الجزء 1 · صفحة 5
البرهان الجلي العلي على من سُمي من غير مُسمى بالوالي
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي حَكَمَ وقَضَى، وأَمَرَ ونَهَى، لا مُعَقِّبَ لِحُكمه، ولا رادَّ لقضائه، سُبحانه وتعالى، والصَّلاة والسّلامُ على مَن نَزَلَ في حقه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحَى يُوحَى [النجم: 3 - 4]، فبالوَحْيِ الجَليَّ فَرَضَ صِيامَ أَيَّامٍ معدودات، وبالخَفِي حَرَّمَ إمساك أيام معلومات، وكذا أَوْجَبَ الصَّلواتِ في الأزمِنَةِ المُعيَّنة، ومنَعَها في الأوقاتِ المُبيَّنَةِ، فَوَجَبَ مُتابعَتُه صَلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ فِعْلاً وتَرْكاً على جميع الأمة، من الأَئِمَّةِ والعَامَّةِ، وَكُلُّ مَن عَدَلَ عن
هذا الطريق، فهو إما كافِرٌ، أو فاسق، أو مُبْتَدِعٌ، أو زِنديق.
أمَّا بعد: فيقولُ المُلتجِى إلى حَرَمِ رَبِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطان محمد القاري: قد رُفِعَ إليَّ سؤال وجواب استَعجَبْتُ من حُسْنِ سُؤالِ السَّائِلِ العَاقِلِ الكامل، كما استَغْرَبْتُ من جوابِ المُجيب الغافِلِ الجَاهِلِ.
حيثُ قامَ الأَوَّلُ بِقَضيَّتِهِ: حُسنُ السُّؤالِ نِصفُ العلم، وردَّ الثَّاني كلامه بما ينادى عليه بكثرَةِ الجَهلِ وقِلَّةِ الحِلم، في مُخالَفَتِهِ لَقَولِهِ تعالى: {وَأَمَّا السَّابِلَ فَلَا تنهر} [الضحى: 10]؛ أي: لا تزجُرُ ولا تَقْهَرْ.
وها أنا أذكُرُ صورَةَ السُّؤالِ والجواب على وَجْهِ الكمالِ، مَشروحاً مَمزُوجاً، مبيناً ما فيها من الأقوال.
الجزء 1 · صفحة 7
فكتَبَ السَّائِلُ مُبتدِئَاً بالمدحِ الوَجيز، مُخاطباً إيَّاه: أَيُّها العزيز، مُقتَدِياً بإخوان يوسف له عليه السَّلامُ في حالِ لُطف الكلام، وهذا من ـ السائل بمُقتَضَى مَقامِ الكامِل - غايةٌ منَ التَّواضُع، أعزه اللهُ، عَمَلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: «مَن تَواضَعَ اللهِ رَفَعَهُ اللهُ، ومَن تكبَّرَ وضَعَه الله
ثم قال: مولانا؛ أي: سيدنا وناصِرَ ديننا، وشَيخنا؛ أي: كبيرنا، مُشيراً إلى ما رُوِيَ: «أَنَّ الشَّيخَ في قومه كالنَّبِيِّ في أُمَّتِه، بعد التقبيل؛ أي: تقبيل الأيدي، والتلثيم، وهو تأكيد لما قبله على طريقِ التَّجريد، فإِنَّ اللَّمَ فِي اللُّغةِ اختص بتقبيلِ الفَمِ على وَجْهِ التَّقييد، بلغنا أنَّكم صلَّيتُم يوم العيد في أثناءِ خُطبة الإمام، والحالُ أنَّ المشهور في مذهَبنا المنقول من أئمة الأعلامِ: أَنَّ النافلة حالَ الخُطبة مكروهة، وكذا في المُصَلَّى ولو بالمسجد الحرام، وهذا نقل كلام الإمامِ الزَّيْلَعِيُّ في شَرحِ الكَنْزِ» يعني المَمزُوجُ مَتْنُهُ بالشَّرح في هذا المحل.
ولا شكٍّ في صِحَّةِ هذا المَتنِ المُعتبَر عليه العَمَلُ، وفي جَلالة هذا الشَّارِحِ الأكمل، حيثُ قال: ثم يتوَجهُ؛ أي: مُريدُ صَلاةِ العِيدِ، ومُستفيدُ المَزيدِ، مَعَ سائر العبيد إلى المُصَلَّى؛ أي: إلى الموضع الذي يُصَلَّى فيه صلاة العيد، وهو أعَمُّ من أن تكونَ الجَبَّانَةُ خارج البلد أو في داخله للضرورة.
وأما مسجدُ الحَرامِ: فمَوضُوع للصَّلواتِ الخَمْسِ، وللجُمُعة والعيدِ والاستسقاء والجَنازَةِ، حتّى قال بعضُ عُلمائِنا: إنَّه مُستَثْنى من مسألة كراهية صلاة الجنازة في المسجد، وهذا أحَدُ وُجوه إطلاق المساجد بصيغَةِ الجَمعِ عليه، حيثُ قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ} [التوبة: 18].
الجزء 1 · صفحة 8
ووَجهُ آخرُ: أَنَّه لكَونِه قِبلَةً للمساجد، أو لكَونِ مَكانِه مَساجِدَ، أو لكونه صاحبَ جهاتٍ مُختلفة، كلٌّ منها مَسجِدٌ، كما قيل في سراويل.
وقوله: غير متنقل؛ أي: حال كونه غير متنقل في المُصَلَّى حين وصوله مُتَنَفِّل؛ مُتَنَفِّلٍ
إليه مُطلَقاً، لا قبل صلاة العيد ولا بعدها؛ أي: ما دامَ الخَلْقُ مُجتمعين فيه؛ لئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ صلاة العيد لها سنة قبليَّةٌ أو بَعدِيَّةٌ، ولئَلَّا يُتَوَهَّمَ جَوازُ الانفراد بها أداءً أو قضاء، أو نحو ذلك من الحِكَمِ التي لا اطّلاع على حقيقتها إلا لصاحبِ الشَّريعة في الحقيقة. وإنَّما يظهرُ بعضُ شيءٍ لأتباعه ببركة اتِّباعه في الطَّريقة، فلا يرِدُ ما قيل من أنَّ عَدَمَ فِعله صلى الله عليه وسلم لا يلزَمُ منه وُجود الكراهة؛ لأنَّا نقولُ: تَرَكُه الصَّلاةَ معَ حِرْصِه عليها، وكونُها قُرَّةَ عينه إنَّما يدلُّ على أنَّه لحكمة اقتضت ذلك، فتعين على الاتباع الباعه فيما هنالك.
الجزء 1 · صفحة 9
ثم قوله: إذ هو مكروه في المُصلَّى: تعليلٌ لِما قبله؛ أي: إنَّما قُلنا: لا يتنقل فيه على الإطلاق؛ لأنَّ التَّنفُلَ مَكروه في المُصلَّى في الجُملة، وهو أَعَمُّ من أن يكون متفقاً عليه، أو مُختَلَفاً فيه، وهو يشتَمِلُ ما عليه الأكثرون أو الأقلُّون، ولا شَكٍّ أنَّ الأحوط لصاحِبِ الدِّينِ القَويمِ أن يتركَ المُخَتَلَفَ في كراهتِه مُطلَقاً؛ إذ من القواعدِ المُقرَّرة ترجيح الأدِلَّةِ المُحرّمة على الأَدِلَّةِ المُبيحَةِ عندَ وُقوعِ التّعارضِ وحُصولِ التَّناقُضِ، ولا شك أنه كذلك إذا كان الأمر دائِراً بينَ فِعل الكراهية وارتكاب الإباحة، ولهذا فَصَلَه فقالَ: قبل صلاة العيد اتفاقاً؛ أي: بين أئمَّتِنا. واختَلَفُوا في البيت قبلَ الصَّلاةِ، قيَّده به؛ إذ بعدها في البيت لا يُكرَه اتفاقاً، بل يُستَحَبُّ لِما رَوَى ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري رضيَ اللهُ عنه قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ لا يُصلي قبل العيد شيئاً، فإِذا رَجَعَ إِلى مَنزِلِهِ صَلَّى رَكعَتَينِ. ذكره ابن الهمام.
ويُنصِفُ هذا الحديث عَدَمُ كراهَةِ التَّنقُل في البيتِ قبلَ الصَّلاةِ أيضاً، ولعلَّ بعض المشايخ ممَّن قالَ: يُكرَهُ في البيتِ قَبلَها، ومَن قالَ: يُكرَهُ بعدها في البيتِ أيضاً؛ لم يبلغه هذا الحديث.
الجزء 1 · صفحة 10
وكذا الكلام في قوله: وبعدها في المسألةِ، أَفَلا يَظْهَرُ فَرقٌ بِحَسَبِ الدليل المنسوب إليه صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ؟ حيثُ إِنَّه لم يُصَلِّ في المُصلَّى لا قبلها ولا بعدها، في الوَجهِ أن يقع الاتِّفاقُ على كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ القَبلِيَّةِ، والاختِلافُ في البَعدِيَّةِ، فهذا في غاية من البُعدِ، ودَليلٌ على نهاية ضَعْفِ الخِلافِ، وقُوَّةِ الكَراهة، ولذا قال: وعامتهم؛ أي: أكثَرُ العُلماء وجُمهورُ الفقهاء على الكراهية قبلَ الصَّلاةِ مُطلَقاً؛ أي: شاملاً في البيت قبل الخروج للمُصَلَّى وبعدها في المُصَلَّى؛ أي: لا في البيت كما تحقق. ثمَّ عَلَّلَ بقوله: لِما رُوِيَ أَنَّه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ خَرَجَ يومَ
الأضحَى فصَلَّى رَكعتين ولم يُصَلِّ قبلهما ولا بعدهما.
أقولُ: الزِّيلَعِيُّ - رحِمَهُ اللهُ - إِمَامٌ جَليلٌ مُعتَمَدٌ في الفقه والحديثِ، لكنَّ هذا الحديث باللفظ الذي أورَدَه لم أعرِفُه، نعَمْ وَرَدَ ما يدلُّ على صِحَّةِ معناه في «الكُتبِ السِّتَّةِ»، عن ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فَصَلَّى بهم العيدَ، لم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها.
وأخرج الترمذي وصححه عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهما: أَنَّه خَرَجَ في يوم عيد فلم يُصَلِّ قبلها ولا بعدها، وذَكَرَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ فَعَلَه ?. ورَوَى البُخارِيُّ ومُسلِمٌ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ صلَّى يومَ الفِطرِ رَكعتين لم يُصَلُّ قبلهما ولا بعدهما. انتهى. أي: كلامُ الزِّيلَعِيُّ
قال السَّائِلُ: فَبَيَّنُوا جَزاكُمُ اللهُ خَيْراً أَصَحَ الأقوال، وأَرجَحَ الرّوايات؛ فإنكم مقتدى الأنام في هذه الأيام.
الجزء 1 · صفحة 11
هذا آخِرُ سُؤالِه، ونهايةُ، مقاله، وليس كما ترى فيه نهي له عن الصَّلاةِ لا في أثنائها ولا فيما بعدها، بل حَصَلَ له تردُّد في تصحيح هذه المسألة، أو وَقَعَ له امتحان في تصريح المعرفة، فإنَّ الإنسان عند الامتحانِ يُكرَمُ أو يُهَانُ. فكَتَبَ إليه هذا السَّائِلُ على أحسنِ الآدابِ على طريقِ الصَّوابِ، ومنَ القَواعِدِ المَعقُولَةِ المُؤَيَّدةِ بالمَنقولَةِ: أنَّ الجاهِلَ إذا عَجَزَ عن جوابِ المَسألةِ، عَدَلَ إلى الخُشونَةِ والخُصومَةِ، بمُقتَضَى النَّفْسِ الفِرْعَونِيَّةِ، المَشحونَةِ بالرُّعونِةِ والغُرورِ والأُمور العجيبة، حيثُ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما إِن كُنتُم مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْمَعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَابِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَبِنِ اتَّخَذْتَ إِلَيْهَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسجونين} [الشعراء: 23 - 29]. فكَتَبَ إِليه بتَحقُرِ لدَيهِ مُعتَرِضاً عليه:
أيُّها الوَلَدُ، وهذا الخِطابُ إِنَّما يُستَحسَنُ في الجملة من الأب لابنه، أو من العالم لتلميذه، أو من الشَّيخِ لمُريده، أو من السَّيِّدِ لعبده، أو من الكبيرِ السِّنَّ لصَغيرِه جداً، حتَّى يُمكن أن يكون له أباً أو جَداً على ما هو المُتعارَفُ.
الجزء 1 · صفحة 12
وهذا السَّائِلُ أكبر منه سِنّاً ورُتبةً، فيكونُ هذا مخالفَةً عُرفيَّةً يعرِفُها أرباب الآداب، وأصحابُ الألباب، معَ مُخالفته للأدبِ المُستَحسَنِ المُستفادِ من الآيةِ القُرآنيَّةِ المُتضَمِّنة للقواعدِ الشَّرعيَّةِ، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا حُمِّيتُم بِنَحِيَّةٍ فَحَلُّوا أَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]. ثم قال: حُمِّلْنا بالحديث الشريف المروي عن النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلّم. فهذا أوَّلُ عَدَمِ المُطابقة بين الجوابِ والمَسالِةِ؛ لأنَّ السُّؤالَ مُسْتَمِلٌ على مَطلَبِ الأمرِ المُقرَّرِ في المَذهَبِ الحقِّ عند الخواص من العلماء، وغيرهم من المُقلّدين للمجتهدين المُطلَقِ، الذي وُجود مثله في هذا الزَّمانِ من المُحالِ العادي، فلم يتحقَّق، وهذا المُجيب لم يفهمِ الفُروعَ الوَاضِحَةَ، فكيف الأصول والأقيسَةُ اللَّائِحَةُ على ما يشهَدُ عليه أقواله الآتية، واستدلالاته الواهية؟ منها هذا الحديث، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ، على ما رواه الطَّبَرَانِيُّ في «الأوسَطِ» عن سَهلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ فقال: «يا محمد! عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّك ميت، وأحبب ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقٌ».
وهما أمرانِ واضِحانِ، لكن بالمقصودِ لا يَتَعَلَّقانِ.
واعمَلْ ما شِئْتَ؛ أي: منَ الخَيرِ والشَّرِّ فَإِنَّكَ مَجزِيٌّ به؛ أَي: مُتَابٌ عليه، ومُعاقَبُ لدَيه، إِنْ خَيراً فخَيْرٌ، وإِنْ شَرَّاً فَشَر، فهذا معنى الحديثِ. فأي دلالة له على ما نحن فيه؟! وهل يُمكنُ أن يُقال: معناه على ما توَهَّمَ أَنَّه: اعْمَلْ ما شِئْتَ ولو من المكروه فإنَّكَ مُثاب عليه، ويجوز لك الإقبال إليه حتّى يكونَ عمَله مُوافِقاً، وجَوابُه مُطابِقاً.
الجزء 1 · صفحة 13
ثم قال: وبالحديثِ الشَّريف: «أقرَبُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجِدٌ»، وفي رواية: «إذا سَجَدَ». والحديثُ رَواهُ مُسلِمٌ وأبو داودَ والنَّسَائِيُّ، عن أبي هريرَةَ رضيَ الله تعالى عنه ولفظه: «أقرَبُ ما يكونُ العَبدُ من ربه وهو ساجِدٌ، فأكثرُوا مِنَ الدُّعاءِ».
فهل يحلُّ لأحد أن يحمل الحديث على عُمومه الشامل: أن يكون ساجداً لصنم، أو مخلوق، أو حالة سكر، أو بلا وضوء، أو من غَيرِ استقبالِ قبلة، ونحوها، ليعم سجدته في الصَّلاةِ المَنهِيَّةِ المُحرَّةِ، مَعَ أَنَّ القُربَ إلى الرَّبِّ لا يكون إلا بعد تحقق جميع شرائطِ السَّجدة وأركانها، والاجتناب عن مُوجِباتِ بطلانها، بل أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد إذا كانَ مُراعِياً لجميع السُّنَنِ والآدابِ، ومُحتَرِزاً عن أنواع المكروهات المذكورة في الباب. ثم قال: وبالحديث الشريف؛ يعني به ما وَرَدَ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً، على ما رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ: «حُبِّبَ إِلَيَّ من دنياكم النساء والطيب، وقرة عيني في الصَّلاةِ.
فقوله: «حُبِّبَ إِليَّ من دنياكم ثَلاثُ؛ لفظ «ثَلاثُ» ليسَ في الأصولِ المُعتَمَدَةِ.
ثمَّ قوله: «الطَّيبُ والنِّساءُ؛ الصَّحيحُ تقديمُ النِّساءِ» على «الطَّيبِ» لِما سَبَقَ. ثمَّ قوله: «قُرَّةُ عيني في الصَّلاةِ»؛ أي: في الصَّلاةِ الكامِلَةِ الخالية عن الفَسَادِ والكَراهَةِ، ولذا ما صَلَّى نَفْلاً قبل صلاة العيد ولا بعدها في المُصلَّى، فلو كانتِ الصَّلاةُ بإطلاقها قُرَّةَ عَيْنٍ له كما توَهَّمَه القائِلُ الجاهِلُ، لَصَلَّاها واقتدى به الأمَّةُ فيها. ثم قال: والصَّلاةُ التي صَلَّيتُها بعد صلاة العيد مذكورة في «مجمعِ الفوائد.
الجزء 1 · صفحة 14
وفيه أَنَّها هل مذكورةٌ بوَصفِ الكَراهَةِ أو الإباحَةِ أو السُّنَّةِ؟ وهل هي مُقيَّدةٌ بما في البيت بعد صلاة العيد أو بما في المُصلَّى بوَصفِ الإطلاق القابل بأن يُفيد كونَها في البيتِ بعدَ رُجوعه من المُصلَّى؟
ومع ما ذكرنا من أنواع الاحتمال كيفَ يصِحُ الاستدلال؟ على أَنَّه كتاب غيرُ مشهورٍ لا يصلُحُ المُعارَضَةِ الفُرُوعِ المَوضُوعِةِ في المُتونِ والشُّروحِ المُعتبَرةِ عندَ الجُمهور، وعلى تقدير مُطابقته للمقصود، وهو قولٌ شَاةٌ مَردودٌ، بل قالَ ابنُ الهُمام: لا يجوزُ نَقلُ الأحاديثِ والقِراءاتِ والرواياتِ عن الكُتُبِ المَهجورَةِ، والرَّسائل التي هي غيرُ المَشهورَةِ 2.
ثم قال: وفي سائِرِ الكُتُبِ من الفتاوى.
أي وباقيها، أو وجَميعِها، وهذا كَذِبٌ مَحضّ على المفتين، وافتراء على العلماء العالمين، فإِنَّ شَرحَ الزَّيلعِيُّ للكنز» المُطابق لما في كتابِ ابنِ الهُمام «شرح الهدايةِ» من جُملَةِ الفَتاوَى التي يعتَمِدُها الخاص والعام، بل وزُبدة ما في الفتاوى، وعُمدَةُ كلامِ العُلماء من أرباب الأصول والفروع في الأحكام.
وفي شرحِ المُنية»: يُكرَهُ التَنفُلُ قبل صلاة العيدِ مُطلَقاً وبعدها في الجبَّانِةِ؛ أي: الصَّحراء، والمُراد بها فِناء المِصْرِ المُعَدُّ لصلاة العيد، ولا فرق في هذا هذا الحكمِ بين الجبانة والجامع. وفي «مواهِبِ الرَّحمنِ»: ويُكرَهُ التَّنْقُلُ قبلَها مُطلَقاً، وبعدها في المُصلَّى في اختيار الجمهور، وذَكَرَ الأحاديثَ السَّابقة.
وفي «فَتاوَى الظَّهِيرِيَّةِ»: رُوِيَ عن أبي بكرِ الرَّازِيِّ أنَّ معنى قولهم: لا يتنفل قبل صلاة العيد أنَّه ليس قبلها صلاةٌ مَسنونَةٌ، لا أَنَّ الصَّلاةَ مَكروهةً فيها، والكَرْخِي نصَّ على الكراهة.
الجزء 1 · صفحة 15
وقال محمدُ بنُ مُقاتل: لا بأسَ بصَلاةِ الضُّحَى قبل الخروج إلى الجبانة، وإنَّما تُكرَهُ في الجَبَّانةِ، وعامَّةُ مَشايخنا على الكراهة على الإطلاق. ولو ذَهَبْنا إلى نقلِ النُّقولِ في هذا البابِ، لَوَقَعَ غايةَ الإطنابِ.
وفي شَرحِ المَجْمَعِ: ويُكرَهُ التَّنفُلُ قبلها؛ أي: قبل صلاة العيد، وقال الشَّافِعِيُّ: لا يُكرَهُ. قَيَّدَ بقوله: قبلها؛ لأنَّ التَّنَفُلَ بعدَها غَيرُ مكروه اتفاقاً في الجُملَةِ بينَنا وبينَ الشَّافعيّة، فإنَّه لا يُكرَهُ عندَه مُطلَقاً، وعندنا لا يُكرَه بعدها في البيت اتفاقاً، وفي المُصَلَّى عند بعض علمائنا، والجمهور على كراهتها فيه.
ثم قال: وقيل: يُكرَهُ في المُصَلَّى خاصة، والأصح أنه مكروه فيه وفي غيره، كذا في «الخانيَّةِ»، انتهى
والمُعتَمَدُ ما سبَقَ من أنَّ الصَّلاةَ بعدها في البيتِ لا تُكرَهُ اتِّفاقاً للحديثِ السَّابِقِ، فمعنى قوله: قيل: يُكرَهُ في المُصلَّى خاصَّةٌ؛ أي: قبلها، ليصح قوله: والأَصَحُ أَنَّه مكروه فيه؛ أي: في المُصلَّى وفي غيره؛ أي: ولو في البيت. والله أعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 16
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ المُخالَفَ معَنا في هذه المسألة من الأئمةِ إِنَّما هو الإمامُ الشَّافِعِيُّ فحَسْبُ، وأمَّا الإمام مالك والإمام أحمد فمِنَ المُوافقين معَنا، فإذا عَرَفْتَ هذا فما وَقَعَ في «فَتاوَى قاضي خانَ ونحوه ممَّا يُوهِمُ أَنَّه لا يُكرَهُ في المُصلَّى بعدها، حيثُ قالَ: ولا يتطَوَّعُ في الجبانة قبل صلاة العيد، وله أن يتطَوَّعَ بعدها =. فَإِمَّا مُؤَوَّلٌ بأن يُصلِّيَ بعدها في بيته، أو مَحمُولٌ على قولِ غيرِ الجُمهور، أو المُراد به أنَّه يتطوَّعُ بعد صلاةِ العيد وتفَرُّق أهلها من المُصلَّى، أو مخصوص بمن لم يُدْرِكْ صلاة العيد - كما سيأتي - أنَّه يُصلِّي يوم العيد في المُصلَّى لا قبل صلاة العيد ولا بعدها، كما أنَّ الاتفاق ثابت بينَ المَشايخ أنَّ الصَّلاةَ حالَ الخُطبَةِ - أيَّ خُطبة كانت ـ مكروهَةٌ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ القِراءةِ والذَّكرِ إذا كان بعيداً عن الخطيب.
وقيل: يجوزُ صَلاةُ سُنَّةِ الجُمُعَةِ عندَ مَدْحِ الظَّلَمَةِ، وأمَّا النَّفْلُ فلا شكَّ أنَّه مكروه بلا خلاف، ففي شرح النقاية» للبرَّ جَنْدِيّ: يُكرَهُ الصَّلاةُ النَّافلةُ إذا خَرَجَ الإمامُ للخطبة؛ أي: صَعِدَ على المنبر حتَّى يَفرُغَ مِن خُطبته، ويَشرَعُ في الصَّلاةِ سواء كانت للجُمُعةِ أو العِيدَين، أو الاستسقاء والكسوف، أو مواسم الحَجِّ، وهذا بالاتفاق بين أصحابنا الثَّلاثةِ، انتهى كلامه.
وكذا غيره من العُلماءِ نصُّوا على الاتِّفاقِ في هذه المسألةِ، نَعَمْ يُمكِنُ أَن يُقالَ: تَتَفاوَتُ مَراتِبُ الكَراهةِ باعتبارِ دَرَجاتِ الخُطبةِ، فكراهَةُ الصَّلاةِ فِي خُطبة الجُمُعَةِ
الجزء 1 · صفحة 17
أشد من غيرها. ثمَّ قال: الصَّلاةُ التي صَلَّيتُها بعد صلاة العيد ثابتة بالحديثِ الشَّريف، فهذا نقل مجهولٌ من جاهل بآدابِ البَحثِ؛ إذ مثله لا يُعارِضُ الحديثَ الثَّابِتَ فِي الكُتُبِ الستَّةِ عُموماً، وفي الصَّحيحَينِ خُصوصاً، حيثُ أجمعَ العُلماء على أَنَّهما أَصَحُ الكُتُبِ المُؤلَّفةِ، على خلافٍ في الأصح منها، المُعْتَمَدُ أَنَّه البُخارِيُّ.
ثم أراد بالحديثِ ما ذكرَة قاضي خانَ: أَنَّ مَن خَرَجَ إلى الجبانة ولم يُدرك الإمام في شيء من الصَّلاةِ، إن شاءَ انصرف إلى بيته، وإن شاءَ صَلَّى ولم ينصَرِفْ، والأفضل أن يُصلّي أربعاً، فتكون له صلاةَ الضُّحى، لِما رُوِيَ عن ابنِ مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «مَن فاته صلاة العيدِ صَلَّى أربعَ رَكَعَاتٍ، يقرأُ في الأولى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وفي الثانية: {وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا، وفي الثالثة: {وَالَّيلِ إِذَا يَغْشَى، وفي الرابعة: {وَالضُّحَى». وروى في ذلك عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ وَعْداً جميلاً، وثَواباً جزيلاً، انتهى.
وهو ممَّا لا أَدرِي مَخْرجَه، ومع هذا لا يُفيدُه؛ حيثُ إِنَّه ممَّن أَدرَكَ الصَّلاةَ وطَافَ حالَ الخُطبَةِ وصلَّى بعدها، مع قابليّة حمل الحديثِ على صلاته في البيت، أو بعد تفرُّقِ النَّاسِ عن المُصلَّى، كما ينبغي أن يُحمَلَ إطلاق كلامِ قاضي خان عليه. ثم قال: وكونُ الصَّلاةِ مَكروه قبلَ الصَّلاةِ العيد، هكذا عِبارَتُه مُطلقَةٌ غير محررة، ناقِصَةٌ لا تتم إلا بنحو قولٍ مُسَلَّم أو لا نزاع فيه، فالقَولُ بكراهة الصَّلاة بعد العيد مرجوحه كذا بالهاء بخطه الخارج عن الإملاء وعن مادَّةِ الكلمة والبناء؛ أي: مرجوح ولا يعتد به، انتهى.
وسبق بطلانه على ما أظهَرْناه كما لا يَحْفَى.
الجزء 1 · صفحة 18
وقال: أقول وبالله التوفيق: المنعُ من الصَّلاةِ في الدَّارِ المَغصوب والأوقات المكروهة عن المعصية. كذا وَقَعَ مُحرَّفاً بخَطَّه، ولعله أرادَ عينَ المعصية، أو من المعصية، ومن جَهلِه بالحُروفِ المَعاني المَبنيَّةِ على الحُروفِ المباني، لم يُفرِّقُ بينَ من و عَنْ. هذا جَهلُه المُتعلّق باللفظ. وأمَّا جَهله المُتحَقِّقُ في المعنى، فقَولُه: المَنعُ مِنَ الصَّلاةِ فِي الدَّارِ المَغصوبة، ومن الصَّلاةِ في الأزمنة المكروهةِ مَعصِيةٌ.
وهذا جَهل مُرَكَّبٌ مُنتقِل إلى الطَّعن في العُلماء والأئمة، وإلى رئيسِ الأُمَّةِ نعوذ بالله من سُوء الخاتمة، حيثُ العُلماء على أنَّ الصَّلاةَ فِي الدَّارِ المَغصوبة ممنوعة مُحرَّمة، على خلافٍ في أنَّها: هل هي صحيحةٌ غيرُ مُثاب عليها كما هي عند الجمهور، أو باطلةٌ من أصلها كما هو مَذهَبُ الإمامِ أحمدَ؟ ونظيره الحج بالمال الحرام. وكذا وقع إجماعُ العُلماءِ على مَنعِ الصَّلاةِ في الأزمنة المكروهة، على خِلافٍ في كونِ النَّهي نَهْيَ تَحريم أو تنزيه، فالمُعتَمَدُ فيه التَّفصيل المذكورُ في كُتُبِ الفقه، نعَمُ للشَّافِعِيُّ مُستَثنيات باعتبارِ الحَرَمِ، واستواء يومِ الجُمُعَةِ، والصَّلواتِ التي لها أسباب، كما هي معلومةٌ عند أهلها.
هذا، وثَبَتَ في حديثِ مُسلِمٍ وغيره عن عُقبة بن عامر رضي الله عنه: ثلاث ساعات كان رسولُ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ نَهانا أن نُصلّي فيهِنَّ. وكذا جاء في رواية مالك في «المُوطَّأ»، والنِّسائي: نَهَى عن الصَّلاةِ في تلك الساعاتِ.
وفي الحديثِ المُتَّفِقِ عليه: البخارِيُّ ومُسلِمٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي تعالى عنهما: شَهِدَ عندي رِجالٌ مَرضِيُّونَ، وأَرضاهم عندي عُمَرُ رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّمَ نَهَى عن الصَّلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تَشرُقَ الشَّمسُ، وبعدَ العَصْرِ حَتَّى تَعْرُبَ.
الجزء 1 · صفحة 19
والأحاديثُ في ذلك كثيرة شهيرة، فما دَلَّ على أنَّ قولَه: والمَنعُ عن الصَّلاةِ في الأرْمِنَةِ المَكروهة معصيةٌ مَعصِيَةٌ كبيرةٌ، بل كُفْرٌ صَرِيحٌ، ليس له عُذْرٌ صَحيح، ولو كانَ بالبلد قاض مُنفّذ الأحكام لأظهر عليه حكم الإسلام، وبين حاله على الخاص والعام، فالأمر لله، والحكم لله، والجزاء على الله. ثم بلغني عنه أنَّه قال: لفظة «عن في كلامه مُتعَلِّقة بالمنع، وأَنَّهم ما فَهِمُوا كلامي، فقلت: هذا تصريح بجهله للقواعد العربيَّة، حيثُ لا يتعَلَّقُ حَرفانِ بمعنى واحد إلى فعل أو شبه فعل، ثم لا يصح أن يكونَ مَعْمُولاً بلا عامل، وعلى فَرضِ صحة تقديرِ نَهْي أو مَنْعِ، فيكونُ المَعنى: المنع عن الصَّلاةِ فِي الدَّارِ المَغصوبة، وفي الأوقاتِ المَكروهَةِ منع عن المعصية، فيبقى كلامُه حُجَّةً عليه مع الملقاة بقوله: وهي غيرُ الصَّلاةِ؛ أي: المعصية غيرُ الصَّلاةِ، وهذا الكلام لا طائل تحته ولا جَهالة فوقه. ثمَّ قالَ: فتأَمَّلْ؛ يعني: أنَّ هذه الكلماتِ من المَعارِفِ الدَّقيقةِ، والعَوارِفِ الرَّقيقةِ التي لا يصل إلى كُنْهِ كَمالها إلا من تأمَّلَ حَقَّ تأملها، وأما في بادئ الرَّأْيِ، فلا يُتَصَوَّرُ وصولها، ولا يُنا في حصولها، هذا ومن المعلومِ أَنَّ الصَّلاةَ لذاتِها غَيْرُ مَنهِيَّةٍ؛ لأنَّها خيرُ مَوضوع، وأفضَلُ مَشروع، وإِنَّما فِعلها في غير مكانها أو زَمانِها المشروعِ ممنوع، وعن نَظَرِ الاعتبارِ مدفوع. ثم قال: رُوِيَ عن عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: أَنَّه رأى في المصلَّى أقواماً يُصَلُّونَ قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل: أَلا تَنهاهُم؟ فقال: أَخشَى أَن أَدخُلَ تحتَ وَعِيدِ قوله تعالى: {أَرَهَيْتَ الَّذِي يَنْعَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق: 9 - 10]، فلم يُصَرِّح بالنَّهي عن الصَّلاةِ احتياطاً.
الجزء 1 · صفحة 20
أقولُ: قد تَقَدَّمَ إجماعُ الجُمهور على كَرَاهَةِ التَّنفُلِ، وَالنَّهي عنه قبل صلاة العيدِ في المُصلَّى، وكذا نهيه هلال الالها عن الصَّلاةِ في الأوقاتِ المَكروهة، فأَنتَ أَيُّهَا المُقلِّدُ الخالي عن المعقولِ يكفيكَ ما سبَقَ لك تصريحه منَ المَنقول، وليس لك مَرتبَةُ الاستدلال بالحديثِ، ولا مَعرِفَةُ التَّمييز بينَ القَديم والحديثِ.
وعلى التّنزيل في البَحثِ مَعَكَ وفَرَضِ صِحَّةِ نَقِلِكَ، نَقُولُ: إِنَّ المُرتَضَى - رضي الله عنه ـ أخبَرَ عن المُصطَفَى: أنه صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ ما فَعَلَ ذلك هنالك، فهل مُستند علماء الفروع في النهي والكراهة إلا ذلك؟ فقد أتى - كرَّمَ اللهُ وجهَهُ - بما هو لازم عليه من قوله صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ: «مَن رَأى مُنكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بيده»؛ أي: إنْ كانَ ممَّا يُغيَّر بها، «أو بلسانه» إنْ كانَ مُتَعلقاً به، أو بقَلبِه إِنْ عَجَزَ عَمَّا سَبَقَ.
الجزء 1 · صفحة 21
واتَّفقوا على أنَّ الاحتِسابَ في الواجب والحرامِ واجب، وفي المندوب والمكروه مُستَحَبُّ، ثمَّ امتِناعُه رضي الله عنه من مَنْعِهم بالفعل، وزَجرهم بالتَّأْدِيبِ محمولٌ على أثناء صلاتهم؛ لئَلَّا يُؤَدِّيَ إلى مُعارَضَةِ قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ [محمد: ??]: 33]، فإنَّ الصَّحيحَ من المَذهَبِ انعِقادُ الصَّلاةِ على وَجْهِ الكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ، فيجِبُ على مَن شَرَعَ فيها إتمامها، وعلى من أفسدَها قَضاؤُها، كما هو مُقَرَّرٌ في محله. ويدلُّ عليه ما ذكره من سبب الامتناع، فقال: أخشى أن أدخُل تحت قوله تعالى: ارَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى} [العلق: 9 - 10]، فإنَّ أبا جَهْلِ لَم يَكُنْ يَنهَى عَن الصَّلاةِ في الأوقات المكروهَةِ، بل كان ينهى عن الصَّلاةِ لله تعالى مُطلَقاً، فنَهَى بحُكمِ اللَّفْظِ متابعةً للشَّريعة الحنيفيَّةِ، وامتَنَعَ عن المنع بالفعل للمُشابَهَةِ الصُّورِيَّةِ.
على أنَّ الوارِدَ في سببِ نُزولِ الآية هو: أنَّ أبا جهل تعَرَّضَ له صلى الله عليه وسلم في أثناء صَلاتِه حالَ سُجودِه بَوَضْعِ كَرِش على ظهره الشريف. ثمَّ مع هذا يحتمل أَنه ذَهَبَ رضيَ اللهُ عنه إلى ما ذَهَبَ إِليه الشَّافِعِيُّ من أنه ليس بسُنَّة ولا مكروه، ومع وجودِ نحو هذا الاحتمال كيف يصلُحُ للاستدلال؟ معَ أَنَّه مُعارِضُ بظاهِرِه لَضَرْبِ عُمَرَ الأيدي على صلاة النافلة بعد العَصْرِ، على ما ذكَرَه ابنُ الهُمام رواية عن «صحيح مسلم.
وقال صاحِبُ «مجمع البحرين» في شَرْحِه: إِنَّ رَجُلاً يوم العيد في الجبَّانةِ أرادَ أن يُصلّي قبلَ صَلاةِ العيدِ فنهاه علي رضي الله عنه، فقالَ الرَّجُلُ: إنِّي أعلَمُ أنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ على الصَّلاةِ، فقال علي: وإِنِّي أعلَمُ أَنَّ اللهَ تعالى لا يُثيب على فعل حتّى يفعله رسول الله، أو يحثُ عليه.
الجزء 1 · صفحة 22
ثم قال: قال أبو يوسف لأبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أَيَقُولُ المُصلِّي حين يرفع رأسه من الركوعِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي؟ قال: يقولُ: ربَّنا لك الحمد، ويسجُدُ. ولم يُصَرِّح بالنَّهَيِ عَمَلاً بهذا الأدبِ الجَميلِ.
قلت: لم يقَعْ نَهْي عنه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ في هذا الباب، ولا أَحَدٌ قالَ بكَراهَةِ الاستغفار، بل وَرَدَ ما يدلُّ على جَوازِه بحَسَبِ المعنى، وهو ما في «الحِصْنِ» للجَزَرِي: أَنَّه كانَ صلى الله عليه وسلم إذا قامَ من الرُّكوعِ قالَ: «اللَّهُمَّ طَهِّرْني من الذُّنوبِ والخَطايا» ?، فهذا وَجهُ عَدَمِ النَّهْيِ منه، وسَبَبُ العُدولِ عنه إلى الأفضَلِ منه، وهو قوله: ربَّنا لكَ الحَمْدُ، مع أنَّ الكِناية أبلغ من الصَّريح، والعاقل يكفيه الإشارة المفهوم منها الترحيمُ. وقد قال في حديث رواه مسلم عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: «ألا إنِّي نُهِيتُ أن أقرأ القُرآنَ راكِعاً أو ساجداً» الحديث ?. فتأمل أيُّها الجاهِلُ أنَّ النَّاهِيَ والمَنهِيَّ في هذا الحديثِ مَن هو؟ والمنهي عنه ما هو؟ وانظُرْ كلام شراح الحديث كيف هو؟
ثم قال: وقيل: والآية الكريمَةُ وإن نزَلَت في حقِّ أَبي جَهْلٍ، لَكِنَّ مَن نهى عن طاعة الله فهو شريك أبي جَهْلِ والعِياذُ باللهِ.
الجزء 1 · صفحة 23
أقولُ: إِنْ كانَ المُرادُ من طاعةِ اللهِ تعالى عبادته وانقياده فهذا حق لا مِرْيَةَ فيه، لكِنْ لا يخفى بطلانُ وجهِ ذِكرِه في هذا البَحثِ لكونه خارجاً عما نحنُ فيه، وإِنْ أَرادَ النهي عن العبادة، ولو على وَجْهِ النُّقصانِ وطَريقِ الفَسادِ، بأن يكونَ كاشِفَ العَوْرَةِ، أو مُنحَرِفاً عن القِبلة، أو في زَمَانٍ مَكروه، أو مَكانٍ مَغصوب، أو سائر الأمكِنَةِ المَكروهَةِ والقذرة في الفقه، من المَجزَرَةِ والمَقبرة ونحوها؛ فهذا جَهل عظيمٌ وفِقٌ جَسيم، بل وزَندَقَةٌ مُحقَّقَةٌ في طَعْنِ العلم والعُلماء، بل المُفضي إلى مَنصِبِ الرِّسالة وصاحب الجَلالةِ؛ لأنَّ المسألةَ العلميَّة المنقولة تَتَسَلْسَلُ من المُجتَهِدِ إِلى الصَّحَابَةِ إِلى الرَّسولِ المُبلّغ عن الله تعالى، كما بَيَّنَّاهُ، وبالبَراهِينِ الواضِحَةِ عَيَّنَّاهُ.
ثمَّ قال: الجوابُ لِمَن له إِنصافٌ وأَدَبٌ، وجَوابُ الخارج عنهما سُكوتُ. قُلتُ: الجاهِلُ إن تكلَّمَ فهو كالحِمارِ، وإن سَكَتَ فهو كالجِدارِ، وقد قالَ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّمَ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخرِ فليَقُلْ خَيْراً أو ليَسكُتَ.
الجزء 1 · صفحة 24
وكانَ العَمَلُ بمُقتَضَى تفسير قوله: أن يُسكَتَ عنه وعن فعله، ولكِنْ أَرَدْنا تقرير كثرةٍ خَطَئِه، وتحرير قِلَّةِ حيائِه ممَّا يُوجِبُ التَّعزير، بل يقتضي التكفير والتشهير، فعلى كل من ولاة الأمر أن يمنعوه من تجلُّسِ الوَعظ للعامَّةِ الغالبِ عليهم الجَهلُ. فإنَّ هذا الجواب منه في مسألةٍ واحدةٍ شرعيَّة اختبَطَ فيها خَبْطَ عَشواء، كحاطِبِ اللَّيلِ لم يَدْرِ ما يقولُ، من سُوءٍ خُلُقِه وكَمالِ غَضَبِهِ ونُقصانِ أَدَبِهِ، النَّاشِي مِن غُرُورِهِ وكبره وعُجبه، المُخالفِ لما هو اللَّائِقُ بأربابِ الوَعْطِ والنَّصيحةِ للخَلائِقِ المُرَغْبينَ الطَّاعاتِ المُرَهّبين عن السَّيِّئَاتِ المُتخَلَّقِينَ بالأخلاقِ الحَسَنَةِ والشَّمائل المُستَحسَنَة، وهذا مُجْمل ما يتعلَّق بتفصيلِ المَرامِ في هذا المَقامِ.
والحمدُ اللهِ أوَّلاً وآخراً وباطناً وظاهراً، ورَحِمَ اللهُ امْرَأَ أَهدَى إِليَّ بعيوبِ نفسي، ونبهني على زَلَلي في زَلَّةِ قَدَمي، أو لغرَّةِ قَلَمي، أقامَنا الله على الصِّراطِ المُستقيم، وهدانا إلى الدِّينِ القويم، وخَتَمَ لنا بالحُسنَى، وبلَّغَنَا المَقامَ الأَسنَى، آمين، والله أعلم.