشِيَ عليهم وولوا هاربين، ورُمُوا بحجارة من سجيل، قيل: كلَّ حَجَرٍ أصغرُ مِن الحِمْصِ وأكبرُ مِن العَدَسِ يَجِيءُ على مِغْفَرِ العسكري، ويَخْرِجُ مِن دُبُرِهِ الدَّابِري، وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ} [الفيل: 1].
والمصراعُ الثَّاني: إشارة إلى غزوة بدر، رواه البخاري، وإلى غزوة رَواهُ مُسلم، وهو من معجزاتِهِ عليه السَّلام، فإنَّه أَخَذَ كَفَّاً مِن تراب وقال: «شاهَتِ الوجوه»، وحَثَا في وجوه الكفَّارِ، فَلَمْ يَبْقَ منهم عينُ أحدٍ إِلَّا وقد دَخَلَها منه شي 2. قال عصامُ الدِّينِ: المشهورُ أنَّه كان كفّاً مِن الحَصَى، والمفهوم مِن البيتِ خِلَافُه. قلتُ: تَنيَةُ الرَّاحَتينِ باعتبارِ الواقِعَتينِ في الغَزْوتَينِ، وقد سبَّحث تلك الحَصَى في كَفَّي المصطَفَى حَتَّى سَمِعهُ أصحابُ أهلِ الصَّفا، وهذه معجزةٌ أُخرى أشارَ الناظِمُ إليها، حيث قال:
?? - نبذاً به بعد تسبيح ببطنهما نَبدَ المُسَبِّحِ مِن أحشاءِ مُلْتَقِمِ نبذا مصدرُ رَمَى مِن غيرِ لَفْظِهِ، أو التَّقديرُ: نَبَذهُ نَبْداً به، والباء زائدةٌ لتَقْوِيَةِ
عَمَلِ المصدر، والضَّمير في به إلى الحَصَى، والتَّذكيرُ لأَنَّه اسمُ جِنْسِ.
وضمير بطنِهما لـ راحَتَيهِ ففيه تجريد، والباء بمعنى: في.
ونبذ المسبح صفةُ نَبْذا بتقدير مضافٍ؛ أي: نَبْدَا مِثْلَ نَبْد المسبِّح، أو بَدَلٌ منه. وهو مُضافُ إلى المفعول؛ أي: نَبْدَ اللهِ المُسبِّحَ وهو يونس عليه السَّلامُ، والأحشاء: جمعُ الحَشَى، وهو ما في البَطْنِ، والمُلْتَقِمُ: الحوتُ.
يعني: رُمِيَ رَمْياً بالحَصَى مِن راحَتَيْهِ الشَّرِيفتَيْنِ وكَفَّيهِ الكَرِيمتين بعد تسبيح عظيم، حيثُ سمعَهُ بعضُ أصحابه الكريم، كما رُمي يونس عليه السَّلامُ مِن بطن الحوتِ بعد الانتقام، حيثُ قال: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:
، وقد قال تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَبِثَ فِي
بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذَنَهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات: 142 - 145]، والقَصْدُ، -
تشبيه نَبْد النَّبيِّ عليه السَّلامُ بالحَصَى المسبِّحِ على وجوه العسكرِ فَهَرَبَ مُنْكَسِراً، كنَبدِ اللهِ يونُسَ عليه السَّلامُ مِن بطنِ الحوتِ حَيّاً فَرَجَعَ مُنْجَبِراً، في أَنَّ كلَّا منهما خارقٌ للعادة، وكما أنَّ نَبْذَ المُسبِّح كان سبباً لنجاته وهداية قومه، كذلك نَبذه عليه السَّلامُ كان سبباً لخلاص المؤمنين وهداية بعض الكافِرِينَ.
قال الجلالُ المَحَلَّيُّ: وكأنَّ النَّاظِمَ وَقَفَ على دليل تسبيح الحَصَى المَرْمي به، ولَمْ يَقِفْ عليهِ مَنِ اعْتَرَضهُ بالنَّفْي في ذلك، أو قَصَدَ التَّسْبيحَ الثَّابت في غيرِ ذلك 2، قال أنس رضي الله عنه: أخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كفّاً من حصى، فسبَّحْنَ في يدهِ حَتَّى سَمِعْنا التسبيحَ، ذَكَرهُ صاحِبُ الشَّفا» وغيره، وعلى هذا فقولُ النَّاظِمِ: بعد تسبيح؛ أي: لجنسِ الحَصَى في موطنٍ آخَرَ، انتهى.
لكنْ لا يَظْهرُ حينئذٍ وجهُ التَّعبير بالنَّبَذِ، والتشبيه بنبذ المُسبِّحِ.
?? - جاءَتْ لَدَعْوتِهِ الأشجارُ ساجِدةً تَمْشِي إليه على ساق بلا قدم السجدة: الانخفاضُ، وذا يَتِمُّ بوضعِ الرَّأْسِ على الأرض، ولذا يُفَسَّرُ بوَضْعِ أفضل الأجزاء على أرذل الأشياء، أو المراد الخضوع والانقياد.
والمعنى: جاءتِ الأشجارُ لأَجْلِ دعوته، وأجابَتْ وقتَ طَلَبِهِ ومُناداته،
حال كونها مُنْقادةً خاشِعَة، على رأسها واقِعَة، وتمشي إليه صلى الله عليه وسلم خاضعة، على ساق بلا قدم رافعة واضعة.
وفي البيت أنواعٌ مِن خَوَارِقِ العادات؛ الأولى: فَهُمُ الخطابِ مِن النباتات، مع أَنَّها ليسَتْ مِن ذواتِ الحَيَاةِ، ثُمَّ مَجِيتُها وتَعَدُّدُ الحَرَكاتِ والسَّكَنات، ثُمَّ قَصْدُهَا إِلَيهِ وتَوَاضُعُها لَدَيْه، صلى الله تعالى عليه وسلم.
ثُمَّ مَشْيُها على ساق بلا قَدَم: إمَّا على رأسها، أو مع انخفاضها وخُضُوعِها وأدَبِها. قال عِصَامُ الدِّين المجيءُ إِنَّما حَصَلَ مِن شجرةٍ واحدةٍ على ما وَرَدَ في التواريخ والأخبار، فجَمْعُ الأشجار محمول على التَّكْرَار.
يعني تكرار حركتها مع وجودِ وَحْدَتها، وغَفَلَ عَمَّا ذكره صاحب «الشَّفَاء»، وغيرُه مِن أهلِ الوَفَاء، في شمائل المُصْطَفَى عليهِ التَّحِيَّةُ والثَّناء: أَنَّ أعرابيّاً سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، آيةً، فقال له: «قُلْ لتلك الشَّجرةِ: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يَدعوكِ»، فمالت [عن] يمينها وشمالها، وبينَ يَدَيْها وخَلْفَها، فقَطَعَتْ عُروقها ثُمَّ جَاءَتْ تَجرُّ عُروقها في الأرضِ حَتَّى وَقَفَتْ بينَ يَدَيْه، فقالت: السَّلامُ عليكَ يا رسول الله، قال الأعرابي: فمُرْها فلْتَرجِعْ إلى منبتها، فأمَرَها فَرَجَعتْ، فَدَلَّتْ عُروقها في مَنْبتها فاسْتَوَتْ فيه. ورَوَى مسلم عن جابرٍ رَضِيَ الله عنه في حديثهِ الطَّوِيلِ آخِرَ الكتابِ: ذَهَبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي حاجتَهُ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شيئاً يَستَتِرُ به، فإذا شَجَرتَينِ بشاطئ الوادِي، فانْطَلَقَ إلى إحداهما فأَخَذَ بِغُصْنٍ مِن أغصانها وقال: «انْقادِي معي بإِذْنِ اللهِ تعالى»، فانْقَادَتْ معهُ حتَّى أَتَى الشَّجرةَ الأُخرَى، فَأَخَذَ بغُصْنٍ مِن أغصانها وقال: «انْقادِي معي بإِذْنِ اللهِ تعالى»، حتّى إذا كانَ بالمَنْصَفِ ممَّا بينهما فقال: «الْتَيَّمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ» فالْتَأَمَتَا، ثُمَّ بعد انقضاء حاجته افترقتا، فقامَتْ كلُّ واحدةٍ مِنْهُما على ساق. ? - كأَنَّما سَطَرَتْ سَطْراً لِمَا كَتَبَتْ فُرُوعُها مِن بَدِيعِ الخَطِّ فِي اللَّقَمِ
ما في كأنَّما كافَّةٌ، والسَّطرُ: الكتابة، فاللَّامُ في لِمَا بمعنى الوقتِ. والسَّطرُ: الصَّفُ مِن الشَّيء، والفُروعُ: الأغصانُ، والبَدِيعُ: الغَريبُ العَجيب؛ فَعِيل بمعنى المفعول، والإضافةُ مِن إضافةِ الصَّفةِ إلى الموصوف، ومن بيان لما الموصولة، والعائد محذوفٌ؛ أي: كتبته.
و اللقم بفتحتين: وَسَطُ الطَّريقِ، وقيل: اللوح، قيل: الأَوْلَى رواية ودراية: باللَّقَمِ والباءُ بمعنى في. واللَّقَم: تَقليبُ القَلَمِ الذي هو أداة الكتابة، ففيه نوعُ غَرَابَةٍ، وهي من المحسنات البديعية.
وحاصِلُ المعنَى: أَنَّهُ شَبَّهَ آثَارَ أغصان الأشجار في الأرض المفيدة للمُعْتَبِر، بالخط الدال على اللفظة المفيدة للمعاني للمُتَدَبِّر.
74 - مِثْلَ الغَمَامَةِ أَنَّى سارَ سائرة تَقِيْهِ حَرَّ وَطِيس للهَجِيرِ حَمِي مِثْلَ منصوب على أنه صفةٌ مصدر محذوف؛ أي: مَجِيئاً مِثْلَ الغَمَامَةِ، بفتح الغينِ المُعْجَمةِ، ووَهِمَ عصامُ الدِّينِ حيث قال: على وزنِ العِمَامَةِ، فَإِنَّها بكسر المهملة كما في «القاموس» وغيره.
وبالرَّفْعِ خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي
75 - يعني: الأشجار ـ مِثْلُ الغَمَامِةِ في الانْقِيَادِ إليه، والقيام بوظائف الخدمة لديه،،، أو: مجيء الأشجارِ مِثْلُ تَظْلِيلِ الغَمَامَةِ، على حَذْفِ المُضَافِ.
و أنى بمعنى: من أين؟ أي: أي موضع إلى أي موضع، أو بمعنى: كيف؛ أي: ماشياً أو راكباً، سريعاً أو بطيئاً.
و سائرة بالرفع خبر لمُقدَّرٍ؛ أي: هي سائرة، وتقيه بمعنى: تحفظه، خبر ثان لهذا المقدَّرِ، أو استئناف. وبالنَّصْبِ على أنَّها حال كما بعدها؛ أي: تشبيه الغَمَامةِ حال كونها سائرةً أَنَّى سارَ.
والوطيس: التَّنُّورُ، والمرادُ: تَنُّورُ الهواء، وحَمِي فعل ماض، وسكونُ آخِرِه عارِض في الوقف، وهو صفةٌ للوَطيس، يُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ: إِذا اشْتَدَّ الحرب،
وكذا: إذا صَعُبَ الأمرُ.
والهجيرُ: نِصْفُ النَّهارِ الحار، والباءُ بمعنى: في، وكذا اللَّامُ كما في بعض النسخ.
يعني: جاءتِ الأشجارُ ساجدةً لديه وماشيةً إليه مثل مجيء الغمامة، ساترةً عليه حافظةً له عن شدَّةِ حرّ النَّهار، وظاهرة عندَ الأَخيارِ والأَغْيار، حيثُ سارَ النَّبِيُّ المُختار، فالأشجارُ تشرفت بخدمته، والغمامة تشمَّتْ وارْتَفَعَتْ بظَلَّتِهِ، فقد دانَتْ
له الأسافل والأعالي، بعون الله الملكِ المُتَعَالي.
قال المحلّي: وتظليلها لهُ عليهِ السَّلامُ وَقَعَ في سفرِ عمه أبي طالبِ به في رَكْبٍ
تاجراً إلى الشَّام، رواه الترمذي.
قال عصام الدِّينِ: لو قال:
مِثْلَ الغَمَامَةِ لَمَّا سارَ سائرةً وَقَتْهُ حَرَّ وَطيس للهَجِيرِ حَمِي لكان أَوْلَى؛ لأنَّ أَنَّى مُتَضمنةٌ معنى: إنْ، وهي تجعل مدخولها مستقبلاً، والحال أن المقام يقتضي الماضي، وغاية ما يخطر بالبال في دفع الإشكال: أن يُعتبر الاستقبالُ بالنَّظر إلى ما قَبْلَ السَّيْرِ، وهو أوَّلُ زمان وجودِ الغَمَامة.
75 - أَقْسَمْتُ بالقَمَرِ المُنقَق إن له مِن قَلْبِهِنِيةٌ مُبْرُورَة القَسم إِنَّ قيل: القَسَمُ بغيرِ اللهِ جَرَى على العادة، وإلا فالشرعُ عَدَّه شركاً، ولهذا يُقدَّرُ في أمثاله المضافُ؛ أي: لفظةُ الرَّبِّ.
ويُمكن أن يكون حكاية عن كلام الله تعالى، واللهِ أَنْ يُقْسِم بما شاءَ مِن مخلوقاته تعظيماً لبعض موجوداته؛ كقوله تعالى: {كَلَّا وَالْقَمَرِ وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} [المدثر: 32 - 34].
وأغرب العصامي حيثُ قال: القَسَمُ الذي يُراد به تأكيد الحكم ليس بمنهي نه، ولهذا في المحاوراتِ يُقسَمُ بالعُمرِ ونحوه، ومَنَعَ أن يكون المنع عنه منقولاً. وأقولُ: قد ثَبَتَ عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أَنَّه قال: «مَن حَلَفَ بغيرِ اللهِ تعالى فقد أَشْرَكَ»، رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح عن ابنِ عُمَرَ رضِيَ الله عنهما.
وجاء في «الصَّحيحين عن ابنِ عُمَرَ أيضاً: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ
ينهاكُم أنْ تَحْلفوا بآبائكم، مَن كانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيَصْمُتْ. قال الطيبي: وذلك لأنَّ الحَلِف تعظيم للمحلوف به، وحقيقة التعظيم مختصة بالله تعالى، ويُكْرَهُ الحَلِفُ بغير أسماء الله تعالى، سواء في ذلك النبيُّ والكعبة والملائكة والأمانة والحياةُ والرُّوحُ وغيرُها
والقمرُ يُطلق على النَّيِّرِ المُنيرِ باللَّيلِ بعدَ مُضِيّ ثلاث ليالٍ، وأَمَّا قَبْلَهُ فيُقال له: الهلال، والضَّميرُ في له وفي قَلْبِه له صلى الله تعالى عليه وسلم. ومبرورة القَسَمِ صفةٌ لـ نِسْبَةً؛ أي: نِسبةٌ مُصححةٌ للقَسَمِ، بحيثُ لو حَلَفَ حالِفٌ على ثبوتِ تلك النسبة كان بارا وصادقاً.
وقيل: صفة يميناً دلَّ عليها أقسمتُ.
والمعنى: إنَّ للقمرِ المُنْشَقٌ مُناسَبةٌ صَرِيحةٌ ومُشابَهَةٌ صَحِيحَةٌ بِقَلْبِهِ الأَنْورِ وصَدْرِهِ الأَزْهَرِ، بحيثُ يُصدِّقُ الحالِفَ بثبوتِ تلكَ النِّسبة كلُّ مَن لهُ مُسْكَةٌ، ومن وُجوه النّسبةِ: الانْشِقاق بلا ضرر، والالْتِنامُ بلا أثر، وإنَّ واحدةً آيةٌ مِن آياته، والأُخْرَى مُعجِزَةٌ مِن مُعجزاتِه. وأَمَّا انْشِقاقُ القلب: فقد رَوَى مسلم عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ جبريل عليه السَّلامُ أتاه وهو يلعب مع الغِلْمَانِ، فَأَخَذَه فَصَرَعَهُ فَشَقَّ صَدْرَهُ عَن قَلْبِهِ، فاستَخْرج القلب واسْتَخْرج منه عَلَقَةً فقال: هذا حضُّ الشَّيطانِ منكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ
في طَسْت مِن ذهب، ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أعادَهُ في مكانه، قال أنس رضي الله عنه: كنتُ أَرَى أَثَرَ المِخْيَطِ في صَدْرِه.