الجزء 1 · صفحة 5
إفراد الصلاة عن السلام هَلْ يُكْرَهُ .. أم .. لا؟
تأليف العلامة
الملَا عَلي القَارِي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الملكِ المنَّان، الَّذي هدانا للإيمان، وخَصَّنا بالقُرآن، وعمنا بالإحسان، والصَّلاةُ والسَّلامُ الأَتمَّانِ الأَكْمَلان على الجَوهَرةِ الفَاخِرَةِ الطَّاهِرَةِ الظَّاهِرَةِ من مَعِدِنِ عدنان، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه في كل زمان ومكان.
أما بعد:
فيقول أحقَرُ عباد الله الباري علي بن سلطانِ محمد القارِي: إِنَّ الإمام النَّووِيَّ قالَ: (يُكرَهُ إفرادُ الصَّلاةِ عن السَّلامِ)؛ أي: في كلِّ مَقامِ يُصلَّى ويُسلَّمُ على سيد الأنام.
وفي الاستدلال على هذا المَقالِ سَلَكَ مَسلَكَين لتحقيق الحال:
أمَّا مَسلَكُه الأَوَّلُ: فذكَرَهُ صاحِبُ «المواهب» حيثُ قال: (قالَ النَّووِيُّ: يُكرَهُ إفرادُ الصَّلاةِ عن السَّلام، واستدلَّ بورودِ الأمر بهما معاً في الآية؛ يعني: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]
وتعقبوه بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم علَّمَ أصحابه التسليم قبل تعليم الصَّلاةِ، كما هو مُصرَّح به في قولهم: يا رسول الله، قد عَلِمْنا كيفَ نُسلّمُ عليك، فكيفَ نُصلّي عليك؟،
وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد أن علمهمُ الصَّلاةَ والسَّلامَ: (كما عَرَفْتُم)، فأُفِرِدَ التسليمُ مُدَّةً قبلَ الصَّلاةِ عليه.
الجزء 1 · صفحة 7
لكن قال في فَتح الباري»: إنَّه يُكرَهُ أَنْ يُفْرِدَ الصَّلاةَ ولا يُسلَّمَ أصلاً، أمَّا لوصَلَّى في وقت وسلَّمَ في وقت آخر، فإنَّه يكونُ مُمْتَئِلاً؛ يعني: من غير كراهة. وحاصل هذا التَّعقُبِ، وما ذُكِرَ فيه من التّرتُبِ: أَنَّ الواو في الآيةِ لِمُجَرَّدِ الجمعية، لا لإفادة المعيَّة، ولا للدَّلالةِ التَّعقيبيَّة، كما هو مُقرَّرُ في الضَّوابط الأُصوليّةِ والقواعد العربيَّة، فلا دَلالة فيها على الكراهة أصلاً ولا فَرْعاً، فهي كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوةَ} [البقرة: 43]، وكقوله: {وَأَتِمُوا الْحَجَ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، بل في الجمع بينهما دَلالة واضحة على أنَّهما عِبادتانِ مُستقلتان، لا يتوقَّفُ وُجود إحداهما على الأُخرى.
وأما كون الجمع بينهما أفضل فهو ثابت بالإجماع، ولا يُتصَوَّرُ فيهِ النّزاعُ، ولا يُلتَفَتُ إلى قول بعض المُتَفَقِّهِةِ منَ الشَّافعيّةِ: إِنَّ مُرادَ النَّووِي بالكراهة الكراهة التنزيهيَّةُ الَّتي هي بمعنى خلافِ الأَوْلى؛ فإنَّه حينئذ لا يحتاجُ إلى الاستدلال، ولا يُنسَبُ إليه بالاستقلال.
وأَمَّا مَسلَكُهُ الثَّاني: فقد ذكرَه الشَّيخُ الجَزَرِيُّ في «مفتاح حِصْنِه» ما هذا نصه: وأما الجمعُ بينَ الصَّلاةِ والسَّلامِ فهو الأولى والأفضَلُ والأكمل، ولو اقتَصَرَ أحدٌ، جازَ من غير كراهة، فقد جَرَى عليه جماعةٌ من السَّلَفِ، منهم الإمامُ مُسلِمٌ في أوَّلِ «صحيحه، وهَلُمَّ جَرَّاً، حتَّى الإمامُ وَليُّ الله أبو القاسِمِ الشَّاطِبِيُّ في قصيدَتَيْهِ اللامية والرائية.
وقولُ النووي: وقد نصَّ العلماء، أو مَن نصَّ منهم على كراهة الاقتصار على الصَّلاةِ من غير تسليم. انتهى؛ فليس بذاك؛ فإنِّي لا أعلم أحداً نصَّ على ذلك من العلماء، ولا من غيرِهم، انتهى
الجزء 1 · صفحة 8
وكأَنَّه فَهِمَ من قولِ النَّوَوِيِّ أنَّه أرادَ بقوله: (وقد نصَّ العلماء) أنَّه أرادَ الإجماع على كراهة الإفرادِ، فَنَقَضَه بفعلِ مُسلِمِ والشَّاطِبِيٌّ؛ فإنَّهما من أجلَّةِ العُلماء والقُرَّاءِ، وإلا فلو أرادَ عُلماء مذهبه لما صحَ نَقضُ قولِه بفعلِ مُحدِّثٍ من المُحَدِّثين، أو بِعَمَلِ قارئ من المالكيين. وأيضاً لا يخلو أنَّ النَّوَوِيَّ في هذا المقامِ من دَعوى المَرامِ مُجتهدٌ مُستدِلٌ، فالنقل المجهول في منتهاه لا يصلُحُ لمُدَّعاه؛ فإنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ مثلاً إِذا رَوَى الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُرسَلاً ليس بحُجَّةٍ عندَ الشَّافعيّة، وكذا موقوفاتُ الصَّحابةليست مُعتبرةً عندهم إذا كانت متعارِضَةً، فكيف أقوال غيرهم من العُلماء؟!
أو هو مُقلّد في هذه المسألة لبعض أصحابِ الشَّافعي وسائر الأئمة، فينتقل البحث عنه إليهم، ويَرِدُ الاعتراض عليهم، وهذا بعيدٌ جداً؛ فإِنَّه مشهور بهذا المَقالِ، ومُنفَرِدٌ بهذا الاستدلال، ولذا تعقبوه وعارَضُوهُ، ونقَضُوا كلامه بما ذكرُوهُ.
الجزء 1 · صفحة 9
وعندي أنَّ الإمامَ النَّوَوِيَّ إِنَّما سَلَكَ مَسلَكاً آخر، وهو أَنَّه قال بعضُهم: المُرادُ بقوله: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]: انقادوا له انقياداً، وأَطيعُوهُ فيما يأمُرُكم وينهاكُمُ اعتقاداً، كما قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] وكقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي} [الأحزاب: 56]، بالاقتصار على الصَّلاةِ، وإِلَّا كانَ مُقتضى ظاهرِ المُقابلة أن يُقالَ: يُصَلُّون ويُسَلِّمون على النَّبِيِّ، يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]؛ إذ لا شَكٍّ ولا ريبَ أنَّ سلام الله وملائكته أيضاً واقعانِ عليه، وواصلانِ إليه، وحاصلانِ دائماً لَدَيه. فمَقصودُ النَّوَوِيِّ أنَّ ظاهِرَ الآية هو الأمرُ بالجمع بينهما، بمعنى أنَّه كما أنَّ المُؤمنينَ مَأْمورُون بالصَّلاةِ عليه، فهُمْ مُكلَّفون بالسَّلامِ عليه.
فمَن فَسَّرَ التسليم بمعنى الانقيادِ ولم يقع منهُ السَّلامُ لم يكُنْ مُمتَيْلاً بالآية الشَّريفةِ، لا أَنَّ مُرادَه هو أنَّه كلَّما صَلَّى عليه إن لم يُعقِبْهُ بالسَّلامِ يكونُ مَكروهاً كراهة تحريم أو تنزيه؛ فإنَّه لا دَلالة للآيةِ عليه بلا شُبهَةٍ.
ثمَّ استظهَرَ هذا المُستَبَطَ بما نصَّ عليه العلماء قولاً وفعلاً بالجمع بينهما. وأمَّا إذا وقعَ الصَّلاةُ مَرَّةً والسَّلامُ، تارةً، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون مكروهاً؛ للأحاديث الواردة في الصَّلاةِ على النبي صلى الله عليه وسلم في الصَّلاةِ وغيرها، كلُّها بالاقتصار على الصَّلاةِ دُونَ ذِكرِ السَّلامِ، وإِنَّما وقعَ السَّلامُ في نفسِ التَّشهدِ مُنفرداً عنِ الصَّلاةِ.
الجزء 1 · صفحة 10
ويُؤيَّدُ ما ذكرناه قوله: يُكره إفرادُ الصَّلاةِ عن السَّلامِ من غيرِ ذِكرِ عكسه، وإِنَّما زاد هذا بعضُ أتباعه ممَّن لم يفهم حقيقةَ قَصْدِه.
وممَّا يُؤَيِّدُ ما حرّرناه في حمل كلامه على ما قررناه: الأحاديث الواردة في فضيلةِ مَن صلَّى عليه وحدَها، وفيمَن سلَّمَ عليه بانفرادها، ولم يُجمَعْ في حديث بينهما.
فدَلَّ على أنَّهما عِبادتانِ مُستقِلَّتانِ لا يُكرَهُ انفِرادُ إحداهما، وإِن كانَ الأَوْلى والأفضَلَ جَمعُهُما.
وقد أغرَبَ الشَّيخُ زكرِيَّا المصرِيٌّ حيثُ اعْتَرَضَ على العلامةِ الجَزَرِي في اكتفائه بالصَّلاةِ دُونَ السَّلامِ في «مُقدَّمَتِه»، واستدل بالآية الشريفة، وكأَنَّه لم يطلع على اعتراض الجَزَرِيٌّ على قولِ النَّوَوِيِّ، ولا على تَعَقُبِ غيرِه له، على ما ذَكَرَه القَسْطَلانيُّ، وقرَّرَهُ وحرَّرَهُ العَسْقَلانيُّ.
أو أشرَفَ على كلامهم، ولم يفهم تحقيق مرامهم، واختارَ التَّقليد الصِّرْفَ في تصحيح مذهبه وترجيح مشربه، فظهر صدق قول أستاذه الإمام ابن الهمام في حقه: إنَّه إنَّما يجتهد في تصحيح كتابه من غير تحقيق في بابه.
وأعجَبُ منه أنَّ تلميذه الشَّيخَ ابنَ حَجَرِ المَكِّيَّ عَدَّه مُجدِّدَ التَّسع مئةٍ، مَعَ أَنَّه لا يُعرَفُ له مهارَةً في فنّ من العلوم الشرعيَّة، إلَّا في تحرير المسائل الفقهية على القواعدِ الشَّافعيّةِ والاصطلاحاتِ النَّوَوِيَّةِ.
ثمَّ من أعجب العجائب أنَّ بعضَ المُتَفَقِّهِةِ تفوَّهوا بأنَّ الجَزَرِيَّ ليس له أن يخرُجَ من المَذهَبِ المُقرَّر على اختيار النَّوَوِيِّ، وأَنَّه لا يعرِفُ المذهبَ إِلَّا صاحب المذهَبِ المُهذّب، وأمثال ذلك ممَّا تَمُجه العُقولُ، وتدفعه النُّقولُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الجزء 1 · صفحة 11
وظَهَرَ صِدقُ مقاله صلى الله عليه وسلم وعلى آله: «إنَّ الدِّينَ بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطُوبَى للغُرَباءِ»؛ أي: المُصلِحين للدِّينِ ما ضيَّعَه بعضُ المُفسِدين. وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الاهتداء في الاقتداء
تأليف العلامة
الملا على القاري
توفي سنة (1014هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خَلَقَ الخَلْقَ وصيَّرَهُم أزواجاً، وجَعَلَ لكُلِّ أُمَّةٍ منهم شِرْعَةً ومنهاجاً، والصَّلاة والسَّلامُ على إمام الأنبياء وإمام الأصفياء، الذي بدء به الأشياء في عالم الأرواح، وخُتِمَ به الأشياء في عالم الأشباح مدراجاً، وأَسرَى به إلى السَّماءِ، وطَوَى له السَّواءَ معراجاً، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأشياعه وأتباعه وقَرابتِه وذُرِّيتِه وأَزْواجاً.
أما بعد: فيقولُ المُفتَقِرُ إلى جُودِ ربِّه الباري، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدِ القَارِي: إِنَّ جماعةً من عُلماءِ زَماننا، وفُضَلاء أواننا كتبوا رسائل وجَعَلوها وَسائل لكلِّ طالب وسائل، في اقتداء الحنفيَّةِ بالشَّافعيّة، وما يتعلَّق بهذه القضيَّةِ.
لكِنْ خَرَجَ كُلّ عن حد الإنصاف، ودَخَلَ في باب الاعتساف، عندَ مَن نظر فيها بعينِ الإنصاف، حيثُ مالَ كلَّ المَيل عن جادَّةِ الطَّريقِ، ولم يُحقِّقِ المسألة حق التحقيق.
فقال بعضُهم: الاقتداء بالمُخالفِ أولى عند تعددِ الجَماعةِ، وخالفه الآخرُ فقالَ: الانفِرادُ أَفضَلُ من الاقتداء بالمُخالفِ أيضاً في تلك السَّاعَةِ.
الجزء 1 · صفحة 12
فسَنَحَ بالخاطِرِ الفاتر أن أسلُكَ مَسلَكاً عَدْلاً وسَطَاً، خالياً عن الإفراط والتفريط، مُعرِضاً عن طَرَفَي الأخلاطِ والتَّخبيط، وأذكُرَ فُصولاً مُهِمَّةً في مسألة الجماعة، وما اختلف فيه الأئمَّةُ، وما اتَّفَقَ عليه الأمَّةُ، مما يدل عليه الكتاب والسُّنَّةُ.
قال الله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِمِينَ} [البقرة: 43]، قد استدلَّ كثير من أئمةِ الأُمَّةِ بهذه الآية على وُجوبِ الجماعةِ؛ لأنَّ العبرة بعمومِ اللَّفْظِ والمبنى، لا بخُصوص السبب الوارد في هذا المعنى، فلا يُنافيه أنَّ الآية نزلت في حق اليهود، والمعنى: صَلُّوا مَعَ المُصلَّين؛ يعني مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم والمُسلمين.
وذُكِرَ بلفظ الرُّكوعِ؛ لأنَّ الرُّكوعَ رُكن من أركانِ الصَّلاةِ، فهو من بابِ إطلاق الجزء وإرادة الكل، وقيل: لأنَّ صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأَنَّه قالَ: صَلُّوا صلاةً ذاتَ الرَّكوعِ نحوَ صَلاةِ المُسلمين، ففيه تنبيه على نسخِ مِلَّتِهم، وإشارة إلى نسخ طريقتهم.
وقال عزَّ وعلا: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ أَثَرَهُمْ} [يس: 12]، قال قوم: أي خُطاهُم إلى المسجدِ؛ فعن أبي سعيد الخُدْرِيِّ قَالَ: شَكا بنو سَلِمَةَ بُعدَ مَنازِ لهم من المسجد، فأنزَلَ اللهُ تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَاثَرَهُمْ} [يس: ??]، قالَ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علَيكُم منازِلَكُم؛ فإِنَّها تُكتَبُ آثَارُكُم.
وفي رواية لمُسلم: «دِيارَكُم دِيارَكُم تُكتَبْ آثارُكم»؛ أي: الزَمُوها ولا تَكرَهُوها، فإنَّ لكم بكلِّ خُطوَةٍ إلى المسجدِ درجةً، كما في رواية لمُسلم عن جابر وأما الأحاديث والأخبارُ المَرفوعَةُ والمَوقوفَةُ في هذا الباب، فكثيرة خارجة عن حَدِّ إمكان الاستيعاب، فلْنَقتَصِر على بعضها؛ خوفاً من المَلالة الناشئة عن الإطناب.
الجزء 1 · صفحة 13
منها: «صَلاةُ الجَماعةِ تفضُلُ صلاةَ الفذّ بسبع وعشرين درجَةً». رواه مالك وأحمدُ والشَّيخانِ والتّرمذي والنسائي وابن ماجه عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما. والظَّاهِرُ أنَّ المُراد به الكثرة، فلا يُنافي ما رواه مسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه بلفظ: صَلاةُ الجَماعةِ تعدِلُ خَمساً وعشرينَ صَلاةَ الفَذْ». و ما رواه ابن ماجه عن أبي، ولفظه: «صَلاةُ الرَّجل في جماعة تزيد على صلاةِ الرَّجل وحده أربعاً وعشرين درجة».
وما رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ عن ابن مسعود رضي الله عنه: «صَلاةُ الرَّجل في جماعة تزيد على صلاته وحده تسعاً وعشرين صلاة».
و ما رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه: صَلاةُ الرَّجل في بيته بصلاةٍ، وصَلاتُه في مسجدِ القبائل بخمس وعشرين صلاةً، وصلاته في المسجدِ الذي يُجمَعُ فيه بخَمسِ مئة، وصلاته في مسجد الأقصى بخمسة آلاف صلاةٍ، وصلاته في مسجدي هذا بخَمسينَ ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة.
وقد رَوَى أحمد عن أبي ذرّ: اثنانِ خَيرٌ من واحد، وثلاثةٌ خيرٌ من اثنين، وأربعةٌ خير من ثلاثة، فعليكم بالجَماعةِ؛ فإنَّه لن تجتمعَ أُمَّتِي إلا على هُدًى.
ورَوَى البَيْهَقِيُّ عن عُثمانَ رضيَ اللهُ عنه: لأَنْ أُصلِّيَ الصُّبحَ في جماعة أحبُّ إليَّ من أن أصلي ليلة، ولأن أصلي العشاء في جماعة أحبُّ إليَّ من أن أصلي نصف ليلة.
ولعلَّ وَجْهَ تخصيص الصَّلاتَينِ لأنَّهما أثقل على النَّفْسِ، وَأَشَقُها، والأجرُ على قدر المَشقَّة، ولكونهما في وَقْتِ الغَفْلَةِ والرَّاحِةِ، ولما في حُضورهما من مُخالَفَةِ المنافقين، ولذا وَرَدَ: «الو يَعلَمُ النَّاسُ ما في العَتَمَةِ والصُّبحِ لأتوهُما ولو حَبْوا». رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما.
الجزء 1 · صفحة 14
وفي رواية: «أَثْقَلُ الصَّلاةِ على المُنافِقِينَ صَلاةُ العِشاء، وصَلاةُ الفَجرِ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهُما ولو حبوا».
ورَوَى أحمدُ وغَيرُه عن ابن عمرو رضي الله عنه: «مَن راحَ إلى مسجدِ الجَماعةِ فخُطوَةٌ تَمحُو له سيِّئَةً، وخُطوَةٌ تُكتب له حسنَةٌ، ذاهباً وراجعاً».
ورَوَى الحاكِمُ عن أبي مُوسَى: مَن سَمِعَ النَّداءَ فارِغاً صحيحاً فلم يُجِبْ فلا صلاة له»؛ أي: كاملة.
ورَوَى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم عن أبي الدرداء: ما من ثلاثة في قريةٍ ولا بَدْوِ لا تُقام فيهم الصَّلاةُ إلا استحوذ عليهم الشَّيطانُ، فعليكم بالجَماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصِيةَ».
وفي رواية: «وعليكم بالجَماعةِ والعامَّةِ والمَسجدِ.
ووَرَدَ في رواياتٍ مُتعدّدةٍ: «لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ فِتِيةً فَيَجمَعوا حُزَماً من حَطَبٍ، ثمَّ آتِي قَوماً يُصَلُّونَ في بيوتهم ليسَتْ بهم عِلَّةٌ، فَأَحرِقُها عليهم»، وهذا رواية أبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
***
فصل
أجمع علماء الأمة على أنَّ الصَّلاةَ بجماعة مشروعة، وأنه يجب فيها المُجاهرة، فإن امتنع أهل بلد أو قرية عنها قُوتِلُوا عليها ليقوموا بها. واختَلَفُوا: هل الجماعةُ واجِبةٌ في الفرائض غيرِ الجُمُعَةِ؟
فقال أصحاب أبي حنيفة: إنَّها سُنَّةٌ مُؤكَّدة، وبه قال مالك، وهو المشهور عن الشَّافعيّة، ونصَّ الشَّافعيّةُ على أنَّها فرضٌ على الكفاية، وهو الأصح عن المحققين من أصحابنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال أحمد: هي واجبة على الأعيانِ، وليسَتْ شَرْطاً في صِحَّةِ الصَّلاةِ، ولا من الأركان، وقيلَ: فَرْضُ عَيْنٍ، ولعله عينُ مَذهَبِ أحمدَ، وإِنَّما الخِلافُ في العِبارَةِ، وهذا خُلاصَةُ ما ذكرَه صاحِبُ رَحمةِ الأمَّة في اختلافِ الأَئِمَّةِ».
الجزء 1 · صفحة 15
وقال ابن الهمام: حاصِلُ الخِلافِ في المسألة: أنَّها فرضُ عَين إلا من عُذر، وهو قول أحمد وداود وعطاء وأبي ثَوْرِ، وعن ابن مسعودٍ وأبي موسى الأشعري وغيرهما: مَن سَمِعَ النَّداءَ ثمَّ لم يُجِبْ فلا صلاة له».
وقيل: على الكفاية.
وفي «الغاية»: قال عامَّةُ مَشايخنا إِنَّها واجبةٌ، وفي «المُفيد»: إِنَّها واجبة، وتسميتها سنةٌ لوجوبها بها، وفي «البدائع: يجب على العُقَلاءِ البالغينَ الأحرار القادرين على الجماعة من غيرِ حَرَجٍ، انتهى
ولا منافاة بين الأقوالِ المذكورة، والأخبار المسطورة في مقام التحقيق، والله ولي التوفيق.
فصل
واعلَمْ أَنَّ اختلاف الأئمَّةِ وتعدُّدَ الجماعة من الأُمورِ الحادِثَةِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ إماماً للأنام، ثمَّ في مَرَضِ مَوْتِه أمرَ الصِّدِّيقَ أن يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فكانَ تَصريحاً بأنه أولى بالإمامة، وتلويحاً بأنَّه أحقُّ بالخلافة، ثمَّ قامَ مَقامَه في المحرابِ عمرُ بن الخطاب، بإشارة منه وموافقة لسائر الأصحاب، وهكذا انتقلت الإمامة والخلافَةُ إلى عُثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب بالإجماع. ومَنشَأُ الاختِلافِ في زَمانِهِ إِنَّما كانَ لبَعضِ الموادِ المُوجِبَةِ للنزاع، وهكذا كانت بقيَّةُ الصَّحابة، كانُوا أئِمَّةً، ولم يختلف أحَدٌ عن الاقتداء بهم، معَ أَنَّهم كانُوا مختلفين في بابِ الرّواية والدراية، وذلك لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «أَصحابي كالنُّجوم بأيهم اقتَدَيتُمُ اهْتَدَيْتُم». أخرجه ابن ماجه على ما ذكره السُّيوطِيُّ في تخريج
أحاديثِ الشَّفاءِ»، وتعقبه بعضُ العُلماءِ بأنَّه لم يجده فيه معَ البَحثِ عنه، وقد ذكره صاحِبُ مِشكاة المصابيح وقالَ: أَخْرَجَهُ رَزِينٌ.
الجزء 1 · صفحة 16
وفي «جامع الأُصولِ» عن ابنِ المُسيَّبِ: أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: «سألتُ رَبِّي عن اختِلافِ أصحابي من بعدي، فأوحى إليَّ: يا محمد، إِنَّ أصحابك عندي بمَنزِلَةِ النُّجومِ في السَّماءِ، بعضُهم أقوى من بعض، ولكلِّ نورٌ، فَمَن أَخَذَ بِشيءٍ مِمَّا هُمْ فِيه من اختلافهم فهو عِندي على هُدًى».
ثم إنه صلى الله عليه وسلم بنور الوحي أو ضياء الإلهام عَرَفَ اختلاف الأنامِ فيما بعد الصحابة الكرام، وأرادَ اجتماع الأمة، وكره تفرُّقَ الجَماعةِ، فَقالَ: «صَلُّوا خَلْفَ كل بر وفاجر، وصلوا على كلِّ بَر وفاجر، وجاهِدُوا مَعَ كُلِّ بَر وفاجره. رواه البَيْهَقِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ، وابن ماجه والدَّارَ قُطنِيُّ عن واثِلَةَ.
ولهذا كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يقتَدُون بالفَجَرةِ كيزيد والحجاج وزيادٍ، وسائر أرباب الظلم والفساد، وكذا أمراء بني أمية، منهم الوليد بن المغيرةِ لَمَّا وَلاهُ عُثمان بن عفَّانَ الكوفة شَرِبَ الخمرَ، وصلَّى الصُّبحَ سكران أربع ركعات، وسأل الجماعة: هل تصلي غيرها أو تكفي؟؟؟
فمَعَ هذا كله لم يُجوِّزُوا ترك الجماعة وهو على هذه الحالةِ مُحافظةٌ عن التَّفْرِقَةِ بينَ جَماعةِ المُسلمين، لِما وَرَدَ أَنَّ الجَمَاعَةَ رحمةٌ، والفُرقةَ عُقوبةٌ، ويُشيرُ إليه قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] الآية.
الجزء 1 · صفحة 17
واستمر الأمر على ذلك في زَمَنِ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائرِ المُجتهدين هنالك، فلم يُنقَل عن أحدٍ من الأئمَّةِ أن يمنَعَ الاقتداء بالمُخالِفِ من أهلِ الملَّةِ، وذلك لعَدَم قَطعِهِم أَنَّهم على الصَّوابِ البَتَّةَ، وغَيرُهم على الخطأ لا محالة، بل كانُوا مُجتهدين في أمر الدين طالبين للأولى في طريقِ المَولى، من جِهَةِ الفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ بالأدلَّةِ الظَّنِّيةِ، مَعَ اتَّفاقِهم على الأُصولِ الدِّينِيَّةِ التي مَدارُها على الأدلَّةِ اليَقِينِيَّةِ، كما يُشير إليه حديثُ: «العُلماءُ وَرَتْهُ الأنبياء». رواه أحمد والأربعةُ عن أبي الدرداء. فالأئمَّةُ المُجتهدون كالصَّحابة، فمن اقتَدَى بهم اهْتَدَى؛ لأنَّ اختلافهم راجع إلى اختلافِ الصَّحابة، ويُشيرُ إليه قوله تعالى: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وظاهره أنَّه يجوز الاقتداء بالمفضولِ معَ وُجودِ الأَفضَلِ، كما هو مَذهَبُنَا المُختارُ.
ويُؤَيّده ما قال بعضُ مَشايخنا: مَن تَبعَ عالِماً لَقِيَ اللَّهَ سالِماً، ولا شُبهَةَ أَنَّ تقليد الأفضل هو الأكمَلُ، ولذا وَرَدَ: «اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكرٍ وعُمَرَ. وقال أحمد وطائفةٌ: لا يجوز تقليدُ المَفضولِ َمعَ وُجودِ الفاضل، وهو وجه لبعض أصحابنا، وهو الأظهَرُ، وبني عليه ما قال بعضُهم من أَنَّهُ يَنبَغِي للمُقَلِّدِ لإمامِ أن يعتقد أنَّه على الصّوابِ ويَحتَمِلُ الخطأ، ومُخالِفُه على الخطأ ويحتَمِلُ الصَّواب، ومن هنا كل حزب بما لديهم فَرِحُونَ، ويستَدِلُّونَ وَفْقَ مَا يُوافِقُهم ويُصَحِّحُونَ، وقد عَلِمَ كُلُّ أُناس مِدْرَاجَ مَشربهم، وكل طائفة منهاج مَذهَبهم.
فصل
الجزء 1 · صفحة 18
ذَهَبَ عَامَّةُ مشايخنا منهم شمس الأئمةِ الحَلْوانِيُّ، وشَمسُ الإسلام، والفقيه أبو اللَّيثِ، وصاحِبُ «الهداية»، وقاضي خان، وغيرهم، حتَّى ادَّعى بعضُهم الإجماع على أنه: يجوزُ الاقتداء بالمُخالفِ إذا كان يحتاط في موضعِ الخِلافِ، وإلا فلا. والمعنى: أنه يجوز في المُراعي بلا كراهة، وفي غيره مع الكراهة، لا أنَّه لا يصح الاقتداء، وهذا القَولُ ممَّا لا شك فيه ولا شُبهَةَ؛ فَإِنَّ المُخالِفَ إِذَا رَاعَى اختلاف الأئمةِ، وخَرَجَ عن عُهدَةِ الخِلافِ الذي هو مُستَحَب بالإجماع تبقى صلاته صحيحةً من غير نزاع، ويكون أولى من الموافق الذي لا يحتاط؛ إذ غاية أمره أنَّ صلاته صحيحة عنده دون غيره، وشانَ بينَ الطَّريقَينِ. ولهذا اختارَ السَّادَةُ الصُّوفيَّةُ الصَّفَيَّةُ هذه الطَّريقَة المَرضيَّةَ، لكنَّ وُجودَ هذا الإمام عزيز كالعَنْقاء فيما بين الأنام)، بل وجودُ مَن يُراعي الجَمْعَ من مُتَفَرِّقات مذهبه من المعدوم في هذه الأيام، كما لا يخفى على العلماء الأعلام. ثمَّ المَواضِعُ المهمة للمُراعاة في حقٌّ المُخالفِ أَن يَتَوَضَّأَ من الفَصْدِ والحجامة والقيء والرُّعافِ والقَهْقَهَةِ في الصَّلاةِ، وأن لا يتوَضَّأَ من القُلتَينِ الواقع فيه النَّجاسة؛ إذ الغالب عليه الماء المُستَعْمَلُ، وأن يغسِلَ المَنِيَّ أو يفرُكَه إذا كانَ قَدْراً مانعاً، وأن لا يقتصر في مسح الرَّأْسِ على أقل من الرُّبُعِ، بل يمسحُ كلَّ الرّأسِ خُروجاً عن خلافِ مالك، لا سيّما وقد ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بذلك، وأن لا يتركَ المَضْمَضَةَ والاستنشاق في غُسل الجنابة، ونحو ذلك ممَّا يَكونُ مُبْطِلاً لمَذهَبِ غيرِ المُخالِف هنالك.
الجزء 1 · صفحة 19
وأما مُراعاة بعض الأفعال التي هي سنة عندَ المُخالف، ومكروهة عندَ غَيرِه، كرَفْعِ اليدَينِ في حال الانتقال، وكجَهْرِ البسملة وإخفائها، وبسط اليدَينِ في القنوتِ ونحوها؛ فهذا وأمثاله ممَّا لا يُمكن الجمعُ بينهما، ولا يُتَصوَّرُ الخُروجُ عن عُهدة خلافهما، فكلُّ يَتَّبِعُ مَذهَبَه، ولا يمنعُ مَشربه.
وقد أغرَبَ صاحِبُ الفتاوى الخانيَّةِ» حيث قال: إذا قال شافِعِيُّ المذهب: إلهي ما عَرَفناك حقٌّ مَعرِفَتِك، أو يقولُ: أَنا مُؤمِنٌ إِن شاءَ الله تعالى، أو يقولُ: العَمَلُ من الإيمان، أو يقولُ: الإيمان يزيد وينقُصُ؛ فلا تُجزِئُ الصَّلاةُ خلفه، انتهى.
ولا يخفى أنَّ هذا خلاف لفظي لا تحقيقي، كما بينته في «شرح الفقه الأكبر»، على أنَّه لا دخل لها في الفروع، فإنَّها من مسائل الأصول، وقد أجمَعُوا أَنَّ الأئمة الأربعة من أكابر أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، ولا خِلافَ أَنَّهم على الصَّوابِ في باب الاعتقادِ، المبني على الكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما الخِلافُ في فروعهم، بخلافِ المُبْتَدِعَةِ من نحوِ المُعتَزلَةِ والقَدَرِيَّةِ والمُرْجِيَّةِ.
وكذا من الغَريبِ ما نُقِلَ عن الفقيه السَّمَرْ قَنْدِيّ: أَنَّه إذا رأى الحنفي رجُلاً يأكل لحم الثّعلب أو الضّب ويعمل بخلافِ الحنفي المذهب لا يجوز الاقتداء به. إذ لا دخل لأكل لحم المُختَلَفِ في حلّه في باب الاقتداء؛ إذ غايته أن يكونَ فاسقاً بزَعْمِه، والاقتداء بالفاسق جائز اتفاقاً، ولعله أرادَ أَنَّه لا يجوز الاقتداء به من غير كراهة، وإنَّما أطلق تنفيراً عن الاقتداء في تلك الحالة.
وأما ما ذكره صاحِبُ «المبسوط» من أنَّ الصَّلاةَ خَلْفَ الشَّافِعِيُّ المَذهبِ جائزة إذا كان لا يميل عن القبلة. فهذا الميل لا يُعرَفُ من مَذهَبِهم، بل مَذهَبُهم أضيقُ في هذه المسألة من غيرهم، فإنَّهم يشترطون إصابة عين الكعبة، ولا يكتفون بتحَرِّي الجهةِ.
الجزء 1 · صفحة 20
وأما ما ذكره أيضاً من أنَّه لا يكونُ مُتعَصباً ففيه أَنَّ غايةَ تعصُّبِه أَنَّه مُوجِبٌ لفسقه، على أنَّ هذا أيضاً مذموم من غيرِه
فصل
وذَهَبَ جماعة أنَّه يجوز الاقتداء به إذا لم يُعلَمْ منه هذه الأشياء بيقين، فإن عُلِمَ: لا، وهذا القَولُ صححه خواهِرُ زَادَه، ويُؤَيِّدُه ما قال شيخُ الإسلامِ من أَنَّه: لو شاهد احتجامه ولم يتوَضَّأْ وَغَسَلَ موضِعَ الحِجامة، الصحيحُ أَنَّه لا يجوزُ الاقتداء به، ولو شاهد ذلك وغاب عنه، ثم رآه يُصلّي الصَّحيحُ أَنَّه يجوزُ الاقتداء به، انتهى وهذا بناءً على حُسنِ الظَّنِّ في حقه.
وفي الفتاوى الغيائيَّةِ»: والمُختارُ أنَّه إذا لم يُعلم منه شيء من هذه الأشياء يجوز الاقتداء به من غَيرِ كراهة؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُها؛ أَي: عَدَمُ وُجودِها. وهذا الإطلاق يُفيدُ أنَّه إذا عُرِفَ من حاله أنَّه لم يحتَطْ مَواضِعَ الخِلافِ لا يجوزُ الاقتداء به، وهذا القولُ أعدَلُ الأقوال، والله أعلَمُ بحقيقة الأحوال.
وقد صرَّحَ العلامةُ إبراهيمُ الحلبي شارِحُ المُنيَةِ»: بأَنَّ الاقتِداءَ بالمُخالفِ في الفروع كالشَّافِعِيُّ يجوزُ، ما لم يُعلَمُ منه ما يُفْسِدُ الصَّلاةَ على اعتقادِ المُقتَدي، وعليه الإجماع، وإنَّما الخِلافُ في الكراهة.
***
فصل
قال أبو اليُسر: اقتداءُ الحَنَفِيِّ بالشَّافعيّ غير جائز؛ لِما رَوَى مَكحول النَّسفيُّ: أَنَّ رَفعَ اليدَينِ في الصَّلاةِ عندَ الرُّكوعِ والرَّفعِ منه مُفسِدٌ؛ لأَنَّه عمل كثيرٌ.
قالَ ابنُ الهُمام: وأخذَ صاحِبُ «الهداية الجواز خلفَهم من جهة الرواية، وتُقَدَّمُ هذه لشذوذ تلك، وقد صَرَّحَ بشُذوذها في «النهايةِ»، والمُختارِ في تفسيرِ العَمَلِ الكثير لو رآه شَخص من بعيد ظنَّه أَنَّه ليسَ في الصَّلاةِ. انتهى
الجزء 1 · صفحة 21
لأنَّ مُفسِدَها ما لم يُعرَف قُربةً فيها، ورَفعُ اليدين في الوِترِ والعيدَينِ سُنَّةٌ إجماعاً. وقد ذكر العلامة أبو بكر بن الحدَّادِيٌّ في «السِّراحِ الوَهَّاجِ»: أَنَّه قد استدلَّ أصحابنا على جواز الاقتداء بمَن خالَفَنا في المَذهَبِ بمَسائل، منها أَنَّه لو اقتَدَى بِمَن قنَتَ في الفجرِ قال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: يسكُتُ المُقتدي ولا يُتابعه، وقال أبو يوسف: يُتابعه؛ لأنَّه تبع لإمامه، وهو مجتهد فيه، ثمَّ عندهما يقفُ قائماً ليتا بِعَه فيما يجب متابعته، وخالَفَهُما بعضُ مَن لا فقة له وقالَ: يقعُدُ أو يسجُدُ تحقيقاً للمخالفة.
وعلى هذا إذا كبَّرَ خَمساً في الجنازة فعندَهُما لا يُتابعه في الخامسة، وإذا لم يُتابعه قال بعضُهم: يسكُتُ لئَلَّا يصيرَ مُخالِفاً لإمامه فيما هو مشروع، وقال بعضُهم: يُسلَّم قبله، والصَّوابُ أنَّه يسكتُ، وكذا الحكم فيما إذا زاد في صلاة العيد على ثلاث تكبيرات، فعلى قولهما يسكُتُ، وعلى قول أبي يوسُفَ يُتابعه، إلا أَنَّه ينبغي أن لا يرفع يديهِ اتّفاقاً.
وذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّه يجوزُ مُطلَقاً قياساً على قول أبي بكرِ الرَّازِيِّ؛ فإِنَّه
قالَ: إِنَّ اقتِداءَ الحَنَفَيّ بمَن يُسلَّمُ على رأسِ الرَّكعَتين في الوِترِ يجوزُ، ويُصلِّي معَه بقيته؛ لأنَّ إمامه لم يخرُجْ بِسَلامِه عندَه؛ لأنَّه مُجتَهَدٌ فيه، كما لو اقتَدَى بِمَن رَعَفَ، وخالَفَه جُمهورُ المَشايخ.
الجزء 1 · صفحة 22
قالَ الشَّيخُ كمالُ الدِّينِ شارِحُ «الهدايةِ»: وكانَ شيخُنا سِراجُ الدِّينِ يعتقدُ قولَ الرازي، وأنكر أن يكون فسادُ الصَّلاةِ بذلك مَروِيَّاً عن المُتقَدِّمين، حتّى ذكَّرتُه بمسألة الجامع في الذين تحرَّوا في الليلةِ المُظلِمَةِ، وصلَّى كلِّ إلى جهةٍ مُقتدين بأحدهم فإِنَّ جوابَ المسألة أنَّ مَن عَلِمَ منهم بحالِ إمامِه فَسَدَت صلاته؛ لاعتقادِه أَنَّ إمامه على الخطأ، انتهى وأجيب عن هذا بأنَّ فسادَ صلاةِ المُقتَدي في مسألةِ التَّحرِّي لَا تَستَلِزِمُ فَسَادَ صلاته فيما ذكره الرَّازِيُّ؛ لأنَّ المُقتدِيَ في الصُّورة الأولى يعتَقِدُ أَنَّ إمامه أخطأ فيما و قطعِيُّ الثَّبوتِ في الصَّلاةِ، وهو استقبال القبلة، وفي الثَّانِيةِ اعْتَقَدَ أَنَّ إمامه أخطأ ي أمرٍ ظَنِّيٍّ مُجتَهَدٍ فيه، فشَتَانَ ما بينهما.
فصل
وذهَبَ بعضُ عُلمائنا إلى أنه إذا احتاطَ جميع مواضعِ الخِلافِ يُكرَهُ الاقتداء به أيضاً، في «الفَتاوَى الغِيائيَّةِ»: من مشايخنا مَن قالَ: الأولى أن لا يُصلي خلفه، وفي الفَتاوَى الخانية»: ومع هذا لو صلَّى خَلَفَه كانَ مُسيئاً، وفي «الكفايةِ» و «مفتاح السَّعادةِ»: يجوز مع الكراهة.
ولعلّ وجهَهُ ما ذكره بعضُ الشَّافعيّةِ حيثُ قال: لا يصح اقتداءُ الشَّافِعِيِّ بالحنفي، ولو حافظ على جميع الواجبات؛ لأنَّه لم يُؤَدِّها على اعتقادِ الواجباتِ. وهذا قول ساقط الاعتبارِ، حيثُ يُرُدُّه ما وَرَدَ فيه من الأخبارِ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّمَ أصحابه الكرام أفعال الصَّلاةِ قَولاً وعَمَلاً على وَجْهِ الإبهام، من غير أن يُبين لهم أنَّ هذا، فرضُ، وهذا واجب، وهذا سُنَّةٌ، وهذا شَرْطٌ، وهذا رُكْنُ. ولو كانَ العِلمُ بتفصيل الأعمال واجباً لبينه لأُمَّتِه؛ لأنَّه مُبيِّن لما هو مُتعَيِّن في ملتِه، ولَما وَقَعَ اختِلافُ المُجتهدين في فُروع شريعته.
الجزء 1 · صفحة 23
ولعل الحكمة في ذلك ما أشار إليه بقوله: «اختِلافُ أُمَّتِي رَحمَةٌ»، ذكرَه نَصْرُ المَقدِسي في «الحُجَّةِ»، والبَيْهَقِيُّ في «الرِّسالة الأشعرِيَّةِ» بغَيْرِ سَنَدٍ، وأورَدَه الحَلِيمِيُّ والقاضي حُسَين وإمامُ الحَرَمَينِ وغيرُهم، ولعلَّه خُرِّج في بعض كتُبِ الحُفَّاظِ التي لم تصل إلينا، كذا ذكرَه شَيخُ مَشايخنا جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ في «جامِعِه الصَّغير»)، وأَغْرَبَ المُلَّا مُحيي الدِّينِ في «رِسالته» حيثُ قالَ: ذكره الحافظ السُّيوطِيُّ في «جامِعِه الصَّغير» نقلاً من أصحابِ الصَّحاحِ»، وأنتَ ترَى أَنَّه لا يوجَدُ له سَنَدٌ ضَعِيفٌ، فَضْلاً أن يُنْسَبَ إلى أصحابِ الصّحاحِ» المُرادِ بهم أصحابُ الكُتُبِ السِّتَّةِ.
***
فصل
وقد كُرِهَ تكرار الجماعة عندنا، وبه قال مالك والشَّافِعِيُّ في الأَصحُ، خلافاً لأحمد، ثمَّ اختلَفَ عُلماؤنا: فكَرِهَه بعضُهم كراهة تحريم، ففي «الكافي»:
تكرار الجماعة لا يجوزُ، وفي شرح المنظومة» و «المجمع: لا يُباحُ، وفي شرح الجامع الصغير: بدعة، وفي بعض الكتب: يجوز تكرار الجماعة بلا أذان ولا إقامة ثانية اتفاقاً، وفي بعضها: إجماعاً بلا كراهة. قال في شرح الدُّرَرِ: وهو الصَّحيحُ، وقد رُوِيَ عن أبي يوسفَ أَنَّه لم يرَ بأساً في الصَّلاةِ في المَسجِدِ مَرَّةً بعدَ أُخرَى إذا لم يقُمِ الإمامُ في موضعِ الإمامِ الأَوَّلِ، وهذا هو الذي عليه العَمَلُ، فينبغي أن يكون هو المُعوّلَ.
وفي «القُنية»: أهلُ المَحلَّةِ قسموا المسجد، وضربوا فيه حائطاً، ولكل منهم إمام على حِدَةٍ، ومُؤَذِّنُهم واحدٌ لا بأسَ به انتهى
وهذا أقرَبُ الرّوايات إلى صنيع القَومِ اليوم، فإنَّ الجِهاتِ الأربع بمنزلة مساجد، ولهذا قال الله تعالى في حق المسجد الحرام: إِنَّمَا. د الحرامِ: وَإِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ) [التوبة: 18]، بصيغة الجمع.
الجزء 1 · صفحة 24
هذا، وقد صُرَّحَ في «المجمع» وشروحه نقلا عن المشايخ من أنَّ الصَّلاةَ معَ الجَماعةِ الثَّانية في مسجد له جماعة خاصة بتكرار الأذان والإقامة مكروهة، وأما المسجد على الشارع، أو المسجد الجامع فيرد عليه ناس بعد ناس فلا كراهة في التكرار ولو بجماعة كثيرة.
وقال شارح «المُنيةِ»: هذا عندَهما، وأمَّا عند أبي حنيفة: لو كانت الجماعةُ الثَّانيةُ أكثر من ثلاثة يُكرَهُ التكرار، وإلا فلا وعن أبي يوسف: إذا لم تكُن على هيئة الأولى لا تكره، وهو الصَّحيحُ، وبالعدول عن المحراب تختلفُ الهيئة، كذا في «البزازِيَّة»، وهذا كله إذا كانَ تكرار الجماعةِ على مَذهَبٍ واحدٍ.
وأمَّا إذا تكرّرَتِ الجَماعةُ لاختلافِ الأئمة فلا وجه للكراهة أصلاً، ولا سمعنا في المسألَةِ نَقْلاً، وأمَّا دَعوى بعضهم من أنّه قد أجمَعُ العلماء من المذاهب الأربعةِ علي گراهته، بل على حُرمتِه؛ فباطلة، ليس تحتها طائِلَةٌ، ومن المعلومِ أنَّ الأصل في كلِّ مسألة هو الصِّحَّةُ، وأمَّا القَولُ بالفَسادِ أو الكراهة فيَحتاجُ إلى حُجَّةٍ من الكتاب
والسُّنَّة وإجماع الأمَّةِ، فمَن ادَّعى إثبات هذا الشَّانِ، فعليه بالبَيانِ فِي مَيدانِ التَّنْبِيانِ. وما أبعد من قال بكراهةِ التَّكرارِ وشدَّدَ فيه الإنكار، وجعله في حكم مسجدِ الضّرارِ، وهذا جهل منه بعلم التفسير، وما قصد أهل ذلك المسجدِ من الفَسادِ والنَّكَيرِ.
الجزء 1 · صفحة 25
وقد أجمَعَ العُلماءُ على استحباب تعدُّدِ المَساجِدِ فِي المَحِلَّاتِ؛ ليَسَعَهم الاجتماع في سائر الحالات، وإنَّما قُلْنَا: الكراهة محمولة على تكرارِ الجَماعةِ إذا لم تكُن على وجهِ المُخالَفَةِ بخِلافِ ما ابتلي به أهلُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهم من اختِلافِ الإمامين، فإنَّ الكلامَ فيه مُحتاج إلى تفصيل يدفَعُ النّزاعِ من البَيْنِ. فاعلَمْ أَنَّه لم يكُنْ تعدُّدُ الجَماعةِ في الأزمنة السَّابِقَةِ لَعَدَمِ ظُهورِ التَّعَصُّبِ في علماء الأمة، فكانَ الإمام في المسجدِ الحرامِ وسائِرِ المُقَعِ العِظامِ، إِمَّا حَنَفِيَّاً أو مالِكِيَّاً بحسَبِ غالب الأنام، والقليلُ يَتَّبِعُ الكثير في تلكَ الأَيَّامِ، ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَ الشَّافِعِيُّ وانتَشَرَ مَذهَبُه في بعض الأماكِنِ الكِرامِ وغَلَبَت أتباعه على غَيْرِهِم إِمَّا كَثرَةً أَو شَوْكَةً قدَّمُوا إمامهم منهم وَفْقَ مَرامِهم فيهم، وكانَ يقتدي به مَن وُجِدَ من غَيْرِهم، واستَمَرَّ الأَمرُ على ذلك إلى أن نشأ التَّعصُّبُ من الطَّرَفين هنالك.
حتّى قال بعضُهم: تُكرَهُ الصَّلاةُ خَلْفَ المُخالفِ، ولو راعى المذاهب، وقال بعضُهم: لا يصح في جميع المراتبِ، فنشَأَ الاختِلافُ على هذا الخِلافِ، فاختارَ كُلُّ طائفة أن يُصلِّيَ معَ مَن يُوافِقُه في المَذهَبِ، ويُلائِمُه فِي المَشْرَبِ، فهذا وإِن كَانَ بِدعَةٌ إلا أَنَّها حَسَنةٌ، وبحَسَبِ النُّقولِ المُتفاوِيَّةِ فِي مَرَاتِبِ العُقولِ مُستَحْسَنةٌ.
وقد رُوِيَ عن ابن مسعود: ما رَآه المُسلِمُونَ حَسَناً فهو عندَ اللهِ حَسَن، وممَّا يدلُّ على استحسانِ هذا التَّعدُّدِ أَنَّه لو استَمَرَّ التَّفَرُّدُ، ورَأى بعضُ الحنفيَّةِ إمامَ الشَّافعيَّةِ أَنَّه رَعَفَ ولم يتوَضَّأُ استَنْكَفَ وصَلَّى مُنفَرِداً، إمَّا في المسجد، وهو محذورُ الظَّاهِرِ؛
الجزء 1 · صفحة 26
للتّشبه بالمُعتَزِلة، أو في بيته، وهو محظور؛ لأنَّه يكونُ تاركاً للجَماعةِ المَسنونة. وكذا إذا رأى شافعِيٌّ إمامَ الحَنَفِيّ أَنَّه لَمسَ امرأةً ولم يتوضأ استَنْكَفَ، وجَرَى أَحَدُ المُنكَرَينِ المَذكورَينِ؛ أَي الصَّلاةُ مُنفَرِداً في المَسجِدِ أو في بيته. فبهذا تبيَّنَ أَنَّ هَذا رَحمةُ بالنِّسبة إلى عُمُومِ الأُمَّةِ، واندَفَعَ قولُ المُلَّا رَحمةُ اللهِ رحمه الله: أنَّ هذا الوَجهَ الذي يُصَلُّون عليه في الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ مَكروه بالاتِّفَاقِ، اللَّهُمَّ إلا أن يُريد بالكراهة التنزيهيَّةَ المُعبَّر عنها بأنَّها خِلافُ الأُولى، فإِنَّ الأولى من جهة الآخرةِ والأُولى أن يتَّفِقَ المُسلمون على إمامٍ واحدٍ يكونُ أقرأ وأعلَمَ وأَوْرَعَ وأَحْسَنَ مُراعِياً لمَواضِعِ الخِلافِ قَدْرَ ما أمكن، ولكنَّ مثل هذا الأمرِ مُتَعسر، بل مُتَعذِّرٌ، لظهور أهلِ البطلانِ في هذا الشَّأْنِ، حيثُ يأخذونَ المَناصِبَ العالية من غيرِ استحقاق في القضيَّة، فترى واحِداً منهم يتَقَدَّمُ ويَضَعُ اليُسْرَى على اليُمْنَى، إِمَّا جَهالَةً بالمَسألة، وإمَّا غَفلَةً في تلك الحالة، ورُبَّما يكونُ أمَرَدَ صَبِيحَ الوَجهِ والمَلَاحَةِ وأَمْثَالِ ذلك طلباً للوظيفَةِ المُحرَّمةِ هُنالك.
وأَمَّا قَولُ رَحمةِ الله: إِنَّ الانفِرادَ أَفضَلُ من هذه الجماعة المكروهة؛ فما أبعده عن التحقيق، فإنَّه كيفَ تُتَرَكُ السُّنَّةُ المُؤَكَّدة، بل الواجبةُ، بل فَرْضُ الكِفاية، بل فَرْضُ العين على الأعيانِ؛ لكونه من شَعائِرِ أهلِ الإيمانِ، لوقوع تكرارِ الجَماعةِ من أهلِ العلم والإتقان؟!
الجزء 1 · صفحة 27
وأي محذورٍ في ذلك؟ وأي مَحظُورٍ يترتب على ما هنالك؟ حتَّى يكونَ الانفراد المُحرَّمُ الذي هو أقوَى المُنكَراتِ، ومن شعائرِ أهل البدع والنِّفاقِ وأرباب البطالاتِ أفضَلَ من تكثيرِ الطَّاعاتِ وتعُدُّدِ الجَماعاتِ، لا سيما إذا اهْتَدَى كُلُّ طائفةٍ خَلْفَ اختار من الأئمة، والله ولي دينه، وناصِرُ سَنَّة نبيه.
فصل
واعلَمْ أَنَّه لا تُوجَدُ الصَّلاةُ بلا كراهة في هذه المُدَّةِ مَعَ أحدٍ من الأئمَّةِ أعم من أن يكون من الجَماعةِ المُوافقة، أو من الطَّائفة المُخالفة، لكِنْ لا يُقالُ: إِنَّ الانفِرادَ أَوْلى؛ لأنَّه يُؤَدِّي إِلى تَرْكِ شَعائِرِ الإسلامِ الذي أجمَعَ العُلماء الأعلامُ أَنَّه فَرْضٌ على الأَنامِ، فإذا كانَ الأمر كذلك، فالمَخْلَصُ عن الاختِلافِ فيما هنالك أن يُصلِّيَ كلُّ صاحبِ مَذهَبِ مَعَ إِمَامٍ يُوافِقُه، ويُراعي شَرائط مَذهبه، وفَرائضَه وسُنَنَه وآدابه. وأمَّا القَولُ بأنَّه على تقدير تعدُّدِ الجَماعةِ فالاقتداء بالأُولى أَوْلى، فلا يصح على إطلاقه، فإنَّه لو فُرِضَ إمامانِ حَنَفَيَّانِ ويُصلِّي أحدهما في الصُّبحِ من الغَبَشِ، وثانيهما يُؤَخِّرُ إلى الإسفارِ، فإنَّ الاقتداء بالثَّاني أولى، كما لا يخفى على العُلماءِ الأبرار، حيثُ رَاعَى سُنَّةَ سيّد الأخيار، وهو قوله: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ؛ فَإِنَّه أَعظَمُ للأجرِ». رواه الترمذي والنَّسَائِيُّ وابنُ حِبَّانَ عن رافع.
الجزء 1 · صفحة 28
وهو لا يُنافي قوله: «أَوَّلُ الوَقتِ رِضوانُ اللهِ؛ لأنَّ المُرادَ بِه أَوَّلُ الوقت المُختارِ جمعاً بين الأخبار، وبهذا يندَفِعُ قَولُ بعض علمائنا المائل إلى أنَّ الجَماعةَ الأُولى أولى مُطلَقاً، حيثُ علل بأنَّ اللهَ تعالى مَدَحَ الأنبياء بأَنَّهم كانوا يُسارِعُونَ في الخيراتِ والوَقتُ سيف قاطع، والعُمرُ لا اعتماد عليه، والمُؤمِنُ ينبغي له أن يحسب كلَّ نَفَسٍ من أنفاسه آخرَ عَهدِه من الدُّنيا، ويعْتَنِمَ عافيتَه وعَدَمَ حُلولِ المانع بينه وبين أداء ما فَرَضَ اللهُ عليه.
وفي التأخيرِ آفات، وقد غَفَلَ عَمَّا وَرَدَ في مَذهبه من الروايةِ، وذَهَلَ عَمَّا جاء في تأخير بعض الصَّلوات من الدراية، كالحديثِ المُتَقَدِّم، وكحديثِ: أبرِدُوا بالظهرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فَيحِ جَهَنَّمَ». أَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ من المُخَرِّجين عن جماعة من الصَّحابة.
وكحديثِ: «لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي لأخَّرتُ صلاةَ العِشاء إلى ثُلُثِ اللَّيلِ. رَواهُ جَماعةٌ. على أنَّه قد وَرَدَ: «القاعِدُ في المسجدِ ينتَظِرُ الصَّلاة كالقانِتِ. رَواهُ ابنُ المُبارَكِ.
الجزء 1 · صفحة 29
والحاصِلُ: أَنَّ أَئِمَّتَنا اختارُوا تأخير صلاتهم عن الشَّافعيّة؛ لهذه الأحاديثِ الوارِدَةِ في القَضِيَّةِ، وكذا في العَصرِ؛ لأنَّ في تأخيره خُروجاً عن خلاف في تعيين وقته، بخلافِ صلاةِ المَغرِبِ، فإنَّ أفضَلَ أوقاتِها أَوَّلُها إجماعاً، بل إنَّ وَقتَه مُضَيَّقٌ في مذهب الشافعي كذلك، ولهذا أكابر المالكيَّةِ يقتَدُونَ بالحنفية في المغرب، والشَّافعيَّةُ لتَعَصُّبِهم ما يُراعُونَ أفضليَّةَ الوَقتِ هنا، ولا الخُروج عن الخِلافِ مَعَ أَنَّه مُستَحَبُّ بالإجماع. فالعَجَبُ كلُّ العَجَبِ من بعض الحنفية حيثُ أَطلَقُوا: بأنَّ الجَمَاعَةَ الأُولى هي الأولى مُستدِلِّين بقوله: (إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إِلا المَكتوبةُ». رَواهُ مُسلِمٌ والأربعةُ عن أبي هريرة، ولم يَدرُوا أَنَّه مَحمُولٌ على نفي الكَمالِ لا على نَفْيِ الصَّحَّةِ، وأنَّ محلَّه إذا كانَ يخافُ فَوْتَ الجَمَاعَةِ بِالكُليَّةِ كما صَرَّحَ به في «الهداية»، وأمَّا إذا أمكنه أن يُصلِّيَ سنةَ الفَجرِ ويُدرِكَ الركعة الثانية، بل التَشَهدَ فيُصلِّيها ثم يقتَدِي. والحاصل كما قالَ ابنُ الهُمامِ أَنَّه: إذا أمكنَ الجَمعُ بينَ الفَضيلَتَينِ ارتكَبَ الأرجَحَ، وفَضيلَةُ الفَرْضِ بِجَمَاعَةٍ أَعظَمُ من فَضيلَةِ رَكَعَتَي الفَجْرِ؛ لأنَّها تفضُلُ الفَرْضَ مُنفَرِداً بسبع وعشرين ضعفاً، لا تبلغ ركعتا الفَجْرِ ضِعْفاً واحداً منها؛ لأنَّها أضعافُ الفَرْضِ، والوعيدُ على التَّركِ للجماعةِ أَلزَمُ منه على ركعتي الفَجْرِ، انتهى. ولا يخفى أنَّه إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ إلا أنّها ليسَتْ على وَجْهِ السُّنَّةِ، بل على جِهَةِ الكراهَةِ، ويُتَوَفَّعُ إقامةُ الصَّلاةِ على وَجْهِ الفَضيلةِ، فلا يُكرَهُ تأخيرها لإدراك ما هو الأكمل، فتأمل.
الجزء 1 · صفحة 30
ويُؤيده ما في «التَّجنيس»: مسجِدٌ دَخَلَ بعضُ أَهْلِه فَأَذَنُوا وأقاموا فيه على المُخافَتَةِ، ثمَّ حَضَرَ الباقون لهم أن يُصَلُّوا بجماعة؛ لأنَّها ما أُقِيمَتْ على وَجْهِ السُّنَّةِ بإظهار الأذانِ، فلم يبطل حَقُّ الباقين، انتهى.
وأما ما في «الخلاصة»: ويُكرَهُ التَّطوُّع في مسجد والنَّاسُ في المكتوبة؛ فمحمول على أنَّه إذا كانتِ الجَماعةُ غيرَ مُتعدّدَةٍ؛ لأنَّ فيه الإعراض عن الجماعة وشُبهة مُشابهة أهل البدع، بل الأولى في حقه بعد إقامَةِ الصُّبحِ أن يُصَلِّيَ التَّطوُّعَ في بيته، أو على باب المسجد، أو في أواخر المسجد، أو وَراءَ أُسطوانة، بحيثُ لم يطلع عليه كلُّ أحدٍ؛ لأنَّه أبعد عن التُّهمَةِ.
وأمَّا إذا كانتِ الأئمَّةُ مُتعدّدة والمَذاهِبُ مُختلِفةً فلا يُتوَهَّمُ ذلك، فيستوي أن يُصَلِّيَ عندَ إقامة المُخالِفِ، ويقعُدَ مُنتَظِراً لإقامة المُوافقِ، واللهُ المُوفِّقُ.
***
فصل
أغرَبَ بعضُ عُلمائِنا أنَّه ذكر ههنا عن بعض أَئِمَّتِنا: أَنَّه إِذا شَرَعَ في الفَرْضِ وأُقيمَتِ الجَماعةُ يقطَعُ ويَدخُلُ معَهم.
ففي «الحَدَّادي»: صلَّى من الفَجْرِ ركعة ثمَّ أُقيمَتْ، يقطعُ ويدخُلُ معهم، وكذا إذا قام إلى الثانية قبل أن يُقيَّدَها بسَجْدَةٍ؛ فَإِنَّه يقطَعُ لأَنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذا أتى أحَدُكم الصَّلاةَ والإمام على حالٍ فليَصْنَعْ كما يصنَعُ الإمام». رواه مسلم والترمذي عن عليّ ومُعاذ رضي الله عنهما. انتهى. ولا يخفَى أَنَّهُ لا دَخْلَ له لما هنا، فإنَّ المَعنى: مَن شَرَعَ في فرضِ مُنفَرِداً و أُقِيمَت الجماعةُ يجوز أن يقطَعَ ويدخُلَ معَهم ليُدرِكَ فضيلةَ الجَماعةِ بِقَطْعِها.
الجزء 1 · صفحة 31
قال صاحِبُ «الهداية»: وهذا القطعُ للإكمال؛ يعني: هو تفويتُ وَصفِ الفَرضِيَّةِ لتحصيله بوَجهِ أكمَلَ في القَضيَّةِ، فصارَ كمَن هَدَمَ مَسجِداً خَراباً ليبنيه جديداً، وإلا فقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ} [محمد: 33].
ومنه قالَ عُلماؤُنا: لزِمَ النَّفْلُ بالشُّروعِ، فإذا كانَ حكمُ الفَرْضِ هكذا فالنَّفْلُ بالأولى، إلا أنَّ محلَّه إذا خافَ فَوْتَ الجَماعةِ بالكُلّية.
وقد قال ابنُ الهُمامِ: جَوابُ المسألة مُقيّد بما إذا اتحد مسجِدُهما، فلو كانَ يُصلي في البيت مثلاً، فأُقيمَتِ الصَّلاةُ في المسجد، أو مَسجد فأُقيمَتِ الصَّلاة في مسجد آخر؛ لا يقطعُ مطلقاً، ذكره المرغيناني.
***
فصل
خُلاصَةُ الكلام في هذا المَقامِ: أَنَّه لم يرد عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلام، ولا عن أحدٍ من أصحابه الكرام، ولا عن أحدٍ من الأئمة الأعلام، أنَّه لا يجوزُ الاقتداء بالمُخالفِ، أو يُكرَهُ، بل وَرَدَ: صَلُّوا خَلْفَ كُلَّ بَر وفاجر»، وهو بظاهرِه يُفيدُ التّعميم، وإِنَّما
وَقَعَ اختِلافُ مشايخ الإسلامِ بحَسَبِ ما ظهر لهم من الرَّأيِ في هذا المَرامِ. ولا يَبعُد أن يُجمَعَ بينَ ما وقع لهم من مُتفَرِّقاتِ الرِّواياتِ بِحَسَبِ اختِلافِ الحالاتِ، أو أن يُقالَ: مَن قالَ بِعَدَمِ الجَوازِ أرادَ من غيرِ الكَراهَةِ، ومَن قالَ بالكَراهَةِ أرادَ التَّرهَ المُعبَّر عنه بخِلافِ الأولى، أو محمولٌ على أَنَّه إِذا شَاهَدَ من المُخالفِ ما يعتَقِدُ المُقتدي فَساد صلاتِه، فإنَّ المذهَبَ الصَّحيحَ الذي عليه الجمهورُ هو أنَّ العِبَرَةَ في جَوازِ الصَّلاةِ وعَدَمِه لَرَأْيِ المُقتَدي في حق نفسه، لا لرأْي إمامِه، فإِنْ صلَّى به يعيدُ كما صَرَّحَ به الصَّدرُ الشَّهِيدُ.
وأمَّا إذا شاهَدَ من الإمامِ ما يُفْسِدُ الصَّلاةَ عندَه دونَ المُقتَدي، كمَسِّ المرأةِ
والذَّكَرِ، فالأكثر على أنَّه يجوزُ، وهو الأصحُ.
الجزء 1 · صفحة 32
ومختار الهندواني وجماعة: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ اعتقاد الإمامِ أنَّه ليس في الصَّلاة، ولا بناء على المعدوم.
ثمَّ هذا كله في الفرائض، وأمَّا النَّوافِلُ فأَمرُها أَوسَعُ من جهةِ الرّوايةِ والدراية، ولم أرَ مَن صَرَّحَ بالمَنعِ أو الكراهة، بل في المُتونِ المُصَحَّحَةِ ورَدَتِ العباراتُ المُصَرِّحةُ بأنه: يجوز اقتداءُ المُتَنَفِّلِ بالمُفتِرِضِ، والنَّفْلُ يَسْمَلُ السُّنَنَ المُؤَكَّدة والمُستحبَّةَ، كما يدلُّ عليه المُقابلة.
وقد سَمِعتُ شَيخنا بدرَ الدِّينِ الشَّهَاوِي الحَنَفَيِّ، المُفتي بالحَرَمِ المَكِّيُّ: أَنَّ الاقتِداءَ نَفْلاً لا يُكرَه أصلاً، وأما ما ذكره رحمه الله - رحمه الله ـ من أَنَّه لا يخلو عن الفَسادِ أو الكراهة؛ فغَيْرُ مُطابق للرواية، ولا مُوافق للدراية.
***
فصل
وأنا أُبيّنُ لك تفصيلاً حَسَناً في هذه المسألة ممَّا ينبغي أن يَفْعَلَ الحنفِيُّ معَ
الشَّافعيّ في الصَّلواتِ الخَمْسِ، واحِدَةً بعدَ واحِدَةٍ.
أما صلاةُ الصُّبحِ: فالأولى في حقه كما في حقِّ غَيره أن يُصلِّيَ السُّنَّةَ في بيته، ثم يدخُلُ المسجد ويشرَعُ في الطُّوافِ إن قدر عليه، وإلا فيدخُلُ المَسجِدَ ويُصلّي السُّنَّةَ؛ ليقومَ مَقامَ التَّحِيَّةِ، ويقعد بعيداً عن صفّ الشَّافعيّةِ؛ لئَلَّا يكون قاطعاً عليهم ما يتعلق باتّصالِ الصَّفُ من الفَضيلةِ، وظاهِرُ إطلاقاتِ الرّوايات: أنَّه يجوز أن يقتدي بالشافعي في سُنَّةَ الفَجرِ، إلا أنَّ الأظهَرَ أَنَّه لا يخلو عن كراهة؛ لأنَّها أقوَى السُّنَنِ، بل قيلَ: إنَّها واجبة.
ويُؤَيَّده ما رواه الحسَنُ عن أبي حنيفة: لو صلاها قاعِداً من غَيرِ عُدْرٍ: لا يجوز، وقالوا: العالِمُ إذا صارَ مَرجعاً للفتوى جازَ له تركُ سائرِ السُّنَنِ لحاجة النَّاسِ إِلا سُنَّةَ الفَجْرِ؛ لأَنَّها أَقوَى السُّنَنِ؛ أي: فتكون قريباً من الواجب.
الجزء 1 · صفحة 33
وأما ما يفعله بعضُ مَن يدعي أنه من الفُضَلاء أو يُتَوَهَّمُ أَنَّه من الفُقَهَاءِ من الاقتداء بالشَّافعيّة أولاً بالفَرْضِ، ثمَّ يُعيده مع الحنفي، ويظُنُّ أنَّه أَوْلى، وأنه في المَقامِ الأعلى؛ فَوَهُمُ منه وغَفْلَةٌ عن الرواية والدراية، فإنَّه لا يخلو كل واحدة من صلاتيه عن الكراهة.
أمَّا الأُولى: فلِكَونِ إمامِه مُخالفاً غيرَ مُراعٍ، ومع هذا تارِكٌ للإسفار (2) الذي صح في حقه الفضيلة.
وأمَّا الثَّانيةُ: فلأنَّها إما إعادَةٌ للفَرْضِ، وإمَّا على وَجهِ النَّفْلِ، وَكِلاهُما مكروه عندنا.
أمَّا دليلُ الأَوَّلِ: فما رواه أبو داود والنسائي عن سُليمانَ بنِ يَسَارٍ قَالَ: أَتيتُ ابنَ عمر على البلاطة، وهم يُصَلُّونَ، قلتُ: الا تصلي معهم، قال: قد صَلَّيتُ، إِنِّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُصَلُّوا صلاة في يوم مرتين.
ورَوَى مالكٌ في «المُوطَّأَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: إلي أصلي في بيتي ثُمَّ أُدركُ الصَّلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال ابن عمر: نعم، قال: فهذا من ابنِ عُمَرَ دليلٌ على أنَّ الذي رُوِيَ عن سُليمانَ بنِ يَسَارٍ عنه إنَّما أَرادَ كِلتاهما على وَجْهِ الفَرْضِ، أو إذا صلَّى جَمَاعَةً فلا يُعيدُ، انتهى. ولا يبعد أن يُراد بالنَّفي إعادةُ الصَّلاةِ نَفْلاً إِذا كانَ الوَقْتُ مَكَرُوها كصلاة الصُّبحِ والعَصْرِ، وبالجَوازِ إذا كانَ الوَقتُ غيرَ مَكروه كالظُّهرِ والعِشَاءِ. ويُؤَيَّده ما رَواهُ ابنُ أَبي شَيْبَةَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قالَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنه: لا يُصَلَّى بعدَ صَلاةٍ مثلُها، وفي رواية عن ابن مسعودٍ: لا يُصَلَّى على إثرِ صَلاةٍ مثلها.
الجزء 1 · صفحة 34
قالَ ابنُ الهُمام: وفيه نَفْيٌّ لقَولِ الشَّافعيّة بإباحةِ الإعادَةِ مُطلَقاً، وإِن صَلَّاها في جماعة، وقد رَوَى أبو دوادَ والترمذي والنسائي عن يزيد بن الأسود قالَ: شَهِدْتُ معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الوَداع، فصليتُ معَه الصُّبحَ في مسجدِ الخِيفِ، فلما قضَى الصَّلاةَ إذا هو برَجُلَينِ في آخرِ القَومِ ولم يُصلِّيا مَعَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فقال: «علَيَّ بهما، فأتيتُ بهما تَرْعُدُ فرائِصُهما، قالَ: «ما مَنَعَكُما أن تُصلَّيا معنا؟»، قالا: يا رسول الله! إِنَّا كُنَّا صَلَّينا في رِحالِنا، قالَ: «فلا تَفْعَلا، إذا صَلَّيْتُما في رِحالِكُما ثمَّ أتيتُما مسجِدَ جَماعةٍ فصَلِّيا معهم؛ فإنَّه لكُما نافلةٌ». رواه الترمذي، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ قال ابن الهمام: إلا أن النهي عن النقل بعدَ فَرْضِ الصُّبح، وعَدَمَ مَشروعية النفل بالوثر، ومُخالفة الإمامِ اللَّازِمِ بزيادةِ رَكعةٍ في المغربِ، عارَضَ إِطلاقه ومَوْرِدَه، فبقيَ في الظهرِ والعِشاء سالماً عن المُعارِضِ، فيُعْمَلُ به في الوَقتَينِ فقط. وأما دليلُ الثَّانية - وهي أداء النافلة في الأوقاتِ المَكروهَةِ: فَأَشهَرُ ممَّا يُذكَرُ، وأكثَرُ ممَّا يُحصَرُ، وَأَمَّا قَوْلُ بعضهم: أنا أُصَلِّي الفَرْضَ مَعَ الشَّافِعِيِّ، وهو صَلاةٌ أُديت مع الكراهة، ثمَّ أُعيدُها؛ فما أبعده عن الفقه؛ لأنهم قالوا: كلَّ صَلاةٍ أُديت على وجهِ الكَراهَةِ تُعاد على غير وجه الكراهة، والإعادة في وقتِ الكَرامَةِ أَشدُّ من كلّ كراهةٍ، على أنَّ مُرادَهم تقَعُ منه كراهةٌ بغَيْرِ اختياره، يُعيدُها جبراً لانكساره، وليس معناه أن يتعمد الكراهة، ثمَّ يُعِيدُها لَدَفْعِ المَلالَةِ، فَإِنَّ مثله حينَئِذٍ مثلُ مَن لَطَّخَ نفسه أو ثوبه بالنَّجاسة، ثمّ يشتغل بعده بالطَّهارة، ثمَّ أقل مراتبِ الكَراهَةِ أن يكون تركها أَوْلى من فِعْلِها.
الجزء 1 · صفحة 35
والحاصِلُ: أَنَّ الشُّروع في الصَّلاةِ مع احتمالِ الفَسادِ أو الكراهة في غاية من القباحة؛ لما فيه من تعريض العَمَلِ على البطلان أو النقصانِ، فتعيَّنَ عنه الاحترازُ في هذا الزَّمانِ، لا سيما لأربابِ العِلْمِ وأصحابِ الشَّانِ.
وأما صلاة الظهر فالأولى في حقِّ الحَنَفِيٌّ أَن يُصَلِّيَ السُّنَّةَ المُؤكِّدةَ مُفَرَدَةٌ، ثُمَّ يقتدِيَ بِالشَّافِعِيِّ نفلاً؛ ليَخرُجَ عن عُهِدَةِ الكَراهَةِ ويُدرِكَ فضيلةَ الجَماعةِ، ويُشيرُ إليه قوله: «إذا صَلَّى أَحَدُكم في رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإمامَ فَلْيُصَلِّ؛ فإنَّها له نافِلةٌ». رواه أبو داود والحاكِمُ في «مُستَدرَكِه»، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ»، عن يزيدَ بنِ الأَسْوَدِ.
ولو اقتصر على أَنِ اقتَدَى السُّنَّةَ بِفَرْضِ الشَّافعيّ؛ فهو وَجْهُ وَجيه أيضاً، وكذا يُستَحْسَنُ إن اقتَدَى بالشَّافِعِي فَرْضاً، ثمَّ بالحنَفِيِّ نَفْلاً، وأَمَّا أَنَّه يُصَلِّي مَعَ الشَّافِعِيِّ فَرْضاً ويكتفي؛ فلا فضيلة فيه أصلاً، وإن كانَ عَمِلَ به بعضُ عُلمائِنا؛ إذ لا عِبَرَةَ بأفعالِ علماء هذا الزَّمانِ، لا سيّما وقد خالَفَهم جُمهورُ أهل هذا الشَّانِ.
ولو اكتفى أحد بالاقتداء بالحنَفِيّ فلا يُكرَهُ في حقه، وأما ما رواه مالك والشافعي والنسائي وابنُ حِبَّانَ في صحيحه عن مِحْجَنِ بنِ الأَدْرَع، عنه: أَنَّه قالَ: «إذا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وإن كنتَ قد صَلَّيتَ»، فمعناهُ: صَلِّ مَعَ الإمامِ نفلاً وإن كنتَ قد صَلَّيتَ الفَرْضَ في بيتك مُنفَرِداً، وذلك لئَلَّا يُشابِهَ المُنافِقِينَ ومَن في معناهم من المُبْتَدِعين في تركِ الجَماعةِ التي هي مَدارُ مَذهَبٍ أهلِ السُّنَّةِ. وقد وَرَدَ في روايةِ الطَّبَرَانِيٌّ في «الكبير» عن محجَنِ قال: «ما مَنَعَكَ أن تُصَلِّي معَ النَّاسِ؟ أَلَسْتَ برجُلٍ مُسلم؟ إِذا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِن كُنتَ قد صَلَّيتَ».
الجزء 1 · صفحة 36
وهذا كله لما كانتِ الجَماعةُ مُفرَدَةً، وأمَّا حيثُ وُجِدَت مُتَعدِّدةً وصلَّى معَ الأولى أو الثَّانية، فالمَلامَةُ عنه مرفوعة، والمَذَمَّةُ عنه مدفوعةٌ بالكُلّية.
وأما صَلاةُ العَصْرِ:
فسُنَّةٌ قَبلَيَّتِه مُستحبَّةٌ، وهي قريبةٌ من النافلة، فينبغي أن يقتدِيَ فيها بالشَّافعيَّةِ، ثمَّ يُصلِّي الفَرْضَ مَعَ الحَنَفِيَّ، وعَكس هذا مُتعَذِّرٌ هنا لدخولِ وَقتِ الكَراهَةِ عندَنا. وأما ما كانَ يفعله بعضُ عُلمائنا من اقتداءِ الفَرْضِ بالشَّافعي أولاً؛ فمَحمولٌ على الجواز، لا أنَّه أفضَلُ كما توهَّمَ بعضُهم، فإنَّ العامَّةَ ما وافَقَتْهم، بل كَرِهُوا عَمَلُهم، واستَدَلُّوا به على نُقصانِ عِلمِهم، أو حَمَلوا على وُقوعِ ضَرورةٍ في حقهم، أو على تبيينِ الجَوازِ الغَيرِهم، ونحو ذلك ممَّا يُوجِبُ تحسينَ الظَّنِّ بهم. وأما ما أخرَجُه عبدُ الرَّزَّاقِ عن محجَنٍ قالَ: صَلَّيتُ الظُّهَرَ أو العَصْرَ في بيتي، ثمَّ جِئتُ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَلَستُ عندَه، فأُقيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ولم أُصَلِّ، فلما انصرف قالَ: «أَلَسْتَ بِمُسلِمِ؟» قُلتُ: بلى، قالَ: «فما بالك لم تُصَلِّ؟» قُلتُ: إِنِّي صَلَّيتُ في رَحْلي، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلِّ وإِن كُنتَ قد صَلَّيتَ؛ فمحمولٌ على ما تقدَّمَ.
والظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَ لغَيرِه، وعلى تقدير وقوعه منه وثُبوتِ فَرْضِ روايةِ العَصْرِ عنه؛ فجَوابه: أنَّه لعله قبل وُرودِ النَّهي عن النَّوافِلِ بَعدَ العَصْرِ.
وأَمَّا صَلاةُ المَغرب:
الجزء 1 · صفحة 37
فيتعيَّن أن يُصلِّيَ الفَرْضَ معَ الحنفي، ويمتَنِعُ مُطلَقاً أن يقتدِيَ بعده بالشَّافعي، أمَّا بنيَّةِ الفَرْضِ: فلما تقدَّمَ من كراهة الإعادةِ، وأمَّا بنيَّةِ النَّفْلِ: فقد صَرَّحَ قاضي خانَ في «شرح الجامع) بتَحريمِ النَّفْلِ بِثَلاثِ في المغرب، وكذا تحريم مُخالَفَةِ الإِمامِ إن ضَمَّ رابعة.
وما أبعدَ رَأْيِ مَن قالَ: نُقَلِّدُ مَذهَبَ الشَّافِعِي ونقتدي ثانياً حيثُ لا كراهَةً في الإعادة عندهم، ولم يدرِ هذا المسكينُ أنَّه إذا قلَّدَهم ولم يُراعِ جَميعَ شَرائِطِ صَلاتِهم، ولم يعتقد وُجوبَ فرائضهم، لم تصح صلاته، فهؤلاء هنالك كالمُذَبذبين
بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لكن إذا دخَلَ المَسجِدَ وفَرَغَ إمامُ الحَنَفِيَّ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ للإمامِ الشَّافعيّ فيقتَدِي به، ولا يُصلِّي مُنفَرِداً؛ إذ لا عِبْرَةً بِقَولِ مَن قال من الحنفيَّةِ والشَّافعيَّةِ أيضاً: إِنَّ الانفِرادَ أفضَلُ من الصَّلَاةِ خَلْفَ المُخالفِ، فَإِنَّه قول ساقط الاعتبار عند جميع العلماء الأبرار، ومعارض للكتابِ والسُّنَّةِ والآثارِ.
وأَمَّا صَلاةُ العِشَاءِ:
فسُنَتُه القَبْلِيَّةُ مُستَحَبَّةٌ، فالأولى أن يقتدي بالشَّافِعِيِّ بنِيَّةِ السُّنَّةِ أو النَّافِلة، أو بنيَّةٍ مُطلَقَةٍ؛ ليُدرِكَ فضيلة الجَماعةِ، ثمَّ يُصلِّي معَ الحنفي الفَريضَةَ، وممَّا يُستَأْنَسُ به في هذا المقامِ حديثُ مُعاذ رضيَ اللهُ عنه، فإنَّه كانَ يُصلِّي وراءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم العِشَاءَ ثُمَّ كَانَ يؤُمُّ به قومَه، فحَمَلَه عُلماؤُنا منهم الإمامُ الزِّيلَعِيُّ شَارِحُ الكَنْزِ»: أَنَّ صَلاتَه مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كانت نافلة، ومعَ قَومِه فَريضةً، وبهذا كانَ يجْمَعُ بينَ فَضيلةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وبين فضيلة إقامَةِ الجَماعةِ معَ قَومِه في المَقامِ.
الجزء 1 · صفحة 38
فالمراد بقوله: «إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبَةُ»، إِنَّما النهي عن الانفرادِ وفَوْتِ فَضيلةِ الجَماعةِ.
وما اختاره عُلماؤنا في تأويل الحديثِ المُتقَدِّمِ أَوْلى من حَمْلِ غَيْرِهم، على أَنَّه كَانَ يُصلِّي معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَرْضاً، ويَؤُمُّ بِقَومِه نفلاً، واستَدَلُّوا به على جَوازِ اقتِداءِ المُفتَرِضِ بالمُتنَفَّلِ، على أنَّه معَ وُجودِ الاحتمال لا يصح الاستدلال، ثمَّ حَمْلُ فِعْلِ الصحابي على المُتَفَقِ عليه أَوْلى من حَمْلِه على المُختَلَفِ فيه.
***
فصل
خُلاصَةُ الرّسالة وزُبدَةُ المَقالة: أنَّه يجوز الاقتداء بالشَّافِعِي إذا لم يُعلَمْ يقيناً منه العَمَلُ المُنافي للصَّلاةِ من غير كراهة، بالإجماع من عُمدَةِ أرباب النقولِ، وزُبدَةِ أصحابِ العُقولِ، وأنَّ الأفضل هو الاقتداء بالموافق، سواء تقدَّمَ أو تأخَّرَ، على ما استَحْسَنَه عامَّةُ المسلمين، وعَمِلَ به جمهور المؤمنين من أهل الحَرَمَينِ الشَّريفين، والقدس ومِصْرِ والشَّامِ وغيرها من بلاد الإسلام، ولا عبرة بمَن شَذَّ منهم وانفَرَدَ عنهم. وقد وَرَدَ عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن ابنِ عَمْرٍ: «أَنَّ اللَّهَ تعالى لا يَجْمَعُ أمني على ضلالة، ويدُ اللهِ معَ الجَماعةِ، ومَن شَدَّ شَدَّ إِلى النَّارِ، فاختلافهم رحمةٌ لا جَهالَةٌ، بخِلافِ اختِلافِ الأُمَمِ السَّالفةِ، فَإِنَّ احْتِلافَهم كانَ على ضَلالةٍ.
ثمَّ ومَن رَوَى: «اختِلافُ أُمَّتِي رَحمَةٌ»، فَمَعْنَى قَولِه تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ؛ أي: اختلافاً يُوجِبُ النِّعْمَةَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود: ??? - ???]، من هذه الأُمة.
فإِنَّ اختلافهم يقتضي الرَّحمةَ، ويتَرتَّبُ عليه مَزيدُ النِّعمةِ؛ إذ رُبَّما يُريدُ أحدٌ منهم الصَّلاةَ في أوَّلِ وَقتِها، ويريدها الآخَرُ في أفضل ساعاتها.
الجزء 1 · صفحة 39
ورُبَّما يكونُ أَحَدٌ حاضِراً فيُصلِّي معَ الإمامِ الأَوَّلِ، ورُبَّما يكونُ غائباً فيُصلِّي مع الإمام الأخير، فيُدرِكُ كل ثواب الجماعة، ورُبما يُرجعُ الاقتداء بالإمام المتقدم) فيُقَدِّمُ، ورُبَّما يرى الاقتداء بالإمام المُتأخر أولى فيُؤَخِّرُ.
فكل يُثاب على قصدِه فَتَدَبَّرْ، ودَعْ كثرةَ التَّعَصُّبِ، وَقِلَةَ التَّأْذُبِ، فَإِنَّ الأَئمّةَ المُجتهدين كلَّهم على سَبْقِ قَدَمٍ في الدِّينِ، وإنَّهم عُمدَةُ أَهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، والكُلُّ مُستَمْسِكُونَ بالكتابِ والسُّنَّةِ والصَّوابُ والخَطَأُ منهم مبهم) في حقهم غيرُ مقطوع بالنسبة إلى أحدهم، فرَضِيَ الله تعالى عنهم، وعن أتباعهم وأشياعهم إلى يومِ الدِّينِ، وسَلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.
والله أعلَمُ بالصَّوابِ، وله الحَمدُ والفَضْلُ والمَنَّةُ، وبه التوفيق والعِصمَةِ، الحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لَنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا اللهُ، وَصَلَاتُه وسَلامُه على سيدنا محمد، وسائر الأنبياء والمرسلين، وآله وأصحابه وسائِرِ المُؤمنين، إلى يومِ الحَشْرِ والدِّينِ.