البرة في حب الهرة
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
البرة في حب الهرة
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد لله الذي حبّب إلينا الإيمان، وكرَّة إلينا الكفر والعصيان، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَن أظهر الآيات، وبيَّن العلاماتِ، وعلى آله وأصحابه الذينَ
وجبَ حُبُّهم ومودَّتُهم، وحُرِّمَ بعضُهم وعداوتهم.
وبعد
فيقول أفقر عبادِ الله الباري، عليُّ بنُ سُلطان محمد القاري: قد سألني بعض المحبين؛ بل الواصل إلى درجة المحبوبين، عن الحديث المشهور على ألسنة الأعيان: «حُبُّ الهِرَّةِ من الإيمانِ»، وعن ترجيح وقع من البحث بين السَّيِّدِ الشَّرِيفِ الجُرْجَانِيّ والشَّيخ المعتمد المعتقدِ السَّعِدِ التَّفتازاني. فأجبت بما بَدَا لي فيما هنالك، وإن كنتُ معترفاً بأني لستُ أهلاً
لذلك، فقلت:
أمَّا لفظُ الحديث، فاتَّفَقَ الحُفَّاظ على أن ليس له أصل مرفوع؛ بل صرَّحَ بعضُهم بأنه موضوع.
فإن قيل: فهل معناه صحيح؛ لأن إصغاء الإناء لها الثابت في المدعى صريح؟ قلت: فيه إيماء إلى أنَّه لا يُنا في الإيمانَ، وأَمَّا كونُه دالا على أَنَّه من علامتِه فلا، عند أرباب الإيقان؛ لأنَّ حُبَّ الهِرَّةِ أمرٌ مشترك بين المؤمن والكافر، فلا يصلُحُ أن يكون علامة دالة مميزة بين الصَّالِحِ والفاجرِ، إِلَّا أَنْ تُعتبر الخَيْثَيَّةُ الفارقة عن الأمور العادية.
كما حُكيَ أَنَّ هِرَّةً كانت في مطبخ بعض المشايخ العظام، فأرادَ الطَّبَّاخُ يوماً من الأيام أن يغرف الطَّعامَ من البُرْمَةِ للشَّيخِ وأصحابه الكرام، فجاءته الهرة فدفعته، فدفعها فما اندفعَتْ، وتكرَّرَ منها ذلك، فلمَّا غلب الهرَّةَ ودفعها دفعاً عنيفاً رمت نفسها في البرمة وماتت فيها، فكبوا ما فيها، فظهرتْ حَيَّةٌ، فتبين منه على خرق العادةِ: أنها كانت تُحبُّ الشَّيخَ والفقراء، ورأتِ الحَيَّةَ فيها، وأنَّها فدَتْ نفسها عنهم. هذا، وقد قال العلامةُ السَّخَاويُّ في حديثِ: «حُبُّ الوطن من الإيمان»:
فنَازَعَه المَنُوفِيُّ، وقال: ما ادعاه من صحة معناه عجيب؛ إذ لا ملازمة بين حب الوطن والإيمان، ويردُّه قوله تعالى: {وَلَوأَنَّا كَنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَواخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم} [النساء: 66]؛ فإنَّه دال على حبهم وطنهم مع عدم تلبسهم بالإيمان، إذْ ضميرُ (عَلَيْهِمْ} للمنافقين.
وأغرب الخطاب وتكلّف في الجواب، وقال: ليس في كلامه أنَّه لا يحبُّ الوطن إلا مؤمن، وإنما فيه أنَّ حبَّ الوطن لا ينافي الإيمان، فتأمله. انتهى. وأنتَ تعرفُ أنَّ هذا الكلامَ مَدْخُولٌ، وفي النَّظرِ الصَّحيح معلول؛ فإِنَّ السَّخَاوِيَّ أرادَ أَنَّه جاءَ في القرآنِ حكايةً عن أهل الإيمانِ: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا} [البقرة: 246]، فعارضه المَنُوفي بقوله تعالى: وَلَوأَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَواخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النساء: 66]، فدلَّتْ الآيتان على أنَّ حبَّ الوطن من جِبلَّةِ الإنسان، ولا خصوصيَّةً له بأهل الإيمان، فلا يصلُحُ أن يكون علامة عليه، ولا دلالة مشيرةً إليه. هذا، ولا يبعد أن يكون مراده بقوله: (صحيح) أن يقصد بالوطن الجنَّةَ؛ فإنَّها المسكنُ الأوَّلُ لأبينا آدمَ، أومكَّةَ؛ فَإِنَّهَا أُمُّ القُرَى.
ثم اعلم أنه ورد في الأحاديثِ النَّبويّة، على صاحبها أفضلُ الصَّلاةِ والتَّحِيَّةِ: «حُبُّ العربِ إيمان، وحبُّ أبي بكر وعمر إيمان»، وحبُّ الأنصارِ آيةُ الإيمانِ». ولا شَكٍّ أنَّ في هذه الأحاديثِ إضافة المصدر إلى فاعله؛ لما وردَ: «فَمَنْ أحب العرب، فقد أحبني، ومن أبغض العرب، فقد أبغضني»، والأصل في النظائرِ أنْ يكونَ على طَبَقٍ واحد، فهذا أحد المرجحاتِ لكلامِ السَّعد. ومنها: أنَّ نسبة المحبَّةِ إلى الهِرَّةِ مجازيَّةٌ، فالأولى حمل الكلام على الإرادة الحقيقية، ولذا استشكل العلماء قوله: «أُحدٌ جبل يُحبُّنا ونُحبُّه»، فقالوا: محبَّة الحي للجماد: إعجابه به، وسكونُ النَّفْسِ إليه، والمؤانسة به؛ لما يرى فيه من به من نفعٍ. ومحبَّةُ الجمادِ للحي: مجاز عن كونه نافعاً إِيَّاه، ساداً بينه وبين مَأْلُوفِه.
ومنها: أنَّ محبَّةَ الهرَّةِ غيرَها جاريةٌ بطَبْعِها لمَن يُطْعِمُها، ولا فرق عندها المؤمن بين والكافر، فلا يصلُحُ أنْ يكونَ علامةً للإيمان.
ومنها: أنَّ فِعْلَ شخص لا يكون علامةً لعمل شخص آخر، فكيف يصح أن يكونَ حُبُّ الهرَّةِ لأحدٍ يكون علامة لإيمانه، لا يُقالُ: إِنَّه يجوز أن يجعلَه الشَّارِعُ علامةً ودليلاً؛ فإنَّا نقول: يحتاجُ إثباته بدليل خارج؛ لأنه خلاف الأصل. ومنها: أن لامَ «الإيمانِ» بدل من المضاف إليه، والظَّاهِرُ أنَّه المُحِبُّ، فالتَّقدير: حُبُّ الهرَّةِ من إيمانِ المُحِب، ولا يصح أن يكون المراد بالمحِب الهرَّةَ، فتعيَّن أن تكون الإضافة من باب إضافة المصدر إلى مفعوله.
ثم ممَّا يُؤيد هذا المبنى، ويُؤكِّدُ هذا المعنى قوله تعالى: {وَءَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [البقرة: 177]؛ سواء كان الضّمير راجعاً إلى الله تعالى، أوإلى المال، وكذا قوله سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِهِ} [الإنسان: 8]؛ أي: حب الله، أوحبّ الطَّعامِ. ومنه قوله تعالى {إِن أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} [ص: 32]؛ أي: حبَّ الخيل عن صلاة ربي.
منه قوله تعالى: {وَإِنَّهُ؛ أي: الإنسان لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: ?]؛ أي: لحبّ المالِ ومنه:
منه الحديثُ الصَّحيحُ: «اللَّهمَّ إِنِّي أسألك حبك وحب عمل يُقرِّبُني إلى حبّك، اللهم اجعل حبك أحبَّ إليَّ من الماء البارد.
ومنه: قول مجنون بني عامر:
أمر على الديار ديار ليلى أُقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حبُّ الدِّيارِ شَغَفْنَ قلبي ولكنْ حُبُّ مَن سَكنَ الدِّيارا ومنه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه:
لوكانَ رَفْضَاً حُبُّ آلِ محمدٍ فلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّي رَافِضِي
وقال آخر:
كلُّ مَن لم يَرَ فَرضَاً حُبَّهم فهُومَرْدُودُ وإِنْ صَلَّى وَصَامَا
وقال آخر:
لوكانَ نَصْباً حُبُّ صَحْبِ محمَّدٍ فلْيَشْهَدِ الثَّقَلانِ أَنِّي ناصِبِي
وممَّا يُوضّح هذا المعنى، ويُبيِّنُ هذا المبنى ما في «كامل ابنِ عَدِي» في ترجمة أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أَنَّه روى عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصغي لها الإناء، فتشرب، ثم يتوضَّأُ بفضلها.
وأما ما اشتهر على ألسنة العوام من: أنَّ هِرَّةً رَقَدَتْ على ثوبه، فأرادَ القيام للصَّلاةِ، فقطعَ ثوبه؛ مخافة انتباهها. فكلام باطل لا أصل له أصلاً. نَعَمْ، روى أحمد، والبَزَّارُ، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دُعي إلى دار قوم، فأجابَ، ودعي إلى دارِ آخرين، فلم يُجب، فقيل له في ذلك، فقال: «إنَّ في دارِ فلانٍ كَلْباً»، فقيل له: إِنَّ في دارِ فلان هرةً، فقال: «إنَّ الهرَّةَ ليست بنجس، إنَّما هي من الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافاتِ».
وروى ابن أبي خَيْثَمَةَ، عن ميمونة بنت سعيد مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهوفي «الاستيعاب عن سلمان خادمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أنه أوصى بالهر، وقال:
منه، إلا أنه يروي عن الضعفاء الكثير مثل الحسن بن عمارة وغيره، وهوكثيراً ما يخالف أصحابه ويتبع أهل الأثر إذا وجد فيه خبراً مسنداً، وإذا روى عنه ثقة ويروي هوعن ثقة فلا بأس به وبرواياته. اهـ. وقد سلف هذا الحديث أول هذه الرسالة، فانظر تخريجه ثمة.
إِنَّ امرأةً عُذِّبَتْ في هرة ربطتها، ولم تطعمها ولم تتركها تأكل من الأرض ... الحديث». وهوفي «الصحيحين».
وفي «الزُّهدِ» لأحمدَ: «رأيتُها في النَّارِ تلمس قبلها ودبرها».
قال القاضي عِيَاضٌ في شرح مسلم: يحتمل أن تكون كافرة. ونفى النووي هذا الاحتمال.
وروى ابن عساكر في تاريخه»، عن بعض أصحابِ الشَّبْلي قال: رأيتُ الشَّبْلِيَّ في النَّوم بعد موته، فقلتُ: ما فعلَ اللهُ بكَ؟ قال: أوقفني بين يديه، فقال: يا أبا بكر! أتدري بماذا غَفَرتُ لك؟ فقلتُ: بصالح عملي، فقال: لا، فقلتُ: بإخلاصي في عبوديتي، قال: لا، قلتُ: بهجرتي إلى الصَّالحين، فقال: لا، فقلتُ: بإدامة أسفاري في طلب العلم، فقال: لا، فقلتُ: يا رب! هذه المنجياتُ التي كنتُ أعقد عليها ضميري، ظنِّي أنَّك بها تعفوعنِّي، قال: كلُّ هذه لم أغفر لك بها، فقلتُ: فماذا؟ قال: أتذكرُ حين كنتَ تمشي في دَربِ بغداد فوجدت هرَّةً صغيرةً قد أضعفها البرد، وهي تنزوي من جدار إلى جدارٍ من شدَّةِ الثّلج والبرد؛ فأخذتها رحمةً لها، فأدخلتها في فَروكان عليك وقاية لها من أليم البرد؟ فقلتُ: نَعَمْ، قال: برحمتك لتلك الهرَّةِ رحمتك. ومن الأمثال: قالوا: (أبر من هرَّةٍ). أرادوا بذلك أنَّها تأكل أولادها من شدَّةِ الحب لها، قال الشاعرُ:
أما ترى الدهر وهذا الورى كهرة تأكل أولادها وقالوا: (فلان لا يعرفُ هِراً من بر). قال ابن سيده: معناه: لا يعرفُ الهِرَّ
من الفَارِ؛ يعني: فإنَّ البِرَّ من معانيه: الفار.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يعرفُ مَن يكرهه ممَّن يَبِرُّه.
وفي القاموس»: أي: ما يَهِره ممَّا يَبره، أوالقط من الفَارِ، أودعاء الغنمِ من سوقها، أودعاؤُها إلى الماء من دعائها إلى العَلَفِ، أوالعُقوق من اللُّطْفِ
أوالكراهية من الإلزام، أوالهَرْهَرَةَ من البَرْبَرَةِ.
فهذا الذي سَنَحَ لي في هذا المقامِ، والله أعلم بحقيقةِ المَرامِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ على سَيِّد الأنام، وعلى آله الكرام، وصحبه العظام، وتابعيه إلى يومِ القِيامِ، وا والحمد الله الذي به البدء والختام.