الدرة الثمينة في حكم الصلاة في السفينة
للفقيه أحمد بن محمد الحموي الحنفي
توفي في سنة (1098 هـ)
تحقيق:
هيلان جار الله الزبيدي
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
الدرة الثمينة في حكم الصلاة في السفينة
للفقيه أحمد بن محمد الحموي الحنفي
توفي في سنة (1098 هـ)
تحقيق:
هيلان جار الله الزبيدي
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
الدرة الثمينة في حكم الصلاة في السفينة
] بسم الله الرحمن الرحيم]
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فهذا ما مال اليه شيخنا، وأستاذنا - تغمده الله بالرحمة والغفران - وكان في النفس منه شيء، الى أن وفقت للوقوف على زاد الفقير، للإمام المحقق ابن الهمام، فرأيته - تغمده الله بالرحمة - صرح بأن فيها خلاف، وعبارته والمربوطة في اللجة، إن كانت الريح تحركها تحريكا شديدا، فهي كالسائرة، وإلا لا يجوز فيها إلا قائما، أما إذا كانت مربوطة بالشط، فهي مستقرة على الأرض، فهي كالأرض، يصلي فيها قائما، وإن لم تكن مستقرة على الأرض، فظاهر الفاظ بعضهم منع الصلاة فيها، أصلا بل يخرج الى الأرض، لأنها كالدابة وظاهر الفاظ بعضهم الجواز قائما انتهى.
بحروفه حرره الفقير، خليل ابن ولي ابن جعفر الحنفي - غفر الله له وللمسلمين- آمين تم.
بسم الله الرحمن الرحيم
{بسم الله مجريها ومرساها} [هود: 41]
حامدا له على بحار نعمه، التي افاضها وأسداها، ومصليا على رسوله محمد، سفينة النجاة ومنتهاها، وعلى آله وأصحابه، خدام تلك السفينة، التي أمدها الله بالامن وحباها.
وبعد:
فقد رفع الي سؤال في مستهل شهر محرم الحرام - افاض الله علي سجال الإنعام - سنة 1091، جعلها الله مقبلة بكل خير، ودفع عنا بها كل سوء وضير.
صورته:
ما قولكم - رضي الله عنكم - في رجل صلى فرضا في سفينة مربوطة، على شاطئ البحر، لم تكن مستقرة، مع هدوء الريح، وإمكان الخروج الى البر، والأمن على نفسه وماله، فهل صلاته صحيحة، ام باطلة؟ أفيدوا الجواب مبسوطا مشمولا بالنقول الصحيحة الصريحة.
وقد ألح السائل في طلب الجواب، فقلت مستعينا بالله، مسبب الأسباب: قال عالم الثقلين، ومحقق الأصلين، حافظ الملة والدين، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي - أفاض الله عليه أنوار رحمته، وتغمده برضوانه ومغفرته - في كتابه " الكنز":
ولو صلى في فلك قاعدا، بلا عذر، صح (يعني صلى فرضا قاعدا بلا عذر، صحت) صلاته عند أبي حنيفة، وقد أساء كما في "البدائع" وقالا:
لا يجزيه إلا من علة، لأن القيام مقدور عليه، فلا يترك وله:
أن الغالب فيها دوران الرأس، وهو كالمتحقق، إلا أن القيام أفضل، لأنه أبعد من شبهة الخلاف، والخروج أفضل، إن أمكنه لأنه أسكن لقلبه.
وإذا دارت السفينة وهو يصلي، يتوجه الى القبلة، حيث دارت لأنه قادرعلى تحصيل هذا الشرط، من غير عذر فيجب عليه تحصيله، بخلاف الدابة، كما في "شرح النقاية" للعلامة قاسم ابن قطلوبغا.
والخلاف في غير المربوطة، والمربوطة في الشط كالشط هو الصحيح، كما في "الهداية"، قال في "الفتح": وهو مقيد بالمربوطة في الشط.
أما إذا كانت مربوطة في لجة البحر، فالأصح إن كان الريح يحركها شديدا، فهي كالسائرة، وإلا فكالواقفة، قال في البحر:
ثم ظاهر " الهداية" و " النهاية" و "الاختيار" جواز الصلاة في المربوطة في الشط مطلقا، يعني:
جواز الصلاة قائما، سواء استقرت أو لا، أمكنه الخروج أو لا، وفي "الإيضاح":
فإن كانت موقوفة في الشط، وهي على قرار الأرض، فصلى قائما جاز، لأنها إذا استقرت على الأرض فحكمها حكم الأرض، فإن كانت مربوطة – يعني غير مستقرة على الأرض – ويمكنه الخروج منها لم تجز صلاته فيها، لأنها إذا لم تستقر فهي كالدابة، بخلاف ما إذا استقرت، فإنها حينئذ كالسرير، وأختاره في "المحيط" و "البدائع"، انتهى.
وفي الكفاية شرح الهداية نقلا عن العلامة نور الأئمة – رحمه الله -:
سفينة موثقة على شط جيحون وهي على ظهر الماء، غير مستقرة على الأرض، والشط طين لايمكنه الصلاة فيه، إلا بالإيماء يصلي في الشط بالإيماء، لأن الصلاة في السفينة لا تجوز له انتهى الى هنا.
قال بعض الفضلاء:
إنما أطلق صاحب "الهداية" المربوطة، ولم يقيدها بالمستقرة، اعتمادا على كونها مقيدة في كلام غيره، مع أنه ليس في كلامه بيان التفصيل بين المستقرة وغيرها، حيث أخذ كثير، بالإطلاق عبارة صاحب "الهداية"، (وهو خلاف المختار فزلت بهم أقدام الانظار)، وهذا من مزالق الأكابر انتهى الى هنا.
أقول:
ربما يفهم التقييد من التشبيه الواقع في كلامه فتدبر، وفي "النقاية" وشرحها، للعلامة قاسم، وفي المربوطة لا تجوز الصلاة قاعدا إلا بعذر.
وربما فهم من عبارة بعضهم: أنها لا تجوز أصلا، (يعني لا تجوز الصلاة قائما ولا قاعدا في المربوطة بالشط، ولو مستقرة على الارض، مع امكان الخروج) إلا بعذر: بأن لا يمكنه الخروج ونحو ذلك، والذي صرح به في "البدائع" ما قلناه، قال في البدائع:
السفينة لا تخلو: إما أن كانت واقفة أو سائرة، فإن كانت واقفة في الماء، او مستقرة في الارض، فإن كانت مستقرة على الأرض جازت الصلاة فيها، وإن أمكنه الخروج منها، لأنها إذا استقرت كان حكمها حكم الارض، ولا تجوز إلا بركوع وسجود، متوجها الى القبلة لأنه قادر على تحصيل الأركان والشرائط.
وإن كانت مربوطة غير مستقرة على الأرض، (فإن أمكنه الخروج منها لا تجوز صلاته، لا قاعدا ولا قائما فيها، لأنها إذا لم تكن مستقرة على الأرض) فهي بمنزلة الدابة، ولا يجوز أداء الفرض على الدابة، مع إمكان النزول، كذا هذا إنتهى.
أقول:
المراد من هذا التشبيه: تشبيه عدم صحة الصلاة في السفينة المربوطة بالشط،، الغير المستقرة مع إمكان الخروج منها، سواء كانت فرضا أو نفلا، لعدم صحة صلاة الفرض على الدابة مع إمكان النزول، لا تشبيه عدم صحة الفرض في السفينة المربوطة بالشط، الغير المستقرة، بعدم صحة صلاة الفرض على الدابة، مع إمكان النزول حتى يفهم منه صحة صلاة النفل في السفينة المربوطة بالشط، الغير المستقرة مع إمكان الخروج منها كما توهمه بعض القاصرين، فإن ذلك مشروع في صلاة النفل على الدابة، خارج المصر دون غيرها.
قال العلامة إبراهيم الحلبي في "شرح المنية" بعد أن نقل كلام "الإيضاح": والناس عن هذه المسالة غافلون انتهى.
فتلخص من هذا: أن الذي عليه المحققون من علماء المذهب، عدم صحة الصلاة - فرضا كانت أو نفلا - في السفينة المربوطة بالشط، الغير المستقرة على الارض، مع إمكان الخروج منها، وأداء الصلاة خارجها، وهو جواب هذه الحادثة، المسؤول عنها، وإن كان السوال مفروضا في صلاة الفرض.
والله الهادي للسداد وعليه الاعتماد، (وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، تم).
(قال أستاذنا المؤلف - فسح الله في مدته - السيد أحمد بن محمد الحنفي الحموي- عفى الله عنه- علقه كاتبه لنفسه في التاريخ المذكور أعلاه، والحمد لله رب العالمين.
تمت بحمده وعونه، وحسن توفيقه، والله أعلم بالصواب)