الجزء 1 · صفحة 5
الحاوي القدسي
في فروع الحنفية
لجمال الدين أحمد بن محمود بن سعيد القابسي الغزنوي علي الحنفي
(توفي سنة 593 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للبحوث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام ودعانا إلى دار السلام، وجعل الطريق إليها تصفية للعقائد، والتقضي عن عُهدة ما في الذمم كالقلائد، والصلاة والسلام على رسوله محمد النبي المصطفى رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين.
وبعد تيسر ذي العطاء السني القوي، تحرير عُبيده محمد الغزنوي، وسميته:
«الحاوي القدسي»
لكونه الحاوي لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، من جنس مؤلف الجنس الجامع بين الأصولين والفروع، الدافع للمبتدي، هذا التمسك به عن الوقوع، المرتب على ثلاثة أقسام:
1 - أصول الدين.
2 - وأصول الفقه.
3 ـ وفروع الأحكام.
أما أصوله ففصول مؤصلة، وأبواب كتب فروعه أصول مفصلة، مشحونة بثمراتها، مقرونة بأخواتها محفوظة فيها أقوال المشايخ حسب الإمكان؛ ليكون أقرب إلى الخروج عن عُهدة ما يكون بما كان، والله تعالى هو المستعان، على إجراء أجره وثوابه، ولا حول ولا قوة لنا إلا به.
اللهم اختم بخير ...
القسم الأول
في اصول الدين
اعلم - وقاك الله المكاره ـ: أن الإمام أبا حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي من التابعين، وأصحابه المتقدمين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أئمة الدين كانوا يكرهون كثير الكلام في هذا القسم؛ لوقوع
الجزء 1 · صفحة 7
الاستغناء عنه بالعقل المرشد، والنقل المسدد، فإن أعمه مع ما يكون من المنقول، يدرك بمجرد العقول، والذي نقل عنهم من مهمات هذا الباب ما يذكر - إن شاء الله بعونه تعالى - في هذا الكتاب، اللهم اختم بخير.
فصل
العلم المحدث نوعان:
ضروري واختياري، وهو الاستدلال.
وأداة حصوله شيئان: الحس والعقل فالضروري: ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وإيجاده من غير أن يكون للعالم فيه فعلُ الكسب
الاختيار، ولا قدرة التحصيل ولا الترك.
والاختياري: ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وإيجاده أيضاً،
للعالم فيه فعلُ الكسب والاختيار، وقدرة التحصيل لفعل أو الترك، وهذا كالفعل المحدث المنقسم إلى: ضروري، واختياري.
فالضروري: ما حصل في الذات القائم به بإحداث الله تعالى وإيجاده، من غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والاختيار، ولا قدرة هلاك؛ كحركة المرتعش وسكون اليد الشلاء.
والفعل الاختياري: ما حصل في الذات القائم به بإحداث الله تعالى وإيجاده أيضاً، لكن الذات فيه فعل الكسب والاختيار، وقدرة التحصيل والترك؛ كالذهاب والقعود من الحي الصحيح.
ثم العلم الضروري ثلاثة أقسام، وهي:
? - العلم الضروري الحاصل بمجرد العقول والحواس الخمس؛ كالسمع والبصر، والشم والذوق واللمس.
2 ـ والعلم الحاصل بمجرد العقول من غير نظر وتأمل في الأصول؛ كعلم الإنسان بوجود نفسه وما يحدث فيه من الألم واللذة، وأن كل شيء أكبر وأكثر من جزئيه.
الجزء 1 · صفحة 8
3 - والعلم الحاصل بينهما؛ كالعلم بالبلدان الشابة، والقرون الماضية من الأخبار المتواترة يُسمع ويُعقل بالضرورة.
والعلم الاختياري قسمان: - عقلي وسمعي.
فالعقلي: ما يحصل بالنظر والتأمل في أصول المحسوسات: والبداية بمجرد الفعل من غير واسطة الدليل السمعي؛ كالعلم بحدوث العالم، وثبوتِ الصانع وقِدَمِهِ وتوحيده، ونحو ذلك.
8
والسمعي: ما يحصل بالنظر العقلي في المسموعات، ولا يحصل بالعقل وحده بدون واسطة السمع؛ كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع الله من الأحكام.
ثم العلم العقلي يوجب الحكم قطعاً ويقيناً، وهو يسمى: علم الكلام، وأصول الدين وعلم التوحيد في عرف لسان الفقهاء والمتكلمين. وأما العلم السمعي، فموضع ذكره أصول الفقه.
فصل
حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها، متحقق ومن نفاها، كان نفيه إياها تحقيقياً منه للمنفي، فكان في نفيها إثباتها ضرورة، والعالَم مُحْدَث، والصانع ـ تعالى وتقدس لا إله إلا هو - قديم؛ لأن البناء بغير بان مستحيل؛ كوجودنا بغير موجود، وكونه مبدئاً نفسه غير ممكن، والقول به قول بكون القدم موجداً، فلزم أن يكون له صانع متقدم عليه، فثبت بهذا حدوث العالم ضرورة، والصانع لو لم يكن فكان إن كان وجوده بنفسه، فمحال كما قلنا، وإن كان بغيره، لم يكن صانعاً مطلقاً، فثبت قِدَمُ الصانع أيضاً ضرورة وهو تعالى دائم لا يفنى؛ لأن الفناء يفتقر إلى مُفْني، ولا مفنى سواه، ولا ثاني له؛ إذ لو كان له ثان لم يكن به وهو مالك الملك مطلقاً، وليس بعرض، ولا جوهر، ولا جسم؛ لأن العرض مفتقر إلى محل قيامه به، والجوهر أدنى جزيء يتركب الجسم من أجناسه.
والجسم ما يكون مركباً ويستحيل وصفه تعالى بالصورة واللون والرائحة؛ لما يلزم من التشبيه، وهو لا يشبه العالم، ولا شيئاً منه بوجه من
9
الجزء 1 · صفحة 9
الوجوه؛ إذ المشابهة تقتضي المماثلة وجواز المشاركة - تعالى الله عنها، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام، وهو تعالى غير حال في مكان؛ إذ تمكن القديم على المحدث يُلزم التغير ـ تعالى الله عن ذلك .. هو شيء لا كالأشياء: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءُ} [الشورى: 11]، صفاته جميع قديمة كذاته من غير تعدد القديم، بل لكون الواحد القديم موصوفاً بصفات الكمال، منزّهاً عن كونه محلاً للحوادث، فلم يزل بصفاته قديماً قبل خلقه، ولم يزد بكون الخلائق شيئاً لم يكن قبله من صفته، فكان بصفاته أزلياً.
ولا يزال كذلك أبدياً، ليس منذ خَلَقَ استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري كان له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالقية ولا مخلوق، فكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، وهذا لأن جواز اسم الفاعل يعتمد القدرة على الفعل والعلم لا حقيقة مباشرة الفعل، على هذا جميع الصناع، إذا كان قادراً عالماً، وإن لم يكن مباشراً، ولا شك في تسمية قدرة الباري وعلمه قبل الخلق.
وهو تعالى حي عالم قادر سميع بصير له حياة وقدرة وعلم وسمع، وبصر، ومن قال: حي عالم قادر سميع بصير ليست له حياة ولا قدرة ولا علم ولا سمع ولا بصر، ما أشبه قوله قول السوفسطائية؛ إذ القول بعالم لا علم له، وقادر لا قدرة له؛ كالقول بمتحرك لا حركة له، وساكن لا سكون له، وأسود لا سوادَ له، وقول القائل لا علم له بنا، ولا قدرة له علينا؛ كالقول بأنه ليس بعالم بنا، ولا بقادر علينا، والثاني قبيح، فهكذا الأول، قال الله تعالى: {أَنزَلَهُ بِعِلمِهِ} [النساء: 166]، {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255]، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} [الذاريات: 58].
أوجد الأشياء بإرادته كما شاء باختيار لا اضطرار، وكان مريداً إيجادها بإرادة أزلية قديمة قائمة بذاته القديمة، وهي إرادة كلِّ مُراد لوقت وجوده، فلا موجود إلا بإرادته ومشيئته وقضائه وقدره وما كان منها من أفعال المكلفين خيراً، فبرضاه، وما كان شراً، فبسخطه لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، ما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن يتقلبون في مشيئته وحكمه، لا رَادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره.
غلبت مشيئته المشيئاتِ كلها وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل الله ما يشاء، وهو غير ظالم أبداً: {لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: 23]، وإذا اجتمع الخلق كلُّهم على شيء قدره الله كائناً ليجعلوه غير كائن، لم يقدروا عليه وكذا عكسه، فهو الخالق بلا حاجة والرازق بلا مؤنة والمميت بلا
الجزء 1 · صفحة 10
مخافة والباعث بلا مشقة.
والاسم والمسمى واحد، والتكوين غير المكون؛ فإن التكوين أزلي، والتكوين والخلق والإيجاد والإحداث والاختراع والإبداع أسماء مترادفة يراد بها كلها معنى واحد وهو إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود.
والمكوَّنُ هو المخلوق، فكان التكوين صفةً من صفات الله تعالى أزلية؛ كالحياة والعلم، فمن جعلهما واحداً كان كمن جعل الضرب عين المضروب، والكسر عين المكسور، وفساد هذا القول لا يخفى.
والقرآن كلام الله تعالى منه بدأ بلا كيفية قولاً، والله تعالى متكلم بكلام هو صفة له أزلية ليس من جنس حروف وأصوات، أنزلَ به جبريل على أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام ـ، وهو صفة منافية للسكوت والآفة وقد تكلم به آمراً وناهياً ومخبراً، وهذه الحروف المؤلفة، والعبارات المرتبة دالات على كلامه القديم لا عينه، والكلام غير الحروف والعبارات، ولهذا لم يتبدلها عند تبدل الألسن؛ فإن الحروف والعباراتِ تختلف باختلاف الألسن إذا عبر بالكل عن كلام واحد، ويكون حروف كل لسان المؤلف منها - عند الدلالة على عين ذلك الكلام - غيرُ الحروف بإنسان آخر؛ كقولك: قل بكوو، الذي دلت عليه أحدهما من الكلام عين ما دلت عليه الأخرى دلالة تلازم الكلام؛ بحيث لا ينفك عنه حتى يوجد ذلك الكلام حيثما وجدت تلك العبارات ولهذا جوز أبو حنيفة له قراءة القرآن بالفارسية فيكون كاتب العبارات كاتب الكلام، وتاليها تاليه وحافظها حافظه، ولذا قلنا: إن القرآن مكتوب في مصاحفنا، مقروء بالسنتنا، محفوظ في قلوبنا، كلامه قديم، وحروفه محدثة. فإن قيل: كلام الله تعالى لو كان قديماً، لكان الله تعالى أمراً ناهياً في الأزل للمعدوم، فيكون سَفَها.
يقال: الأمر والنهي للمعدوم؛ ليجب عليه الإقدام على المأمور به، والانتهاء عن المنهي عنه للحال، سفه، لكن ليجب الإقدام على المأمور به عند وجود المأمور وأهليته، والانتهاء كذا حكمة بالغة.
ولو قيل: إن الله تعالى أخبر عن أمور ماضية؛ كقوله: (وَجَلَة إخْوَةٌ يُوسُفَ [يوسف: 58]، وَإِذْ قَالَ إبرهنه) [البقرة: 126]، {وَإِذْ قَالَ مُوسَى) [البقرة: 54]، فلو كان إخباره عنها سابقاً عليها، لكان الإخبار عنها قبل وجودها كذباً.
الجزء 1 · صفحة 11
يقال: إخبارُ الله تعالى لا يتعلق بالزمان بل هو مطلق إخبار، والمتعلق بالزمان، وهو المخبر عنه وإن كان لم يوجد بعد، لكن الإخبار لما كان مطلقاً غير متعلق بزمان كان ذلك إخباراً عنه أنه عنه أنه سيوجد، وإذا وجد، كان إخباراً ع عنه أنه للحال موجود وإذا انقضى كان إخباراً عنه أنه وجد فيما مضى، وتغير الحال داخل تحت المخبر به لا على الإخبار الأزلي والله - سبحانه وتعالى - يراه أهل الجنة في الجنة بأبصارهم، من غير إحاطة ولا كيفية؛ كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَيذٍ نَاضِرَة إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة} [القيامة: 22 - 23]، وتفسيره: ما أراده الله تعالى به، وكلُّ ما جاء في الرؤية وغيرها من المشكلات المتعلقة بذات الباري - جل وعلا - وصفاتِهِ في الأحاديث الصحاح عن رسول الله، فهو كما قال ومعناه ما أراد فإن فهمنا مراده الموافق للأصول، فهو نعمة من الله تعالى وإلا فلا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا؛ فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم الله ورسوله، وَرَدَّ ما اشتبه عليه إلى عالمه ولا يثبت قدمُ الإسلام إلا على ظهر التسليم، ومن رام ما حُظِرَ عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه رأيه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتكذيب والتصديق، والإنكار والإقرار موسوساً تائهاً شاكاً زائغاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً، ومن لم يَتَوَكَّ النفي والتشبية، زَلَّ، ولم يصب التزيه؛ فإن ربنا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بالفردانية، ليس بمعناه أحد البرية تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كالمُبدعاتِ.
ومنكر رؤية الله تعالى ينسب موسى الكليم إلى قلة معرفة الباري تعالى؛ فإنه قال: أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143]، ولو لم تكن الرؤية جائزة، لكان الطلب محالاً، ولكان غير مرئي وزعمه موسى مرئياً، فكان غير عارف به.
وذكر في معنى عدم رؤيته: أن من رأى الله ـ جل جلاله ـ، صار حياً لا يموت، وقد قضى الله تعالى بموته، ولذا لم ير المصطفى ليلة المعراج، وكافة الخلق في الدنيا. اللهم اختم بخير.
فصل
والأنبياء والمرسلون لم يزالوا حيث خُلقوا عباداً اصطفاهم الله تعالى لأداء، أمانته إلى المكلَّفين من بريته، وفضَّل بعضهم على بعض؛ ففضل الرسل على الأنبياء، وأولي العزم على الرسل، وفضل محمداً على الرسل والنبيين، وكافة الخلق أجمعين من أهل السموات والأرض، ولقد جاء بالحق، وقال
الجزء 1 · صفحة 12
بالصدق، جاء ناسخاً للملل، وخاتماً للأنبياء والرسل، وأتى بمعجزات بَيِّنَاتٍ، وآياتٍ دالاتِ على صدق نبوته؛ كانشقاق القمر، وانجذاب الشجر، وتسبيح الحصا وتسليم الحجر، ونبع الماء من بين أصابعه وحنين السارية وشكاية الناقة وشهادة الشاة المصلية، وشرب الكثير من قليل اللبن والماء، وقليل الطعام إلى الإشباع والإدواء، والسحاب الذي ظله قبل مبعثه والنور الذي كان ينتقل من ظهر إلى رحم كذلك إلى ولادته، وخاتم النبوة بين كتفيه، وطيب عرقه، وكونه أحسن من البدر، وأطيب من المسك، وألين من الحرير، وكان يؤخذ عرقه للطيب. وكان في الشفقة بحيث عوتب عليه بقوله تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ يهِمْ حَسَرَات [فاطر: ?]، وبقوله: (لَعَلَّكَ بَعْ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3].
وكان في السخاء والكرم بحيث عوتب بقوله تعالى: {وَلَا نَبْسُطها كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: ??]، وكان في حلمه ووقاره، ووعده وأمانته، وسدادِهِ وشجاعته، وعفافه وصبره وذكاء فهمه، وقلة تلونه، وبلوغ حفظه، وقوله بجامع الكلم إذا قال ومراعاته شرائط الصمت إذا صمت، وتصديقه للمواعيد إذا وَعَدَ، وطهارة أخلاقه كلها شاباً وصبياً وكهلاً؛ بحيث يتبع آثاره أولياؤه وأعداؤه وكانت هذه الخصائص الشريفة، والشمائل المرضية موجودة فيه على طول الزمان، وتصاريف الأحوال، لم يتغير عن شيء منها في حاله، ولا وجدت منه خصلة غير حميدة طول عمره صلى الله عليه وسلم.
وكان ذلك كله منه طبعاً غير تكلُّف، ولم تزل آثار صدق أخباره صلى الله عليه وسلم ظاهرة في الابد، فدل ذلك كله على أنها من مواهب الله السنية، ومن عطاياه الهنية؛ لتكون دلالة بأنه المؤيد بقوة سماوية، والمكرم بمعونة إلهية؛ ليستقل بالقيام بما فوض إليه، وفُرض عليه من أمور الرسالة إلى أصناف الخليقة من الثقلين ما بين الخافقين.
وكذا كلُّ نبي بعثه الله تعالى إلى الخلق خصه بمعجزة دالة على صدق نبوته؛ كإبراهيم الخليل وانطفاء ناره وموسى الكليم وعصاه ويده البيضاء، وعيسى وإحيائه وإبرائه، وغيرهم من النبيين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. و معراج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وقد أُسري به في ساعة من ليلة من مكة إلى بيت المقدس، وعرج منه بشخصه في اليقظة إلى السموات إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله تعالى بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى.
وحوض الكوثر الذي أكرمه الله تعالى به غياثاً لأمته في القيامة حقٌّ.
الجزء 1 · صفحة 13
والشفاعة التي ادخرها لهم حق؛ كما روي في الأخبار.
وكرامات الأولياء حق، وهي تشبه معجزاتِ الأنبياء، وفرقُ ما بينهما أن المعجزة واجب الإظهار والكرامة واجب الستر عن الأغيار.
وكرامة الولي تؤيد معجزة النبي؛ إذ هي دالة على صدق نبوته، وصحة شريعته؛ فإن الولي إنما أكرم بها لملازمته شريعة النبي، ومنكر كرامة الأولياء منكرُ القرآن؛ فإن آصف كان ولياً، والقرآن يخبر بكرامته بقوله تعالى خَبَراً عنه: {أَنَا آتيك بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40]، ومنكر السنة أيضاً، لما صح من الأحاديث فيها، وحديث أنس بن النَّضْرِ حين كسرت أخته الرَّبيعُ سنَّ امرأةٍ أبتِ القصاص، وحكم به النبي أنه لا يقتص من أختي بعلة والعفو، وحديث عمر - رضي الله عنه، وقوله: يا سارية الجبل الجبل معروفان، ومنكر الكرامة فلما أنه لم يرها في نفسه وجنسه، فهو كمنكر الرؤية الذي قال لا يُرى. لأنه لا يَرَى.
ونبي واحد أفضلُ عند الله تعالى من جميع الأولياء، ومن فَضَّلَ ولياً
على نبي، يَخْشى عليه الكفر.
والخضر وإخوة يوسف اختلف في نبوتهم، والأصح أنهم أنبياء. وآدم نبي، هو أول الأنبياء، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. ومن لم يعرف أسماء الأنبياء بعد أن آمن بهم لا يضره، وإذا قيل له: هل آمنت بفلان النبي، وهو لا يعرفه فسبيله فيه أن يقول: إن كان فلان نبياً، فقد آمنتُ به.
والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق حين أخرجنا من صلبه يوم الميثاق من الأنبياء والمرسلين والعلماء وصنوف بني آدم أجمعين؛ كما أخبر بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ} [الأعراف: 172]، اللهم اختم بخير.
فصل
الإيمان فعل مخلوق بتوفيق الله تعالى قديم، وهو تصديق القلب، وإقرار اللسان بوحدانية الله تعالى، وصفاته وأنبيائه، وبما جاؤوا به، وبملائكته، وباليوم الآخر، وألا يفرق بين أنبيائه في صحة النبوة.
الجزء 1 · صفحة 14
وقيل: حقيقة الإيمان هو التصديق فيما بينه وبين الله تعالى، لكن الإقرار بالإظهار عند القدرة لازم حتى يرتفع عنه السيف والحكم بإسلامه وإيمانه لا يكون إلا بالإقرار وعمل الأركان ليس من أصل الإيمان، بل هو شرائعه، ولو كان من الإيمان، لم يكونوا أهل الجنة مؤمنين؛ إذ لا عمل فيها.
والإيمان لا يزيد ولا ينقص والإيمان والإسلام واحد في أصله سواء، والتفاضل بينهما بالحقيقة ومخالفة الهوى.
والمؤمنون هم أولياء الرحمن الصدّيقون والشهداء؛ كما قال تعالى: {وَاللَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوَلَيْكَ هُمُ الصِّدِيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19].
وأكرمهم أطوعُهم له، وأتبعهم للقرآن، وأيقنُهم بالعقيدة، وأحدثهم بالسنة والجماعة.
ودين الله تعالى في الأرض والسماء واحد وهو الإسلام، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: (??]، وقال: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دينا} [المائدة: 3]، وهو بين الغلو والتقصير والتشبيه والتعطيل، والحذر والقدر، والأمن والإياس.
ولا يخرج العبد عن الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.
ونُسَمي أهل قبلتنا مسلمين، مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وبكل ما قال مصدقين غير مكذبين.
وإبليس قبل الاستكبار كان مؤمناً وأبو بكر وعمر وغيرهم رض الله عنهم كانوا كافرين.
ولا نخوض في الله ولا نماري في الدين، ولا نجادل في القرآن، ونؤمن بالكرام الكاتبين الذين جعل الله تعالى منهم على كل واحد من مكلفي الثقلين حافظين.
ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبجميع الملائكة والمقربين.
ونؤمن بعذاب القبر لمن كان له أهلاً وسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه؛ كما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه وتعالى ـ أعلم بكيفية ذلك.
والقبر إما أن يكون روضةً من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران ثم لابد من البعث وجزاء الأعمال يوم القيامة.
الجزء 1 · صفحة 15
ونؤمن بالعرض يومئذ، والحساب وقراءة الكتب، والصراط، والميزان توزن به أعمال المكلفين من الخير والشر، ما فيه الخير والشر، وما فيه الثواب والعقاب.
ونؤمن بالجنة والنار، وأنهما موجودتان لا تَفْنَيَانِ أبداً ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلقهما قبل الخلق وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم للجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم للنار عدلاً منه، وكل يعمل لما فرغ منه، وصاير إلى ما خُلق له.
ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قَدْ رُقم، وأن القلم قد جفَّ بما هو كائن فيه إلى يوم القيامة، فما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.
وعلى العبد أن يعلم أن الله تعالى سبق علمه في كل كائن من خلقه، فما جرى به القلم، وقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً ليس فيه ناقض ولا مغير ولا مزيل ولا محول ولا ناقص ولا زائد من خلقه، كائناً من كان، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بوحدانيته وربوبيته؛ كما قال تعالى: {كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تقديرا} [الفرقان: 2]، وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُورًا} [الأحزاب: ??].
ونؤمن بالعرش والكرسي كما بين الله تعالى في كتابه، وهو ـ جل جلاله ـ مستغن عن العرش وما دونه، محيط به وما تحته وما فوقه، وقد أعجز عن الإحاطة به خلقه.
ونؤمن بخروج الدجال اللعين ونزول عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من السماء، وخروج يأجوج ومأجوج، وبخروج دابة الأرض، وبطلوع الشمس من مغربها ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً، ولا من يدعي شيئاً خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة
ولا نكفّرُ أحداً من أهل القبلة بذنب ولا من اقترف كبيرة وهو غيرُ مُسْتَحِل لها، ولا بمستخِفٌ بمن نهى ونرجو الله تعالى أن يغفر له، ونخاف أن يعذبه، فهو مؤمن، ولم يزل عنه بها إيمانه ولا انتقص، وإذا مات مؤمناً من غير توبة، فالله تعالى إن شاء عفا عنه بفضله، وبركة إيمانه، وسائر حسناته، أو شفاعة الشافعين من الأنبياء والمرسلين وغيرهم من الصالحين، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم تكون عاقبة أمره الجنة، لا محالة، ولا يخلد في النار. وأصل دين التوحيد إثباتُ ما أثبته الله تعالى، ونفي ما نفاه اعتماداً. ولا يجوز أن يقال: لا يضر مع الإيمان ذنب، ويخشى على قائله الكفر، ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يغفر لهم الزلة، ويكونوا من أهل الجنة، ولا نشهد لهم بها ولا نأمن عليهم ونستغفر للمسيئين منهم، ونخاف عليهم، ولا نقطهم، والأمن واليأس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل الإيمان
الجزء 1 · صفحة 16
فصل
والمكلفون أهل العقل والحبيب وغيره في أصل التكليف سواء، والله تعالى خلق الأنس والجن ليعبدوه وجعل الجنة مثوى المطيعين منهم، والنار مأوى الظالمين، وقد علم الله - تبارك وتعالى - في الأزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، فلا يُزاد في ذلك العدد، ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم، وقد علم منهم أن يفعلوا، وكلٌّ ميسر لما خُلِقَ له، والأعمالُ بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله.
وأصل القدر سرُّ الله تعالى لم يَطَّلع عليه مَلَكٌ مقرب، ولا نبي مرسل والتعمق والنظر في ذلك زيغة الخذلان ودرجة الطغيان، وسلم الحرمان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مَرَامِهِ؛ كما قال تعالى: (لَا يُبْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ} [الأنبياء: ??]، فالسكوت عنه درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علمٌ في الخلق موجود، وعلم عن الخلق مفقود فادعاء علم المفقود كفر، وإنكار علم الموجود كفر، لا يثبت الإيمان إلا بقبول عِلْم الموجود، وترك طلب علم المفقود، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً منه، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً منه، أَمَرَ عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته، ولم يكلف كُلاً منهم إلا حَسَبَ طاقته، ووَفْقَ مُكْنته، والعبد إذا لم يكن مستطيعاً لا يكلف إلى شيء ألبتة.
والاستطاعة نوعان: متقدمة يوجب بها الفعل، ومقارنة يوجد بها الفعل فالأولى سلامة الآلات، وحصول الأسباب، والثانية حقيقة القدرة التي هي نتيجة التوفيق من الله تعالى عند جهد العبد؛ كما في قوله تعالى: وألا لعنة الله على الظَّالِمِينَ} [هود: ??] إلى قوله: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) [هود: 20] لا، وعدهم وذمهم لانعدام هذه الاستطاعة مع وجود الأسباب والآلات؛ لأنه كان انتفاء حقيقة القدرة بتضييعهم لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]؛ أي: لنوفقنهم لطريقنا، فَوَّتُوا هذه القدرة؛ لفوات التوفيق بعدم الجهد، ثم الاستطاعة الأولى وأجسام متقدمة إجماعاً، والثانية عروض مقارنة للفعل، لا سابقة عليه؛ خلافاً للقدرية.
والقدرة الواحدة تصلح للضدين، فالمباشر لضد المأمور به شغل القدرة الصالحة لتحصيل المأمور به بغيره فصار معاتباً عليه.
وأفعال العباد خلقُ الله وكسبهم تنزل من خلقه منزلة الأحرار، وقد صاروا بكسبهم عصاة
الجزء 1 · صفحة 17
ومطيعين وتعلق الثواب والعقاب بكسبهم، لا بخلق الله تعالى.
وقالت القدرية: إن تدبير الله تعالى وخلقه منقطع عن أفعال الخلق، وهم الذين يتولون إيجادها.
وقالت الجبرية: إن التدبير في أفعال العباد كله إلى الله تعالى، لا اختيار للخلق فيه، ولا قدرة ولا، صنع، وإن قول القائل: جاء زيد؛ كقوله: طال زيد.
فمذهب القدرية باطل بقوله تعالى: {اللهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16]، {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]، {مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]، {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} [الرعد: 16]، ونحوها.
ومذهب الجبرية أيضاً باطل بقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] {وَافَعَلُوا الْخَيْرَ) [الحج: 77]، {وجَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، {وَلَا: تجزون إلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54]، {هَل يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يعْمَلُونَ) [سبأ: 33]، ونحوها.
والمتولدات محض خلق الله تعالى ولا قدرة للعبيد في شيء من ذلك؛ إذ العبد ليس له قدرة الاختراع والخلق، فما وجد من الألم في المضروب عقيب ضرب الإنسان، والانكسار عقيب كسره، والحركة في الجماد عقيب التحريك، كل ذلك مخلوق الله تعالى، ولا صنع للعبد في إيجادها البتة، والمقتول ميت بأجله والقتل فعل قائم بالقاتل، وهو فعل يخلق الله تعالى في الحيوان عقيبه الموت وانزهاق الروح، فيكون الموتُ مخلوق الله تعالى في الميت لقبض روحه؛ فلم يكن للقاتل صنع في إيجاده.
وهم قالوا: للميت أجل آخر لولا القتل، لبلغ إليه.
ثم وجوب القصاص عندنا والضمان على العبد لارتكابه المنهي، ومباشرته ذلك الفعل المحظور
والخير والشر بقضاء الله تعالى وقَدَره؛ أي: بخلقه وتقديره؛ يعني: بالقضاء الحق، وبالقدر الحد، والقدر الذي ينبغي أن يكون لكل شيء. والعبد لا يصير مضطراً بفعل المعصية، وإن كان فعله بقضاء الله تعالى وقدره.
ورعاية الأصلح ليس بواجب على الله تعالى، ولا ما هو مصلحة الخلق، والله تعالى يفعل ما يريد.
الجزء 1 · صفحة 18
والهدى خلقُ فعل الاهتداء، والضلال خلقُ فعل الإضلال، وهو معنى قوله تعالى: (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ) [النحل: 93] والنهي هاد؛ لكونه مُبيِّنَ الطريق، فللهُدَى معنيان: الخلق، والبيان، ومنهما قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى} [القصص: 56]، وَإِنَّكَ لَتَهْدِى) [الشورى: 52].
فصل
طاعة الله وأولي الأمر
ونرى الصلاة خلف كل بَرّ وفاجر من أهل القبلة، والصلاة على من مات من أهل الملة إلا من عذبه الله بتركها، ولا ننزل أحداً من عوام المسلمين جنة ولا ناراً ولا نشهد عليهم بكفر ولا نفاق ولا فسق يظهر منهم شيء من ذلك، ونَذَرُ سرائرهم إلى الله تعالى.
ولا نرى القتل على أحد من أمة محمد إلا لإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق.
ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم في طاعة الله فريضةً، فإن أمرونا بمعصية، أمسكنا أنفسنا، وندعو لهم بالخير والصلاح والمعافاة.
ونثبت الخلافة بعد رسول الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر به تفضيلاً وتقديماً له على جميع الأمة، ثم عمر بن الخطاب له، ثم عثمان بن عفان، ثم علي، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.
والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة نشهد لهم بما شهد، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنهم -.
ومن أَحْسَنَ القول في أصحاب رسول الله، وفي أزواجه وذريته، فقد تبرأ من النفاق.
وعلماء السلف من السابقين والتابعين ومن بعدهم من أهل الخير والأثر والفقه والنظر لا يُذكرون إلا بالجميل والثناء الجزيل، ومن ذكرهم بسوء، فهو على غير سواء السبيل.
الجزء 1 · صفحة 19
ونرى الجماعة حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً إلا ما كان في الفروع؛ فإنه رحمة.
ونعلم قطعاً أن أحداً غير الله تعالى لا يعلم علم الله، فما علمنا، عملنا به، وما لم نعلم سألنا عنه من يعلم وما لا يُعلم، قلنا: الله أعلم، وكذا القول في كل ما اشتبه علينا الله، أعلم ولا نتجرأ فيه بآرائنا كيفما كان، بل نقصد بكلامنا فيما نعلم فائدة المستمع، لا تفضيل أنفسنا، وتجهيل غيرنا.
ونرى الحج والجهاد فرضين مع أُولي الأمر من أئمة المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة والجمعة والعيدين والمسح على الخفين في الحضر والسفر كما جاء في الخبر.
وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منافع للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجاتِ
والرزق هو الغذاء فيما قدَّرَ الله تعالى أن يكون غذاء لشخص لا يصير غذاء لشخص آخر، والإنسان كما يتغذى من الحلال يتغذى من الحرام. وزعم البعض أن الرزق هو الملك، وأن الحرام ليس برزق، وأن المرء قادر على تناول رزق غيره وكل هذا خطأ عظيم، وفساد هذه الأقوال ظاهر.
والواجب على كل مسلم الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره، والصبر على بلائه والشكر لنعمائه، وإخلاص العمل به، والتجنب عن الرياء والعُجْبِ والغيبة والنميمة، والحقد والحسد والعداوة والبغضاء للمسلمين، والمراء والجدال والخصومات في الدين وأن يكون متيقظاً أبداً للائتمار بما أمره الله تعالى، والانتهاء عما نهاه عنه، والكفّ عن جميع القبائح، خاصة ذكر مساوئ المسلمين واغتنام العمر بصرفه في طاعة الله تعالى، والدعاء بخاتمة الخير، وترك الاستثناء فى الإيمان في الحال للمآل؛ بأن يقول: أنا مؤمن حقاً، أموت مؤمناً - إن شاء الله تعالى.
فهذا الذي ذكرناه من الاعتقاد في أصول الدين منقول عن الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه المتقدمين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فصل
ثم اعلم ـ رعاك الله - أن المِلل والمناصب كثيرة، وأنَّ الكل يزعمون كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، إنما يظهر الحقُّ من الباطل، والراجح من المرجوح بالدليل والبرهان، وذلك بقوة المناظرة، وقدرة الآراء، وقد يغلب المبطل المحق فيها بالظاهر؛ لزيادة قوة القول، أو الجاه، أو سبب آخر، فلا يقف المبتدئ في العلم حينئذ على حقيقة الصحيح والفاسد فيخفى الحق
الجزء 1 · صفحة 20
عنده، ويضل، فسبيله فيه أن ينظر أولاً إلى حقيقة نبوة محمد بظهور صدق إخباره، ووفور آثاره على ممر الأيام إلى الأبد، فإنه من أوضح دلائل النبوة وأصحها، ثم ينظر إلى ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم من حديث الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ومذهبه؛ ليظهر له الحق، ويتضح، وذلك ما روي عن علي بن أبي طالب له: أنه لما قدم الكوفة في أيام خلافته، قال لأهلها: ألا أنبئكم، ألا أخبركم يا أهل الكوفة بما أخبر به رسول الله؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال سمعته يقول: سَيَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي مِنْ كوفانَ - بَلَدِكُمْ هذا، مَدينَتِكُمْ هَذِهِ - رَجُلٌ يُقالُ له النُّعْمَانُ بنُ ثابِتِ، يُكْنَى: أَبا حَنِيفَةَ، يُحيي الله - أو قال: يجدد الله تعالى ـ على يديه ديني وسنتي».
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو هذا، وهذا حديث ثابت مسند بأسانيد صحيحة فليتمَسَّكِ الطالبُ المسترشد بهذا الحديث إلى أن يظهر له الحقُّ من الباطل، وذلك بقوة علمه وغزارة عقله، فلن يضل - إن شاء الله تعالى -.
اللهم اختم بخير.
القسم الثاني
في اصول الفقه
اعلم - أراك الله المرأفة - أن معنى الفقه:
في اللغة: الوقوف والاطلاع.
وفي الشريعة الوقوف الخاص؛ وهو الوقوف على معاني النصوص وإشارتها ودلالتها ومضمراتها ومقتضياتها.
والفقيه: اسمٌ للواقف عليها، ويُسمّى حافظ مسائل الفقه الثابتة بها فقيهاً مجازاً؛ لحفظه ما ثبت بالفقه.
فصل
في أنواع الحجج التي بها ابتلينا
العلم ما شرع الله تعالى على أحكامه، ولزمنا العمل بها، وهي أربع:
الجزء 1 · صفحة 21
1 - الآية.
2- الدليل.
3- العلة.
4 - نوع من الحال.
فالحجة: اسم يعم الكل، وكذا البيئة، والبرهان.
أما الحجةُ: فمِنْ حَجَّ؛ أي: غَلَبَ، أو رجح؛ لما يُرجع إليها مرة
بعد أخرى حتى يغلب خصمه.
والبينة: من البيان؛ يعني: يبين حتى يظهر بها الحق من الباطل. والبرهان: كذلك.
ثم الآية في الشريعة: عما يوجب علم اليقين؛ كذا سميت معجزات الرسل: {وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ايَتِ بَيِّنَتِ} [الإسراء: 101]، وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4].
وهي في اللغة: عبارة عن العلامة.
والدليل: اسمٌ لحجة النطق في الشريعة؛ وهو الهادي منه.
وفي اللغة: الهادي: المقصود، ويقال في الدعاء: يا دليل المتحيرين؛ أي: يا هاديهم إلى ما تزول به الحيرة.
والعلة: اسم لما يحل في المحل، فيتغير به حال المحل. والحال: عبارة عن الحكم الثابت المحتمل للزوال، لم يثبت زواله ولا بقاؤه بدليل، وسيأتي بيانه في موضعه.
ثم كل قسم من أنواع هذه الحجج ينقسم إلى قسمين: ظاهر، وباطن.
فالظاهر ما عقل بالبديهة.
و [الباطن]: ما لا يعقل إلا بتأمل؛ كعصا موسى، كانت آية ظاهرة
حتى تلقفت عِصِيَّ سَحَرة فرعون علمت السَّحرة ببديهة عقولهم أنها آية، وكذا انفلاق البحر،
الجزء 1 · صفحة 22
وانفجار الحجر.
والقرآنُ لمحمد صلى الله عليه وسلم آية باطنة، لا يُعرف إلا بتفكر وتأمل ونظر وتدبر، ومعارضة بسائر أنواع كلام البشر.
وكذا أحوال الشرع، بعضُها أظهر من بعض، حتى سمى علماؤنا الظاهر منها قياساً، والباطن استحساناً.
وكذا الدليل ظاهر؛ كالدخان على النار وباطن؛ كالنجم على الطريق. وقوى الحجج لا تزيد ولا تنقص لظهورها وبطونها؛ فإنها تستفاد من جهة أخرى؛ كالبقاء لمعجزة القرآن زائدة فيها، وغير ذلك.
وفرق ما بين الدليل والعلة من حيث إن الدليل مظهر لما كان، والعلة مُنتَةٌ لما لم يكن.
ثم أنواع الحجج في الجملة نوعان:
- عقلية.
ـ وسمعية؛ وهي الشريعة.
وكلُّ نوع منها قسمان:
- موجبة للعلم.
ـ ومجوزة.
فالموجبة: ما أوجبت العلم قطعاً بموجبها، ولم تجوز خلافه.
والمجوزة ما جوزت العلم بموجبها، وإن جوزت خلافه.
وكلاهما يوجبان العمل.
ثم العقلية: ما عرفت حججاً بالاستدلال بمجرد العقول.
والسمعية: ما لم تعرف حججاً إلا بوحي الله، أو سنة الرسول.
الجزء 1 · صفحة 23
والعلم الحاصل بهذه الحجج يكون نوعين: عقلياً، وسمعياً، فذكر العقلي ما تقدم في قسم أصول الدين.
والسمعي نوعان:
أحدهما: ثبت بطريق القطع واليقين بالحجج الموجبة؛ كالنص المفسر من الكتاب والخبر المتواتر، والإجماع.
والثاني: ثابت بطريق الظاهر بناءً على غالب الرأي وأكثر الظن بالحجج المجوزة؛ كظواهر الكتاب والسنة المتواترة، وما ثبت بخبر الواحد والقياس الشرعي.
وهذا النوع بقسميه يُسمى: علم الشرائع والأحكام، وعلم الفقه في عرف الفقهاء وأهل الكلام.
فصل
وأدلة الشرع ثبتت بها الأفهام، وهي أربع:
1 - كتاب الله تعالى.
? - وسنة رسوله.
3 ـ إجماع الأمة.
4 ـ والقياس الصحيح.
فالكتاب: ما جمعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان لله في خلافته باتفاق الصحابة، على نحو ما ثبت في اللوح المحفوظ، والمصاحف من كلام الله القديم المنزل به جبريل على محمد - عليهما الصلاة والسلام.
والسنة: ما ورد عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً.
والإجماع: ما اتفقت الصحابة أو أهل كل عصر من أئمة المسلمين عليه.
والقياس: جعلُ الشيء نظير الشيء لغة، وجعل الفرع نظير الأصل العلة؛ لتعدية الحكم الثابت
الجزء 1 · صفحة 24
في الأصل إلى الفرع شرعاً لتعدية الحكم. ثم الكتاب أول الحجج، وبعده السنة.
والإجماع حجة، وخلافه ضلالة.
والقياس يلزم حكمه إذا لم يخالف إحدى الحجج الثلاث.
والتمسك بالكتاب واجب، هو أنواع:
تمسك بعبارته.
وتمسك بإشارته.
وتمسك بدلالته.
وتمسك بمقتضاه وتمسك بإضماره.
فالتمسك بعبارته: هو أن يثبت المتمسك حكماً بصيغة النص الذي سيق له؛ كإثبات الحِلَّ في البيع، والحُرْمَةِ في الربا بصيغة قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا} [البقرة: ??5]، وكذا الحل في المنكوحة بصيغة قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) [النساء: 3].
وأما التمسك بإشارة النص: هو أن يثبت المتمسك حكماً بنص لم يرد ذلك النص لذلك الحكم، ولكن فيه إشارة إلى أنه ثابت به؛ كما في قوله تعالى: {الفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: ?] فالآية ما سيقت إلا لإيجاب حكم سهم من الغنائم لهم، ولكن فيها إشارة إلى أن الكفار إذا استولوا على [أموال] المسلمين ملكوها؛ لأنه تعالى نسبهم بالفقر بعد أن نسب الدور والعقار والأموال إليهم.
وأما التمسك بدلالة النص: هو أن يثبت المتمسك حكماً في غير محل النص بمعنى ورود النص في محله لأجله؛ كإثبات حرمة الشتم والضرب في حق الوالدين لنفي الأذى عنهما؛ فإن الله تعالى ما حرم التأفيف في حقهما بقوله: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُيّ) [الإسراء: ??] إلا لكونه أذى.
وأما التمسك بمقتضى النص: هو أن يرد نص وإثبات حكم لا يتصور إثباته إلا بإثبات غيره
الجزء 1 · صفحة 25
فيثبت ذلك الغير ضرورة مقتضى ثبوت المنصوص عليه؛ كما في قوله تعالى: {وَسْثَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] فالمنصوص عليه هو السؤال والسؤال لا يتصور قط إلا بإثبات الأهل، فيثبت الأهل ضرورة مقتضى ثبوت المنصوص عليه، فصار كأنه قاله: واسأل أهل القرية.
والإضمار: إثبات حكم ضرورة ثبوت حكم آخر، كنصب السلم إلى السطح. وجعل بعضُهم التمسك بإضمار النص ومقتضاه واحداً.
والتمسك بالسنة مثل التمسك بالكتاب وهو واجب أيضاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وكلامه مُفض إلى العلم؛ لكونه موازياً للقرآن ومساوياً، له وخبر الواحد لم يفض إلى العلم؛ ولا يخلُّ في مقالته - عليه الصلاة والسلام، لكن لتهمة الغلط والخطأ في الرواية؛ لقلة الرواة وجواز السهو والغفلة على الراوي.
والتمسك بالإجماع واجب أيضاً؛ لقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257]، وقال تعالى أيضاً: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110]؛ أخرجهم إلى النور، ووصفهم بالخيرية عملاً، وهو النهاية في الخيرية.
قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]؛ ألحق الوعيد الشديد بتارك سبيل المؤمنين.
والتمسك بالقياس أيضاً واجب؛ لقوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الألباب) (?) وتَأْولِي الْأَبْصَرِ} [الحشر: 2]؛ وهو الاعتبار، والاعتبار لا يكون إلا بالقياس، وقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بها أَوْ ءَاذَانُ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]؛ وبصرُ القلب برأيه، وقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: ???]؛ والمبصور فيه بالبصر هلاك، والمبصور في البصيرة حياة.
ولما روي صريحاً في حديث معاذ الله حين بعثه النبي إلى اليمن: أنه قال: أَجتهد فيه برأيي؛ وهو القياس ـ قال ـ عليه الصلاة والسلام: «الحَمْدُ للهِ الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ»، ولأن النصوص معدودة، والحوادث ممدودة، فلو توقف أمرُ كل واحد منهما في حادثته على وجود [نص]، يبقى الأمر في أكثر الأحوال مهملاً، والله - سبحانه ـ لم يجوز الإهمال في الدين.
الجزء 1 · صفحة 26
نوع آخر:
ثم الكتاب: ما نُقل إلينا بين دفتي المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة نقلاً متواتراً، نقل جماعة عن جماعة، لا يُتَصَوَّرُ التواطُو على الكذب بينهم، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا، غير التسمية في أوائل السور؛ فإنها للتبرك، أو للفصل، وهذا الاختيار؛ لما أجاب عثمان بن عفان حين سئل عن تركها في أول التوبة: إنه للشك في أن التوبة والأنفال سورة واحدة، أو هما سواء.
والحديث أقسام ثلاثة:
? - متواتر.
? ـ مشهور.
ـ وآحاد.
فالمتواتر: ما اتصل بنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلمنقلاً بلا شبهة برواية جماعة عن جماعة إليه بحيث لا يتصور تطرقُ الكذب فيما بين ذلك، وإنه يوجب العلم والعمل؛ كالقرآن.
والمشهور: ما اشتهر بين علماء العصر بنقل متواتر حتى اتصل بالصحابة، ثم انقطع التواتر، وصار من الآحاد [وكان من الأحاد] بالطرف الأول، ومن المتواتر فيما بعده، فهذا قريب من المتواتر، وهو يوجب العمل قطعاً، ولا يوجب العلم.
والآحاد ما نقله واحد عن واحد حتى اتصل بالنبي، أو نقله اثنان أو ثلاثة، ولم يبلغ حد التواتر، ويبلغ إليه في قرن، وينقطع في قرن، وهو يوجب العمل أيضاً دون العلم.
وشرط قبولِ الخبر: رجحان حجةِ الصدق، وذلك إنما يكون بالدين الصحيح، والعقل الضابط، والضبط شرط في الشهادات، ورواية الأخبار؛ حتى لا تقبل شهادة الصبي العاقل [والبالغ، والمعتوه]، والمغفل.
وكذا رواية الأخبار.
وما لا يحتاج إلى الضبط، يُقبل فيه خبرهم؛ كطهارة الماء والمكان ونجاستهما، وكذا إذا قال واحد منهم: هذا الشيء الذي في داري ملكي، أو أنا وكيل فلان في بيع هذا الشيء أو شرائه، أو قال الصبي:
الجزء 1 · صفحة 27
أنا مأذون في التجارة.
وكذا الإسلام لقبول الخبر الديني، وأما في المعاملات، فيقبل خبر الكافر، كما إذا قال: هذا الشيء لي، أو أنا وكيل فلان، أو رسوله، أو شريكه، أو مضاربه.
والعدالة شرطٌ في رواية الأخبار المصطفوية، وفي سائر الأخبار ليست بشرط، حتى يقبل خبر الفاسق في طهارة الماء والمكان ونجاستهما، وأن يقول: هذا ملكي، أو أنا وكيل فلان، أو مضاربه أو رسوله أو شريكه [فالعبد].
والعدالة نوعان:
? - ظاهرة.
? ـ وحقيقة.
فالظاهرة: أن تراه مسلماً عاقلاً، فهو عدل ظاهر؛ لظهور دينه وعقله.
والحقيقة: أن تعرفه ممتثلاً للأوامر، مجتنباً للنواهي؛ وهذا لمعرفتنا.
وأما في الحقيقة القطعية، فالعدالة: الاستقامة في أمور الدين، وهي متعلقة بالظاهر والباطن جملتها لا يعرفها إلا الله تعالى.
وكانت العدالة الظاهرة كافية في الزمن الأول لرواية الحديث، وفي زماننا لا تكفي بل تشترط حقيقة العدالة بقدر الإمكان؛ لتغير الزمان. حتى إذا روى مجهول لا يُعرف منه عدالة ولا فسق حديثاً؛ إن كان مما عمل فيه بعض الصحابة أو التابعين يُقبل ويجب العمل به، وإن لم يعمل به أحد منهم، ولم يكن مخالفاً للقياس؛ لا يُقبل.
ومتى عُرفت عدالة الراوي، يُقبل، وإن كان مخالفاً للقياس. والعدد ليس بشرط في رواية الحديث، حتى يُقبل قولُ الواحدِ العدلِ. وتقدم رواية الفقيه فيه على القياس.
وكذا للفقيه نقل الحديث بالمعنى - عندنا - في صورة لا تجوز لغير الفقيه.
وتجوز الرواية على الكتاب بالخبر المتواتر، ولا تجوز بالأحاد والمشهور.
الجزء 1 · صفحة 28
والمراسيل حجةٌ إذا كان الراوي حجة عدلاً.
قال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: رويت حديثاً مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حدثني به قريب من أربعين ومتى أسنده إلي، لم يحدثني به إلا هو.
وترك الإسناد دليل اطمئنان القلب لما رُوي عن الحسن البصري: أنه لما روى حديثاً، قيل: هذا من عندك أم من رسول الله؟ فقال: أدركت فيه سبعين بدرياً، واغتربت فيه أربعين عاماً.
وخبر الآحاد أولى من القياس؛ لأن تَمَكُنَ الشبهة في الحديث لطريقه، وَتَمكُنَ الشبهة في القياس لنفسه.
وما اجتمع علماء كل عصر من أهل الاجتهاد عليه نصاً أو دلالة، السكوت عند زمان الحكم، أو عرض الفتوى، فهو حجّة موجبة للعلم وللعمل.
يجوز الإجماع على حكم سبق عليه الخلاف وعلى تحاكم سبق.
وإذا اجتمع علماء العصر على حكم إلا واحداً أو اثنين، يُنظر:
إن كان الذي خالفهم في عددهم في الفقه والاجتهاد والعدالة، يمنع انعقاد الإجماع وإلا فلا وإنما يعتبر أن يكون في ذلك الفنّ من عدادهم، حتى لو فاق عليهم في سائر الفنون وتنحط رتبته عنهم في هذا الفن، لا يمنع خلافه صحة الإجماع.
وإذا اختلف الصحابة أو غيرهم من أهل كل عصر في حكم حادثة على قولين، أو ثلاثة، لا يجوز لمن بعدهم أن يُحدِث عن نفسه قولاً آخرَ مخالفاً للكل، وإن كان من أهل الاجتهاد؛ لأنهم أجمعوا أن الحق لا يَعْدُوهم.
وإذا اتفقت الصحابة على حكم، وخالفهم فيه واحد من التابعين ممن قد بلغ حد الاجتهاد والفتوى يقدح ذلك في انعقاد الإجماع، وقيل: لا يقدح.
واختلفت الرواية عن أصحابنا في تقليد قول الصحابي:
قال بعضهم: تقليده واجب، وافق قوله القياس أو خالفه.
الجزء 1 · صفحة 29
وقال بعضهم: لا يجب إلا إذا وافق قوله قياس الأصول.
وقال الأكثرون: إن تقليد قولِ مَنْ هو من فقهاء الصحابة واجب، سواء وافق القياس، أو خالفه.
والكلام في القياس ما ذكرنا من أنه: ردُّ الحكم من الأصل إلى الفرع بعلة الأصل، وذلك أن يتأمل المجتهد في الأصل، فيجد الحكم ثابتاً فيه بمعنى، ثم يتأمل في الفرع، فيجد ذلك المعنى، فيوجب فيه ذلك الحكم به.
وقد يفعل الآخرُ مثل ذلك: أن يتأمل فيما تأمل هو، ولكن يجد في الأصل معنى غير ذلك المعنى، أو يجد ذلك المعنى، ولكن يفقده في، الفرع فلا يثبت ذلك الحكم.
مثال الأول: وقوع المخالفة بين قول أبي حنيفة والشافعي في جواز بيع الجص بالجص متفاضلاً، والأصل المتفقُ عليه: بيع الحنطة في الحنطة متفاضلاً لا يجوز بالاتفاق.
فأبو حنيفة رأى حرمة البيع ثابتة [بعدد] الكيل مع الجنس في الحنطة، ووجودها في الجص، فأثبت الحرمة، والشافعي رآها ثابتة بعلة الطعم، وفقدها في الجص، فلم يثبت الحرمة.
ونظير الثاني: وقوع المنازعة بينهما في منافع الغصب: أنها هل تضمن بالغصب والإتلاف أم لا؟.
والأصل المتفق عليه الأعيان، فالشافعي زعم الضمان واجباً بالإتلاف، وأبو حنيفة كذلك، لكن تحقق الإتلاف في المنافع عند الشافعي، ولم يتحقق عند أبي حنيفة القياس.
والتعليل يعتمد أن يكون النص الوارد في الأصل معلولاً بعلة متعدية.
والأصل في النصوص كونها معلولة؛ لأنها لا تخلو عن معنى ورود النص لذلك المعنى.
والعمل بدلالة النص واجب كالعمل بصيغته؛ وذلك إنما يكون بالمعنى وتعديته؛ وهو أصل يطَّرِدُ فيما سوى المقدرات التي لا تدرك بالعقول.
ومن شرط القياس: أن يوجب تعدية الحكم بعينه إلى فرع هو نظيره، ولا نص فيه من غير زيادة ولا نقصان.
ومن شرطه ألا يعدل المستدل به عن العلة في جواب المنع أو المطالبة؛ كما إذا علل في مسألة
الجزء 1 · صفحة 30
الحلي، فنقول: الزكاة حكم متعلق بعين الذهب والفضة، فوجب ألا يبطل بالصياغة؛ كما في الربا.
ثم إذا منع السائل كونَ الحكم متعلقاً بعين الذهب، يدل المجيب عليه بقوله: «في الوَرِقِ رُبْعُ العُشْرِ»، وفي العِشْرِينَ مِثْقَالاً منَ الذهبِ نِصْفُ مثقال، يكون هذا انتقالاً عن القياس؛ فإنه لو قال ابتداء: هذا ذهب أو فضة، فتجب فيه الزكاة لهذين الحديثين، لأمْكَنَهُ ذلك، وكان مستغنياً القياس؛ فإن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص، لا بالعلة.
فصل
في الحجج المجوزة التي جَوَّزْتُ العلم بموجبها، وجَوَّزْتُ خلافه، وهي أربع:
1 - الآية المؤولة، لكونها مشكلة أو مشتركة، أو مجملة.
2 ـ والعام الذي ثبت خصوصه،
3 ـ وخبر الواحد، وخبر الصحابي.
4 - والقياس.
فرواية خبر الواحد أربعة أنواع؛ لأن خبر الواحد إنما يكون حجة في أربعة أقسام؛ وهي:
ـ الأحكام الشرعية التي تحتمل النسخ والتبديل من فروع الدين.
ـ حقوق العباد: ما يجب لهم وعليهم؛ مما تقوم به مصالحهم العاجلة التي اشترك فيها أهل الملل كلّهم.
ـ والمعاملات التي أُبيحت لنا ونحن مختارون في أسبابها ما يتعلق بها ملك الحقوق.
- وحَجْرٌ يلحقنا لحق الغير؛ فيلزمنا الكف عن ضروب أفعال؛ صيانة للحجر الذي ثبت.
ففي الأول: خبر الواحد حجةٌ موجبة لهم وعليهم عند المنازعة، إلا بعدد معلوم، ولفظ معلوم، وشرائط معتبرة في المخبر زائدة على شرائط المخبر عن حقوق الله تعالى.
وفي الثالث: خبرُ كل مخبر صحيح العبارة منها حجة لجواز العمل بها.
الجزء 1 · صفحة 31
وفي الرابع: شَرَطَ أبو حنيفة لصيرورة الخبر حجة فيه لجواز العمل أَحَدَ شَرْطَي الشهادة إما العدالة وإما العدد؛ خلافاً لأبي يوسف، ومحمد.
ونقل الحديث بالمعنى أربعة أنواع:
? - إن كان محكماً، يجوز نقله بالمعنى لكلّ من سمعه وفهمه من أهل اللسان.
2 - وإن كان ظاهراً يحتمل غير ما ظهر، لا يحلُّ نقله بالمعنى إلا للفقيه بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد.
3 - وإن كان مشكلاً، أو مشتركاً، لا يحل لأحد النقل بتأويله.
4 - وإن كان مجملاً، لا يتصور نقله بالمعنى.
وخبر الواحد ينتقد بوجوه أربعة:
العرض على كتاب الله تعالى ثم على السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواتراً واستفاضة، ثم الإجماع؛ ثم العرض على الحادثة.
فإن كانت الحادثة مشهورة؛ لعموم البلوى بها، والخبر شاذاً، كان ذلك زيادة فيه.
وكذا إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف اختلافاً ظاهراً، ولم يُنقل عنهم المحاجَّةُ بالحديث كان عدم ظهور الحجاج به زيادة فيه.
وإذا أنكر الراوي الرواية، أولا يعمل به قبل الرواية أو بعدها، فهو مقدوح لا يعمل به.
وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم: نعتقد أنها مباحة لنا مطلقاً، ما لم يقم دليل البيان على صفة فعله، ثم يلزمنا على ذلك الوصف، إلا أن يقوم دليل على اختصاصه به.
فصل في الحجج المخطئة
وهي أربع:
1 - التقليد.
2 - والطرد.
الجزء 1 · صفحة 32
2 - والإلهام.
4 - واستصحاب الحال.
وهذه الحجج مُستحسَنة المبادي، مُستقبحة العواقب، مداخلها هدى، ومخارجها ضلال.
فالتقليد: جعلُ الشيء كالقلادة في العنق، حقاً كان أو باطلاً، وهو أنواع: واجب، وجائز، وحرام.
فالواجب: تقليد المعصوم من الخطأ، وهو النبي المبعوث بالحق، وهذا [ليس] بتقليد حقيقة، لكنه سمّي تقليداً عرفاً.
والتقليد الجائز: تقليد العوام لعلماء الدين في الفروع بالإجماع، وفي أصول الدين مختلف فيه؛ لاستواء المكلفين به في أصله، وهو النظر والاستدلال فيما كان معقولاً، وسهولة التعلم فيما كان منقولاً خاصة قلما يتعلق به صحة الإيمان والإسلام.
وفي تقليد العالم للعلماء في الفروع أيضاً اختلاف.
وأما التقليد الحرام: كتقليد الآباء والأكابر في الأباطيل.
والإلهام: شهود قلب الإنسان أمراً من غير علم سابق بالحرام والحلال، ولا نظر واستدلال وتمييز بين كونه حقاً أو باطلاً، قال الله تعالى: {فَأَهْمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا} [الشمس: ?]، وهذا ليس بحجة، لكنه يعتبر في حق صاحبه في بعض المواضع لجواز العمل به عند عدم سائر الأدلة.
والطرد أربعة أنواع:
الأول: طرد ببداية العقول من غير نظر في الأصول؛ كقول القائل: قراءة الفاتحة في الصلاة فريضة؛ لأنها سبع آيات، والصلاة عبادة عظيمة ينبغي أن يكون فيها من ذَواتِ السبع؛ كالحج والطواف فيه.
والثاني: ردُّ فرع إلى أصل لا يكاد الأصل يمتاز إليه عن الفرع فيه إلا بضم ما هو علة الحكم إليه؛ كقوله: مس الذكر حدث؛ كما إذا مسَّ قبال.
الجزء 1 · صفحة 33
والثالث: ردُّ فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة، وظهور الاختلاف فيه بين القرابة.
العلماء؛ كقولهم: الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة بعتق وعنده: لما عتق بالقرابة، لم يجز عن الكفارة.
والرابع: التعليل بعدم الوصف؛ كقوله: النكاح ليس بمال، فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال كالحدود.
وكل هذه الأنواع باطلة.
واستصحاب الحال [ليس] بحجة مطلقة، وذلك أن يستصحب حالة ماضية عرف فيها ثبوت الحكم بيقين للحكم في الحال، ولا دليل غيره على بقاء الحكم فيه؛ لأنه في الحقيقة جهل بالأمر.
وما قيل: إن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بمزيل، ومتى لم يظهر المزيل، لم يثبت الزوال» لا يصح؛ لأن بقاء الموجود غير مضاف إلى نفس الوجود، والموجود لا يصلح علة لبقائه لذلك؛ لأنه يزول بوجود المزيل، ووجود المزيل، محتمل، فكان الزوال محتملاً، والمحتمل لا يصلح أن يكون حجة.
ثم استصحاب الحال أربعة أنواع:
? - استصحاب حكم الحال لضرورة عدم ما يزيله مع ثبوت العلم به بطريق أوجب له العلم؛ كالخبرية من جهة صاحب الوحي، أو من طريق الحس إذا كان الشيء مما يُعرف بالحس، وهذا صحيح. وقد علم الله تعالى نبيه ـ عليه الصلاة والسلام - الاحتجاج به، فقال تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية [الأنعام: 145].
? ـ واستصحاب الحال لعدم الأدلة من طريق النظر والاجتهاد بالرأي بقدر الوسع، مع احتمال قيام الدليل من حيث لا يشعر المبتلى به، وهذا أيضاً صحيح؛ أملاً للعذر، لا احتجاجاً على الغير؛ لاحتمال قيام العلة عند غيره.
ـ واستصحاب الحال قبل النظر والاستدلال.
4 ـ واستصحاب الحال لإثبات حكم مبتدأ.
وهذان باطلان.
الجزء 1 · صفحة 34
(فصل)
في الحجج العقلية
وهي قاطعة؛ لإجماع العلماء على إصابة المعلومات الغائبة عن الحواس بدليل المعقول؛ كإجماعهم على إصابة الحاضرة منها بالحواس، حتى لا يوجد حدٌ إلا نادراً أن يخلو عن الاستدلال لمصالحه برأيه عن عقله.
ولا تكون الحجج الشرعية حججاً أيضاً إلا باستدلال العقلي، وبه يقع الفرق بين المعجزة والمخرقة والنبي والمتنبي، كما يفرق بين الحبل و [الحية]، وتعرف النار ببصرك مرةً ومرة بدخانها مستدلاً عليها بعقلك.
وهل للعلم طريق إلا طرقُ الحواس، والاستدلال بنظر عقلي في غير المحسوس؟
وقد اختلفوا في إدراك كل الواجبات الدينية بمجرد هذا النظر ببعضها، والعجز عن درك شيء منها على هذه الأوجه، والاختيار منها:
أن يعتقد أن ما وجبَ إدراكه وعلمه نوعان: ما يدرك بمجرد العقل، وما لا يدرك به.
فالأول واجب الإدراك والتحصيل به؛ كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وقدرته، وعلمه، ونحوها، وحُسْنِ الإحسان إلى الخلق، وقبح الإساءة، وأمثالها.
والثاني متوقف على بيان الرسل والأنبياء والعلماء؛ كمعرفة كيفية الجزاء، والحشر، والملائكة والجنة والنار ونحوها، وسائر الأحكام الشرعية.
والمدركات العقلية متنوعة:
منها ما يدرك ببديهة العقل؛ كوجود الأشياء الظاهرة.
ومنها: ما لا يدرك إلا بالتأمل؛ كمعرفة الصانع وحِدَثِ العالم.
ومنها ما يفتقر إلى تجربة زائدة؛ كمعرفة الأدوية، ومعرفة الأغذية.
والمباحات العقلية من الأشياء: ما تعلق به [البقاء] من دخل وخرج، ودفع مضرة حالية وجلب
الجزء 1 · صفحة 35
منفعة، إلى أن يبين بالشرع خلاف ذلك.
و موجبات العقل أربعة أشياء:
? ـ معرفة النفس بالعبودية.
? ـ ومعرفة الرب بالألوهية.
3 ـ ومعرفة كون العبد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله للجزاء.
4 - ومعرفة الدنيا وما فيها لهم لضرب نفع يعود إليهم.
ومحرمات العقل أربعة:
1 - الجهل.
2 ـ والظلم.
3 ـ والعبث.
4 - والشفه.
وهذه للدنيا والدين، وأربعة هي للدين:
? - الإيمان بالطاغوت.
2 - وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها.
3 ـ وإنكار الصانع.
4 - وإنكار الجزاء
نوع آخر:
والعقل: نور في الصدر، وقيل: في الرأس، به يبصر القلب إذا نظر في الحجج.
وبلد الإنسان كالمجنون ليست معه قوة التمييز؛ لضعف هذا النور، فإذا عقل، صار قادراً على النظر، لكنه على جهل ما لم ينظر، ثم ينظر نظراً ضعيفاً، فيصير شاكا، ثم ينظر نظراً فوق ذلك غير تام،
الجزء 1 · صفحة 36
فيصير ظانا. والظن: اعتقاد القلب أحد وجهي الشك برجحان على الآخر. ثم إذا وجد في النظر حداً، وصار عالماً عند توفيق الإصابة، فيظهر له الحق، وصار في حد العلم بمعرفة الأشياء كما هي.
فرؤية القلب المنظور فيه كروية العين المبصور فيه.
والقلب للعلم صفة خالصة كالرؤية للعين وقد تستعار الرؤية عن العين للقلب؛ لأن العلم بمعناه.
والرؤية إنما تكون مبدأ المنظور إليه للعين، فكذلك مبدأ المنظور إليه للقلب.
والاعتقاد ـ عندنا - صفة زائدة للقلب بعد العلم؛ إذ الاعتقاد:
أن يعتقد الإنسان قلبه على ما رأى والشيء إنما يتبين بضده، فضد العلم الجهل، وضدُّ العَقْل الحَلُّ، فالعقد والعزم والقصد من صفات القلب نظائر بعضُها فوق بعض، وذلك كله بعد العلم؛ أي: رؤية القلب يعتقده ويقصده ويعزم عليه. فعلى هذا كان إبليس اللعين عالماً بالله تعالى، غير معتقد ولا مصدق بقلبه، ولا [عالم] بعلمه.
ثم العلم أول ما يحصل للقلب لا يخلو عن نوع اضطراب؛ لحكم الابتداء، فإذا دامت الرؤية، زال الاضطراب، فصار معرفة لزيادة الصحة، ثم تتنوع هذه المعرفة نوعين:
- معرفة الظاهر دون المعنى الباطن.
ـ والباطنُ الذي هو الحكمة وبها يلتذ القلب إذا صار معقولاً له، فجرى منه مجرى الطبيعة، وهذا هو الفقه، ولهذا قال أبو يوم يوسف ـ رحمه الله تعالى -: مرضتُ مرضاً شديداً حتى نسيت كل شيء سوى الفقه.
والله لا يوصف بالعلم، ولا يوصف بالمعرفة والفقه؛ لأن العلم يبتدئ المعلوم للعالم والمعرفة بعد العلم والفقه بعد المعرفة، يصير الإنسان عالماً، ثم عارفاً، ثم فقيهاً بعدما كان جاهلاً، ثم شاكاً، ثم ظاناً وبينهما تفاوت - جلّ الله عن ذلك وتعالى علواً كبيراً، ليس لعلمه الأشياء ابتداء، وعلمه بها في الأحوال سواء.
ولا علم للمخلوق إلا عن دليل، قد يكون حسياً، وقد يكون عقلياً:
الجزء 1 · صفحة 37
فالحسيات ما شركت البهائم بني آدم في المعرفة الواقعة بها دائماً، وإنما يفارق الآدمي غيره بما لا يُعرف إلا بدلالات المعقول.
ثم الدليل قد يفهم، وقد يحفظ:
ما شاركت البهائمُ الإنسانَ فيه فإنها تحفظ الأدلة الحسية من ضروب الأشياء، والأعلام كالصبي الصغير الحافظ للكتب غير الفهم ما فيها، والعجمي الحافظ للقرآن ولا يفهمه.
فالحفظ طبيع للقلب، والفهم عقليّ، فإذا فهم الإنسان المعنى، وصار علمه فقهاً، كان عالماً على موافقة طبيعة القلب للعاقل.
والمعقول للعقلاء طبيعي عقولهم؛ كالمحسوس للبهائم طبيعي حسهم، فيصير فقه الفقيه عند الفهم لذيذاً لذة لا يصبر عنها ساعة، ولا يقابله لذةٌ من أنواع اللذات في الدنيا إلا لذه العمل بالعلم من أنواع العبادات؛ لأنه لا تخلو عبادة عن منزلة قرب وكرامة، وإلى ذلك يتناهى ما يتحقق من اللذات وإليه أشار المصطفى - عليه الصلاة والسلام ـ في قوله: (وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني في الصَّلاةِ».
(فصل)
في الأمر والنهي
الصيغة المخصوصة كافعل ولا تفعل، ونحوها في الحاضر، دلالة وليفعل، ولا يفعل في الغائب ليس بأمر ونهي حقيقة، وإنما هي عليها لغة.
وإنما تكون دلالة على الأمر والنهي بشرط تجرُّدِها عن القرائن الصارفة عن معنى الأمر والنهي
وقد تُعرف حقيقة الأمر والنهي بغير هذه الصيغة من الدلائل:
كالخبر، والرمز والإشارة؛ بأن قال: أمرتك بكذا، أو أطلب منك كذا.
والأمر حقيقة: من وُجد منه الأمر.
والأمرُ: طلب الفعل على وجه الاستعلاء قولاً، أو غيره.
فكلُّ من وُجد منه ذلك يكون آمراً في الشاهد والغائب، سواء كان حكيماً، أو سفيهاً، ولكن لا
الجزء 1 · صفحة 38
تجب طاعة الآمر بالسفه والحرام.
والآمر الذي تجب طاعته في الحقيقة هو الله الواحد، فأما الرسل، فهم نائبون عنه في تبليغ أمره، وكذا من يأمر بأمره؛ نحو أئمة الإسلام وسلاطينه، والمولى، والأبوان؛ تجب طاعتهم إذا لم يأمروا بمعصية؛ لما في طاعتهم من طاعة الله تعالى. وما أوجب المرء على نفسه بالنذر أو بالشرع، فذلك الإيجاب من الله تعالى.
وأما النذر والشروع عَلَمَ عليه، ولهذا لا يصح النذر بما ليس الله من جنسه إيجاب.
والأمر إنما يكون لغير الآمر، ولا يتصور وجود الأمر من الأمر لنفسه، حتى إذا قال لنفسه افعل لا يكون أمراً؛ إذ الأمر في الغائب إذا لم يتضمن نفعاً بالآمر ولا بالمأمور يكون حكمة، ولكن يجب أن يتعلق به عاقبة حميدة.
وليس من اللازم أن الله تعالى يراعي ما هو الأصلح لعباده في تكليفهم، ولا فيما يفعل بهم، لكنَّ شرعَ الشرائع في الجملة لا يكون إلا لمصلحة العباد.
وحكم الأمر المطلقِ الصادر من مفترض الطاعة: وجوب العمل به، والاعتقاد فيه إلا عند قيام الدليل المسقط، وفيه اختلاف بين أصحابنا:
أنه يفتقر على التعيين أو الإبهام بأن ما أراد الله تعالى به من الإيجاب أو الندب حَقٌّ، مع أنه يأتي بالفعل لا محالة، حتى إنه إذا أراد به الإيجاب، يخرج عن عهدته، وإن أراد به الندب، يحصل له الثواب.
والأمر بالفعل المطلق يستدعي الفعل مرة من حيث إنه مطلق الفعل، لا من حيث إنه مرة، حتى يقوم الدليل على الدوام؛ ولا يعتقد فيه المرة ولا الدوام على طريق التعيين، لكن يعتقد على الإبهام.
ويأتي الفعل على الترادف احتياطاً ما لم يقم الدليل أن المراد به الفعل مرة.
والأمر المعلق بالشرط، والمضاف إلى الوقت، والمقيد بالصفة، لا يقتضي التكرار بتكرارها إلا بدليل.
وليس من كون الأمر الحكيم آمراً وناهياً وجوب إتيان المأمور به، ووجوب الامتناع عن المنهي عنه على المأمور، والمنهي ألبتة؛ لأن النسخ قبل التمكُن بالفعل بعد التمكن من الاعتقاد جائز بأن كان
الجزء 1 · صفحة 39
الأمر مضافاً إلى وقت معلوم، ثم جاء النسخ قبل وجوب الفعل بوجود ذلك الوقت؛ وليس الأمر صحيحاً، والله - تبارك وتعالى - أمر به ولا يجب على المأمور الامتثال لهذا الأمر، فإنه نُسخ قبل الوجوب، وعلى هذا يبتني الأمر بالفعل بشرط زوال المانع.
والأمر بأحد الأشياء غير عين؛ ككفارة اليمين؛ الواجب منها واحد
غير عين، ويتعين ذلك باختيار المأمور فعلاً.
والأمر يدل على إجزاء الفعل المأمور به، وعلى خروج المأمور عن عهدة الأمر إذا أتى بالفعل المأمور به على الوجه من غير خلل.
والأمر بالفعل المطلق عن الوقت يقتضي الوجوب على التراخي، بشرط ألا يفوت الأداء قبل الموت.
وإذا كان مؤقتاً بوقت، وكان الوقت معياراً له؛ بحيثُ يُستغرق جميع الوقت به؛ كصوم رمضان؛ يقتضي الوجوب ممتداً من أول الوقت. وإذا لم يكن الوقت معياراً له، ولكن يكون ظرفاً له؛ بحيث لا يُستغرق جميع الوقت به؛ كالصلاة تقتضي توسع الأداء في الوقت غير مقيد بزمان معين، ويتعين الوجوب في آخر الوقت، وبالشروع قبله.
فإن كان الوقتُ مُشْكِلاً في الاستغراق، كالحج، إنه لا يدري كم يعيش سنة أو سنتين؟ فإنه يتعجل الوجوب في السنة الأولى من أيام التكليف عند أبي يوسف؛ خلافاً لمحمد.
والأمر الوارد بلفظ الذكور يتناول الذكور والإناث.
والأمر المطلق يتناولُ الأحرار والعبيد فيما كانوا أهلاً لذلك.
ضده. والأمر بالفعل يتناول ضده، وقال بعضهم: هو نهي عن والنهي عن الفعل إذا كان له ضد واحد يكون أمراً بضده، وإذا كان له أضداد، اختلفوا فيه، وأكثر أصحابنا على أنه يكون أمراً واحداً من أضداده.
وأمر الله تعالى أزلي، ووصف ذاتي لا يجوز عليه التغيير، وكذا خطابه.
والأمر بفعل لا يوجد إلا بغير يوجب ذلك الغير إذا كان الأمر مطلقاً، وذلك الغير في وسعه؛
الجزء 1 · صفحة 40
كنصب السُّلَّم لرقي السطح.
والأمر إذا كان خاصاً يتناول الخصوص، وإذا كان عاماً، يتناول العموم، وحكمه: وجوب العلم والعمل فيما يتناوله اللفظ.
والفعل المأمور به يجب أن يكون مُتَصَوَّرَ الوجود في نفسه حتى يتصوَّرَ الاكتساب من المأمور، وأما إذا كان غير متصور الوجود حقيقة؛ نحو الجمع بين المتضادين؛ كنقط المصحف من الأعمى، وجعل الحادث قديماً، والقدم حادثاً، وقلب الأجناس، ونحوها، فلا يصح الأمر به، وهو تكليف ما لا يُطاق؛ وإنه لا يجوز عقلاً وشرعاً، وهو قبيح، وهذا بناء على أن الفعل يُعرف به الحسن والقبيح.
ومن شرط كون الفعل مأموراً به: أن يكون كسباً للمأمور مجرد كونه متصوّراً في نفسه، حتى إن المرء لا يُكَلَّفُ بفعل غيره؛ كالخياط لا يُكلف بفعل الحدادة.
وإن كان الفعل المتصورُ الوجودِ في نفسه، لكن لما لم يكن مقدور التكلف، ومكسوبَه، لم يصح التكليف به، ولهذا قلنا: إن الفعل المسمّى بالتولد لا يكون مأمورا به ولا منهياً عنه.
ولا خلاف أن المعدوم الذي وجد كسباً للمأمور يصلُحُ مأموراً إذا توجه الوجوبُ على المأمور عند وجود أهليته، واستجماع شرائطه. فأما الكسب الذي هو فعلُ العبد حال وجوده، واكتساب المأمور هو مأمور به كذلك عندنا.
وعند المعتزلة يتعلق التكليف بالمعدوم لا غير.
وأما الموجودات في الزمان الثاني من الموجود الذي هو حالة البقاء، لا يكون مأموراً به؛ بلا خلاف.
وهذه المسألة تبتني على مسألة خلق الأفعال: بأن وجود الفعل - عندنا ـ بإيجاد الله تعالى، وفعلُ العبد هو الكسب، وأنه يتعلق بالموجود، لا بالمعدوم. والمأمور به يجب أن يكون مقدور العبد حالة الفعل، لا حالة التكليف، وذلك أن الاستطاعة الحقيقية مع الفعل ـ عندنا.
وكون المأمور به معلوماً للمأمور، أو ممكن العلم باعتبار قيام العلم شرط لصحة التكليف، وحقيقة العلم ليست بشرط، بل إمكان العلم باعتبار سببه، كما في (. . .).
الجزء 1 · صفحة 41
والأمر يجب تقدمه على وقتِ وجوب الفعل، ويصح أن يكون مقدماً
عليه بوقتِ وأوقات كثيرة إذا كان الأمر من العباد.
وأمر الله تعالى أزلي سابق على وقتِ وجوب المأمور به بلا نهاية؛ وإن كان المأمورُ في تلك الأوقات معدوماً، أو عاجزاً عن الفعل والمأمور به لابد أن يكون موصوفاً بالحَسَنِ؛ لأن الحسن ماله عاقبةٌ حميدة، فصفة الحسن المأمور به من نفسه حكم الأمر؛ لأن قضية نفس الأمر قد يرد من السفيه على وجه الشفه.
والمباح ليس بحسن في ذاته؛ وإن جاز أن يوصف بالحسن لغيره؛ إذ
ليس فيه معنى داع إلى ترجيح جانب الوجود على العدم.
والحسن الثابت للمأمور به من مدلولات الأمر ـ عندنا؛ لأنه لما كان للعقل مدخل في معرفة حسن الإيمان، وقبح الكفر، وحسن العدل والإحسان، ومعرفة حسن أصل العبادات دون هيئاتها وشروطها وأوقاتها ومقاديرها؛ بكون الأمر دليلاً ومعروفاً، لما ثبت حسنه بالعقل.
والحَسَنُ نوعان في الأصل: حسن لعينه، وحسن لغيره. وما حسن لعينه نوعان:
ـ ما يُعرف حسنه بالعقل وحده دون قرينة الشرع؛ نحو: الإيمان بالله تعالى، وأصل العبادات والعدل والإحسان وشكر النعم، وهذا النوع مع كونه حسناً لعينه فهو حسن لغيره أيضاً؛ وهو ترك ضده الذي هو القبيح من الكفر والظلم والكفران.
ـ ونوع يُعرف حسنه بالشرع، لا بالعقل وحده، وهو من الممكنات العقل، وجائز أن يجوز للعقل أن يكون على ذلك الوجه، ويجوز على غير ذلك الوجه؛ كمقادير، العبادات وهيئاتها، وشروطها، وأوقاتها.
وأما الذي هو حسن لغيره:
أن يكون ذلك الغيرُ هو المقصود، لا نفس المأمور به، وهو الموصوف بالحسن حقيقة والفعلُ المأمور به وسيلة إليه، إما من حيث التسبب، أو من حيث كونه شرطاً لصحته شرعاً، فيصير حسناً؛
الجزء 1 · صفحة 42
لكونه وسيلة إليه حقيقة، أو لكونه مصححاً له شرعاً. وما عرف في الأمر في هذه
المسائل، ففي النهي كذا على الضد؛ لأن الشرع لا ينهى عن فعل إلا العاقبة.
وموجب النهي المطلق النهي عن الشيء في جميع العمر، إلا عند قيام الدليل بخلافه.
ولما كان النهي خلاف الأمرِ وضده كانت مسائله على وفقه، فما عرفت من الأمر، فقس في النهي ما يقتضيه.
فصل
في الأمر والأهلية
قال أصحابنا - رحمة الله عليهم -: المراد بالوجوب في حكم حقيقة الأوامر والنواهي: وجود الكل بأسباب أخر، والخطاب للخروج عن عُهدة اللازم في السابق؛ فإن سبب وجوب الإيمان بالله تعالى: الآياتُ الدالة على حدوثِ العالم، وقدم الصانع.
وسبب وجوب الصلاةِ الوقتُ الذي أُضيفت إليه الصلاة شرعاً، يقال: صلاة الفجر، ونحوها. وسبب وجوب صومِ الشهر إدراك الشهر.
وسبب وجوب الحج البيت.
وسبب وجوب الزكاةِ النّصابُ.
وسبب وجوب صدقة الفطر من يمونه، ويلي عليه بولايته.
والموجب للكلِّ في الحقيقة هو الله تبارك وتعالى.
إن الخطاب لا يتناولُ إلا العقلاء.
والكفار يتناولهم خطاب الإيمان، وخطاب المحرمات، ولا يتناولهم خطاب فروع العبادات ـ
الجزء 1 · صفحة 43
عندنا.
نوع منه:
وللإنسان أهليه وجوب الحقوق عليه بأصل الخلقة حين حمل أمانة الله تعالى يوم الميثاق في رقبته، وثبت عهد الله في ذمته وأمانته فيها؛ كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: ???].
و محلُّ الوجوب الرقبة، والذمة عبارة عنها، يقال: ثبت في ذمته، أو رقبته.
وأصلُ الذَّمَّة: العهد، ومنه يقال للمعاهد. ذمي.
فصار الآدمي بها أهلاً للإيجاب والاستيجاب، محلاً للحقوق، ولما أكرمه الله تعالى بالعقل، وأثبت له العصمة والمالكية والحرية، ظهرت أهليته.
وصنوف بني آدم في الذمة سواء، ولذا وجب على الصبي والمجنون ضمان المتلفات وأُروسُ الجنايات في ذمتهما، وكذا العبد، إلا أنه لم يظهر حق المطالبة قبل القدرة على الأداء.
ثم أهلية المطالبة بأداء العبادات إنما تثبت عند القدرة على الأداء.
والقدرة نوعان:
- قدرة كمال العقل.
ـ وقدرة صحة البدن.
لأن فهم الخطاب بالعقل، وقوة العمل بالبدن.
فإذا توقف خطاب أصل التكليف بمطلق العمل على البلوغ غالباً، وكماله بوصف زائد على الصحة والصحة ظاهرة، والعقل باطن، وصار النطق الصحيحُ المفيد، أو ما يقوم مقامه؛ من حركة أو سكون دالة على كمال العقل، وعَلَماً على هذه الأهلية، وبنيت عليها صحة التصرفات المبنية عليها الأحكام.
متى صدر تصرف من أهله، مضافٌ إلى محله، صح، ويكون معتبراً تارة علة للحكم، وتارة سبباً،
الجزء 1 · صفحة 44
وتارة شرطاً.
والثابت بتصرفه مرة يسمّى حلولاً، ومرة مسبباً، ومرة موجباً، ومرة حكماً، والكل يرجع إلى معنى واحد.
وأنه يثبت تارة حقاً، وتارة ملكاً، وتارة يداً، وتارة رقاً، وتارة حلاً، وتارة ديناً.
والمحل الذي يثبت فيه الحكم تارة يكون ذمة، وهو محل الدين، وتارة يكون مالاً وهي محل الملك.
وما أريد لأجله حكم التصرف تارة يكون حكمة، وتارة ثمرة.
وستأتي حدودها في هذا الفصل - إن شاء الله تعالى.
(فصل)
في الحدود
الحد: الجامع المانع؛ يعني: يجمع ما لا بدَّ منه فيه، ويمنعُ ما منه بد عنه.
ومراتب العبادات أربعة:
? - الفريضة.
2 ـ والواجب.
3 ـ والسنة.
4 ـ والنفل.
فالفريضة: المقدرة الثابتة بحجة قاطعة؛ كنص الكتاب على الصلاة والصوم، وهو واجب العلم والعمل.
والواجب: اللازم بحجةٍ فيها شبهةٌ للعدم؛ كخبر الواحد، والقياس؛ وإنه يلزم العمل لا العلم.
والسنة: الطريقة المعتادة التي واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعم الأحوال.
الجزء 1 · صفحة 45
والنافلة: الزيادة من القُربات، وكذا التطوع.
وحكم الفريضة في حق القلب: لزومها اعتقاداً بلا شبهة، حتى كان تركها كفراً، وفي حق البدن لزومها عملاً بلا تقصير، حتى كان تركها عصياناً.
وحكم الواجب حكم الفريضة في حق البدن؛ خلاف حكم السنة في حق البدن علماً.
وحكم السنة: قبل تبين أمرها العمل بها، والمطالبة بإقامتها والعتب على تركها.
وحكم النافلة: أن يثاب العبد على فعلها، ولا يُذم على تركها. والعزيمة: الإرادة المؤكدة غاية وهي في الشريعة: الحكم الأصلي اللازم من حقوق الله تعالى.
والرخصة: السهولة والسَّعَة.
وفي الشريعة: ما يُغير من الأحكام تخفيفاً.
والمندوب: ما رغب في تحصيله من غير إلزام.
والتطوع: اكتساب الخيرِ طَوْعاً.
والعبادة: الخضوع والتذلل.
والطاعة: موافقة الأمر.
والعصيان: خلافه.
والأداء: تسليم عين الواجب في وقته المعين شرعاً.
والقضاء: تسليم مثل الواجب بعد ذلك الوقت.
والإعادة: إتيان مثل المأتي.
والصحيح: ما يكون معتبراً شرعاً.
والجائز والنافد والمحسوب: المعتبر ما وضع له.
والموقوف: ما لم يثبت حكمه المانع.
الجزء 1 · صفحة 46
والفاسد: ما اختل ما هو المقصود منه.
والباطل: ما فات مقصوده.
والطاهرُ: الخالي من النجس. والنجس: المستقذَرُ عقلاً أو شرعاً.
والحرام والمحرم: المنهي عنه شرعاً.
والمكروه: ما يكون تركه أولى.
والحلال: المطلق بالإذن.
والمباح: ما يتخَيَّرُ العامل فيه بين تركه وفعله.
والمشروع: ما جعل شريعة للعباد.
والحسن: المرضي، والقبيح: خلافه.
والعدل: الاستقامة على الحق.
والجَوْر: الميل إلى الباطل.
والظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
والسَّفَه: ما خلا عن عاقبة حميدة.
والحكمة: ما تعلقت به عاقبة حميدة، أو ما لا ذمّ فيه ولا خلل.
والتوفيق: خلق الله - تبارك وتعالى - فعل العبد عند جهده في الخير. ـ
والخذلان: مثله في الشر.
وقيل: هما خلق الله قدرة العقل المقارنة للفعل.
نوع آخر:
الجزء 1 · صفحة 47
حد الشيء: هو الموجود.
وعمق.
والموجود: الكائن الثابت.
والقديم: ما لم يزل ولا يزال.
والمحدث: ما لم يكن وكان.
والجوهر: اسم الجسم ومادته.
والجسم: المركَّبُ من الجوهر في ثلاث جهات: طول، وعرض،
والعَرَض: ما يعرض في الجوهر ويفنى من غير تغيير الجوهر.
والعلم: معرفة الشيء على ما هو به.
والجهل: ضدُّه عند احتمال العلم وتصوره. والفقه: قوة تصحيح المنقول وترجيح المعقول.
والكلام ما ينافي الخَرَسَ، وما تكلم به المتكلم.
والإخبار: التكلم بكلام دال على أمر كائن، أو ما كان، أو ما سيكون.
والخبر: نفس هذا الكلام.
والاستخبار: طلب الإخبار.
وكذا ما هو على هذا الوِزان فهو طلب ذلك الفعل؛ كالاستغلال: طلب الغلّة، والاستعطاف: طلب العطف.
والبشارة: الخبر السار، وقد يستعمل في الصد.
والجِدُّ: القصد بالكلام عين ما وضع له.
والهزل: ضده.
والصدق: الإبانة عن الشيء على ما هو به.
الجزء 1 · صفحة 48
والكذب: خلافه.
والأمر: طلب الائتمار على وجه الاستعلاء.
والنهي: طلب الانتهاء بالاستعلاء.
نوع آخر:
أسماء الألفاظ في قدر تناول المسميات أربعة أقسام:
? - العام.
2 - والخاص.
3 ـ والمشترك.
4 ـ والمؤول.
فالعام: ما ينتظم جمعاً من الأسماء لفظاً أو معنى؛ كالشيء: اسم لكل موجود وكذا الإنسان ومسلمين ومشركين، وهو عام كامل. والمعنى: كاسم الجنس، وكلمة «مَنْ» و «ما» ونحوهما، وهو عام قاصر
والخاص: لفظ على معنى منفرد بصيغة وضعاً، ومتى اقترن بالخاص ما يوجب تعميمه عَمَّ؛ كالألف واللام إذا دخل على الاسم لا للتعريف وكلفظة الوحدان إذا اقترنت بها قرينة النية؛ كمن حلف أن لا يشرب الماء، ونوى مياه جميع العام، أو قال لامرأته: أنت طالق طلاقاً، أو طالق الطلاق؛ ونوى الثلاث، وقع ثلاثاً، صح.
والنكرة لا تقتضي العموم فيها، لا في موضع النفي، ولا في موضع الإثبات؛ إلا أن العموم في موضع النفي ثبت ضرورة.
فإنَّ مَنْ قال: رأيت رجلاً يقتضي رؤية الواحد لا غير، ولو قال: ما رأيت رجلاً، يقتضي نفي رؤية الواحد أيضاً، إلا أنه إذا انتفى رؤية
الجزء 1 · صفحة 49
الواحد، تنتفي رؤية الاثنين والثلاث، والعشرة ضرورة. والأصل أن لفظ الوحدان للخصوص، والجمع للعموم. وأقل الجمع الصحيح لغة ثلاثة.
والمشترك: كلُّ لفظ تشترك المعاني في الدخول تحته احتمالاً لا انتظاماً؛ كالعين والروح.
والمؤول: ما يترجَحُ بعضُ محتملاته بغالب الرأي، وحكمه:
وجوب العمل دون العلم.
والعام يوجب الحكم بعمومه قطعاً وإحاطة بمنزلة الخاص، أمراً كان أو نهياً أو خبراً، إلا عاماً يمتنع القول بعمومه، لكن المحل غير قابل له. ثم كلمة «مَنْ» عامة فيمن يعقل، وفيما لا يعقل.
و «الذي عامة كالشيء على سبيل الكناية.
و «أين» و «حيث يعمان الأمكنة إيهاماً.
ومتى تعم الأزمنة إبهاماً.
وكُلّ» تعم الفرد والنكرة وغيرها.
وكلما» تعم الفعل.
والأسماء التي تتفاوت معانيها في الحكم أربعة:
1 - الظاهر.
2 - والنص.
3 - والمفسر.
4 ـ والمحكم.
فالظاهر: ما ظهر للسامع بنفس السمع من غير تأمل وتفكر؛ كقوله: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) [البقرة: 275]، وحكمه: إلزام موجبه بنفس السماع قطعاً
الجزء 1 · صفحة 50
ويقيناً، عاماً كان أو خاصاً.
والنص: الزائد عليه بياناً، وهو الكلام الدال على مراد المتكلم على وجه المبالغة في البيان بمعنى في المتكلم.
والمفسر: ما انكشف معناه الذي وضع الكلام له كشفاً لا شك فيه. والمحكم: ما أُحكم مراده بحجة لا تحتمل التبدل.
وهو فوق المفسر.
وأضداد هذه الأربعة:
? - الخفي.
2 - والمُشكل.
3 ـ والمجمل.
4 ـ والمتشابه.
فالخفي: ما خفي مراده من السامع.
والمُشْكِل: ما خفي أيضاً، لكنه يُعرف بالتأمل. والمجمل أيضاً كذلك، لكن لا يُعرف مراده إلا ببيان.
والمتشابه ما اشتبه مراده، ولا طريق لدركه أصلاً.
وأنواع استعمال الكلام أربعة:
? - حقيقة.
2 ـ ومجاز.
3 ـ وصريح.
الجزء 1 · صفحة 51
4 ـ وكناية.
فالحقيقة: لفظ أُريدَ به عينُ ما وُضع له في محله.
والمجاز ما جاوز وضعه.
وقيل: ما ليس له بحق على اعتبار أصل الوضع، وإنما يجوز به على طريق الاستعارة؛ لما فيه من معنى الأصل؛ كالأسد
والصريح: ما تناهى في الوضوح وكشف الخفاء عن المراد، وهو أبلغ في الإظهار من النصّ، والنص أبلغ فيه من الظاهر.
والكناية: ما دلّ على مراد المتكلم بغيره. وحقيقة اللفظ تُترك لأربع دلالات:
ـ دلاله عرف الاستعمال مساوياً للفظ العبارة.
ـ ودلالة اللفظ في نفسه؛ كقوله: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
ودلالة المتكلم في نفسه؛ كقوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ منْهُم بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64].
ودلالة محل الكلام؛ كما إذا حلف لا يبيع عبداً، فباع حراً، لم يحنث؛ لأن المحل غير قابل.
وقد تعرف الحقيقة من المجاز بكثرة الإفادة؛ حتى إنَّ ما كان أكثر إفادة، كان أحق بالإرادة.
والبيان أربعة:
بيان تقرير؛ كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَيْكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر: 30]، أكد العموم نفياً لاحتمال الخصوص.
وبيان تفسير؛ كبيان المجمل والمشترك والمُشْكِل.
الجزء 1 · صفحة 52
وبيان تغيير؛ كالاستثناء؛ كقوله: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَسِينَ) [العنكبوت: 14].
وبيان تبديل؛ كالتعليق بشرط؛ كقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229].
فبيان التقرير والتفسير منها بيان محض.
وحَدُّ البيان: الظهور والانكشاف.
نوع آخر:
ركن التصرف ما وُجد به حكم التصرف؛ كالإيجاب في البيع، والقبول في الشراء.
ومحل التصرف: ما وقع فيه التصرف، ويقبل حكم التصرف؛ كالعبد محل البيع، والحر ليس بمحل له.
والعلة: الوصف الحال بالمحل ما يحاوله بتغيير حال المحل؛ كالحَزّ علة الموت، والكسر علة الانكسار.
والعلل الشرعية: عبارة عن المعاني المستنبطة من النصوص تعدي الأحكام بها إلى الفرع.
ونسبة التعليل بالعلة كالتبييض بالبياض والتسويد بالسواد. وكون الفعل علة لشيء: أن يتعقب ذلك الشيء الفعل من غير واسطة فعل آخر.
والسبب: الطريق إلى المقصود من غير أن يكون ثبوته مضافاً إليه، بل
إلى العلة، وهما كالطريق والمشي للوصول، فالطريق سبب، والمشي علة.
وما في حكم العلة يضاف إليه الحكم.
ومتى تحصل حكم بعلته عند وجود سببه، يُنظر:
إن أمكن إضافته إلى العلة يضاف إليها، وإن تعذر، يضاف إلى السبب؛ كفك قيد الآبق وشق
الجزء 1 · صفحة 53
زق المائع؛ فإن العلة فيها للحركة، والفتُ والشَّقُ السببُ، فأُضيف الحكم في الفكِّ إلى الآبق لإمكان الاعتبار، وفي الشقِّ إلى الشاق؛ لعدم إمكان الاعتبار، فلذا وجب الضمان في الثاني دون الأول.
والشرط: العلامة على وجود الحكم، وما يتوقف الحكم عليه وجوداً أو ظهوراً:
فالأول: كالدخول في الطلاق المعلق بالدخول.
والثاني: كالشهادة على الشهادة على الإحصان عند الأبكار؛ فإن
الإحصان حاصل والشهادة للظهور؛ بخلاف الطلاق.
وتسمية الحكم معلولاً؛ لكونه معلول السبب؛ على معنى: أنه لا يثبت بدونه، وموجباً؛ إذ العلة موجبة له، وحكماً؛ لأنه حكم الله تعالى. والحق والحقيقة والحاقُ: واحد لغةً، وهو في عرف الشرع: عبارة عما يختص به الإنسان انتفاعاً وارتفاقا، لا تصرفاً كاملاً؛ كطريق الدار
ومسيل الماء، والشرب، وشارع الطريق؛ فإنه ينتفع بمسيل مائه على سطح داره وبطريق، داره ولو أراد أن يتصرف فيه بالتمليك بيعاً أو هبة أو نحوهما، لا يمكنه ذلك، وكذا المسلمون ينتفعون بالشارع مشياً عليه، ولو تصرفوا فيه غير ذلك، لا يَنفُذُ تصرُّفهم، وكذا حق الشرب وأمثاله.
واليد: عبارة عن قدرة شرعية تحصل عند قبض المملوك، بيعاً كان غيره، فإن من اشترى شيئاً، ثبت له الملك في المشترى، ولا يقدر على جميع التصرفات فيه قبل، قبضه، فإذا وُجد القبضُ صورة أو معنى، فحينئذ يقدر عليها.
والرَّقُ: وصف حكمي يصير الشخص به عُرضة الاستيلاء عليه، وهو في نفسه أثر الكفر؛ لأن الكفار لما استنك فوا عن عبادة الله، ضرب عليهم الرقّ؛ ليجعلهم به عبيد عبيده إهانة وإذلالاً لهم جزاء لصنيعهم في أحسن صورة ووجه.
والحِلُّ: عبارةٌ عن الإطلاق في الانتفاع؛ وإنه يحصل بطريقين: في الإحلال، والملك، والذي يحصل به الملك أبلغ؛ لأن الذي يحصل بالإحلال لا يقطع الشركة، والذي يحصل بالملك يقطعها، ولذا لم يحصل الحل في بنات آدم بالإحلال.
الجزء 1 · صفحة 54
والدين: عبارة عن مال حكمي مُحدَث في الذمة أو استهلاك، أو ببيع غيرهما، وإيفاؤه واستيفاؤه لا يكون إلا بطريق المقاصة عند أبي حنيفة.
ومثاله: إذا اشترى ثوباً بعشرة دراهم صار الثوب ملكاً له، وحدث في هذا الشراء بذمته عشرة دراهم ملكاً للبائع، فإذا دفع المشتري عشرة إلى البائع وجب مثلها في ذمة البائع ديناً، وقد وجب للبائع على المشتري
عشرة بدلاً عن الثوب، ووجب للمشتري على البائع مثلها بدلاً عن المدفوعة إليه فالتقيا قصاصاً.
والمال: اسمٌ لغير الآدمي، خُلق لمصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرفُ به على وجه الاختيار والعبد - وإن كان فيه معنى المالية - ولكنه ليس بمال حقيقة، حتى لا يجوز قتله وإهلاكه
والملك: عبارة عن الاختصاص الحاجز، وأنه حكم الاستيلاء؛ لأنه به يثبت لا غير؛ إذ المملوك لا يُملك؛ كالمكسور لا ينكسر؛ لأن اجتماع الملكين في محل واحد محال، فلا بدَّ أن يكون المحل الذي يثبت الملك فيه خالياً عن الملك، والخالي عن الملك هو المباح.
والمثبت للملكِ في المالِ المباح الاستيلاء لا غير؛ لأن المباح لما استوى في التصرف فيه جميع الناس، وتعذر على كل واحد منهم إقامة المصالح به، والانتفاع منه؛ لوقوعه في محل التنازع، شَرَطَ الشرع الاستيلاء عليه مثبتاً لزيادة معنى الاختصاص، حتى إن من استولى على مال مباح، اختص به من بين سائر الناس اختصاصاً حجز غيره عن ذلك، ويزيل الاختصاص عن الذي كان لذلك قبل استيلائه، فسمي ذلك الاختصاص ملكاً، ويسمّى المستولي مالكاً، والمُستولى عليه مملوكاً، فكان هذا طريق الملك في جميع أموال الدنيا؛ إذ كان الأصل فيها الإباحة.
ثم المستولي على الملك المباح قل ما يقوم به جُلّ مصالحه من منافعه، فيحتاج إلى ما في يد غيره، وغيره يحتاج إلى ما في يَدِهِ، فشرع
الشرعُ البيع لينقل المستولي ما حصل في يَدِهِ بالاستيلاء من المال إلى غيره، وينقل ما في يد غيره إلى نفسه،
الجزء 1 · صفحة 55
فينتفع كلُّ واحد منهما بما نقل إلى نفسه من صاحبه، فتقوم به مصالحهما، فصار البيع ناقلاً للملك الثابتِ بالاستيلاء، وكذا ما قام مقامه من أسباب الملك؛ كالهبة، ونحوها، والاستيلاء مثبت للملك.
فمن شرط البيع: شغلُ المبيع بالملك حالة البيع، حتى لم يصح إيراد البيع على غير المملوك؛ مثل الحطب والحشيش، والصيود بعد الاستيلاء.
ومن شرط الاستيلاء خلو المحلَّ المستولى عليه عن الملك حالة الاستيلاء، حتى لم يكن الاستيلاء مثبتاً للملك في المال المملوك؛ فإن الحطب في الفلاة، فجاء غيره واستولى عليه، لا يثبت المحتطب إذا جمع له الملك فيه؛ لكونه مملوكاً للأول، ولو احتطب ابتداء، ثبت الملك له فيه؛ لكونه خالياً عن الملك.
ثم الإنسان إذا حصل مصالحه بما حصل في يده من الأموال المباحة، أو المملوكة بالبيع والاستيلاء من غيره في حال حياته، وأن أوان ارتحاله عن الدنيا، وأشرف على خروجه منها احتاج أن يُقيم غيره مقامه فيما أنفق في تحصيله عمره ليكون له ذخراً، ويعظم له أجراً، فشرع الشرع الوصية والميراث حتى يوصي إلى مَنِ اختاره وَصِياً، ويُقيمه مقام نفسه؛ ليصير إليه بعض السلب من ولايته في بعض أمواله، وجعل أقرباءه خلفاءه، وأقامهم مقامه فيما خَلَّفَ من الأموال المملوكة، وحجر عليه فيها، ورفعت ولايته عنها.
فالحاصل: أن أثر الإرث والإيصاء قيام الغيرِ مقامَ المُوَرِّثِ والوصي حتى كأنه حي لم يمت بعد.
وللملك في حق الوارث والموصى له حكم البقاء، لا حكم الثبوت ابتداء كما يكون بالاستيلاء، ولا حكم الانتقال كما يكون بالبيع؛ وإنما يظهر الفرق بين الإرث والبيع في حق المالك بمسألة الرد بالعيب؛ فإن المُشتَري لا يرد على البائع الأول بعيب و [البائع] يردُّ على بائع المورث بعيب ظهر عنده.
فثبت أن هذه الأسباب على ثلاثة أنواع: مثبت للملك ابتداء، وهو الاستيلاء، وناقل للملك بعد ثبوته، وهو البيع ونحوه، ومبقى للملك على الورثة والموصى له بطريق النيابة، وهو الإرث والوصية.
وما أُريد لأجل حكم التصرف يسمى حكمته، أو ثمرته؛ فإن حكم التصرف غيرُ، حكمته،
الجزء 1 · صفحة 56
وثمرته غيرُ ثمرته؛ فإنَّ حكم المبيع مثلاً البيع، وحكمته إطلاق الانتفاع بالمملوك، وكذا ثمرته؛ إذ الملكُ أُريد لأجله.
فحكم النكاح ثبوتُ الحل وثمرتُه: التوالد، والتناسل، وقضاء الشهوة.
و حكم القتل العمد القصاص، وحكمته: الزجر والردع. ثم العقود تبطل بخلوها عن الأحكام، ولا يُبطلها خلوها عن الحكم والثمرات؛ فإن من اشترى مسلوخاً على أنه مذبوح، فإذا هو ميتة، لا ينعقد العقد، ويبطل؛ لأنه انعدم حكم التصرف؛ وهو الملك، فإن الميتة لا تقبل الملك.
ولو اشترى شجرة على أنها مثمرة، فإذا هي غير مثمرة، ينعقد العقد؛ لأن المعدوم هو الثمرة فحسب، وكذا إذا تزوج امرأة، فإذا هي عقيم، صح.
نوع آخر:
المُطْلَق: كلُّ لفظ تناول المسمّى باعتبار ذاته غير متعرض لصفاته؛
كالرجل تناول ذكراً من بني آدم بأي وصف كان.
والمُقَيَّدُ: ما تناول المسمى بوصف قيد به؛ كرجل طويل. والناسخ: ما يدلُّ على حكم نص قبله بما يضاده. والمنسوخ: ما بطل حكمه بغيره.
والإشارة: الثابتة بنفس الصيغة من غير أن يسبق له كلام. والدلالة: المعنى الذي دلَّ عليه اللفظ لغةً أو شرعاً.
ثم النص يقدَّم على الإشارة، والإشارة على الدلالة والمقتضى: ما اقتضاه النص وأوجبه شرعاً لتصحيحه.
والمُضْمَر: ما ثبت بإضمار المتكلم إخبار بذكر ما دلّ عليه اللفظ اختصاراً.
والاجتهاد: بذل المجهود لإصابة الحق بضرب من التأمل في الأمثال
والأشباه ممن هو في أهله.
الجزء 1 · صفحة 57
والتقليد: قبول قول الغير بلا حجة ودليل.
والظَّنُّ: معنى يقوي ترجيح مظنونه على غير مظنونه، من غير سكون
النفس، واطمئنان القلب.
vv
الصفحة 98
والشَّكُ: اعتقاد الشيء مع تحريم خلافه، من غير ترجيح معتقده
على غير معتقده.
واليقينُ: سكونُ النفس على ما اعتقده بإباحة أسباب الشك. والنقض: إفساد العلة بإيراد وضعها على المجيب مخالفاً لحكمه.
والعكس: وجود حكم العلة بدون الوصف.
والقلب: جعلُ العلة معلولاً، والمعلول علة. فالقلب أقوى من
النقض.
والمعارضة: المقابلة بين الدليلين للمرافعة.
والترجيح: زيادة أحد المثلين على الآخر بوصف مراد.
والقياس: جعل الشيء نظير الآخر، وكذا العبرة: وهي الأصل الذي
يقاس به غيره.
وركن الشيء: ما يقوم به ذلك الشيء.
وركن (1) القياس: ما يصير نظير الأصل بما تعلق به حكم الأصل. وركن العلة: ما وجد علماً على حكم النصّ من جملة ما اشتمل عليه اسم النص، وجعل الفرع نظيراً له في حكمه بوجوده فيه كما
الجزء 1 · صفحة 58
وجد في الأصل، وأنه يجوز أن يكون وصفاً لازماً، أو عارضا (2)، أو اسماً، أو
حكماً.
(?) في الأصل: «وكان». (?) في الأصل: «فارضاً».
VA
الصفحة 99
ويجوز أن تكون العلة
في النص وفي غيره، وذلك لأن العلة إنما
تصير علة بدلالة أثرها في الحكم. فالتأثيرُ متى ثبت بضرب من هذه
الضروب كان علة واجب العمل بها.
وحكم العلة التي تسمى قياساً: تعدية حكم النص ال
لا نص فيه، ولا إجماع، ولا دليل فوق (1) الرأي.
اللغة.
المعلل إلى فرع
والاستحسان وجود الشيء حَسَناً، والاستقباحُ ضده، وهذا في
وأما في عرف الفقهاء:
فالاستحسان: اسمٌ لضرب دليل يُعارض القياس الجلي، حتى كان القياسُ غير الاستحسان على سبيل التعارض فسموه بهذا الاسم؛ لأنهم استحسنوا ترك القياس، أو التوقف في العمل به لدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر، وإن كان أخفى منه إدراكاً.
ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة ولا رأوا (?) الظهور رجحاناً،
الجزء 1 · صفحة 59
بل نظروا من الوجه الذي تتعلق به صحته (?).
وقد أكثرت الكلام في حد القياس والعلة مرة بعد أخرى؛ قصداً لشدة الوضوح، وكونه أثر هذا الفقه وقاعدته وتركت ذكر الحد في أوائل الحدود: حد الشيء، وحد الخبر، وحد القياس، وحد الشرط، ونحوها؛
(?) في الأصل: «قوي».
(?) في الأصل: «رو».
(?) في الأصل: «صحة».
??
الصفحة 100
اختياراً للاختصار، وهو معلوم.
فصل
في أحوال الأدلة والمجتهدين
تخصيص النص جائز بالإجماع، وفي تخصيص العلة اختلاف،
وأكثر مشايخنا لم يَجوزوا ذلك.
والعام إذا خُص منه بعضُه، يبقى الباقي عاماً فيما دون المخصوص،
التعليق به، سواء كان المخصوص معلوماً، أو مجهولاً، لكنه ويصح يوجب العمل دون العلم؛ بخلاف ما قبل التخصيص
وقال بعض أصحابنا: إن كان المخصوص معلوماً، صح التعليق به،
وإلا فلا، وعليه الاعتماد.
الجزء 1 · صفحة 60
للحال.
والمعلق بالشرط ليس بسبب قبل وجود الشرط، بل هو محض
والتعليقُ بالشرط لا يوجب انعدام الحكم عند عدم الشرط.
وتخصيص الشرط بالذكر يقتضي نفي ما عداه.
(1)
ولا يجوز حمل المطلق على المقيد، اختلفت الحادثة أو اتفقت؛
كقوله في كفارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [النساء: 92]، وفي كفارة
(?) في هامش الأصل: «لعله عين الشرط».
??
الصفحة 101
اليمين: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] يجري كل واحد على مقتضاه؛
المطلق على المطلق والمقيد على المقيد.
والعام متى نقل عقيب مسبب خاص، فالعبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، كما في قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُورًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) [النساء: ???]،
يجب العمل بعموم الصلح، ولا يختص الصلح بهذه الحادثة فحسب. وتعارض الدليلين في الحِلَّ والحُرمة يُسقط حكمهما معاً إذا كانا القوة سواء، فإذا ترجح أحدهما بنوع القوة، كان الحكم له، وقال بعضهم: المحرَّمُ أولى بالأخذِ احتياطاً.
والنسخُ في الأحكام جائز إن كان قابلاً للنسخ، وهو ما يتصور ألا يكون شرعاً، وما لا يتصور،
الجزء 1 · صفحة 61
لا يحتمل النسخ؛ كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
أو نهياً.
وهذا إذا كان الناسخ فوق المنسوخ أو مثله، وأن يكون المنسوخ أمراً
ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة، والسنة بالكتاب، ونسخ الكتاب بالسنة المتواترة جائز ـ عندنا، ولا يجوز نسخ الكتاب والسنة المتواترة بالمشهور، والمشهور بالآحاد.
والنسخ ثلاثة أنواع:
? ـ نسخ التلاوة والحكم؛ كنسخ ما في أكثر الكتب المتقدمة.
2 - ونسخ الحكم دون التلاوة، وهو كثير في القرآن.
3- ونسخ التلاوة دون الحكم؛ كتتابع صوم كفارة اليمين ونحوها.
والمنسوخ نوعان:
? - منسوخ الحكم مطلقاً بأصله ووصفه؛ كإباحة شرب الخمر، وحل نكاح المحارم.
2 ـ ومنسوخ مع بقاء أصل الحكم؛ كالزيادة على اليقين عندنا.
وأفعال العباد توصف بالحل والحرمة والحسن والقبيح، فيقال: فعل حلال، أو حرام أو حسن أو قبيح. وأما وصفُ حكم الله تعالى؛ كقولهم: الحلال والحرام، والحسنُ والقبيحُ حكم الله تعالى، فهو بطريق المجاز توسعاً في العبارة، وإطلاقاً لاسم المفعول على الفعل؛ وهذا لأن الله تعالى له فعل واحد، لكن اختلف في تسميته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول:
فإن كان المفعولُ كونه حادثاً، سمي إحداثاً، وإن كان حياً، سمي إحياء، وإن كان ميتاً إماتة، وإن كان واجباً، إيجاباً، وإن كان حلالاً، تحليلاً، وإن كان، حراماً تحريماً، ونحوها وهذا بناء على مسألة التكوين والمكون أنهما غيران عندنا؛ كما بينا.
والاجتهاد نوعان:
الجزء 1 · صفحة 62
ـ في الأصول.
ـ وفي الفروع.
فالأول: مجتهده مصيب أو مخطىء بالإجماع، فالمصيب مأجور، والمخطئ مأزور غير معذور.
والثاني: مجتهده مصيب.
والحق عند الله، واحد، وبه قال عامة أصحابنا.
ومعنى المصيب: أنه يجوز له العمل باجتهاده.
ثم إن كان مصيباً لما عند الله تعالى، فهو مأجور، وإن لم يكن، فهو معذور غير مأزور.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنْ أَصَابَ المجتهِدُ، فَلَهُ أَجْرانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ».
وهذا إذا كان من أهل الاجتهاد؛ بأن كان عالماً بأصول الفقه، وهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما لابد للمجتهد منه. ولقد اجتهد رسول الله في حوادث لم ينزل فيها الوحي، ومَسَّت
الحاجة إلى الحكم فيها، وعُصم عن الخطأ.
ومن قدر على المعرفة للحكم واستكشافه بالسؤال عند الحادثة وسائر الحاجة، لم يجز له الاجتهاد.
فصل
في الأعذار
وهي أربعةَ عَشَرَ:
? - النوم.
الجزء 1 · صفحة 63
2 - والإغماء.
3 ـ والصبا.
4 ـ والجنون.
ه - والعَتَهُ.
6 ـ والنسيان.
? ـ والخطأ.
8 - والشكر.
? - والسَّفَرُ.
10 ـ والمرضُ.
11 - والإكراه.
?? ـ وعدم السماع.
13 ـ والحيض.
14 ـ والنفاس.
وأثر هذه الأعذار في وضع الأداء مع قيام الأهلية:
فبعضُها يمنع الوجوب لخلل في أهلية الأداء، وبعضُها يمنع لا لخلل، بل لحرج.
أما النوم، فهو لا ينافي وجوب شيء من العبادات البدنية والمالية، ولا حقوق العباد، ولكن لا يجب عليه الأداء حالة النوم، ويكلف بالأداء عند الانتباه في الوقت وبالقضاء بعد فوات الوقت.
وقليلُ الإغماء كالنوم، وإنه في باب الصلاة ما كان أقل من يوم وليلة في رواية، وفي رواية: أقل من ست صلوات، وفي باب الصوم: دون الشهر حتى يلزمه القضاء.
وكثيره كالجنون المطبق.
الجزء 1 · صفحة 64
والصَّبا يمنع وجوبَ حقوق الله تعالى عليه جميعاً، بدنياً كان أو مالياً ما تعلق بالذمة.
وأما الجنون: فعلةٌ تُسقط الأداء لا تُخِلُّ بأهلية الوجوب كغيرها من الأعذار: فطارئة؛ كالإغماء، ومطبقة كالصبا
وأما العَتَهُ: فقليله كالنوم، وكثيره كالصبا، والحد الفاصل بينهما ما ذكرنا في الإغماء.
والنسيان لا ينافي أهلية الوجوب، إلا أنه يمنع وجوب أداء بعض الحقوق مع أصل الوجوب، ولو تحقق بالنسيان حالة ما يُناقضه، كان بحال لا يمكن دفعه أصلاً، يجعل عذراً، وإلا فلا؛ حتى لو أكل أو شرب الصائم ناسياً، لم يفسد صومه، ولو أكل أو تكلم في الصلاة ناسياً، فسدت صلاته، وكذا إذا جامع في إحرامه.
والخطأ في معنى النسيان، أو دونه؛ حتى لو تحقق حالة الأداء ما يُناقضه خطأ، لا يجعل عذراً؛ فإنه لو تمضمض الصائم، فدخل الماء حلقه خطأ، يفسد صومه.
والشكر: آفة معجزة عن أداء العبادات، وفي مباشرة سائر التصرفات، والمؤاخذة بالجنايات حكمه حكم الصاحي إذا كان السكر حاصلاً بسبب محظور عقوبة عليه، إلا في لفظ الكفر.
وإذا كان الشكر بسبب مباح؛ كشرب ماء البنج وغيره للدواء، يكون
حكمه حكم الإغماء.
والسفر والمرضُ: لا يؤثران في إسقاط أصل العبادات وجوباً، وإنما يؤثران في تيسير الأداء في البعض، أو بتأخير الأداء عن وقته.
والإكراه: متى تحقق في الفعل: قال بعض أصحابنا: لا يؤثر في إبطال الفعل، وكان حكم الفعلية فيه على الفاعل؛ كإتلاف المال، فيكون على المكره، وفي قتل النفس: القتل صلح آلة الفعل والتصرف، ولكنه يؤثر في بعض المواضع في رفع حكم الفعل عنه أصلاً في الدنيا والآخرة، وفي البعض يؤثر في رفع الدنيا دون الآخرة، وفي البعض لا يؤثر في رفع حكمهما جميعاً.
الجزء 1 · صفحة 65
وقال آخرون ـ وهو الصحيح -: إنه قد يكون الإكراه أثراً في صيرورة المكرة آلة للمكره، فمن صلح آلة للمكره، فصار كالآلة، وفي الجناية على الدين، لم يصلح آلة؛ فلذا لم يؤاخذ بالفعل، ويكون آثماً، وإذا أكره بالحبس أو الضرب أو القيد، لم يتحقق آلة، فبقي مختاراً في الحكم. فالحاصل أنه متى سلب اختياره، صار كالآلة.
وأما عدم السماع: فقد أجمع أصحابنا أنه لا ينافي وجوب العبادات إلا إذا عَرِي الوجوب عن الفائدة، فلا يجب؛ لكونه غير مفيد لنفسه، لا لعدم السماع. ثم ينظر إن كان في الأداء حرج، يؤثر في سقوطه، وإلا فلا.
حتى إن من أسلم في دار الحرب، ولم تبلغه الدعوة، وهو غير عالم بالشرائع، ولا هناك من يعلمه، فلا أداء عليه، طال مكنه في دار الحرب أو قصر.
وإذا أسلم في دار الإسلام، أو دخل بعدما أسلم، ولم يُقصر في الطلب، ولكنه لم يقف عليه:
قال بعض أصحابنا: لم يجب عليه الأداء، وقال عامة أصحابنا: إنه يجب.
وأما وجوب معرفة الله تعالى ونحوها من الحقائق، فلا تتعلق بالسماع لما عرف.
والحيض والنفاسُ يُعجزانها عن أداء الصوم والصلاة مع أهلية الوجوب، فتؤمر بقضاء الصوم دون الصلاة؛ للحرج [الفارق بينهما].
فصل
في الحروف
«الواو» لمطلق العطف، من غير تعرُّض لمعنى المقارنة، أو الترتيب.
والفاء» للتعقيب على وجه الوصل، حتى إذا قال: جاء زيد فعمرو؛ فهم منه مجيء عمرو عقيب زيد بلا فصل، وكذا إذا قال: بعث منكَ هذا العبد بكذا، فقال المُشتَري: فهو حر؛ يعتق، ويصير قائلاً معتقاً، ولو قال: هو حر، أو قال: وهو حر، لا يعتق.
وكذا لو قال الحربي: انزل، فأنت آمن، يصير آمناً عقيب هذا الكلام بلا فصل، سواء نزل، أو لم
الجزء 1 · صفحة 66
ينزل.
وكذا إذا قال لعبده: أد إلى ألفاً فأنتَ حُرٌّ، يعتق عَقيبَ هذا الكلام بلا فصل، أَدَّى أو لم يؤد.
وثم للتراخي على سبيل الانقطاع عند أبي حنيفة، وعندهما: للتراخي على سبيل العطف والاشتراك حتى إن من قال لامرأته قبل
الدخول بها: أنتِ طالقٌ، ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار، قال أبو حنيفة: يقع الأول، ويلغو ما بعده؛ كما لو سكت بعد الأول، وعندهما: يتعلق الكل بالدخول.
وإن قدم الشرط: عنده يتعلق الأول، ويتنجز الثاني، ويلغو الثالث،
وعندهما يتعلق الكل؛ هذا في غير المدخول بها.
أما المدخول بها:
إذا قدم الشرط، تعلق الأول، وتنجز الثاني، والثالث، وإن أخر الشرط، وقع الأول والثاني، وتعلق الثالث عند أبي حنيفة، وعندهما: تعلق الكل بالدخول، قدم الشرط أو أخر.
و «أو» إذا دخلت بين اسمين أو فعلين في الخبر، توجب التشكيك؛ كقولك: رأيت رجلاً أو امرأة، وفي التخيير؛ كقولك: اجلس مع زيد، أو عمرو
والباء» للإلصاق، وتقتضي وجودَ الملصق به، حتى إذا قال لعبده: إن أخبرتني بقدوم فلان فأنتَ حرّ فأخبره كاذباً، لم يعتق، ولو قال: إن أخبرتني أن فلاناً، قدم فأنت حر فأخبره كاذباً، يعتق.
و «على» للإيجاب، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97].
و «بل» و «لا بل» للإعراض عن الأول وإثبات ما بعده فيما يحتمل التدارك، وفيما لا يحتمل، يجعل الثاني إنشاء مع بقاء الأول.
حتى إن من قال: كنتُ طلقتُ امرأتي أمس واحدة، لا بل اثنتين، وقعتا ثنتين ولو نجَّزَ وقال لامرأته: أنت طالق واحدة، لا بل ثنتين،
الجزء 1 · صفحة 67
وقعت ثلاثاً؛ لأن فى الأول إخباراً، والإخبار يحتمل الغلط، وفي الثاني إنشاء، والإنشاء لا يحتمل الغلط هذا إذا كان بعد الدخول، فأما قبل الدخول، لا يقع بهذا اللفظ إلا واحدة.
ولكن وضعت للاستدراك بعد النفي؛ كقولك: ما جاء زيد ولكن عمرو، وكرجل في يده عبد فقال: إنه لفلان، فقال فلان: ما هو لي، ولكن لفلان آخر، إن وصل الكلام، فهو للمقر الثاني، وإن فصل، يرد على النفي؛ لأنه في الوصل بيان، وفي الفصل رجوع.
و «في» للظرف، تستعمل للزمان والمكان؛ كقولك: زيد في الدار، وخرجت في يوم الجمعة.
وليس من شرط الظرف استغراقُ كلّه بكل المظروف، وكذا قلنا: إن الواجب في باب الزكاة مال مطلق؛ كقوله ـ عليه الصلاة والسلام: «في خَمْسٍ من الإبل شاه»؛ لأنه جعل الإبل ظرفاً للشاة، ولا يصلح ظرفاً لعينها؛ لأنه ليس في الإبل شاة فكان المراد به: مال مطلق مقدر بقيمة الشاة.
وقال أبو حنيفة فيمن قال لامرأته أنت طالق في غد ونوى به آخر النهار، يديَّنُ، ولو قال: أنتِ طالق غداً، لا يدين.
والباء، والتاء، والواو»؛ كقوله: بالله، تالله، والله.
ومع، وقبل، وبعد أسماء الظروف.
فإذا قال لامرأته قبل الدخول بها: (أنت طالق واحدة معها واحدة)، طلقت ثنتين.
ولو قال: (واحدةً قبل واحدة)، يقع واحدة، ولو قال: (قبلها
واحدة)، وقعت ثنتان ولو قال: (واحدةً بعد واحدة) يقع ثنتان، ولو قال: (بعدها واحدة)، وقعت واحدة.
وهذا لأن الظرف متى قيد بالكناية، كان نعتاً لما بعده، فإذا لم يقيد، كان نعتاً لما قبله؛ كقولك: (جاءني زيد قبل عمرو، وجاءني زيد قبله عمرو).
الجزء 1 · صفحة 68
و «إلا» للاستثناء، وغير» في معناها: يقول: (علي درهم إلا دانقا)، و (غير داني) ثم في قوله: (غير دائق) إن نصب الراء، كان إقراراً بخمسة دوانق؛ كقولك: إلا دائقاً، وإن رفع لزمه درهم تام؛ أي: على هذا الدائق.
و إن، وإذ، وإذا، وإذا ما ومتى ومتى ما، وكلما ومَنْ، وما حروف الشرط: إذ هي الأصل في هذا الباب.
وأثر الشرط في منع انعقاد العلة للحال، حتى إنَّ من قال لامرأته:
إنْ لم أطلقكِ، فأنتِ طالق، فإنها لا تطلق حتى يموت.
وإذا حقيقةً للوقت ولكنها قد تستعمل للشرط من غير سقوط الوقت عنها بمنزلة متى»، وبهذا أخذ أبو يوسف، ومحمد، حتى إنَّ من قال لامرأته: (إذا لم أطلقكِ، فأنتِ طالق؛ قال أبو حنيفة: لا تطلق بهذا حتى يموت أحدهما، بمنزلة قوله: (إن لم أطلقك)، وهما قالا: بأن الزوج
كما فرغ من اليمين إن لم يطلقها تطلق؛ كما إذا قال: (متى لم أطلقك). و إذا ما»، ومتى ما كإذا؛ غير أن هذه الكلمات لتأكيد العموم وأما «من»، و «ما»، فقريب منها. و «حتى» للغاية، وكذا «إلى»، إلا أنَّ «إلى» غاية للظرف، و «حتى»
غاية للأفعال؛ تقول: (لا أفعل كذا حتى أستشيرك)، و (لا أكلم فلاناً حتى تأذن لي).
وأما «إلى»، فتستعمل في الظروف؛ تقول: (بنيتُ من هذا الحائط إلى هذا الحائط)، و (لا أبيع عبدي إلى الجمعة)، ولا بيع فيه، حتى وقوله: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: 5] يعني: إلى مطلعه، أو حتى يطلع الفجر. والله أعلم.
القسم الثالث
في فروع الأحكام
الجزء 1 · صفحة 69
القسم الثالث
في فروع الأحكام
كتاب الطهارة
الطهارة نوعان:
- حكمية.
ـ وحقيقية.
فالحكمية كالوضوء والغسل
والحقيقية: إزالة النجس عن العين الطاهرة بما أمكن، وهو أنواع: كالماء، والمائع والتراب والشمس والهواء والنار، والمسح، والذكاة، والدبغ والتخليل وسيأتي ذكرها في مواضعها بما أمكن ـ إن شاء الله تعالى.
والماء المطلق تجوز به الطهارتان جميعاً، وهو أنواع:
عذب؛ كماء الأمطار، وماء العيون والأنهار.
ومتغير أحد أوصافه الثلاث؛ من طعم، أو لون، أو ريح بنفسه؛ ومتغير كماء البحار والغدران وماء، الكبريت والزاج، ومتغير لمخالطة شيء طاهر به من غير أن يغلب عليه، أو يسلب اسم الماء عنه؛ كماء المد والماء الذي يختلط به الصابون أو الأشنان.
والماء المقيد: تجوز الطهارة الحقيقية به في غير البدن، دون الحكمية، وهو أيضاً أنواع:
ـ الماء المستعمل في الوضوء وغسل التطوع الزائل عن العضو، اجتمع في مكان، ووضعه مستعملاً لإقامة القربة وإسقاط الفرض عندهما، ولإقامة القربة لا غير عند محمد، وكذا الذي يجمد.
ـ وما طبخ فيه شيء طاهر إذا سلب اسمه؛ كالباقلاء والمرق.
الجزء 1 · صفحة 70
ـ وما ينعصر من شجر أو ثمر أو حشيش أو زهر، بنفسه أو بعلاج؛ كماء الكرم والبطيخ والعصير وماء الورد.
ـ وما اختلط به مائع طاهر؛ كاللبن وغيره، وغلب على الماء.
ـ وما اختلط به غير المائعات، وسلب اسمه؛ كالماء الذي يصبغ أو يصطبغ به؛ نحو ماء العصفر، والنيل والزردج، وكالمرق، والمخللات، وسائر الأشربة الطاهرة، ونبيذ التمر الحلو على الاختلاف، والمائعات التي تخرج من الآدمي الحي كيف ما كان مسلماً كان أو كافراً، جنباً أو طاهراً، أو مما يؤكل لحمه خمسة: الدمع والمخاط والبزاق، والعرق، واللبن، وكذا مائع يعمل منها، وحكمها حكم المياه المقيدة.
وإذا اختلط الماءان، فالحكم للغالب منهما.
وقال أبو يوسف: لغلبة أحد الآثار الثلاثة.
اللهم اختم بخير.
باب ما ينجس الماء به وما لا ينجس
إذا وقعت النجاسة في الماء الذي لم يكن جارياً، ولا غديراً عظيماً، نجسته، وإن لم تغير، وإن وقعت فيهما، لم ينجس ما لم تغير أحد أوصافه، إلا إذا كان أكثر الماء عليها جارياً، أو ركوداً.
والماء الجاري:
ـ ما يعد جارياً.
ـ والغدير العظيم: ما لا يتحرك بتحريك الجانب الآخر بالاغتسال، وقيل: بالوضوء، وقدره محمد بعشرة أذرع في عشرة، بذراع العمين في العراق.
- وأما العمق، تكلموا فيه، فالأصح: أنه قدر شبر فصاعداً.
وموت الجنسين من الحيوان في الماء لا يفسده، فإن مات ما ليس له دم سائل؛ كالزنبور،
الجزء 1 · صفحة 71
والعقرب، وما لا يعيش إلا في الماء؛ كالسمك، والضفدع المائي، والسمك الطافي، إذا وقع في غير ما مات فيه، والماء قليل، لم ينجسه، وقيل: ينجسه.
والجنب إذا أدخل يده في الإناء لغسلها، ينجس الماء، ولغيره: لا ينجس؛ استحساناً للضرورة ولو أدخل غير اليد من أعضائه، ينجس، وكذا الحائض والنفساء.
والماء الأول في غسل الجنب والحائض نجس، والثاني والثالث مستعمل.
وفي غسل الميت كلها نجس.
وما أصاب ثوب الغُسَّال عند غسل الميت لا ينجس؛ للضرورة، وما غسل به اليد من الطعام مستعمل والثوب لا.
ويكره الوضوء في المسجد؛ خلاف محمد.
وحوضُ الحمَّام إذا انصب الماء فيه من الأنبوب، ويغترفون منه غرفاً متداركاً؛ كالماء الجاري عند أبي يوسف، وهو الفتوى.
ووقوع النجاسة في ثقب الجمد في الماء الجاري أو الغدير العظيم:
إن كان الماء متصلاً بالجمد، ينجس، وإلا فلا.
والطين المجبول بالماء النجس من التراب الطاهر، أو على العكس،
نجس على الأصح. والأسار أربعة:
? - طاهر.
2 - ونجس.
3- ومكروه.
4 - ومشكوك.
الجزء 1 · صفحة 72
? - فالطاهر: سُؤر الآدمي كائناً ما كان إذا لم يكن في فيه نجاسة عينية، وسؤر ما يؤكل لحمه.
2 - والمكروه: سؤر الهرة، والفأرة، والحية، والعقرب، والوَزَعة البرية، وسباع الطير، وتكره الطهارة به مع وجود الماء الطاهر. - والنجس: سؤر الكلب والخنزير وسباع الوحش؛ كالأسد. والدب، وكذا الفيل عند محمد.
4 - والمشكوك: سؤر البغل والحمار فإن لم يجد غيره، جمع بين الوضوء والتيمم.
واختلفوا في أن الشك في الطهارة أو الطهورية، فعند أبي حنيفة: إذا أصابَ الثوبَ منه كثير فاحش منع جواز الصلاة، وروي عنه: أنه لا يمنع، وهو قولهما، والكثير الفاحش ربع الثوب، والمصاب كُمّاً كان أو دخريضاً أو ذيلاً، وكذا في العضو.
وعند أبي يوسف: شبر في شبر، وعند محمد: ذراع في ذراع. وإذا أكلت الهرة الفأرة، وشربت على الفور من إناء، نجسته، والدجاجة المخلاة كالهرة ونحوها في كراهة السؤر، لا عينها، بل لاحتمال مجاورة النجاسة منقارها وكذا الإبل والبقر الجلال.
فصل
وإذا وقعت النّجاسة في بئر غير جار، ولا عشر في عشر، تنجست، وترح جميع مائها لتطهر، فالفأرة، والعصفور، ونحوهما إذا وقعا في البئر،
وخرج حياً، لا شيء فيه، وإن أخرج بعد الموت قبل الجرح والانتفاخ، ينزح منها من عشرين دلواً إلى ثلاثين.
والهرة والدجاجة وما شاكَلَهما حَيّاً كالفأر حياً، وفي الميت يُنزح منها من أربعين دلوا إلى خمسين.
وروي: إلى ستين.
وفي المجروح والمنتفخ من النوعين يُنزح الماء كله، والفأرتان كفأرة، والثلاث كالهرة.
الجزء 1 · صفحة 73
وروي: الأربع كواحدة والخمس كالسنور، والعشرة كالكلب، على قدر كبرها وصغرها، وإن كانت الفأرة كالهرة، فهي في حكم الهرة. وإذا مات شيء من النوعين في جُب الماء، وصب في بئر، ينزح
الأكثر من المصبوب وقدر الواجب فيه.
وإذا وقعت فأرتان في بئرين، فنزح من أحدهما عشرون دلواً، وصُبَّ في الأخرى، ينزح من المصبوب فيها من عشرين دلوا إلى ثلاثين فحسب، لأنهما كبئر واحدة والفأرتان كفارة.
والآدمي إذا وقع في البئر، وخرج حياً، إن كان نجساً أو جنباً، ينزح
الماء كله، وكذا إن مات فيها.
وإن كان الحي طاهراً، لا ينزح شيء، مسلماً كان أو كافراً
وقال محمد في الجنب: إنه والماء طاهران.
وقال أبو يوسف: الماء طاهر، والجنب كما كان.
والثاني لا الأول اختيار النعمان.
وفي المحدث يُنزح أربعون دلواً.
وإن وقع الميت قبل الغسل ينزح الماء كله، مسلماً كان أو كافراً، وبعد الغسل إن كان كافراً، فكذلك، وإن كان مسلماً، لا ينزح شيء.
السقط وفي قبل الغسل وبعده ينزح الماء كله.
والإبل والبقر ونحوهما إذا وقع في البئر، وخرج حياً، ينزح منه عشرون دلواً.
وفي الشاة ونحوها مما يؤكل لحمه عشرة دلاء، هذا إذا لم يتحقق عليها نجاسة عينية.
وفي ميتها والكلب الحي والخنزير وسباع الوحش، والبغل، والحمار ينزح الماء كله.
وموجب النزح في هذه الأجناس حياً: وصول لعابها إلى الماء،
الجزء 1 · صفحة 74
لا أعيانها، إلا في الخنزير خاصة؛ لأنه نجس العين.
وقالا: الكلب كالخنزير.
وينزح في الحَلَمَةِ ونحوها إذا ماتت فيها عشرة دلاء.
وإذا وجدت في البئر ميتة مما قدر فيها، ينزح بعض الماء، منتفخة أو متفسخة، ولم يعلم وقت وقوعها، يعيد من توضأ منها صلاة ثلاثة أيام ولياليها عند أبي حنيفة، وإن لم تكن منتفخة ولا متفسخة، فصلاة يوم وليلة.
وقالا: لا إعادة عليه في الحالين حتى يتحقق وقت الوقوع.
ولو رأى في ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته، لا يعيد حتى صلاة يتحقق بالإجماع، إلا في رواية: أنه يعيد صلاة يوم وليلة. وبعر الغنم أو الإبل إذا وقع في البئر لا ينجس الماء ما لم يفحش. وعند محمد: ما لم يأخذ ربع وجه الماء.
وما يقع من البعر عند الحلب في المحلب، فيرمى في الحال، لا ينجس أيضاً.
والسرقين ينجس فيهما، ولم يَذْكُرْ في تقدير العفو في البئر أكثر من ثنتين في الأصل.
وإذا غلب ماء البئر عند وجوب النزح كل الماء، ينزح حتى يظهر العجز، وهو مفوض إلى رأي المبتلى به.
والدلو المذكور في النزح المقدر هو الدلو الوسط المستعمل في الآبار غالباً، فإن كان بئراً يسع فيه جميع الدلاء أو بعضه، يحتسب فيه بقدر ما يسع. والله أعلم.
اللهم اختم بخير.
باب
الأنجاس
الجزء 1 · صفحة 75
وهي نوعان: ـ حقيقية.
وحكمية.
فالحقيقية: العينية وهي الغائط، والبول، والمذي، والودي، والمني، والمرارة، والقيء ملء الفم، وسرقين الدواب، وما يشتر، وخرء الدجاج والبط والإوز، وسُؤر الكلب، وسباع الوحش، والخمر، والخنزير، والميتة والدم المسفوح والقيح، والصديد كذلك. وأما خرء الطيور - ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل ـ طاهر، سوى الثلاثة، خلافاً لمحمد فيما لا يؤكل.
وبول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل نجس كلُّه، غير أن بول ما يؤكل لحمه نجاسته خفيفة.
وقال محمد طاهر.
وكذا بول الصبي والصبية سواء في حكم النجاسة، أكلا الطعام أو لا، وما لم يُؤلم الحيَّ قطعه، لا ينجس من الميتة، سوى الخنزير،
كالشعر والريش والصوف والخف، وكذا العظم والعصب اليابسان واللبن والأنفحة.
وقالا: اللبن والأنفحة المائعة من الميتة نجسان.
والمني: ما يخلق منه الولد وتنكسر الشهوة بخروجه.
والمذي: الماء الرقيق اللزج الخارج قبل المني. والوذي - ساكن الدال ـ: الماء الأبيض الذي يخرج في الغالب عقيب البول.
وأما النجاسة الحكمية: فالحدث والجنابة والحيض والنفاس وكل واحدة من هاتين النجاستين نوعان غليظة، وخفيفة، فالغليظة من الحقيقية، ما سوى رجيع مأكول اللحم غير الدجاج والبط، ومن الحكمية الجنابة والحيض والنفاس.
والخفيفة من الحقيقية: الأرواثُ كلُّها عندهما، والأحوال المخلوطة بالعذرات؛ خلافاً لأبي حنيفة ومن الحكمية: الحدث.
الجزء 1 · صفحة 76
ثم المانع من جواز الصلاة من النجاسة الحقيقية من الغليظة أكثر من قدر الدرهم في المساحة أو الوزن، ومن الخفيفة: العضو، أو ربع ربع المصاب من الثوب، وما أصاب من رشّ البول مثل رؤوس الإبر، والدم نحو ما على ثوب القصاب، وما لا ينقض الوضوء من بلة الجرح أو القيء القليل معفو عنه، وإن كثر.
وبول البغل والحمار يمنع قدر الدرهم.
وعن محمد عن أبي حنيفة: أنه لا يمنع ما لم يفحش في الضرورة.
والمانع من النجاسة الحكمية القليل والكثير. والله أعلم.
باب إزالة النجاسة
النجاسة الحقيقية واجبة الإزالة من بدن المصلي، وثوبه، ومكان صلاته بالماء المطلق أو المقيَّد، أو ما أمكن إزالتها به.
فذو الأثر منها: إلى زوال الأثر، إلا ما تشقُ إزالته، وما لا أثر له: بالغسل ثلاثاً، أو: إلى ما يغلب على الظَّنِّ زواله، ويعصر في كل مرة، إلا ما لا يعصر، كالحصر والبسط، والخف، فقام جري الماء عليها مقام العصر.
وإذا أصابَ الثوبَ من هذه الغسالة إن كان الماء الأول، فإنه يزول بالغسل ثلاثاً، وإن كان الثاني، فمرتين وإن كان الثالث، فمرة؛ كالبئر إذا صُبَّ فيها دلو من المنزوح في الفأرة، للدلو الأول ينزح عشرون، إلى الدلو الآخر ينزح واحد، فتطهر الثانية بمثل ما تطهر الأولى، وكذا أمثالها. وإذا غُسل الثوبُ النجسُ في إِجانة ثلاثاً)، وعُصر في كل مرة، طهر.
وقال أبو يوسف: لا يطهر أبداً.
(1) في الحاشية: قوله في إجانة ثلاثاً، لعل المراد: غسل الثوب النجس في ثلاث إجانات، وعصر في كل منها مرة. تأمل».
الجزء 1 · صفحة 77
وكذا الخلاف في الجنب المغتسل في ثلاثة آبار.
والمني إذا يبس على الثوب، يزولُ بالفرك، ويطهر، ولا يعود نجساً إذا ابتل بعد ذلك.
والأرضُ النجسة إذا ابتلت، وذهب أثرها، طهرت للصلاة عليها، لا للتيمم بها، وإذا ابتلت بعد ذلك، صارت نجسة.
وإذا صب الماء على الأرض النجسة الرخوة التي ينزل بها، أو تحفر حتى يصير الطاهر منها ظاهراً جازت الصلاة عليها، والتيمم بها، ولا تعود نجاستها بالابتلال.
والنعلُ يطهر بالمبالغة في الدلك بالأرض إذا كانت النجاسة المصابة متجسدة يابسة.
وفي الرطب كذا عن أبي يوسف، وهو الفتوى،
وقال محمد: لا يطهر إلا بالغسل فيهما.
ويطهر الإناء من ولوغ الكلب بالغسل ثلاثاً كسائر النجاسات.
والأواني ثلاثة أنواع: خزف، وخشب، وحديد.
وتطهيرها على أربعة أوجه حرق وغسل، ومسح إن كان الإناء من خزف أو حجر، وكان جديداً، ودخلت النجاسة في أثنائه بحرق، وإن كان عتيقاً، يغسل، وإن كان من حديد، أو صفر، أو زجاج، أو رصاص، وكان صقيلاً يمسح، وإن كان خشناً، يغسل.
وجلد الميتة يطهر بالدباغ، وما لا يؤكل لحمه بالذكاة، إلا الخنزير.
وجلد الآدمي يطهر أيضاً، لكن لا يجوز استعماله؛ لحرمته. والدهن الذائب وغيره من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة، أو فأرة،
لا يطهر بالغسل، ويجوز الانتفاع به في غير الأكل؛ كالدباغ، في السراج، والبيع إذا بَيَّنَ عيبه.
ووَدَكُ الميتة لا يجوز.
وإن كان الدهن وغيره جامداً، تلقى وما حولها، والباقي طاهر. والخنزير إذا وقع في المملحة،
الجزء 1 · صفحة 78
وصار ملحاً، طهر؛ كالخمر إذا تَخَلَّل، وكذا رمادُ العَذِرَةِ عند أبي حنيفة، ومحمد ـ رحمهما الله تعالى - خلافاً لأبي يوسف.
وإذا وقعت في الخمر نجاسة، ثم تخللت، لم تطهر، وإذا ماتت الفأرة فيها، فأُخرجت قبل الانتفاخ أو الجرح، ثم تخللت، طهرت.
والنجاسة الحكمية زوالها بالوضوء، أو الغسل ـ هـ ـ.
باب
ما ينقض الوضوء
وما لا ينقضه
ينقض الوضوء:
1 - خروج النجس من السبيلين وغيرهما.
2 - والقيء ملء الفم، سوى البلغم؛ خلاف أبي يوسف في الصاعد من الجوف.
3 - والدم السائل من القيء؛ خلاف محمد.
ـ والدم والقيح والصديد إذا تجاوزت عن رأس الجرح.
ه ـ والجنون.
6 ـ والإغماء.
- ونوم المضطجع أو المستند والمتكئ.
- والقهقهة في الصلاة، إلا صلاة الجنازة.
- وخروج وقت الصلاة لصاحب الجرح السائل، أو المستحاضة. 10 ـ والملاعبة الفاحشة
الجزء 1 · صفحة 79
عرياناً من غير إيلاج ولا بلل عند أبي حنيفة وأبي يوسف استحساناً. وينقض الوضوء خروج الدودة من السبيلين، لا من غيرهما، وكذا
الريح من الدبر لا من القبل.
وإذا خرج الدم من الفم أو الأنف مع الريق أو المخاط: إن كان الدم غالباً نقض وإن استويا أعاد الوضوء استحساناً.
وإن كان الدم من داخل ينقض في الوجوه الثلاثة في أحد الروايتين، وهو الأظهر.
وإذا حشا إحليله بقطن إن نفذ الدم إلى خارجه، نقض، وإلا فلا. وفي رباط الجراحة ينقض إذا نفذ الدم من إحدى طاقاته.
والقراد إذا مص وامتلأ دماً إن كان كبيراً، نقض؛ كالعلقة. والضحك ما بين القهقهة والتبسم في الصلاة لا ينقض الوضوء،
ولا الصلاة؛ وقيل: ينقض الصلاة، والتبسم لا ينقضهما. والتبسم: ما لا يسمع والضحك: ما يسمعه هو والقهقهة: ما سمعه
وإذا نام جالساً، فسقط: إن انتبه قبل أن يستقر على الأرض، لا ينقض الوضوء.
ولا ينقضه النوم في الصلاة قائماً أو قاعداً، أو راكعاً أو ساجداً. وكذا القهقهة خارج الصلاة، ومسرُّ الذكر، والقبلة، والملامسة،
والكلام الفاحش، وأكل ما مسته النارُ، وتقليم الأظفار، وحلق الشعر. وإذا تيقن في الحدث، وشكَّ في الوضوء، فهو محدث، وفي العكس متوضئ.
وجملة الحدث ثلاثة أنواع: حقيقي؛ كخروج النجاسة، ودال عليه؛ كالنوم والإغماء، وحكمي؛ كالقهقهة في الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 80
باب
ما يوجب الغسل
وهو نزفُ المني بشهوة في النوم واليقظة؛ من الرجل والمرأة، وإيلاج الحشفة في إحدى سبيلي الآدمي، وإن لم ينزل، على الفاعل والمفعول به، وحَبَلُ المرأةِ عند دخول الماء فرجها من غير إيلاج، والحيض والنفاس
والموجب في الإنزال: ما يكون بشهوة حالة الإنزال عند أبي حنيفة ومحمد.
وعند أبي يوسف: أن يكون بشهوة حالة الخروج، حتى إذا انتبه المحتلم قبل خروج مائه، وقبض على ذكره كيلا يخرج الماء إلا بعد سکوت شهوته لا يجب عليه الغسل عند أبي يوسف، ويجب عندهما.
وكذا الخلاف فيما يخرج من البول بعد الإنزال.
ولا غسل في إدخال الإصبع أو الخشبة في إحدى السبيلين، إذا لم ينزل، وكذا إذا توارت الحشفة في بهيمة من غير إنزال، كما في الاستمناء بالكف. وهو حرام، لعن فيه إن أراد الشهوة دون تسكين النفس.
وإذا وجد على فراشه منياً أو مذياً، ولم يتذكر الاحتلام، وجب الغسل.
ولو كان على العكس، لا يجب الغسل في الذي فيه.
ولو احتلمت المرأة، وجب عليها الغسل، وإن لم تر ماءً.
قيل: مني المرأة رقيق أصفر غيرُ دافق ينزل من الصدر إلى الرحم، ومني الرجل غليظُ أبيضُ دافق.
فصل
لا يقرآن القرآن، ولا دون آية، وروي: آية.
الجزء 1 · صفحة 81
ولا يقرأ ما أنزل من التوراة وغيرها من الكتب.
وفي دعاء القنوت اختلاف.
ولا بأس بغيرها من الأذكار وكذا البسملة، والحمدلة، إذا لم يرد بهما قراءة القرآن.
ولا يدخل المسجد، فإن اضطر إليه تيمم، ودخل، وكذا الحايض، والنفساء.
ولا بأس للمحدث أن يقرأ القرآن، ويدخل المسجد.
ولا يطوفون جميعاً بالكعبة، فإن طافوا، جاز النقصان. ولا يكتبون القرآن، ولا يمسون المصحف إلا بما هو منفصل عنه وعنهم، وفي طرف لباسهم اختلاف وكذا موضع البياض من الأوراق والجلد المتصل.
ولا يمسون كتب التفسير، وأما كتب الفقه وغيرها، فالأفضل ترك المس أيضاً؛ لأنها لا تخلو عن شيء من القرآن.
ولا تجوز صلاتهم جميعاً، ولا السجدة حتى يتطهروا.
باب
الاستنجاء
وهو نوعان:
ـ بالحجر أو ما قام مقامه.
ـ وبالماء.
والاستنجاء بالحجر نوعان:
- مسنون.
الجزء 1 · صفحة 82
ـ ومكروه.
فالمسنون: أن يستنجي بيده اليسرى بثلاثة أحجار، أو أقل، أو أكثر حتى ينقي المحل.
والمكروه: الاستنجاء باليد اليمنى والمسح بالأحجار بعد الإنقاء.
ويجوز الاستنجاء بالحجر والمدر والتراب والخشب والقطن والصوف.
ويكره بالطعام، والروث، والإبريسم والورق، والذهب والفضة، وما مسته النار؛ كالخزف، واللحم، وكل مصباغ.
والاستنجاء بالماء أنواع: فريضة، وواجب، وسنة، ومستحب واحتياط، وبدعة.
فالفريضة: فيما إذا كانت النجاسة أكثر من قدر الدرهم؛ أي: قدر المخرج؛ بأن تعدَّتْ ومن الجنابة والحيض والنفاس.
والواجب: إذا لم تتعد.
والسنة: فيما إذا كان أقل.
والمستحب: في البول وحده إذا لم تتلوث الحشفة.
والاحتياط: فيما إذا أحس نداوة قليلة.
والبدعة: عند الريح المجرد، أو الحدث من غير السبيلين.
وحاصل الاستنجاء بالماء لا يخلو عن ثلاثة أنواع: ما يفسد الصلاة، وما يفسد الصوم والسالم وتنوعه لظاهر المَقْعَد وباطنه، فبقاء بعض ما في الظاهر من النجاسة مفسد للصلاة لتكثر النجاسة، ووصول شيء من الماء إلى الجوف عند شدة المبالغة مفسد للصوم، والغسل إلى قرب منتصف الوكاء إلى زوال اللزوجة واطمئنان القلب هو السالم منهما.
وينبغي أن يستبرئ قبل الاستنجاء بخُطاً، ويمس مجرى ذكره دافعاً ما فيه من البلل إلى الإحليل حتى الجفاف، ولا يستنجي بالمائعات سوى الماء، وإذا كانت النجاسة الغليظة على بدنه فلحسها
الجزء 1 · صفحة 83
للضرورة طهر، وكذا في شارب الخمر يطهر، بلعابه وكذا فم الهرة عن الفارة عند أبي حنيفة، وذكر أبو الليث في «العيون»: أن حكم النجاسة لا يزول عن البدن إلا بالماء.
باب
الوضوء
الوضوء الكامل المسنون أن يجلس المتوضئ على موضع عال مستقبل القبلة، أو على كرسي أو قدميه فيبدأ بالتسمية والنية بالطهارة، ويغسل يديه، ثم يأخذ الماء بكفه اليمنى، فيتمضمض به ثلاثاً، أو يأخذ لكل مرة ماءً جديداً، فإن استاك بالأراك أو غيره قبل ذلك، فحسن، وإلا استاك بسبابته وإبهامه من اليمين.
ثم يأخذ كفاً آخَرَ بيمينه ويستنشق به ثلاثاً، أو يأخذ لكل مرة ماء جديداً، ويمتخط بيساره. ثم يأخذ الماء بكفيه، فيصبه على وجهه عند منبت الناصية ليسيل الأذنين مع الماء على جميع وجهه إلى حد منتهى الدقن إلى شحمتي البياض الذي بين العذار والأذن، فإنه يجب غسله؛ خلافاً لأبي يوسف.
ويمر باطن كفيه مع الماء حتى يستوعب جميع وجهه.
ويخلل لحيته بأصابعه فيغسل وجهه كذلك ثلاثاً.
ثم يأخذ الماء بكفه اليمنى، فيصب على ساعده اليمنى، بحيث يسيل الماء على باطنها وظاهرها مع المرفق ويشملهما جميعاً، ويمر كفه الأخرى مع الماء ظاهراً وباطناً إمرار استيعاب، فيغسلها كذلك ثلاثاً.
ثم يأخذ الماء بكفه اليسرى فيصبه على ساعده، ويفعل بها مثل ما ذكرنا في اليمنى ثلاثاً.
ثم يبل باطن كفيه بماء جديد، ويضعهما على مقدم رأسه، ويمرهما إلى قفاه، ويمسح بإبهاميه وسبابتيه ظاهر أذنيه وباطنهما معه بذلك الماء، ويدخل أنملتي سبابتيه المبلولتين في صماخي الأذنين، ويمسح رقبته بجانبي الخنصرين من الكفين كل ذلك مرة واحدة.
الجزء 1 · صفحة 84
ثم يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى من رؤوس الأصابع إلى العقب؛ ليسيل على جميع قدمه ظهراً وبطناً مع الكعب، ويمر كفه اليسرى معه على جميعها، ويخلل أصابعها بخنصره مبتدئاً من الخنصر في هذه الرجل، ومن الإبهام في اليسرى، حتى يستوعب الماء جميعها، فيغسلها كذلك ثلاثاً.
ثم يصب الماء على رجله اليسرى من رؤوس أصابعها إلى العقب، ويفعل بها مثل ما فعل باليمنى ثلاثاً.
ويدعو عند غسل كل عضو بما يليق به ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يقوم ويقولها قائماً مستقبل القبلة، وقد كمل وضوءه بسنته.
فصل
وجميع أفعال الوضوء نوعان:
ـ غسل.
ـ ومسح.
فالغسل: تسييل الماء على العضو وإمراره. والمسح: إيصال بلة الماء إليه.
وعن أبي يوسف: أن إصابة البلة تكفي في الغسل أيضاً.
وفرائض الوضوء أربعة:
غسل الوجه ما بين حدوده الأربع، دون ما زال عنه الشعر بالصلع من الرأس، وفيما استرسل من شعر اللحية من الوجه روايتان: أنه يُغسل، أو يُمسح، وغسلُ ما تحته ساقط؛ كما في الشارب والحاجبين، وقشر القرحة بعد البرء.
والثلاثة الأخرى من الفرائض: غسلُ الذراعين مع المرفقين، ومسحُ الرأس مقدار الناصية، وهو الربع أو مقدار ثلاثة أصابع في رواية، وغسلُ الرجلين مع الكعبين مرة مرة، بإسباغ.
وسنن الوضوء: