الاعتناء بالغناء في الفناء
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الاعتناء بالغناء في الفناء
تأليف العلامة
الملاعلى القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلْماً يا كريم
الحمد لله الذي خَلَقَ لنا الأسماعَ والأبصار، لنَسمَعَ الأخبار ونَشْهَدَ الآثار، والصَّلاة والسَّلامُ على سيد الأبرار، وسَنَدِ الأخيار، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه في الحاضر والأسفار.
أما بعد:
فيقولُ المُفتَقِرُ إلى غِنَى ربِّه الباري، عليٌّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِي: إِنَّه سألني بعضُ الصُّلَحاءِ عمَّا يتعَلَّقُ بالسَّماعِ والغناء، ممَّا اختَلَفَ فيه المَشايِعُ والعُلماء، فكتَبْتُ له هذه الرسالةَ المُسْتَمِلةَ على بعض ما يتعَلَّقُ بهذه المسألة، مُجمَلَةً من الكتاب والسُّنَّةِ وأقوال بعض الأئمة، الذينَ هُم قُدوَةُ هذه الأمة.
أمَّا الكِتابُ: فقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: ??]، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في رواية عطاء: يُريدُ النَّجاشِيَّ وأصحابه، قرأ عليهم جَعفَرُ بالحَبَشَةِ: كَهيعص، فما زالوا يبكونَ حتَّى فَرَغَ جَعفر من القراءة. كذا في «المعالم.
وقال عزَّ وعَلا: فَبَشِّرْ عِبَادِ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: ?? - ??]، والمعنى: يستَمِعُون القُرآنَ وغيرَه فيَتَّبِعُونَ القُرآنَ ويتركونَ غيرَه، أَوْلَبِكَ الَّذِينَ هَدَتْهُمُ اللَّهُ وَأَوَلَيْكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَبِ} [الزمر: ??].
وقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِها مَّثَانِيَ نَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الزمر: ??]، والمعنى: إذا ذُكِرَت آيات العذابِ لأربابِ الحِجابِ اقشَعَرَّتْ جُلُودُ الخائفين للهِ، وإذا ذُكِرَتْ آيات الرحمة لأصحابِ القُربَةِ لانَتْ جُلودُهُم، وسَكَنَتْ قُلُوبُهم، كما قال: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَنُ الْقُلُوبُ} [الرعد: ??].
وحاصل المعنى: أنَّ قُلُوبَهم تقشَعِرُّ عندَ الخوف من العِقابِ، وتَلينُ عندَ رَجاءِ الثّوابِ، فهم بينَ الخَوفِ والرَّجاءِ في هذا البابِ.
قال قتادة: هذا نَعتُ أولياءِ اللهِ، نعَتَهُم الله بأنْ تَقْشَعِرَّ جُلُودُهم وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بذكرِ اللهِ، ولم يَنعَتُهُم بِذَهَابِ عُقولهم، والغشيانِ عليهم، إنَّما ذلك في أهل البدع، وهو منَ الشَّيطان.
وعن عبد الله بن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما: كيف كان أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصنعونَ إِذا قُرِئَ عليهمُ القرآنُ؟ قالت: كانُوا كما نَعَتَ اللهُ عَزَّ َوجَلَّ: تَفيضُ أعيُنُهم وتَقْشَعِرُّ جُلودُهم، قالَ: فقُلنا لها: إنَّ ناسا اليوم إذا قُرِئَ عليهِمُ القُرآنُ حَرَّ أحدُهم مَعْشِيَّاً عليه، فقالت: أعوذُ بالله من الشَّيطانِ الرَّحِيمِ.
ورُوِيَ أَنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما مرَّ برجل من أهل العِراقِ ساقطاً، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إِنَّه إذا قُرِئَ عليه القُرآنُ أو سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ سَقَطَ، فقالَ ابنُ عَمَرَ: إِنَّا لنَخْشَى الله وما نَسقُطُ، ثمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّيطانَ يدخُلُ في جَوفِ أحدهم، ما كانَ هذا صَنيع أصحاب محمد
وذُكِرَ عند ابن سيرين الذين يُصرَعونَ إذا قُرِئَ عليهمُ القُرآنُ، فقال: بيننا وبينهم أن يقعُدَ أحدُهُم على ظَهْرِ بيتِ باسِطاً رِجْلَيه، ثمَّ يُقرَأُ عليه القُرآنُ من أَوَّله إلى آخره، فإنْ رَمَى بنفسه، فهو صادِقُ: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23].
وأَمَّا السُّنَّةُ: فقد وَرَدَ عنه: زَيَّنُوا القُرآنَ بأصواتكم» رواه أحمد وأبو داودَ والنسائي وابن ماجه وابنُ حِبَّانَ عن البَراءِ، وزادَ الحاكِمُ عنه: «فَإِنَّ الصَّوتَ الحَسَنَ يزيدُ القُرآنَ حُسنا»؛ أي: يُظهِرُ زيادةَ حُسنِهِ المُوجِبِ لكَمالِ أُنسِهِ.
ووَرَدَ: «مَن لم يتَغَنَّ بِالقُرآنِ فليسَ منَّا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ، والمَعْنَى: مَنلم يُحسنُ به صَوْتَه جاهِراً به، مُتَرَنْماً على طريق التحزن به، أو الشرور بسببه، طالباً به غِنَى النَّفس عن غيره، راجياً به غِنَى اليد عندَ فَقْرِه، فهذه سبعة من المثاني، مُستَنبَطَةٌ من المباني.
وقال عليه السَّلامُ لأبي موسى: «لقد أُوتِيَ مِزْماراً من مزامير آل داود
أي: حُسْنَ صوتٍ، ونَعْمَةً من نَغَماتِ داودَ عليه السَّلام. وعنه: «اقْرَؤُوا القُرآنَ بلحونِ العَرَبِ، وإيَّاكم ولحونَ أَهلِ الفِسْقِ وأَهلِ الكتابين؛ فإنَّه سيجيء قوم من بعدي يُرجعونَ بِالقُرآنِ تَرجيع الغناء والرهبانية
والنوح، لا يُجاوِزُ خناجرهم، مفتونةٌ قُلوبُهم وقُلوبُ مَن يُعجبهم شأنهم». رواه الطَّبَرَانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عن حذيفة.
ورُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليَّ، فقلتُ: أقرأ عليك، وعليكَ أُنزِلَ القُرآنُ؟ قالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أن أسمعه من غيري»، قال: فافتَتَحْتُ سورة النِّساءِ فلما بلغتُ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41]، قال: فرأيتُه وعَيناه تذرفان، فقال لي: «حَسبُك». ورَوَى أبو طالب المَكِّيُّ في كتابه «قُوتُ القُلوبِ» بإسنادِهِ: أَنَّ رَجُلاً دخَلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده قوم يقرؤُونَ القُرآنَ، وقومُ يُنشِدُونَ الشُّعَرَ، فقال: يا رسول الله! قُرْآنٌ وشِعرُ؟ فقالَ: «مِن هذا مرَّةً، ومن هذا مرَّةً». انتهى.
ولعل فيه الإشارة إلى دَفْعَ المَلالةِ والسَّآمة، فالقُرآنُ غِذاءُ الرُّوحِ، والشِّعرُ حَضُّ النَّفس، قيل: ومن هذا القبيل: كلميني يا حميراء؛ لأنَّ الاستغراق بالغَيبة في لُجَّةِ الشُّهودِ يمنَعُ الحُضور عن عبادة المعبودِ.
ورُوِيَ عنه عليهِ السَّلامُ: أَنَّه بَكَى عندَ ــراءةِ القُرآنِ بصوتٍ حَسَنٍ، قالَ الراوي: وكنتُ أسمَعُ له أَزِيزاً.
وعن عائشة رضي الله عنها: كانَ أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَنَاشَدُونَ الأَشعار وهو يبتسم
وقد أُنشد لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم منه قافية من قول أُمَيَّةَ بنِ أَبي الصَّلتِ، يقول في كل ذلك: «هيه»؛ أي: زِدْ، وأُمَيَّةُ كانَ من شُعراء الجاهلية، وقد قال عليه السَّلامُ في حقه: «إن كاة في شعره ليُسلم.
وصح عنه عليه الصَّلاة والسَّلامُ أنَّ أصدَقَ كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: الا كُل شَيءٍ ما علا الله باطل
وكان يضَعُ لحسَّانَ مِنْبراً في المسجد يقوم عليه، يُفاخِرُ عن رسولِ اللهِ، ويقول عليه السَّلامُ: «إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ حسَّانَ بِرُوحِ القُدُسِ ما نافَحَ ـ أو: فاخَرَ - عن رسول الله». رواه الترمذي وغيرُه.
وبهذا تبيَّنَ أَنَّ الشِّعرَ ليسَ بِمَذمومٍ مُطلَقاً كما تَوهَّمَ بعضُهم، بل حَسَنُهُ حَسَنٌ، وقبيحُه قَبيح، ويُستَفادُ هذا المعنى من قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاهُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 224 - 227].
ورَوَى الترمذي عن أنس رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ القضاء وابنُ رَوَاحَةَ يمشي بين يديه، وهو يقول:
خَلُّوا بني الكُفَّارِ عَنْ سَبيلِهِ اليَومَ نَضْرِبكُمْ على تَنْزيلِهِ ضَرْباً يُزِيلُ الهام عن مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَليلَ عن خَليلِهِ فقال له عمرُ: يا ابن رواحة! بين يدي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وفي حَرَمِ اللهِ تقولُ شعراً؟ فقالَ النَّبِيُّ: خَلَّ عنه يا عمرُ، فَلَهِيَ أَسرَعُ فيهم من نَضْحِ النَّبْلِ». صلى الله عليه وسلم: والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وعند أولي الألبابِ شَهيرة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُحدَى له في السفرِ، وأَنَّ أَنْجَشَةَ كَانَ يَحدُو بالنِّساءِ، والبَراءَ بن مالك يَحدُو بالرّجالِ، فقال عليه السَّلامُ: «يا أَنْجَشَةُ! كيفَ سَوْقُكَ بالقَوارير؟»
وقد روى البخارِيُّ كما في «الثَّلاثِيَّاتِ» عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى خَيْبَرَ، فقال رجُلٌ منهم: أَسْمِعْنا يا عامِرُ من هُنَيْهَاتِكَ - أي (3):: أَراجيزكَ، أو: نُغَيماتِكَ ـ فحَدا بهم؛ أي: بقوله:
اللَّهُمَّ لولا أنتَ مَا اهْتَدَينا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا وثَبَتِ الأقدامِ إِنْ لا قَيْنا وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَينا فقال عليه السَّلامُ مَنِ السَّائِقُ؟» قالوا: عامر، قالَ: «رَحِمَه الله».الحديث.
ورُوِيَ عن عُمَرَ رضي الله عنه: أَنَّ الغِناءَ زادُ المُسافِرِ.
ومن ذلك ما رُوِيَ: أَنَّ سُليمان بن يَسَارٍ رَحِمَهُ اللهُ سَمِعَ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يتَغَنَّى بين مكة والمدينة، فقال: سُبحانَ اللهِ! أَتَقُولُ هذا وأنتَ مُحرِم؟ فقال سعد: يا ابن أخي! وهل سَمِعْتَني أقولُ هُجْراً أو فُحْشا؟ وقد رُوِيَ عن أبي حنيفَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّه كان كثيراً ما يُنشِدُ هذا
البيت:
كَفَى حَزَناً أَنْ لا حياةَ هَنئَةٌ ولا عَمَلٌ يَرْضَى بِهِ اللهُ صَالِحُ فتبَيَّنَ بهذا: أَنَّ الصَّوتَ الحَسَنَ بالشَّعرِ المُستَحْسَنِ لا يكونُ حَراماً، ولا مَكرُوها، بل مَرْغُوباً ومُستَحَبَّاً ومندوباً.
وقد رَوَى القُشَيرِيُّ في رسالته عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأَنصارِيِّ رضيَ اللهُ تعالى عنه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أَنَّها أَنْكَحَتْ فتاةً ذاتَ قَرابتها من الأنصارِ، فجاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: «أَهْدَيتُمُ الفَتاةَ؟» فقالت: نعم، قالَ: فَأَرْسَلْتِ مَن يُغَنِّي؟» قالت: لا، فقالَ: «إِنَّ الأنصارَ فيهم غَزَلٌ، ولو أَرْسَلْتُم من يقرَأُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وحَيَّاكُمْ» ورَوَى أيضاً بإسنادِه: أنَّ رجُلاً أنشد بين يدي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: أقبلَتْ فَلاحَ لها عارِضَانِ كالسَّبَ أَدْبَرَتْ فقُلتُ لها والفُؤَادُ في وَهَج هل عَليَّ وَيحَكُما إِنْ عَشِقْتُ من حَرَجٍ فقال عليه السلام: «لا حَرّجَ إِنْ شاءَ الله تعالى.
وقال صالحُ بنُ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: رأيتُ والدي يَتَسَمَّعُ من وراء الحائط لسماع كانَ عندَ جِيراننا.
وأَمَّا اقتِرانُ الغِناءِ بالدُّفّ: فقد جاءَتِ الرُّحْصَةُ به للشرورِ في الأعياد، وأَيَّامِ العُرْسِ للعِبادِ، وقُدوم الغائبِ إلى البلادِ، فَمِنْ ذلك إنشاد أهل المدينةِ وضَرْبُهم بالدُّفِّ عند قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكَّةَ الأمينةِ إِلى المَدينَةِ السَّكِينَةِ، وَقَولُهم: طَلَعَ البَدْرُ عَلَينا من ثَنِيَّاتِ الوداع وَجَبَ الشُّكرُ عَلَينا ما دعا الله داع
ومن ذلك: حديثُ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذ رضيَ اللَّهُ عنها: دخَلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلَّمَ صَبيحةَ عُرْسي وعِندَنا جَارِيتَانِ تُغَنِّيَّانِ وتَندبانِ أُناساً قتِلُوا يوم بدر، وتقولان فيما تقولان:
وفينا نبي يعلَمُ ما في غَدٍ
فقال عليه السلام: «أما هذا فلا تقُولاه، لا يعلم ما في غد إلا الله.
ومن ذلك: ما رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: أَنَّه عليه السَّلامُ مَرَّ ببعض
أَزِيَّةِ المدينة، فإذا بجوارٍ يَضْرِ بْنَ بِدُفوفِهِنَّ ويَتَغَنَّيْنَ وَيَقُلْنَ:
نحنُ جَوارِ من بني النَّجَارِ يا حَبَّذا محمد من جارِ
فقال عليه السَّلامُ: «الله يعلَمُ إِنِّي لأُحِبُّكُنَّ».
ومن ذلك ما رَواهُ مِن أَنَّه ـ عليه السَّلامُ - لَمَّا رَجَعَ من بعض مغازيه جاءَتْ جارية سوداء فقالت: يا رسولَ اللهِ! إِنِّي كُنتُ نَذَرْتُ إِن رَدَّكَ الله سالماً أن أَضْرِبَ بين يديكَ بالدُّفٌ وأتغَنَّى، فقال لها: «إِنْ كُنتِ نَذَرْتِ فاضرِبي، وإلا فلا، فجَعَلَتْ تضرِبُ، فَدَخَلَ أبو بكر رضي الله عنه وهي تضرِبُ، ثمَّ دَخَلَ عمر رضي الله عنه، فألقَتِ الدُّفَّ تحتَ اسْتِها وقعدت عليه، فقال رسول الله: «إِنَّ الشَّيطانَ لَيَخافُ منك يا عمرُ». أو كما قال، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو دوادَ في «سُنَنِه»، وقد أوضَحْتُ ما يتعلَّق به في «شرح المشكاة».
ومن ذلك ما أخرجه البخارِيُّ ومُسلِمٌ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ أبا بكر رضي الله عنه دَخَلَ عليها وعندها جاريتانِ في أَيَّامٍ مِنَى تُدَفَّفَانِ وتضربان، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مُغَشَّى بثوبه، فانتَهَرَهُما أبو بكرٍ، فَكَشَفَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن وجهه فقالَ: «دَعُهُما يا أبا بكر؛ فإنَّها أَيَّامُ عيد».
وذهبَتْ طائفَةٌ إلى إباحَةِ الدُّفٌ مُطلَقاً، وأصحابنا الحنفيَّةُ خَصُّوا جَوازَه بنَحْوِ العُرس؛ لقوله عليه السَّلامُ: «أَعلِنُوا هذا النِّكَاحَ، واضرِبُوه بالدُّفٌ. رَواهُ الترمذي عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها. وقيدوه بما إذا لم يكُنْ فيه جَلاجِلُ؛ فإنَّ الجَلاحِلَ بِمَنزِلِةِ الجَرَسِ، فَيَطرُدُ الملائكة، ولأنَّ الدُّفوفَ في زَمنِه عليه السَّلامُ كانت ساذجة.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ الغِناءَ على ثلاثة أقسام: قِسم ساذج بغير آلة، فالجمهور على إباحته من غير كراهته، معَ أَمْنِ الفِتنةِ والسَّلامة من المُنكَرِ في حالتِه، وهذا منقول عن جماعة من الصَّحابة الكرام، والتّابعينَ الفخام، والمُجتهدين العِظامِ، كأبي حنيفةَ ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، بل حَكَى الغَزالِيُّ الاتفاق عليه.
وقد صنَّفَ فيه ابنُ حَزْمٍ، [وابنُ طاهر، ونقل إجماع الصحابة والتابعين عليه، وقد نقله صاحِبُ النّهاية في شرح الهداية من الحنفية. وقال بعضُهم: إذا كانَ لدَفْعِ الوَحْشَةِ عن النَّفْسِ فلا بأس به، وبه أَخَذَ شَمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، واستَدَلَّ عليه: بأنَّ أنساً صاحِبَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَفْعَلُ ذلك. ومن العُلماءِ مَن قسَّمَ الغِناءَ إِلى مُباحٍ ومُستَحَبِّ، وَجَعَلَ مِن المُسْتَحَبُّ الغِناءَ في العُرْسِ، والمُباحُ فيما سِوَى ذلك.
وقال الغزالي وغَيرُه: سَماعُ ما يحرّك الأحوالَ السَّنِيَّةَ المُذَكِّرةَ للأُمورِ الأُخرَوِيَّةِ مَندوبٌ.
وقال الجُنَيدُ رضي الله عنه: النَّاسُ في السَّماع على ثلاثة أضرب:
العوام، والزهاد، والعارِفُونَ، فأمَّا العَوَامُّ فحرام عليهم لبقاء نُفوسهم، وأمَّا الزهادُ فيُبَاحُ لهم لحُصولِ مُجاهَدَتِهم، وأما أصحابنا فيُستَحَبُّ لهم. وبهذا المذهَبِ ذَهَبَ أبو طالبِ المَكِّيُّ.
وقالَ الشُّهْرَوَرْدِيُّ: المُنكِرُ للسَّماعِ: إِمَّا جَاهِلٌ بالسُّنَنِ والآثارِ، وَإِمَّا مُعْتَر بما حُرِمَه من أحوالِ الأخيار، وإِمَّا جَامِدُ الطَّبَعِ لَا ذَوْقَ له فيُصِرُّ على الإنكارِ. وقد قال بعضُ العَارِفين: السَّماعُ لِما سُمِعَ، كما زَمْزَمُ لِمَا شُرِبَ له، وفي الحديثِ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإِنَّما لكُلِّ امرئ ما نوى».
وهكذا سائِرُ المُباحاتِ فإنَّها تصيرُ حَسَناتٍ وسيئات، بحَسَبِ اختِلافِ النِّيَّاتِ وتَفَاوُتِ الطَّوِيَّات. وما أحسَنَ قول ابنِ حَزْم: إِنَّ مَن نَوَى بِسَماعِ الغِناء ترويحَ القَلبِ ليتَقَوَّى به على طاعَةِ الله فهو مُطيع، ومَن نَوَى به التَّقوي على المعصية فهو عاص، وإن لم ينو لا طاعةً ولا معصية فهو لَعَوِّ مَعفُوٌّ عنه، كخُروج الإنسانِ إلى بُستانِه وجُلوسه على بابه للتَّفَرُّج، انتهى.
أورده الشاذلي في فرح الأسماع برخص السماع (ص 54)، والآلوسي في «روح المعاني (??/ ??). قال الآلوسي والظاهر أن الجنيد أراد بالحرام معناه الاصطلاحي، واستظهر بعضهم أنه لم يرد ذلك وإنما أراد أنه لا ينبغي.
ثم قال الألوسي ونقل بعضهم عن الجنيد قدس سره: أنه سئل عن السماع فقال: هو ضلال للمبتدي والمنتهي لا يحتاج إليه. قال الآلوسي وفيه مخالفة لما سمعت.
وينبغي أن يُقيَّد هذا بما إذا كانَ المَسموعُ قَولاً مباحاً، أمَّا إِذا كانَ شعراً فيه صِفَةُ امرأةٍ أجنبيَّةٍ مَعروفةٍ فيَحْرُمُ سَماعُه عندَ كافَّةِ العُلماءِ، بخِلافِ ما إذا كانَ فِيهِ وَصْفُ امرأة لا تُعرَفُ، ففيه اختِلافُ، والأحوَطُ عَدَمُ جَوازِه.
ويُحمل على الشِّعرِ المُباح: ما وَرَدَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز رحمه الله تعالى أنَّه كان يسمعُ من جواريه الغِناءَ خاصَّةً.
ورَوَى الجاحِظُ في رِسالَتِه»: أنَّه ذُكِرَ الغِناءُ وسَماعُه عند أبي حنيفة رحمه الله، فقال: وَدِدْتُ لو أنَّ لي غَريماً لازَمَني وحَلَفَ عليَّ وأَدخَلَني دارَاً أو مَوْضِعاً فيه سَماعٌ فَأَسْمَعَ.
وحَكَى أيضاً عن أبي يوسف: أنَّه كانَ رُبَّما حَضَرَ مجلسَ الرَّشيد وفيه الغناء، فبَكَى، وكأَنَّه يذكُرُ الجنَّةَ.
قال: وسل الإمام مالك عن سماع الغناء فقال: ما أدري، إلا أنَّ أهل الحجاز ببلدنا لا يُنكرونَ ذلك، ولا يقعدون عنه، ولا يُنكره إلا عامي، أو جاهل، أو غَليظُ الطَّبع غافِلٌ.
قال: وقالَ ابنُ عَقيل في كتابه المُسمَّى بـ «الفُصولِ»: صحتِ الرّواية عن أحمدَ بنِ حَنبلٍ: أَنَّهُ سَمِعَ الغِناءَ في بيتِ ابنه صالح.
ورَوَى الخطيب البغدادِيُّ في تاريخه» عن داودَ الطَّائِيِّ: أَنَّه كان يحضُرُ السَّماعَ فيَظهَرُ منه وَجْدٌ، حَتَّى ينتصِبَ ظَهِرُه بعد أن كان قد انحنى من الكِبَرِ.
حكي عن إبراهيمَ المُزَني قالَ: كنتُ معَ الشَّافِعِيُّ ومعنا إبراهيم بن إسماعيلَ، فمَرَرْنا بدار قوم وجاريةٌ تُغنّيهم شِعْراً، فقالَ الشَّافعي: ميلوا بنا نسمع، فمِلْنا، فلمَّا فَرَغَتِ الجارية، قالَ الشَّافعي لإبراهيم: أيُطرِبُك هذا؟ قال: لا، قالَ: فما لكَ حس.
وسَمِعَ سُفيانُ التَّورِيُّ:
أَحِنُ إلى الذي أَضْحَى وأَمْسَى فُؤادِي يتقيه ويرتجيه تَشَاغَلَ كُلُّ مَخلوق بخَلْقٍ وشغلي في محبته وفيه
قالَ: فَجَعَلَ سُفيانُ يَتَوَاجَدُ ويقولُ: نعم الشُّغل بك لا بغَيرِك.
وقال ذو النُّونِ المَصْرِيُّ: كانَ مُوسى عليه السَّلامُ في بني إسرائيل يعِظُهم، فَزَعَقَ رجلٌ منهم فانتَهَرَه مُوسَى، فَأُوحِيَ إليه: يا مُوسَى! بطيبي صَاحُوا، وبحُبِّي راحوا، وبوجدي فاحوا، وبقربي استَراحُوا، وفي ميدانِ المَعرِفَةِ زاحُوا، فلِمَ تُنكِرُ على عبادي؟ و من هذا الباب، ينكَشِفُ الحِجابُ عَمَّا وَرَدَ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله تعالى عنه: الغناءُ يُنبِتُ النِّفاق في القَلبِ كما يُنبِتُ الماءُ البَقْلَ. رَواهُ ابنُ أَبي الدُّنيا في «ذَمِّ المَلاهي».
ومكارم الأخلاق المشروعة، لكن لم أجد فيها الكلام المذكور.
وفي رواية البَيْهَقِيُّ عن جابرٍ رضيَ اللهُ عنه: «الزَّرعَ» بدلَ البَقْلَ).
ومنه قَولُ الفُضَيل رحمه الله: الغِناءُ رُقْيَةُ الزِّنا.
وكذا ما وَرَدَ عنه: ما رَفَعَ أَحَدٌ صوتَه بغناء إلا بعَثَ الله شيطانَين على مَنكِبَيهِ، يضرِبانِ بأَعْقابِهما على صَدْرِهِ حَتَّى يُمسِكَ».
أو يُحمَلُ على ما إذا اقتَرَنَ الغِناءُ بالآلةِ جَمْعاً بينَ الرِّوايةِ والدراية.
وأمَّا سَماعُ الغِناءِ بالأَوْتار وسائرِ المَزامير: فالمشهورُ من مَذاهب الأئمةِ الأربعةِ أنَّ الضَربَ بها وسَماعَها حَرامٌ، وذَهَبَت طَائِفَةٌ من الصَّحابة والتابعينَ إلى الإباحة، ولعلهم ما وصل إليهم دليل الحُرْمةِ.
وأمَّا السَّبَّابَةُ، وهي القَصَبَةُ المُثقَّبَةُ، فقال أصحابُ المَواسيقِ: إِنَّهَا آلةٌ كاملةً وافيةٌ النَّغَماتِ، واختَلَفَ العلماء فيها، والجُمهورُ على تحريمها، وبه قال أبو حنيفة بجميع رحِمَه الله وأصحابه، وهو مُختارُ النَّووِيّ، وذهب إلى إباحتِها جَماعةٌ من الشَّافعيّةِ، واختاره الغَزالي وتبعَه الرَّافِعِيُّ، ورُوِيَ عن الصَّحابةِ التَّرخُصُ) في الرَّاعي.
وممَّا يُؤَيِّدُ تحريمَ الشَّبابة: حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما حينَ وضعَ أُصبعيه في أُذُنَيه، وقد سَمِعَ زمَّارَةَ راع وعَدَلَ عن الطَّريقِ، ولم يزل يقولُ: يا نافِعُ! أتسمعُ؟ حتَّى قلتُ: لا، فأخرَجَ أُصبعيه من أُذُنيه، وقال: هكذا رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صَنَعَ.
وأما ما عُورِضَ بأن هذا الحديث يدل على الإباحة، وإِنَّما وَضَعَ الأصبعين على الأُذنين تنزهاً عن تلك الحالة، بدليل أنه لم يأْمُرِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ابنَ عَمرَ بوَضِعِ الأُصبُعَينِ، ولم ينة الرَّاعِي عن صنيعه؛ فمَدفوع بأنَّ الواقعة من قضيَّةِ الحال التي لا تصلح للاستدلال، فإِنَّ ابن عمر رضي الله عنهما يحتمل أَنَّه كَانَ صَغيراً دون البلوغ إذ ذاك، ولم يعرفِ الرَّاعي أنَّه كانَ مُسلِماً أو كافراً، قريباً منه أو بعيداً عنه، على أنه إنَّما يحرُمُ الاستماع دونَ السَّماعِ لغير اختيار، فعلى تقدير بلوغه سُومِحَ في سماعه ليكون سبباً لا طاعة.
والحاصِلُ: أنَّه عليه السَّلامُ أَشارَ إلى صَنيعه أنَّ اسْتَمَاعَه حَرَامٌ، وَسَماعَه خِلافُ الأولى في المقام الأعلى.
وأما قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6]، فقال مجاهد: يعني شراء المُغَنِّيَاتِ، ولعله أراد به المُغنِّيَاتِ بالآلاتِ لئَلَّا يُخالِف ما تقدَّمَ من الرواياتِ. وكذا ما رَوَى أبو أمامَةَ رضي الله عنه، عنه أَنَّهُ قالَ: «لا يحِلُّ تعليمُ المُعْنِّيَّاتِ ولا بَيعُهُنَّ، وأَثمانُهُنَّ حَرامٌ).
ويُؤَيِّدُه ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّه عليه السَّلامُ نَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ.
وقالَ مَكحولٌ: مَن اشترى جاريةً ضرابةً ليُمسِكَها لغِنائها وضَرْبها مُقيماً عليه حتّى يموت لم أُصَلِّ عليه، إنَّ الله تعالى يقولُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيث الآية [لقمان: 6].
وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ وابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ رحمه الله تعالى، قالوا: لَهو الحديثِ هو الغناء، والآية نزلت فيه. ومعنى قوله: يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} [لقمان: 6]؛ أي: يَستَبدِلُ ويختارُ
الغناء والمزامير والمَعازِفَ على القُرآنِ. كذا في تفسير البَغَوِيَّ». وفي فتاوى قاضي خان»: أمَّا استِماعُ صوتِ المَلاهي ـ كالضَّرب ـ بالقضيب ونحو ذلك ـ حرام ومعصية؛ لقوله عليه السَّلامُ: «استماعُ المَلاهي معصية، والجُلوس عليها فسق، والتَّلنُّذُ بها من الكُفْرِ، إنَّما قال ذلك على
وجه التشديد، وإنْ سَمِعَ بَغتةً فلا إثم عليه، ويجب عليه أن يجتهد كلَّ الجهدِ حتى لا يسمَعَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل أصبعيه في أذنيه وأما قراءة أشعارِ العَرَبِ: ما كانَ فيها من ذكر الفِسْقِ والخَمرِ والغُلامِ مكروه؛ لأنَّه ذِكرُ الفَواحِشِ، انتهى.
وأَمَّا الرَّقْصُ فهو من علاماتِ النَّقص.
وسُئِلَ الشَّبلي عن السَّماعِ فقال: ظاهِرُه فتنة وباطِنُه عِبرةٌ، فَمَن عَرَفَ الإشارة حلَّ له السَّماعُ بالبشارة، وإلا فاستدعى الفتنة، وتعرَّضَ للبَليَّةِ، وأعطى زمامه لداعي اللَّذَّةِ.
وقال بعضُهم: إنَّما السَّماعُ حقيقةٌ ربَّانيَّة، ولطيفةٌ رُوحانية، تسري من السَّميع المُسمِعِ إلى الأسرارِ، بلطائفِ التَّحَفِ والأنوار، فيُمْحَقُ من القلبِ ما لم يَكُنْ، وَيَبقَى فيه ما لم يَزُل، فهو سماع بحَقِّ من حقِّ، كما يُشيرُ إليه حديث: «لا يزال العبد يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره، فبي يسمَعُ ويُبصِرُ».
وأمَّا الانزعاج الذي يلحَقُ المُتَواجِدَ، فمِن ضَعْفِ حاله عن تحمل الوارِدِ، وذلك لازدحام أنوارِ اللَّطائفِ وأسرارِ العَوارِفِ حول بابِ القلبِ الذي هو بيتُ الرَّبِّ، فيلحقه دَهَشُ في جَوانِحِه فيبعَثُ بجَوارِحِه، ويستريحُ إلى الصَّعِقَةِ والشَّهِقَةِ لغَلَبَةِ وَجْدِه وقُوَّةِ، وارده، وأكثر ما تكون هذه الحالات لأهل البدايات، وأما أهلُ النهاياتِ فالغالِبُ عليهم السُّكونُ والنُّبوتُ لانشراح صُدورِهِم وَاتَّسَاعِ قُلُوبِهم للوارِدِ عليهم والنَّازِلِ لديهم، فهم في سكونهم مُتَحرِّكون، وفي ثُبوتِهم مُتَغَلغلون، كما قيلَ
تقدم قريباً من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
لأبي القاسِمِ الجُنَيدِ: ما لنا لا نرى تَتَحَرَّكُ عندَ السَّماعِ حالَ الاجتماع، فقالَ: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَر السَّحَابِ} [النمل: ??].
وقال بعضُ أهل البشاراتِ: العارِفُ مَن يسمَعُ الطَفَ الإشارات من أكثفِ العِباراتِ. رُوِيَ: أَنَّ عليَّ بن أبي طالب - كرَّمَ اللهُ وجَهَهُ ـ سَمِعَ صوتَ النَّاقوس، فقال لأصحابه: أتَدرُونَ ما يقول؟ قالوا: لا، قال: يقولُ: سُبحانَ اللهِ حَقًّا حَقَّا، إِنَّ المَولى صَمَدٌ يبقَى. ودخل أبو عُثمانَ المغربي وواحِدٌ يسقي الماء من بئر على بَكْرةٍ، فتَواجَدَ هنالك، فقيل له في ذلك، فقالَ: إنَّها تقول: الله الله، أي: ليس في الكونِ سِواه. وقال أبو عُثمانَ المَغرِبيُّ: مَن ادَّعى السَّماعَ ولم يسمَعْ صَوتَ الطُّيُورِ، وَصَرِيرَ الباب، وتخفيق الرياح، فهو مُعْتَر مدع مُفْتَرٍ.
واللهِ درُّ مَنْ قالَ:
وكلُّ ناطِقَةٍ في الكونِ تُطرِبُني
ومَرَّ الشَّبلي يوماً بفقاعِيِّ، فَسَمِعَه يقولُ: ما بقي إلا واحد، فصاح وقال: هل كان إلا واحِدٌ.
وحُكِيَ: أنَّ بعضَ الصُّوفيَّةِ سَمِعَ رجُلاً يطوفُ ويُنادي: يا سَعْتَر بَرِّي، فَسَقَطَ وغُشِيَ عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك، فقالَ: َسمِعْتُه يقولُ: اِسعَ ترَ بِرِّي وجَرَى لغيره أيضاً مثله فقال: سمعته يقولُ: السَّاعَةَ تَرى بِرِّي.
فكأَنَّ الأَوَّلَ كانَ في مَقامِ المُجاهَدَةِ، والآخر في حالةِ المُشاهَدَةِ.
وقد سَمِعَ بعضُهم قائلاً يقولُ: الخِيارُ عَشَرَةٌ بحبَّةٍ، فَغَلَبَه الوَجْدُ هُنالك، فسُئِل عن ذلك، فقال: إذا كانَ الخِيارُ عَشَرةٌ بحَبَّة، فما قيمة الأشرار في مَقامِ المحبَّة؟
وحُكِيَ عن بعض المشايخ أنّه قال: رأيتُ أبا العبَّاسِ الخَضِرَ عليه السَّلامُ في المَنامِ، فقلتُ: ما تقولُ في هذا السَّماعِ الذي اختَلَفَ أصحابنا ووَقَعَ فِيه النزاع؟ فقالَ: هو الزلالُ الصَّفاءُ لا يَثْبُتُ عليه أقدامُ العُلماء الأقوياء.
وحكي عن] مِمْشَادِ الدِّينَوَرِي أَنَّه قال: رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّومِ،
فقلت: يا رسول الله! هل تُنكِرُ من هذا السَّماع شيئاً؟ قال: لا، ولكن قل لهم يفتتحون قبلَه بالقُرآنِ، ويختيمونَ بعده بالقُرآنِ.
وفيه إشارَةٌ حَفِيَّةٌ وبِشارَةٌ جَليَّةٌ أَنَّهم يُحفَظُونَ فيما بينهما، أو يكفي منهم ما وَقَعَ في أثنائهما.
والحاصِلُ: أَنَّ السَّمَاعَ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
منه ما هو الحرام، وهؤلاء لأكثر الأنام، لا سيّما منَ الشُّبَانِ والعوام، ممَّن غَلَبت عليهم شَهَواتُهم، وتمكّنت فيهم لذاتهم، وتملكهم حُبُّ الدُّنيا، حتَّى تَرَكُوا محبَّةَ المَولى والدَّارَ الأُخرى، واللَّذَّاتِ العُقْبَى، وتكدَّرَت بواطِنُهم وحالاتهم، وكَسَدَت مَقاصِدُهم ونيَّاتهم، فلا يُحرِّكُ السَّماعُ منهم إلا ما هو الغالب عليهم وعلى قلوبهم، من الصفاتِ المذمومة المكتومة لديهم، كما قيل: كلُّ إناء يترشَّحُ بما فيه.
وقد قال الله تعالى: {وَاللهُ مُخْرِجُ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: ??].
وقد قال أبو سُلَيمانَ الدَّارانيُّ: الصَّوتُ الحسَنُ لا يُدخِلُ في القلبِ شيئاً، إِنَّما يُحرِّكُ من القلبِ ما فيه. لا سيما في زماننا هذا معَ تكدر أحوالنا، وفَسادِ أعمالنا، وكساد أقوالنا، فنسأل الله العافية في مالنا.
ومنه ما هو المُباحُ: وهو لِمَن لا حظ له إلا التَّلنُّذُ بِمُجرَّدِ الصَّوتِ الحَسَنِ، واستدعاء الشرورِ والفَرَحِ المُستَحْسَنِ، كَمَن يتذكَّرُ به غائباً أو ميتاً صاحِباً، فيُثيرُ حُزنَه فيَستَروحُ بما يسمعُه، وكذا إذا وَجَدَ الماءَ وأحسّ هَمَّاً وغَمَّاً ونحو ذلك، فيحصل له نوع فرح هنالك.
ومنه مندوب: وهو لِمَن غَلَبَ حُبُّ الله عليه والشَّوقُ إليه، فلا يُحرِّكُ السَّماعُ منه إلا الصِّفاتِ الحَميدة والحالاتِ السَّعيدةَ، ويستدعي المقاماتِ العليَّةَ والكراماتِ السنيّة، والوارداتِ الإلهيّة والمواهب اللدنية.
فقد رُوِيَ عن عَونِ بنِ عبدِ الله يأمرُ جاريةٌ لها حَسَنَةَ الصَّوتِ فَتُغَنِّي بصوتٍ حَزين حتَّى يَبكي رضيَ اللهُ تعالى عنه.
قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ المَهدِي: ما كانَ بالعِراقِ أَحدٌ أَعلَمَ بِالسُّنَّةِ مِن عَونِ بنِ عبد الله.
وقال خارِجَة بن مصب: صحبت عون بن عبد الله أربعاً وعشرين سنة
فما أعلَمُ أنَّ الملائكة كتبَتْ عليه خَطيئَةٌ.
وما غَضِبَ قَطُّ، وكانَ إذا أعْضَبَه أَحَدٌ قالَ له: بارَكَ اللهُ فيك.
ونادَتْه أمه يوماً فأجابها بأعلَى صَوْتِه، فأعتَقَ من بعدِ ذلك رَقَبَتَينِ. وكان لا يكرِي دُورَه من المُسلمينَ خَشية أن يروِّعَهم عندَ طَلَبِ الأُجرة (6)، ولا شَتَمَ أحَداً قطُّ، لا خادِماً ولا شَيئاً.
ورُوِيَ عن مُسلِمٍ العَبَّادَانِيِّ قالَ: قَدِمَ علينا صالح المُرِّيُّ، وعُتبَةُ الغُلامُ، وعبد الواحِدِ بن زَيْدٍ، ومُسلِمُ الأسوارِيُّ، فَنَزَلُوا على السَّاحِلِ، فهيَّاتُ لهم ذاتَ يومٍ طَعاماً، فدَعَوتُهم إليه فجاؤوا، فلما وضَعْتُ الطَّعامَ بين أيديهم إذا قائِل يقولُ رافعاً صوتَه: ويُلهيك عن دارِ الخُلودِ مَطاعِمُ ولذَّةُ نَفسٍ غِيُّها غير نافع قالَ: فصاحَ عُتبَةُ الغُلامُ صَيحةً حَرَّ مَعْشِيّاً عليه، وبكى القَومُ فَرَفَعْنَا الطَّعامَ، وما ذاقوا والله منه لُقمةً.
قالوا: ويُستَعمَلُ في السَّماعِ ثلاثُ خِصال: يُسْقِطُ الخَلْقَ عن سره، ويَشغَلُ لسانه بذكرِه، وجارِحَةَ قلبِه بفكرِه.
ومُجمَلُ الكلامِ في مَقامِ المَرامِ: أَنَّ مَن سَمِعَ فَظَهَرت صِفاتُ نفسه، وحَضَرَت حِكايات غدِه وأَمسِه، وذكرَ حُظوظ دنياه، واستثارَ بسَماعِهِ وَسْواسَ هَواه، وأَشْغَلَتْه عن ذِكرِ مَولاه، والاستعدادِ لزادِ عُقباه، فالسَّماعُ عليه حَرامٌ.
ومَن سَمِعَ فَظَهَرَ له ذِكرُ ربِّه وخَوفٌ ذَنبِه، وتذكَّرَ آخِرَتَه وتأمل بداءَتَه وعاقبته، فأنتَج له ذلك شوقاً إلى الله، وخوفاً من مولاه، ورَجاءً لوَعْدِهِ، وحَذَراً من وعيده، فسماعه ذكرٌ من الأذكارِ، مَكتوبٌ في صَحائِفِ الأبرار، والله أعلَمُ بحقائق الأسرار، ودقائق الأخبار.
وقد قيل: لا يَصلُحُ السَّماعُ إِلَّا لِمَن له نفس ميتة وقلب حي، فنفسه ذُبِحَت بسيفِ المُجاهَدَةِ، وقلبه حيٌّ بنورِ المُشاهَدَةِ، وقد قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ, قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].
وهذا كله إذا لم يكن هنالك مُنكَرٌ منَ القَولِ أو الفعل، وإلا فقد قال العلامةُ البَزْدَوِيُّ في «فَتاويه»: إِنَّ القَولَ والرَّقص الذي يفعَلُه الصُّوفيَّةُ فِي زَمَانِنا حرام لا يجوزُ القَصْدُ والجُلوس إليه، وهو والغناء والمزامير سواء.
ثمَّ قَالَ: وجَوَّزَه أهلُ التَّصوُّفِ، واحتجوا بفعل المشايخ مِن قَبْلِهم. قالَ: وعندي أنَّ ما فعله أولئك غيرُ ما يَفعَلُه هؤلاءِ، فَإِنَّ في زمانِهم رَبَّما كَانَ يُنشَدُ شِعرُ فيه معنى يُوافِقُ أحوالهم، فمَن كانَ له قلب رقيقٌ إِذا سَمِعَ كلمةً تُوافِقُ حاله، أو تدلُّه على أمر هو فيه، ربَّما يُغشَى على عقله، فيقومُ من غير اختيار، ويخرج منه حَرَكات اضطراريَّة، وذلك ممَّا لا يُستَبْعَدُ أن يكونَ جائزاً، ممَّا لا يُؤَاخَذُ به، ولا يُظَنُّ مَشايِخُ السَّلَفِ أَنَّهم فعَلُوا مثلَ مَا يَفعَلُ أَهْلُ زَمانِنا.
وقال الأستاذ نَجمُ الدِّينِ عمرُ النسفي المعروف بأبي حفص الكبير في «فَتاويه»: إنَّ سماع الغناء، والضَّربَ بالدُّفٌ، والتّصفيق والرَّقص وتمزيقَ الشَّيابِ، الذي يفعله المُتصوّفةُ وغيرهم، لا يُعرَفُ لمثل هذا في الشَّرع جواز، وهو محظور شرعاً، وهو من الملاهي التي تُوجِبُ القَدْحَ في العدالة، انتهى. وقد وَرَدَ النَّهيُّ عن الغناء والاستماع إلى الغناء، كما رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ والخَطيبُ
بسنَدٍ ضَعيف عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهما.
وأخرَجَ الخَطيبُ أيضاً بسنَدٍ ضَعيف أيضاً عن عليٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ـ أَنَّه نهى عن ضَرْبِ الدُّفٌ، ولَعِبِ الصَّنْج، وضَرْبِ الزَّمَّارة.
رواه الطبراني في المعجم الأوسط) (????)، والخطيب في تاريخ بغداد (225/8)، ولفظ الخطيب: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغناء والاستماع إلى الغناء، ونهى عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة، وعن النميمة والاستماع إلى النميمة، ولفظ الطبراني مختصر بذكر النميمة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (??/?): فيه فرات بن السائب وهو متروك».
رواه الخطيب في تاريخ بغداد» (??/ ???). قال ابن طاهر في كتاب «السماع» (ص ??): =
@
ونقل الإمامُ القُرطبيُّ: أَنَّ أَوَّلَ مَن أحدَثَ الرَّقص والتَّواجُدَ أَصحابُ السَّامِرِيِّ، لمَّا اتَّخذ لهم عِجْلاً جسداً له خُوار قاموا يرقصون حوله.
وذكر بعضُ شُرَّاحِ الرِّسالةِ» من المالكيَّةِ كلاماً جامعاً لمذاهب الأئمة الأربعة؛ فقال:
قالت الحنفيَّةُ: إِنَّ الحصير الذي رَقَصُوا عليه لا يُصَلَّى عليه حتَّى يُغسَلَ. وقالت المالكيَّةُ: مَن حضَرَ هذا السَّماعَ المعهود يصير فاسقاً، وإن اعتَقَدَ حِلَّه صارَ مُرتَدَّاً.
وقالتِ الشَّافعيَّةُ: يجب على ولاة الأمرِ رَدْعُهم.
وقالت الحنابلةُ: إِنَّ الشَّاهِدَ إِذا حَضَرَ معَهم سَقَطَتْ عَدَالله، انتهى. والحقُّ أنَّ المسألةَ مُختَلَفٌ فيها بينَ العُلماء والمشايخ الصُّلَحاءِ، والاحتياط في عَدَمِ التَّكفير لمُستَحِلَّه؛ لقوله عليه السَّلامُ: «اِدْرَزُوا الحدودَ بالشُّبُهَاتِ».
=رواه عبد الله بن ميمون عن فطر بن سالم، قال: قال علي بن أبي طالب .. ، وهو عبد الله القداح واهي الحديث، ومطر هذا شبيه المجهول.
انظر: تفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَدْعُوَا مِن دُونِهِ إِلَهَا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} [الكهف: 14].
رواه بنحوه الترمذي (1424) من حديث عائشة رضي الله عنها، وإسناده ضعيف لضعف يزيد بن زياد الشامي. ورواه بنحوه أيضاً ابن ماجه (2545) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وإسناده ضعيف أيضاً لضعف إبراهيم بن الفضل المخزومي. ورواه بنحوه أيضاً البيهقي في «السنن الكبرى» (?/ ???) من حديث علي رضي الله عنه، وإسناده أيضاً ضعيف لضعف المختار بن نافع، قال البيهقي: قال البخاري: المختار بن نافع منكر الحديث. وروي موقوفاً عن عدد من الصحابة، وقال البيهقي في السنن الكبرى» (?/ 123 - 124): «أصح الروايات فيه عن الصحابة رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود قوله. قلت: رواها ابن أبي شيبة في المصنف» (38498) بلفظ: «ادرءوا القتل والجلد عن المسلمين ما استطعتم». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير» (4 / 56): ورواه أبو محمَّدِ بن حَزْمٍ في كتاب «الإيصال» من حديث عُمَرَ موقوفًا عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شَيْبَةَ [(28493)] من =
@
وقالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ على فعل اختَلَفَ العُلماء فيه. وقد قال العلامة كمالُ الدِّين الدميري السَّماعُ على الصُّورِ المعهودةِ مُنكَرُ وضلالة، واستماعُ الدُّفُ والشَّبَابَةِ حَرام، وقد قال جماعة من العلماء بتحريمه، ولم يقُلِ الشَّافعي بإباحتِهِ، ومَن زَعَمَ أَنَّه يزيدُ في الذوقِ فهو جاهِلٌ أو شَيطان.
وسَألَ الإمامُ مالكٌ عن أهلِ الرَّقص من العوام على الطَّارِ والمِزْمارِ قال: أَهُم مجانين؟ قالُوا: لا، قال: سُحقاً سُحْقا، إنَّهم في النَّارِ.
ولله در من قالَ:
لم يشرع المُصطفى الهادي لأمته فعل المُكاءِ ولا رَقْصاً وتصفيقاً لو أنَّ قلبَ الفَتَى للرَّقص يُصلِحُه لأصبَحَ القِرْدُ قُطْبَ الغَوْثِ تحقيقاً وما أبعدَ مَن استَدَلَّ على إباحةِ الرَّقص المَعروفِ بالنَّقص، بما وَرَدَ أَنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لزيد بن حارثة أنتَ مَولانا فحَجَلَ، وقال لجعفر بن أبي طالب: «أَشبَهْتَ خَلْقي وخُلقي فحَجَلَ، وقال لعليٌّ كرَّمَ الله وجهَه: «أنتَ منِّي وأنا منكَ»، فحَجَلَ.
طريق إبراهيمَ النَّخَعي عن عُمَرَ: لَأَنْ أُخْطِئ في الحدُودِ بالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إليَّ من أَنْ أَقِيْمَهَا بِالشُّبُهَاتِ. وفي «مُسْنَدِ أَبي حَنِيفَةَ» للحارثي من طريق مِقْسَمٍ عن ابن عَبَّاسِ بلفظ الأصل مرفوعًا». ولفظ الأصل هو لفظ المؤلف عينه.
محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري، أبو البقاء، من فقهاء الشافعية من أهل دميرة بمصر ولد ونشأ وتوفي بالقاهرة. كان يتكسب بالخياطة ثم أقبل على العلم وأفتى ودرس، وكانت له في الأزهر حلقة خاصة، وأقام مدة بمكة والمدينة. من كتبه حياة الحيوان»، و «الديباجة في شرح كتاب ابن ماجه»، و «النجم الوهاج»، وغيرها، توفي (???ه). انظر: «الضوء اللامع للسخاوي (59/10).
ذكر نحو هذه القصة: القاضي عياض في ترتيب المدارك) (9?/? ـ 94)، وليس فيها اسحقاً سحقاً إنهم في النار.
رواه الإمام أحمد في المسند (?/ ???) (857)، وإسناده ضعيف، تفرد فيه هانئ بن هانئ، وقد =
@
وأمَّا ما نُقِلَ عن عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ ومُعاوِيَةَ وعَطاءِ وَالشَّعبِيِّ، وغيرِهم من السَّلَفِ: أَنَّهم سمِعوا العُودَ والأوتار، فمَحمولٌ على عَدَمِ بُلوغِ النَّهي إليهم من الآثارِ والأخبار، أو كانَ ذلك باجتهادٍ منهم مُخالف لاجتهادِ غيرهم، واختِلافُ الأُمَّةِ رَحمةُ، والعِبرة بعموم الأمة؛ لقوله عليه السَّلام: «لا تَجتَمِعُ أُمَّتي على الضَّلَالِةِ، وَمَن شَذَّ شَدَّ فِي النَّارِ، فعَلَيكُمْ بالسَّوادِ الأعظم»، والله سبحانه وتعالى أعلَمُ.
قالَ سَهْلُ بنُ عبدِ اللهِ التَّسْتَرِيُّ: كلُّ وَجْدِ لا يَشْهَدُ له الكتابُ والسُّنَّةُ فهو باطِلٌ، والسَّماع مزلةٌ قَدَم يجب حفظ الضعفاء عنه.
وقد قال الجنيد رضي الله عنه: رأيتُ إِبليس في النوم، فقُلتُ له: هل تظفر من أصحابنا بشيء؟ قال: نعم، في وقتينِ: وَقتِ السَّماعِ، ووَقتِ النَّظَرِ، فإنِّي أدخُلُ عليهم، فقال بعضُ الشُّيوخ: لو رَأَيْتُه لقُلتُ: مَا أَحْمَقَكَ! مَن يَسمَعْ منه إذا سَمِعَ ويَنظَرْ إليه إذا نظَرَ كيف تظفَرُ به؟ قالَ الجُنَيدُ: صَدَقَتَ.
ولا يخفى أنَّ الجمع بين الشريعة والحقيقة، هو مرتبة أهل الكمال في الطَّريقة، فلا يليقُ أمثال ذلك لمَناصِبِ الأكابر والقدوة هنالك، فإنَّ مُباحاتِ العوام سيِّئَاتُ الأبرار، وحسناتِ الأبرار سيِّئَاتُ المُقرَّبينَ الأحرار.
=قال عنه الحافظ في التقريب»: مستور. وقد بالغ ابن حجر الهيتمي في رده فقال عنه في كف الرعاع (ص 56): كذب مختلق لا تحلّ روايته ولا الاحتجاج به. ورواه الإمام أحمد أيضاً (?/ ??) (???) بإسناد حسن دون قوله: فحجل»، وانظر الكلام عليه في التعليق على المسند» ط الرسالة.
رواه ابن حزم في الإحكام) (4 / 576) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: لا يصح.
انظر: «إحياء علوم الدين» (2/ 302).
المصدر السابق، وفيه: « ... من سمع منه إذا سمع ونظر إليه ... ».
@
وحاصل الكلامِ المَنقول عن المشايخ الكرام والعُلماء الأعلام في السَّماعِ: أَنَّه أباحَه مَن لا ينبغي لنا الاغتِرارُ عليه، وأنكَرَه مَن نَرجِعُ في الفتوى الشرعية إليه.
ثمَّ اعْلَمْ أنَّ ما يفعله بعضُ المُنتسبين إلى المشايخ المُتقدِّمين منَ الجَمعِ بينَ الذَّكرِ والشَّبابة، أو الدُّفّ والتصفيق والترقيص، فَمُنكَر عظيمٌ في هذا الزَّمانِ، يجب إنكارُه لِمَن قَدَرَ عليه، إما باليد أو اللسان أو بالجَنانِ، وذلك أضعَفُ الإيمان.
فنَسأَلُ اللهَ العَفْوَ والعافية وحُسن الخاتمة، وحُصول الغُفْرانِ ووُصول الرضوان، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
***