التصريح في شرح التسريح
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
التصريح في شرح التسريح
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ أَنْعَمْتَ فزد يا كريمُ
الحمد الله الذي زَيَّنَ العبادَ بما أراد، وبيَّنَ طريقَ المُرادِ للزَّهَادِ والعُبادِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَتَمَّانِ الأَعمَّانِ على محمَّدٍ قامع أرباب العِنادِ، وقاطع أصحاب الفساد، وعلى آله وأصحابه والتابعينَ له في مَسلَكِ زادِ المَعادِ.
أمَّا بعد: فيقولُ المُفتَقِرُ إلى برِّ ربِّه الباري، علي بن سُلطان محمد القاري، غَفَرَ ذنوبه وستر عيوبه بلطفه الخفي وكرَمِهِ الوَفِي:
إِنَّ سيدنا ومُعتَمَدَنا في سَنَدِنا، رابِطَة عَقْدِ غَلْغَلَةِ الأولياءِ المُكرَمين، وواسِطَة سِلسِلَةِ عَقْدِ الأصفياءِ المُعَظَّمين، سُلالة الأكابر البهائية، وخُلاصَة المَفاخِرِ الضّيائيَّةِ، يوسف الثَّاني في حُسْنِ المَباني والمعاني، وسالِك مَسالِكِ مَعروفِ الكَرْخِي، مولانا نظام الدِّينِ يَعقوب الجرْخِي 4، رَوَّحَ اللهُ رُوحَه، وفتح لنا فتوحه، ذكر في رسالته الأُنْسِيَّةِ»، المُستَأْنِسةِ بِمَقالته القُدسِيَّةِ، عن بعض المُفَسِّرين: أنَّه قال في قوله تعالى: نَبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ?]: المُراد به تسريح اللحية.
وكأنه أرادَ أَنَّه من جُملَةِ المُرادِ؛ فإنَّ الآيةَ نَزَلَت فِي سَيْرِ العَورَةِ عندَ كلِّ صلاة وطواف وسجود، ففي إطلاق المسجدِ مَجاز عن ذِكرِ المَحل وإرادَةِ الحال، والله أعلَمُ بحقائقِ المَقالِ.
ثمَّ القاعدةُ المُقرَّرَةُ: أَنَّ العِبرَةَ بِعُمُومِ اللَّفظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ، فبهذا الاعتبارِ تَشمل الزينةَ الزَّائِدَةَ على سَيّرِ العَورَةِ، الذي هو من الأمور الواجبة، ومنها الرِّداءُ والعمامة وسائِرُ الآداب، كما في كتاب الإمامة.
ثمَّ ظَاهِرُ الآية: أن يكونَ التَّسريح عند كل صلاة، وهو قياسُ السِّواكِ في النظافة واللطافة، وإزالة الوَسَخ والكثافَةِ، فقد قالَ العَسْقَلانِيُّ نقلاً عن ابنِ بَطَالِ: إِنَّ التَّرَجُلَ في شَمائِله عليه الصَّلاة والسَّلامُ من بابِ النَّظافة 2، وقد نَدَبَ الشَّرِعُ إليه؛ أي: بقولِه: «النَّظافةُ من الدِّينِ» ?، ولأنَّ الظَّاهِرَ عُنوانُ الباطن.
قال: وأما حديثُ النَّهي عن التَّرَجُلِ إِلا غِبا؛ فالمُرَادُ به تركُ المُبالَغَةِ فِي التّرفُهِ، يعني: المُشعِر بأنَّه من طَبْعِ النَّفْسِ والهَوى، والمشير بأنَّها في تنظيف الباطنِ أولى، والمُومِئ إلى الجمع بينَ ما وَرَدَ من حديثِ: «البَذاذة من الإيمانِ»، وهي رَثَاثَةُ الهيئةِ وتَركُ التَّرَفُّه، واختيار التَّواضع معَ القُدرةِ لا بسببِ جَحْدِ النِّعْمَةِ.
فقد أخرجَ النَّسائِيُّ من طريقِ عبدِ اللهِ بنِ بُرَيدةَ رضي الله عنه: أَنَّ رجُلاً من الصَّحابةِ يُقالُ له: فَضَالَهُ بنُ عُبَيد، قال له رجُلٌ: ما لي أراكَ شَعِباً؟ قالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ينهى عن كثير من الإزْفاهِ.
وهو بكسر الهمزة؛ أي: التَّنْعمُ، وقيل: التَّرَجُلُ. وقيد في الحديثِ بالكثير؛ إيماءً إلى أنَّ الوسَطَ المُعتَدِلَ منه لا يُذَمُّ، وبذلك يُجمع بين الأخبار، والله أعلَمُ بالأسرار.
وفي «المُوطَّأ» عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عطاء بنِ يَسَارٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجُلاً ثائِرَ الرَّأْسِ واللحية، فأشار إليه بإصلاحِ رَأْسِهِ ولحيته. وهو مُرْسَلٌ صحيح الإسنادِ.
وله شاهد من حديث جابر رضي الله عنه، أخرجه أبو داودَ والنَّسَائِيُّ بسَنَدٍ حَسَنٍ.
وفي «الشَّمائل عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ عليه الصلاة والسَّلامُ يُكثِرُ دَهْنَ رأسه، وتسريحَ لحيته، والمُراد تمشيطها وإرسال شَعَرِها، وحَلّها بمشْطِها.
وذكر ابن الجوزي في كتاب «الوفا» عن أنس رضي الله عنه قال: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذَ مَضجِعَه من اللَّيلِ، وُضِعَ له سواتُه وطَهوره ومشطه، فإذا هَبَّهُ اللهُ عزَّ وجَلَّ من اللَّيلِ استَاكَ وتَوَضَّأَ وَامْتَشَطَ.
وأخرجَ الخطيب البغدادِيُّ في «الكفاية» عن عائشة رضي الله عنها قالت: خَمس لم يَكُنِ النَّبِيُّ لا يَدَعُهُنَّ فِي سَفَرٍ ولا حَضَرِ المِرآة، والمُكْحُلَةُ، والمشط، والمِدْرَى - أي: المحدّ للشَّعرِ - والسّواكُ.
وأخرجَ الطَّبرانِيُّ في «الأوسَطِ» من وَجهِ آخرَ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانَ لا يُفارِقُ [مسجد] رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم سواكه ومشْطُه، وكان ينظُرُ في المرآة إذا سرَّحَ لحيته.
وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفِّلٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَن التَّرْجُلِ إِلا غِباً، كذا في «الشمائل»، أي: وقتاً بعد وقت، ومنه حديث: «زُرْ غِباً تَزْدَدْ حُبّاً. وقيل: هو أن يفعل يوماً، ويترك يوماً.
ونُقِلَ عن الحَسَنِ: في كلِّ أُسبوع، ولعله محمول على تمشيطِ شَعَرِ الرَّأْسِ، وكذا الكلام على ما في «الشَّمائل عن رجُلٍ من أصحابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامَ كانَ يَتَرَجَّلُ غِبَّا.
فقد ذكَرَ السُّيوطِيُّ في الفَتاوَى الحَديثِيَّةِ» نَقْلاً من كتاب «نُزْهَةِ المَجالس» لعبدِ الرَّحمنِ الصَّفُورِيّ عن أُبَيٍّ بنِ كَعبٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
مَن سَرَّحَ لِحيَتَه كلَّ يومٍ عُوفِيَ من أنواعِ البَلاءِ، وَزِيْدَ في عُمرِه» ..
وعنه عليه الصلاة والسَّلامُ: مَن أَمَرَّ المِشْطَ على حاجِبَيه عُوفِيَ من الوَبَاءِ». وعن علي رضي الله عنه مرفوعاً: عليكم بالمِشْطِ؛ فإِنَّه يُذهِبُ الفَقْرَ»، و مَن سَرَّحَ لحيته حين يُصبحُ كان له أماناً حتّى يُمسِيَ؛ لأَنَّ اللَّحَيَةَ زَيْنُ الرَّجالِ وجَمالُ الوَجهِ».
وعن وَهْبٍ رضي الله عنه: مَن سَرَّحَ لِحيَتَه بلا ماء زادَ همه، أو بماءٍ نَقَصَ همُّه، ومَن سَرَّحَها يومَ الأَحَدِ زادَه الله تعالى نَشاطاً، أو الإثنينِ قَضَى حاجته، أو الثَّلاثاءِ زادَه الله رَخاء، أو الأربعاء زادَه الله تعالى نِعْمَةً، أو الخميس زادَ الله تعالى في حَسَناتِه، أو الجُمُعةِ زادَه اللهُ سُروراً، أو السَّبتِ طَهَّرَ الله قلبه من المُنكَراتِ، ومَن سَرَّحَها قائماً رَكِبَه الدَّينُ، أو قاعِداً ذَهَبَ عنه الدِّينُ بإِذنِ اللهِ تعالى. انتهى.
وفي «عَينِ العِلمِ»: ويُسَبِّحُ اللحية بعده؛ أي: بعد فراغ الوضوء. وفي «الإحياء»: وَرَدَ في حديثٍ غَريبٍ: أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ كانَ يُسَرِّحُ لِحيَّتَه في اليومِ مُرَّتَينِ.
وللترمذي في «الشمائل»: أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ كَانَ كَنَّ اللَّحيَةِ، من حديثِ هِنْدِ بن أبي هالة.
ولأبي نُعَيمٍ في «دَلائِلِ النُّبُوَّةِ من حديث عليّ رضي الله عنه.
ورُوِيَ عن عائشةَ رضي الله عنه: اجتمعَ قوم إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخَرَجَ إليهم فرأيته يطَّلِعُ في الحُبِّ يُسَوِّي من رأسه ولحيته، قُلتُ: أَو تَفعَلُ
ذلك يا رسول اللهِ؟ فقالَ: «نَعَم، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ من عَبدِه أَن يَتَجَمَّلَ لإخوانه إذا خَرَجَ إليهم». وهو غريب، أخرجه ابنُ عَدِيٌّ.
وتحقيق هذا المَقامِ ما قالَ حُجَّةُ الإسلام: إِنَّ الجَاهِلَ يَظُنُّ أنَّ فِعْلَه عليه الصَّلاة والسَّلامُ ذلك من حُبِّ التَّزَيُّن للأنام، قياساً على أخلاق غيره في الدِّينِ، وتَشبيهاً للملائكة بالحدادين.
وهَيْهات؛ فقد كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَأمُوراً بالدعوة، وكانَ من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم حالَ أُنسِه، كي لا تَزدَريه نفوسهم، وفي تحسين صورته في أعينهم كي لا تَستَصْغِرَه أعيُنُهم، فيُنَفِّرُهم ذلك، ويَتَعَلَّق المنافقون بذلك في تنفيرِهِم.
وهذا القَصْدُ واجب على كلِّ عالم يتصَدَّى لدعوةِ الخَلقِ إلى الحقِّ، وهو أن يُراعِيَ من ظاهرِه ما لا يُوجِبُ نَفْرةَ النَّاسِ عنه، والاعتماد في مثل هذه الأمور على النية وتحسينِ الطَّويَّة؛ فإنَّها في نفسها أعمال تكتسب الأوصاف من المقصودِ، فالتَّزَيُّنُ على هذا القَصْدِ مَحبوبٌ ومَرغوبٌ، وتَرْكُ الشَّعَثِ باللحية إظهاراً للزهد وقِلَّةِ المُبالاة بالنَّفْسِ مَحذورٌ، وتَرَكُه شُغْلاً بما هو أهم منه محبوب ومشكور. ومن هذا القَبيلِ ما قيل لداودَ الطَّائي: لِمَ لا تُسَبِّحُ لِحيَتَكَ؟ قَالَ: إِنِّي إِذا لفارغ.
وهذه أحوال باطِنَةٌ بين العبد وبين ربه الخبير، والنَّاقدِ البَصيرِ، والتَّلبيس غيرُ رائج عليه بحال، وكم من جاهل يتعاطى هذه الأمور التفاتاً إلى الخَلْقِ، وهو يُلَبِّسُ على نفسه وغَيْرِه، ويزعُمُ أنَّ قصده الخيرُ، فترى جماعةً من العلماء يلبَسُون النِّيَابَ الفاخِرَةَ، ويزعُمُونَ أَنَّ قصدَهم إرغامُ المُبتدعة والمخالفين، والتَّقَرُّبُ إلى ربِّ العالمين، وهذا أمر ينكشِفُ يوم تُبلَى السَّرائِرُ، ويومَ يُبْعَثُ ما في القُبورِ، ويُحصَّلُ ما في الصُّدورِ، فعند ذلك تتميّزُ السَّبيكة الخالِصةُ من البَهْرَجِ، فَنَعوذُ باللهِ من الخِزْيِ يوم الفزع الأكبر.
والحاصل أن تسريحها لأجل النَّاسِ ملموم، كما أن تركه لإظهار الزهدمَشرُومٌ.
ومما ينبغي مراعاته في تسريح اللحيَةِ والرَّأْسِ التَّيَامُنُ؛ فإِنَّه عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كانَ يُحِبُّ التَّيْمُّنَ في طَهُورِه وتَنَعْلِه وتَرَجُلِه، كما في «الشمائل» وغيره. و من الآدابِ المَعدودة من المُستَحَيَّاتِ في هذا البابِ جَمعُ الشَّعَرِ والظُّفُرِ ونحوهما من أجزاء البَدَنِ ودَفنُها، وأن لا يقطَعَ شيئاً إلا وهو على طهارة. هذا، وقد اختَلَفُوا فيما طال من اللحية:
فقيل: إن قَبَضَ على لِحيَتِه وأَخَذَ ما تحتَ القَبْضَةِ فلا بأس به، بل هو مندوب، فقد فَعَلَه ابنُ عمر رضي الله عنهما وجماعةٌ من التّابعين، واستَحْسَنَهُ الشَّعبي وابنُ سيرين ـ وهو مُختارُ الحنَفِيَّةِ، وقد أَغْرَبَ صاحِبُ «الهدايةِ» في قوله: وَجَبَ قَطْعُ ما زادَ عن القَبضَةِ - وكَرِهَه الحَسَنُ وقَتَادَةُ وجماعة، وقالوا: تَرْكُها عافيةً أَحَبُّ؛ لِقَولِه: «قُصُّوا الشَّوارِبَ واعْفُوا اللَّحَى رَواه أحمد عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. قالَ الغَزالي: والأمرُ في هذا قريب إذا لم ينتَهِ إلى تقصيص اللحيةِ وتَدوِيرِها من الجوانب، فإنَّ الطُّولَ المُفرِطَ قد يُشَوِّهُ الخِلْقَةَ، ويُطلِقُ السنَةَ أَهلِ الغيبة، فلا بأسَ بالاحتراز عنه على هذه النية.
وقد قالَ النَّخَعِيُّ: عَجِبتُ لرجُلٍ عاقِلِ طويل اللحية، كيف لا يَأْخُذُ من لحيته ويجعلها بين لحيتين؟ - أي الطَّويلة والقصيرة - فإنَّ التَّوَسُطَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ، ولذا قيل: ما طالتِ اللّحيةُ إلا وقد نَقُصَ العَقل.
وفي مسند الإمام أبي حنيفَةَ رضي الله عنه عن الهَيثَمِ عن رجل أنَّ أبا قحافة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ولحيته قد انتشرَتْ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لو أخَذْتُم»، وأشارَ
بيده إلى نَواحِي لحيته.
وفي حديثِ الترمذي عن ابنِ عَمْرٍو رضيَ اللهُ عنهما: أَنَّه صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْخُذُ
من لحيته من عَرْضِها وطُولِها.
ومن اللطائف: أنَّ بعض الأكابر قالَ: حَفِظْتُ شَيئاً لم يحفظه أحدٌ قبلي، ونسيتُ شَيئاً لم ينسَهُ أحدٌ، بعدي، فأَمَّا الأَوَّلُ فقد حَفِظْتُ القُرآنَ كلَّه في ثلاثة أيام، وأمَّا الثاني فأَرَدْتُ أن أُقَصَّرَ لِحيَتي فقَطَعْتُ من جانبِ حَلْقِي. وأمَّا الخِضَابُ بالسَّوادِ فهو مَنهي عنه، قال عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «خَيْرُ شبابِكُم مَن تَشَبَّهَ بِكُهولكم، وشَرُّ كُهولِكُم مَن تَشَبَّه بشبابكم». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ من حديثِ واثِلَةَ
بإسناد ضعيف، والمُرادُ التَّشبه بالشَّيوخ في الوَقارِ لا في تبييض الشَّعرِ. وقد نَهى عليه الصَّلاةِ والسَّلامُ عن الخضابِ بالسَّوادِ. رَواهُ ابنُ سَعدٍ في الطبقات من حديثِ عَمرو بن العاص رضيَ الله عنه بإسنادٍ مُنقَطِعِ ولمسلم من حديث جابرٍ رضي الله عنه: غَيّروا هذا بشيء، واجتَنِبُوا السواد». قاله حين رأى بياضَ شَعَرِ أبي قحافة.
وقال: «الخضابُ بالسَّوادِ خضاب أهلِ النَّارِ»، وفي لفظ: «خضاب ابن هارون، ورأيته حسن الرأي في عمر وسمعت قتيبة، يقول: عمر بن هارون كان صاحب حديث، وكان يقول: الإيمان قول وعمل سمعت قتيبة قال: حدثنا وكيع بن الجراح، عن رجل، عن ثور بن يزيد: أن النبي و نصب المنجنيق على أهل الطائف. قال قتيبة: قلت لوكيع: من هذا؟ قال: صاحبكم عمر بن هارون، وانظر: المرجع السابق الموضع نفسه.
الكُفَّارِ». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ والحاكِمُ من حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما. وعن ابنِ عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: يكونُ في آخرِ الزَّمانِ قوم يخضبونَ بالسَّوادِ كحَواصِلِ الحَمامِ لا يَرِيحُونَ رَوائِحَ الجنَّةِ». رواه أبو داود بإسناد جيد. ويُقالُ: أَوَّلُ مَن خَضَبَ بالسَّوادِ فِرْعَوْنُ.
وتزَوَّجَ رجُلٌ على عهدِ عمر رضي الله عنه وقد كانَ خَضَبَ بالسَّوادِ، فنصل خضابه؛ أي: خَرَجَ وبَطَلَ وظَهَرَت شَيبَتُهُ، فَرَفَعَه أهلُ المرأَةِ إِلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، فرَدَّ نِكَاحَه وأوجَعَه ضرباً، وقالَ: غَرَّرْتَ القَومَ بالشَّبابِ، ودَلَّستَ عليهم بث بشيتك. وأما الخضاب بالحُمرَةِ والصُّفَرَةِ فهو جائز تلبيساً للشَّيبِ على الكُفَّارِ في الغَزْوِ والجهاد، فإن لم يكن على هذه النية، بل للتّشبه بأهل الدِّينِ، فهو مذموم. وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الصُّفَرَةُ خِصَابُ المُسلِمِ، والحُمْرَةُ خِضاب المؤمنِ». رواه الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ
وفيه تنبيه نبيه على أنَّ الحُمرَةَ أفضَلُ من الصُّفَرَةِ، وكانوا يخضبونَ بالحِنَّاءِ
للحُمرَةِ، وبالخَلُوقِ والكَتَمِ للصفرة، وقد بَيَّنَّاهُما في «شَرحِ الشَّمائل. وخَضَبَ بعضُ العلماء بالسَّوادِ لأجلِ الجِهادِ، وذلك لا بأس به إذا صَحتِ النية، ولم يكُنْ مِن شَهِوَةٍ خَفِيَّةٍ فِي الطَّوِيَّةِ.
وأما تبييضها بالكبريت استعجالاً لإظهارِ عُلُوّ السِّنِّ، تَوَصُّلاً إلى التَّوقِيرِ والتصديق بالرواية عن الشيوخ، وتَرَفْعاً على الشباب، وإظهاراً لكثرة العلم ظناً بأن كثرة الأيام تعطيه فضلاً على أقرانه من الأنام.
وهَيْهاتَ ومَهْلاً فلا يزيدُ كِبَرُ السِّنِّ إلا جَهْلاً، فالعلمُ ثَمَرةُ العقل، وهو غَريزة لا يُؤثِّرُ الشَّيبُ فيها، ومَن كانَ غَريزَتُه الحُمْقَ، فَطُولُ المُدَّةِ تُؤكِّدُ حَماقته. وقد كانَ الشُّيوخ يُقدِّمون الشَّباب بالعلمِ، كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقَدِّمُ ابْنَ عباس رضي الله عنهما وهو حَديثُ السِّنِّ على أكابر الصحابة ويسأله دونَهم، وقد قال الله تعالى في حقٌّ يَحيَى صَلواتُ اللهِ وسَلامُه على نبينا وعليه: {وَآتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبيا} [مريم: 12].
ويُقالُ: إِنَّ يَحيَى بن أكثَمَ وَلِيَ القضاء وهو ابنُ إحدى وعشرين سنةً، فقال رجُلٌ وهو في مجلسه يُريدُ أن يُجَهلَه لِصِغَرِ سِنَّه: كم سن القاضي أيده الله؟!
فقالَ: مِثْلُ سِنْ عَتَّابِ بنِ أُسَيد حين ولاه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إمارَةَ مَكَّةَ وقضاءَها يومَ الفتح، فأفحَمَه، وكان حين ولايته ابن عشرين سنة.
ورُوِيَ عن مالك قال: قرأتُ في بعض الكُتُبِ لا تَغُرَّنَّكُمُ اللَّحَى؛ فَإِنَّ التّيس له لحية.
وقال أبو عمرو بن العلاء: إذا رأيت رجُلاً طويل القامة عريض اللحية، فاقض عليه بالحمق، ولو كانَ أُمَيَّةَ بن عبدِ الشَّمس
وقالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: أَدْرَكْتُ شَيخاً ابنَ ثمانين سنةً يتبَعُ الغُلامَ يتعَلَّمُ منه. وقال علي بن الحُسَينِ: مَن سَبَقَ إليه العِلمُ قبلَكَ فهو إمامك فيه، وإن كانَ أَصْغَرَ سِنا منكَ.
وقيل لأبي عمرو بن العلاء: أيحسنُ من الشيخ أن يتعلم من الصغير؟ قالَ: إِنْ كانَ الجَهلُ يقبحُ به فالتَّعَلُّم يحسنُ به.
وأَمَّا نَتْفُ بَياضِها استنكافاً من الشَّيبِ، فقد نَهَى عليه الصلاة والسَّلامُ عن نَتْفِ الشَّيبِ، وقال: «هو نُورُ المُؤمِنِ». رواه أبو داود والترمذي - وحسَّنَه ـ والنَّسَائِيُّ وابنُ ماجه من رواية عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جده رضيَ الله عنهم ووَرَدَ: مَن شابَ شَيبةٌ في الإسلام كانت له نُوراً يومَ القيامةِ». رواه الترمذي والنَّسَائِيُّ عن كَعْبِ بنِ مُرَّةَ.
وفي رواية الحاكِمِ في الكُنَى» عن أمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: «مَن شَابَ شيبة في الإسلام كانت له نوراً ما لم يُغَيّرها» ?؛ أي: بنتفِها أو تسويدها. وفي «مُوَطَّأ» الإمام محمَّد: أخبرنا مالك، أَخبرنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سعيد بنَ المُسَيِّبِ يقولُ: كانَ إبراهيم عليه السَّلامُ أَوَّلَ النَّاسِ رأى الشَّيبَ، فقالَ: يا رَبِّ ما هذا؟ فقال الله تعالى: وَقَارٌ يا إبراهيم، قالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَاراً.
فإن قلت: إذا كانَ الشَّيبُ وَقاراً ونوراً فما الحِكمَةُ في أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم لم يَكثُرِ الشَّيبُ عليه؟ قلنا: لِمَحَبَّتِه للنِّساءِ وكَراهَتِهِنَّ بالطَّبْع، فما أراد الله أن يكرَهْنَه. وأمَّا نَتفُها أو نَتفُ بعضها بحُكمِ العَبَثِ والهَوَس؛ فهو مكروه ومُشَوَّهُ للخِلْقَةِ، ونَتْفُ الفَنِيكَين بدعةٌ، وهما جَنْبتا العَنْفَقَةِ، وهي الشَّعرُ الذي بينَ الشَّفَةِ السفلى والذَّقَنِ.
شَهِدَ عندَ عمر بن عبد العزيز رجلٌ كانَ ينتفُ فَنِيكَهُ فَرَدَّ شَهَادَتَه، ورَدَّ عَمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه وابنُ أبي ليلى قاضي المدينة شهادةَ مَن ينتِفُ لِحيَتَه. وأَمَّا نَتفُها في أوَّلِ النَّبَاتِ وكذا حَلْقُها تشبهاً بالمُرْدِ فهو من المُنكَراتِ الكِبارِ؛ فإِنَّ اللّحيةَ زينةُ الرّجالِ، والله ملائكةٌ يُقسِمُون: والذي زَيَّنَ بني آدمَ باللحى. وهي من تمامِ الخَلْقِ، وبها يتميّزُ الرِّجالُ عن النِّساءِ?.
وقيل في غَريبِ التَّأويلِ: اللحية هي المُراد بقوله: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: 1] 3
ولقد قال أصحابُ الأحنَفِ: وَدِدْنا أن نشترِيَ للأحنَفِ لحيةً ولو بعشرين ألفاً.
وقالَ شُرَيحُ القاضي: وَدِدْتُ أَنَّ لي لحيةً بعشرة آلافٍ.
وقيل: إنَّ أهلَ الجنَّةِ مُرْدٌ إِلا هَارُونَ أخا موسى؛ فإنَّ لحيته إلى سُرَّتِه؟؛ تخصيصاً له، ولعلَّ الحِكمَةَ إخبارُه سُبحانَه في كلامه عن كليمه أنَّه أخذ بلحيته الدُّنيا، فأرادَ الله تعالى بقاءه في العُقبَى.
وأما تقصيصها كالتَّعْبِيَةِ طاقة على طاقة تزيينا للنِّساءِ والتَّصنُّع والرِّياءِ، فقد قالَ كَعْبُ رضي الله عنه: يكون في آخرِ الزَّمانِ أَقوامٌ يَقُصُّونَ لِحَاهُم كَذَنَبِ الحمامة، ويُعَرْقِبونَ نِعالهم كالمَناجِلِ، أُولئِكَ لا خَلاقَ لهم.
وأَمَّا النَّظَرُ إِلى سَوادِها وبَياضِها بعَيْنِ العُجْبِ والغُرورِ، فذلك مذموم في جميعِ أجزاءِ البَدَنِ بل في جميعِ الأخلاقِ والأفعال والأقوال والأحوال. وقد اختلف في قَصِّ الشَّارِبِ وحَلقه أيهما أفضَلُ؟ ففي «المُوطَّأ»: يقُصُّ من الشَّارِبِ حتّى يبدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ.
وعن ابن عبدِ الحكم عن مالك: ويُحفِي الشَّارِبَ ويُعفِي اللحى، وليس إحفاءُ الشَّارِبِ حَلْقَه وأَرَى تأديبَ مَن حَلَقَ شَارِبَه.
وعن أَشْهَبَ: أَنَّ حَلْقَه بِدعَةٌ، قال: وأَرَى أَن يُوجَعَ ضَرْباً من فِعْلِهِ. وقالَ النَّووِيُّ: المُختارُ أَنَّه يَقُصُّه حتَّى يبدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، ولا يحقه من أصله. قالَ الطَّحاوِيُّ: ولم يجدوا عن الشَّافِعِيٌّ شَيئاً مَنصُوصاً في هذا، وكانَ المُزَنِيُّ والرَّبِيعُ يُحْفِيَانِ شَارِبَهما.
وقد اختَلَفُوا: هل يُقَصُّ طَرَفُ الشَّارِبِ أيضاً، وهما السّبالان، أم يُترَكانِ
كما يفعله الأَكثَرُونَ؟
قال في «الإحياء»: لا بأسَ بتركهما، فَعَلَ ذلك عُمَرُ وغيره؛ لأنَّه لا يستر
الفم ولا يَبقَى فيه عُمْرَةُ الطَّعَامِ؛ إذ لا يصِلُ إليه. انتهى. وروى أبو داود عن جابر رضي الله عنه قالَ: كُنَّا نُعفِي السِّبالَ إِلا فِي حَجّ أو عُمرة.
وكرة بعضُهم إبقاءَهُما؛ لما فيه من التّشبه بالأعاجم، بل بالمجوس وأهلِ الكِتابِ، وهذا أَوْلى بالصَّوابِ؛ لِما رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صحيحه من حديثِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ عليه الصلاة والسَّلامُ المَجوس فقالَ: «إِنَّهُم يُوَفِّرونَ سِبَالَهُم ويَحْلِقُونَ لِحاهُم فَخَالِفُوهم»، فكانَ يَحُزُّ سِبالَه كما يَحُرُّ الشَّاةَ أو البعير.
ورَوَى أحمد في «مُسنَدِه» في أثناء حديث لأبي أُمَامَةَ، فقُلنا: يا رسولَ اللهِ! فإنَّ أهلَ الكِتابِ يقُصُّونَ عَثانِينَهُم ويُوَفِّرونَ سِبالهم؟ فقالَ «قُصُّوا سِبالَكُم، ووَفِّروا عَثانِينكُم، وخَالِفُوا أهلَ الكِتابِ.
قلتُ: والأظهَرُ أَنَّ المُرادَ بِالسِّبالِ الشَّوارِبُ، والله أَعلَمُ.
وأَمَّا حَلْقُ الرَّأْسِ فما حَلَقَه عليه الصَّلاةُ السَّلامُ وأصحابه الكرام إلا بعد فراغ حَجَّةٍ أو عُمَرَةٍ، وإِنَّما حَلَقَه علي رضي الله عنه؛ لأنَّه كان كثير الجماع والاحتياج إلى الاغتسال، وقد سَمِعَ أَنَّهُ قالَ: «تحتَ كُلَّ شَعرَةٍ جَنابِةٌ»، قالَ: ومن ثَمَّةَ عَادَيتُ رأسي، وقد أقره، فيكونُ سُنَّةَ، على أنَّ عَلِيّاً من الخُلفاء الراشدين، وقال:
اِقتَدُوا بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدين، فهم مقتدون في أمورِ الدِّينِ. ولقد رأى البِسْطامِيُّ وجْهَهُ في المِرآةِ فقالَ: ظَهَرَ الشَّيبُ، ولم يذهَبِ العَيبُ، وما أدري ما في الغَيبِ.
ومن السُّنَّةِ إذا رأى وَجْهَهُ في المرآة يقولُ: «اللَّهُمَّ كَما حَسَّنْتَ خَلْقِي فحَسِّنْ خُلُقي».
وسُئِلَ أبو يزيد: هل لحيَّتُكَ أفضَلُ أم ذَنَبُ الكَلْبِ؟ فقالَ: إِن مِتُّ على الإسلام فلِحيَتِي أفضَلُ، وإلا فذَنَبُ الكلب أكمل.
خَتَمَ الله لنا بالحُسنَى، وبلغنا المَقامَ الأَسنى، والحمد لله وحده، وصلَّى اللهُ على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومَن يكونُ حِزْبَه وجُندَه.
***