الاستدعاء في الاستسقاء
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
جارٍ تحميل الكتاب…
الاستدعاء في الاستسقاء
تأليف العلامة
المَلا عَلَى القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمد لله الذي أخرجنا من ظُلمةِ العَدَمِ إلى نورِ الوُجودِ، وَأَحْوَجَنا في كلِّ لحظةٍ ولَمحَةٍ إلى آثارِ صفاته من اللطف والكَرَمِ والجُودِ، وبَلانا بأنواعِ البَلاءِ في أحوالِ السَّرَّاءِ والضَّراء، وأصنافِ الرَّخاءِ والغلاء؛ لنَشكره على النَّعماء، ونصبر لحكمه في البأساء، ونرضى بما له في القضاء.
والصَّلاة والسَّلامُ على سيد الأنبياء وسَنَدِ الأصفياء، الذي جعله اللهُ رحمةً للعالمين، وبعثه إلى الخَلقِ كافَّةً من أهلِ الأرضِ والسَّماء، وعلى آله وأصحابه نُجومِ الاهتداء والاقتداء.
أما بعد: فيقولُ المُلتَجِى إلى حَرَمِ رَبِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطان محمد القارِي لمَّا رأيتُ كثيراً من الفُقَهَاءِ اضطَرَبَ عَمَلُهم في صلاة الاستسقاء وما يتعلق به من آداب الحضورِ والدُّعاءِ، خَطَر ببالي تَذْكِرَةً لفعالي وتَبْصِرَةً لحالي أن أجمع ما يتذكَّرُ به الإخوان، والخُلَّص من الخِلانِ، مما يتعلق بهذا الباب من الآداب التي هي في صَوْبِ الصَّوابِ، فأقول:
كيفية
أَوَّلاً: إِنَّ عُلماء الأنام ـ نفعنا الله بعلومهم في جميع - نفعنا الله بعلومهم في جميع الأيام ـ
اختلفوا في صلاة الاستسقاء، معَ الخُطبةِ والثَّناءِ في الأثناء، والاكتفاء بالاستغفار والدعاء.
فمَذهَبُ إمَامِنَا الأعظَمِ، ومُقتَدانا الأقدَمِ: أَنَّ النَّاسَ من الخواص والعوام، ما عدا أهلَ الذِّمَّةِ، وفي معناهُم أصحاب البدعة من الخوارج والرافضة؛ يخرجون للاستسقاء ثلاثة من الأيام، قيل: ويضمون إلى ذلك الصيام، في ثيابِ الرِّئَةِ والبِذْلَةِ مُتَواضِعين مُتَخاشِعين، مُشاةً غير راكبين، مُقدِّمين للصَّدقة، وقادِمين على التوبة، ونادمين عن المعصية، إلى مُصلى العيدِ والجَبَّانةِ، إِلَّا في مكَّةَ والقُدسِ فإنَّهم يجتمعون في المسجدِ الحرام والمسجد الأقصى، ويتضرعون إلى اللهِ بِالدُّعاءِ لَرَفْعِ البَلوى.
ففي «الكافي» الذي هو جَمعُ كلام محمد قال: لا صلاة في الاستسقاء؛ إنما فيه الدُّعاءُ، بلَغَنا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه خرج و دعا، وبلَغَنا عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عنه أنَّه صَعِدَ المنبر فدعا واستسقى، ولم يبلغنا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك صلاة، إلا حديث واحدٌ شادٌ ه لا يُؤخَذُ به، انتهى.
قالَ المُحقِّقُ الإمام ابن الهمامِ من أَتَمَّتِنَا الأَعلامِ: وَجهُ الشُّذوذٍ أَنَّ فِعَلَه عليه الصلاة والسَّلامُ لو كانَ ثابتاً لاشتهر نقله اشتهاراً واسعاً بين الأنامِ، وَلَفَعلَه عُمَرُ رضي الله عنه حين استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم يفعل؛ لأنها كانت بحضرة جميعِ الصَّحابة، لتَوافُرِ الكُلِّ في الخروج معه عليه الصَّلاة والسَّلامُ للاستسقاء، فلما لم يفعل ولم يُنكروا، ولم تشتهر روايتها في الصَّدرِ الأَوَّلِ، بل أي الثياب البالية لإظهار مزيد الافتقار والحاجة.
يقصد هنا الإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى.
هو عن ابن عباس وعبد الله بن زيد على اضطراب في كيفيتها عنهما كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاص والعام، والصغير والكبير.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشُّذو ذَيُراد باعتبارِ الطُّرق إليهم؛ إذ لو تيقنا عن الصحابة المذكورين - رضي الله عنهم - رفعه لم يبقَ إشكال، وإذا مَشَينا على ما اختاره شيخُ الإسلام وهو الجواز معَ عَدَمِ السُّنّيةِ فوجهه أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إِنْ فعلَه مَرَّةً كما قُلْتُم فقد تركَه أُخرى، فلم يكُنْ سُنَّة، بدليل ما رُوِيَ في الصَّحيحَينِ»: أَنَّ رجُلاً دخل المسجد ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطُبُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ هَلَكَتِ الأموال وانقطَعَتِ السُّبُلُ فادع الله يُغيتُنا، فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُمَّ أغِثنا، اللَّهُمَّ أَغِثنا، اللَّهُمَّ أَغِثنا، قالَ أنس رضي الله عنه: فلا والله ما نرى بالسَّماءِ مِن سحاب ولا قَزَعَةٍ، وما بيننا وبينَ سَلْع من بيت ولا دار قال: فطَلَعَت من ورائه سحابةٌ مثلُ التَّرْسِ، فلما توسطتِ السَّماءَ انتشَرَت ثمَّ أمطرت ... الحديث.
وقوله: «قَزَعَةٍ» مُحرَّكَةً: قِطعةٌ من السَّحابِ.
و «سَلْعُ: جَبَلٌ بالمدينة، وقولُ الجَوهَرِيُّ: السَّلْعُ خطا؛ لأنَّه عَلَمٌ، ذكره صاحبُ «القاموس».
ثم الحديث الذي رُوِيَ من صلاته عليه الصَّلَاةُ والسَّلامُ هو ما في «السُّنَنِ الأربعة عن ابنِ عباس رضي الله عنهما: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتبذِّاً متواضعاً
متضرعاً حتّى أتى المُصَلَّى فلم يخطُبْ خُطبَتكم هذه، ولكِنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتضرع والتكبير، وصلَّى ركعتين كما كانَ يُصلِّي في العيد. صححه الترمذي. وفي صحاح الست، عن عبدِ اللهِ بن زيدِ بنِ عاصم: أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالنَّاسِ يستسقي، فصلى بهم ركعتين، وحول رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى، واستقبل القبلة.
زادَ البُخاريُّ فيه: جَهَرَ فيهما بالقراءة. وأما ما رواه الحاكم عن ابنِ عباس رضي الله عنهما وصححه وقال فيه: فصَلَّى ركعتين كبَّرَ في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وقرأ في الثانية: هَلْ أَتَنكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ، وكبَّر فيها خمس تكبيرات. فليس بصحيح كما زَعمَ؛ بل هو ضعيفٌ مُعارَضُ. أمَّا ضَعفُه: فبمُحمَّدِ بنِ عبدِ العزيز بن عمر بنِ عبدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْفٍ، قَالَ البُخارِيُّ: مُنكَرُ الحديث، والنسائي: متروك. وأبو حاتم: ضعيف الحديث ليسَ له حديث مستقيم. وابنُ حِبَّانَ: يروي المُعضلاتِ حتى سقط الاحتجاج به.
وأَمَّا المُعارَضَةُ:
فيما أخرجه الطبراني في «الأوسط» عن أنس رضي الله عنه: أنه عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ اسْتَقَى، فخَطَبَ قبلَ الصَّلاةِ، واستقبل القبلة، وحوَّلَ رِداءَه، ثم نزل فصلى ركعتين لم يُكبر فيهما إلا تكبيرةً واحدةً.
وأخرج أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لم يزد عليه الصَّلاة والسَّلامُ على ركعتين مثل صلاةِ الصُّبحِ.
وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمَّدٌ، وقالَ الشَّافعي وأحمد: يُصلِّي كصلاة العيد، وأَمَّا ما نسبه ابنُ مَلَكِ ? إلى الصَّاحِبَينِ من تكبيراتِ الزَّوائِدِ؛ فشاةٌ مُخالِفٌ لما ذكرَه غيره من المحققين، ففي مواهِبِ الرَّحمنِ»: لا تُسَنُّ تكبيراتُ الزَّوائِدِ عندَنا وعندَ الإمام مالك في صلاة الاستسقاء على الأصح، وقيل: يُكَبِّرُ، وهو قول الشافعي
ثمَّ قال: ويُسَنُّ عند محمَّدٍ رَكعتانِ جهريَّانِ بلا تردُّد، ورُوِيَ عن أبي يوسُفَ الصَّلاة وعَدَمُها؛ يعني بناءً على ما ذُكِرَ في «المبسوط»: أنَّ أبا يوسف مع أبي حنيفة، وفي «الخُجَندي» مع محمد.
وبهذا تبين الاضطراب في كيفيَّةِ الصَّلاةِ، وكذا وقع الاضطراب في كيفية الخطبة، فاختار محمَّدٌ أَنَّها كخُطبة العيد، فتكونُ خُطبتين يفصل بينهما بجلوس، واختار أبو يوسفَ أَنَّها خُطبةٌ واحدةٌ.
وفي مواهب الرَّحمنِ: أَنَّهما جَعَلا بعدَ الرَّكعتين خُطبةً واحدةً، وقيل:
جَعَلاها بعدهما يُنتَينِ.
وكذا وقع الاضطراب في وُقوع الخُطبة بعدَ الصَّلاةِ أو قبلها؛ فقد روى الإمامُ أحمد في «مُسنَدِه» من حديث عبد الله بن زيدِ بنِ عاصم: خرج عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يستسقي فبدأ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطبة ?.
وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمَّدٌ، ولم يقُلْ أحمد باستِنانِ الخُطبة، وذلك لازم ضَعْفِ الحديثِ.
في «سُنَنِ أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: شَكى النَّاسُ إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم احوط المطر فأمر بمنبر فوُضِعَ له في المُصلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يوماً يخرجون فيه، قالت: فخرج صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشَّمسِ، فَقَعَدَ على المنبر فكبَّرَ، فَحَمِدَ الله عزَّ وجَلَّ ثمَّ قالَ: «إِنَّكُم شَكَوتُم جَدْبَ دِيارِكم واستئخارَ المطرِ من زمانه عنكم، وقد أمرَكُم الله عزَّ وجَلَّ أن تدعوه، ووَعَدَكم أن يستجيب لكم»، ثم قال: «الحمد لله ربِّ العالمين، الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، مَلِكِ يومِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يفعل ما يُريدُ اللَّهُمَّ أَنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ أنتَ الغنيُّ ونحنُ الفُقراء، أنزِل علينا الغَيثَ، واجعل ما أنزلتَ لنا قُوَّةً وبلاغاً إلى حين»، ثم رفع يديه فلم يزَل في الرفع حتّى بدا بياضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلى النَّاسِ ظهرَه وقَلَبَ أَو حَوَّلَ رِداءَه وهو رافع يديه، ثم أقبل على النَّاسِ، ونزلَ من المنبر فصلَّى رَكَعَتَيْنِ، فأنشأ اللهُ سَحابةً فرَعَدَت وبَرَقَت، ثمَّ أمْطَرَت بإذنِ اللهِ، فلم يأتِ عليه السلام مسجده حتَّى سالت السيول، فلما رأى سُرعَتهم إلى الكِنَّ ضَحِكَ حتّى بدَتْ نواجذه، فقال: «أشهدُ أنَّ الله على كل شيء قدير، وأنّي عبده ورسوله».
ثمَّ اعْلَمْ أنَّ أبا حنيفة لم يقُل بتقليب الرداء؛ لما روى أبو داود وقال: غريب وإسناده جيد: استسقى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حَميصَةٌ سَوداء فأرادَ أَن يَأْخُذَ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلمَّا ثَقُلَت قَلَبَها على عاتقه.
زاد الإمام أحمد وتحوَّلَ النَّاسُ معه. رواه الحاكم في «المُستَدرَكِ»، وقال: صحيح على شرط مسلم، انتهى
فما جاء في بعض الرّوايات أنّه قلبه تفاؤلاً؛ من تَصرُّفِ الرُّواةِ، كما جاءَ مُصرَّحاً به في المُستَدرَكِ» من حديثِ جابر وصححه، قال: وحَوَّلَ رِداءَه ليتحَوَّلَ القَحْط. وفي «مُسنَدِ إسحاق»: لتَتَحَوَّلَ السَّنَةُ من الجَدْبِ إلى الخصب. ذكره من قول وكيع".
والمذهبُ: أنَّ الإمامَ لا يقلِبُ رِداءَه عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وأمرَ محمَّدٌ به بعدَ مُضِيّ صَدْرٍ من خُطبته؛ لحديث ورد بذلك ?، ولا يقلِبُ النَّاسُ أرديتهم عندنا. وقال مالك والشافعي: يقلبون لعَدَمِ إنكاره عليهم في تقليب أرديتهم، فكان تقريراً له، والجواب أنَّه إنَّما يتمُّ أن لو أعلم به، وهو ممنوع؛ لما ثبت أنَّه إِنَّما حول بعد تحويل ظهره إليهم.
ثمَّ الحاصل من الرواياتِ الحديثيَّة، وكذا الرّواياتِ الفقهية من الأئمة الحنفية: أنَّه لا يُصلِّي صلاة الاستسقاء بالتكبيراتِ الزَّوائِدِ معَ رَفع الأيدي، بل ولو اقتدى أحدٌ بشافعِي المذهب لا يرفع اليد معه، كما لو اقتدى به في الصلوات الخمس، وكذا في دُعاءِ القُنوتِ ونحوه.
وهل يُكبر معه أو لا؟ احتمالانِ، ولم أرَ مَن صرَّحَ بِمَنعِه، ومُقتضى عدم استِنانِه على الأصح مَنعُه.
وحيثُ لا يُكبِّرُ ولا يرفع اليد في الزَّوائد، فإذا كبر تكبيرة الافتتاح ووضع يده تحتَ سُرَّتِه لا يُرسلها، وأمَّا إِنْ تبعَ المُكَبِّرَ الرَّافِعَ فلا يضَعُ بينَ التَّكبيراتِ، بل يُرسل كما هو مقرر في صلاة العيد.
ثم قولُ أئمَّتِنا: لو صَلُّوا فُرادى جازَ.
مفهومه أنَّه لو صَلُّوا بجماعة من غيرِ خُطبة لا يجوز عندهم، والظَّاهِرُ من كلامهم أن يكون مكروهاً كما حققه ابن الهمام، حيثُ قالَ: ثُمَّ الجواب عن أبي حنيفة بما ذكروا في عَدَمِ الأخذ به؛ أي: بالحديثِ الذي فيه الصَّلاةُ والخُطبةُ لشُذوذه يلزمُ أَنَّهم لو صَلُّوا بجماعةٍ كانَ مكروهاً، ويدلُّ عليه قول الحاكم في «الكافي»: ويُكرَهُ صلاةُ التَّطوع بجماعة ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف، لكنَّه خلافُ ما ذكره شيخ الإسلام أنَّه لو صَلُّوا بجماعةٍ جازَ، لكنْ ليسَ بِسُنَّةٍ.
والأولى أن يُقتدى أولاً بالإمام الأقدم، وقوله الأقوَمِ، الأقرب إلى الصَّوابِ، كما ذهب إليه عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، ثمَّ يُصلَّى جماعة معَ الخُطبة على طريق صاحبيه في اليوم الثَّاني، ثمَّ على مذهب الإمام الشافعي في اليوم الثَّالِثِ؛ ليكون جامعاً بين رواياتِ الأئمةِ وحاوِياً لما صدر عن سَيِّدِ الأُمَّةِ وكاشِفِ الغُمَّةِ الذي جعل اختلاف أُمَّتِه من الرَّحمةِ لكونه رحمة للعالمين، ونعمةً للمؤمنين. ولا يبعد أن يأمر القاضي الشَّافعيَّة أن يدعوا عَقِيبَ الصَّلواتِ الخمس على مقتضى مذهبهم؛ لما قالَ ابنُ العزّ: الذين قالوا بمشروعية صلاة الاستسقاء لم يقولوا بتعينها، بل هي على ثلاثة أوجه: تارةً يدعون عَقِيبَ الصَّلواتِ، وتارةً يخرجون إلى المُصلَّى فيدعون من غير صلاةٍ، وتارةً يُصلُّون بجماعة؛ أي معَ الخُطبة ويدعونَ، وأبو حنيفة لم يبلغه الثَّالثُ.
قلتُ: قد بلغه الكل قبل الكُل، والكُلُّ عِيال في الكُلِّ على ما اتفق عليه
الكُلُّ، وقد سبق بيانه بما ظهر برهانه، وعلا شأنه، وخُفِضَ مَن شَانَه. هذا، وينبغي أن يدعو الله، ويحمدَه، ويُصلِّي على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قائماً مُستقبل القبلة، رافعاً يديه؛ لقول أنس رضي الله عنه: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ لا يرفع يديه في شيءٍ إلا في الاستسقاء؛ يعني على وجهِ المُبالغةِ؛ لقوله: فإِنَّه كان يرفع يديه حتى يُرى بياضُ إبْطَيه، ومَدَّ يديه وجعلَ بُطونَهما مما يلي الأرضَ. رواه أبو داود عنه.
وروى أيضاً عُمير مولى بني آبي اللحم: أنَّه رأى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يستسقي عندَ أحجار الزيت قريباً من الزوراء قائماً يدعو يستسقي، رافعاً يديه قبل وجهه، لا يُجاوِزُ بهما رأسه.
والجمعُ بين الحديثين هو الجَمعُ بينَ الفِعلين، فتارةً يجعلُ بُطُونَهما مما يلي الأرضَ، وهو حينَ يطلبُ رَفعَ النقمة والبلوى من القحطِ والغلاء والوَباء وسائرِ البلايا، وتارةً يجعلُ بُطُونَهما إلى السَّماءِ، وهو حينَ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ باستنزالِ الرَّحمةِ والاستغفارِ وطَلَبِ التَّوبة وحُسنِ الخاتمة.
ويقولُ: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مُبارَكاً فيه، الحمد لله حمداً يُوا في نِعَمَه ويُكافي كرَمَه، الحمد لله رب العالمين، الحمد الله على كل حالٍ، ونعوذُ بالله من حال أهلِ النَّارِ، ويُكثِرُ الاستغفار ويُظهِرُ التَّوبة بعد الاعترافِ والإقرار، ويرجعُ
عما هو عليه من الكبائر والصَّغائر مع الإصرار، ويبتدئ بما ورد في الآثارِ من دعاء سيد الاستغفار، وهو: «اللَّهُمَّ أنت ربي لا إله إلا أنتَ، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شر ما صَنَعتُ، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ. ويقولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: ??]
أربعين مرة 2.
ويقولُ: رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16]،
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 147]، {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ} [الأعراف: ?]، {رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّحِمِينَ} [المؤمنون: 109]، ورَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]، {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:].
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسرَفْتُ وما أسرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ، وما أنت أعلم به مني، أنتَ المُقدِّمُ وأنتَ المُؤخِّرُ، أستغفر الله، أستغفر الله أستغفر الله الذي لا إلهَ إلا هو الحي القيوم وأتوبُ إليه، أشهدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قدير، وقد أحاط بكلّ شيءٍ عِلماً.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأمَّة محمد، اللَّهُمَّ ارحَمْ أمَّةَ محمَّد، اللَّهُمَّ استُرُ أُمَّةَ محمَّدٍ، اللهم اجبر أمة محمد، اللهم أصلح امة محمد.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا أجمعين، وشاركنا في دُعاءِ الصَّالحين، واجْعَلْنَا مِنَ المقبولين، ولا تردنا خائبين، ولا عن بابك مطرودين، برحمتك يا أرحم الراحمين. يا أرحم الراحمين يا أرحمَ الرَّاحمين يا ذا الجلال والإكرام، نسألك أن تُحيِيَ قلوبنا بنور معرفتك أبداً، يا قريب يا مُجيبُ اللَّهمَّ لَا تَدَعْ لنا ذنباً إلا غَفَرتَه، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجةً إلا قضيتها.
واغوثاه، واغوثاه، واغوثاه، يا غياث المستغيثين أغثنا، اللَّهُمَّ أَغِثنا، اللَّهُمَّ أغِثنا، اللَّهُمَّ أَغِثنا.
اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَّهُمَّ اسقِنا، اللَّهُمَّ اسقنا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطين. اللَّهُمَّ اسقِنا غَيثاً مُغيثاً مَرِيعا هنيئاً مريئاً غَدَقاً مُجللاً سَحاً عاماً طبقاً دائماً
نافعاً غير ضار عاجلا غير آجل. اللَّهُمَّ إِنَّ بالبلاد والعبادِ والخلق من اللَّأواءِ والضَّنكِ ما لا نشكو إلا إليك. اللَّهُمَّ أَنبِتْ لنا الزَّرعَ وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، واسقنا من بركاتِ السَّماءِ، وأَنبِتْ لنا من بركات الأرض.
اللهم إنا نستغفِرُك فإنَّك كنتَ غَفَّاراً، فأرسل السَّماءَ علينا مدراراً. ويُكرِّرُها مراراً.
اللَّهُمَّ ادفَع عنا البلاء والوَباءَ والقَحْطَ والغلاء.
اللَّهُمَّ حَسِّنْ أخلاقنا، وسَهِّلْ أرزاقنا.
اللَّهُمَّ إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كُلِّ داءٍ.
اللَّهُمَّ يسر أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وتوفيق طاعتك واجتناب معصيتك.
اللَّهُمَّ يا غني يا حميد، يا مُبدِئُ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك. اللَّهُمَّ أَحسِن عاقبتنا في الأمورِ كلَّها، وأجرنا من خِزْيِ الدُّنيا وعذاب الآخرة. اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تنقضنا، وأكرمنا ولا تُهِنَّا، وعافنا واعفُ عنا، وكُن لنا ولا تكن علينا.
اللَّهُمَّ اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصائبَ الدُّنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا ما أحييتنا، واجعَلْ ثأرنا على مَن ظَلَمَنا، ولا تجعَلْ مُصيبَتَنا في ديننا، ولا تجعل الدُّنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، توفَّنا مسلمين وألحِقْنا بالصَّالحين، وأدخِلْنا الجنَّةَ آمنين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
رَبَّنَاءَ ابْنَا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]. {ربَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَيْنِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَقَامَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَعَائِنَا مَا وَعَدتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْرِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخَلِفُ المِيعَادَ} [آل عمران: 93 - 94].
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مولَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286].
اللَّهُمَّ صلّ على محمد وعلى آلِ محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد». وصل على جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى ملائكتك المقربين، وعلى عبادك الصالحين، وعلى أهل طاعتك أجمعين، وارحَمْنا معهم، وارزقنا شفاعتهم، واحشرنا معهم، برحمتك يا أرحم الراحمين. سُبحان ربك ربِّ العِزَّةِ عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمدُ للهِ رب العالمين.