الحظ الأوفر في الحج الاكبر
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الحظ الأوفر في الحج الاكبر
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله العلي الكبيرِ الأَكبَر، الذي أَنْعَمَ على عِبادِه وأَفْضَلَ وأَكثَرَ، وأَمَرَ خليله الجليل وإسماعيلَ الجَميلَ بتجديدِ بناءِ القِبلَةِ المُعظَّمةِ المُطَهَّرَةِ، وبتأييد قواعدِ الكَعبة المُكرَّمةِ المُعطَّرةِ، وجَعَلَ حريمَها حَرَماً آمِناً، وحولها مَثابَةً للنَّاسِ وَأَمْناً، وصيَّرها مَحَجَّةٌ للطَّائفينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجودِ من الملأ الأعلى المُقرَّبِينَ والأنبياء والمُرسَلينَ وسائرِ أربابِ الشُّهودِ والصَّلاة والسَّلامُ على مَرْكَزِ دائرةِ الوُجودِ، وخاتمة أهلِ الكَرَمِ والجُودِ سيّد العارِفينَ وسَنَدِ الواقفين، وعلى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وصَحبه الطَّاهِرينَ وتابعيهم بإحسان إلى يومِ الدِّينِ. أما بعد: فيقول راجي كَرمَ رَبِّه الباري علي بن سلطان محمد القاري: قد سألني بعضُ الإخوانِ ممن هو عين الأعيان، بيان ما اشتهر على ألسِنَةِ نوع الإنسان، من إطلاق الحج الأكبَرِ على خُصوص الحج المُقيَّدِ بِالزَّمانِ المُعتبَر، وهو وقوع الوقوف في يومِ الجُمُعَةِ الأَزْهَرِ، وما يتعلق به من الأخبار النقليَّةِ والآثارِ العقليَّةِ، فها أنا أذكُرُ هنا ما سَنَحَ لي بالبال، وحَضَرني من المقال وأُسميه: «الحقِّ الأَوْفَرَ في الحج الأكبر».
فاعلَمْ رَزَقَك اللهُ الحَجَّةَ، وفَهَّمَكَ الحُجَّةَ، أَنَّ الحَجَّ فِي اللُّغَةِ: القَصدُ على لسان الأكثر، وقيل: هو القَصْدُ إلى المُعَظَّم في النَّظَرِ، وقيل: ليس على إطلاقه، بل بقيدِ أَنَّه يتكرر.
وأدِلَّتها في محالها مسطورةٌ، وشواهدها في مَقارّها مَذكورةٌ، لَكِنْ يُشْكِلُ الأخيرُ بأنَّ صِحَّةَ إطلاقه على مَن حَجَّ مَرَّةً لا يُتَصوَّرُ، ويُمكِنُ دَفَعُه بِأَنَّ قَصَدَه في كلِّ جُزء من أجزائه يُعتبرُ، ولذا يُقالُ في الطَّوافِ ولو كان بانفراده محصوراً: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَّاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وكذا في السعي والوقوفِ ورَمْيِ الجَمَراتِ، وسائرِ المَشاعِرِ والمَواضِعِ المُحترَماتِ. ثمَّ اعلَمْ أنَّ العلماءَ اختَلَفُوا في معنَى وَصْفِ الحج بالأكبر، وكذا في يوم الحج الأكبر على ما سيتَحَرَّرُ ويتقرَّرُ:
فقال بعضُهم: إنَّما قيل له الحج الأكبر؛ لأنَّه يُقالُ فِي حَقٌّ العُمرةِ: إِنَّهَا الحَجُّ الأَصْغَرُ؛ لِقِلَّةِ عَمَلِها ومُشقَّتِها، أو لنقصانِ مَقامِها ومرتبتها.
وقالَ مُجاهِدٌ: الحج الأكبر هو القرآنُ، والحج الأصغَرُ هو الإفراد من الاقتران، وهو المُلائِمُ لمَذهَبِنا، وجُمهورِ العُلماءِ المُحققين من الفُقَهَاءِ المُحدِّثين الجامعين بينَ طُرُقِ ما وَرَدَ عن حَجَّه صلى الله عليه وسلم وشَرَّف وكَرَّمَ وعَظَّمَ، على ما بَيَّنَه الحافِظُ ابنُ حَزْمٍ في تصنيف مُختَصّ بهذا الباب، وتبعه الإمامُ النَّوَوِيُّ وغيرُه في ذلك وقرَّروه وجَعلوه هو الصَّوابَ. ثمَّ رَوى عِكْرِمَةُ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أنَّ يوم الحج الأكبر هو يومُ عَرَفَةَ، ولو لم يكُنْ يومَ جُمُعةٍ، ورُوِيَ ذلك أيضاً مرفوعاً.، ورُوِيَ عن عمر بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه وغيره من الأصحاب رضي الله عنهم موقوفاً، وهو قول جماعةٍ من أكابر التّابعين، كعَطاءِ وطاوس ومُجاهد وسعيد بن المُسَيَّبِ وغيرِهم من أئِمَّةِ الدِّينِ
فأخرج ابن أبي حاتم وابنُ مَردَوَيهِ والفَقيه أبو اللَّيثِ السَّمَر قَندِيُّ في تفسير قوله تعالى: {يَوْمَ الْحَجَ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3] عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «يومَ عَرَفَةَ هذا يوم الحج الأكبر»، وفي هذا إشارة إلى المَعنَى المُسْتَهَرِ، فَتدَبَّرْ. وأخرج ابن أبي شَيْبَةَ وجَماعةٌ عن عُمَرَ رضي الله عنه قال: الحَج الأكبرُ يومُ عَرَفَة.
وأخرج ابنُ المُنذِرِ وغيرُه عن ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما قالَ: إِنَّ يومَ عَرَفَةَ يومُ الحج الأكبر يومُ المُباهاة، يُباهي الله تعالى ملائكته في السَّماءِ بأهل الأرض، يقولُ:
جاؤُوني شُعْثاً غُبْراً، آمَنُوا بِي ولم يَرَوني، وعِزَّتي لأَغْفِرَنَّ لهم.
وأَخرَجَ أَيضاً عن علي رضيَ اللهُ عنه: أَنَّ الحَجَّ الأَكبَرَ يومُ عَرَفَةَ. وقال جماعة: يوم الحج الأكبر هو يومُ النَّحر، فقد رُوِيَ عن يحيى بنِ الجَزَارِ قالَ: خرج علي رضي الله عنه يومَ النَّحْرِ على بغلَةٍ بيضاءَ يُريدُ الجَبَّانةَ، فجاءَهُ رَجُلٌ وأَخَذَ بلجام دابَّتِه وسأله عن يوم الحج الأكبر، فقال: يومك هذا، خَل سبيلها.
وكذا روى الترمذي عنه، ورواه أبو داود عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، ويُروى ذلك عن عبد الله بن أبي أَوْفَى، والمُغيرة بنِ شُعْبَةَ، وهو قَولُ الشَّعبيّ والنَّخَعِيِّ وسعيد بن جُبَيرِ والسُّدِّي
قلت: ولعله سُمِّيَ بالحج الأكبر لأنَّ أكثر أعمال الحج يُفعَلُ فيه؛ من الرمي والذَّبحِ والحَلْقِ وغيرها.
ويُؤيده ما أخرَجَ جَمَاعَةٌ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي أَوْفَى، قال: الحج الأكبر يومُ النَّحْرِ، يُوضَعُ فيه الشَّعرُ ويُهْراقُ فيه الدَّمُ، ويُحَلٌّ فيه الحرام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بنِ المُسَيَّبِ أَنَّه قال: الحج الأكبرُ اليومُ الثَّاني من يومِ النَّحرِ، ألم ترَ أنَّ الإمام يخطب فيه.
وقيل: التَّقدير: يومُ تمام الحج الأكبر.
ونُقِلَ في التَّاتارُ خَانِيَّةِ» عن «المُحيط»: أنَّ الحج الأكبر المذكور في الآية هو طواف الإفاضة؛ أي: لأنَّه يتمُّ به الحج، فإِنَّهُ آخِرُ أركانه.
ثمَّ من المعلومِ أَنَّ وَصْفَ الشَّيء بشيء لا يلزَمُ منه نفيه عمَّا عداه؛ فالجمعُ بينَ الأقوالِ: أَنَّ المُرادَ باليوم ليسَ النَّهَارَ العُرْفِيَّ، بل القصد به المَعنى اللُّغَوِيُّ من مُطلَقِ الوقتِ الزَّماني الذي يُفعَلُ فيه أعمالُ الحجّ الشَّرعيّ، ويُقوِّيه ما رَوى ابنُ جُرَيْجٍ عن مجاهد: يومُ الحج الأكبر أيامُ مِنى كلُّها?.
وكانَ سُفيانُ الثَّورِيُّ يقولُ: يومُ الحج الأكبر أيام منى كلُّها، مثلُ: يومٍ صِفِّينَ، ويوم بعاث، يريد به الحينَ والزَّمان؛ لأنَّ الحروب دامَت أَيَّاماً كثيرةً، وحاصِلُه أَنَّ اليوم ليس بمعنى النَّهارِ على ما هو المُتبادَرُ من إطلاقه، بل بمعنى الوقتِ المُطلَق على بعض إطلاقاتِه، المُراد به هنا بعضُ أوقاتِه، فحينئذ ينبغي بل يتعَيَّنُ أَن يكونَ يومُ عَرَفَةَ داخلاً فيه، بل هو أولى ما يُطلَقُ عليه يوم الحج؛ لوُقوعِ الرُّكنِ الأَعظَمِ من أركانه فيه، ولأنَّ مَن وَقَفَ به تمَّ حجه ولم يُتَصَوَّرْ فَوتُه، ولذا قال: «الحج عَرَفَةَ»، رواه أحمدُ وأصحابُ السُّنَنِ الأربعةُ وغيرهم.
وقال عبد الله بن الحارِثِ بنِ نَوْفَلِ: يوم الحج الأكبَرِ اليوم الذي حَجَّ فيه رسول الله، وهو ظاهر؛ فإنَّه ظهر فيه عز المسلمين وذُلُّ المُشركين. وهو قول ابن سيرين معللاً باله اجتمع فيه حَج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده.
أقولُ: قوله: قبلَه مُسلَّمٌ، وأمَّا قوله: بعدَه فباعتبار وجوده في ذلك الموقفِ بخصوصه فظاهِرُ لا مِرْيَةَ فيه، وأمَّا معَ قطعِ النَّظِرِ عن ذلك فيَتَحَقَّقُ فِيهِ حَجُّ المسلمين في يوم عيد لهم بل عيدَين لهم، ويقَعُ سائر الأفعالِ بل أكثر الأعمال في عيد اليهود وهو يومُ السَّبتِ، وبعضُها في عيدِ النَّصارى وهو يوم الأحد، وأما عيد المشركين فإنَّما يُتَصَوَّرُ باعتبارِ ما كانَ، وإلا فبِحَمْدِ اللهِ قد جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ. وتوضيح هذا المبحث: هو أنه أرادَ في الحديث باليوم أيضاً معنى الوقتِ المُطلَقِ الخاص بيومِ الجُمُعةِ الذي هو عيد المؤمنين، وكان فيه حَج المسلمين، وكذا بيوم السبت والأحدِ اللَّذَينِ هما عيدا أهل الكتاب، وبيوم الإثنين حينئذ هو الذي فيه عيد المُشركين باعتبارِ تَفاخُرِهم في ثالث يوم النحر، كما أشار إليه سبحانه بقوله: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200]؛ أي: بل أكثَرُ وأَوْفَرُ.
وذلك أنَّ العرب كانت إذا فَرَغَتْ من الحجّ وقفت في مِنى أو عند البيتِ، وذكَرَت مَفاخِرَ آبائِها، فأَمَرَهُم الله تعالى بذكرِه، ودَلَّهم على شُكرِه، وقال: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ} [البقرة: ??]؛ أي: فَرَغْتُم مِن حَجَّكُم وذَبَحْتُم نَسائِكَكُم فاذكروا الله؛ فإنَّه الذي أحسَنَ إليكُم وإلى آبائِكُم.
ثمَّ الحاصِلُ أنَّ في يوم الحج الأكبر أربعة أقوال:
الأَوَّلُ: أَنَّه يومُ عَرَفَةَ.
الثاني: أَنَّه يومُ النَّحْرِ.
الثَّالثُ: أَنَّه يومُ طوافِ الإفاضة. الرابع: اله أيام الحج كلها.
ولا تَعارُضَ في الحقيقة؛ لأنَّ الأكبر والأصغر أمرانِ نِسيَّانِ؛ فحَجُ الجُمعةِ أكبرُ من حَجٌ غيرها، وحَجُ القِرانِ أكبرُ من حَج الإفراد، والحج مُطلَقاً أكبر من العُمرة، ويُسمَّى الجميع بالحج الأكبَرِ، ويَتَفاوَتُ كُلٌّ بِحَسَبِ مَقامِهِ الْأَنْوَرِ.
وكذا يُقالُ في الأَيَّامِ، فيومُ عَرَفَةَ يومُ تحصيل الحج الأكبر الذي هو الحج مطلقاً، ويومُ النَّحرِ يومُ تَمامِ الحج الأكبر من أحدِ تَحلَّلَيه، ويومُ الطُّوافِ يومُ تَمَامِه من تحلُّلِه، فكلُّها أيَّامُ الحج، بمعنى أنه يقعُ أعماله من أركانه وواجباته فيها، والله أعلَمُ. ثم التحقيق: أنَّ المُراد بقوله تعالى: {وَأَذَانُ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجَ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 1]، إنَّما هو أيَّامُ الحج في سنة تسع، حينَ جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أمير الحاج، وأرسَلَ صَدْرَ سورة براءة معَ علي المُرتَضَى رضي الله عنه، ليقرأها على الكُفَّارِ في تلك الأيام، ولتَخْلُوَ المَشاعِرُ العظام عن أهلِ الشِّركِ والآثامِ في وقتِ حَجٌ رئيس أهلِ التَّقوى وسيد الأنام، كما أشعر إليه بأمره أن يُنادى في تلك الأيام: ألا لا يَحُجنَّ بعد العام مشرك. ويُؤَيِّده ما أخرجه الطبراني وابنُ مَرْدَوَيهِ عن سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «يوم الحج الأكبر يومَ حج أبو بكر بالنَّاسِ.
قلتُ: وفي هذه القضيَّة إشارة جليَّةٌ إلى خلافة أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه؛ حيثُ جعله نائباً عنه في كلّ عبادة قابلة للخلافة، لا سيّما في عبادةِ الحج المُسْتَمِلَةِ على الطَّاعةِ البَدَنيَّةِ والمالية، ولهذا قيلَ: حجه رضي الله عنه كَانَ تَطَوُّعاً، وإِنَّما حَجَّ حَجَّةَ الإسلام معَ سيّد الأنام عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ليكونَ فَرْضُه على وَجهِ التّمام، ففيه مَآخِذُ عُلمائنا في تجويز مَن يجب عليه الحج وينوي التَّطوُّعَ خِلافاً للشَّافعيَّةِ على ما هو مُقَرَّر في محله، لكن فيه أنَّ كونَ الحجّ فَرْضاً على الصِّدِّيقِ ابتداءً غير معلوم. وأمَّا إِرسال عليّ رضي الله عنه معَه: فإنما كانَ تأييداً له، ولهذا لمَّا سُئِلَ علي رضي الله عنه: أَأَميرٌ أم مأمورٌ؟ فقال: بل مأمورٌ، وسببُ التَّقويةِ أَنَّ نبذ العَهْدِ ممَّن يكون من العشيرة أقوى وأكد عندَ العَرَبِ، فلذا لما قيل له صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، أو تذَكَّرَ هذه القاعِدَة العظمى، أرسل عليَّاً عَقِبَ الصّديقِ.
ويحتمل أن يكون نُزول براءة وَقَعَ بعد خروج الصديق رضي الله عنه، فبالجُملَةِ سيدنا علي رضي الله عنه وَقَعَ مَأموراً بمُتابعَةِ الصِّدِّيقِ في هذا الأمر، وكذا في قضيَّةِ إمامَةِ الصَّلاةِ أَيَّامَ مَرَضِه صلَّى الله عيله وسلم، وهذا أقوى دليل وأوفى تعليل على أفضَلِيَّةِ الصّديقِ، وبيانِ أَحِقَّيَّته بالخلافة العُظمى، والإمامة الكُبْرَى. ولذا قال بعض من أجلَّاءِ الصَّحابة عند الاختلافِ في أمر الخلافة: إذا اختاره لأمر ديننا، أمَا نَختاره لأمر دنيانا؟ هذا، وأما إطلاق الحج الأكبر على حَجٌ مخصوص بطريقِ العُموم على يومِ عَرَفَةَ إذا وافَقَ يومَ الجُمُعةِ على ما اشتُهِرَ على الألسِنَةِ، وأَلْسِنَةُ الخَلقِ أقلام الحقِّ، فإنَّما هو أمرٌ آخَرُ، وصارَ اصطلاحاً عُرْفياً في الأثَرِ، لكنَّ ما رآه المُسلِمون حَسَناً فهو عندَ اللهِ حَسَنٌ، ومَقصودنا في هذه الرسالة ما يدلُّ على تلك المسألة، وما يترتب عليها من الأجوبة والأسئلة. فنقول وبالله التوفيق وبيَدِه أَزِمَّةُ التَّحقيق: إِنَّه ذَكَرَ الإمامُ الزِّيلَعِيُّ في شرحِ كَنْزِ الدَّقائق وهو من جُملة الأئِمَّةِ الحنفية ومن أَحِلَّةِ المُحدثين في المِلَّةِ الحنيفِيَّة، عن طَلْحَةَ بن عُبيد الله، وهو أَحَدُ العَشَرَةِ المُبَشِّرَةِ، تَغَمَّدَهُم الله بالرضوانِ والمَغفِرة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أفضَلُ الأيَّامِ يومُ عَرَفَةَ إِذا وافَقَ يومَ الجُمُعة، وهو أفضل من سبعينَ حَجَّةٌ في غيرِ جُمُعَةٍ»، رواهُ رَزِينُ بنُ مُعَاوِيَةَ في تَجريدِ الصحاح.
وأما ما ذَكَرَ بعضُ المُحدِّثين في إسنادِ هذا الحديث بأنَّه ضعيف؛ فعلى تقدير صحتِه لا يضُرُّ في المقصودِ؛ فإنَّ الحديثَ الضَّعيفَ مُعتبر في فضائل الأعمال عندَ جميع العُلماء من أربابِ الكَمالِ.
وأما قولُ بعض الجُهَّالِ بأنَّ هذا الحديث موضوع؛ فهو باطِلٌ مَصنوع مردود عليه، ومُنقَلِبُ إليه؛ لأنَّ الإمامَ رَزِينَ بنَ مُعَاوِيَةَ العَبْدَرِيَّ من كُبَراءِ المُحدثين، ومن عُظَماء المُخرِّجين، ونَقلُه سَنَدٌ مُعتَمَدٌ عند المحققين، وقد ذكره في تجريدِ صحاح الست»، فإن لم تكن روايته صحيحة، فلا أقل من أَنَّها ضَعيفةٌ، كيف وقد اعتُضِدَ بما وَرَدَ أنَّ العبادَةَ تُضاعَفُ يومَ الجُمُعَةِ مُطلَقاً بسبعين ضعفاً؟ بل بمِئَةِ ضِعْفِ على ما سيأتي.
هذا، وذَكَرَ النَّووِيُّ في «مَنْسَكِهِ» أَنَّه قيل: إذا وافق يومُ عَرَفَةَ يومَ جُمعةٍ غُفِرَ لكلِّ أهل الموقِفِ. انتهى
وقد نقله أبو طالب المَكِّيُّ في قُوتِ القُلوبِ» عن بعض السَّلَفِ، وأسنَدَه ابنُ جَماعة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وحرَّرَه، ونَقَلَ عنه السُّيوطِيُّ وقَرَّرَه، ومن القَواعِدِ: أَنَّ الطُّرُقَ إذا تعدّدت يتَقَوَّى الحديث ويدلُّ على أنَّ له أصلاً.
ثمَّ استَشكَلَ بعضُهم: بأنَّه وَرَدَ أَنَّ الله تعالى يغفر لأهل الموقف مُطلَقاً، فما وَجْهُ تَخصيص ذلك بيومِ الجُمُعَةِ؟ وأُجيبَ بأَنَّه يغفِرُ في وَقفَةِ الجُمُعَةِ للحاج وغيره ممَّن حَضَرَ ذلك الموقف الأعظَمَ والمَقامَ الأَفخَم، وفي غيره للحاج فقط، لا لسائرِ السَّقَط.
واستُشكِلَ هذا الجواب بما وَرَدَ في حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما على ما رواه ابنُ الجَوزِيّ وغيره: أَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يَبقَى أَحَدٌ يومَ عَرَفَةَ وفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ من إيمان إلا غُفِرَ له»، فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أَلِأَهْلِ عَرَفَةَ حَاصَّةً أم للنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: بل للنَّاسِ عامةً».
وظاهر هذا الحديثِ عُمومُ عَرَفَةَ سواءً وافَقَ جُمعَةً أم لا، على أنَّ العِبرة بعُمومِ اللَّفظِ لا بخصوص السَّبَبِ.
ويُمكِنُ دَفعُ الإشكالِ بما وَرَدَ في روايةِ الطَّبَرَانِي عنه: من أَنَّ الرَّحمةَ تنزل على أطرافِ المَوقِفِ فَتَعُمُّهم، ويُغفَرُ لهم بها ذُنوبهم، ثمَّ تَفرَّقُ في الأرضِ من هناكَ.
فإن قيل: في الحديثِ أَنَّه يُغفَرُ لأهلِ المَوقِفِ يومَ الجُمُعة، فكيفَ القَولُ بغُفْرانِ الحاج وغيره؟
أجيب: بأنَّ المُرادَ بالحاج المُتلبِّسُ بالنُّسُكِ، وبغير الحاج ما لم يكن متلبساً، بأن لا يكون مُحرِماً. وقيل: إِنَّ أهلَ المَوقفِ يَسْمَلُ ما كانَ فِي أَرضِ عَرَفَةَ ومَن لم يكُن فيها من المسلمين؛ لأنَّ كلَّ مُسلم فيه أهليَّةُ ذلك.
أقولُ: ولعل الأظهَرَ أن يُقالَ: المُرادُ بالحاج هو الكامِلُ في حَجَّه المُراعي لشرائطه، ممن يستحقُ أن يُقالَ حَجُه مَبرورٌ ومقبول، والمُرادُ بغَيرِه المُقصِّرُ في أمره من نحو تصحيح نية كما عليه كثير من النَّاسِ، حيثُ إِنَّهم يحُجُّونَ افتخاراً ورياءً وسُمعَةً وتترها وتفَرُّجاً وتجارةً، وكسائر أغراض فاسدة، وأعراض كاسدة، وفي معناه تارِكُ بعض شرائط الحج وأركانه وواجباتِه جَهْلاً أَو سَهْواً، أو من يصرفُ مالاً حراماً في حَجّه ونحو ذلك ممَّن يستحقُ أن يُقال في حقه: لا لبيك ولا سعديك، وحَجُكَ مَردودٌ عليكَ.
ويُمكنُ أن يُجابَ: بأنَّ المُرادَ بغيرِ الحاج هو المُتأسف على فَواتِ الحج ممَّن كانَ قادِراً عليه، أو المُراد به مَن عَجَزَ عن الإتيانِ مَعَ قَصْدِه وصَمِيمِ عَزْمِهِ، لِما وَرَدَ من حديثِ: «نيَّةُ المُؤمِنِ خيرٌ من عَمَلِه»، ولما رُوِيَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابه في بعض غَزَواتِه: «ما سِرْتُم مَسيراً في سبيلِ اللهِ إلا وجَمَاعَةٌ من أهل المدينةِ مَعَكُم حيثُ مَنَعَهم العُدْرُ»
ويُمكن أن يُراد بغيره: الذي مات في طريق الحج، أو من فاته الوقوفُ بإحصارٍ
وغيره، ويُمكنُ الجَمعُ بأخذ الجميعِ، فَفَضْلُه وَسيع، وكَرَمُه بديع. وقد أجابَ ابنُ جَماعةٍ عن أصل الإشكال: بأنَّه يحتمل أَنَّه سُبحانَه يغفِرُ للجميعِ يومَ الجُمُعَةِ بغير واسطة، وفي غيره يَهَبُ قَوماً لقَومٍ، وَيُؤَيِّدُه مَا وَرَدَ فِي مُطلَقِ عَرَفَةَ مِن أَنَّه يُعْفَرُ مُسيتُهُم لِلمُحْسِنِهم.
فإن قيل: قد يكونُ في المَوقِفِ مَن لا يُقبَلُ حجه، فكيفَ يُغفَرُ له؟
قيل: يحتمل أن يُغفَرَ له الذُّنوبُ ولا يُثاب عليه ثَوابَ الحج المبرور، فالمَغفِرةُ غيرُ مُقيَّدة بالقبولِ، وإنَّما يُوجِبُ هذا التَّأويلُ أنَّ الأحاديث بالمغفرة لجميع أهل الموقف، فلا بُدَّ من هذا القيد، كذا ذكره بعضُهم، ويُؤَيَّدُه مَا رُوِيَ مِن: أَنَّ حَجَّةً غيرَ مقبولة خير من الدُّنيا وما فيها.
وأقول: ويحتمل أن يكون من اختصاص وَقفَةِ الجُمُعَةِ حُصولُ القَبولِ
على وَجْهِ الشُّمول، ووُصُول المغفرة على طريق عُمومِ الرَّحمةِ. فإن قيل: إذا كانَتِ المَغفِرةُ على كل تقدير حاصِلةً، فأيُّ فائدة في التخصيص تعود على المغفور له؟ أجيب: بأنَّه كفى بما في هذا القُربِ المُقتَضي لعدَمِ الاحتياج بواسطة من مزيدِ التَّنْويهِ بِشَرَفِه وكمالِ المَعْفِرَةِ واستقلاله بتلك الرَّحمةِ. وتوضيحه: أَنَّ العَوام في خُصوص ذلك اليوم يصِلُّونَ إلى مرتبة الخواص، والخواص إلى الأَخَصّ، وهكذا هَلُمَّ جَرَّاً.
وما ذاك إلا بسببِ تَضاعُفِ الأجرِ والثَّوابِ باعتبارِ شَرَفِ الزَّمانِ، وما يترتب عليه من تحقيق الاقتران، وكما أنَّ للأمكِنَةِ المُشرَّفةِ دَخْلاً في مزيَّةِ شَرَفِ الأعمال، فكذلك للأزمنَةِ المُشرَّفةِ تأثيراً في مَزيد ثواب الأفعال، ولا شكٍّ أنَّ يومَ الجُمُعَةِ أَفضَلُ أَيَّامٍ الأسبوع، وأنَّ يومَ عَرَفَةَ أفضَلُ أيَّامِ السَّنَةِ، فإذا اجتمعا كانَ نُوراً على نورٍ، يَهْدِى اللَّهُ {لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ} [النور: 35]، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورِ} [النور: 40].
ثمَّ من مزايا هذا الاقترانِ: أنَّ في يومِ الجُمُعَةِ ساعةً يُستَجابُ فيها الدُّعاءِ، بخلافِ غيره، فله مَزيَّةٌ كامِلَةٌ، ومَرتبةٌ فَاضِلَةٌ، والجُمهورُ على أَنَّها وَقتَ الخُطبة، وصح عن جماعة أنَّها بعد العصر إلى الغُروبِ، وقيل: من الزَّوالِ إلى الغُروبِ، وهو بالمَقامِ أَنسَبُ وبالعُمومِ أَقرَبُ.
ومنها: أنَّ يومَ الجُمُعَةِ يُسمَّى في الجنَّةِ يومَ المَزيد؛ لما فيه من زيارةِ اللهِ تعالى ورُؤيةِ لِقائِه وسَماعِ كلامه.
ومنها: أنَّهما الشَّاهِدُ والمشهود في الآية، وقد أقسم الله بهما جميعاً، فأخرَجَ ابنُ جَرِيرٍ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ ومشهور} [البروج: 3] قال: الشَّاهِدُ: يومُ الجُمُعَةِ، والمشهود: يومُ عَرَفَةَ
وأخرَجَ حُمَيدُ بنُ زَنْجُوَيْه في «فَضائِلِ الأعمال» عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليوم الموعود يومُ القِيامَةِ، والمشهود يومُ عَرَفَةَ، والشَّاهِدُ يومُ الجُمُعَةِ، ما طَلَعَتْ شَمْس ولا غَرَبَتْ على يوم أفضل من يومِ الجمعة، فهذا دليل ظاهِرٌ على أنَّ يومَ الجُمُعَةِ بانفِرادِه أَفضَلُ من يومِ عَرَفَةَ وَحدَه، فَثَبَتَ أنَّه سيّدُ الأيَّامِ، كما اشتهر على السِنَةِ الأَنامِ.
ومنها: أنَّ يومَ الجُمُعَةِ يومُ المَغفِرةِ كيومِ عَرَفَةَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيِّ والطَّبَرَانِيُّ في «الأوسَطِ» بسَنَدِ جيّدِ عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى ليس بتارِكِ أحداً من المسلمينَ يومَ الجُمُعةِ إِلا غَفَرَ له».
ومنها: أنه يوم العق كيومِ عَرَفَةَ، فأخرج البخاري في «تاريخه»، وأبو يَعْلَى، عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ يومَ الجُمُعَةِ وليلةَ الجُمُعَةِ أربعة وعشرون ساعةً، ليس فيها ساعة إلا واللهِ فيها سِتُّ مئةِ عَتيق من النَّارِ، كلُّهم قد استَوجَبُوا النَّارَ.
وأَخرَجَه ابنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» بلفظ: «إِنَّ اللهِ في كلِّ جُمُعَةٍ ست مئة ألفِ عَتيق، وزِيدَ في رواية: «يُعتِقُهم من النَّارِ، كلُّهم قد استَوجَبُوا النَّارَ ?. قُلتُ: وهذه الروايةُ مُناسبَةٌ للمَقامِ ومُوافقةٌ لما قالَ بعضُ العلماءِ الكِرامِ من أَنَّ أهلَ المَوقِفِ سِتُّ مئة ألفٍ، فإن نقَصَ العَدَدُ كَمُلَ بمجيء الملائكة وحضورهم معهم. ومنها: أنَّه يومُ المُباهاة كيوم عرفة، فأخرَجَ ابنُ سعدٍ في «طَبَقاتِهِ» عن الحَسَنِ ابن علي رضي الله عنهما: سَمِعتُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «إِنَّ اللَّهَ تعالى يُباهِي مَلائِكَتَه بعبادِهِ يومَ عَرَفَةَ، يقولُ: عبادي جاؤُوني شُعْثاً غُبراً يتعرَّضون لرَحمَتِي، فَإِنِّي أُشْهِدُكُم أَنِّي قد غَفَرْتُ لمُحسِنِهم، وشَفَعتُ مُحسِنَهم لمُسيئهم، وإذا كانَ يومُ الجُمُعَةِ فَمِثْلُ ذلكَ» ?. فهذا برهان واضِح على أنَّ اجتماعَهُما مُوجِبٌ لزيادةِ المَغفِرَةِ، وشُمول الرحمة، وعُمومِ القَبولِ، وشمولِ الحُصولِ والوُصولِ، ومَن أنكر هذا فهو جاهِلٌ، غيرُ مُطَّلِعٍ على المنقولِ والمَعقول. ومنها: أنَّ الحسَنَةَ فيها تُضاعَفُ، فأخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في «الأَوْسَطِ» من حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه مرفوعاً: «تُضَاعَفُ الحَسَناتُ يومَ الجُمُعَةِ»
قلت: وقد بيّن في حديث بسبعين، وهو المُلائِمُ لِما نحنُ فيه من التَّبيينِ والتَّعيين. وأخرَجَ حُمَيدُ بنُ زَنْجُوَيْه في «فضائلِ الأعمالِ» عن المُسَيَّبِ بنِ رَافِعٍ قَالَ: مَن عَمِلَ يومَ الجُمُعَةِ ضُعَفَ بعَشَرةِ أضعافِه في سائرِ الأَيَّامِ.
قلتُ: فالمُضاعَفَةُ تزيد على السَّبعين وتبلغ المئة، وهو المُطابِق لقوله: «إذا وافَقَ يومُ عَرَفَةَ يومَ جُمُعةٍ فهو أفضَلُ من سبعينَ حَجَّةً» ?، وتبيَّنَ به أَنَّ المُرادَ بسبعينَ: الكَثرَةُ لا التَّحديدُ والتَّعيين، والله المعينُ.
ومنها: موافقته، فإنَّه في حَجَّةِ الوَداعِ وَقَفَ فيه، وإِنَّما يختارُ اللهُ تعالى له الأفضَلَ على الوَجْهِ الأَكْمَلِ، وبيانه أنَّه صلى الله عليه وسلم أَخَرَ أَداءَ الحجِّ بعدَ وُجوبِه مَعَ تحققِ قولِه
تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133].
فاختَلَفَ العُلماء في سببِ تأخيره مع كونِ وُجوبِ الحَجِّ فَوْراً بعدَ ثُبوتِ شرائطِ الوُجوبِ والأداء عند أكثَرِ العُلماء.
فقيل: سَبَبُ تأخيرِه ما وَقَعَ للكُفَّارِ من النَّسيء اللَّازِمِ منه وقوع أداء الحج في بعض الأعوام في غيرِ زَمانِه، وقد أَبْطَلْنا هذا القولَ المَفهوم منه أَنَّ حَجَّةَ أبي بكر رضي الله عنه كانت في ذي القَعْدَةِ في رسالةٍ مَعمولةٍ في تحقيقِ أَنَّ حَجَّ أبي بكرٍ كانَ في ذي الحِجَّةِ ?، وأتينا فيها بالأدِلَّةِ النَّقليَّةِ والعَقليَّةِ.
وقيل: السَّبَبُ في ذلك: أَنَّه لمَّا أرادَ التَّوَجُهَ إلى الحج، وتذَكَّرَ أَنَّ الكُفَّارَ يطوفُونَ بالبيتِ عُراة، وأنَّ المُشركينَ مُختَلِطون بالمُسلمين في حَجَّهِم لِما وَقَعَ لهم من العَهْدِ والأمان إلى مُدَّةٍ معلومةٍ، ونحو ذلك ممَّا كانَ سَبَباً لتأخُرِه، جَعَلَ الصِّدِّيقَ الأكبر أميراً على الحاج، ثم أرسل عليَّاً بأن يقرأ على الكُفَّارِ صَدرَ سورة براءة المُسْتمِلَةِ على نَبِذِ عُهودهم، وعلى أنْ لا يَحُجَّنَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، كما أشار إليه سُبحانَه بقوله: {يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: 28]، وعلى تحريم النسيء وغير ذلك.
أقولُ: ولا يَبعُد أن يكون من جُملة أسباب تأخيره صلى الله عليه وسلم أن يقع حجه في سيد الأيام من الأسابيع والأعوام، كما يليق بجَنابِ سيد الأنامِ، فَيَقَعُ حجه أفضل من سبعين حجَّةً جَبْراً لما فاته الحج بعد الهجرة.
فإن قلت: ظاهِرُ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم يَدُلُّ على جواز تأخير الحج عن وقتِ الوُجوبِ؟
أجيبَ: بأَنه قد عَلِمَ بالوَحْيِ أنَّه يعيش إلى أن يحُجَّ ويُتِمَّ به أركان الدِّينِ، أو يُحمَلُ على فَقْدِ بعض شُروطِ الوُجوبِ أو الأداء، فلا مُستَمْسَكَ لأحدٍ فيه؛ إذ الاستدلال معَ وُجودِ الاحتمال ليس له الاستقلال.
ومنها: أنَّ عَدَدَ العَشْرِ في كلِّ مَرتبة من مراتبِ الحِسابِ له كمال كما أَوْمَاً إليه قوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، وقوله سُبحانَه: وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرِ} [الأعراف: 142]، وقوله عزّ وجَلَّ: {وَلَيَالٍ عَشْرِ} [الفجر: 2]، ومنه العَشَرَةُ المُبشَّرَةُ، والأصابعُ العَشَرَةُ، ونحو ذلك من الأمور المعتبرة.
ومنها: أنه نزلَ قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} في ذلك اليوم، فقا أخرج ابن جرير وابنُ مَرْدَوَيهِ عن عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ قالَ: أُنزِلَتْ هذه الآيةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ عشِيَّةَ عَرَفَةَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] 1.
وقد وَرَدَ بأسانيد مُتعدّدةٍ على ما رواه الحافظ السُّيوطِيُّ في «الدر المنثور» عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جُبَيرِ والشَّعبيّ: أَنَّه نزلت هذه الآيةُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عيله وسلَّمَ وهو واقف بعرفات، وقد أطافَ به النَّاسُ، وتهدّمَتْ منارُ الجاهليّةِ ومَناسكهم، واضمَحَلَّ الشِّركُ، ولم يطف بالبيت عريان، ولم يحُجَّ معه في ذلك العامِ مُشْرِكٌ، فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.
وقالَ مُحيِي السُّنَّةَ في تفسيره مَعالمُ التَّنزيل»: نزَلَتْ هذه الآيةُ يومَ الجُمُعَةِ بعدَ العَصْرِ فِي حَجَّةِ الوَداعِ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقتِهِ العَصْباءِ، فَكادَتْ عَضُدُ النَّاقِةِ تندَقُّ من ثِقَلِها فبَرَكَتْ. ثمَّ ذكر بإسنادِه إلى البُخارِيِّ، عن طارق بن شهاب، عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه: أنَّ رجُلاً من اليهودِ قال له: يا أمير المؤمنينَ! آيةٌ في كتابكم تقرؤُونَها، لو علينا مَعْشَرَ اليَهُودِ نزلت لاتَّخَذْنا ذلك اليوم عيداً، قالَ عُمَرُ: أَيُّ آية؟ قالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فقالَ: قد عَرَفْنا ذلك اليوم والمكانَ الذي نزلت فيه على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو قائِمٌ بعَرَفَةَ يومَ الجُمُعَةِ. انتهى.
وهو حديث أخرجه الحميدي وأحمد وعبد بن حميد والبُخارِيُّ ومُسلِم والترمذي وابنُ جَرِيرٍ وابنُ المُنذِرِ وابنُ حِبَّانَ [والبيهقي] في «سُنَنِه» عن طارِقِ ابن شهاب، الحديث
قالَ البَغَوِيُّ: أَشارَ عُمَرُ رضي الله عنه إلى أنَّ ذلك اليوم كان عيداً لنا. قلتُ: المشهورُ أنَّه قال في الجوابِ: إِنَّا جَعَلنا ذلك اليوم عيدين في الحِسابِ، والله أَعلَمُ بالصَّوابِ.
ثم رأيتُ في الدُّرِّ المنثورِ»: أنَّه أخرَجَ ابنُ جريرٍ عن قَبَيصَةَ بنِ ذُؤَيبٍ قَالَ: قال كعب: لو أنَّ غير هذه الأُمَّةِ نزَلَت عليهم هذه الآيةُ لنَظَروا إلى اليوم الذي أُنزِلَتْ فيه عليهم فاتَّخذُوه عيداً، يجتَمِعُونَ فيه، فقالَ عُمَرُ: وأَيُّ آيةٍ يا كعب؟ فقالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، فقالَ عُمَرُ: قد عَلِمْتُ اليومَ الذي أُنزِلَتْ فيه، والمكانَ الذي نَزَلَتْ فيه، نَزَلَتْ في يومٍ جُمَعَةٍ، يومَ عَرَفَةَ، وَكِلاهُما بِحَمْدِ اللهِ لَنا عِيدٌ.
وأخرَجَ الطَّيالسي وعبدُ بنُ حُمَيدِ والتَّرمذي وحسَّنَه، وابنُ جَرِيرٍ والطَّبراني والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائلِ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: أنَّه قرأ هذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: ?] فقال يهودِيُّ: لو نَزَلَتْ هذه الآيةُ علينا لاتَّخَذْنا يومَها عيداً، فقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فإِنَّها نَزَلَتْ في يومٍ عيدَينِ اثْنَيْنِ، في يومِ جُمُعَةٍ يومَ عَرَفَةَ، وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كانَ ذلك اليوم خمسة أعياد، جُمُعَةٌ وعَرَفَةٌ وعِيدُ اليَهُودِ والنَّصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. قلتُ: ولعله أرادَ بـ يوم في الحديثِ وَقتاً، ليَصِحَ إطلاق عيدِ اليهودِ ومَن بعده عليه، أو المراد بالبقيَّةِ وُقوعها فيه بالتَّبَعيَّةِ.
وأما اليوم في الآية: فعَلَى صَرَافتِه في معنَى النَّهارِ، فَاجتَمَعَ عيدانِ، وهما جُمُعَةٌ وعَرَفَةٌ، بل حَجَّانِ؛ لِما رواه ابنُ زَنْجُوَيْه في ترغيبه»، والقُضَاعِيُّ عن ابنِ عبّاس
رضي الله عنهما، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الجُمُعَةُ حَجُّ المساكين».
وفي رواية رواها القُضاعِيُّ وابنُ عَساكِرَ عنه: «الجُمُعَةُ حَجُّ الفُقَرَاءِ»، فاجتِماعُ الحَجَّينِ، أعني: الحج الحقيقي والمجازي، وحجَّ الأغنياء وحجَّ الْفُقَراء، يُوجِبُ أن يُسمى بالحج الأكبر، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ وفَضلُه أَكثَرُ.
ثمَّ إِنِّي بتوفيق اللهِ سُبحانَهُ التَزَمْتُ في كُلِّ وَقْفَةٍ وَاقِعَةٍ فِي الجُمُعَةِ أَن أُحرِمَ عن الحَضْرَةِ الرِّسالة المُحمَّديّة، والمنعوتِ بِوَصْفِ الجَمعِيَّةِ الأَحَدِيَّةِ، مُقتَدِياً بما نُقِلَ عن بعض الأكابر الصُّوفيَّةِ، أَنَّه كانَ يَذبَحُ أُضحِيَّةٌ للرُّوحِ النَّبوِيَّةِ، بَدَلَا عَمَّا كَانَ يُضَحي أُمَّتِه العاجزة عن الأضحية، وهذا من بعض ما يجب له علينا من أداءِ قَضاءِ الجزاء، فيما له حق علينا من أنواع إيصال الآلاء والنعماء.
ومع هذا، أعتقد أنَّه بحَسَبِ الرُّوحِ المُكرَّمِ لا يخلو عن حُضورِ هذا الجمعِ المُعظَّم، لا سيّما في هذا اليوم المُفَخَّم، كما يدلُّ عليه ما في «صحيحِ مُسلِمٍ» عنه: أَنَّه رَأَى مُوسَى ويُونُسَ عليهما السَّلامُ فيما بينَ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ مُحرِمَينِ مُلَبِّيينِ مُتَضَرِّ عَينِ إلى المولى، فلا ريب أنه بهذا المَنصِب في زمانِ وِلايَتِه أَوْلى.
اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد صلاة تكون لك رضاءً ولحقه أداءً، واجزه عنا ببركته أفضَلَ ما جَزَيْتَ نبيَّاً عن أُمَّتِه، وصل على جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين، والحمدُ اللهِ ربِّ العالمين.
فَرَغَ مُؤَلِّفُه بمَكَّةَ المُكرَّمَةِ قبالة الكعبة المُعظَّمة، عام سبع بعد الألفِ من الهجرة النبوية، على صاحبها أُلوفُ التَّحِيَّةِ، حامِداً لله على الطافِه الخفِيَّةِ والجَليَّة.