الجزء 1 · صفحة 1
الكتاب: الإسعاف فى أحكام الأوقاف
المؤلف: إبراهيم بن موسى بن أبي بكر ابن الشيخ علي الطرابلسي، الحنفي (ت 922 هـ)
الناشر: طبع بمطبعة هندية بشارع المهدى بالأزبكية بمصر المحمية
الطبعة: الثانية، 1320 هـ - 1902 م
عدد الصفحات: 146
أعده للشاملة: مصطفى معروف
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 21 شعبان 1433
الإسعاف فى أحكام الأوقاف (ص: 1)
الجزء 1 · صفحة 2
كتاب
الإسعاف فى أحكام الأوقاف
تأليف
الشيخ الإمام العلامة حسام المعاني النعمان الثاني
برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أبى بكر
ابن الشيخ على الطرابلسي الحنفي
على نفقة
أمين هندية
الطبعة الثانية
طبع بمطبعة هندية بشارع المهدي بالأزبكية بمصر المحمية
سنة 1902 ـ 1320
الجزء 1 · صفحة 3
?
الحمد لله الذي خلق الإنسان فى أحسن تقويم، وهدى من شاء منه إلى الصراط المستقيم، وأمره بالصلاة والصدقة والصيام، والحج إلى بيته الحرام، ليفوز بالنعيم المقيم، وجاد على من وقف فى سبيل الخيرات نفسه وماله، لما علم أن إليه مآله، بالفضل الجسيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له البر الجواد الكريم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الموصوف بالخلق العظيم، الواقف نفسه الزكية للشفاعة العظمى، يوم يفر الحميم من الحميم، والمرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، ذلك تقدير العزيز العليم (وبعد)
فإن العلماء الأولين، قد جعلهم الله رحمة للآخرين، لبذل مهجهم فى ضبط أحكام دين الإسلام، من كل واجب مندوب ومباح وحرام، وألهم الخلفاء الماهرين، ترتيبه على أبواب وفصول نعمة للآخرين، وان كتاب أحكام الأوقاف للإمام الهمام أبى بكر أحمد بن عمرو الخصاف بوأه الله دار السلام، لمَّا كان العمدة فى هذا الفن من تأليف الأوائل، وكان مكرر الصور والمسائل، مشحونا بجعل أحكام الوصايا له دلائل، وكان كثير الأبواب، غير خال عن الأطناب، اختصرته إلى كتاب احتوى على ما فيه من المقاصد، وعلى ما فى كتاب هلال بن يحيى من الزوائد، وضممت إليه كثيراً من المسائل والأصول ورتبته على أبواب وفصول، ليسهل بها الوصول إلى ما فيه منقول، وسميته الإسعاف، فى أحكام الأوقاف، وبالغت فى
الجزء 1 · صفحة 4
تصريح الكلام، حتى صارت مسائله على طرف التمام، والحمد لله على المبدا والتمام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه الغر الكرام، الأئمة البررة العظام، عدد قطر الغمام.
كتاب الوقف
هو فى اللغة الحبس، يقال وقفت الدابة إذا حبستها على مكانها ومنه الموقف لأن الناس يوقفون أي يحبسون للحساب وفى الشرع هو حبس العين على حكم ملك الواقف أو عن التمليك والتصدق بالمنفعة على اختلاف الرأيين وسنبينه وهو جائز عند علمائنا أبى حنيفة وأصحابه ? وذكر فى الأصل كان أبو حنيفة ? لا يجيز الوقف فأخذ بعض الناس بظاهر هذا اللفظ وقال لا يجوز الوقف عنده وقال الخصاف أخبرني أبى الحسن بن زياد قال قال أبو حنيفة ? لا يجوز الوقف إلا ما كان منه على طريق الوصايا وعن أبى يوسف ? كان يقول يقول أبى حنيفة حتى قيل له أنه كان لعمر بن الخطاب ? أرض تدعى ثمغ فوقفها وسيأتي مسندا فرجع عنه وقال لو بلغ هذا الحديث أبا حنيفة لرجع والصحيح أنه جائز عند الكل وإنما الخلاف بينهم فى اللزوم وعدمه فعند أبى حنيفة ? يجوز جواز الإعارة فتصرف بينهم فى اللزوم وعدمه فعند أبى حنيفة ? يجوز جواز الإعارة فتصرف منفعته إلى جهة الوقف مع بقاء العين على حكم ملك الواقف ولو رجع عنه حال حياته جاز مع الكراهة ويورث عنه ولا يلزم إلا بأحد أمرين إما أن يحكم به القاضي بدعوى صحيحة وبينة بعد إنكار المدعى عليه فحينئذ يلزم لكونه مجتهدا فيه واختلفوا فى قضاء المحكم والصحيح انه لا يرفع الخلاف ولو كان الواقف مجتهدا يرى لزوم الوقف فأمضى رأيه فيه وعزم على زوال ملكه عنه أو مقلدا فسأل فأفتى بالجواز وعزم على ذلك لزم الوقف ولا يصح الرجوع فيه وأن تبدل رأى
الجزء 1 · صفحة 5
المجتهد أو أفتى المقلد بعدم اللزوم بعد ذلك أو يخرجه مخرج الوصية فيقول أوصيت بغَّلة أرضى أو دارى أو يقول جعلتها وقفا بعد موتى فتصدقوا بها على المساكين أو يوصى بأن توقف فإنه يلزم فى رواية عنه والصحيح أنه يصح من الثلث غير لازم اتفاقا لكونه وصية محضة واللزوم إنما هو فى حق ورثته حتى لو مات من غير رجوع يلزمهم التصدق بمنافعه مؤبدا ولا يمكنهم أن يتملكوه بعده لتأبد الوصية فيه بعدم إمكان انقطاع الفقراء بخلاف الوصية بخدمة عبده لإنسان بعينه فإنه إذا مات الموصى له يرجع العبد إلى ورثة الموصى لانتهائها بموت المستحق للخدمة وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله يلزم الوقف بدون هذين الشرطين وهو قول عامة العلماء وهو الصحيح لأن النبى ? تصدق بسبع حوائط فى المدينة وإبراهيم الخليل ? وقف أوقافاً وهى باقية إلى يومنا هذا وقد وقف الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة ? وسيأتي مصرحا به ثم أن أبا يوسف ? قال يصير وقفا بمجرد القول لأنه بمنزلة الإعتاق عنده وعليه الفتوى وقال محمد ? لا يصير وقفا إلا بأربعة شروط وستأتي فى أول الفصول ولأبى حنيفة ? ما روى عن ابن عباس ? أنه قال لما نزلت سورة النساء سمعت رسول الله ? يقول لا حبس بعد سورة النساء وما روى لا حبس عن فرائض الله، وعن شريح ? جاء محمد ببيع الحبس ولأنه عقد على منفعة معدومة فيكون جائزاً غير لازم كما هو الصحيح عنه أو غير جائز كما تقدم والدليل على أنه باق على حكم ملكه بعد الوقف أنه لو قال تصدقوا على فلان فإذا مات فعلى أولاد فلان يفعل كما قال وأنه يجوز الإنتفاع به زراعة وسكنى وأن ولاية التصرف فيه إليه ولهذا عرَّف على قوله بأنه حبس العين على حكم ملك إلى آخره ولأنه لا يمكن أن يزول ملكه عنه لا إلى مالكه مع بقائه لأنه غير مشروع إذ حينئذ يصير
الجزء 1 · صفحة 6
كالسائبة بخلاف الإعتاق لأنه إتلاف لمالية المعتق وبخلاف المسجد لأنه جعله لله تعالى خالصا ولهذا لا يجوز الإنتفاع به وهذا لم ينقطع حق العبد عنه فلم يصر خالصا لله تعالى ولما كان الوقف عندهما إسقاط الملك لا إلى مالك كالمسجد عرفوه بأنه حبس العين عن التمليك والتصدق بالمنفعة وأصل قولهما ما رواه أبو بكر أحمد بن عمرو الخصاف فى كتابه قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال أنبأنا صالح بن جعفر عن المسور بن رفاعة قال قتل مخيريق على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله ? وأوصى أن أصبت فأموالي لرسول الله ? يتصدق بها قال وحدثنا عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن إبراهيم قال حدثني عبد الله بن كعب بن مالك قال مخيريق يوم أحد فأوصى إن أصبت فأموالي لرسول الله ? يضعها حيث أراه الله تعالى فهي عامة صدقات رسول الله ?، وحدثني محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال سمعت عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول فى خلافته بخناصرة سمعت بالمدينة والناس بها يومئذ كثير من مشيخة من المهاجرين والأنصار أن حوائط رسول الله ? السبعة التي وقف من أموال مخيريق وقال إن أُصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله تعالى وقتل يوم أُحد فقال رسول الله ? مخيريق خير يهود، قال وحدثني ابن أبى سبره عن إسماعيل بن أبى حكيم قال شهدت عمر بن عبد العزيز ورجل يخاصم إليه فى عقار حبس لا يباع ولا يوهب ولا يورث فقال يا أمير المؤمنين كيف تجوز الصدقة لمن لا يأتي ولم يدر أيكون أم لا فقال عمر ? أردت أمرا عظيما فقال يا أمير المؤمنين إن أبا بكر وعمر كانا يقولان لا تجوز الصدقة ولا تحل حتى تقبض قال عمر بن عبد العزيز ? الذين قضوا بما تقول هم الذين حبسوا العقار والأرضين على أولادهم وأولاد أولادهم عمر وعثمان وزيد ابن ثابت
الجزء 1 · صفحة 7
فإياك والطعن على من سلفك والله ما أحب أني قلت ما قلت وأن لي جميع ما تطلع عليه الشمس أو تغرب فقال يا أمير المؤمنين إنه لم يكن لي به علم فقال عمر استغفر ربك وإياك والرأي فيما مضى من سلفك أو لم تسمع قول عمر ? للنبي ? ان لي مالا أحبه فقال رسول الله ? احبس أصله وسبل ثمره ففعل فلقد رأيت عبد الله بن عبيد الله يلي صدقة عمر وأنا بالمدينة وال عليها فيرسل إلينا من ثمرته، قال وحدثني أبى سبرة عن المسور بن رفاعة عن ابن كعب القرظي قال كانت الحبس على عهد رسول الله ? سبعة حوائط بالمدينة الأعواف والصافية والدلال والمثيب والبرقة وحسنا والمشربة أم إبراهيم وإنما سميت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم ماريه كانت تنزلها قال ابن كعب وقد حبس المسلمون بعده على أولادهم وأولاد أولادهم وقد حبس أبو بكر ? رباعا له بمكة وتركها فلا نعلم أنها ورثت عنه ولكن يسكنها من حضر من ولد ولده نسله بمكة ولم يتوارثوها فإما ان تكون صدقة موقوفة أو تركوها على ما تركها أبو بكر ? وكرهوا مخالفة فعله فيها وهذا عندنا شبيه بالوقف وهى مشهورة بمكة، وحبس عمر ? قال حدثنا يزيد بن هرون قال حدثنا عبيد الله بن عون عن نافع عن ابن عمر ? قال أصاب عمر ? مرة أرضا بخيبر فقال يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني فقال رسول الله ? إن شئت حبست أصلها وتصدقت بثمرتها فجعلها عمر ? لا تباع ولا توهب ولا تورث تصدق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل وفى الرقاب والغزاة فى سبيل الله والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف وأن يطعم صديقا غير متموّل منه وأوصى به إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر، وقال وحدثنا
الجزء 1 · صفحة 8
محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا قدامه بن موسى الجمحى عن بشر مولى المازنيين قال سمعت جابر بن عبد الله يقول لم كتب عمر بن الخطاب ? صدقته فى خلافته دعا نفرا من المهاجرين والأنصار فأحضرهم ذلك وأشهدهم عليه فانتشر خبرها قال جابر ? فلم أعلم أحدا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالا من ماله صدقة مؤبدة لا تشترى ولا توهب ولا تورث، قال حدثنا الواقدي قال لي أبو يوسف ? ما عندك فى وقف عمر بن الخطاب ? فقلت أنبأنا أبو بكر بن عبد الله عن عاصم بن عبد الله عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة قال شهدت كتاب عمر ? حين وقف وقفه انه فى يده فإذا توفى فهو إلى حفصة بنت عمر فلم يزل عمر يلي وقفه إلى أن توفى ولقد رأيته هو بنفسه يقسم تمر ثمغ فى السنة التي توفى فيها ثم صار إلى حفصة ? فقال أبو يوسف ? هذا الذي أخذنا به إذا اشترط الذي وقف أنه فى يده فى حياته ثم إذا توفى فهو إلى فلان بن فلان فهو جائز وهذا فعل عمر ? كما ترى، وحبس عثمان بن عفان ? قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي الأسلمي قال حدثنا عمر بن عبد الله عن عنبسة قال تصدق عثمان فى أمواله على صدقة عمر بن الخطاب، قال وحدثنا فروة بن اذينة قال رأيت كتابا عند عبد الرحمن ابن ابان بن عثمان فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تصدق به عثمان بن عفان فى حياته تصدق بماله الذي بخيبر يدعى مال ابن أبى الحقيق على ابنه ابان بن عثمان صدقة بتله لا يشترى أصله أبدا ولا يوهب ولا يورث شهد على بن أبى طالب ? وأسامة بن زيد وكتب، وحبس على بن أبى طالب ? قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا سليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد عن أبيه عن على بن أبى طالب ? أن عمر بن الخطاب ? قطع لعلىّ
الجزء 1 · صفحة 9
رضي الله عنه بنبع ثم اشترى على ? إلى قطيعته التي قطع له عمر أشياء فحفر فيها عينا فبينما هم يعملون إذ تفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتى عليا فبشره بذلك فقال ? فبشره الوارث ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين فى سبيل الله وابن السبيل القريب والبعيد فى السلم والحرب يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ليصرف الله النار عن وجهه بها وبلغ جدادها فى زمن على ? ألف وسق، قال وروى موسى بن داود قال حدثنا القاسم بن الفضل قال حدثنا محمد بن على بن أبى طالب ? تصدق بأرض له بتا بتلا ليقي بها وجهه عن جهنم على مثل صدقة عمر غير أنه لم يستثن منها للوالي شيئا كما استثناه عمر ? قال حدثنا على عن عيينة عن عمرو بن دينار قال فى صدقة على ابن أبى طالب ? أن جبيرا ورباحا وأبا نيزر موالي يعملون فى المال خمس حجج منه نفقاتهم ونفقات أهليهم ثم هم أحرار لوجه الله تعالى، قال وحدثني ابن أبى سبرة عن يحيى بن شبل قال رأيت على بن الحسين يبيع من رقيق صدقة على ويبتاع، قال حدثنا بشر بن الوليد قال أنبانا أبو يوسف قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده أنه تصدق بينبع فقال أبتغى بها مرضاة الله تعالى ليدخلني بها الله الجنة ويصرفني عن النار ويصرف النار عنى فى سبيل الله ووجهه وذي الرحم والبعيد والقريب لا تباع ولا توهب ولا تورث كل مال لي ينبع غير أن رباحا وأبا نيزر وجبيرا أن حدث بي حدث فليس عليهم سبيل وهم محررون موال يعملون فى المال خمس حجج وفيه نفقتهم ورزقهم ورزق ما كان لي ينبع حياً أنا أو ميتا ومع ذلك ما كان لي بوادي القرى من مال ورقيق حيا أنا أو ميتا ومع ذلك الأدينة وأهلها حيا أنا أو ميتا ومع ذلك عبد أهلها وان زريعا له مثل ما كتبت لأبى نيزر ورباح وجبير، وحبس الزبير رضي الله قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي
الجزء 1 · صفحة 10
قال حدثنا ابن أبى الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام ? أنه جعل دوره على بنيه لا تباع ولا تورث ولا توهب وان للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضى بها فإذا استغنت بزوج فليس لها حق، وحبس معاذ بن جبل ? قال حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثنا النعمان بن معن عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال وحدثنا يحيى بن عبد الله بن أبىّ عن أبيه قالا كان معاذ بن جبل ? أوسع أنصارى بالمدينة ربعا فتصدق بداره التي يقال لها دار الأنصار اليوم وكتب صدقته قالا ثم ان ابن أبى اليسر خاصم عبد الله بن أبى قتادة فى الدار وقال ينبع هي صدقته على من لا ندرى أيكون أولا يكون وقد قضى أبو بكر وعمر ? لا صدقة حتى يقبض فاختصموا إلى مروان ابن الحكم فجمع لهم مروان بن الحكم أصحاب رسول الله ? فرأوا أن تنفذ الصدقة على ما سبل ورأوا حبس بن أبى اليسر فيكون له أدبا فحبسه أياما هم كلم فيه فخلاه فلقد كان الصبيان يضحكون به، وقد حبست عائشة ? وأختها أسماء وأم سلمه وأم حبيبة وصفية أزواج النبى ?، وحبس سعد بن أبى وقاص وخالد بن الوليد وجابر بن عبد الله وعقبة ابن عامر وعبد الله ابن الزبير وغيرهم ? أجمعين وهذا إجماع منهم على جواز الوقف ولزومه ولان الحاجة ماسة إلى جوازه لقول زيد بن ثابت ? لم نرى خيرا للميت ولا للحى من هذه الحبس الموقوفة أما الميت فيجرى أجرها عليه وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها فان زيد بن ثابت ? جعل صدقته التي أوقفها على سنة صدقة عمر بن الخطاب رضي الله وكتب كتابا على كتابه هذا وأما الجواب عن قوله ? لا حبس عن فرائض الله فنقول أنه محمول على أنه لا يمنع أصحاب الفرائض
الجزء 1 · صفحة 11
عن فروضهم التي قدرها الله لهم فى سورة النساء بعد الموت بدليل نسخها لما كانوا عليه من حرمانهم الإناث قبل نزولها وتوريثهم بالمؤاخاة والموالاة مع وجودهن وقول شريح جاء محمد ببيع الحبس محمول على حبس العفرة مثل البحيرة والوصيلة والسائبة والحام عملا بما هو صريح اللفظ متواتر المعنى وحملا للمحتمل عليه توفيقا بين الأدلة والله اعلم.
[باب فى ألفاظ الوقف وأهله ومحله وحكمه]
يتوقف انعقاد الوقف على صدور ركنه من أهله مضافا إلى محل قابل لحكمه لما علم أن قيام ذات التصرف بالأهل وقيام حكمه بالمحل (فركنه) لفظ الوقف وما فى معناه كقوله صدقة محرمة أو صدقة محبسه أو صدقة مؤبدة أو صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث أو صدقة موقوفة (وأهله) أهل التبرع وهو الحر العاقل البالغ غير مرتد ولا مديون محجور عليه فيصح منه لازما عندهما ولو فى مرض الموت إلا أن للورثة إبطال ما زاد على الثلث كالتدبير ولا يصح من العبد إلا إذا أذن له مولاه وكان غير مستغرق بالدين ولو استغرقه لا يصح وقفه وإن أذن له سيده مع الغرماء بناء على قول أبى حنيفة ? ولا من الصبي والمجنون الذي لا يعقل لعجزهما عن التصرف ولا من المرتد وسيأتي بيانه فى آخر الأبواب ولا من المديون (1) المحجور على قول من يرى به وإن لم يكن محجورا عليه يصح وقفه وإن قصد به ضرر غرمائه لثبوت حقهم فى ذمته دون القي (ومحله) المال المتقوم بشرط كونه عقارا أو منقولا أو متعارفا وقفه وسيأتي بيانه فى فصله (وحكمه) ما ذكر فى تعريفه من أنه حبس العين عن التمليك والتصدق بالمنفعة فلو قال أرضى هذه صدقة موقوفة مؤبدة جاز لازما عند عامة
الجزء 1 · صفحة 12
العلماء إلا أن محمدا ? اشترط التسليم إلى المتولي واختاره جماعة وعند أبى حنيفة ? يكون نذرا بالصدقة بغلة الأرض وبيقى ملكه على حاله فإذا مات تورث عنه ولو قال صدقة موقوفة مؤبدة فى حياتي وبعد وفاتي جاز عندهم إلا أن أبا حنيفة ? قال ما دام الواقف حيا كان ذلك نذرا منه بالتصدق بالغلة وكان عليه الوفاء بما نذر ولو رجع عنه جاز ولو لم يرجع حتى مات جاز من الثلث ويكون سبيله سبيل من أوصى بخدمة عبده لإنسان فإن الخدمة تكون للموصى له والرقبة على ملك مالكها حتى لو مات الموصى له بها يصير العبد ميراثا لورثة المالك إلا أن فى الوقف لا يتوهم انقطاع الموصى لهم وهم الفقراء فتتأبد هذه الوصية ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة أو قال وقف ولم يزد على هذا لا يجوز عند عامة مجيزي الوقف قال هلال ? لأن الوقف يكون للغنى والفقير ولم يسم لأيهما هو فلذلك أبطلته وصار كما لو قال أرضى محبوسة ولم يزد على ذلك فإنها لا تكون وقفا ولأن الأرض توقف للدين والوصايا ولحبس الأصل فهذا وقف لم يسم سبيله ووجوهه فلم يتصدق بغلته فقد خرج من أن يكون على ما أمر به النبى ? عمر بن الخطاب ? لأنه إنما ذكر حبس الأصل ولم يذكر الصدقة على ما أمر به عمر بن الخطاب فلذلك أبطلته حتى يجتمع الكلامان الصدقة والحبس فإذا اجتمعا كان الوقف جائزا وقال أبو يوسف ? يجوز ويكون وقفا على المساكين لأن مطلقه ينصرف إلى المساكين عرفا (1) ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة أو موقوفة صدقة ولم يزد على هذا جاز فى قول أبى يوسف ومحمد وهلال الرأي ? ويكون وقفا على الفقراء وقال يوسف بن خالد السهتي ? لا يجوز ما لم يزد قوله وآخرها للفقراء أبدا والصحيح قول أصحابنا لأن محل الصدقة فى الأصل الفقراء فلا يحتاج إلى ذكرهم ولا انقطاع
الجزء 1 · صفحة 13
لهم فلا يحتاج إلى ذكر الأبد أيضا ولو قال أرضى هذه محرمة صدقة جاز ويكون هذا بمنزلة قوله موقوفة صدقة لأن المحرمة بمنزلة قوله موقوفة فى لغة أهل المدينة ولو قال حبست أرضى هذه أو قال أرضى هذه حبس لا تكون وقفا فى قولهم ولو قال حرمت أرضى هذه أو قال أرضى هذه أو قال هي محرمة (قال الفقيه) أبو جعفر هذا على أبى يوسف كقوله موقوفة ولو قال حبيس موقوف أو حبيس وقف فهو باطل قال هلال فى قلنا وقول أبى حنيفة لأن معنى قوله وقف ومعنى قوله حبيس سواء فكأنه قال أرضى وقف وهذا باطل لا يجوز فى قولنا وقال وكذلك لو قال هي محرمة حبيس أو حبيس محرمة لا يجوز لأنه ذكر حبس الأصل ولم يسم لمن الغلة فلذلك أبطلته ولو قال موقوفة حبيس محرمة لا تباع ولا توهب ولا تورث ولم يزد على ذلك لا يجوز إلا أن يجعل فيها معنى الصدقة أو المساكين مع حبس الأصل فيجوز ذلك عندنا ولو قال حبيس صدقة أو صدقة حبيس قال هلال هذا جائز (وقال الفقيه أبو جعفر) هذا ينبغي أن يكون بمنزلة قوله صدقة موقوفة ولو قال هي موقوفة لله تعالى أبدا جاز وإن لم يذكر الصدقة ويكون وقفا على الفقراء لأن فى قوله موقوفة لله تعالى أبدا دليلا على أنه أراد بها المساكين لأن فيه قربة إلى الله تعالى بقوله لله تعالى وخرجت من أن تكون موقوفة للدين بقوله لله تعالى أبدا وكذا لو قال صدقة موقوفة على المساكين ولم يقل أبدا أو قال موقوفة لوجه الله تعالى أو موقوفة لطلب ثواب الله تعالى ولو أوصى بأن يوقف ثلث أرضه بعد وفاته لله تعالى أبدا تكون وصية بالوقف على الفقراء ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة على فلان صح ويصير تقديره صدقة موقوفة على الفقراء لأن محل الصدقة الفقراء إلا أن غلتها تكون لفلان ما دام حيا ومثله لو قال صدقة موقوفة على زيد أبدا أو قال على ولدى أبدا لأنه يصح من غير ذكر الأبد فمع ذكره أولى ولا يصح على قول يوسف بن خالد السهتى وإن ذكر الأبد لأن ذكر لفظ
الجزء 1 · صفحة 14
الأبد مضاف إلى الصدقة على زيد أو ولده وهو لا يتأبد فيلغو هذا اللفظ وكذا لو قال أرضى هذه صدقة موقوفة على وجه الخير والبر أو قال على وجه الخير أو قال على وجه البر يكون وقفا على الفقراء لأن البر عبارة عن صدقة ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة فى الحج عنى أو العمرة عنى يصح الوقف ولو لم يقل عنى لا يصح لأنهما ليسا بصدقة ولو قال أرضى هذه موقوفة على الجهاد أو فى الجهاد أو فى الغزو أو قال فى أكفان الموتى أو فى حفر القبور أو قال فى بناء المساجد أو الحصون أو قال على مرمتها أو قال على عمل السقيات فى الأماكن المحتاج إليها أو غير ذلك مما يتأبد فإنه يصح ويكون وقفا على ذلك السبيل (قال الفقيه) أبو جعفر ? متى ذكر موضع الحاجة على وجه يتأبد فذاك يكفى عن ذكر الصدقة وكذا لو قال موقوفة على أبناء السبيل لأنهم لا ينقطعون ويكون لفقرائهم دون أغنيائهم كخمس الغنيمة وكذا لو قال على الزمني أو على المنقطع بهم لأنهم يتأبدون ويكون لفقرائهم فقط وهذا قول هلال ? وما سيأتي من بطلانه على الزمني قول الخصاف ? قال شمس الأئمة ? إذا ذكر مصرفا فيهم تنصيص على الحاجة فهو صحيح سواء كانوا يحصون أو لا يحصون لأن المطلوب وجه الله تعالى ومتى ذكر مصرفا يستوي فيه الأغنياء والفقراء فإن كانوا يحصون فذلك صحيح لهم باعتبار أعيانهم وإن كانوا لا يحصون فهو باطل إلا أن كان فى لفظه ما يدل على الحاجة استعمالا بين الناس لا باعتبار حقيقة اللفظ كاليتامى فالوقف عليهم صحيح ويصرف للفقراء منهم دون أغنيائهم فهذا الضابط يقتضى (1) صحة الوقف على الزمني والعميان وقرَّاء القرآن والفقهاء وأهل الحديث ويصرف للفقراء منهم كاليتامى لإشعار الأسماء بالحاجة استعمالا لأن العمى والاشتغال بالعلم يقطع عن الكسب فيغلب فيهم الفقر وهو أصح مما سيأتي فى باب الوقف الباطل أنه باطل على
الجزء 1 · صفحة 15
هؤلاء ولو قال أرضى هذه موقوفة (1) على فقراء قرابتي أو قال على أولادي لا يصح لأنهم ينقطعون فلا يتأبد وبدونه لا يصح إلا أن يجعل آخره للفقراء ولو قال أرضى هذه موقوفة على فقراء بني زيد أو قال على يتامى بني عمرو فإن كانوا يحصون وكان الوقف فى الصحة لا يصح لأنه لا يتأبد وإن كانوا لا يحصون يصح ويصير بمنزلة الوقف على اليتامى الفقراء روى عن محمد ? أن (2) ما لا يحصى عشرة وعن أبى يوسف ? أنه مائة وهو المأخوذ عنه البعض وقيل أربعون وقيل ثمانون والفتوى أنه مفوّض إلى رأى الحاكم ولو قال أرضى صدقة لا تباع تكون نذرا بالصدقة ولا تكون وقفا لان قوله صدقة عبارة عن النذر فيتصدق بها ولا يجبره القاضي عليها ولو زاد ولا توهب ولا تورث صارت وقفا على المساكين ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? أبدا على زيد أيام حياته جاز لحصول التأبيد بسبب كونها للفقراء بعده لأن ما لله تعالى يكون للفقراء إلا أن زيدا يقدم عليهم ولو قال هي صدقة موقوفة على زيد ما دام حيا وكان فى صحته فإنه يكون باطلا لكونه غير مؤبد ومن شرط صحة الوقف التأبيد كما نقل عن رسول الله ? أنهم جعلوا أوقافهم مؤبدة فما كان مثل ذلك يصح ومالا فلا ولو قال جعلت غلة دارى هذه للمساكين يكون نذرا بالتصدق بالغلة ولو قال جعلت هذه الدار للمساكين كان نذرا بالتصدق بعين الدار للمساكين للحال ولو قال ضيعتي سبيل أو للسبيل إن كان من ناحية تعارفوا هذا الكلام للوقف صارت وقفا وإلا فيسأل عن نيته فإن نوى وقفا فهو كما نوى وإن نوى صدقة تصدق بعينها أو قيمتها وإن لم يكن له نية تورث عنه إذا مات والله أعلم.
[فصل فى بيان ما يتوقف جواز الوقف عليه]
اتفق أبو يوسف ومحمد رحمهما الله
الجزء 1 · صفحة 16
على أن الوقف يتوقف جوازه على شروط بعضها فى المتصرف كالملك فإن الولاية على المحل شرط الجواز والولاية يستفاد بالملك أو هي نفس الملك حتى لو وقف ملك الغير بغير إذنه توقف على إجازته وبعضها يرجع إلى نفس التصرف وهو كونه قربة فى ذاته وعند المتصرف حتى لو وقف المسلم أرضه أو داره على البيعة أو الكنيسة أو على دار دعوة للمبتدعة أو على فقراء أهل الحرب لا يجوز لعدم كونه قربة فى نفس الأمر وعند المتصرف وكذا لو كان الواقف ذميا لعدم كونه قربة فى نفس الأمر وسيأتي بيانه فى قف أهل الذمة إن شاء الله تعالى وبعضها يرجع إلى المحل وهو كونه عقارا أو منقولا تبعا للعقار واختلفنا فى كون أربعة أشياء شرطا للجواز (1) الأول التسليم للموقوف ليس بشرط عند أبى يوسف ? لأن الوقف ليس بتمليك وإنما هو إخراج له عن ملكه إلى الوقف فأشبه الإعتاق بخلاف الصدقة المنقدة فإنها إخراج من ملك إلى ملك فتحتاج إلى قبض العين لتملك ولما تقدم من رواية الواقدي فى وقف عمر بن الخطاب أنه فى يده فإذا توفى فهو إلى حفصة ولأن يد المخرج إليه يده حكما لاستفادته الولاية منه فيصير كأنه أخرجه منه إليه فلا تزيد يد الفرع على يد الأصل فى الحكم وشرط عند محمد ? لأنه تقرب إلى الله تعالى بعين من ماله فيتوقف جوازه على التسليم كالصدقة بالعين وقد علم جوابه ثم تسليم كل شئ عنده بما يليق به ففي المقبرة يحصل بدفن واحد فصاعدا بإذنه وفى السقاية بشرب واحد وفى الخان بنزول واحد من المارة هذا فى المقبرة والخان الذي تنزل فيه المارة كل يوم وأما السقاية التي تحتاج إلى صب الماء فيها والخان الذي ينزله الحاج بمكة والقرارة بالثغر فلا بد فيها من التسليم إلى المتولي لأن نزولهم مكون فى السنة مرة فيحتاج إلى من يقوم بمصالحه وإلى من يصب الماء فيها والغنى والفقير فى الخان والسقاية والبئر والحوض سواء
الجزء 1 · صفحة 17
لاستوائهما فى الحاجة وفى المسجد بالصلاة فيه بجماعة بإذن بانيه وسيأتي ما فيه من الاختلاف فى باب بناء المساجد إن شاء الله تعالى وعلى هذا الخلاف ينبني ما إذا استغنى الناس عن الصلاة فى المسجد لخراب ما حواليه فأعاده محمد إلى ملكه وارثه إن كان ميتا لأن التسليم بالصلاة شرط عنده ابتداء فكذا انتهاء وأبقاه أبو يوسف ? مسجدا لعدم اشتراطه التسليم والثاني كونه مفرزا شرط عند محمد ? لتوقف التسليم عليه وليس بشرط عند أبى يوسف ? لما بينا أنه ألحقه بالعتق فلو وقف نصف أرضه يصح عنده ولا يصح عند محمد ? وسيأتي تمامه فى فصل وقف المشاع والثالث ذكر التأبيد أو ما يقوم مقامه كالصدقة ونحوها شرط عند محمد ? وليس بشرط عند أبى يوسف ? فلو قال وقفت أرضى هذه أو قال جعلتها موقوفة ولم يزد عليه جاز عنده وصارت وقفا على الفقراء وبه أفتى مشايخ بلخ وعليه الفتوى لأن قوله وقفت يقتضى إزالته إلى الله تعالى ثم إلى نائبه وهو الفقير وذا يقتضى التأبيد فلا حاجة إلى ذكره كالإعتاق وعند محمد لا يجوز لأن موجبه زوال الملك بدون التمليك وذلك بالتأبيد كالعتق وإذا لم يتأبد لم يتوفر عليه موجبه ولهذا يبطله التأقيت كما يبطل البيع ولو قال وقفت أرضى هذه على عمارة المسجد الفلاني يجوز عنده لأنه لو لم يزد على قوله وقفت يجوز عنده فبالأولى إذا عين جهة ولا يجوز عند محمد لاحتمال خراب ما حوله فلا يكون مؤبدا وعن أبى بكر الأعمش ينبغي أن يجوز على الاتفاق لأن الوقف على عمارة المسجد بمنزلة جعل الأرض مسجدا أو بمنزلة زيادة فى المسجد قال الفقيه أبو جعفر هذا القول أصح إلىّ وقال أبو بكر الإسكاف ينبغي أن لا يصح هذا عند الكل لأن الوقف على المسجد وقف على عمارته والمسجد يكون مسجدا بدون البناء فلا تكون عمارة البناء مما يتأبد فلا يصح الوقف والأول أوجه ولو قال وقفت أرضى هذه على ولدى وولد ولدى ونسلهم أبدا يصح عند أبى يوسف
الجزء 1 · صفحة 18
فإذا انقرضوا تكون الغلة للفقراء ولا يصح عند محمد لاحتمال الانقطاع ولو قال وقفت أرضى هذه على ولد زيد أو ذكر جماعة بأعيانهم لم يصح عند أبى يوسف أيضا لأن تعيين الموقوف عليه يمنع إرادة غيره بخلاف ما إذا لم يعين لجعله إياه وقفا على الفقراء ألا ترى فرق بين قوله أرضى هذه موقوفة وبين قوله موقوفة على ولدى فصحح الأول دون الثاني لأن مطلق قوله موقوفة ينصرف إلى الفقراء عرفا فإذا ذكر الولد صار مقيدا فلا يبقى العرف فظهر بهذا أن الخلاف بينهما فى اشتراط ذكر التأبيد وعدمه إنما هو فى التنصيص عليه أو على ما يقوم مقامه كالفقراء ونحوهم وأما التأبيد معنى فشرط اتفاقا على الصحيح وقد نص عليه محققو المشايخ رحمهم الله تعالى والرابع اشتراط الواقف الإنتفاع بالوقف لا يمنع من صحته عند أبى يوسف ? ويمنع عند محمد ? وسيأتي فى باب الوقف على النفس أن الفتوى قول أبى يوسف وأن معه جماعة والله أعلم.
[فصل فى بيان اشتراط قبول الوقف وعدمه]
قبول الموقوف عليه الوقف ليس بشرط إن وقع لِأقوام غير معينين كالفقراء والمساكين وإن وقع لشخص بعينه وجعل آخره للفقراء يشترط قبوله فى حقه فإن قبله كانت الغلة له وإن رده تكون للفقراء ويصير كأنه مات ومن قبل ما وقف عليه ليس له الرد بعده ومن رده أول مرة ليس له القبول بعده فلو قال وقفت أرضى هذه على أولاد زيد ونسله وعقبه ومن بعدهم على المساكين فقبله بعضهم ورده بعضهم تكون الغلة كلها لمن قبل منهم وإن رده كلهم تكون للمساكين وإن قبل كل واحد منهم بعضه ورد الباقي يكون ما ردوه للمساكين فإن حدث لزيد ولد أو نسل وقبله كلهم أو بعضهم رجع لمن قبله منهم وإن رده كلهم كان للمساكين وهكذا إلى أن ينقرضوا بخلاف ما لو أوصى بثلث ماله لجماعة بأعيانهم فردها بعضهم فأن حصتهم تكون لورثة الموصى وكذلك لو ردها
الجزء 1 · صفحة 19
الكل والفرق بينهما أن الموصى إنما أوصى لهم فقط فما بطل منها يكون لورثته وأما الواقف فإنه قد جعله بعدهم للمساكين فإذا بطل كونه لهم يصير للمساكين ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? أبداً على زيد وعمر وما عاشا ومن بعدهما على المساكين ثم مات أحدهما أو رَدّ تكون حصته للمساكين ولا يستحقها الآخر لأنه جعل الوقف لله ? ابتداء ثم أوجبه لهما وما كان لله تعالى فهو للمساكين فمن قبل منهما وبقى حيا تقدم عليهم بحصته فقط بخلاف المسألة الأولى فإنه أوجبه لهم أولا ثم جعله من بعدهم للمساكين فلا يكون لهم شئ ما لم يردّ الكل أو ينقرضوا ولو قال وقفت أرضى هذه على زيد وأولاده ومن بعدهم على المساكين فقال زيد لا أقبل لنفسي ولا لأولادي يصح رده فى حصته فقط وأما أولاده فإن كانوا كبارا فالرد والقبول إليهم وإن كانوا صغارا تكون حصتهم لهم ولو قال وقفت أرضى هذه على زيد ومن بعده على المساكين فقال زيد قبلت غلة هذه السنة ورددت ما بعدها أو قال قبلت ثلثها أو نصفها ورددت الباقي استحق ما قبله وكان الباقي للمساكين ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? أبدا على زيد وعمرو ما عاشا إن قبلا ومن بعدهما على المساكين فقبل أحدهما ورد الآخر استحق القابل حصته وتكون حصة الراد للمساكين وقد روى عن زفر ? أنه قال إذا أوصى أن يجرى على زيد وعمرو من ثلثه فى كل شهر دراهم لكل منهما ما عاشا إنه إذا مات أحدهما تبطل وصية الآخر لكونه قال ما عاشا والمراد من هذا عنده حياتهما معا وقال سائر أصحابنا ? وصية الباقي منهما على حالها ولا تبطل بموت الآخر ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? أبدا على زيد وعمرو ومن بعدهما على المساكين وكان أحدهما ميتا تكون الغلة كلها للحى منهما لعدم جواز الوقف على الميت فإذا مات الحي تصير الغلة للمساكين
الجزء 1 · صفحة 20
[باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز وما يدخل تبعا وما لا يدخل وإنكار دخول بعض الموقوف فيه ووقف ما يقطعه الإمام]
إذا وقف الحر العاقل البالغ أرضه أو داره أو ما جرى التعارف بوقفه من المنقولات وهو غير محجور عليه ولا مرتد يصح لازما عند عامة العلماء وقال أبو حنيفة يجوز جواز الإعارة أو لا يجوز على ما بينا فى أول الكتاب فلو قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? أبدا ولم يزد تصير وقفا (1) ويدخل فيه ما فيها من الشجر والبناء دون الزرع والثمرة كما فى البيع ويدخل فيه أيضا الشرب والطريق استحسانا لأنها إنما توقف للاستغلال وهو لا يوجد إلا بالماء والطريق فكان كالإجارة بخلاف ما لو جعل أرضه أو داره مقبرة وفيهما أشجار عظام وأبنية فإنها لا تدخل فى الوقف فتكون له ولورثته من بعده ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة بحقوقها وجميع ما فيها ومنها وعلى الشجر ثمرة قائمة يوم الوقف قال هلال فى القياس تكون الثمرة له ولا تدخل فى الوقف وفى الاستحسان يلزمه التصدق بها على الفقراء على وجه النذر لا على وجه الوقف لأنه لما قال بجميع ما فيها ومنها فقد تكلم بما يوجب التصدق فيلزمه التصدق بالثمرة التي كانت متصلة به يوم الوقف وما يحدث بعده يصرف فى الوجوه التي سماها لكونه غلة الوقف وذكر الناطفي رجل قال جعلت أرضى هذه وقفا على الفقراء ولم يقل بحقوقها يدخل البناء والشجر الذي فيها تبعا ولا يدخل الزرع النابت فيها حنطة كان أو شعيرا أو غيره وكذلك البقل والآس والرياحين والخلاف والطرفاء وما فى الأجمة من حطب يقطع فى كل سنة والورد والياسمين وورق الحناء والقطن والباذنجان وزهر بصل النرجس والرطاب فإنها لا تدخل وأما الأصول التي تبقى والشجر الذي لا يقطع إلا بعد عامين أو أكثر فإنها تدخل تبعا ولو زاد بحقوقها تدخل
الجزء 1 · صفحة 21
الثمرة القائمة فى الوقف وهذا أولى خصوصا إذا زاد بجميع ما فيها منها ولو وقف دارا بجميع ما فيها وفيها حمامات يطرن أو بيتا وفيه كوَّارات عسل يدخل الحمام والنحل تبعا للدار والعسل كما لو وقف ضيعة وذكر ما فيها من العبيد والدواليب وآلات الحراثة فإنها تصير وقفا تبعا لها وإن لم يجز إيصاله كالماء والهواء والأطراف فى بيع الأراضي والعبيد ونفقتهم من غلة الوقف وإن لم يذكرها الواقف ولو زوج الحاكم جارية الوقف يجوز وعبده لا يجوز ولو من أمة الوقف لأنه يلزمه المهر والنفقة ولو ضعف بعضهم عن العمل يجوز للقيم بيعه وشراء غلام بدله وكذلك الدواليب والآلات يبيعها ويشترى بثمنها ما هو أصلح للوقف وليس للقيم قطع الأشجار المثمرة ولا بيعها وله بيع غيرها بعد القطع لا قبله لأنها ما دامت متصلة بالأرض تكون تبعا لها وإذا نبت الفسيل فى أصول النخل إن كان فى تركه ضرر بالنخل يقطع ويباع وثمنه غله للوقف كثمن السعف وإلا يتركه على حاله وإذا صار نخلا خرج من أن يكون غلة وصار وقفا وهكذا حكم سائر ما ينبت من أصول أشجار الوقف ولو كان فى الكرم الوقف شجر يضر ظلها بثمارها إن كان ثمرها يزيد على ما ينقص من ثمره لا يقطع ولا تقطع وهكذا الحكم لو أضرت بالأرض ولو وقف ضيعة له وقال شهرتها تغنى عن تحديدها جاز الوقف ثم لو قال عن بعض قطع من الأرض إنها غير داخلة فى الوقف ينظر إلى حدودها فإن كانت مشهورة وكانت تلك القطع داخلها كانت وقفا وإلا كان القول فيها قوله وهكذا الحكم لو وقف دارا وقال إن هذه الحجرة لم تدخل فى الوقف فإنه ينظر إلى حدودها وتسأل الجيران عنها فإن شهدوا أنها من الدار كانت وقفا وإلا كان القول قوله فيما أشكل كونه وقفا ولو وقف أرضا أقطعه إياها السلطان فإن كانت ملكا له أو مواتا صح وإن كانت من بيت المال لا يصح ولا يصح وقف أرض الحوز وهى ما حازاها السلطان عند عجز أصحابها عن زراعتها
الجزء 1 · صفحة 22
وأداء مؤنها بدفعهم إياها إليه لتكون منفعتها للمسلمين مقام الخراج ورقبة الأرض على ملك أربابها فلو وقفها من أدخله السلطان فيها لعمارتها لا يصح لكونه مزارعا ولو وقف أرضا اشتراها بعقد فاسد يصح إن كان بعد القبض لأنه استهلكها بإخراجه إياها عن ملكه بالوقف وعليه قيمتها وإن كان قبله أو كان البيع باطلا كان الوقف باطلا ولو وهبت له أرض هبة فاسدة فقبضها ثم وقفها صح وعليه قيمتها ولو استحق ما وقفه لا يلزمه أن يشترى بثمنه الذي يرجع به على البائع أرضا ليقفها بدلا لأنه وقف ما لا يملك ولو استحق بعضه مشاعا وأخذه المستحق لا يبطل الوقف فى الباقي عند أبى يوسف لأنه يجيزه مشاعا ابتداء فبالأولى بقاه ولو اشترى أرضا بالخيار وقبضها ثم وقفها قبل مضى مدته يصح ويكون ذلك إبطالا لخياره وهكذا الحكم فى البائع إذا كان الخيار له ووقف ما باع ولو بعد التسليم ولو وقفها المشترى بعد القبض فى مدة خيار البائع فأمضى البيع لزم وبطل الوقف لأن البات إذا طرأ على موقوف أبطله ولو استحقت بعد الوقف فضمن قيمتها جاز شراؤه ووقفه ومثله العتق لاستناد الملك إلى زمن الاستيلاء ولو اشترى أرضا فوقفها ثم أطلع فيها على عيب رجع بالنقصان ولا يلزمه أن يشترى به بدلا لعدم دخول نقصان العيب فى الوقف ولو وقف ما اشتراه قبل قبضه أو ما رهنه بعد تسليمه صح ويجبره القاضي على دفع ما عليه إن كان موسرا وإن كان معسرا أبطل الوقف وباعه فيما عليه بخلاف عتق المرهون لعدم إمكان رفعه بعد نزوله وبخلاف الوقف بعد الإجارة والتسليم إلى المستأجر لعدم تعلق حقه بماليتها وذكر البقالي فى فتاويه اختلافا فى جواز وقف البناء بدون الأرض وذكر عن محمد ? أنه قال إذا وقف بناءه فى أرض الوقف على الجهة التي وقفت الأرض عليها جاز وذكر فى أوقاف الخصاف أن وقف حوانيت الأسواق يجوز إن كانت الأرض بإجارة فى أيدي الذين بنوها لا يخرجهم السلطان عنها من قبل انا رأيناها فى أيدي
الجزء 1 · صفحة 23
أصحاب البناء يتوارثونها وتقسم بينهم لا يتعرض لهم السلطان فيها ولا يزعجهم وإنما له غلة يأخذها منهم وتداولها خلف عن سلف ومضى عليها الدهور وهى فى أيديهم يتبايعونها ويؤاجرونها وتجوز فيها وصاياهم ويهدمون بناءها ويعيدونه ويبنون غيره فكذلك الوقف فيها جائز اه وفى فتاوى الناطفى عن محمد بن عبد الله الأنصاري من أصحاب زفر ? أنه يجوز (1) وقف الدراهم والطعام والمكيل والموزون فقيل له وكيف يصنع بالدراهم قال يدفعها مضاربة ويتصدع بالفضل وكذا يباع المكيل والموزون بالدراهم أو الدنانير ويدفع مضاربة ويتصدق بالفضل وقيل على هذا ينبغي أن يجوز إذا قال وقفت هذا الكر على أن يقرض لمن لا بذر له من الفقراء فيدفع إليهم ويبذرونه فإذا حصدوا يؤخذ ويقرض لغيرهم وهكذا دائما ولو وقف رب المال ضيعة من مال المضاربة يصح عند أبى يوسف مطلقا وعند محمد لا يصح إن كان فى المال ربح بناء على جواز وقف المشاع وعدمه والله أعلم.
[فصل فى غرس الواقف أو غيره الأشجار أو بنائه فى الوقف]
رجل غرس فيما وقف أشجارا أو بني بناء أو نصب بابا قالوا إن غرس من غلة الوقف أو من ماله وذكر أنه غرسها للوقف تكون وقفا ولو لم يذكر شيئا وغرس من ماله تكون ملكا له ولو غرس فى المسجد تكون للمسجد لأنه لا بغرس فيه ليكون ملكا ثم إن كان لها ثمرة كالتفاح مثلا أباح بعضهم للقوم الأكل منها والصحيح انه لا يباح لأنها صارت للمسجد فتصرف فى عمارته بخلاف مشجرة على طريق العامة جعلت وقفا عليهم ويستوي فيها الغنى والفقير كالماء الموضوع فى الفلوات وماء السقاية وسرير الجنازة والمصحف الوقف ولو كانت الثمار على أشجار رباط المارة قال أبو القاسم أرجو أن يكون النزال فى سعة من نناولها إلا أن يعلم أن غارسها جعلها للفقراء وقال
الجزء 1 · صفحة 24
أبو الليث الأحوط أن يحترز عن نناولها من لم يكن ساكنا فيه إلا أن تكون ثمرة لا قيمة لها كالتوت مثلا ولو غرس رباطي شجرة فى وقف الرباط وتعداها حتى كبرت ولم يذكر وقت الغرس أنها للرباط قال الفقيه أبو جعفر إن كان إليه ولاية الأرض الموقوفة فالشجرة وقف وإلا فهي له وله رفعها ولو طرح سرقينا فى وقف استأجره وغرس فيه شجرا ثم مات يكون لورثته ويؤمرون بقلعه وليس لهم الرجوع فيما زاد السرقين فى الأرض عندنا ولو وقف شجرة بأصلها على مسجد معين أو على الفقراء فإن كان لها ثمرة أو ورق ينتفع به كشجر الفرصاد لا تقطع إلا إذا يبست أو يبس بعضها فإنه يقطع اليابس ويترك غيره لأنه لا ينتفع باليابس وينتفع بالأخضر وإن لم يكن لها ثمرة تقطع ويصرف ثمنها فى عمارة المسجد أو يتصدق به، مقبرة فيها أشجار عظام وكانت فيها قبل اتخاذ الأرض مقبرة إن علم مالك الأرض تكون الأشجار له بأصولها يصنع بها ما يشاء وإن كانت مواتا واتخذها أهل القرية مقبرة فالأشجار بأصولها على ما كانت عليه قبل جعلها مقبرة ولو نبتت بعد ذلك فهي للغارس إن علم وإلا فالرأي فيها للقاضي أن رأى بيعها وصرف ثمنها فى عمارة المقبرة جاز له ذلك وهى فى الحكم كأنها وقف ولو جعل أرضه أو داره مقبرة وفيها أشجارا وبناء فهي ومقرها له ولورثته من بعده لأن مواضع الأشجار أو البناء كانت مشغولة فلا تدخل فى الوقف ولو غرس أشجارا فى ضفة حوض قرية أو فى جانبي طريق العامة أو على شاطئ نهر العامة كانت له فإن قطعها ثم نبت من عروقها أشجار تكون له أيضا لوجودها من ملكه، أشجار على حافتي نهر فى الشارع اختصم فيها الشربة ولم يعرف الغارس وهو يجرى أمام باب رجل فى الشارع قالوا إن كان موضع الأشجار ملكا للشربة فما نبت فيه ولم يعرف غارسه يكون لهم وإن لم تكن الأرض لهم بل للعامة وللشربة حق التسبيل فقط فإن علم أن الأشجار كانت موجودة فى ذلك المكان
الجزء 1 · صفحة 25
حين اشترى الدار صاحبها فإنها لا تكون له والا تكون له لأن ما نبت فى فناء داره يكون له ظاهرا والله أعلم.
[فصل فى وقف المنقول إصالة]
اختلف أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فى وقف المنقول مستقلا فعن أبى يوسف فى النوادر لا يجوز الوقف فى الحيوان والرقيق والمتاع والثياب ما خلا الكراع والسلاح إلا بطريق كما تقدم والصحيح ما روى عن محمد ? من أنه يجوز وقف ما جرى فيه التعارف كالمصاحف والكتب والفاس والقدوم والمنشار والقدر والجنازة لوجود التعارف فى وقف هذه الأشياء وبه يترك القياس كما فى الاستصناع بخلاف ما لا تعارف فيه كالثياب والأمتعة لأن من شرطه التأبيد كما بينا ولكن تركنا فيما ذكرنا للتعارف وفى السلاح والكراع للجهاد بالنص فإن خالد بن الوليد ? وقف دروعا له فى سبيل الله فأجازه النبى ? وجعل ناقة فى سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج عليها فأخبر بذلك رسول الله ? فقال الحج من سبيل الله وطلحة رضي الله تعالى عنه حبس سلاحه وكراعه فى سبيل الله أي خيله والإبل كالخيل لأن العرب تقاتل عليها وتحمل عليها السلاح فبقى فيما وراءه على الأصل ولو وقف بقرة على رباط بأن يعطى ما يخرج من لبنها وشيرازها (1) وسمنها لأبناء السبيل ان كان فى موضع تعارفوا ذلك يصح كما فى ماء السقاية وإلا فلا ولو وقف ثورا على أهل قرية لينزى على بقرهم لا يصح لأنه ليس فيه عرف ظاهر ولا هو قرية مقصودة ولو وضع حبا فى مسجدا وعلق فيه قنديلا له أن يرجع به لأنه لا يترك فيه دائما ولو كثرت الدواب المربوطة للمرابطين وعظمت مؤنها يجوز للمتولي بيع ما كبرت سنها وخرجت عن صلاحية ما ربطت له ويمسك الصالح منها ولو باع أهل المسجد نقضه أو غلة وقفه يجوز إن لم
الجزء 1 · صفحة 26
يكن ثمة قاض وإن كان فالصحيح أنه لا يصح إلا بإذنه وقد تقدم أن محمد بن عبد الله الأنصاري من أصحاب زفر رحمه الله تعالى قال بجواز وقف الدراهم والطعام والله أعلم.
[فصل فى وقف المشاع وقسمته والمهايأة فيه]
اتفق أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على جواز وقف مشاع لا يمكن قسمته كالحمام والبئر والرحى واختلفا فى الممكن فأجازه أبو يوسف وبه أخذ مشايخ بلخ وأبطله محمد بناء على اختلافهما المتقدم فنقول تفريعا على قول أبى يوسف ? إذا وقف أحد الشريكين حصته من أرض جاز وإذا اقتسماها بعد ذلك فما وقع فى نصيب الواقف كان وقفا ولا يحتاج إلى إعادة الوقف فيه وإن وقفه ثانيا كان أحوط لارتفاع الخلاف حينئذ ولو وقف نصف أرضه مثلا ينبغي أن يبيع نصفها ثم يقاسم المشترى ولو رفع الأمر إلى القاضي فأمر رجلا بالمقاسمة معه جاز وليس له أن يقاسم نفسه لأنه مأخوذة من المفاعلة فتقتضى المشاركة بين اثنين فما فوقهما ولو قضى بجواز الوقف المشاع ارتفع الخلاف ثم أذا طلبا من القاضي القسمة قال أبو حنيفة لا تقسم ويأمرهما بالمهايأة وقالا يقسم إذا كان البعض ملكا والبعض وقفا ولو كان الكل وقفا فأراد أربابه قسمته لا يقسم حتى لو وقف ضيعة على ولدية مثلا فأراد أحدهما قسمتها ليدفع نصيبه مزارعة لا يجوز بل يدفع القيم كلها مزارعة وليس ذلك إلى أربابه وإنما هو للقيم ولو قسمه الواقف بين أربابه ليزرع كل واحد منهم نصيبه وليكون المزروع له دون شركائه توقف على رضاهم ولو فعل أهل الوقف ذلك فيما بينهم جاز ولمن أبى منهم بعد ذلك إبطاله ومن (1) وقف دورا للاستغلال ليس له أن يسكنها أحدا بغير أجر ولو وقف داره لسكنى ولديه فطلب أحدهما المهايأة وأبى الآخر يسكن كل نصفا بلا مهايأة، حانوت بين اثنين فوقف أحدهما نصيبه وأراد نصب لوح الوقف على بابه فمنعه الآخر له
الجزء 1 · صفحة 27
ذلك لأنه تصرف فى محل مشترك ولو رفع الأمر إلى القاضي فأذن له به جاز صيانة للوقف عن البطلان ولعموم ولايته، امرأة وقفت دارا فى مرضها على ثلاث بنات لها وجعلتها بعدهن للمساكين وليس لها ملك غيرها ولا وارث لها غيرهن قالوا ثلث الدار وقف والثلثان ميراث لهن يفعلن به ما شئن من الإجارة والتملك وهذا عند أبى يوسف خلافا لمحمد ولو كانت الأرض بين رجلين فتصدقا بها جملة صدقة موقوفة على المساكين ودفعاها معا إلى قيم واحد جاز اتفاقا لأن المانع من الجواز عند محمد هو الشيوع وقت القبض لا وقت العقد ولم يوجد هاهنا لوجودهما معا منهما ولو وقف كل منهما نصيبه على جهة وجعلا القيم واحدا وسلماه معا جاز اتفاقا لعدم الشيوع وقت القبض ولو اختلفا فى وقفيهما جهة وقيما واتحد زمان تسليمهما لهما أو قال كل منهما لقيمه اقبض نصيبي مع نصيب صاحبي جاز أيضا اتفاقا لأنهما صارا كمتول واحد بخلاف ما لو وقف كل واحد وحده وسلم لقيمه وحده فإنه لا يصح الوقف عند محمد لوجود الشيوع وقت العقد وتمكنه وقت القبض ولو قال وقفت نصيبي من هذه الأرض وهو ثلثها فوجد أكثر من ذلك كان نصيبه كله وقفا كالوصية بخلاف البيع فإن الزائد يكون للبائع، أراض أو دور بين اثنين فوقف أحدهما نصيبه على الفقراء وحكم بصحته ثم أراد القسمة فقسم القاضي وجمع الوقف فى أرض دار واحدة جاز عند أبى يوسف ومحمد واختاره هلال كما لو كان لهما داران وطلبا القسمة فجمع القاضي نصيب أحدهما فى دار ونصيب الآخر فى دار جاز ذلك فكذلك هاهنا إلا أن ثمة يجوز سواء كانا فى مصر واحد أو مصرين وهاهنا يجمع إذا كانا فى مصر واحد لا فى مصرين وعلى قول أبى حنيفة يقسم القاضي كل واحدة على حدة إلا أن يرى الصلاح فى الجمع فحينئذ يجمع الوقف كله فى أرض أو دار واحدة فيصير عند جمع القاضي فى الحكم كأن الشريكين اقتسما بأنفسهما وذلك جائز ولو اقتسم الشريكان وأدخلا فى القسمة
الجزء 1 · صفحة 28
دراهم معلومة فإن المعطى هو الواقف جاز ويصير كأنه أخذ الوقف واشترى بعض ما ليس بوقف من نصيب شريكه بدراهمه وانه جائز وان كان بالعكس لا يجوز لأنه يلزم منه نقض بعض الوقف وحصة الوقف وقف وما اشتراه ملك له ولا يصير وقفا ثم إذا أراد تمييز الوقف عن الملك يرفع الأمر إلى القاضي كما تقدم ولو وقف عشرة أذرع شائعا من أرض فقاسم فوقع نصيب الوقف أقل من ذلك لجودة الأرض التي وقعت للوقف أو أكثر لكونها دون القطعة الأخرى جاز لأن مثل هذه القسمة تجوز فى الملك فكذا فى الوقف إذا كان فيه صلاح للوقف لتحقيق المعادلة ولو أراد أن يصرف الأرض الوقف إلى أرض أخرى مكانها ويجعل الوقف ملكا لنفسه لا يجوز لأنه مناقلة للوقف إلى غيره إلا أن يكون قد شرط لنفسه الاستبدال فى أصل الوقف فحينئذ يجوز ولو قال وقفت من أرضى هذه شيئا ولم يسمه كان باطلا لأن الشيء يتناول القليل والكثير ولو بين بعد ذلك ربما يبين شيئا قليلا لا يوقف عادة ولو قال وقفت جميع حصتي من هذه الدار والأرض ولم يسم السهام يجوز استحسانا إذا ثبت الواقف على إقراره وإن جحد فجاءت بينة فشهدت بالوقف ومقدار حصته وسموه حكم القاضي بالوقف وإن شهدوا على إقراره بالوقف ولم يعرفوا مقدار حصته ألزمه القاضي ببيان مقدار حصته والقول قوله فيه وإن مات قام وارثه مقامه فما أقر به لزمه وحكم به القاضي ثم إن ثبت عنده أزيد من ذلك حكم به أيضا ولو وقف نصف أرض له ثم مات وقد أوصى إلى رجل وفى الورثة كبار وصغار فأراد الوصي أن يقاسم الكبار ويفرز حصة الوقف جاز أن ضم حصة الصغار إلى الوقف وإلا فلا لأنه وصى الصغار ووال على الوقف فلا يمكنه أن يفرز حصة الوقف عن حصة الصغار كما لو كان وصيا على صغار فإنه ليس اه أن يقسم بينهم ويفرز نصيب كل واحد منهم عن نصيب الآخر لأنه يلزم أن يكون مقاسما لنفسه
الجزء 1 · صفحة 29
وأنه لا يجوز ولو أراد الواقفان أن يقتسما ما وقفاه ليتولى كل واحد منهما على ما وقفه ويصرف غلته فيما سمى من الوجوه جاز ولو استحق نصف ما وقفه وقضى به للمستحق يستمر الباقي وقفا عند أبى يوسف خلافا لمحمد وتجوز المقاسمة مع وكيل الواقف ووصيه ولو وقف نصف أرضه وأوصى إلى ابنه وإلى رجل أجنبي لا يجوز له أن يقاسم الابن ويفرد حصة الوقف لكون الابن وصيا أيضا ولو وقف نصف أرضه على جهة معينة وجعل الولاية عليه لزيد فى حياته وبعد مماته ثم وقف النصف الآخر على تلك الجهة أو غيرها وجعل الولاية عليه لعمرو فى حياته وبعد وفاته يجوز لهما أن يقتسماها ويأخذ كل واحد منهما النصف فيكون فى يده لأنه لما وقف كل نصف على حدة صارا وقفين وإن اتحدت الجهة كما لو كانت لشريكين فوقفاها كذلك والله أعلم.
[باب فى الوقف الباطل وفيما يبطله]
اختلفت أئمتنا فيما لو وقف أرضه أو داره وشرط الخيار لنفسه فقال أبو يوسف إن بين وقتا معلوما يجوز الوقف والشرط كالبيع وإن كان الوقت مجهولا يكون الوقف باطلا وقال محمد لا يصح الوقف معلوما كان الوقت أو مجهولا واختاره هلال وقال يوسف بن خالد السمتي الوقف جائز والشرط باطل على كل حال كما لو أعتق بشرط الخيار وكما لو جعل داره مسجدا على انه بالخيار ثلاثة أيام فإنه يصح الجعل ويبطل الشرط اتفاقا ولو ذكر الواقف جهة لا تنقطع وعى تشمل الفقراء والأغنياء بأن قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? على بني آدم أو قال على الناس أو بني هاشم أو على العرب أو على العجم أو قال على الرجال أو النساء أو قال على الصبيان أو قال على الموالى أو قال على العميان أو الزمني أو قال على قرّاء القرآن أو الفقهاء أو المحدثين وما أشبه ذلك مما يشمل الفقراء والأغنياء وهم لا يحصون كان الوقف باطلا وهذا على
الجزء 1 · صفحة 30
إطلاقه قول الخصاف وقد تقدم الضابط المقتضى للصحة والبطلان فى أول الأبواب وهذا لأنه لم يقصد به المساكين ليكون قربة بخلاف ما لو قال صدقة موقوفة لله ? أبدا على ولد زيد لأن زيدا معين فيكون لوقف على ولده جائزا وأما الناس وما أشبههم فلا يحصون ويدخل فيهم الفقير والغنى فلا يدرى لمن تعطى الغلة للأغنياء أو الفقراء ولا يمكن صرفها إلى الجهتين لاستلزام اختلاف الجهة غنى وفقرا اختلاف المصروف هبة وصدقة وهما مختلفان وصار كأنه قال وقفت على زيد أو على عمرو ومات بلا بيان فإنه لا يصح لأن أوفى موضع الحظر لأحد الأمرين فلا يكون عليهما ولا على أحدهما بعينه لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح (1) ولو قال على أن لي إبطاله أورده من سبيل الوقف أو بيعه أو رهنه أو قال على أن لفلان أو لورثتي أن يبطلوه أو يبيعوه وما أشبهه كان الوقف باطلا على قول الخصاف وهلال وجائزا على قول يوسف بن خالد السمتى لإبطاله الشرط بإلحاقه إياه بالعتق ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة يوما أو شهرا أو ذكر وقتا معلوما ولم يزد على ذلك صح وتكون وقفا أبدا ولو قال فإذا مضى ذلك الشهر فهي مطلقة كان الوقف باطلا لأنه لما قال موقوفة شهرا لم يشترط بعد الشهر منها شيئا فلما لم يشترط ذلك كانت موقوفة أبدا وهذا بمنزلة قوله صدقة موقوفة على فلان ولم يزد على ذلك فإذا مات فلان كانت للمساكين وهى موقوفة أبدا وأما إذا قال صدقة موقوفة شهرا فإذا مضى ذلك الشهر كانت مطلقة فالوقف باطل لأنه شرط الرجعة فيه ولم يشترط فى الباب الأول رجعة بعد مضى الوقت فإذا لم يشترط الرجعة فكأنه قال صدقة موقوفة وسكت هكذا فرق بينهما هلال ? ثم قال أرأيت رجلا قال أرضى بعد وفاتي صدقة موقوفة سنة قال الوقف صحيح جائز وهى موقوفة أبدا قلت فإن قال إذا مضت السنة فالوقف باطل
الجزء 1 · صفحة 31
قال فهو كما شرط أي تصير الغلة للمساكين سنة والأرض ملك لورثته لأنه باشتراطه البطلان خرجت من الوقف المضاف اللازم بعد الموت إلى الوصية المحضة وقال الخصاف ولو وقف داره يوما أو شهرا لا يجوز لأنه لم يجعله مؤبدا وكذلك لو قال صدقة موقوفة بعد وفاتي على فلان سنة يكون باطلا فالحاصل أن على قول هلال إذا شرط فى الوقف شرط يمنع التأبيد لا يصح الوقف، ولو قال إذا جاء غد أو إذا جاء رأس الشهر أو قال إذا كلمت فلانا أو إذا تزوجت فلانة وما أشبهه فأرضى هذه صدقة موقوفة يكون الوقف باطلا لأنه تعليق والوقف لا يحتمل التعليق بالخطر لكونه مما لا يحلف به فلا يصح تعليقه كما لا يصح تعليق الهبة بخلاف النذر لأنه يحتمل التعليق ويحلف به فلو قال أن كلمت فلانا إذا قدم أو ان برأت من مرضى هذا فأرضى هذه صدقة موقوفة يلزمه التصدق بعينها إذا وجد الشرط لأن هذا بمنزلة النذر واليمين ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة على أن لي أصلها أو على أنه لا يزول ملكي عن أصلها أو على أن أبيع أصلها وأتصدق بثمنها كان الوقف باطلا ولو قال هي صدقة موقوفة إن شئت أو إن أحببت أو هويت كان الوقف باطلا فى قولهم لأن هذا تعليق الوقف بشرط وتعليقه باطل فى قولهم، ولو قال إن كانت هذه الأرض فى ملكي فهي صدقة موقوفة فإنه ينظر إن كانت فى ملكه وقت التكلم صح الوقف وإلا فلا لأن التعليق بالشرط الكائن تنجيز ولو علق وقفها على شرائها فاشتراها لا تصير وقفا بخلاف تعليق العتق به للقبول وعدمه، ولو وقف أرض غيره فأجازه المالك جاز الوقف عندنا خلافا للشافعي بناء على جواز تصرف الفضولي موقوفا عندنا وبطلانه عنده، ولو انهدم علو وقف أو حوض وقف وليسا لهما ما يمكن به عمارتهما أو احترق حانوت وقف مع السوق وصار بحال لا ينتفع به يبطل الوقف على قول محمد ويرجع النقض إلى الواقف وإلى ورثته من بعده وكذلك لو كان بعيدا عن
الجزء 1 · صفحة 32
القرية وخرب وصار لا ينتفع به ولا يرغب أحد فى عمارته واستئجار أصله (وروى هشام عن محمد) أنه قال إذا صار الوقف بحيث لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشترى بثمنه غيره وعلى هذا فينبغي أن لا يفتى على قوله برجوعه إلى ملك الواقف أو ورثته بمجرد تعطله أو خرابه بل إذا صار بحيث لا يشترى بثمنه وقف آخر يستغل ذكره بعض المحققين، ولو قال أرضى هذه صدقة موقوفة على أن لي أن أعطى غلتها لمن شئت من الناس جاز الوقف ثم إذا شاءها للأغنياء أو لأهل الدنيا أو ما أشبه ذلك مما لا يجوز الوقف عليه يبطل لصيرورته كالمذكور فى صلب العقد والله تعالى أعلم.
[فصل فى شرط استبدال الوقف]
لو قال أرضى هذه صدقة موقوفة لله ? أبدا على أن لي أن أبيعها وأشترى بثمنها أرضا أخرى فتكون وقفا على شروط الأولى جاز الوقف والشرط عند أبى يوسف استحسانا واختاره الخصاف وهلال وقال محمد ويوسف ابن خالد السمتى الوقف صحيح والشرط باطل وهو القياس وقال بعضهم هما فاسدان والصحيح قول أبى يوسف ? لأن هذا شرط لا يبطل حكم الوقف فإن الوقف مما يحتمل الانتقال من أرض إلى أخرى فإن أرض الوقف إذا غصبها إنسان وأجرى عليها الماء حتى صارت بحرا لا تصلح للزراعة وضمن قيمتها وشري بقيمتها أرض أخرى تكون وقفا على شرائط الأولى وكذلك أرض الوقف إذا قل نزلها لآفة وصارت بحيث لا تصلح للزراعة أو لا تفضل غلتها عن مؤنها يكون صلاح الوقف فى استبداله بأرض أخرى فيصح أن يشترط ولاية الاستبدال وإن لم تكن الضرورة داعية إليه فى الحال ولو قال الواقف فى أصل الوقف على أن أبيعها وأشترى بثمنها أرضا أخرى ولم يزد على هذا يكون الوقف باطلا فى القياس لأنه لم يذكر إقامة أرض أخرى مقام الأولى وجائزا فى الاستحسان لأن الأرض تعينت للوقف فيقوم ثمنها مقامها فى الحكم وبمجرد شراء أرض بثمنها تصير وقفا على شرائط الأولى من غير
الجزء 1 · صفحة 33
تجديد وقف كما لو قتل العبد الموصى بخدمته خطأ وضمن الجاني قيمته واشترى بها عبد فإنه يجرى عليه حكم أصله بمجرد الشراء وهكذا حكم المدبر المقتول خطأ هذا إذا شرط الاستبدال فى أصل الوقف وأما إذا لم يشرطه فقد أشار فى السير إلى أنه لا يملكه إلا القاضي إذا رأى المصلحة فى ذلك ويجب أن يخصص برأي أول القضاة الثلاثة المشار إليه بقوله ? قاض فى الجنة وقاضيان فى النار المفسر بذي العلم والعمل لئلا يحصل التطرق إلى إبطال أوقاف المسلمين كما هو الغالب فى زماننا، ولو وقف أرضه وشرط أن يستبدلها بأرض ليس له أن يستبدلها بدار ولو شرط البدل دارا لا يستبدلها بأرض ولو شرط أرض قرية لا يستبدلها بأرض غيرها لتفاوت أراضى القرى مؤنه واستغلالا فيلزم الشرط ولو اشترى البدل من أرض عشر أو خراج جاز لعدم خلو الأرض عن أحدهما ولو لم يقيد البدل بأرض ولا دار يجوز له أن يستبدلها من جنس العقارات بأي أرض أو دار أو بلد شاء للإطلاق ولو باعها بغبن فاحش لا يصح فى قول أبى يوسف وهلال لأن القيم كالوكيل ولو أجاز أبو حنيفة الوقف بشرط الاستبدال لأجاز البيع بالغبن الفاحش كما هو مذهبه فى بيع الوكيل به ولو اشترى القيم بنصف الثمن أرضا وأشهد على نفسه أنها من البدل جاز ويشترى بالباقي أيضا بدلا ولو باع الوقف وقبض ثمنه ثم مات ولم يبين حال الثمن كان دينا فى تركته ولو كان الوقف مرسلا لم يذكر فيه شرط الاستبدال لا يجوز له بيعه واستبداله وإن كانت الأرض سبخة لا ينتفع بها ولكن يرفع الأمر إلى القاضي الذي مر ذكره آنفا لأن سبيله أن يكون مؤبدا لا يباع وإنما يثبت له ولاية الاستبدال بالشرط وبدونه لا كالبيع الخلي عن شرط الخيار لا يملك أحد المتابعين نقضه وإن لحقه فيه غبن ولو وهب ثمنه تصح الهبة عند أبى حنيفة وعند أبى يوسف لا تصح ولو ضاع لا يضمنه لكونه أمينا ولو باعها ورُدَّت عليه بعيب بقضاء وهلك الثمن
الجزء 1 · صفحة 34
عنده فإنه يضمنه من ماله ويجوز له بيع الأرض المردودة عليه فى الثمن الذي ضمنه بخلاف ما إذا غصبها رجل وضمن قيمتها لتعذر ردها وهلكت القيمة عند القيم ثم ردها إليه واستردّ القيمة منه فإنه يرجع فى الغلة ولا يبيعها، ولو باع أرض الوقف بعروض يصح فى قياس قول أبى حنيفة فيبيع العروض بأحد النقدين ويشترى به بدلا أو يشترى بها بدلا وعند أبى يوسف لا يباع إلا بأحد النقدين ثم يشترى به بدل ولو اشترى به ما لا يصح وقفه كغلام وجارية يكون الثمن دينا عليه ولو باع شرط استبداله ثم عاد إليه ان عاد بما هو فسخ من كل وجه كالرد بالعيب قبل القبض مطلقا وبعده بقضاء أو بفساد البيع أو خيار الشرط أو الرؤية جاز له بيعها ثانيا لان البيع الأول صار كأنه لم يكن وان عاد بما هو كعقد جديد كالإقالة بعد القبض لا يملك بيعها ثانيا لأنه صار كأنه اشتراها شراء جديدا فتصير وقفا فيمتنع بيعها كما لو اشترى أرضا نوى بدلها إلا أن يكون شرط الاستبدال مرة بعد أخرى ولو اشترى بالثمن أرضا ثم ردت الأولى عليه بعيب بقضاء عادات إلى ما كانت عليه وقفا والتي اشتراها ملك له لأنها بدل عن الأولى فإذا انفسخ البيع فيها من كل وجه رجعت الوقفية إلى الأصل لعدم تصور الخلف مع وجود الأصل وبغير قضاء لا تعود إلى الوقفية فتكون له وما اشتراه بدلا هو الوقف لعود ما باعه إليه بعقد جديد معنى ولو اشتراه رجل ثم وهبه لمن باعه إياه أو مات فورثه البائع لا يرجع إلى الوقفية بل يبقى على ملكه ويشترى بثمنه بدلا لعدم انتقاض عقده فيه وهذا ملك بسبب جديد ولو باع أرض الوقف واشترى بثمنها أرضا أخرى ثم استحقت الأرض الأولى تبقى الثانية وقفا فى القياس وفى الاستحسان لا تبقى لأنها إنما كانت وقفا بدلا عن الأولى وبالاستحقاق انتقضت تلك المبادلة من كل وجه فلا تبقى الثانية وقفا ولو قال على أن أستبدل بها ثم مات وأوصى إلى وصيه به فإنه لا يملكه لأنه شرطه لنفسه وهو أمر يحتاج فيه إلى الرأي والمشورة بخلاف ما إذا
الجزء 1 · صفحة 35
وكل به فى حياته حيث يصح التوكيل لقيام رأى الموكل وإمكان تدارك الخلل لو وجد ولو شرطه لكل من يلي عليه جاز وله ذلك ما دام الواقف حيا ولا يجوز بعد موته إلا إذا شرط له الولاية عليه فى حياته وبعد وفاته وهذا قول أبى يوسف وهلال بناء على أن القيم عندهما بمنزلة الوكيل والوكالة تبطل بالموت فيحتاج إلى الاستناد إليه فى حياته وبعد مماته أيضا لتبقى الوكالة وأما على قول محمد فإن الولاية لا تبطل بموت الواقف لأن المتولي وكيل الفقراء لا وكيل الواقف حتى لا يمكنه أن يعزله بدون شرط فى أصل الوقف فيجوز لا الاستبدال ولو بعد موت الواقف ولو شرط للمتولي استبداله بعد وفاته تقيد بشرطه ويجوز له هو استبداله ما دام حيا ثم ليس للمتولي سوى الاستبدال به خاصة دون الاستناد والإيصاء به ولو شرطه لرجل آخر مع نفسه يجوز له الإنفراد به دون الرجل لأنه اشترط رأيه مع رأيه، ولو كتب فى أول كتاب وقفه لا يباع ولا يوهب ولا يملك ثم قال فى آخره على أن لفلان بيعه والاستبدال بثمنه ما يكون وقفا مكانه جاز بيعه ويكون الثاني ناسخا للأول ولو عكس وقال على أن لفلان بيعه والاستبدال به ثم قال فى آخره لا يباع ولا يوهب لا يجوز بيعه لأنه رجوع منه عما شرطه أولا ولو باع المتولي دار الوقف وقبض الثمن ثم عزله القاضي ونصب غيره فاسترد الثاني الوقف من المشترى بحكم القاضي يجب عليه أجرة ما سكن فيها لأنها معدة للأجرة وهذا بناء على قول المتأخرين والله أعلم.
[فصل فى اشتراط الزيادة والنقصان فى مقدار المرتبات وفى أربابها]
لو اشترط فى وقفه أن يزيد فى وظيفة من يرى زيادته وأن ينقص من وظيفته من يرى نقصانه من أهل الوقف وأن يدخل معهم من يرى إدخاله وأن يخرج منهم من يرى إخراجه جاز ثم إذا زاد أحدا منهم أو نقصه مرة أو أدخل أحدا أو أخرج أحدا ليس له أن يغيره بعد ذلك لأن شرطه وقع على فعل يراه فإذا رآه وأمضاه فقد انتهى ما رآه وإذا
الجزء 1 · صفحة 36
أراد أن يكون ذلك له دائما ما دام حيا يقول على أن لفلان بن فلان أن يزيد فى مرتب من يرى زيادته وأن ينقص من مرتب من يرى نقصانه وأن ينقص من زاده ويزيد من نقصه منهم ويدخل معهم من يرى إدخاله ويخرج منهم من يرى إخراجه متى أراد مرة بعد أخرى رأيا بعد رأى ومشيئة بعد مشيئة ما دام حيا ثم إذا أحدث فيه شيئا مما شرطه لنفسه أو مات قبل ذلك يستقر أمر الوقف على الحالة التي كان عليها يوم موته وليس لمن يلي عليه بعده شئ من ذلك إلا أن يشرطه له فى أصل الوقف وإذا شرط هذه الأمور أو بعضها للمتولي من بعده ولم يشرطها لنفسه جاز له أن يفعلها ما دام حيا لأن شرطها لغيره شرط منه لنفسه ثم إذا مات جاز للمتولي فعل ما شرطه له ولو شرط هذه الأمور للمتولي ما دام هو حيا جاز له وللمتولي ذلك ما دام هو حيا ولو شرط لنفسه فى أصل الوقف استبداله أو الزيادة والنقصان ولم يزد عليه ليس له أن يجعل ذلك أو شيئا منه للمتولي وإنما ذلك خاصة لاقتصار الشرط فى أصل الوقف على نفسه ولا يجوز له أن يفعل إلا ما شرطه وقت العقد وسيأتي لهذا الفصل مزيد بيان فى فصل التخصيص إن شاء الله تعالى
[باب فى بيان وقف المريض والوقف المضاف إلى ما بعد الموت وشرط رجوعه إلى المحتاج من ولده]
الوقف فى مرض الموت لازم ولكنه كالوصية فى حق نفوذه من الثلث كالتدبير المطلق والمضاف إلى ما بعد الموت وصية محضة فإن مات من غير رجوع عنه ينفذ من الثلث وقد تكررت الإشارة إلى هذا المبحث فإذا وقف المريض أرضه أو داره فى مرض موته يصح فى كلها أن خرجت من ثلث ماله وإن لم تخرج وأجازته الورثة فكذلك وإلا تبطل فيما زاد على الثلث وإن أجازه البعض ورده البعض جاز فى حصة
الجزء 1 · صفحة 37
المجيز وبطل فى حصة الراد إلا أن يظهر له مال آخر يخرج الوقف من ثلثه فحينئذ يلزم فى الكل وحكم المال الغائب كحكم المعدوم وقدومه كظهوره ومن باع منهم سهمه قبل ظهور المال الآخر أو قدومه لا يبطل بيعه لإطلاق القاضي التصرف له فيه قبل الظهور أو القدوم ويغرم قيمته ويشترى بها أرض وتوقف بدله على وجهه وإن كان عليه دين محيط بماله ينقص وقفه ويباع فى الدين كما لو اشترى أرضا ووقفها ثم ظهر لها شفيع فإنه يجوز له إبطال الوقف وأخذها بالشفعة وإن لم يكن محيطا يجوز الوقف فى ثلث ما يبقى بعد الدين إن كان له ورثة وإلا ففي كله فإن باعها القاضي بقيمتها للدين ثم ظهر أو قدم له مال تخرج الأرض من ثلثه لا يبطل بيعه فيشترى بها أرض بدلا عنها وإن باعها بأكثر من القيمة يشترى بالثمن بدل وإن وقفها على بعض ورثته ثم من بعدهم على المساكين وهى تخرج من الثلث تتوقف وقفيتها عليهم على إجازة البقية فغن أجازوه تقسم غلته على الموقوف عليهم على ما شرط لهم وإلا تقسم بينهم وبين سائر الورثة على قدر ميراثهم منه وكل من مات منهم عن ورثة ينقل سهمه إلى ورثته ما بقى أحد من الموقوف عليهم حيا فإذا انقرض الموقوف عليهم تكون الغلة للمساكين وحكم ما يبقى عند عدم خروج كلها من ثلث التركة كحكم خروج كلها ولو وقفها على أولاده وأولاد أولاده ونسلهم أبدا بينهم بالسوية ثم على المساكين وهى تخرج من الثلث وكانت أولاده ونافلته ذكورا وإناثا وكان له زوجة وأبوان فإن إجازته الورثة كانت الغلة بين الموقوف عليهم على ما شرط لهم وإلا قسمت على عدد ولده لصلبه وعلى عدد نافلته فما أصاب ولد الصلب نعطى منه لزوجته وأبويه ثمنه وسدساه ويقسم الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه فى المرض كالوصية وهى لا تجوز لوارث دون وارث وما أصاب النافلة كان لهم خاصة وقسم بينهم بالسوية كما شرطه الواقف وقد ذكرنا حكم من مات من
الجزء 1 · صفحة 38
ورثته عن وارث وتبقى القسمة على هذا ما بقى من ولد الصلب أحد فإذا انقرضوا تكون الغلة كلها للنافلة على ما شرطه الواقف لجوازه عليهم عند وجود أولاد الصلب وسقط ما كان يعطى لزوجته وأبويه لأنهم ليسوا بموقوف عليهم وإنما أعطيناهم مما أصاب أولاد الصلب فرائضهم لوقفه فى المرض على بعض ورثته دون بعض وأنه لا يجوز ثم فى كل سنة يعتبر عدد الفريقين يوم إتيان الغلة فيقسم على ذلك العدد فما أصاب النافلة سلم لهم وما أصاب أولاد ولده ونسله أبدا ثم من بعدهم على المساكين ولم يجيزوه تقسم الغلة على عدد فقراء الفريقين من أولاده ونافلته ثم يعمل كما تقدم وهكذا الحكم فيما لو وقفها على فقراء ولده وفقراء ولد ولده ونسله أبدا وعلى ولد زيد بن عبد الله، ولو وقف أرضا له على قوم وأوصى بوصايا لآخرين والثلث لا يفي بذلك ولم يجزهما الورثة يضرب لأصحاب الوصايا فى ثلث التركة بقدر ما أوصى لهم ويضرب للوقف فى الثلث بقيمة الأرض فما أصاب سهم الوصايا منه كان لأصحابها وما أصاب قيمة الأرض الموقوفة منه أفرد بقدر منها وكان وقفا على ما سبل فإذا كان ثلث التركة خمسة عشر دينارا مثلا وقيمة الأرض عشرين دينارا والوصية عشرة دنانير يعطى للموصى لهم خمسة ويبقى نصف الأرض وقفا لكون الوقف فى المرض كالوصية فيتساويان بخلاف ما لو أعتق فى مرض موته أو دبر وأوصى بوصايا فإنه يبدأ بالعتق فإن فضل شئ يصرف فى الوصايا وإلا يسقط لما ورد فى الخبر إنه يبدأ بالعتق من الثلث ولو قال تعطى غلة أرضى هذه بعد موتى لولد زيد بن عبد الله وولد ولده ونسله أبدا ما تناسلوا ولم يقل صدقة موقوفة فإنها تكون وصية لا وقفا فتصرف الغلة إلى المخلوق من ولده ونسله يوم موت الموصى ان خرجت من الثلث وإلا فبحسابه ولا يستحق الحادث بعده شيئا لعدم جواز الوصية للمعدوم فإذا
الجزء 1 · صفحة 39
انقرضوا تعود الأرض إلى ورثة الموصي ولو وقفها ثم صارت وقف الصحة فتصبح من كل ماله ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله ? بعد وفاتي على ولدي ومن هلك منهم فجميع ما سمى له من غلات هذه الصدقة وما كان يصيبه منها لو كان حيا لولده وولد ولده ونسله أبدا ما تناسلوا يجري عليهم ويجري نصيب كل من هلك منهم عن غير ولد على من بقي منهم أحد يصح الوقف في كلها إن خرجت من ثلث ماله وتكون غلته لولده لصلبه ولسائر ورثته على قدر ميراثهم منه ومن هلك منهم وله ولد أو ولد ولد يكون سهمه لولده فتقسم الغلة على عدد أولاد الصلب كلهم فما أصاب الهالك لو كان حيا يأخذه ولده ونسله وهو وقف عليهم من جدهم وما أصاب ولد الصلب كان بينهم وبين جميع ورثة أبيهم على قدر ميراثهم منه ويأخذ ولد الهالك ونسله مما أصاب ولد الصلب ما كان يصيب أباهم لو كان حيا فيأخذون من وجهين أحدهما ما كان لأبيهم وهو وصية لهم من جدهم الواقف وهى جائزة لهم والثاني ما كان يصيب أباهم مما صار للباقين من ولد الصلب وهو ميراث لهم عن أبيهم فيقسم على جميع ورثته على قدر ميراثهم منه حتى لو كان عليه دين يوفي منه أولا وكذلك لو قال صدقة موقوفة على أولادي زيد وبكر وعمر ومن توفي منهم فنصيبه لوله ونسله أو قال للمساكين وهلك واحد منهم يأخذ ولده أو المساكين نصيبه ويشارك ولدي الصلب الباقين فى الثلثين الذين أصابهما من غلة الوقف لقيامه مقام أبيه لأن ما أخذه أولا كان بوصية الجد وإنها جائزة لولد أبيه عند وجود ولده لصلبه وأما ما يأخذه ولداه الباقيان من الوقف فإنما هو على جهة الميراث لعدم جوازه على وارث دون وارث فيكون ما سمى لهم لجميع ورثته هذا إذا لم يجز الورثة الوقف وأما إذا أجازوه بعد وفاته جاز وكان على ما شرطه وكل من هلك منهم ينتقل سهمه إلى ولده ونسله ولا شئ لهم من حصة من بقي من ولد الصلب
الجزء 1 · صفحة 40
لأن الوصية قد أجيزت لهم من بقية الورثة ولو أجازه البعض دون البعض تقسم غلته على ولد الصلب فما أصاب الهالك منهم يكون نصيبه لولده ونسله وما أصاب الأحياء منهم يكون لهم ثم من كان من ولد من أجاز أبوه الوقف فلاحق له فيما بقى من الغلة ومن كان من ولد لم يجز أبوه الوقف فهو على حصته مما أصاب ولد الصلب من الغلة لما بينا فإن قال قائل لا يجوز أن يأخذ ولد الهالك من وجهين ما سمي لأبيهم من الوقف وما كان يصيبه على طريق الميراث من حصص من بقي من ولد الصلب وإنما يعطون ما أصاب أباهم خاصة ولا يزادون على ذلك قيل لو جعلها صدقة موقوفة بعد وفاته على ولديه زيد وعمرو ومن هلك منهما فنصيبه لولده ونسله أبدا ثم هلك زيد عن ولد أيكون نصيبه لولده والنصف لعمرو فإن قال له النصف ولا يزاد عليه شئ قيل له فإن قال ومن هلك منهما فنصيبه للمساكين وهلك عمرو عن ولد وصار نصيبه للمساكين أيكون النصف الآخر لزيد خاصة فإن قال نعم قيل له فقد صار لابن الصلب من الميت شئ لم يصل إلى ورثة إبنه شئ منه لوقوع وصيته للمساكين فى نصيب الهالك خاصة فتكون الوصية فى حصته دون حصة الباقي قال هلال ? وهذا مما لا احسب أحدا بقوله مع إن ولد الولد ممن تجوز لهم الوصية فهم كالمساكين فيأخذون ما كان لأبيهم من الغلة بوصية جدهم لهم ويقولون لعمهم ما تأخذه من غلة الوقف إنما هو بميراثك من أبيك فكيف يكون ذلك ميراثا منه ولا يكون لنا مثله وقد أوصى الواقف في حصة أبينا من الوقف لمن يجوز لهم الوصية فإن جاز لك أخذه دوننا جاز له أن يوصي في نصيب بعض الورثة دون بعض وأنه باطل فثبت ما قلنا ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة بعد وفاتي على ولدي وولد ولدي ونسلي أبدا ومن بعدهم على المساكين وليس له مال غيرها ولم تجزه الورثة يكون ثلثاها ملكا لورثته على قدر ميراثهم منه
الجزء 1 · صفحة 41
وثلثها وقفا على ولده وولد ولده ونسله ثم ينظر إلى عدد الفريقين يوم إتيان الغلة وتقسم جميع غلة الأرض على عددهم فإن كان ما يصيب ولد الولد والنسل منها مثل غلة الثلث الذي صار وقفا كما إذا كان أولاد الصلب عشرة والنافلة خمسة أو أكثر من غلة الثلث الموقوف كما إذا تساوى عدد الفريقين كانت غلة الثلث الوقف لهم خاصة ولا شئ لولد الصلب منه وإن كان ما يصيب النافلة من جميع غلة الأرض أقل من غلة الثلث الذي صار وقفا كما إذا كانوا ثلاثة وأولاد الصلب تسعة يعطى لهم ما كان يصيبهم من جميع غلة الأرض وما فضل يكون ميراثا بين ورثته على كتاب الله تعالى وكلما زادوا أو نقصوا بتغير الاستحقاق إلى أن ينقرض ولد الصلب فإذا انقرضوا تكون غلة الثلث كلها للنافلة لزوال المزاحم ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة لله ? بعد موتي على أولاد زيد ومن بعدهم على ورثتي تكون الغلة لأولاد زيد ثم إذا انقرضوا ترجع إلى ورثة الواقف على قدر ميراثهم منه إن لم يجيزوه فإذا انقرضوا تكون للمساكين وهكذا الحكم لو قال على إخوتي وأولادهم ونسلهم أبدا فإذا انقرضوا فهي على ولدي ونسلي أبدا فإذا انقرضوا فهي للمساكين وإذا رجعت الغلة إلى ولده تقسم بين ولده ونسله على حكم ما تقدم ولو وقف أرضه وهى تخرج من ثلث ماله ثم تلف المال قبل موته أو بعد موته قبل وصوله إلى الورثة وليس له مال غير ذلك يجوز لهم أن يبطلوا الوقف من ثلثيها ولو لم يكن له مال تخرج الأرض من ثلثه وقت الوقف ثم ملك ما لا تخرج من ثلثه تكون كلها وقفا ولو جعلها وقفا بعد وفاته وهى تخرج من الثلث ثم حدث فيها غلة قبل موته فإنها تكون للورثة لأن الوصية إنما تجب بعد الموت فكل ثمرة تحدث قبله فهي ملكه فتكون لورثته وإن حدثت بعد موته وخرجت هي أيضا من الثلث تكون للموقوف عليهم ولو وقفها وفيها ثمرة لا تدخل فيه تبعا كما لا تدخل في البيع بخلاف
الجزء 1 · صفحة 42
الخارجة بعد الوقف والموت إذا خرجت من الثلث لأنها نماء وقف ولو أوصى أن تشتري من ثلث ماله أرض بألف دينار وتوقف على ولد زيد وعلى ولد ولده ونسلهم أبدا ما تناسلوا ثم من بعدهم على المساكين يجب أن يفعل كما أوصى ومن مات منهم سقط سهمه وتسمر الغلة جارية عليهم ما بقي منهم أحد ولو شرط أنه متى احتاج ولده أو ولد ولده أو نسله إليها يجرى عليهم دون غيرهم ما كانوا إليها محتاجين بقدر حاجتهم صح شرطه ثم إذا رُدت إلى أولاده لصلبه لحاجتهم يشاركهم فيها سائر الورثة وإذا ردت إلى النافلة كلهم أو بعضهم لا لما بينا وإذا ردت إلى الفريقين لحاجتهم كان حكم الاجتماع كحكم الافتراق في الاشتراك وعدمه وإذا رُدّ إلى أولاد الصلب من الغلة قدر ما يكفيهم وشاركهم فيه بقية الورثة يردّ إليهم أبدا هكذا حتى يصير ما يصيبهم بقدر كفايتهم من طعام وادام وكسوة لهم ولأولادهم ولأزواجهم في كل سنة ولو عين لمن يحتاج منهم قدرا معلوما كان ذلك له وحده إن كان من النافلة وتشاركه فيه بقية الورثة إن كان من ولد الصلب من غير ردّ وإن قال يجري على كل محتاج من البطن الأعلى من أولادي من العلة في كل سنة ألف درهم وعلى كل محتاج من البطن الذي يليه في كل سنة خمسمائة درهم وعلى كل محتاج من البطن الذي يلي الثاني في كل سنة مائتا درهم تصرف الغلة على ما شرط ان وسعتهم وألا تقسم بينهم على نسبة ما سمي لهم أن لم يرتب البطون وإن رتبهم يدفع للبطن الأعلى الألف أولا ثم وثم ولو قال أرضي هذه بعد وفاتي صدقة موقوفة على أن يعطى كل من كان فقيرا من ولدي وولد ولدي ونسلي أبدا ما تناسلوا منها في كل سنة ما يكفيه بالمعروف وهى تخرج من الثلث وقصرت الغلة عن هذه المصارف يبدأ بولد وبكل من جازت له الوصية فيعطى ما سمي له منها فإن فضل شئ يعطى لولد الصلب لأن الوقف فى المرض كالوصية وهى لا تجوز للوارث فتكون لمن تجوز له الوصية ولو
الجزء 1 · صفحة 43
قال أرضي هذه صدقة موقوفة بعد وفاتي وذكر وجوها سماها ثم أوصى أن تكون صدقة موقوفة على وجوه أخر سوى الوجوه الأولى وذكر بعد كل وجه المساكين وهى تخرج من الثلث تكون الغلة بين الجهتين إنصافا لكونه أوصى بوصيتين ولم يرجع عن واحدة منها وإذا انقرض أحد الفريقين يكون سهمه للمساكين لذكره إياهم بعد كل فريق والله أعلم.
[فصل فى إقرار المريض بالوقف]
لو أقرّ مريض فقال هذه الأرض التي في يدي وقفها رجل مالك لها على فلان وفلان وعلى الفقراء والمساكين ثم مات المقرّ في مرضه ذلك تكون وقفا من جميع ماله لذكره في الموقوف عليهم أشخاصا بأعيانهم ويكون ثلثا الغلة للرجلين المعينين والثلث الآخر للفقراء والمساكين لأنه مصدّق فيما في يده ألا ترى أنه لو أقرّ المريض بأرض في يده فقال إن رجلا مالكا لهذه الأرض أقرّ انها لفلان انه يجب أن تدفع إليه فإن قال في مرضه ان هذه الدراهم دفعها إليّ رجل ولم يسمه وقال لي تصدّق بها أو حج بها عني لا يصدّق إلا في مقدار الثلث فقط فإن خرجت من ثلث ماله صرفت فيما قال وإلا فبحسابه وإنما لم يصدق لعدم تعيينه المقرّ له وإن قال دفعها إليّ رجل وقال هي لفلان فادفعها إليه كان إقراره جائزا وتدفع إليه الدراهم كلها وكذلك لو كانت أرضا فقال وقفها رجل على فلان وفلان ومن بعدهما على المساكين ودفعها إليّ فإنها تكون وقفا على من سمي ولا حق فيها لورثة المقرّ لكون المقرّ له معينا وإن قال دفعها إليّ رجل وقال قد وقفتها على زيد وعمرو يعطيان من غلتها في كل سنة كذا وكذا وللمساكين كذا وكذا وللغزو كذا وكذا وليس للمقرّ مال غير تلك الأرض يكون ثلثاها وقفا على زيد وعمر والثلث الآخر ثلثاه لورثته وثلثه للغزو والمساكين لأنه لما أفرد كلا بقدر من الغلة صار كأنه أفرد كلا بإقرار له بوقف على حياله بخلاف المسألة الأولى وإن قال دفعها إليّ وقال
الجزء 1 · صفحة 44
قد وقفتها على ولد فلان ابن فلان وعلى ولد ولده ونسله أبدا ما تناسلوا وعلى الفقراء والمساكين وليس له مال غيرها وكان المقر بالوقف من جملة المقرّ لهم به لا يستحق هو ولا ولده ولا ولد ولده من غلته شيئا فينظر إلى حصصهم من الثلثين بعد قسمته على مجموع المقرّ لهم فيضم إلى الثلث الذي هو حصة الفقراء والمساكين فتأخذ الورثة ثلثيه والفقراء والمساكين ثلثه ولو (1) أقرّ بأرض في يده ان رجلا مالكا لها وقفها على الفقراء والمساكين لا تصير وقفا من جميع ماله وإنما تصير وقفا من الثلث فإن خرجت منه كانت كلها وقفا وإلا فبحسابه لأنه لما لم يقر بأنه وقفها على رجل بعينه صار كأنه هو الذي وقفها فى مرضه وإلى هذا ذهب الحسن بن زياد فإنه فرق بين إقراره لمعين وبين إقراره لغير معين فجعل الكل للمقر فيما إذا كان معينا وقفا كان المقر به أو ملكا وجعل له الثلث فقط فيما إذا كان مجهولا والباقي لورثة المقرّ ولو أقرّ بأرض في يده أن رجلا جعلها صدقة موقوفة عليه وعلى ولده ونسله أبدا ثم من بعدهم على المساكين وإنه دفعها إليه لا تكون وقفا عليه ولا على أولاده لكونه أقرّ بملكيتها للغير وادّعى أنه وقفها عليه وعلى أولاده فلا يقبل قوله في ذلك لنفسه ولا لولده وإن لم يكن له منازع معين لكونه أقر بأنها صدقة والأصل في الصدقة أن تكون للمساكين فقد أقر بها لهم معنى فيحتاج إلى إثبات ما ادعاه لنفسه ولا أولاده وأما إقراره به للغير فإنه شهادة منه على الواقف فتقبل بخلاف ما إذا أقر بأرض في يده أن رجلا وهبها له فإنها تكون له لأنه لم يقر بها لأحد وإذا أقر بأن الأرض التي في يده وقفها رجل على جماعة معينين وعلى الفقراء والمساكين يكون لكل ممن عين سهم وللفقراء والمساكين سهمان على ما رواه محمد عن أبى حنيفة وقال الحسن بن زياد لهما سهم واحد والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 45
[باب في إقرار الصحيح بأرض في يده انها وقف]
إذا أقرَّ رجل صحيح بأرض في يده انها صدقة موقوفة ولم يزد على ذلك صح إقراره وتصير وقفا على الفقراء والمساكين لأن الأوقاف تكون في يد القوّام عادة فلو لم يصح الإقرار ممن هي في أيديهم لبطلت أوقاف كثيرة ولا يجعل هو الواقف لها إلا ان يقيم بينة بأن الأرض كانت له حين أقر فحينئذ يكون هو الواقف لها وقبل قيام البينة بذلك يكون الرأي فيها إلى القاضي إن شاء تركها في يده وإن شاء أخذها منه ووجه قبول البينة أن يدعي رجل أنه الواقف لها فيقيم المقر بينة انه هو الواقف فتندفع خصومة المدعي وتثبت لنفسه ولاية لا يرد عليها عزل وهذا كرجل أقر بحرية عبد في يده فإنه يصح إقراره يصح إقراره بها ولا يكون له الولاء إلا أن يقيم بينة انه كان له حين الإقرار بعتقه فكذلك المقر بالوقف ان أقام بينة انه الواقف قبلت وقبلها لا تكون له الولاية قياسا وفي الاستحسان يتركها القاضي في يده وهو الذي يقسم غلتها على الفقراء ذكره في قاضيخان وذكر الخصاف وهلال ان ولايتها له ولا يقضي عليه بانتزاعها من يده حتى يعلم ان الولاية ليست له لأنها لو أخذت منه لقضى عليه بأنها لم تكن له ولم يثبت ذلك بخلاف الولاء فانه بإقراره بالعتق خرج من يده فلا يجعل له الولاء وأما الأرض فلا تخرج من يده بالإقرار بالوقف فتبقى الولاية على حالها ولو اقر انها وقف وسكت ثم قال هي وقف على جهة كذا يقبل قوله فيما قال لان من في يده شئ يقبل قوله فيه وهذا استحسان وفي القياس لا يقبل قوله الآخر لأن بإقراره الأول صارت للمساكين فلا يملك إبطاله ولو قال بعد الإقرار انا وقفتها على تلك الجهة يقبل قوله أيضا ما لم تعم بينة تشهد بخلاف ما قال ولو اقر انها وقف عليه وعلى ولده ونسله أبدا ومن بعدهم على المساكين يقبل قوله ولا يكون هو الواقف لها لان العادة جرت ان يكون الوقف عليهم من غيرهم فلو ادعي عليه بعد ذلك جماعة
الجزء 1 · صفحة 46
بأنها وقف عليهم بانفرادهم فاقر لهم به صح إقراره على نفسه فقط فتكون حصته منه لهم ويرجع إلى أولاده فيما ينوبهم فإن كانوا كبارا وأقروا به لهم كان لهم وإلا تقسم الغلة عليه وعلى ولده ونسله فما أصابه كان للمقر لهم والباقي لأولاده وإذا مات يبطل إقراره وترجع حصته إلى أولاده ونسله ثم تكون من بعدهم للمساكين ولو أقر بأنها وقف من قبل أبيه وأبوه ميت صح إقراره ثم ان كان على أبيه دين أو أوصى بوصية وليس له مال غيرها يباع منها ما يوفي به دينه وتنفذ وصيته وما فضل يكون وقفا لعدم نفاذ إقراره في حق أبيه وإن أحاط بها الدين تباع كلها به إلا أن يقضي دينه عنه وإن كان معه وارث آخر يجحد الوقفية كان نصيبه منها له بعد التلوم ونصيب المقر وقف ولو أقر بأنها وقف على قوم معلومين وسماهم ثم أقر بعد ذلك أنها وقف على غيرهم أو زاد عليهم أو نقص منهم لا يصح إقراره الثاني ويعمل بالأول ولو أقر بأرض في يده أن القاضي الفلاني ولاه عليها وهى صدقة موقوفة لا يقبل قوله فى التولية قياسا ذكره في قاضيخان وقال هلال لا يقبل قوله في التولية والوقف قياسا وفي الاستحسان يتلوم القاضي أياما فإن لم يظهر عنده غير ما أقر به أمضى الوقف على نهج ما أقر به ولو كانت أرض في يد ورثة فأقروا أن أباهم وقفها وسمى كل واحد منهم وجها غير ما سمى الآخر يقبل القاضي إقرارهم والولاية عليها إليه فيصرف غلة حصة كل واحد منهم فيما ذكره لأنه لا تهمة فيه ولو كان فيهم صغير وغائب توقف حصتهم إلى الإدراك والقدوم ومن أنكر منهم الوقفية تكون حصته ملكا له ولو شهد اثنان على إقرار رجل بأن أرضه وقف على زيد ونسله وشهد آخران على إقراره بأنها وقف على عمرو ونسله تكون وقفا على الأسبق وقتا ان علم أو ذكروا وقتا واحدا تكون الغلة بين الفريقين أنصافا ومن مات من ولد زيد فنصيبه لمن بقي منهم وكذا حكم أولاده وإذا انقرض أحد الفريقين رجعت إلى الفريق الثاني لزوال
الجزء 1 · صفحة 47
المزاحم ولو أقر بأن هذه الأرض كانت لزيد بن عبد الله وقد وقفها في وجوه سماها وجعلني متوليا عليها يرجع إلى زيد فيها إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا فى الوقفية وعدمها وإن لم يكن له ورثة أو سمى المقر رجلا مجهولا تستمر فى يده ولو أقر رجل بأن أباه وقف أرضه على المساكين وانه جعل ولايته إليه وليس معه وارث غيره يصح إقراره بالوقف ويقبل قوله فى الولاية أيضا استحسانا ولو أقر رجل فقال هذه الأرض صدقة موقوفة عن أبى على الفقراء والمساكين تصير وقفا ولو كان معه وارث آخر فجحد الوقفية لا يستحق شيئا حتى يثبت عند القاضي أنها كانت لأبيه لأنه لما قال عن أبي لم يقرانها كانت لأبيه لاحتمال أن يكون الواقف لها غيره والولاية عليها له إلا أن يثبت أنها لغيره بخلاف ما إذا قال انها صدقة موقوفة من أبى لأنه جعل ابتداء الوقف من أبيه فيرجع إلى قول شريكه فى حصته منها ولو قال هذه الأرض صدقة موقوفة على ولد جدي جاز ويكون المقرّ من جملة الموقوف عليهم إلا أن يثبت أنها كانت ملك المقر وقت الإقرار بالوقف فحينئذ يجوز ما يجوز للرجل أن يقفه ويبطل منها ما لا يجوز له أن يقفه ولو أقرّ بأن هذه الأرض وقف على ولد زيد ونسله أبدا ما تناسلوا على أن لي ولايتها وعلى أن لي أن أخرج منها من أرى إخراجه وأدخل من أرى إدخاله وأن لي ولاية الزيادة والنقصان وولاية الاستبدال بهذا الوقف ما أرى من أرض أو دار وأتى بهذه الأمور متصلة بإقراره ولم ينسب الأرض إلى واقف صح إقراره بالوقف لهم وبجميع ما ذكر ولا يسمع قول المقر بالوقف في نفيه بدون حجة ألا ترى انه لو قال هذه الأرض التي في يدي موقوفة على زيد وولد ولده ونسله عشر سنين ومن بعدها فهي وقف على ولد عمر ونسله أبدا ثم من بعدهم على المساكين كان إقراره بذلك جائزا وتكون وقفا على ولد عمرو ونسله أبدا ثم من بعدهم على المساكين كان إقراره بذلك جائزا وتكون وقفا على ولد زيد المدة التي ذكرها ثم إذا مضت تكون وقفا على ولد عمرو فإذا انقرضوا تكون على المساكين لأنه يقول إنما وقفت على هذه
الجزء 1 · صفحة 48
الشروط التي ذكرتها فإن قبل قولي في أنها وقف فهي وقف على ما ذكرت هذا إذا لم ينسبها إلى رجل معروف وأما إذا ذكر لها واقفا معروفا فان ذكره عند إقراره بالوقف يرجع إليه فيه إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتا وإن ذكره بعد الإقرار به لا يصح لاستلزامه احتمال بطلان ما صار وقفا بالإقرار الأول لكون القول قول المنسوب إليه في الوقفية وعدمها وإذا أقر أن رجلا معروفا دفع إليه هذه الأرض وقال هي وقف على وجوه سماها لا يقبل قوله فيها إن كان الرجل حيا وإن كان ميتا يتلوم القاضي فيها فإن صح عنده في أمرها شئ عمل به وإلا عمل بقول المقر استحسانا وصرف غلتها فيما ذكر من الوجوه وعلى هذا الأوقاف المتقادمة والإقرار بأن هذه الأرض ملك فلان اليتيم وقد دفعها إليّ فلان القاضي ولو ترك ابنين وفي يدهما أرض فقال أحدهما وقفها أبونا علينا وأنكر الآخر الوقف تكون حصة المقر وقفا عليه وحصة المنكر ملكا له ولا حق له في الوقف لان إنكاره له بمنزلة ردّه فإن فإن زاد المقر وقال وقفها علينا وعلى أولادنا ونسلنا أبدا ما تناسلوا ثم من بعدهم على المساكين كانت حصته وقفا على من أقر ثم إن صدق أولاد المنكر عمهم فيما في يده أخذوا استحقاقهم منه ولا يبطل حقهم منه بإنكار أبيهم وإن وافقوه بعد موت أبيهم فيما كان في يده صارت كلها وقفا وإن تابعوه على الإنكار يحرمون من الوقف وان وافقه كلهم في حياة أبيهم وأنكروا بعد موته صارت كلها وقفا لإقرارهم السابق وإن وافقه بعضهم وأنكر بعضهم بعد موت أبيهم يضم نصيب الموافق إلى الوقف وتقسم غلته على حكم ما اعترفوا به ونصيب المنكر منهم ملك له ولو (1) باع المنكر حصته من الأرض ثم رجع إلى التصديق يبطل البيع وتصير وقفا ان صدقه المشتري وإلا فيلزمه قيمة ما باع ويشتري بها بدل ولو كان معدما
الجزء 1 · صفحة 49
لا يقدر على شراء بدل يدخل مع الباقين في الوقف ولو أقرّ لرجلين بأرض في يده أنها وقف عليهما وعلى أولادهما ونسلهما أبدا ثم من بعدهم على المساكين فصدَّقه أحدهما وكذبه الآخر ولا أولاد لهما يكون نصفها وقفا على المصدّق منهما والنصف الآخر للمساكين ولو رجع المنكر إلى التصديق رجعت الغلة إليه وهذا بخلاف ما إذا أقرَّ الرجل بأرض فكذبه المقر له ثم صدقه فإنها لا تصير له ما لم يقر له بها ثانيا والفرق ان الأرض المقرّ بوقفيتها لا تصير ملكا لأحد بتكذيب المقر له فإذا رجع ترجع إليه والأرض المقر بكونها ملكا ترجع إلى ملك المقر بالتكذيب ولو أقر بأرض في يد رجل انها وقف وذو اليد منكر ثم اشتراها أو ورثها منه تصير وقفا مؤاخذة له بزعمه ولو كان معه ورثة فالمرجع فيما ينوبهم إليهم نفيا وإثباتا ولو أقر ان أباه أوصى ان تكون أرضه صدقة موقوفة ولم يكن له وارث غيره وقال ليس له مال غيرها كان ثلثها وقفا وله أن يبطله في الباقي ان لم يظهر له مال يخرج من ثلثه ولو أقر بأنه وقف الضيعة الفلانية في سنة ثلاث وتسعمائة مثلا وأشهد عليه بذلك ولم تكن في يده وإنما كانت في يد رجل اشتراها من آخر فأقر المشتري أنه اشتراها في سنة اثنين وتسعمائة للرجل المقر بالوقف بأمره وماله وأنها له دونه فإنها تكون وقفا إن صدَّق المقر بالوقف المشتري فيما قال من الأمر وتقدم التاريخ والا فلا وان أقر أنه اشتراها له بأمره ونقد ثمنها عنه تبرعا تكون وقفا وإن جحد المقر له الأمر بالشراء لعدم لحوق كلفه عليه بصيرورتها وقفا وإن مات الواقف فقالت الورثة وقفها قبل أن يملكها وقال وصية والموقوف عليهم وقفها بعد ما ملكها بشراء وكيله زيد وصدق زيد على ذلك بعد موت الواقف يكون وقفا إن كان تاريخ الشراء سابقا على الوقف وأقر بنقد الثمن عنه متبرعا ولا يقدح جحود الورثة في كونها وقفا لإشهاد مورثهم انه وقفها فإن قال نفدت الثمن من مال الواقف يرجع في صيرورتها وقف إلى الورثة فإن صدقوه على ما قال كانت
الجزء 1 · صفحة 50
وقفا وإن كذبوه في التوكيل يلزمهم اليمين على نفي العلم فإن حلفوا بطل كونها وقفا وإلا فلا والله أعلم.
[باب الولاية على الوقف]
لا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه لأن الولاية مقيدة بشرط النظر وليس من النظر تولية الخائن لأنه يخل بالمقصود وكذا تولية العاجز لأن المقصود لا يحصل به ويستوي فيها الذكر والأنثى وكذلك الأعمى والبصير وكذلك المحدود في قذف إذا تاب لأنه أمين، رجل طلب التولية على الوقف قالوا لا تعطي له وهو كمن طلب القضاء لا يقلد، لو وقف رجل أرضا له ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره ذكر هلال والناطفي أن الولاية تكون للواقف وذكر محمد في السير أنه إذا وقف ضيعة له وأخرجها إلى القيم لا تكون له الولاية بعد ذلك إلا أن يشترطها لنفسه وهذه المسألة مبنية على ما تقدم من أن التسليم شرط عند محمد فلا تبقى له ولاية إلا بالشرط منه له وليس بشرط عند أبي يوسف فتكون الولاية له من غير شرط لنفسه وبه أخذ مشايخ بلخ ولو شرط أن بكون الولاية له ولأولاده في تولية القوّام وعزلهم والاستبدال بالوقف وفي كل ما هو من جنس الولاية مسلمه إلى المتولي جاز ذلك ذكره في السير ولو لم يشرط لنفسه ولاية عزل المتولي ليس له عزله من بعد ما سلمها إليه عند محمد لكونه قائما مقام أهل الوقف وعند أبي يوسف هو وكيله فله عزله وإن شرط على نفسه عدم العزل ولو جعل الولاية لرجل ثم مات بطلت ولايته عنده بناء على الوكالة إلا أن يجعلها له في حياته وبعد مماته لأنه يصير وصية بعد موته ولا تبطل عند محمد بناء على أصله ولو كان له وقف فجعل عند مرضه رجلا وصيا ولم يذكر من أمر الوقف شيئا تكون ولايته إلى الوصي ولو قال أنت وصيي في أمر الوقف قال هلال هو وصي في الوقف فقط على قولنا وقول أبي يوسف وعلى قول أبي حنيفة هو وصي
الجزء 1 · صفحة 51
في الأشياء كلها وجعل في قاضيخان أبا يوسف مع أبي حنيفة فكان عنه روايتين ولو جعل ولايته إلى رجلين بعد موته وأوصى أحدهما إلى الآخر في أمر الوقف ومات جاز له التصرف في أمره كله بمفرده وروى يوسف بن خالد السمتي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز لأن الواقف لم يرض إلا برأييهما ولم يرض برأي أحدهما وعلى قياس قول أبي يوسف ينبغي أن يجوز انفراد كل منهما بالتصرف عنده ولو شرط الواقف أن لا يوصي المتولي إلى أحد عند موته امتنع الإيصاء ولو شرط أن تكون ولاية وقفه لنفسه أو جعلها لغيره من ولد أو غيره وشرط أن لا يعزله منه سلطان ولا قاض كان شرطه باطلا إذا لم يكن هو أو من جعله مأمونا عليه ولو منع أهل الوقف ما سمي لهم فطالبوه به ألزمه القاضي بدفع ما في يده من غلته (1) ولو امتنع من العمارة وله غلة جبره عليها فإن فعل فيها وإلا أخرجه من يده فإن مات ولم يجعل ولايته إلى أحد جعل القاضي له قيما ولا يجعله من الأجانب ما دام يجد من أهل بيت الواقف من يصلح لذلك أما لأنه أشفق أو لأن من قصد الواقف نسبة الوقف إليه وذلك فيما ذكرنا فإن لم يجد فمن الأجانب من يصلح فإن أقام أجنبيا ثم صار من ولده من يسلح صرفه إليه كما في حقيقة الملك ولو جعل ولايته إلى رجلين فقبل أحدهما ورد الآخر يضم القاضي إلى من قبل رجلا آخر ليقوم مقامه وإن كان الذي قبل موضعا لذلك ففوّض القاضي أليه أمر الوقف بمفرده جاز ولو قال جعلت الولاية لفلان في حياتي وبعد مماتي إلى أن يدرك ولدي فإذا أدرك كان شريكا له في حياتي وبعد مماتي لا يجوز ما جعله لابنه في رواية الحسن عن أبي حنيفة وقال أبو يوسف يجوز وكذلك لو قال إن أدرك ابني فلان فإليه ولاية صدقتي هذه في حياتي وبعد مماتي
الجزء 1 · صفحة 52
دون فلان فإنه يجوز عند أبي يوسف ولو أوصى إلى رجل بأن يشتري بمال سماه أرضا يجعلها وقفا على وجوه سماها له وأشهد على وصيته جاز ويفعل ويفعل الوصي ما أمر به وتكون الولاية له على الوقف وله ان يوصي بما أوصى إليه ويصير له ما كان لموليه ولو جعل الواقف رجلا متولنا على وقفه في حياته وبعد وفاته ثم وقف وقفا آخر ولم يجعل له واليا لا يكون متولي الأول متوليا على الثاني ألا أن يقول أنت وصيي ولو وقف أرضين وجعل لكل واحدة واليا لا يشارك أحدهما الآخر فإن أوصى بعد ذلك إلى رجل آخر يصير متوليا على كل وقف وقفه الموصي مع من جعله الواقف متوليا ولو جعل ولاية وقفه لرجل ثم جعل رجلا آخر وصيه يكون شريكا للمتولي في أمر الوقف إلا أن يقول وقفت أرضي على كذا وكذا وجعلت ولايتها إلى فلان وجعلت فلانا وصيي في تركاتي وجميع أموري فحينئذ ينفرد كل منهما بما فوض إليه ولو جعل الولاية لأفضل أولاده وكانوا في الفضل سواء تكون لأكبرهم سنا ذكرا كان أو أنثى ولو قال للأفضل فالأفضل من أولادي فأبى أفضلهم القبول أو مات تكون لمن يليه فيه وهكذا على الترتيب كذا ذكره الخصاف وقال هلال القياس أن يدخل القاضي بدله رجلا ما كان حيا فإذا مات صارت الولاية إلى الذي يليه في الفضل ولو كان الأفضل غير موضع أقام القاضي رجلا يقوم بأمر الوقف ما دام الأفضل حيا فإذا مات ينتعل إلى من يليه فيه فإذا صار أهلا بعد ذلك ترد الولاية إليه وهكذا الحكم لو لم يكن فيهم أحد أهلا لها فإن القاضي يقيم أجنبيا إلى أن يصير منهم أحد أهلا فترد إليه ولو صار المفضول من أولاده أفضل ممن كان أفضلهم تنتقل الولاية إليه لشرطه إياها لأفضلهم فينظر فى كل وقت إلى أفضلهم كالوقف على الأفقر فالأفقر من ولده فإنه يعطى الأفقر منهم وإذا صار غيره أفقر منه يعطى الثاني ويحرم الأول ولو جعلها لاثنين من أولاده وكان فيهم ذكر وأنثى صالحين للولاية
الجزء 1 · صفحة 53
تشاركا فيها لصدق الولد عليها أيضا بخلاف ما لو قال لرجلين من أولادي فانه لا حق لها حينئذ ولو جعلها لرجل ثم عند وفاته قال قد أوصيت إلى فلان ورجعت عن كل وصية لي بطلت ولاية المتولي وصارت للوصي ولو قال رجعت عما أوصيت به ولم يوص إلى أحد ينبغي للقاضي ان يولي عليه من يوثق به لبطلان الوصية برجوعه ولو جعلها للموقوف عليه ولم يكن أهلا أخرجه القاصي وإن كانت الغلة له وولى عليه مأمونا لأن مرجع الوقف للمساكين وغير المأمون لا يؤمن منه عليه من تخريب أو بيع فيمتنع وصوله إليهم ولو أوصى الواقف إلى جماعة وكان بعضهم غير مأمون بدله القاضي بمأمون وإن رأى إقامة واحد منهم مقامه فلا بأس به وإن مات واحد منهم عن غير وصي أقام القاضي مقامه رجلا ولو منهم ولو شرط الولاية بعد موت وصيه لزيد ثم لعمرو ثم لبكر وهكذا وجب الترتيب ولو جعلها لأولاده وفيهم صغير أدخل القاضي مكانه رجلا أجنبيا أو واحدا منهم كبيرا ولو أوصى إلى صبي تبطل في القياس مطلقا وفي الاستحسان هي باطلة ما دام صغيرا فإذا كبر تكون الولاية له وحكم من لم يخلق من ولده ونسله في الولاية كحكم الصغير قياسا واستحسانا ولو كان ولده عبدا يجوز قياسا واستحسانا لأهليته في ذاته بدليل أن تصرفه الموقوف لحق المولي ينفذ عليه بعد العتق لزوال المانع بخلاف الصبي والذمي في الحكم كالعبد فلو أخرجهما القاضي ثم أعتق العبد وأسلم الذمي لا تعود الولاية إليهما ولو جعل الولاية لغائب أقام القاضي مقامه رجلا إلى أن يقدم فإذا قدم ترد إليه ولو قال ولاية هذا الوقف إلى عبد الله حتى يقدم زيد فإذا قدم فهو وصي كان زيد وصيا وحده عند قدومه وقال بعضهم إذا قدم زيد كان شريكا لعبد الله في الولاية إلا أن يقول إذا قدم زيد فالولاية إليه دون عبد الله قال هلال وهذا القول عندنا ليس بشيء والقول عندنا القول الأول ولو جعلها لزيد ما دام في البصرة كانت له ما دام مقيما فيها وكذلك لو جعلها
الجزء 1 · صفحة 54
لامرأته ما لم تتزوج فإنها إذا تزوجت تسقط ولايتها وإن لم ينص على سقوطها كما لو قال صدقتي لفلان ما كان فقيرا فإنه إذا استغنى لا يعطى شيئا لفوت ما علق الاستحقاق عليه ولو مات قيم المسجد فأقام أهله قيما مكانه بغير إذن القاضي لا يصير قيما في الأصح ولكن لا يضمن ما أنفق في عمارته من الغلة إن كان هو الذي اجر الوقف لأنه إذا لم تصح التولية يصير غاصبا والغاصب إذا أجر المغصوب تكون الأجرة له ذكره في قاضيخان بخلاف تولية الموقوف عليهم قيما إذا مات فيمهم فإنها صحيحة وإن لم يستطلعوا رأي القاضي إذا كانوا يحصون وكان القيم من أهل الصلاح ولو أقام قاضي بلدة قيما على وقف وأقام قاضي بلدة أخرى قيما آخر عليه هل يجوز لكل واحد منهما الإنفراد بالتصرف قال الشيخ إسماعيل الزاهد ينبغي أن يجوز تصرف كل واحد منهما بمفرده لتفويض كل منهما الأمر كاملا إلى ما أقامه ولو أراد (1) أحدهما أن يعزل من أقامه الآخر قال إن رأى المصلحة في عزله كان له ذلك وإلا فلا وإذا كان للوقف متول ومشرف لا يتصرف في الغلة إلا المتولي لأن المشرف مأمور بحفظ المال لا غير والله تعالى أعلم.
[فصل فيما يجعل للمتولي من غلة الوقف]
يجوز أن يجعل الواقف للمتولي على وقفه في كل سنة مالا معلوما لقيامه بأمره والأصل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب ? حيث قال لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثل مالا وما فعله على بن أبي طالب ? حيث جعل نفقة العبيد الذين وقفهم مع صدقته ليقوموا بعمارتها من الغلة وهو بمنزلة الأجير في الوقف ألا ترى أنه يجوز له أن يستأجر أجراء لما يحتاج أليه الوقف من العمارة وعليه عمل الناس وليس له حد معين وإنما هو على ما تعارفه الناس من الجعل عند عقده الوقف ليقوم بمصالحه من عمارة واستغلال
الجزء 1 · صفحة 55
وبيع غلات وصرف ما اجتمع عنده فيما شرطه الواقف ولا يكلف من العمل بنفسه إلا مثل ما يفعله أمثاله ولا ينبغي له أن يقصر عنه وأما ما تفعله الأجراء والوكلاء فليس ذلك بواجب عليه حتى لو جعل الولاية إلى امرأة وجعل لها أجرا معلوما لا تكلف إلا مثل ما تفعله النساء عرفا ولو نازع أهل الوقف القيم وقالوا للحاكم ان الواقف إنما جعل له هذا في مقابلة العمل وهو لا يعمل شيئا لا يكلفه الحاكم من العمل مالا يفعله الولاة ولو حل به آفة يمكنه معها الأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله الأجر وإلا فلا أجر له ولو طعن أهل الوقف في أمانته لا يخرجه الحاكم إلا بخيانة ظاهرة ببينة وان رأى أن يدخل معه رجلا آخر فعل ومعلومه باق له وان رأى أن يجعل لمن أدخله معه حصة من معلومه فلا بأس وإن رآه ضيقا فجعل لمن أدخله من غلة الوقف قدرا معينا جاز وينبغي له أن يقتصد فيما يجعل له من الغلة ولو جعل الواقف للقائم بوقفه أكثر من أجر مثله يجوز لأنه لو جعل له ذلك من غير أن يشترط عليه القيام بأمره يجوز فهذا أولى بالجواز ولو قال للقيم وكل في أمر الوقف حياتي من رأيت واجعل له مما عينته لك ما رأيت فوكل رجلا وجعل له منه شيئا جاز ويجوز له إخراجه والاستبدال به وقطع ما جعل له وعدم إقامة أحد مكانه ولو شرط له تفويض أمره بعد مماته مثل ما شرط له في حياته فجعل القيم بعض معلومه لرجل أقامه قيما وسكت عن الباقي ثم مات يكون لوصيه ما سمي له فقط ويرجع الباقي إلى أصل الغلة ولو شرط له المعلوم ولم يشرط له أن يجعله لغيره ليس له أن يوصي به ولا بشئ منه لأحد ويجوز له أن يوصي بأمر الوقف وينقطع المعلوم عنه بموته ولو وكل هذا القيم وكيلا في الوقف أو أوصى به إلى رجل وجعل له كل المعلوم أو بعضه ثم جن جنونا مطبقا يبطل توكيله ووصايته وما جعل للوصي أو الوكيل من المال ويرجع إلى غلة الوقف إلا أن يكون الواقف عينه لجهة أخرى عند انقطاعه
الجزء 1 · صفحة 56
عن القيم فينفذ فيها حينئذ (1) وقدر الجنون المطبق بما يبقي حولا لسقوط الفرائض كلها عنه ولو عاد عقله عادت الولاية إليه لأنها زالت بعارض فإذا زال عاد إلى ما كان عليه ولو أخرج القيم حاكم ثم جاء حاكم آخر فادعى عنده انه أخرج بتحامل قوم سعوا به إليه من غير جريمة يستحق بها الإخراج من الوقف لا يقبل قوله لأن مبنى أمور الحكام على الصحة ولكن يقول له صحح انك موضع للولاية بأمر الوقف فإذا أثبت أنه موضع لها ردها إليه وأجرى له ما كان جاريا عليه من الغلة وهكذا الحكم لو أثبت أهليته عند من أخرجه بتجديد توبة ورجوع عما كان يقتضي إخراجه ولو مات القيم عن غير إيصاء وأقام القاضي مقامه رجلا يجرى عليه من ذلك المال بالمعروف ولا يجعل له جميع ما كان للقيم إن كان أكثر من المتعارف لأنه يجوز للواقف من التصرف ما لا يجوز للحاكم ألا ترى أنه يجوز له أن يجعل كل الغلة للقيم بخلاف القاضي فانه لا يجري عليه إلا بقدر الاستحقاق لأنه نصب ناظرا لمصالح المسلمين فلا يجوز له من التصرف إلا ما فيه المصلحة ولو خشي الواقف أن يتعرض الحاكم إلى ما جعله للمتولي من المال لقيامه بالوقف بإدخال أحد معه فيه أو إخراجه من الولاية يشترط في وقفه أن هذا المال جار على فلان مادام حيا وإن خرجت يده عن القيام بأمر الوقف لم ينقطع عنه المال فحينئذ يأخذه في كل سنة ما دام حيا ولو جعله لولد القيم ونسله أبدا بعد موته جاز وكان ذلك المال جاريا عليهم بعد موته بحكم شرطه (2) ولو وقف أرضا ووقف معها عبيدا يعملون فيها وشرط نفقتهم من غلتها بالمعروف ثم مرض بعضهم يستحق النفقة إن قال على أن يجري عليهم نفقاتهم من علتها أبدا ما كانوا أحياء وإن قال لعملهم فيها لا يجرى شئ من الغلة على من تعطل منهم عن العمل ولو باع العاجز واشترى بثمنه عبدا مكانه جاز وان جنا أحد منهم فعل المتولي
الجزء 1 · صفحة 57
ما هو الأصلح من الدفع أو الفداء ولو فداه بأكثر من أرض الجناية كان متطوعا في الزائد فيضمنه من ماله وان فداه أهل الوقف كانوا متطوعين ويتقى العبد على ما كان عليه من العمل في الصدقة ولو وقف أرضه على مواليه مثلا ثم مات فجعل القاضي للوقف قيما وجعل له عشر الغلة وفي الوقف طاحون في يد رجل بالمقاطعة لا يحتاج فيها إلى القيم وأصحاب الوقف يقبضون غلتها منه لا يستحق القيم عشر غلتها لأن (1) ما يأخذه إنما هو بطريق الأجرة ولا أجرة بدون عمل والله تعالى أعلم.
[فصل في بيان ما يجوز للقيم من التصرف وما لا يجوز]
أول ما يفعله القيم في غلة الوقف البداءة بعمارته وأجرة القوّام وإن لم يشرطها الواقف نصا لشرطه إياها دلالة لأن قصده منه وصول الثواب إليه دائما ولا يمكن ذلك إلا بها ويتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة لأن الولاية مقيدة به حتى لو آجر الوقف من نفسه أو سكنه بأجرة المثل لا يجوز وكذا آجره من ابنه أو أبيه أو عبده أو مكاتبه للتهمة ولا نظر معها وسيأتي ما فيه من الاختلاف في باب الإجارة ولو اشترى المتولي بما فضل من غلة وقف المسجد حانوتا أو مستغلا آخر جاز لأن هذا من مصالح المسجد فلو باعه اختلفوا فيه والصحيح أنه يجوز لأن المشتري لم يذكر شيئا من شرائط الوقف فلا يكون من جملة أوقاف المسجد ولو خشي القيم هلاك النخل أو الشجر الذي في الأرض يجوز له أن يشتري ما يغرسه فيها لئلا يفنى شجرها وليخلف بعضها بعضا ولو أراد المتولي أن يشتري من غلة وقف المسجد دهنا أو (2) حصرا أو إجراء أو حصا ليفرش فيه يجوز أن وسع الواقف في ذلك للقيم بأن قال يفعل ما يراه من مصلحة المسجد وان لم يوسع بل وقف لبناء المسجد وعمارته فليس له أن يشتري ما ذكرنا لأنه ليس من العمارة والبناء وان لم يعرف شرطه في ذلك
الجزء 1 · صفحة 58
ينظر هذا القيم إلى من كان قبله فإن كان يشتري من الغلة ما ذكرنا جاز له الشراء وإلا فلا ولو اشتري بغلته ثوبا ودفعه إلى المساكين يضمن ما نقد من مال الوقف لوقوع الشراء له ولو طلب من القيم خراج الوقف والجباية وليس في يده شئ من الغلة قال الفقيه أبو القاسم أن كان الواقف أمره بالاستدانة جاز وإلا كان ذلك في ماله ولا يرجع به في غلته وقال أبو الليث إذا استقبله أمر ولم يجد بدا من الاستدانة ينبغي له أن يستدين بأمر الحاكم ثم يرجع به في غلة الوقف لأن للقاضي ولاية الاستدانة على الوقف وذكر الناطفي أن القيم لو استدان شيئا ليجعله في ثمن البذر للزراعة في أرض الوقف ان كان بإذن القاضي جاز عند الكل وتقييد الاستدانه بما ذكر إنما هو فيما إذا لم يكن في يده شئ من الغلة وأما إذا كان في يده شئ منها واشترى شيئا للوقف ونقد الثمن من ماله جاز له أن يرجع بذلك في غلته وان لم يكن بأمر القاضي كالوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من ماله فإنه يجوز له الرجوع به على موكله ولا يصح أن يرهن القيم الوقف بدين لأنه يلزم منه تعطيله فلو رهن القيم دارا من الوقف وسكن المرتهن فيها قالوا يجب عليه أجر مثلها سواء كانت معدة للاستغلال أو لم تكن احتياطيا في أمر الوقف ولو تناول الاكار من غلة الوقف شيئا فصالح المتولي على شئ ان وجد بينة على ما ادعى أو كان مقرا لا يملك أن يحط شيئا عنه ان كان الاكار غنيا وان كان محتاجا جاز إن لم يكن ما عليه فاحشا (1) ولو أخذ متولي الوقف من غلته شيئا ثم مات بلا بيان لا يكون ضامنا ولو طرح القيم حشيش المسجد الذي يكون في أيام الربيع جاز إن لم يكن له قيمة وإلا فلا يجوز له طرحه ويضمن الآخذ قيمته ولو مال حوانيت بعضها على بعض والأول منه وقف والباقي ملك والمتولي لا يعمر الوقف قال أبو القاسم إن كان للوقف غلة كان
الجزء 1 · صفحة 59
لأصحاب الحوانيت أن يأخذوه بتسوية الحائط المائل من غلة الوقف وإن لم يكن له غلة في يد المتولي رفعوا الأمر إلى القاضي ليأمره بالاستدانة على الوقف لإصلاحه حائط بين دارين أحداهما وقف والأخرى ملك فانهدم وبناه صاحب الملك في حد دار الوقف قال أبو القاسم يرفع القيم الأمر إلى القاضي ليجبره على نقضه ثم يبنيه حيث كان في القديم ولو قال القيم للباني أنا أعطيك قيمة البناء وأقره حيث بنيت وابن أنت لنفسك حائطا آخر في حدك قال أبو القاسم ليس للقيم ذلك بل يأمره بنقضه وبنائه حيث كان في القديم ولو أراد القيم أن يبني في الأرض الموقوفة قرية لأكرتها وحفاظها وليجمع فيها الغلات جاز له ذلك ولو كان الوقف خانا فاحتاج إلى خادم يكسح الخان ويقوم بفتح بابه وسده فسلم القيم بعض البيوت إلى رجل أجرة له ليقوم بذلك جاز وليس له أن يبني في الأرض الموقوفة بيوتا لتستغل بالإجارة لأن استغلال الأرض بالزراعة فإن كانت متصلة ببيوت المصر وترغب الناس في استئجار بيوتها والغلة من البيوت فوق غلة الزراعة جاز له حينئذ البناء لكون الاستغلال بهذا أنفع للفقراء ولو اجتمع من غلة وقف على الفقراء أو على المسجد الجامع مال ثم ناب الإسلام نائبة بأن غلب جماعة من الكفرة على مكان فاحتيج في دفع شرّهم إلى مال يجوز للحاكم أن يصرف ما كان من غلة المسجد في ذلك على وجه القرض إذا لم يكن للمسجد حاجة إلى ذلك المال ويكون دينا ذكره الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري ولو كان الوقف على البر والصدقات وحصلت منه غلة وهو محتاج إلى الإصلاح وظهر لها وجه بر يخاف المتولي فوته ان صرفها إلى العمارة والإصلاح نحو فك الأسارى أو إعانة المغازي المنقطع فإنه ينظر ان لم يكن في تأخير المرمة ضرر ظاهر يخاف منه خراب الوقف يصرفها في ذلك البر ويؤخر المرمة إلى الغلة الثانية وإن كان في تأخيرها ضرر ظاهر يصرفها إلى المرمة فإن فضل شئ يصرفه في ذلك البر والمراد
الجزء 1 · صفحة 60
من وجه البر هاهنا وجه فيه تصدق بالغلة على نوع من الفقراء فأما عمارة مسجد أو رباط أو نحو ذلك مما لا يتصور فيه التمليك فإنه لا يجوز صرفها فيه لأن التصدق عبارة عن التمليك فلا يصح إلا على من هو أهل للتملك ولو أنفق المتولي دراهم الوقف في حاجته ثم أنفق من ماله مثلها في مصارفه جاز ويبرأ عن الضمان ولو خلط من ماله بدراهم الوقف مثل ما أنفق كان ضامنا للكل قاله الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل وهذا بناء على القول بأن الخلط استهلاك كما عرف في موضعه والله تعالى أعلم
[فصل في اشتراط الواقف أن من أحده في الوقف حدثا يريد به إبطاله أو نازع القيم فهو خارج منه]
لو اشترط الواقف في كتاب وقفه ان من أحدث من أهل الوقف حدثا فيه يريد به إبطاله أو شيئا منه أو أفسده بإدخال يد إنسان فيه فهو خارج من هذه الصدقة ولا شئ له في شئ من غلتها وما كان له منها فهو مردود على من كان من أهل هذه الصدقة معينا على إصلاحها وتصحيحها وثباتها في وجوهها وسبلها الموصوفة في هذا الكتاب كان شرطه جائزا وهو على ما شرط فلو نازع بعض أهل الوقف فيه وقالوا إنما نريد تصحيحه وإصلاحه وقال سائرهم إنما يريدون إبطاله وإفساده وقد شرط الواقف أن من فعل ذلك فهو خارج منه ينظر القاضي إلى أمر المنازعين فيه فإن كانوا يريدون بمنازعتهم تصحيحه وإصلاحه فذلك لهم وهم في الوقف على حالهم وإن كانوا يريدون بها إبطاله أخرجهم منها وأشهد على إخراجهم فإن قالوا ان القيم يظلمنا بمنع حقوقنا وإنما ننازعه في حقوقنا لا في إبطال الوقف ينظر القاضي أيضا فيما قالوه كالأول ولو شرط ان من تعرض لفلان وإلى هذه الصدقة من أهلها ونازعه فهو خارج من هذا الوقف ولا حق له فيه من غير تقييد بإبطال الوقف وإفساده ونازعه بعضهم وقال منعني حقي من الغلة فإنه يكون خارجا عنه ولم يبق له فيه حق وإن كانت منازعته لطلب حقه عملا بشرطه المطلق لأنه لو صرح به فقال على أنه ان
الجزء 1 · صفحة 61
نازع فلانا ناظر هذه الصدقة أحد فطالبه بحقه من الغلة فهو خارج من الوقف ولا حق له فيه فطالبه واحد منهم بحقه فإنه يخرج منه فهذا كذلك ولو شرط أنه ان نازع فلانا متولي هذه الصدقة أحد من أهل الوقف فأمره إليه أو قال إلى فلان رجل آخر إن شاء أقره وإن شاء أخرجه وصرف ما كان له من الغلة إلى من يرى من أهل الوقف كان أمر النازع في الإبقاء وعدمه إليه فإن أخرجه مرة ليس له أن يعيده وإن أراد إخراجه فكلم فيه فأبقاه له إخراجه بعد ذلك والفرق أن بإخراجه إياه قد فعل ما شرط له وليس فيه ما يقتضي التكرار وبقائه لم يفعل شيئا وإنما تركه وهو ليس بفعل فكان الشرط باقيا بحاله ولو شرط له رد من يخرجه منه جاز له رده ثم لو نازعه بعد الرد ورأى إخراجه ليس له إخراجه لانتهاء الشرط إلا أن يذكر لفظا يقتضي تكرار الإخراج منه بمنازعته له كقوله وكلما نازعه أخرجه وإن رأى رده أعاده فحينئذ يجوز له تكرار العزل والتوليه في كل منازعة ولو شرط مثل ذلك للقيم وشرط له الإيصاء به جاز وإذا أوصى به إلى رجل جاز له مثل ما جاز للأصل ولو شرط الإيصاء بذلك الشرط لكل من يلي عليه عم الحكم كل من يلي عليه من القوام والله تعالى أعلم.
[فصل في إنكار المتولي الوقف وفي غصب الغير إياه]
لو أنكر المتولي الوقف وادعى أنه ملكه يصير غاصبا له ويخرج من يده لصيرورته خائنا بالإنكار ثم إن كان الواقف حيا فهو خصمه في إخراجه من يده ثم هو بالخيار إن شاء أبقاه في يد نفسه وإن شاء دفعه إلى من يثق به وجعله واليا عليه وإن نقصت الأرض ضمن النقصان الحاصل بعد الجحود لا ما قبله لصيرورته غاصبا لها من ذلك الوقت وكذلك إذا انهدم شئ من الدار بعد إنكار وقفيتها فإنه يضمنه ويبني به ما انهدم منها وإن كان ميتا وطالبه أهل الوقف به أقام القاضي له قيما وأخرجه من يده إذا صح أمره عنده ولو غصبها غير المتولي ترد إليه ويضمن الغاصب النقصان ويصرف بذله في عمارتها
الجزء 1 · صفحة 62
ولا يصرف لأهل الوقف لكونه بدل العين التي وقع عليها عقد الوقف وليس لهم فيها حق فكذا فيما قام مقامها وإنما حقهم في الغلة خاصة (1) ولو هدم الغاصب منها بناء وأدخل فيها جذوعا وآجرّا ضمن ما انهدم منها وأمر بهدم ما بني فيها ولو كانت أرضا وغرس فيها أشجارا أمر بقلعها إن لم يضر الهدم والقلع بالوقف وإن أضر به بأن تخرب الدار وتنقص الأرض برفعهما لا يمكن منه ويضمن القيم له قيمتها مقلوعين إن كان في يده من غلته ما يكفي للضمان وإلا آجره وأعطى الضمان من الأجرة وإن أراد الغاصب قلع الشجر من أقصى موضع لا ينقص الأرض فله ذلك ولا يجبر على أخذ القيمة ثم يضمن له ما بقي في الأرض من الشجر إن كان له قيمة وإلا فلا ولو كانت أرضا فكر بها الغاصب وحفر أنهارها أو فعل نحو ذلك مما ليس بمال متقوم لا يرجع بشئ ولو كانت دارا فنقي مخارجها وجصصها وطين سطوحها لا شئ له إن لم يمكنه أخذه وإن أمكنه الأخذ أخذه وإن نقصت الدار بأخذه ضمنه ولو غصبه رجل وأخرجه من يد نفسه أو غصب منه وعجز عن رده في الصورتين ضمن قيمته في قول من يرى تضمين العقار ثم يشتري بها بدل ويكون في يد الناظر كما كان الأصل فإن ردت الأرض المغصوبة قبل أن يشترى بالقيمة بدل ترد إلى من أخذت منه وإن ردت بعد الشراء رجعت الأرض إلى ما كانت عليه وقفا ويضمن القيم القيمة للغاصب وتكون الأرض التي اشتراها له ويرجع على أهل الوقف بما صرفه عليهم من غلتها ولو باعها ليرد له عوض القيمة بأنقص منها كان النقصان عليه خاصة ولا يرجع به في غلة الوقف قياسا واستحسانا ذكره هلال ولو ضاعت منه القيمة لا يضمنها لهم لكونه أمينا ولو هلكت القيمة ثم ردت الأرض المغصوبة ضمن قيمتها ويرجع بها في غلة الوقف ثم بعد الاستيفاء تصرف الغلة لأهلها ولو ضمن الغاصب قيمة
الجزء 1 · صفحة 63
الوقف الذي خرج من يده لعجزه عن ردّه رجع إلى يده فإنه لا يملكه لعدم قبوله الملك كالمدبر إذا غصب وضمن غاصبه قيمته لعجزه عن ردّه باباقه مثلا فإنه لا يملكه إذا ظهر بل يعود إلى مولاه ويرد إلى الغاصب ما أخذ منه وليس له حبس الوقف بعد رجوعه إليه لأخذ ما دفعه كالمدبر ولو استغل الغاصب الأرض سنين بالزراعة فالغلة له وعليه قيمة ما نقص من الأرض ولا يلزمه أجر مثلها وهذا قول المتقدمين وقال المتأخرون بلزوم أجر مثلها وأجر مثل مال اليتيم وما أعدّ للاستغلال ولو استغل نخلها وشجرها فعليه رد الغلة إن كانت قائمة ورد مثلها أو قيمتها إن كانت هالكة اتفاقا بين المتقدمين والمتأخرين لكونها نماء من عين الوقف ويصرف ذلك لأربابه لتعلق حقهم به خلاف قيمة عين الوقف على ما بينا ولو أخرجت الأرض في يد الغاصب غلة ثم تلفت بآفة سماوية لا ضمان عليه لعدم وجود الغصب فيها ولو زادت قيمة الوقف في يد الغاصب ثم غصب منه وعجز عن رده ينبغي للقيم أن يختار تضمين الثاني لكونه أوفر على أهل الوقف إلا أن يكون معدما وإذا اتبع القيم أحدهما برئ الآخر من الضمان كالمالك إذا اختار تضمين الأول أو الثاني برئ الآخر ولو غصب أرضا أو دارا فهدم بناء الدار وقلع أشجار الأرض ولم يقدر على ردّها فضمنه القيم قيمة الأرض والشجر أو الدار والبناء ثم رد الأرض أو الدار والنقض المهدوم والشجر المقلوع باق بعد فإنه يكون للغاصب فيرد إليه القيم حصة الأرض من القيمة ويصرف حصة الشجر والبناء في العمارة ولو هدم بناء الدار غير الغاصب يأخذ القيم أرض الدار من الغاصب ثم هو بالخيار في تضمين قيمة البناء أيهما شاء فإن ضمن الغاصب رجع بما ضمن على الهادم وإن ضمن الهادم لا يرجع على أحد ولو ضمن الغاصب الجاني قيمة البناء لم يبق للقيم عليه سبيل وإن كان الغاصب
الجزء 1 · صفحة 64
معدما لرده القيمة إلى ما كان الوقف في يده يوم الجناية ولو عصب رجل أرضا وقف وأجرى عليها الماء حتى صارت بحرا لا تصلح للزراعة يضمن قيمتها ويشتري بها أرض أخرى فتكون وقف على شروط الأولى ولو وقف رجل موضعا فاستولى عليه غاصب وحال بين الوقف وبينه قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل يأخذ من الغاصب قيمته ويشتري بها موضعا آخر فيقفه على شرائط الأول فقيل له أليس بيع الوقف لا يجوز فقال إذا كان الغاصب جاحدا وليس للوقف بينة يصير مستهلكا والشيء المسبل إذا صار مستهلكا يجب به الاستبدال كالفرس المسبل إذا قتل والعبد الموصى لخدمة الكعبة إذا قتل والله تعالى أعلم.
[باب إجارة الوقف ومزارعته ومسافاته]
لو شرط الواقف أن لا يؤجر المتولي الوقف ولا شيئا منه أو أن لا يدفعه مزاره أو أن لا يعامل على ما فيه من الأشجار أو شرط أن لا يؤجره إلا ثلاث سنين ثم لا يعقد عليه إلا بعد انقضاء العقد الأول كان شرطه معتبرا ولا يجوز مخالفته ولو قال من أحدث من ولاة هذه الصدقة شيئا مما ذكر خارج من ولايتها وهي إلى فلان كان كما قال ولو لم يذكر في صك الوقف إجارته فرأى الناظر إجارته أو دفعه مزارعة مصلحة قال الفقيه أبو جعفر ? ما كان أدر على الوقف وأنفع للفقراء جاز له فعله إلا أن في الدور لا تؤجر أكثر من سنة لأن المدة إذا طالت تؤدي إلى إبطال الوقف فإن من رآه يتصرف فيها تصرف الملاك على طول الزمان يظنه مالكا أما في الأرض فإن كانت تزرع في كل سنة لا يؤجرها أكثر من سنة وإن كانت تزرع في كل سنتين مرة أو في كل ثلاث سنين مرة جاز له أن يؤجرها مدة يتمكن المستأجر من زراعتها ولو شرط إن لا تؤجر أكثر من سنة والناس لا
الجزء 1 · صفحة 65
يرغبون في استئجارها سنة وإيجارها أكثر من سنة أدر على الوقف وأنفع للفقراء لا يجوز له مخالفة شرطه بإيجارها أكثر بل يرفع الأمر إلى القاضي ليؤجرها أكثر من سنة لكونه أنفع للوقف فإن للقاضي ولاية النظر للفقراء والغائبين والموتى ولو استثنى في كتاب وقفه فقال لا تؤجر أكثر من سنة إلا إذا كان أنفع للفقراء فحينئذ يجوز له إيجارها إذا رأى ذلك خيرا من غير رفع الأمر إلى القاضي للإذن له منه فيه ولو أجر القيم دار الوقف خمس سنين قال الشيخ أبو القاسم البلخي لا يجوز إجارة الوقف أكثر من سنة إلا من عارض يحتاج إلى تعجيل الأجرة لحال من الأحوال وقال الفقيه أبو بكر البلخي أنا لا أقول بفساد الإجارة مدة طويلة لكن الحاكم ينظر فيها فإن حصل للوقف بها ضرر أبطلها وهكذا قال الإمام أبو الحسن عليّ السغدي وعن الفقيه أبي الليث انه كان يجيز إجارة الوقف ثلاث سنين من غير فصل بين الدار والأرض إذا لم يكن الواقف شرط أن لا تؤجر أكثر من سنة وعن الإمام أبي حفص البخاري أنه كان يجيز إجارة الضياع ثلاث سنين فإن أجر أكثر من ثلاث سنين اختلفوا فيه قال أكثر مشايخ بلخ لا يجوز وقال غيرهم يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبطله وبه أخذ الفقيه أبو الليث ولو احتاج القيم إلى إجارة الوقف إجارة طويلة قالوا الوجه فيه أن يعقد عقودا مترادفة كل عقد على سنة ويكتب في الصك استأجر فلان بن فلان أرض كذا وكذا ثلاثين سنة بثلاثين عقدا عقد كل سنة بكذا من غير أن يكون بعضها شرطا لبعض فيكون العقد الأول لازما لأنه منجز والثاني غير لازم لأنه مضاف وفيه نظر لأنهم قالوا بأن الأول لازم والثاني غير لازم لكونه مضافا فلا يفيد المقصود وذكر شمس الأئمة السرخسي أن الإجارة المضافة تكون لازمة في أحدى الروايتين وهو الصحيح وذكروا أيضا أن القيم إذا احتاج إلى تعجيل الأجرة يعقد عقودا مترادفة على نحو ما قالوا وأجمعوا أن الأجرة لا تملك في الإجارة
الجزء 1 · صفحة 66
المضافة باشتراط التعجيل فكان فيما قالوا نظر من هذا الوجه ولو أجر متولي الوقف أو وصي اليتيم منزلا للوقف أو لليتيم بدون أجر المثل قال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل على أصل أصحابنا ينبغي أن يكون المستأجر غاصبا وذكر الخصاف في كتابه أنه لا يصير عاصبا ويلزمه أجر المثل فقيل له أتفتي بهذا قال نعم ووجهه أن المتولي والوصي أبطلا بالتسمية ما زاد على المسمى إلى تمام أجر المثل وهما لا يملكانه فيجب أجر المثل كما لو أجر من غير تسمية أجر وقال بعضهم يصير المستأجر غاصبا عند من يرى غصب العقار فإن لم ينتقص شئ من المنزل وسلم كان على المستأجر الأجر المسمى لا غير والفتوى على أنه يجب أجر المثل على كل حال وعن القاضي الإمام أبي الحسن على السغدي في هذا رجل غصب دار صبي أو وقفا كان عليه أجر المثل فإذا وجب أجر المثل ثم فما ظنك في الإجارة بأقل من أجر المثل ولو استأجر وقفا ثلاث سنين بأجرة معلومة هي أجر مثلها فلما دخلت السنة الثانية كثرت رغائب الناس فيها فزاد أجر الأرض قالوا ليس للمتولي نقض الإجارة بنقصان أجر المثل لأنه إنما يعتبر وقت العقد وفي وقته كان المسمى أجر المثل فلا يضر التغيير بعد ذلك ولو كان أحد المستحقين متوليا فاجر فمات لا تنفسخ الإجارة لأنها وقعت للوقف كما لا تنفسخ بموت الوكيل المؤجر أو القاضي ولو تقبل المتولي الوقف لنفسه لا يجوز لأن الواحد لا يتولى طرفي العقد إلا إذا تقبله من القاضي لنفسه فحينئذ يتم لقيامه باثنين ولو استأجر رجل أرضا وقفا وبني فيها حانوتا ثم جاء آخر فزاد في أجرة الأرض وأراد إخراجه منها ينظر إن كان استأجرها مشاهرة جاز للمتولي فسخها عند رأس الشهر لأنها إذا كانت مشاهرة يتجدد انعقادها عند رأس كل شهر ثم إن لم يضر رفع البناء بالأرض كان لصاحبه رفعه وإن أضر جاز للمتولي أن يدفع إليه قيمته ويصير وقفا وإن امتنع من ذلك لا يجبر بل يتربص
الجزء 1 · صفحة 67
صاحب البناء إلى أن يمكن تخليصه من غير ضرر بالوقف فيأخذه ولو أجر المتولي ضيعة من رجل سنين معلومة ثم مات المؤجر والمستأجر قبل انقضاء المدة فزرع ورثته الأرض ببذرهم قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل تكون الغلة للورثة ثم إن انتقصت بزراعتهم بعد موت المستأجر يلزمهم ضمان النقصان ويصرف في مصالح الوقف دون أهله لما مر وهذا على وزان قوله في إجارة الوقف بدون أجر المثل ولو استأجر المتولي رجلا في عمارة المسجد بدرهم ودانق وأجر مثله درهم فاستعمله في عمارته ونقد الأجر من مال الوقف قالوا يكون ضامنا جميع ما نقد لأنه لما زاد في الأجر أكثر مما يتغابن الناس فيه صار مستأجرا لنفسه دون المسجد فإذا نقد من ماله يلزمه ضمانة ولو كانت الزيادة مما يتغابن فيها تقع الإجارة للمسجد فلا يضمن ما دفع ومثله حكما وتفصيلا ما إذا استأجر مؤذنا ليخدم المسجد بأجرة معلومة لكل سنة ولو استأجر فقير دارا موقوفة على الفقراء وسكن فيها وترك المتولي الأجر له بحصته من الوقف جاز كما لو ترك الإمام خراج الأرض لمن له حق في بيت المال بحصته منه وللمتولي أن يحتال على مديون لمستأجر الوقف إن كان مليا وإن أخذ منه كفيلا بالأجر فهو أولى بالجواز (1) ولو مات بعض الموقوف عليهم قبل انتهاء مدة الإجارة يكون ما وجب من الغلة إلى أن مات لورثته وما يجب منها بعد موته لجهات الوقف وهكذا الحكم لو كانت الأجرة معجلة ولم تقسم بينهم وبعد القسمة كذلك في القياس وقال هلال ? غير أني استحسن إذا قسم المعجل بين قوم ثم مات بعضهم قبل انقضاء الأجل إني لا أرد القسمة وأجيز ذلك ولو أجر القيم الوقف ممن يستحق غلته جاز لأن حق الموقوف عليهم في الغلة لا في رقبة الوقف، حانوت أصله وقف وعمارته لرجل وهو لا يرضى أن يستأجر أرضه بأجر
الجزء 1 · صفحة 68
المثل قالوا إن كانت العمارة بحيث لو رفعت يستأجر الأصل بأكثر مما يستأجر صاحب البناء كلف رفعه ويؤجر من غيره وإلا يترك في يده بذلك الأجر، دار لرجل فيها موضع وقف بمقدار بيت واحد وليس في يد المتولي شئ من غلة الوقف وأراد صاحب الدار استئجاره مدة طويلة قالوا إن كان لذلك الموضع مسلك إلى الطريق الأعظم لا يجوز له أن يؤجره مدة طويلة لأن إبطال الوقف وإن لم يكن له مسلك إليه جازت إجارته مدة طويلة ولو باع القيم أشجارا في أرض الوقف ثم أجر الأرض من المشتري قالوا إن باعها بعروقها ثم أجره الأرض الوقف ثم أجر الأرض من المشتري قالوا إن باعها بعروقها ثم أجره الأرض جازت الإجارة وإن باعها من وجه الأرض ثم أجره الأرض لا تصح الإجارة لأن مواضع الأشجار مشغولة وهذا الحكم لا يختص بالوقف ولو أجر الناظر الوقف بشئ من العروض أو بحيوان معين قيل يجوز بلا خلاف بخلاف بيع الوكيل وإجارته به فإنه يجوز عند أبي حنيفة ولا يجوز عندهما قال الفقيه أبو جعفر في زماننا الإجارة تكون على الاختلاف أيضا لأن المتعارف الإجارة بالدراهم والدنانير ولو أجرها بحنطة أو شعير مطلق جاز العقد ولو شرطه مما يخرج منها فسد، ولو (1) أجر الموقوف عليه الوقف قال الفقيه أبو جعفر ? في كل موضع يكون كل الأجر له بأن لم يكن الوقف محتاجا إلى العمارة ولم يكن معه شريك فيه جاز له إيجار الدور والحوانيت وأما الأرض فإن شرط الواقف البداءة بالخراج أو العشر وجعل للموقوف عليه ما فضل من العمارة والمؤنة لم يكن له إيجارها لأنه لو جازت إجارته كان جميع الأجر له بحكم العقد فيفوت شرط الواقف وإن لم يكن شرط البداءة بما ذكرنا وأجرها الموقوف عليه أو زرعها لنفسه ينبغي أن يجوز ويكون الخراج والمؤن عليه وكذا لو كان الموقوف عليهم اثنين أو أكثر فتهايؤا فيها وأخذ كل واحد أرضا
الجزء 1 · صفحة 69
ليزرعها لنفسه لا يجوز وعن أبي يوسف إن كانت الأرض عشرية تجوز مهايأتهم وإن كانت خراجيه لا تجوز لأن العادة في الأراضي الخراجيه أنهم يشترطون البداءة بالخراج من غلتها فلو جاز فيها التهايؤ لم يكن الخراج في الغلة ويكون في ذمة الموقوف عليهم فيكون فيه تغيير شرط الواقف، أرض موقوفة في قرية يزرعها أهل القرية بالثلث أو النصف وفيها حاكم من جهة قاضي البلدة فاستأجر رجل من الحاكم الأرض سنة بدراهم معلومة فلما أدرك الزرع جاء المتولي وطلب حصة الوقف من الخارج قال بعضهم للمتولي ان يأخذ حصة الوقف من الخارج على عرف أهل القرية لان قاضي البلدة ان جعله متوليا قبل تقليد الحاكم أو كان متوليا من جهة الواقف لا تدخل تولية الحاكم في تقليده وإن جعله متوليا بعد ما قلد الحاكم الحكومة فقد أخرجه عن الولاية على تلك الأرض فلا تصح إجارته ويجعل وجودها كعدمها فمتى زرعها المستأجر يصير كأن المتولي دفعها إليه مزارعة على ما هو المتعارف في تلك القرية فكان للمتولي أن يأخذ ذلك من الخارج ولو غصب أرضا وقفا وفعل فيها شيئا ليس بمتقوم كالكراب وحفر الأنهار أو ألقى فيها سرقينا واختلط بالتراب وصار بمنزلة المستهلك لا يضمن القيم وإن زاد فيها مالا متقوما كالبناء والشجر يأمر بقلعه كما تقدم ولو أجر الوقف بما لا يتغابن فيه لا تجوز الإجارة وينبغي للقاضي إذا رفع إليه ذلك أن يبطلها ثم إن كان المؤجر مأمونا وكان ما فعله على سبيل السهو والغفلة فسخ الإجارة وأقرها في يده وإن كان غير مأمون أخرجها من يده ودفعها إلى من يوثق به وهكذا الحكم لو أجرها سنين كثيرة يخاف على الوقف تبطل الإجارة ويخرجها من يد المستأجر ويجعلها في يد من يوثق به (1) ولو قال المتولي قبضت الأجرة ودفعتها إلى هؤلاء الموقوف عليهم وأنكروا ذلك كان القول
الجزء 1 · صفحة 70
قوله مع يمينه ولا شئ عليه كالمودع إذا ادعى رد الوديعة وأنكر المودع لكونه منكرا معنى وإن كان مدعيا صورة والعبرة للمعنى ويبرأ المستأجر من الأجر وكذلك لو قال قبضت الأجرة وضاعت مني أو سرقت كان القول قوله مع يمينه لكونه أمينا ولو أجر المتولي الوقف من أبيه أو ابنه أو من عبده أو مكاتبه لا يجوز عند أبي حنيفة ويجوز عندهما فيما سوى عبده ومكاتبه ولو استأجر من رجل أرضا أو دارا وقفا إجارة فاسدة وزرعها أو سكنها يلزمه أجر مثلها لا يتجاوز به المسمى ولو لم يزرعها أو لم يسكنها لا يلزمه أجرة وهذا بناء على قول المتقدمين ولو تبين أن المستأجر يخاف منه على رقبة الوقف يفسخ القاضي الإجارة ويخرجه من يده (1) ولا ينفرد أحد الناظرين بالإجارة ولو وكل أحدهما صاحبه فعقد جازت الإجارة ولو أذن القيم للمستأجر بالعمارة وقاصصه من الأجرة جاز ولو اشترط المرمة عليه تفسد الإجارة لجهالتها بخلاف ما لو عين لها دراهم معلومة فإن الإجارة تكون صحيحة ولو استأجر دار الوقف وجعل رواقها مربط الدواب يضمن النقصان لأنه بغير أذن (2) ولا يؤجر الغرس الحبيس في سبيل الله إلا إذا احتاج إلى النفقة وإذا دفع المتولي الأرض مزاره إلى رجل ليزرعها ببذره على أن ما أخرج الله تعالى يكون نصفه للوقف ونصفه للمزارع جاز عند أبي يوسف ومحمد وكذلك ان دفع البذر والأرض مزارعة بالنصف جاز إن كان فيها محاباة يتغابن بمثلها وإن لم يتغابن بمثلها لا يجوز ولو كان في أرض الوقف شجر فدفعه معاملة بالنصف مثلا جاز ولو زرعها القيم ببذر أهل الوقف جاز وله أن يكري أنهارها وسواقيها وإذا دفعها مزارعة فالخراج أو العشر من حصة أهل الوقف لأنها إجارة معنى ولا يسقط العشر بوقف الأرض لأن
الجزء 1 · صفحة 71
الله تعالى عين له وجها فلا يتغير بالوقف ألا ترى أنه يجوز وقفها على غير من جعل الله له العشر ابتداء وصار كما لو نذر التصدق بهاتين المائتين ثم حال عليها الحول فإنه يلزمه زكاتها ثم يصرف الباقي فيما نذر ولو دفع الناظر الأرض مزارعة والشجرة مساقاة ثم مات قبل انقضاء الأجل لا يبطل العقد لأنه عقده لأهل الوقف بخلاف ما لو مات المزارع قبل انتهاء الأجل فإنه يبطل العقد لأنه عقده لنفسه ولو زرعها الواقف وقال زرعتها لنفسي ببذري وقال أهل الوقف زرعتها لنا كان القول قوله ويكون الخارج له وإن لم يشترط استغلالها لنفسه لكون البذر من قبله ولو سألوا القاضي في أن يخرجها من يده لزرعه إياها لنفسه لا يخرجها من يده بل يأمره بزرعها للوقف فإن اعتل بعدم البذر والمؤن المحتاج إليها أذن له بالإستدانه على الوقف وصرف ما يستدينه في ثمن البذر وما لا بد منه للزرع فإن ادعى العجز يأمر القاضي أهل الوقف بذلك مع بقائها في يد الواقف فإن قالوا انه إذا صار ذلك في يده يأخذه ويجحدنا ولكن نزرعها نحن لنا وترفع يده عنه لا يجيبهم إلى ذلك لأنه أحق بالقيام عليه إلا أن يكون غير مأمون فحينئذ يخرجه من يده ويجعله في يد من يوثق به وإذا صار الخارج له يضمن ما نقصت الأرض بزراعته وإذا زرعها ثم أصاب الزرع آفة فقال زرعتها لهم صدق في ذلك وله أن يأخذ ما استدان لكلفها من غلة أخرى ولو اختلف هو وأهل الوقف فيما أنفق كان القول قوله فيه لأن إليه ولايتها وكذا لو زرعها غيره وادعى أنه زرعها للوقف وصدقه الواقف على ذلك لكونه وكيلا عنه في زراعتها وكذلك لو اختلف متوليها مع أهل الوقف فقال زرعتها لنفسي وقالوا إنما زرعتها لنا كان القول قوله في ذلك لكون البذر له وما حدث منه فهو لصاحبه فصار كالواقف والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 72
[باب بناء المساجد والربط والسقايات والدور في الثغور والخانات وجعل الأرض مقبرة]
قال أبو يوسف ? ليس التسليم بشرط في المسجد ولا في غيره من الأوقاف وقد تقدّم بيان وجهه فإذا قال جعلت هذا المكان مسجدا وأذن للناس بالصلاة فيه يصير مسجدا وقال محمد ? وهو قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يزول عن ملكه قبل التسليم وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي ثم التسليم في المسجد أن يصلى فيه بالجماعة بإذنه وعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية الحسن عنه يشترط أداء الصلاة فيه بجماعة بإذنه اثنان فصاعدا وبها أخذ محمد وفي رواية أخرى عنه إذا صلى فيه واحد بإذنه يصير مسجدا إلا أن بعضهم قالوا إذا صلى فيه واحد بأذان وإقامة ولم يذكر هذه الزيادة في ظاهر الرواية فيكتفى بصلاة الواحد لان المسجد حق الله تعالى أو حق عامة المسلمين والواحد في استيفاء حق الله تعالى وحق العامة يقوم مقام الكل والصحيح رواية الحسن لأن قبض كل شئ وتسليمه يكون بحسب ما يليق به وهو في المسجد بأداء الصلاة بالجماعة أما الواحد فإنه يصلي في كل مكان ثم على الرواية التي لا يشترط الأداء فيها بجماعة إذا بني رجل مسجدا وصلى فيه هو وحده هل يصير مسجدا اختلفوا فيه فقال بعضهم نعم لأن محمدا ذكر في الكتاب أن على قول أبي حنيفة لا يصير مسجدا حتى يصلى فيه مبنيا للمجهول فيدخل فيه بانيه وغيره وقال بعضهم لا تكفي صلاته وهو الصحيح لأنها إنما تشترط لأجل القبض للعامة وقبضه لا يكفي فكذا صلاته ولو بناه وسلمه إلى المتولي هل يصير مسجدا قبل أداء الصلاة فيه لا رواية فيه عن أصحابنا واختلف المشايخ فيه قال بعضهم يصير مسجدا ويتم كما تتم سائر الأوقاف بالتسليم إلى المتولي لأنه نائب عن الموقوف عليهم قال في الاختيار وهو الصحيح وكذا إذا سلمه إلى القاضي أو نائبه وقال بعضهم
الجزء 1 · صفحة 73
لا يصير مسجدا بالتسليم إلى المتولي وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي ? إذ قبض كل شئ بما يليق به كما مر في شرط التسليم رجل له ساحة لا بناء فيها فأمر قوما ان يصلوا فيها بجماعة قالوا إن أمرهم بالصلاة أبدا أو لم يذكره ولكن أراده ثم مات لا يورث عنه وإن أمرهم بالصلاة شهرا أو سنة ثم مات يكون لورثته لأنه لا بد من التأبيد والتوقيت ينافيه ولو جعل داره مسجدا وجعل رجلا واحدا مؤذنا وإماما فأذن الرجل وأقام وصلى وحده كان تسليما لأن أداها بأذان وإقامة كإقامة الجماعة ولهذا قالوا لو صلى واحد من أهل المسجد بأذان وإقامة لا يكون لمن يجئ بعده من أهله أداؤها فيه بالجماعة عند البعض ولو جعل متولي المسجد منزلا موقوفا على المسجد مسجدا وصلى الناس فيه سنين ثم تركت الصلاة فيه وأعيد منزلا مستغلا جاز لعدم صيرورته مسجدا يجعل المتولي ولو اتخذ رجل مسجدا لصلاة الجنازة أو لصلاة العيد هل يكون له حكم المسجد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يكون مسجدا حتى إذا مات لا يورث عنه وقال بعضهم ما اتخذ لصلاة الجنازة فهو مسجد فلا يورث عنه وما اتخذ لصلاة العيد لا يكون مسجدا مطلقا وإنما يعطى له حكم المسجد في صحة الإقتداء بالإمام وإن كان منفصلا عن الصفوف وفيما سوى ذلك فليس له حكم المسجد وقال بعضهم له حكم المسجد حال أداء الصلاة لا غير وهو والجبانة سواء ويجنب هذا المكان عما تجنب عنه المساجد احتياطا ولو اتخذ مسجدا وتحته سرداب أو فوقه بيت أو جعل وسط داره مسجدا وإذن للناس بالدخول والصلاة فيه من غير أن يفرز له طريقا لا يصير مسجدا ويورث عنه إلا إذا كان السرداب أو العلو لمصالح المسجد أو كانا وقفا عليه وروى الحسن عن أبي حنيفة ? أنه أجاز أن يكون الأسفل مسجدا إذا كان الأعلى ملكا لأن الأسفل أصل وهو مما يتأبد دون العكس وعن محمد ? انه لما دخل
الجزء 1 · صفحة 74
الري أجاز ذلك بكل حال لضيق المنازل وعن أبي يوسف مثله لما دخل بغداد (1) ولو خرب المسجد وما حوله وتفرق الناس عنه لا يعود إلى ملك الواقف عند أبي يوسف فيباع نقضه بإذن القاضي ويصرف ثمنه إلى بعض المساجد ويعود إلى ملكه أو إلى ورثته عند محمد وذكر بعضهم أن قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف وبعضهم ذكره كقول محمد وهذا بناء على ما تقدم من اشتراط التسليم عند محمد ابتداء فكذا وبقاه وعدمه عند أبي يوسف ? مطلقا ومن بني رباطا أو خانا أو حوضا أو حفر بئرا أو جعل أرضه سقاية أو مقبرة أو طريقا للمسلمين فعند أبي حنيفة لا يلزم ما لم يحكم به حاكم أو يعلقه بموته على ما تقدم من أصله وعند أبي يوسف يلزم بمجرد القول لما تقدم من ان التسليم ليس بشرط عنده وعند محمد يشترط التسليم وهو النزول في الخان والرباط والشرب من الحوض والاستقاء من البئر والسقاية والدفن في المقبرة بإذنه في الكل ويكتفى فيه بفعل واحد لتعذر الكل كما تقدم في أول الفصول وفي قاضيخان وقال محمد إن دفن فيها اثنان فلا رجوع وكأنها رواية عنه ووجهها أنه اعتبر أدنى جمع الميراث والوصية ولو بني مارستانا لتعالج فيه المرضى ووقف عليه أرضا لتنفق غلتها على ما يحتاج إليه المرضى والأطباء يجوز إن جعل آخره للمساكين ولو كان طريق العامة واسعا فبنى فيه أهل محلة مسجدا للعامة وهو لا يضر بالمارة قالوا لا بأس به وهو يروي عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن الطريق للمسلمين والمسجد لهم أيضا ولو احتيج إلى توسعته من الطريق أو توسعة الطريق منه ولا ضرر فيها على الآخر يجوز لما قلنا (2) وليس لأهل المحلة أن يدخلوا شيئا من الطريق في دورهم ولو لم يضر بالمارة ولو ضاق المسجد على الناس
الجزء 1 · صفحة 75
ويجنبه أرض ملك لرجل تؤخذ منه بالقيمة كرها دفعا للضرر العام ويجبر الخاص بأخذ القيمة ولو كانت وقفا على المسجد وأرادوا الزيادة فيه منها يجوز بإذن القاضي ولو أراد فيم المسجد أن يبني حوانيت في حرم المسجد وفنائه قال الفقيه أبو الليث لا يجوز له أن يجعل شيئا من المسجد سكنا ومستغلا ولو أذن السلطان لقوم أن يجعلوا أرضا من أراضي البلدة حوانيت وقف على المسجد أو أن يزيدوا في مسجدهم قالوا إن فتحت عنوة وهو لا يضر بالناس ينفذ أمره فيها وإن فتحت صلحا لم ينفذ لأنها إذا فتحت عنوة تصير ملكا للغانمين فينفذ أمره فيها وإذا فتحت صلحا تبقى على ملك ملاكها فلا ينفذ أمره فيها (1) ولو حول أهل المحلة باب المسجد من موضع إلى موضع آخر جاز ولو اشترى رجل موضعا وجعله طريقا للمسلمين وأشهد على ذلك صح ويشترط مرور واحد من الناس فيه بإذنه على قول من يشترط القبض في الوقف قال في قاضيخان وسوَّى في الكتاب بين الطريق والمقبرة وسائر الأوقاف وقال على قول أبي حنيفة يكون له الرجوع فيها إلا في المسجد خاصة وروى الحسن عي أبي حنيفة أنه لا يرجع في المقبرة في الموضع الذي دفن فيه ويرجع فيما سواه لان النبش قبيح وحكي عن الحاكم المعروف بمهرويه انه قال وجدت في النوادر عن أبي حنيفة أنه أجاز وقف المقبرة والطريق كما أجاز المسجد وكذا القنطرة يتخذها الرجل للمسلمين يتطرقون فيها ولا يكون بناؤها ميراثا لورثته وقال الخصاف بعد ذكره أوقاف الصحابة ومما يؤيد ذلك ويصححه بناء المساجد فإن الناس جميعا أجمعوا عليها ثم قال وكذلك بناء الخانات للسبيل وكذلك عمارة السقايات للمسلمين وكذلك بناء الدور في الثغور للسبيل وكذلك بناء الدور بمكة ينزلها الحاج وكذلك رجل جعل داره أو بعضها طريقا للمسلمين وأخرجه عن ملكه وأبانه له فليس له الرجوع في ذلك
الجزء 1 · صفحة 76
ولا رده إلى ملكه فهذه الأشياء كلها خارجة عن أملاك مالكيها إلى السبل التي جعلوها فيها فالوقوف مثلها وظاهر أن ما ذكره الخصاف من جنس ما حكي عن الحاكم من وجدانه الرواية عن أبي حنيفة فكان عنه ثلاث روايات الرجوع إلا في المسجد خاصة على ما قاله قاضيخان من تسوية الكتاب الخ والرجوع إلا في المسجد وموضع الدفن على رواية الحسن والرجوع إلا فيما ذكره الحاكم والخصاف والله أعلم، رجل قال جعلت حجرتي هذه لدهن سراج المسجد ولم يزد عليه قال الفقيه أبو جعفر ? تصير الحجرة وقفا عليه إذا سلمها إلى المتولي وعليه الفتوى وليس له أن يصرفها في غير الدهن وعن أبي حنيفة إذا جعل أرضه وقفا على المسجد وسلم جاز ولا يكون له الرجوع لأن الوقف عليه بمنزلة جعل الأرض مسجدا أو بمنزلة زيادة في المسجد رجل تصدق بداره على المسجد أو على طريق المسلمين تكلموا فيه والفتوى على أنه يجوز وذكر الناطفي أنه يجوز ويكون ميراثا عنه وقد تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة في فصل ما يتوقف جواز الوقف عليه وفي قاضيخان لو وقف أرضه على كل مؤذن يؤذن أو يؤم في مسجد بعينه قال الشيخ إسماعيل الزاهد لا يجوز هذا الوقف لأنه قربة وقعت لغير معين وقد يكون ذلك المؤذن أو الإمام غنيا وقد يكون فقيرا فلا يجوز وإن كان المؤذن فقيرا وتجوز الصدقة على الفقير لكن الوقف على هذا الوجه لا يجوز أيضا والحيلة في ذلك أن يكتب في صك الوقف وقفت هذا المكان على كل مؤذن فقير يكون في هذا المسجد أو المحلة فإذا خرب المسجد أو المحلة تصرف الغلة إلى الفقراء أما إذا قال وقفت على كل مؤذن فقير فهو مجهول فلا يصح كما لو قال أوصيت بثلث مالي لواحد من عرض الناس فإنه لا يصح رجل أعطى دراهم في عمارة المسجد أو مصالحة أو نفقته قيل بأنه يصح ويتم بالقبض ولو أوصى بثلث ماله لأعمال البر يجوز إسراج المسجد منه ولا يزاد على
الجزء 1 · صفحة 77
سراج واحد ولو في رمضان لأنه إسراف ولو أوصى لعمارة المسجد قال أبو القاسم يصرف فيما كان من البناء دون التزين قيل أيصرف ذلك المال في (1) المنارة قال ذلك من بناء المسجد وسئل أبو بكر البلخي عن الوقف على المسجد أيجوز لهم أن يبنوا منارة من غلته قال إن كان ذلك من مصلحته بأن كان أسمع لهم فلا بأس به وإن كان بحال تسمع الجيران الأذان بغير منارة فلا أرى لهم أن يفعلوا ذلك ولو نقش القيم المسجد من غلة الوقف على عمارته كان ضامنا ولو قال أوصيت بثلث مالي للمسجد قال أبو يوسف هو باطل حتى يقول على المسجد وقال محمد هو جائز وذكر الناطفي إذا وقف ماله لإصلاح المساجد يجوز وإن وقف لبناء القناطر أو لإصلاح الطريق أو لحفر القبور أو اتخاذ السقايات والخانات للمسلمين أو شراء الأكفان لهم لا يجوز وهو جائز في الفتوى ولو جعل أرضه صدقة موقوفة على مرمة مسجد كذا وما يحتاج إليه وهي مثل تطيين سطحه وتأزير حيطانه وإدخال جذوع في سقفه أو ثمن بواريه وزيت قناديله ذكر الخصاف أنه باطل لأنه قد تخرب المحلة فيبطل المسجد ولا يحتاج إلى مرمة فإن زاد على ذلك وقال فإن استغنى عنه المسجد كانت الغلة للمساكين جاز لأنه مما يتأبد ولو كانت الأرض وقف على عمارة المساجد أو على (2) مرمة المقابر جاز لأن ذلك مما لا ينقطع أرض وقف على عمارة المسجد على أن ما فضل من عمارته فهو للفقراء فاجتمعت الغلة والمسجد غير محتاج إلى العمارة قال الفقيه أبو بكر البلخي تحبس الغلة لأنه ربما يحدث بالمسجد حدث وتصير الأرض بحال لا تغل وقال الفقيه أبو جعفر الجواب كما قال وعندي انه لو علم أنه اجتمع من الغلة مقدار ما لو احتاج المسجد والأرض إلى العمارة يمكن العمارة بها ويفضل تصرف الزيادة إلى الفقراء على ما شرط الواقف مسجد انهدم
الجزء 1 · صفحة 78
وقد اجتمع من غلة الوقف على مرمته ما يحصل به البناء قال الخصاف لا تنفق الغلة في البناء لأن الواقف على المرمة ولم يأمر بأن يبني هذا المسجد والفتوى على أنه يجوز البناء بتلك الغلة ولو كان الوقف على عمارة المسجد هل للقيم أن يشتري سلما ليرتقي به على السطح لكنسه وتطيينه أو يعطي من غلته أجر من يكنس السطح ويطرح عنه الثلج ويخرج التراب المجتمع في المسجد قال أبو نصر له أن يفعل ما في تركه خراب المسجد (1) ولو كان باب المسجد في مهب الريح فيصيب المطر بابه ويبتل داخله والخارج منه ويشق على الناس دخوله قال الفقيه أبو جعفر يجوز أن يتخذوا له ظلة من غلة وقفه إن كان لا يضر بأهل الطريق ولو بسط من ماله حصيرا في المسجد فخرب المسجد واستغنى عنها فإنها تكون له إن كان حيا ولورثته إن كان ميتا عند محمد ? وإن بليت كان له أن يبيعها ويشتري بثمنها حصيرا أخرى وهكذا الحكم لو اشترى قنديلا ونحوه للمسجد واستغنى عنه وعند أبي يوسف يباع ويصرف ثمنه في حوائج المسجد وإن استغنى عنه هذا المسجد يحوّل إلى مسجد آخر وهذا الاختلاف بناء على الاختلاف في المسجد عينه إذا استغنى عنه لخراب ما حوله ولو كفن رجل ميتا فافترسه الأسد يكون الكفن للذي كفنه لو حيا ولورثته لو ميتا وإذا صار ديباج الكعبة خلقا يبيعه السلطان ويستعين به على أمرها لأن الولاية عليها له لا لغيره ولو كان بجنب المسجد ماء يضر بحائطه ضررا بينا فأراد القيم أو أهل المسجد أن يتخذوا من ماله حصنا بجانبه ليمنع الضرر عنه قالوا إن كان الوقف على مصالح المسجد يجوز للقيم ذلك لأن هذا من مصالحه وإن كان على عمارته لا يجوز لأن هذا ليس من العمارة ولو باع أهل المسجد حشيشه أو جنازة صارت خلقة وفاعلها غائب اختلفوا فيه فقال بعضهم يجوز والأولى أن يكون بإذن
الجزء 1 · صفحة 79
القاضي وقال بعضهم لا يجوز إلا بإذنه وهو الصحيح وليس لمتولي المسجد أن يحمل سراج المسجد إلى بيته ولو ادعى رجل في مسجد أو مقبرة حقا وقضى القاضي له على واحد من أهل المحلة بالبينة كان ذلك قضاء على جميعهم لأن واحدا منهم خصم عن الباقين وفي الخان لا يقضي حتى يحضر القيم أو نائبه ولو اشترى شيئا لمرمة المسجد بدون إذن القاضي قالوا لا يرجع بقيمته في مال المسجد ولو أدخل المتولي جذعا من ماله في الوقف جاز وله أن يرجع بقيمته في غلة الوقف رجل بني مسجدا في سكة فاحتاج إلى العمارة فنازعه أهل السكة فيها كان الباني أولى منهم بعمارته وليس لهم منازعته فيها وكذلك لو نازعوه في نصب الإمام والمؤذن كان ذلك إليه دونهم إلا إذا عينوا رجلا أصلح ممن عينه هو فحينئذ لا يكون تعيينه أولى (1) ولا بأس أن يترك سراج المسجد فيه من المغرب إلى وقف العشاء ولا يجوز أن يترك فيه كل الليل إلا في موضع جرت العادة فيه بذلك كمسجد بيت المقدس ومسجد النبي ? والمسجد الحرام أو شرط الواقف بركه فيه كل الليل كما جرت العادة به في زماننا ويجوز الدرس بسراج المسجد إن كان موضوعا فيه للصلاة وإن كان موضوعا فيه لا للصلاة بأن فرغ القوم من الصلاة وذهبوا إلى بيوتهم وبقي السراج فيه قالوا لا بأس بأن يدرس بنوره إلى ثلث الليل لأنهم لو أخروا الصلاة إلى ثلث الليل لا بأس به فلا يبطل حقه بتعجيلهم وفيما زاد على الثلث ليس لهم تأخيرها فلا يكون له حق الدرس ولو أن قوما بنو مسجدا وفضل من خشبهم شئ قالوا يصرف الفاضل في بنائه ولا يصرف إلى الدهن والحصر هذا إذا سلموه إلى المتولي ليبني به المسجد والا يكون الفاضل لهم يصنعون به ما شاءوا ولو جمع مالا لينفقه في بناء المسجد فأنفق بعضه في حاجته ثم ردَّ بدله في نفقة المسجد لا يسعه أن يفعل
الجزء 1 · صفحة 80
ذلك فإذا فعله وكان يعرف صاحبه ضمن له بدله أو استأذنه بإنفاق عوضه في المسجد وإن كان لا يعرفه رفع الأمر إلى القاضي ليأمره بإنفاق بدله فيه وإن لم يمكنه الرفع إليه قالوا نرجو له في الاستحسان الجواز إذا أنفق مثله في المسجد ويخرج عن العهدة فيما بينه وبين الله تعالى المذكر إذا سأل للفقير شيئا وخلط ما أخذ بعضه ببعض ولم يكن الفقير أمره بالسؤال والأخذ يكون ضامنا وإذا أداه بعد ذلك للفقير يكون متصدقا لنفسه من مال نفسه ولا تسقط عنهم الزكاة وإن نووها عند دفعهم إليه وإن أمره بالسؤال له فأخذ المال وخلط بعضه ببعض ودفعه إليه لا يضمن لقيامه مقامه بالأمر مأذونا له بالخل وتسقط الزكاة عن الدافع إن نواها وهذا بناء على ما تقرر من أن خلط الوديعة استهلاك لها عند أبي حنيفة ? والله تعالى أعلم.
[فصل في ذكر أحكام تتعلق بالمقابر والربط]
لو اتخذ أهل قرية أرضا لهم مقبرة وقبروا فيها ثم بني فيها واحد منهم بيتا لوضع اللبن وآلة الدفن وأجلس فيه من يحفظ الأمتعة بغير رضا أهل القرية أو برضا بعضهم فقط لا بأس به إن كان في المقبرة سعة بحيث لا يحتاج إلى ذلك المكان ولو احتاجوا إليه يرفع البناء ليدفن فيه ولو حفر لنفسه قبرا في مقبرة إن كان فيها سعة يستحب أن لا يوحش الذي حفر وإلا جاز لغيره الدفن فيه وهو كمن بسط المصلى في المسجد أو نزل في الرباط وجعل في موضع منه علامة وخرج لأمر وجاء آخر فإن كان في المكان سعة لا يوحش الأول وإذا دفن الغير فيه قال أبو نصر ? لا يكره ذلك وقال الفقيه أبو الليث يكره لأن الذي حفر لا يدري بأي أرض يموت وفي أي مكان يدفن مقبرة كانت للمشركين واندرست آثارهم أو أخرجت العظام الباقية ودفن المسلمون موتاهم فيها جاز لأن موضع مسجد النبي ? كان مقبرة للمشركين فنبشت واتخذت مسجدا ولو اتخذ رجل قطعة أرض مقبرة ودفن فيها ولده وهي غير صالحة للدفن