الجزء 1 · صفحة 5
اعراب كلمة "اول" في حَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ في صحيح البخاري
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله
سألني بعض الكبراء عن حديث عن حديثِ البَرَاء، في بابِ الصَّلاةُ من الإيمانِ) في «كتاب البخاري»: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ ما قدم المدينة نزل على أجداده ... إلخ. حيث اتَّفقُ الشُّرَّاحُ وأرباب الحواشي على نصب (أوَّلَ)، واختلفوا في وجهه المقوَّلِ؛ فقال الزَّرْكَشِيُّ: نصبه على أنَّه خبرُ كان. وأنكر عليه البِرْمَاوِيُّ والقَسْطَلاني: بأنَّ هذا وهَمٌ لا يميل إليه فَهِمْ)؛ بل هو منصوب على الظرفية، وإِنَّ خبر كان قوله: (نزل) من الجملة الفعليَّة في محلّ النَّصبِ، بحسبِ اقتضاء العربيَّةِ. وكتبَ السَّائلُ، وهو صاحب الفضائل: أقولُ الوَهَمُ منهما، كما لا يخفى.
فأقولُ: لا خفاء عند أرباب الصَّفاءِ، أَنَّ نصبَ (أَوَّلَ) على الخبريَّةِ هو المتبادر إلى الخواطرِ الذَّهنيَّةِ، لكنَّه بالنَّظرِ إلى الإفادةِ الحُكميَّةِ في المقدِّماتِ الوَهْميَّةِ؛ إذ ليس المرام في هذا المقامِ كونه صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ ما قدم مدينة الإسلام، ولو تمحلنا وقوَّلْنا أَنَّ (ما) بمعنى (من) في مرتبة العام؛ لأنَّ المقدَّرَ من الكلامِ: أَنَّه عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ في حالِ قدومه و وقتِ نزوله في المدينةِ السَّكينة، كان نازلاً على أجداده؛ رِعايةً لصلةِ الرَّحِمِ الكائنين في بلاده، وهذا الجواب على طريق التلويح.
الجزء 1 · صفحة 7
وأما الإطنابُ على سبيل التوضيح، فبيانه: أنَّ (أَوَّلَ) إذا كان منصوباً على الخبريَّةِ، واسمه الضَّميرُ الرَّاجِعُ إلى الحضرة المصطفوية، وحملنا (ما) على المصدريَّةِ، يصيرُ التَّقدير: كان النبي الله صاحبُ السَّكينة أوَّلَ قدومه المدينة. ولا يخفى عدم صحة الحمل بين المحكوم والمحكوم عليه اللذين هما قبل دخول (كان) كانا مبتدأ وخبراً، ومسنَدَاً ومسنَدَاً إليه.
وإن حملنا (ما) على أنها موصولةٌ، فهي في الأكثر لغير ذوي العقولِ معمولةٌ. ولو تمحلنا وقلنا: إنَّها بمعنى (من) كما هي في بعض الكتب منقولةٌ، صحَ الحكم والحمل، وأفاد الإسنادُ، إِلَّا إِنَّه على خلافِ المراد؛ حيث يُفيدُ أَنَّه صلى الله عليه وسلم كان أوَّلَ مَن قدم المدينة، والحالُ أنَّ القادمين كثيرون من الصحابة المهاجرين قبله في تلك البقعةِ السَّكينة، فإذا كان الأمر كذلك، فتعيَّن كونُ (أَوَّلَ) منصوباً على الظَّرفيَّةِ، وتبيَّنَ جعل (ما) للمصدريَّة على وفق القواعد العربيَّة، وظهرَ وَهَمُ الزَّرْكَشي، وأمَّا وَهَمُ غيره، فلا يظهرُ وجهه، كما لا يخفى، ثم رأيتُ الدَّمَاميني أيضاً تبعهما. والله أعلم بحقيقة الوجهين، وحقيقة أمرهما، كتبه أفقر عبادِ الله الباري:
علي بن سلطان محمد القاري.
الجزء 1 · صفحة 8
الحمد الله لا يخفى على الضَّمير المنير، والقلبِ المستنير، أنَّ خُلاصةَ الرّسالة المرسلة في تحقيق هذه المسألة، هو: أنَّ قولَ الزَّرْكَشيِّ بنصبِ (أَوَّلَ) كلام، مع أَنَّه ليس له نفع تام. ثم قوله: خبر كان (نزل)؛ مبتدأ وخبر، كلامٌ مُنحَل، وهذا تأويل بعيد عن الفهم، ليرتفع عن الزَّرْكشي ما يتوجه إليه من الوهم، ولكمال بعده لم يمل إليه فَهم أكابر العلماء وفحول الفضلاء، على أنَّه ليس فيه ما يوجب الوهم للعارفين بالعبارة والإشارة، والبالغين مرتبة الفصاحة والبلاغة؛ لما تقرر في قاعدة عليها الاعتماد، من: أنَّ المراد لا يدفع الإيراد، وإنما يصح نسبة الوهم إلى جنابهم لو وجد خلل في خلال إعرابهم، مع أنه يكفي لهم مَخلصاً وحُجَّةً صِحَّةُ أَنْ يُقالَ: عبارة الزركشي موهمة، ثم تزيين العبارة بدون تحسين الإشارة، يُشبه تلبس الأغبياء بلبس الأغنياء. وإنَّما كتبتُ هذا الجواب، تعظيماً لذلك الجَنابِ، وإِلَّا فالدخيل في هذا البابِ لا يصلح للخطاب، والله أعلمُ بالصَّوابِ. كتبه أيضاً عفى عنه.
***