الجزء 1 · صفحة 7
أصول الجامع الكبير
تأليف
السلطان الإمام العالم العادل الأوحد الملك المعظم
شرف الدين أبي موسى عيسى
ابن سلطان الجليل الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شادي الحنفي
(توفي سنة 624 هـ)
اعتنى به: لجنة دار الهداية للبحوث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة الأقصى الشريف
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
كتاب الصلاة
أورد محمد رحمه الله هذا الباب على فصلين:
فصل في محاذاة المرأة الرجل في حرمة صلاة واحدة.
فصل في اقتداء المسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر، وإنما أورد الباب ليفرق بين اللاحق
والمسبوق، وبين اقتداء المسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر.
الجزء 1 · صفحة 9
أما الفصل الأول أن نقول: بأن محاذاة المرأة الرجل في حرمة صلاة واحدة وبقعة
الجزء 1 · صفحة 10
واحدة، والمرأة من أهل الشهوة توجب فساد صلاة الرجل لما روي أنه: «صلى بأنس ويتيم وأم سليم وراءهما، فلو لا أن محاذاة المرأة الرجل توجب فساد صلاة الرجل لما أخرها وذلك مع حرمة الوالد؛ لأن أم سليم كانت أم أنس خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري النجاري يكنى أبا حمزة كان مقدم النبي المدينة ابن عشرين سنة.
قيل: عاش مائة سنة وعشرين سنة.
وقيل: مائة وسبع سنين.
الجزء 1 · صفحة 11
وقيل: مات دون المائة.
ومات أنس على فرسخين من البصرة، وأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
ومع كراهية المنفرد خلف الصفوف ومع أن أحدهما كان يتيماً، واليتيم لا يبقى مع البلوغ، فوجب أن تفسد صلاته كما إذا تقدم أمام الإمام، وقال: «أخروهن من حيث أخر هن الله، فإن ايتمت به لا تفسد صلاته حتى ينوي إمامتها؛ لأن صلاتهم لا تصح من الإمام حتى ينوي إمامتهن لما قلنا: إنه نوع يدخل فساد الصلاة، ولا يصح إلا بالقضاء.
وشرط المحاذاة: أن لا يكون بينهما فاصل، وذلك بمقدار ما يقوم بينهما رجل. ثم فصل اللاحق: الأصل فيه: إن اللاحق فيها يقضي من العبادات كأنه خلف الإمام لوجود أمارات الاقتداء؛ ولأنه أدرك صلاة الإمام، فيعضي الأول فالأول فلا تجب عليه القراءة فيما يقضي، ولا يجب عليه سجدتا السهو.
والمسبوق كالمنفرد فيما يقضيه؛ لأن ما يقضيه أول صلاته؛ ولأنه تجب عليه القراءة وسجدتا السهو.
فإذا عرفت هذين الأصلين، قلنا: رجل صلى برجال ونساء فلما افتتح الصلاة أخذت رجل وامرأة، فذهبا يتوضئان، ثم جاؤوا قد صلى الإمام، فقاما يقضيان، فقامت المرأة
بحذاء الرجل فسدت صلاته وصلاتها تامة.
وكذلك لو قاما خلف الإمام، فقاما يقضيان ...
الجزء 1 · صفحة 12
ولو كانا مسبوقين لا توجب فساد صلاة الرجل.
فأما لو كان تحاذيا في الذهاب والرجوع لا تفسد صلاتهما؛ لأن الذهاب ليس من الصلاة، وإنما هو لإصلاح الصلاة، فصار كالطهور، وذلك لا يفسد بالمقارنة لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان النبي عليه السلام ينازعني الماء في الغسل، أو قالت: كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نتنازع الماء في إناء واحد.
الفصل الثاني: أن اقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت، ولا يجوز في غير الوقت؛ لأنه إذا دخل في الوقت تَحَوَّلَ فرضه أربعاً مع المتابعة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فلا تختلفوا على أئمتكم، حتى لو أفسد صلاته أو فسدت صلاتهم عاد فرضه إلى الركعتين؛ لأن الواجب هذا، وإنما لزمه التبع بما التزمه من الدخول، واقتداء المقيم بالمسافر، يجوز في الوقت وخارج الوقت. أما الأول: فإن المفترض لا يقتدي بالمتنقل سواء كان في القعدة أو القراءة.
أما القعدة فهي الأولى، والقراءة على المدرك في الأخيرتين.
مثاله: لو أدرك المسافر الإمام، وقد صلى ركعتين، فإن الركعتين الأخريين لا قراءة عليه فيهما، ولو أدركه في أول القضاء، فالقعدة على المسافر فرض، وعلى المقيم تطوع، فلذلك افترقا، وإنما بنى محمد رحمه الله مسائل الجامع على هذا الترتيب أن يفرق بين المجتمعين، ويجمع بين المفترقين، ويبين حقيقة الدين، فكم من مسألة يظنها القارئ تشبه مسألة، وهي تنافيها، وأخرى يظنها مباينة، وهي تناوبها.
الجزء 1 · صفحة 13
كتاب المستحاضة والذي لا ينقطع دمه
الأصل في المسائل أن المستحاضة كالطاهرة فيما يلزمها من العبادات إلا أنها تتوضاً لوقت كل صلاة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة ".
ثم توصل أصلاً أن المستحاضة ينتقض وضوءها بخروج الوقت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الوقت»،فلا يدخل غيره.
مثاله: إذا توضأت، وقد طلع الفجر انتقضت طهارتها بطلوع الشمس، ولو توضأت بعد طلوع الشمس لا ينتقض بالزوال.
وأصل آخر: أن طهارة المستحاضة ومن كان في معناها متى انتقضت بحدث تقدم لبس الخفين أو قارنه تمسح في الوقت، ولا تمسح خارج الوقت، ومتى انتقضت بحدث تأخر لبس الخفين تمسح تمام يوم وليلة إن كانت مقيمة، وإن كانت مسافرة تمسح ثلاثة أيام ولياليها.
والحاصل: أنه متى أدخلت رجليها في خفيها على طهارة كاملة تمسح كما يمسح الصحيح، وإن كانت طهارة ناقصة تمسح في الوقت، ولا تمسح خارج الوقت؛ لأن لها
وضوءين وانقطاعين، وهو ناقص وكامل.
والوضوء الكامل: أن تتوضأ وتلبس خفيها.
وحكمه: أن ينقطع عن دم سال، وعن دم يسيل في الوقت، ولا يضرها خارج الوقت
سال الدم أو لم يسل، ولها انقطاعان:
1 - انقطاع ناقص.
2 - وانقطاع كامل.
وحكمه: أن يوجب زوال العذر، ويمنع إيصال الدم الثاني بالدم الأول.
والناقص: أن ينقطع أقل من وقت صلاة كامل.
وحكمه: أن لا يوجب زوال العذر، ولا يمنع إيصال الدم الثاني بالدم الأول. وأصل آخر: أنه متى انتقضت طهارتها في الصلاة بخروج الوقت لا يجوز لها البناء؛
الجزء 1 · صفحة 14
لأنها استوفت مدة الرخصة، ووجب عليها الوضوء بحدث متقدم، فصار كأنها شرعت في الصلاة، وهي محدثة، فلا يجوز لها البناء، ومتى انتقضت طهارتها لا بخروج الوقت،
فإنها تبني؛ لأنه حدث سابق الصلاة. مثال ذلك: مستحاضة توضأت في وقت الطهر، والدم سائل، ثم انقطع قبل الشروع في الصلاة أو بعد الشروع قبل الفراغ منها جاز لها أن تصلي بذلك الوضوء ما شاءت في الوقت؛ لأن الوضوء طهرها للوقت، ولا تصلي خارج الوقت؛ لأن طهارتها ناقصة. ثم لو تم الانقطاع حتى دخل وقت المغرب تبين فساد صلاة الطهر؛ لأنها صلت في حكم المعذورة، ولم تكن كذلك؛ لأنه عبر عليها وقت صلاة كامل، وهي غير معذورة،
وهو وقت العصر. وأصل آخر: وهو أن الوضوء إذا كان للسيلان لا ينتقض بسيلان مثله، وينتقض بالحدث وخروج الوقت، والوضوء إذا كان للحدث ينتقض بحدث مثله، وبالسيلان ولا
ينتقض بخروج الوقت، فحصلت هذه المسائل على ثلاثة أوجه:
1 - في وجه: لا تبني، ولا تمسح.
2 - وفي وجه: تمسح ولا تبني.
3 - وفي وجه: تبني وتمسح.
أما الوجه الذي لا تمسح ولا تبني كما لو توضأت والدم سائل، ولبست خفيها والدم
سائل، ثم خرج الوقت، وهي في الصلاة لا تبني ولا تمسح. أما طهارتها فانتقضت بخروج الوقت ولا تمسح؛ لأن طهارتها انتقضت بحدث تقدم
لبس الخفين أو قارنه. وأما الوجه الذي تمسح ولا تبني كما إذا توضأت ولبست الخفين والدم منقطع، ثم
سال الدم، ثم خرج الوقت وهي في الصلاة لا يجوز لها البناء؛ لأن طهارتها انتقضت بخروج الوقت، ويجوز المسح؛ لأن طهارتها انقضت بحدوث تأخر عن لبس الخفين. وأما الوجه الذي تمسح وتبني كما إذا توضأت والدم منقطع، ولبست الخفين والدم
منقطع، ثم خرج الوقت والدم منقطع، ثم سال وهي في الصلاة جاز لها البناء؛ لأن طهارتها ما انقضت بخروج الوقت؛ لأنها كالصحيحة، ويجوز المسح؛ لأنها لبست خفيها على طهارة كاملة.
الجزء 1 · صفحة 15
باب السجدة
أورد محمد رحمه الله ليفرق بين إعادة السجدة في مجلس واحد وبين إعادتها في مجلسين، وليفرق بين سجدة تجب في حرمة الصلاة وبين سجدة تجب خارج الصلاة. وسجدة التلاوة واجبة عند أبي حنيفة، وتقضي إذا فاتت وهي تجب بأحد أمرين: إما بالسماع وإما بالتلاوة.
فأما السماع موجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: السجدة على من سمعها، و، والتلاوة موجبة لقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: السجدة على من تلاها، فكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عاماً، فإنه من تلاها سمعها أيضاً، وتكرار السجدة إنما يكون بأحد أمرين: إما باختلاف المجلس أو باختلاف آية السجدة.
وأصل هذا ما روي أن جبريل صلوات الله عليه كان يقرأ السجدة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يتلقن منه، ويقرأ على أصحابه، ولا يسجدون إلا مرة واحدة، وكان إذا قرأها مرة أخرى سجد، ولو لا ذلك لما وجبت السجدة في العمر إلا مرة واحدة.
وأصل آخر: أن مبنى السجدة على الاستتباع؛ لأن التلاوة بانفرادها موجبة، السماع با نفراده موجب، فإذا اجتمعا لا تجب إلا مرة واحدة لما ذكرت من تأويل خبر الرسل
إذا قرأ، فإنه يسمع، والقوي يستتبع الضعيف، والضعيف لا يستتبع القوي. وأصل آخر: وهو أن السجدة التي في الصلاة لا تؤدى خارج الصلاة؛ لأنها تصير من أفعال الصلاة، وأفعال الصلاة لا تؤدى خارج الصلاة، والتي وجبت خارج الصلاة لا تؤدى في الصلاة؛ لأن أفعال غير الصلاة لا تؤدى في الصلاة، فإن قرأ المصلي تبعاً وجبت للقراءة لا للسماع.
مثال ذلك: أن من قرأ في مكان واحد آية واحدة، وأعادها مراراً لا تجب إلا مرة واحدة سواء كان قائماً فقعد، أو قاعداً فقام إلا أن ينتقل، فتجب ثانياً إلا إذا قرأها وهو يصلي سائراً لا تجب إلا مرة واحدة؛ لأن الصلاة مجمع الوقت، فصار كموضع واحد، أو قرأها خارج الصلاة، ثم صلى أو قرأها وهو في الصلاة، ثم قرأها في الموضع بعد الفراغ من الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 16
وأما من سمع وهو في الصلاة من رجل خارج الصلاة تجب بعد الفراغ وإن سمعها الإمام من المأموم لا سجدة عليهما؛ لأنه مسيء.
باب من الطهارة في الوضوء والثوب
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين نجاسة حكمية وبين نجاسة حقيقية، ويفرق بين
النجاسة على الثوب، وبين النجاسة على البدن.
الأصل في هذا: أن النجاسة على ضربين:
1 - نجاسة حكمية.
2 - ونجاسة حقيقية.
فأما النجاسة الحكمية: فلا تتصور إلا على للبدن التكليف، والحقيقة تتصور عليهما. ثم النجاسة الحكمية لا تزول إلا بالماء المطلق لقوله عز وجل: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}، وذلك؛ لأنها تعبدية، وليست بحقيقية، فكان المراد الحكم، وذلك كوضوء الصلاة، وغسل الجنابة.
ويجوز الوضوء أيضاً بنبيذ التمر استحساناً.
وأما النجاسة الحقيقية: فمرئية تكون على الثوب والبدن سواء.
المراد: إزالة عينها.
فلا يفترق الحكم أن تزول بجميع المائعات ما خلا الادهان، فإنها لا تزيلها، بل تقرها؛ لأن المراد إزالة عينها، فبأي طريق أزيلت طهر؛ لأنه لا تعبد في الثوب.
وكذلك النجاسة بالكثيفة على الأجرام الصقيلة تزول بالمسح.
فالمراد: يحصل بأي طريق وجد لما روي أن المني كان يفرك عن ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأن المني جسم فيه نوع تغرية، فمتى جف زالت جميع رطوباته بسرعة، فينحات
عن الثوب، فعلم أن المراد إزالة النجاسة حقيقة، وذلك يزول بما ذكرت. وأما الحكم فيختلف، وذلك إذا كرر الثوب الطاهر في الماء والبدن الطاهر، فالثوب لا
يزيل طهارة الماء، والبدن يُزيل، وذلك لما ذكرت من التعبد في البدن، وليس في الثوب. مثال ذلك الثوب إذا غسل في آبار ثلاث وعصر ثلاث مرار طهر إلا أن ترى النجاسة
الجزء 1 · صفحة 17
إما أثر لا يزيله الماء وحده لا يضر. ولو نزل الجنب في ثلاثة آبار فسدهن، ولا يطهر ولو وضع الثوب النجس في كل بئر، وأخرج وعصر ثلاث دفعات طهر إذ زالت عين النجاسة، ولو نزلا في بئر رابع فبئر الثوب
طهور، وبئر البدن ينجس، ولا يطهر البدن. ولو وضعا وهما طاهران في بئر الثوب طهور وبئر البدن فسدت، وكل ما ينعصر لا
يطهر إلا بالعصر كالثوب والحصير وغير ذلك.
باب الصلاة وصلاة العيدين والتكبير فيهما وأيام التشريق
الأصل: أن المسبوق يتبع رأي نفسه فيما انفرد كما ذكرت، والمقضي عليه يتبع رأي إمامه؛ لأن المسبوق فيما يقضي منفرد، والمقتدي تبع للإمام. وأصل آخر: أن القاضي متى قضى في مختلف فيه نفذ قضاؤه وصار كالمتفق عليه،
ومتى قضى في متفق على بطلانه لا ينفذ قضاؤه. وأصل آخر: أن ما أمضي باجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله إذا تم اجتهاده. وأما إذا لم
الجزء 1 · صفحة 18
يتم اجتهاده ينقض.
وهذا أصل في الصلاة وقضاء القاضي في الحكومات. مثال الصلاة: إذا أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد يكبر تكبيرة الافتتاح التي لا بد منها، ثم يأتي بالتكبيرات ما لم يخف قيام الإمام، فإن خافه ركع، ويتم التكبير؛ لأنه
أقوى من التسبيح في الوجوب، فإذا رفع رأسه قطع؛ لأن موضعهن فات. ولو كان يرى التكبيرات خلاف رأي الإمام كبر مع الإمام وترك رأيه؛ لأنه مقضي عليه خلاف المسبوق، فإنه يقضي على ما يرى.
وأما الصلاة فلو أدرك الإمام بعد ما رفع رأسه من سجدتي السهو لا يسجدهما. وكذلك سجدة التلاوة والتكبيرات في العيدين سواء يكبر بسبع تكبيرات مع تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع، فالزوائد في كل ركعة ثلاث، ويوالي بين القراءتين يقدم التكبيرات في الأولى، ويؤخرها في الثانية، فإن كان الإمام يرى غير ذلك اتبعه، وترك رأيه إلا أن يخرج عن أقاويل الصحابة إن كان يسمعه، وإلا كبر كما يكبر الناس ولئلا يكون الناس غلطوا فيكبر ما يكبر، ويدع ما يكبر الإمام.
وأما اللاحق فيكبر على ما يرى. والمدرك إذا سبقه الحدث قضى على رأي الإمام.
الجزء 1 · صفحة 19
باب التكبير في أيام التشريق
الأصل في هذا الباب: أن التكبير سنة في وقت مخصوص، وليس له في الفرض نظير،
فلذلك قال أبو حنيفة: إنه متى فات عن وقته سقط كالأضحية.
وأصل آخر: أنه ما ليس له في الفرائض نظير الأصل فيه أن يكون بدعة، فلما رُوِيَت عن النبي الله وجب فيها الأخذ بما أجمع عليه الصحابة، وما اختلفوا فيه بقي على الأصل،
وأجمعوا على البداية به بعد صلاة الفجر من يوم عرفة، واختلفوا في الختم؟ فختم جماعة منهم بعد العصر من يوم النحر، فهذا مجمع عليه، وما عداه مختلف فيه.
والأصل عند أبي حنيفة: أنه يأخذ باليقين، ويرفض الشك في جميع مذهبه. مثاله: أنه متى تسحر في رمضان وهو يرى أن الليل باق، ثم تبين له أنه أكل بعد طلوع الفجر، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه.
ومن أكل وهو يرى أن الشمس قد غابت، ثم تبين له أن النهار باق، فعليه القضاء والكفارة.
وكذلك العصير إن لم يشتد بعد ما يغلى، ثم يرق ويصفو، فهو باق على الحل. ومتى
تغيرت الخمرة بأدنى حمض، فهو حرام عنده حتى يتحقق التخليل فيها. وكذلك أول وقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس، ثم لا يخرج حتى يصير ظل كل شيء مثليه.
وكذلك المغرب إذا غربت الشمس دخل وقتها، ثم لا يخرج حتى يغيب البياض الذي هو عقيب الحمرة.
وكما قال في باب الغنائم: إن الفارس لا يزاد سهمه على سهمين، وذلك؛ لأنه يترك اليقين بيقين مثله، ولا يترك بالشك.
الجزء 1 · صفحة 20
فإذا عرفت ذلك كان الجهر بالتكبيري موضعه عبادة، وفي غير موضعه بدعة. وأصل آخر: أنه خارج عن حكم الصلاة، فلا يكون المأموم مقضياً عليه، فمتى سها عنها الإمام كبر المأموم.
باب الصيام والاعتكاف
الأصل: أن العبادة على نوعين:
1 - عبادة: تستغرق الأوقات.
2 - وعبادة: لا تستغرق الأوقات.
فأما ما يستغرق الأوقات فالغزو والاعتكاف. وأما ما ليس بمستغرق للأوقات فالصلاة والصوم حتى أن الصلاة لو استمرت حتى خرجت عن وقتها بطلت.
مثال ذلك: لو صلى الفجر ثم طلعت الشمس وهو في الصلاة بطلت، ووجب عليه القضاء، وذلك؛ لأنها عبادة مؤقتة بوقت فمتى فات الوقت تغيرت إلى القضاء إلا العصر، فإنها مستثناة استحساناً.
فإذا عرفنا هذا قلنا: إن الاعتكاف الموجب لا يصح إلا بالصوم. فأما من اعتكف ساعة، ثم خرج فلا شيء عليه.
الجزء 1 · صفحة 21
وروي عن أبي حنيفة أنه لا يصح. ثم إيجاب الاعتكاف على نفسه إيجاب الصوم حكماً، والصوم تبع في الإيجاب، لكنه متبوع في حق الجواز كالوضوء تبع للصلاة مع حق الإيجاب متبوع في الجواز حتى لا يجوز إلا به.
وأصل آخر: أن المتبوع في باب النذر عين ما تلفظ به، وفي باب الأيمان معنى لم يتلفظ به؛ لأنه متى نذر وجب عليه عين ما نذر، ومتى حنث وجبت عليه الكفارة، وهي غير ما تلفظ به.
وأصل آخر: أن العرب متى تلفظت بذكر الليالي أو الأيام مجموعاً لزمه الجمعان، وذلك؛ لأن لأنهم أكثر ما يجمعون الكلام بالليل؛ لأنه الأصل، وهو أول العدد، فإذا قال: ثلاث ليال، إنما يريد ثلاث ليال وثلاثة أيام
وكذلك إذا ا قال: ثلاثة أيام يريد ثلاث ليال وثلاثة أيام، قال الله: تعالى: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزاً، وقال: ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِياً، والقصة واحدة، وهي قصة زكريا. وذلك أن المبدأ الليل عند رؤية الهلال، فصار النهار تبعاً، فكان هذا الأصل إلا أنه لما صار النهارلمعاشهم ومكاسبهم جعلوه أيضاً أصلاً، فناب كل واحد منهما عن الآخر، فساع لهم أن يعبروا عن أحد الجمعين بالآخر؛ ولأنه لا ينقضي وقت حتى يدخل مبدأ الآخر فيه. فأما إذا أفردوا قالوا: الليلة أو اليوم لا يريدون إلا أحدهما كما قال الله عز وجل: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِك، فلم يرد به الليل.
وقال سبحانه وتعالى: سبحان الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا، فلم يرد به النهار.
وأما إذا اختلف الجمع أفردوا وبنوا لكل عدد صيغة؛ لأن المراد تغيَّر كما قال تعالى: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ}.
ثم الأصل أن الأقوى يستتبع الأضعف، والأقوى هنا المنذور به، فإذا قال: الله علي
الجزء 1 · صفحة 22
أن أعتكف شهراً لم ينو شهراً بعينه، ولم ينو التتابع لزمه متتابعاً.
ولو قال: الله علي أن أعتكف ثلاثين يوماً لا يلزمه التتابع.
فلو قال: إنما أردت النهار صدق.
ولو قال: الله علي أن أصوم شهراً لم يلزمه التتابع أيضاً، وذلك لما ذكرنا أن الاعتكاف يلزم في جميع الوقت، والصوم إنما يلزم بالنهار دون الليل.
وكذلك كل ما يفعل مما يستغرق الأوقات كالكلام والأخبار.
مثال ذلك: لو آجر داره شهراً لزم في الليل والنهار، ووجب على الفور. وكذلك لو حلف لا يكلم زيداً شهراً لزمه على الفور، ولا كذلك الصوم؛ لأن أوقاته غير مستغرق، فوجب على التراخي.
ولو أوجب على نفسه الاعتكاف ليلاً لا يلزمه؛ لأنه ليس بوقت للصوم.
ولو أوجب يوماً لزم؛ لأنه محل الصوم.
الجزء 1 · صفحة 23
كتاب الزكاة
باب زكاة الطعام
الأصل في الباب: أن الزكاة واجبة بأمرين، وهما:
1 - البلوغ.
2 - والغناء.
وحد الغناء: عشرون ديناراً صرف الصحابة رضوان الله عليهم، وهو كل سبع مثاقيل وزن عشرة دراهم، وذلك عبادة مالية ونفسية، فتعلقت بهما، فمتى لم يوجد أحدهما لم تجب الزكاة.
ثم وجوب الزكاة في عين المملوك، وتنتقل إلى عوض نظراً لتفريق منفعة المالك. وإنما أورد محمد الباب ليفرق بين زيادة حكمية وبين زيادة حقيقية، وهي نقصان
حكمي كنقصان حقيقي، فالزيادة الحقيقية هي الزيادة في العين، وذلك معروف. والزيادة الحكمية هي الزيادة في السعر، وذلك وجب مراعاة لوجوب الزكاة في المال.
وكذلك النقصان غير أن النقصان وجب مراعاة للمالك لئلا يفوت أجزاء ملكه من غير وجوب شرعي. والأصل في ذلك: أن الزيادة بعد حول الحول لا يضم إلى الأصل في حق الحول الماضي، والحول على أموال التجارة.
وتنعقد على اعتبار القيمة لا على اعتبار العين؛ لأن القيمة هي المراد حقيقة.
قال محمد رحمه الله: إذا كان للرجل مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم
فوجبت فيها الزكاة يحول الحول، ثم رخص السعر حتى صارت قيمته مائة درهم إن أدى من عينها أدى خمسة أقفزة، وإن أدى عن قيمتها يؤدي خمسة دراهم. وكذلك إن غلا السعر حتى صارت قيمتها أربع مائة درهم إن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة، وإن أدى عن قيمتها يؤدي عشرة دراهم كما وجب وقت الحول.
وكذلك لو استهلكه.
وأما النقصان بأن كانت الحنطة يابسة تساوي مائتا درهم، فحال الحول، وابتلت، وانتقصت حتى صارت قيمتها مائة درهم يؤدي در همين ونصفاً مثل يوم الوجوب؛ لأن النقصان الحق الغير حتى لو فاتت العين جملة سقط جملة، ولا كذلك السعر. ولو كانت الزيادة في العين بأن كانت رطبة تساوي مائتي درهم، فجفت وصلحت حتى صارت تساوي أربع مائة، فإنه يؤدي عن قيمتها خمسة دراهم، مثل وقت الوجوب؛ لأن هذا مال مستفاد بعد حول الحول، فلاحظ له في الحول الماضي. ولو أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة؛ لأنه هو الواجب. كذلك في العبيد والعروض، وما شاكله من أموال التجارة.
باب زكاة المال
أورد الباب ليفرق بين ما يتعين وبين ما لا يتعين، فالدراهم والدنانير لا يتعينان في المعاوضات، ويتعينان في الغصوب والأمانات.
والفرق بين ذلك أنهما في الغصوب والأمانات مرادة بأنفسها، وهي على ملك المالك فتعين، وفي المعاوضات إنما يراد القيم من الأعداد والأوزان.
والأصل في مال الزكاة: أنه متى تصرف في مال الزكاة بعد وجوب الزكاة تصرفاً يؤدي إلى إبطال الزكاة بعد حول الحول يضمن؛ لأنه أتلف ما لا وجب للصعاليك، وإذا تصرف تصرفاً لا يؤدي إلى إبطال حكم الحول لا يضمن إلا إذا تعدى، فحينئذ يضمن بقدر ما
تعدى، ولا يضمن أكثر من ذلك. وأصل آخر: أن لحوق الدين بعد وجوب الزكاة لا يسقط الزكاة، ومتى لحق في الابتداء يمنع الوجوب بقسطه.
مثال ذلك: رجل له ألف درهم حال عليها الحول ووجبت فيها الزكاة، ثم اشترى بذلك عبداً يساوي تسعمائة وخمسين، فإن الزكاة ينتقل إلى العين تبقى ببقاء العين، وتفوت بفوات العين، حتى أنه متى مات العبد قبل أن يؤدي الزكاة يسقط عنه ذلك؛ لأنه تصرف تصرفاً لا يؤدي إلى إبطال حكم الحول؛ لأن هذا القدر يكون عفواً؛ لأنه يدخل تحت اجتهاد المجتهدين، أعني المقومين، وهو نصف العشر.
ولو اشترى ما قيمته خمسمائة بألف لزمه خمس مائة في الذمة وخمس مائة تبقى ببقاء العين، وتفوت بفواتها؛ لأن هذا مما لا يتغابن الناس في مثله، فصار متلفاً، وليس كالوكيل والوصي متى خانا في مثل هذا بأن اشترى واحد منهم ما قيمته خمسمائة بألف صار متلفاً للجملة، وأما صاحب المال، فإنه أخرج ألفاً، وأدخل في ملكه خمسمائة، فصارت عوضاً
الجزء 1 · صفحة 24
أما لو اشترى ذلك لغير التجارة صار متلفاً للجملة، فيضمن الجميع، ولا ينتقل شيء من القيمة إلى العين؛ لأن القيمة صارت في الذمة، وكذلك الهبة، وتزداد البيوع بقضاء كالملك القديم، وبغير قضاء كالملك الجديد.
وأما إذا كان عليه دين، فاستفاد مالاً لا تجب الزكاة فيما كان بقدر الدين.
ولو تزوج امرأته، ودفع إليها دراهم أو دنانير، ثم طلقها قبل الدخول بها، فعليها الزكاة في الجميع لما ذكرنا أنها لا تتعين ولو كان عروضاً لا تجب الزكاة فيها ردت.
وأما الكيلي والوزني فإن أوصافهما أثمان، وأعيانها سلع.
وأصل آخر: أن المتبايعين إذا تبايعا عرضاً بعرض أو ثوباً للتجارة يكون للتجارة.
وكذلك إذا كان للخدمة يكون البدل للخدمة إلا أن ينوي غير ذلك.
مثال ذلك: رجل له عبد للخدمة قيمته ألف درهم، ولآخر عبد يساوي ألفاً للتجارة، فمضت على كل واحد منهما ستة أشهر، ثم إذا تبايعا ونويا التجارة، فمضت ستة أشهر أخرى، فالذي كان عبده للتجارة وجبت عليه الزكاة؛ لأن حوله قد تم، ولا يجب على الآخر شيء، حتى يتم حوله، فلو أن الذي وجبت عليه الزكاة وجد بعبده عيباً ينقصه مائتي درهم فعليه زكاة ثمانمائة سواء رده بقضاء أو رضي؛ لأن الراد لا يكون مغصوباً.
وأما المردود عليه إن رده بقضاء قاض عاد عبده للخدمة كما كان أصله.
وأما نيته للتجارة في المشترى لا يعمل في المردود، فإن نوى الخدمة اعتبر من حيث الرد، وإن كان الرد بغير قضاء قاض، فهو للتجارة إلا أن ينوي، فيعتبر النية من حيث نوي.
باب زكاة الإبل والبقر والغنم
أورد محمد رحمه الله الباب ليعلم أن المستفاد في خلال الحول يضم إلى الأصل إذا كان
من جنس الأصل. وأصل ذلك أن المستفاد إذا كان له أصلان يضم إلى أقربها إلى الحول إلا إذا كان فرعاً للآخر، فحينئذ يضم إلى أصله.
مثال ذلك: رجل له أربعون من الغنم وألف درهم، ثم حال الحول على الغنم وأدى زكاتها، ثم باع الغنم بألف درهم، ثم حال الحول على الألف التي كانت عنده لا يضم إليها ثمن الغنم، ولا كذلك عبد التجارة إذا أدى صدقة فطره.
الجزء 1 · صفحة 25
أما إذا كان للرجل أموال مختلفة للتجارة وعليه دين، فيصرف الدين إلى أموال الزكاة يسرها أداء، أقلها وجوباً.
مثاله: إذا كان للرجل خمس وعشرون من الإبل، أربعون من الغنم، وثلاثون من البقر يصرف الدين إلى الغنم؛ لأنه أنفع للفقراء إلا أن الإبل تبقى، ويؤدى عنها.
وكذلك البقر ولو كانا مثلين يصرف إلى أيهما شاء.
مثال ذلك: خمس من الإبل، وأربعون من الغنم يصرف إلى أيهما شاء. وروي أنه يصرف إلى الغنم؛ لأن الإبل تبقى بعد أداء الزكاة، وإنما افترقت الرواية إذا كان قبل حضور الساعي.
وأما بعد حضوره فهو يأخذ من الإبل، ويصرف الدين إلى الغنم نظراً لحق الفقراء.
وأما التعجيل في الزكاة والعشر فإنه يجوز بشرط وجود سبب ذلك.
أما الزكاة بأن يملك نصاباً والعشر بعد بيان النبت من المزروع والطلع من النخيل ولو كان له مالان، فأدى عنه لا يلزم الآخر.
وأما الدراهم والدنانير فهما مال واحد.
باب زكاة الرقيق والحيوان والذهب والفضة
أورد محمد رحمه الله الباب ليعلم أن الزكاة لا تخلوا إما أن تكون ممن يجري فيه الربا
كالكيلي والوزني أو ما لا يجري فيه الربا كالعروض والحيوان والمعدود، ولا يخلو إما أن يؤدي من جنسه أو من خلاف جنسه ولا ربا ما بين الجنس وخلافه، فإن أدى من خلاف الجنس تعتبر القيمة؛ لأنه لا ربا وإن أدى من جنسه إن كان مما لا يجري فيه الربا تعتبرالقيمة أيضاً، وإن كان مما يجرى فيه الربا يعتبر العدد.
والأصل في ذلك: أن كل ما يجري فيه الربا بين العباد يجري فيما بينهم وبين الله عز وجل وما لا فلا.
مثال ذلك: رجل له عشرون من الإبل، فحال عليها الحول وجبت فيها أربع شياه أوساط، فإن أدى ثلاثة سيماناً تساويهن أجزأه.
وكذلك الإبل إذا وجبت عليه ابنه مخاص، فأدى مكانها ثلثي ابنه لبون أو نصف حقة تساوي ابنه مخاض.
وليس كذلك الكسوة إذا أدى خمسة أثواب تساوي عشرة إلى خمسة مساكين، وإن أدى
الجزء 1 · صفحة 26
النبهرجة مكان الجياد يجوز، وإن أدى عن خمسة نبهرجة أربعة جياداً لا يجوز.
ولو أدى قفيزاً أجيداً عن قفيزين لا يجوز؛ لأنه ربا ولو كانت أمة قيمتها ألف، فولدت، فنقصها الولادة مائة، وقيمة الولد مائتان، يزكي ألفاً، ولو مات الولد زكي عن تسعمائة
باب من الزكاة مما يوجب الرجل على نفسه فيبطلها أو لا يبطلها
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين دين يمنع وجوب الزكاة وبين دين لا يمنع وجوبها.
وكل دين له مطالب من جهة العباد يمنع وجوب الزكاة وما لا فلا.
والنذر لا يزيل الملك عن المال كالزكاة، ألا ترى أنه لو كان له جارية للتجارة، وحال الحول وجبت فيها الزكاة يحل له وطؤها.
وإذا قال: الله علي أن أتصدق بهذه الجارية حل له وطؤها.
والأصل في هذا أن الحقين متى نزلا في عين واحدة فما استوفى يكون منهما جميعاً، وإذا نزل أحدهما في الذمة، والآخر في العين فما استوفى يكون منه خاصة.
مثال ذلك: رجل له مائتا درهم، فقال: الله علي أن أتصدق بمائة منها، ثم حال عليه الحول يجب عليه زكاة خمسة دراهم؛ لأن وجوب المنذور لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه لا مطالب له من جهة العباد كما تقدم؛ ولأنه وجب بإيجابه، فكان أضعف مما وجب بإيجاب الله عز وجل.
فلو أدى خمسة منها كانت در همان ونصف عن المائة الباقية، ودرهمان ونصف عن المائة المنذورة، ويتصدق بسبعة وتسعين درهماً ونصف، وذلك؛ لأن «من» للتبعيض، فقد تعين المنذور في الذمة بالنذر، وتعين في العين بقوله: «منها، ولو لم يقل منها» تصدق بخمسة دراهم عن زكاة ماله، وتصدق بمائة عن النذر؛ لأن النذر لم يتعلق بالعين، وإنما تعلق بالذمة.
ثم أعلم بأن أصول الفرائض أربعة:
1 - الصوم.
2 - والصلاة.
3 - والزكاة.
4 - والحج.
وكل واحد لا يخلو من ثلاثة أوجه:
1 - إما أن ينوي الفرض.
2 - أو التطوع.
3 - أو لم تكن له نية.
أما الصحيح المقيم إذا صام رمضان بنية الفرض أو التطوع أو واجب آخر بنية الصوم مطلقاً يكون عن فرض رمضان؛ لأنه وقت لا يسع فيه غيره، فعلى أي وجه صامه يقع عن الفرض ولو كان مسافراً ونوى عن واجب آخر أو تطوع يكون عنه. أما التطوع: فعن أبي حنيفة فيه روايتان، وأصل المذهب أن يجوز عن التطوع؛ لأن الوقت يحتمل للجميع.
أما الصلاة إذا دخل وقتها لا تكون عن الفرض إلا بنية الفرض؛ لأن الوقت غير
متعين للفرض؛ لأنه: يسع فيه غيره.
وكذلك الزكاة إلا أن يتصدق بجميع ما له، فلا بد من نية الصدقة، وقد استغرق الجميع فصار كرمضان، ولو نوى عن واجب آخر يقع عن الواجب؛ لأن الزكاة أصلها وقع في الذمة، فصار كالصوم في السفر؛ لأن الوقت اتسع.
وأما الحج إذا نوى مطلقاً يقع عن حجة الإسلام، وذلك؛ لأن الحقيقة تشهد أن الناس لا يتحملون المشقة الشديدة، والنفقة الثقيلة للنافلة، وعليهم الفرض مع بعد المسافة، وتعذر الأوقات في آلة السفر، وإن نوى التطوع يكون عنه؛ لأنه ميزة، فتعين عليه؛ ولأن الوقت متسع الحجة أخرى.
باب الزكاة في الإجارة
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين زكاة تجب على الأجر، وزكاة تجب على المستأجر.
الأصل في هذا الباب: أن الأجرة تملك بأحد معان ثلاث:
1 - إما التعجيل.
2 - أو شرط التعجيل.
3 - أو باستيفاء ما الأجرة بدل عنه.
مثال ذلك: رجل له ألف درهم لا مال له غيرها استأجر بها داراً مدة عشر سنين، ودفع الألف ولم يكن من سكنها حتى مضت المدة، فعلى المؤاجر أن يزكي للسنة الأولى عن ثمانمائة وثمانين؛ لأنه لما مضت السنة الأولى ولم يمكن من سكنها بقي عليه ديناً مائة درهم، وملكه ألف فمائة منها دين، فبقي تسعمائة والواجب يجب في نصاب كامل وذلك ثمانمائة وثمانين.
وأما المستأجر فلا زكاة عليه في السنة الأولى ولا في الثانية ثم ينتقل على الحساب. ولو كان استأجر بعرض لا زكاة عليه؛ لأنه تعين للعقد فتعين للفسخ كما ذكرت قبل. ولو تسلم الدار ولم يسلم الأجرة، فحكم الزكاة هنا على العكس، وحكم العروض هنا حكم الدراهم.
باب الإيمان في الحنث والطلاق
أورد محمد رحمه الله الباب على أصول:
فمنها: أن اليمين على ضربين:
1 - يمين يراد بها تعظيم المقسم به، وهو الحلف بالله تعالى.
2 - ويمين هي شرط وجزاء، وإنما فرق محمد بين هذين، وإذا كانت اليمين ليست
إلا بالله عز وجل إلا أنه لما كان الشرط والجزاء يلزم فيه من الحكم ما يلزم في اليمين سماء يميناً.
قال سيبويه: اليمين جملة. يؤكد بها الكلام، ولا: يؤكد من اليمين إلا ما يلزم به حكم
والشرط والجزاء كالطلاق المعلق بشرط والعتاق المعلق، مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق.
الجزء 1 · صفحة 27
ثم الشرط يصح في الملك وغير الملك، والجزاء لا يصح إلا أن يكون في الملك أو مضافاً إلى الملك أو في علقة من علائق الملك، والمحلوف عليه من دخل تحت الجزاء إلا من دخل» تحت الشرط.
ويصح الشرط في غير الملك؛ لأن ذكر الشرط ليس ينصرف إلى الملك، وذكر الجزاء ينصرف إلى الملك.
وأصل آخر: أن المعلق بالشرط لا يترك إلا عند كمال الشرط، فيصير عند وجود الشرط كالمتكلم به، كما تقول: إن قدم غائبي فعلي كذا، فلا يلزم إلا عند قدوم الغائب.
وأصل آخر: أن النكرة في النفي تعم، وفي الإثبات تخص، فإنك إذا قلت: ما رأيت اليوم رجلاً، تقتضي عدم رؤية جميع الرجال، ولو قلت: رأيت اليوم رجلاً يقتضي رؤية رجل واحد.
وأصل آخر: أن كلمة «كلما تجمع الأفعال قصداً، والأسماء تبعاً، وتوجب التكرار،
وكلمة «كل» تصحب الأسماء قصداً، والأفعال تبعاً، ولا توجب التكرار.
والأصل أن «كلما»: هي كل دخلت عليها «ما» فغيرتها كما دخلت على «إن» في قولك «إنهما» فغيرتها، وذلك؛ لأن كلاً» جامدة جمود الاسم، وهي للتأكيد، فدخلت عليه، وهي إنما تدخل على الجموع بطريق الآحاد؛ لأنك تقول: كل رجل يأتيني فله على كذا، فيكون العموم إلا أنه لا يستحق الجعل إلا واحداً فواحداً، وكلما تدخل على الأفعال، فإنك لا تقول: كلما رجل، وإنما تقول: كلما جائني رجل فله كذا، والرجل الواحد لا يتكرر، وفعله يتكرر.
مثال ذلك: رجل قال لامرأته: إن كلمتك فأنت طالب قالها ثلاث مرات، وهي غير مدخول بها طلقت واحدة؛ لأنها لا عدة عليها، ولا ملك، ولا علقة، ولو كانت مدخولاً بها طلقت ثنتان؛ لأن علقة الملك باقية، وهي العدة، ولا تقع الثالثة؛ لأنه لم يكملها.
ولو كان الجزاء بـ «كلما»، مثاله إذا قال لامرأتين مدخولتين: كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقان قالها مرتين وقعت على كل واحدة منهما تطليقة، فإن قال: الثالثة وقعت أخرى، وكذا لو قال: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما، فكل واحدة منكما طالق.
الجزء 1 · صفحة 28
باب الحلف في الأيمان ما يقع على بعض وما يقع على جماعة أورد محمد رحمة الله الباب ليفرق بين اسم الجنس والجمع. فالجمع مقتضي عدداً محصوراً؛ لأنه كذلك وضع كما تقول: ثلاث، فإنه علم لقولنا واحد وواحد وواحد، فالثلاث اسم لهذا العدد، وأقل الأعداد الواحد وأكثره تسعة، ثم يعود إلى الأحاد، والجموع.
واسم الجنس يتناول الواحد فصاعداً؛ لأنه علم الجميع الجنس، فيستوي فيه الواحد والجماعة.
وأقل الجمع المفرد له صيغة الجمع ثلاث.
والألف واللام إنما يدخلان في الكلام إما للمعهود السابق أو الجنس، فالمعهود السابق كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولُ) أي ذلك الرسول المعهود.
وأما الجنس قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) (2)، فلو تزوج امرأة واحدة بعد ذلك لما انعقد العقد.
وأصل آخر: أن ذكر الصفة في الحاضر لغو، في الغائب شرط، وذلك؛ لأن الصفة
الجزء 1 · صفحة 29
للتعريف، والحاضر مع الإشارة مستغن عنها وأسماء الإشارة معروفة مثل هذا وذا وأنت، والغائب يحتاج إلى الوصف؛ لأن الأصل إنما وضع الاسم العلم الأصل حتى لا يحتاج إلى غيره كما قلنا: زيد، فكان الواجب أن لا يكون زيد غيره، فلما اشتركت الأسماء احتيج إلى الصفات، فقلنا: زيد الطويل أو القصير وما أشبه هذا.
والشرط يعمل في الجميع، وحروف الشرط «إن» المخففة، و «إذا»، و «متى» وما أشبه ذلك.
مثال ذلك: رجل قال لامرأته: أنت طالق إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد يقع على واحد؛ لأنه اسم جنس، ولو عنى جميع الجنس صدق؛ لأن اللفظ محتمل الوجهين. ولو قال: أنت طالق إن تزوجت نساء أو اشتريت عبيداً فما لم يتزوج ثلاثاً أو يشتري ثلاثة لا يحنث؛ لأن هذا الاسم للجمع الصحيح، وأقله ثلاثة.
ولو قال: المرأة التي أتزوج طالق، فتزوج امرأة طلقت؛ لأنها اتصفت بالزواج.
ولو أشار إليها وقال هذه المرأة التي أتزوج طالق فتزوجها لا تطلق؛ لأنه لما قال: أتزوج، فكأنه وصفها بالتزوج، فكل من تزوجها اتصفت، فصار كأنه قال في ذلك الوقت هذه طالق، ولو قال كذلك طلقت، وأما إذا أشار إليها، وقال هذه، وهي أجنبية، فكأنه طلق الأجنبية، فلا يلزمه حكم؛ لأنها ليست في علقة ملكه، وكذلك إذا قال لنسائه: المرأة التي تدخل منكن الدار طالق، فدخلت إحداهن طلقت؛ لأنه جعلها صفة للنكرة فأيتهن دخلت اتصفت.
باب اليمين ما يقع بالوقت وما لا يقع
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الشرط والوقت.
فالشرط يجوز وجوده وعدمه، والوقت لا يجوز عدمه.
ثم قد بينا أن الطلاق لا يصح إلا في الملك أو مضافاً إلى الملك أو علقة من علائق الملك.
والأصل أن المسندات تعتبر صحتها في الحال، ثم الإسناد. مثاله: رجل قال: أنت طالق قبل موت فلان وفلان بشهر، فمات أحدهما قبل مضي الشهر لا يقع الطلاق؛ لأن يمينه انعقدت على شهر في المستأنف، ولم يجيء، وإنما جاء بعضه، ولو مات بعد الشهر وقع الطلاق، ولا ينتظر موت الآخر، ويستند الطلاق إلى
الجزء 1 · صفحة 30
ا قبل الشهر يعني أن الطلاق يقع من حيث شرط، وهو الشهر الذي قبل القدوم، فصار كأنه قال: أنت طالق قبل رمضان وشوال بشهر، فإنه يقع من أول شعبان، فلا
ينتظر دخول أحد الشهرين؛ لأن الشهرين وقت، والوقت لابد من إتيانه. أما قدوم أحد الرجلين فيتصور أو لا يتصور.
مثاله: إذا قال: أنت طالق قبل قدوم فلان وفلان بشهر، فلا يقع الطلاق حتى يقدم الأول بعد الشهر، ثم يقدم الثاني؛ لأن الشرط قد يكون وقد لا يكون.
كذلك الخلع إن مات المحلوف عليه في العدة طلقت، وبطل الخلع.
وكذلك العتق في العبد والمكاتب.
وإنما تعتبر صحة المسندات في الحال ثم الإسناد.
باب الحنث في اليمين من الشرب والنكاح والرجعة في الخاص والعام
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين لفظ واحد يختلف باختلاف المحل كلفظ الشرب
فإنه يختلف بالأماكن والظروف، ولفظ النكاح، فإنه يختلف بالأجنبية والمملوكة.
ثم الأصل: أن اليمين إذا كان لها حقيقة مستعملة ومجاز متعارف حملت اليمين على الحقيقة، وإن لم يكن حقيقة، أو تعذر الحمل على الحقيقة يحمل على المجاز المتعارف
الجزء 1 · صفحة 31
مثال: إذا حلف لا يشرب من الفرات لا يحنث ما لم يشرب منه كرعاً.
ولو شرب من نهر اختلج منه لا يحنث؛ لأن الفرات اسم للأرض لا للماء.
ولو قال: لا أشرب من هذا البئر فاستقى منه حنث؛ لأن الحقيقة هنا متعذرة، فحمل على المجاز.
وكذلك إن قال لامرأته: إن نكحتك فأنت طالق يقع على الوطئ.
ولو قال لأجنبية: يقع على العقد؛ لأن لفظ النكاح يصلح للعقد وللوطئ، قال الله عز وجل: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ، فالمراد ههنا العقد، وقال عز وجل: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانِ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ: ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (2)،، فـ فالمراد هنا الوطئ بدليل أنه متى عقد العقد على الزانية حلت فأيهما وجد حقيقة حمل عليه كما لو قال لامرأته: وقد طلقها طلاقاً رجعياً إن راجعتك فأنت طالق يقع على الرجعة بالقول والفعل، ولا يقع على العقد؛ لأن الحقيقة ذاك، ولو كان بائناً يقع على العقد.
باب الحنث في الغسل
وغيره ما يقع على العام ولا يقع على الخاص وغير الغسل
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يجوز فيه الإضمار وما لا يجوز عند الله عز وجل وفي القضاء.
الأصل أنه متى ذكر الفعل واستعمل النية في المفعول، ثم أراد عدله إلى الخصوص لا يصدق؛ لأن النية فيما لا يفعله الإنسان غير معتبرة.
وإذا ذكر الفعل أو المفعول أو المصدر وقال: إنه استعمل النية يصدق فيما بينه وبين الله عز وجل، ولا يصدق في القضاء؛ لأن القضاء إنما يكون بالحكم الظاهر، ومثل هذا يكون مدعياً، فلا يصدق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا أتولى الظواهر، والله يتولى السرائر، فهذا
الجزء 1 · صفحة 32
يدل على أن الحكم يكون بالظاهر.
مثاله: رجل قال: إن اغتسلت في هذه الليلة فعبدي حر، فاغتسل من غير جنابة، ثم قال: عنيت الغسل من الجنابة لا يصدق في القضاء لا فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأنه ذكر الفعل وحده.
ولو قال: إن اغتسلت غسلاً صدق فيما بينه وبين الله، ولا يصدق في القضاء؛ لأن قوله غسلاً مصدر، فلا يخلو إما أن يكون قال: غسلاً واحداً أو غسلاً من كذا، فصدق فيما بينه وبين الله عز وجل.
وكذلك لو قال: لا أكل طعاماً أو أشرب شراباً، فإنه ذكر المفعول والفعل، واستعمل النية، فصار مصدقاً فيما بينه وبين الله عز وجل، ولا يصدق في الحكم.
الجزء 1 · صفحة 33
باب الحنث في اليمين ما يكون على غير الحالف وما يكون على الحالف وغيره
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين التعريف بالنسبة والصفة، وبين التعريف بالإشارة والإضافة.
ثم الأصل فيه: أنه متى عقد يمينه على شخص منكر، فالداخل تحت اليمين شخص منكر، وكل من عرف وعقل فهو خارج عن اليمين، وإنما يعرف ويعقل إما بإضافة الفعل أو المفعول إليه أن يكون متصلاً به، ولا يعرف بالاسم والنسبة؛ لأنه لا ينقطع الشركة بينه وبين غيره في الاسم والنسبة.
مثال ذلك: رجل قال لامرأته: إن دخل داري هذه أحد فعبدي حر، فدخلها هو بنفسه لا يحنث سواء كانت الدار ملكاً له أو عارية أو إجارة؛ لأن أحداً منكر، والياء للإضافة والمضاف معرفة، فلا يقع بينهما اشتمال، وكذلك لو قال: إن مس هذا الرأس أحد فعبدي حر فمسه هو بنفسه لا يحنث؛ لأن هذا متصل به، فكان من أقوى الأسباب لا سيما مع قوله هذا، وهذا اسم إشارة، وأسماء الإشارة من أقوى أسباب التعريف؛ لأن فيه الإشارة والمبينة والاسم، ولا كذلك النسبة؛ لأنه لو قال: إن كلم غلام عبد الله ابن محمد أحد فعبدي حر، واسم الحالف عبد الله بن محمد، والغلام غلامه، فكلمه يحنث؛ لأنه هو هنا بمنزلة النكرة؛ لأنه ما عرف نفسه بالنسبة، فدخل فيها كما لو قال: داري وغلامي؛ لأن هذا للغاية في المعرفة، فإن هنا لا يدخل الاشتراك، وفي الاسم والنسب يدخل، فصار كما لو أضاف إلى غيره، ثم مسه، فإنه يحنث كما إذا قال: إن مس رأسك أحد، فمسه هو حنث، ولا يحنث المضاف إليه؛ لأنه صار معرفة، وهو نكرة؛ لأن أحداً من النكرات.
باب الحلف في الجماع وغيره مما يقع على الخاص والعام
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين لفظ يحتمل معنيين ظاهراً وباطناً أو الحقيقة
والمجاز أو الصريح والكناية. فمتى نطق بذلك وقعت يمينه على الظاهر دون الباطن والحقيقة دون المجاز والصريح دون الكناية إلا إذا قال: عنيت به الباطن أو المجاز أو الكناية، فحينئذ أتى بالظاهر حنث؛ لأنه هو الواجب، وإن أتى بالباطن حنث لإقراره على نفسه بالحنث.
الجزء 1 · صفحة 34
وأصل آخر: أن جواب الخطاب تتضمن جميع ما في الخطاب إلا إذا زاد على حرف الجواب، وقصر عن تمام الكلام، فحينئذ يكون يميناً مبتدأة.
أورد في الباب ست مسائل: أربع منها تقع على الجماع، ومسألتان تقعان على غير الجماع.
فأما الأربع أن تقول: إن جامعتك، وهذا من المفاعلة مثل المخاصمة والمضاربة، وذلك أن يكون كل واحد منهما إلى صاحبه مثل ما يكون من الآخر إليه، فلما كان كل واحد منهما يجمع إلى الآخر سميت مجامعة، وكذلك المباضعة، وهو أن يقول: إن باضعتك، فالعرب تعبر عن الفرج بالبضع، تقديره: أن يكون بضع كل واحد منهما مع الآخر أو أن يقول: إن اغتسلت منك هذا ظاهر، فإنه لا يغتسل منها إلا بالوطئ دون الإنزال، وهو الإيلاج، فإنه إذا وطئ فيهما دون الفرج، فأنزل يكون الاغتسال من الإنزال لا من الوطئ.
وأما المسألتان أن يقول: أتيتك وأصبت منك، فإن الإتيان ظاهر، وهو غير الجماع، فإن قال: عنيت به الجماع حنث لإقراره على نفسه.
وكذلك قوله: إن أصبت منك، فهذا مثل الكنايات في الطلاق مثل قوله: أنت خلية أو برية؛ لأن احتماله غير الطلاق أكثر، فلا يحمل على الطلاق إلا بالنية.
وأصل هذا ما روي أن رجلاً قال لامرأته: حبلك على غاربك، فكتب فيه إلى عمر، فكتب أن مرها أن يوافياني بالموسم، فلما وافياه قال لعلي الله في ذلك، فقال علي لذلك الرجل: أنشدك الله ما نويت، فقال: طلاق امرأتي، ففرق بينهما، فإنه لما قال حبلك على غاربك، فقد جعلها من علامة السفر؛ لأن الحبل لا يعتده الناس على الغارب إلا في الرحيل والتحميل، والأصل غير هذا، وهو أن الحبل إذا كان على الغارب لا يكون شيئاً.
وكذلك إذا قال: إن اقتضضتك، فإضافة إلى المرأة، ولا يكون إلا بالآلة دون الأصبع. ولو قال: إن اقتضضت، ولم يضفه إلى المرأة لزمه الحنث بأي شيء اقتض.
وكذلك لو قال: إن وطئت ولم يصفه، فإن الوطئ ظاهرة بالرجل، فلما أضافه إلى المرأة صار ظاهرة الجماع.
فأما إذا قال: إن خرجت فعبدي حر، ثم قال: عنيت به السفر إلى مكان مخصوص لا يصدق فيما بينه وبين الله عز وجل، ولا يصدق في القضاء؛ لأنه حلف على الفعل،
الجزء 1 · صفحة 35
واستعمل النية في المكان الذي ينتهي إليه الفعل، فصارت نيته فيما لم يتكلم به، والنية فيما لم يتكلم به الإنسان باطلة، فيما يوجبه الكلام مثل اليمين وغيرها. وأما لو قال: عينت بها خروج سفر صدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يصدق في القضاء.
ولو قال لآخر: تعال تغد معي اليوم، فقال: عبدي حر إن تغديت أو اغتدي، فرجع إلى منزله، وتغدى لا يحنث؛ لأن هذا جواب الكلام، فيتضمن جميع ما في الكلام، فصار كأنه قال: إن تغديت معك اليوم فعبدي حر، فتغدى في منزل نفسه أو تغدى عنده بعد اليوم لا يحنث، وهذا كمن قال لرجل: أنت سافرت وفعلت وصنعت، فجواب جميع هذا نعم أو لا.
ولو قال: إن تغديت اليوم فعبدي حر، فتغدى في منزل نفسه حنث؛ لأنه زاد على حرف الجواب، وقصر عن تمام الكلام، فصارت يميناً مبتدأة، فإن قال: عنيت أن لا أتغدى عنده دين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه، ولا يصدق في القضاء؛ لأنه ادعى خلاف الظاهر.
وكذلك لو قال: إن تغديت عندك فعبدي حر، فتغدى عنده بعد مضي اليوم حنث؛ لأنه زاد على الجواب، وجاء بكلام تام، فصارت يميناً مبتدأة.
باب الحنث في الإذن
الأصل في الباب: أن كلمة إلا إن دخلت فيما يتوقت يراد بها الغاية. وكلمة «حتى» في هذا الباب مثلها، أعني الغاية، قال الله عز وجل: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ: يُحَاطَ بِكُمْ} فجعل إلا أن للغاية، فبعد الحوطة بهم لم يبق اثنان، وقال عز وجل: {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أبي} فجعل إذن أبيه غاية.
وأما قوله: «إلا بإذني، فإن الباء للإلصاق، والإلصاق تحتاج أن تتكرر كما يتكرر الفعل، قال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ.
الجزء 1 · صفحة 36
رجل قال: عبده حر إن خرج فلان من هذه الدار حتى آذن له أو إلا أن أذن له، فآذن له مرة سقطت اليمين؛ لأنها انتهت الغاية، واليمين إذا انتهت إلى الغاية سقطت.
فلو قال له بعد ذلك: لا يخرج، فخرج فلا شيء عليه. ولو قال: إلا بإذني احتاج إلى الإذن كل مرة؛ لأن الباء للإلصاق، والإلصاق إنما يكون بالتحقيق، وهنا أضافه بحرف التحقيق، والتحقيق يحتاج إلى كل مرة.
ولو نوى بالإذن، ويخفي كل مرة حنث؛ لأنه شدد على نفسه.
باب الحنث في الشتيمة ونحوها
الأصل في هذا الباب: أن كل فعل يتم بالحالف وحده يعتبر مكانه، وكل فعل لا يتم إلا بالمحلوف يعتبر مكانه.
فرق محمد رحمه الله بين الظرف وبين الحرف الوعائي؛ لأنه اعتبر ما جاء بالحرف الوعائي متى قام الفاعل بفعله كان معتبراً، ومتى لم يقم الفاعل بفعله اعتبر مكان المفعول.
مثال ذلك: رجل قال الآخر: إن شتمتك في المسجد فعبدي حر، فإن كان الشاتم في المسجد حنث؛ لأنه قام بفعله، وإن كان خارج المسجد، والمشتوم في المسجد لا يحنث؛ لأن الفاعل يقوم بنفسه، ولا كذلك إن قال: ضربتك أو قتلتك؛ لأن الفاعل لا يكون فاعلاً ههنا ما لم يوقع الفعل بالمفعول.
وأما الظرف فرجل قال: إن قتلتك يوم الجمعة، فضربه يوم الخميس، ومات يوم الجمعة حنث؛ لأن القاتل لا يصير قاتلاً إلا وقت زهوق الروح، فلذلك لا يجب القصاص إلا بعد الموت، وإلا فهو جارح ليس بقاتل، ولو كان يوم الخميس حلف أن لا يقتل فلاناً يوم الجمعة، وقد كان ضربه يوم الأربعاء، فيمات يوم الجمعة لم يحنث؛ لأن يمينه وقعت على المستقبل، وسبب القتل إنما يكون الضرب، وذلك وقع في الماضي، فلا ينعقد اليمين، وكذلك لو قال لامرأته: أنت طالق غداً، ثم قال: إن طلقتك فعبدي حر، فجاء الغد طلقت المرأة، ولا يعتق العبد.
باب ما يقع من الطلاق في الترويج في المواقيت
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين لفظ هو للغاية صريحاً وبين لفظ هو للغاية دليلاً، ويفرق بين كل وكلما.
الجزء 1 · صفحة 37
ثم الأصل أنه إذا علق الطلاق بالشرط إن قدم الشرط يكون شرطاً لانعقاد اليمين، والداخل تحت اليمين المتزوجة بعد الشرط، وإن أخر الشرط يكون شرطاً لانحلال اليمين، والداخل تحت اليمين المتزوجة قبل الشرط.
مثال ذلك: رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن كلمت فلاناً، فتزوج امرأة قبل الكلام، وامرأة بعد الكلام طلقت التي تزوجها قبل الكلام؛ لأنه جعل كلام فلان غاية ليمينه، واليمين متى انتهت غايتها سقطت، فصار كلام فلان شرطاً لحنثه.
وأما إذا وسط الشرط، فقال: كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلاناً، فهي طالق صار كما إذا قدم الشرط؛ لأن الشرط إذا جاء موسطاً، فلا حكم له؛ لأنه إذا قدر تَقَدَّر بإتيانه مؤخراً؛ لأنك إذا صححت الكلام، إنما تقول: كل امرأة أتزوجها طالق إن كلمت فلاناً، وهي إنما تكون مبتدأة، فلا عمل لها.
وأما إذا قدم الشرط، فقال: إن كلمت فلاناً، فكل امرأة أتزوجها، فهي طالق، فيتزوج امرأة قبل الكلام، وامرأة بعد الكلام فالتي تزوجها قبل الكلام لا تطلق؛ لأن تزوجها قبل انعقاد اليمين والتي تزوجها بعد الكلام تطلق؛ لأنه جعل كلام فلان شرطاً لانعقاد يمينه ألا ترى أن الفاء لا تأتي إلا جواباً.
وأما إذا وقت أخر الشرط، فقال: كل امرأة أتزوجها، فهي طالق إلى ثلاثين سنة إن كلمت فلاناً، فتزوج امرأة قبل الكلام، وامرأة بعد الكلام طلقتا؛ لأن التوقيت أخرج حرف الشرط عن عمله؛ لأنه إنما يكون شرطاً بالدلالة.
فأما إذا جاء التوقيت علم أن المراد من الوقت استغراقه.
ولو قدم الشرط فقال: إن كلمت فلاناً فكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة، فهي طالق، فمن تزوج قبل الكلام لا تطلق؛ لأن الكلام صار شرطاً لانعقاد اليمين، ومن تزوجها بعد الكلام تطلق.
فلو وسط صار كما لو قدم الشرط.
ومتى أشكل عليك بالأفعال اعتبر بالأوقات، فاجعل مجيء الغد بمنزلة كلام فلان. والفرق بين «كل» و «كلما» أن كلما في هذا الباب متى دخلت كانت للتكرار، فإن كانت مقدمة كانت العبرة للشرط، وكذلك إن كانت مؤخرة على ما مر.
الجزء 1 · صفحة 38
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الوقتان والوقت بعد الوقت
إنما أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين شرطين وبين شرط لانعقاد اليمين وبين شرط لانحلال اليمين، ويفرق بين طلاق مضاف إلى الوقت وبين طلاق مضاف إلى فعل. الأصل فيه: أن المعلق بالشرط لا يترك إلا عند وجود الشرط، ويصير عند وجود الشرط كالمتكلم به في ذلك الوقت، والمعلق بالشرطين لا يترك إلا عند وجود أخرهما، فإن كان أخرهما في ملكه وقع ما علق بهما وإلا فلا.
وأصل آخر: أن اليمين بالطلاق لا يصح إلا في النكاح، أو مضافاً إلى النكاح، أو في علقة من علائق النكاح، ولا يضر الانفصال فيما بين ذلك.
مثاله: رجل قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق ثلاثاً، فطلقها واحدة، وهي غير مدخول بها فدخلت إحدى الدارين، فتزوجها ثانياً، ودخلت الدار الأخرى طلقت ثلاثاً؛ لأنه تم الشرطان، وهي في ملكه، ودخولها الدار الأولى، وهي في غير ملكه لا يمنع وقوع الطلاق؛ لأن الحنث يظهر بدخول الدار الثانية، فيعتبر وقت اليمين ووقت الحنث، ولا يعتبر فيما بينهما.
ولو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، إن دخلت هذه الدار الأخرى، فبانت منه، ودخلت الدار الأولى، ثم تزوجها، فدخلت الدار الأخرى لا يقع عليها شيء؛ لأنه جعل دخول الدار الأولى شرطاً لانعقاد اليمين، ووقت الشرط لم يكن في علقة منه. رجل قال لامرأته: ولم يدخل بها والله لا أقربك إلا مرة واحدة لا يكون مولياً؛ لأن الإيلاء يمنع جماع الزوج في المدة إلا بحق يلزمه، وهذه اليمين لا يمنع؛ لأنه مستثنى، فإن طلقها واحدة بانت بلا عدة، ثم قربها، ثم تزوجها صار مولياً منها، ولو قال: إذا قربت أمتي والله لا أقربك، ثم أبانها، ثم قرب الأمة، ثم تزوجها لا يكون مولياً؛ لأنه جعل قربان الأمة شرطاً لانعقاد اليمين وحال قربان الأمة لم يكن في ملكه، فلم يوجد الإيلاء في الملك، ولا في علقة منه.
ثم أصل هذه المسائل: أنه متى أدخل حرف الشك على اليمن لا يقع حتى تنتهي الغاية. مثال ذلك: رجل قال لامرأته: أنت طالق غداً أو بعد غد لا تطلق حتى يجيء بعد الغد؛ لأن «أو» لأحد الشيئين، ووقع الشك في اليوم الأول، فبقي اليوم الثاني بلا شك.
الجزء 1 · صفحة 39
وأما إذا قال: أنت طالق إذا جاء غد أو بعد غد يقع الطلاق إذا جاء غد؛ لأنه أوقع
الطلاق في الغد، ثم قال: أو بعد غد، فصار رجوعاً عن الطلاق، فلا يصح. ولو جعل حرف الشك بين المحلوف عليهما، فقال: إن دخلت الدار فعبدي حر أو
كلمت فلاناً، فامرأتي طالق، فأيهما وجد نزل جزاؤه؛ لأنه حلف بيمين. ولو قال امرأته: طالق غداً أو عبده حر بعا. غد لا يقع واحد منهما حتى يجيء بعد الغد.
باب الحنث في اليمين
التي تقع بالأمرين جميعاً والتي تقع بأمر واحد
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الابتداء والجمع.
الأصل في الباب: أن الواو للجمع، ولا يكون للاستئناف إلا بدليل.
وأصل آخر: أن جماعة الأفعال إذا أضيفت إلى جماعة الأشخاص انصرف كل فعل إلى شخص، قال الله عز وجل: {يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ متفرقة، فأمرهم أن يدخل كل واحد منهم من باب واحد، وقال تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجداث، كل واحد يخرج من جدثه، والحدث القبر، والكلام إذا لم يقم بنفسه تعلق بغيره، ألا ترى لو قلت: زيد قام وعمرو، فأخبرت عن زيد بالقيام، فلما عطفت
عليه عمراً دل ذلك على أنه مشاركة.
مثال ذلك: رجل قال لامرأتين له: إن دخلتها هذه الدار فأنتما طالقان، فدخلت إحداهما لا يقع الطلاق؛ لأن شرط حنثه دخولهما، ولم يوجد.
ولو قال: إن دخلتها هذين الدارين فأنتمها طالقان، فدخلت كل واحدة منهما داراً منهما
طلقتا؛ لأنه أضاف جماعة الأفعال إلى جماعة الأشخاص، فصار كما إذا قال لهما: إذا ولدتما ولداً فإذا ولدتما ولدين، في قوله: «ولداً» يطلقان بولادة إحديهما، وفي قوله: «ولدين» لا
يطلقان إلا بولادتهما معاً.
وكذا لو جمع فقال: إن دخلتها هذه الدار وهذه الدار، فإن الواو هنا للجمع، ولو أفرد نکل دار شرطاً، فقال: إن دخلتها هذه الدار، وإن دخلتها هذه الدار، لا يقع الطلاق ما لم
الجزء 1 · صفحة 40
تدخل كل واحدة منهما الدارين.
ولو أن رجلاً قال: إن دخلت هذه الدار فامرأتي طالق، وعلى المشي إلى بيت الله الحرام وعبدي حر إن كلمت فلاناً ولا نية له، فإن دخل الدار طلقت امرأته، ولزمه المشي، وإن كلم فلاناً عتق عبده؛ لأنه لما قال: فامرأتي طالق كان جواباً للشرط، والمشي معطوف عليه، وعتق العبد مبتدأ؛ لأنه خبر الشرط الثاني، قال الله عز وجل خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، فكان الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار، وهذا مع أنه لا حرف شرط فيه.
ولو كان قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار، وعلي المشي إلى بيت الله الحرام، وعبدي حر إن كلمت فلاناً، فالطلاق معلق بالدخول، والمشي والعتق معلقان بالكلام؛ لأن الشرط الأول استوفى جزاءه، فبقيت الجملة معلقة بالشرط الثاني.
وأما إذا استثنى بعد الجمل كلها دخلت فيه.
باب ما يحنث في اليمين
التي تقع فيها على الواحد والتي تقع فيها على الجماعة
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الإضافة إلى العموم والخصوص.
والأصل فيه: أن «أي» يضاف إلى العموم والخصوص جميعاً، وعملها تكون فيما يضاف إليه، قال تعالى: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا: ا أمداً،، فهذه للعموم، ألا ترى أن الواو في لبثوا أنها للجمع، وقوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، فهذاعلى الواحد، أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا، ولم يأت به إلا واحد.
"من" لجمع العقلاء.
و "من" التجزئة والتبعيض، وتكون للتنويع، وتكون للإضافة كما لو قال رجل
الجزء 1 · صفحة 41
لعبيده: أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، وكانت الخشبة مما يقدر على حملها واحد، فأي عبد حملها وحده عتق، فكان المدلول اعتبار القوة، ولو لم يكن يقدر على حملها واحد يعلم أنه إنما أراد إزالتها عن مكانها.
مثال ذلك: رجل قال: أي عبيدي ضربته فهو حر، وله أعبد جماعة، فضربهم جميعاً بدفعة واحدة لا يعتق إلا واحدا؛ لأنه أضافه إلى الخصوص، وهي الهاء في ضربته؛ لأنها ضمير المذكر الواحد.
ولو قال: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه جميعاً عتق كلهم؛ لأنه أضاف «أيا» إلى العبيد، وهم عموم فعمت.
ولو أن رجلاً قال الرجل: من شئت عتقه من عبيدي فاعتقه، أو قال: اعتق من عبيدي من شئت، فأعتق الكل عتق الكل إلا واحداً، والخيار للمولى؛ لأن «من» تجمع العقلاء، و «من» للتبعيض. فإذا راعينا اللفظين عتق الكل إلا واحداً، والعتق متى أبهم كان الخيار إلى المالك؛ لأن ذاك إليه.
باب الحلف في اليمين يعتق ما في البطن
ما يقع في البطن وما لا يقع
الأصل في الباب: أن العتق لا يصح إلا في الملك، أو مضافاً إلى الملك، ووجود أصل الملك أبلغ من الإضافة.
مثال ذلك: رجل قال لأمة لا يملكها: كل ولد تلدينه فهو حر، ثم اشتراها بعد ذلك، فولدت في ملكه لا يعتق الولد؛ لأنه لم يضفه إلى الملك، ولو كانت عند القول في ملكه عتق الولد.
ولو قال لغلام لا يملكه: كل ولد يولد لك فهو حر، فزوج أمته فولدت ولداً، وكانت الجارية في ملكه وقت اليمين ووقت الحنث عتق الولد؛ لأن الملك هو الحقيقة، والإضافة لفظية، فكانت الحقيقة أقوى، فلا حاجة إلى الإضافة، والإضافة إلى الولد ليس بشيء؛ لأن الأب لا يلد، وإنما تلد المرأة، فكانت إضافة الولد إليه سبباً للعتق لا للحقيقة، ووقوع العتق لكونه في ملكه، قال الله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)
الجزء 1 · صفحة 42
ثم قال: "وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ"، فجعل الولد مضافاً إلى الأب، والولادة إنما تكون إلى
الأم.
ولو دخلت في ملكه جارية بعد اليمين لا يعتق ولدها لعدم حقيقة الملك، أو الإضافة إليه.
وأصل آخر في الباب: أن الإضافة متى وجدت كانت معلقة بما يتصف بها. مثال ذلك رجل قال لأمته: إذا ولدت ولداً فهو حر، وامرأتي طالق، فولدت ولداً ميتاً، ثم ولداً آخر طلقت المرأة بالولد الميت، وعتق الحي؛ لأن الميت ولد في الحقيقة، فوقع الطلاق، لكنه لا يتصف بالعتق، والحي يتصف بالعتق فعتق.
باب ما يقع به العتق على غير المأمور بالعتق وما يقع عليه
أورد محمد رحمة الله الباب ليجمع بين الإضافة حقيقة ولفظاً ودلالة.
الأصل في هذا الباب: أن الداخل تحت اليمين إن كان شخصاً مجهولاً، فكل من عرف
فهو خارج اليمين.
مثال ذلك: رجل قال لعبد من عبيده اعتق أي عبيدي شئت فاعتق نفسه لا يعتق؛ لأنه لما أضاف الفعل إليه أخرجه من أن يكون مفعولاً؛ لأنه لما قال: أعتق جعله فاعلاً، ولا كذلك إذا قالت امرأة لزوجها: إنك تزوجت علي، فقال: كل امرأة لي طالق طلقت المخاطبة؛ لأنه لم يصف، وإنما وقع كلامه مبتدأ، فوقع عليها. ولو كان في لفظه دليل الخصوص لا يقع عليها مثل أن يقول: ما دمت معي، أو غيرك.
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الاستثناء
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين كلمة إلا أن في أي حال يكون شرطاً وفي أي حال يكون استثناء. فإذا كانت استثناء يكون للغاية، وليفرق بين المشيئة لنفسه وبين مشيئته جعلها لغيره، فإذا جعلها لغيره تقتصر على المجلس، ومتى اقتصر على المجلس كان بمعنى المخيرة. وأجمعت الصحابة رضي الله عنه أن المخيرة لها الخيار ما دامت في المجلس، وإذا جعلها
الجزء 1 · صفحة 43
لنفسه تتأبد، فلم يجعل لنفسه شيئاً لم يكن من قبل، ولا يصير بمعنى المخيرة. مثاله: رجل قال لامرأته: أنت طالق إلا أن تقدم فلان لا تطلق ما دام يرجى قدومه، فإن مات قبل أن يقدم طلقت إلا أن هنا للاستثناء، فصار كأنه قال: أنت طالق إن لم يقدم فما دام يرجى قدومه لا تطلق، فإن مات فلان قبل أن يقدم طلقت، قال الله تعالى: "إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً "
وأما إذا قال: أنت طالق إلا أن يرى فلان غير ذلك، أو يبدو له غير ذلك، أو إلا إن شاء غير ذلك، فصارت بمعنى الشرط، وصار فلان لمعنى المخيرة، فإن قال: رأيت غير ذلك، وهو في المجلس لا يقع الطلاق؛ لأنه علق الطلاق بعدم رؤية فلان بغير ذلك، فإن رأى غير ذلك بر في يمينه، وإن قام فلان عن المجلس وقع الطلاق. وكذلك إن قال: لا أرى غير ذلك، وإن كان غائباً يقتصر على المجلس الذي يعلم فيه.
ولو قال: أنت طالق إلا أن أرى أنا غير ذلك، لا تطلق إلا عند الموت؛ لأن له يرى غير ذلك قبل أن يموت، فما دام حياً يرجى منه القول لا تطلق سواء قال: رأيت ذلك، أو لم أَرَ إلا أن يصرح بوقوع الطلاق.
أما إذا قال: أنت طالق إن شاء فلان، أو شئت أنا صار ذلك صريحاً في الاستثناء.
باب الحنث في اليمين
التي يقع الطلاق بها على الأولى ثم على الأخرى
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الاستدراك بين الرجوع.
الأصل: أن «لا» حرف رجوع، و «بل» للتدارك، فإن أدخل «لا» قبل إكمال الشرط بالجزاء يصح رجوعه، وإن أدخلها بعد إكمال الشرط بالجزاء لا يصح رجوعه. وإنما قال ذلك؛ لأن الشرط إذا لم يكمل بالجزاء لا تتم اليمين، فيصح الرجوع.
وأما إذا كمل الشرط بالجزاء تمت اليمين، وإذا تمت اليمين لا يصح الرجوع.
وأصل آخر: أنه متى ذكر بعد كلمة «بل» من هو محل لوقوع الطلاق كان العطف على نطلاق، ويقتضي مشاركة في الطلاق، وإن ذكر بعد «لا» «بل» من ليس بمحل لوقوع الطلاق كان عطفاً على الشرط، ويقتضي مشاركة في الشرط.
الجزء 1 · صفحة 44
وأصل آخر: أن كل كلمة يستقيم بنفسها لا تعلق بما قبلها، وكل كلمة لا يستقيم بنفسها تعلق بما قبلها؛ لأن التعليق بما قبلها للضرورة يكون، ومتى كانت يستقيم بنفسها فلا ضرورة في التعلق.
مثال ذلك: رجل له امرأتان، فقال لإحديهما: أنت طالق إن دخلت هذه الدار لا بل هذه لا مرأته الأخرى، فإن دخلت الأولى الدار طلقنا جميعاً، وإن دخلت الأخرى الدار لا تطلق واحدة منهما؛ لأن قوله لا بل دخلت على الطلاق خاصة، ولما قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فقد علق الطلاق بالدخول، فإذا قال: لا بل هذه، فقد رجع عن الأولى، وأقام الثانية مقام الأولى، فصار رجوعه عن الأولى باطل؛ لأن الشرط قد كمل بالجزاء، فلا يصح الرجوع، وإقامة الأولى مقام الثانية جائزة، فيقع الطلاق عليهما.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلان، فإن دخلت هي الدار أو فلان وقع الطلاق؛ لأن فلاناً ليس بمحل لوقوع الطلاق، فوقعت المشاركة في الشرط.
ولو قال: أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلان طالق طلقت فلان من ساعته، وطلاق الأولى معلق بالدخول؛ لأن قوله لا بل استدراك في الطلاق لا في الشرط والجزاء، فلم يتعلق بما قبله، فوقع الطلاق من ساعته.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً لا بل هذه وقع على كل واحدة ثلاثاً؛ لأنه استدراك بعد إكمال الشرط والجزاء، فلا يصح؛ ولأن قوله: أنت طالق ثلاثاً إيقاع، وقوله: لا بل هذه استدراك الأولى بعد الإيقاع، فلا يصح.
وقوله: هذه تعلق بما قبله؛ إذ لا فائدة فيه، فحمل على الطلاق.
ولو قال: أنت طالق ثلاثاً، بل هذه طالق طلقت الأولى ثلاثاً، والثانية واحدة؛ لأن
الكلام الثاني تمام بنفسه لا يتعلق بغيره. ولو قال: أنت طالق لا بل هذه إن دخلت الدار طلقت الأولى من ساعتها، وطلاق الثانية معلق بدخول الدار.
باب الحنث في اليمين في الهدم والكسر في الحائط والنقض
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين تفرق الاتصال وتشتت التأليف.
الأصل في الباب أن الهدم عبارة عن إفاقة الكل، وكذلك النقض.
أما الكسر فعبارة عن تفريق بعض الأجزاء، فالهدم ضد البناء، فما دام شيء من البناء قائماً لا يكون هدماً، قال الله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيع) (1)، معناه حتى صارت غير ذلك.
والنقض ضد التأليف، قال الله تعالى في قصة ريطة: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا
مِنْ بَعْدِ قُوَّة)،وكانت مجنونة تغزل جميع ليلها، وتنقضه نهارها.
والكسر ضد الجبر، فإذا كان فيه أدنى تفرق كان كسراً، قال الشاعر: وَكُنْتُ إِذَا غَمَرْتُ قَنَاةَ قَومٍ كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا.
ألا ترى أنه ذكر كسر الكعوب، وهي بعض القناة.
مثال ذلك: رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أهدم هذا الحائط اليوم، فهدم بعضه ودخل الليل طلقت امرأته، وكذلك إذا قال: إن لم أنقض هذا الحائط، وإن كانت له نية حمل عليها، ولو قال: أكسر كان واقعاً على البعض.
باب الحنث في اليمين يستثنى فيها صنف من الأصناف أو بعضها
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الأدنى والأعلى، وذلك أنه متى ذكر الأعلى اندرج تحته الأدنى، ولم يبق له حكم؛ لأن وهم السامع لا يأتي إليه.
الأصل في الباب: أن شرط الحنث وجود المسمى دون المستثنى، والمستثنى خارج عن اليمين، والاستثناء يعرف جنس المستثنى منه، واستثناء الشيء استثناء له، ولما دونه يكون استثناء لمثله، ولا ما فوقه؛ لأن الشيء يستتبع ما دونه، ولا يستتبع ما فوقه ولا مثله، ثم أعلا الأشياء الحيوان؛ لأن لها تصرفاً وهداية، وأعلاها بنو آدم؛ لأن الله تعالى فضلهم
الجزء 1 · صفحة 45
بالعقل والعلم، قال الله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى: كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) «ممن»، ولم يقل: «مما».
وممن لا يدخل الأعلى من يعقل أعني العقل التام، وهم الملائكة وبنو آدم، ولما علم الله آدم العلم فضله على سائر الملائكة، قال الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ)، فلما جهلوا، ا ما علمه آدم فضله. عليهم، وأمرهم بالسجود له تفضيلاً منه وتعليماً لنا، وتقدير ذلك: أنكم أنتم والملائكة صنفان وهم أهل السماء وأنتم أهل الأرض، فمتى كان أحدكم أعلم منهم فقد فضلهم، فكيف أنتم، وأنتم إخوة، وكذلك قال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، ثم قال: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ)، تقديره: غير ذي لب يجهل هذا، ولهذا قال النبي الله: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة، أي عالماً، وكذلك جميع الأنبياء صلوات الله عليهم أفضل من الملائكة، والفقهاء أفضل من الملائكة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العلماء ورثة الأنبياء، ولا شك أن وارث الإنسان أخص قرابته به، وإن اشتركوا في الميراث، فأخصهم أكثر نصيباً، ولذلك قال تعالى: {فَلَوْلاً نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) "، والإنذار لا يكون إلا إخباراً بالمصيبة في المستقبل كما قال تعالى
الجزء 1 · صفحة 46
(فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)، فجعل الله العالم يعلم ما كان وما هو حال الجميع الناس، ثم أشركه في علمه بما يكون، ومن عرف ما يكون من أمر الآخرة أفضل ممن يجهل ذلك. ولم أطول في هذا الباب إلا لئلا يقول واحد: إن الملائكة أفضل، فلم قال: بنو آدم أفضل الأشياء؟ فبينت نبذاً من الأدلة، ولو أردت الإكثار لكان من الكتاب العزيز والآثار النبوية في ذلك ما لم يسعه كتاب، ثم رجعنا إلى الباب
مثال ذلك: رجل قال عبده حر إن كان في البيت إلا رجل، فإن كان فيه رجل لا يحنث؛ لأنه مستثنى، والمستثنى خارج عن اليمين، وكذلك إن كان في البيت بهائم أو جمادات لا يحنث؛ لأن هذا كله دونه، وهذا إذا لم يكن له نية.
فلو كان في البيت صبي أو امرأة أو رجل آخر حنث، فإن نوى رجلاً من الرجال لا يحنث ما لم يكن فيه غيره، ولا يدين في القضاء.
ولو قال: إن كان في البيت إلا شاة، فكان في البيت شاة وجمادات لا يحنث؛ لأن الجمادات دون الشاة، ولا يدخل في ذلك سكان البيوت من الحيات والعقارب وغيرها؛ لأن أوهام الناس لا ينصرف إليها.
ولو قال: إن كان فيه شيء دخل تحته جميع الأشياء ما خلا سكان البيوت.
ولو قال: عبدي حر إن كنت أملك إلا خمسين درهماً، ولم يكن معه إلا عشرة دراهم لا يحنث؛ لأن استثناء الخمسين استثناء لها ولما دونها، ولو كان معه ذهب وخمسون درهماً حنث؛ لأن جميع المال واحد، فكان الاستثناء لم يعم.
باب الحنث في تقاضي الدراهم
الأصل في هذا الباب: أنه متى عقد يمينه على ترك التفرق في الاستثناء إن كنى عن الكل يقع التفرق على الكل، وإن كنى عن التفرق على البعض يقع على البعض، وإنما أورد محمد رحمة الله الباب ليفرق بين المستثنى والمستثنى منه.
مثال ذلك: رجل له على آخر مائة، فقال: عبدي حر إن أخذتها منك اليوم درهم دون در هم، فأخذ منها خمسين، ولم يأخذ الباقي حتى غربت الشمس لم يحنث؛ لأن شرط حنثه ثلاثة أشياء أخذ جميع المال متفرقاً في اليوم فما لم يوجد أخذه متفرقاً لم يحنث، ولو أخذه في
الجزء 1 · صفحة 47
اليوم دفعتين حنث إلا إن كان القبض متصلاً بعضه ببعض، وإن وجد في الدراهم زيوف أو نبهرجة لا يحنث استبدله أو لم يستبدله؛ لأن الزيوف من جنس الجياد، فكأنه قبض البعض دون البعض، وإن كانت ستوقاً أو رصاصاً، فاستبدلها في يومه حنث وإلا فلا، فصار كأنه لم يقبض إلا الجياد.
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الوقت دون الوقت
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الشرط إذا كان مقدماً وبينه إذا كان مؤخراً. والأصل: أنه متى أدخل شرطاً على شرط قبل إكمال الأول بالجزاء، فالشرط الثاني مقدم، والأول مؤخر؛ لأن الجزاء إنما يتعلق بالآخر على الحقيقة، فيبقى مثل المبتدأ ولا يهمل الشرط الأول، فيصير مثل المعطوف عليه، قال الله تعالى: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ)، معناه إن كان الله يريد أن يغويكم لاينفعكم نصحي، وأنشد سيبويه:
يا أَقْرَعَ بنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ ................................. إِنَّكَ إِنْ يُصْرَعُ أَخُوكَ تُصْرَعُ
تقديره: إنك تصرع إذا صرع أخوك.
إذا قال الرجل: إن دخلت الدار إن كلمت فلاناً، فعبدي حر، فدخل الدار، ثم كلم فلاناً لا يحنث، وإن كلم فلاناً، ثم دخل الدار حنث؛ لأنه أدخل شرطاً قبل شرط قبل إكمال الأول بالجزاء، فتعلق بالأقرب منه، وأقربهما آخرهما، فصار مقدماً، والثاني مؤخراً، ومتى أشكل عليك الفعل اعتبر الوقت. إذا قال: إن دخلت الدار إذا جاء غد فعبدي حر يعتبر دخول الدار بعد مجيء الغد.
وسائر ألفاظ الشرط على ما بينت لك وإن عني غير ذلك هو على ما عني، وكذلك إن
قدم الجزاء، فقال: عبدي حر إن دخلت الدار إن كلمت فلاناً.
الجزء 1 · صفحة 48
باب الحنث في اليمين
فيما يقع على مرتين وما يقع على مرة واحدة
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين «كل» و «كلما». الأصل فيه: أن كلاً» تدخل على الأسماء، ولا تدخل على الأفعال، فلا توجب الاسم لا يتكرر. تكاراً؛ لأن الاسم!
و «كلما» تدخل على الأفعال، والأفعال تتكرر، وقال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) والنفس متى ذاقت الموت مرة لا تذوقة ثانياً، وقوله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَاهَا اللهُ)، فجمعت الأفعال، وأوجبت التكرار، وقال تعالى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا) وأورد الباب أيضاً ليفرق بين الإضافة والعطف، فحكم المعطوف حكم المعطوف عليه. والأصل في الباب: أن كل كلام كان تمامه بما قبله كان لكلمة التكرار فيه أثر، وكل كلام يكون تمامه بما بعده لا يكون لكلمة التكرار فيه أثر.
مثاله: رجل قال: كل امرأة لي تدخل الدار فهي طالق، وله أربع نسوة فدخلت واحدة منهن الدار طلقت، فإن خرجت، ثم دخلت ثانياً لا تطلق لما بينت من أن «كلا» لا توجب التكرار.
ولو دخلت غيرها طلقت؛ لأن «كلا» توجب جميع الأسماء.
ولو قال: كلما دخلت امرأة لي هذه الدار فهي طالق، فدخلت إحداهن الدار طلقت،
وإن خرجت ثم دخلت طلقت أخرى.
وكذلك لو دخلت الثالثة.
ولو تزوجها بعد زوج آخر لا تطلق؛ لأن طلقات ذاك النكاح استوفيت.
وكذلك لو قال: كل امرأة أتزوجها، فتزوج بواحدة طلقت، ثم إذا تزوجها ثانياً لا
تطلق.
ولو كان قال: كلما طلقت كلما تزوجها، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 49
باب اليمين في الإيلاء التي تكون يمينا واحدة والإيلائين
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يقع به يمين واحدة وبين ما يقع به يمينان. الأصل فيه: أن كل كلمة تكون تمامها بما قبلها فلكلمة التكرار فيه أثر، وكل كلام تمامه بما بعده ليس لكلمة التكرار فيه أثر.
ثم الأصل أن الطلاق في باب الإيلاء يقع بعدد المرة، والكفارة بعدد الأيمان. مثاله إذا قال الرجل: كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين، فوالله لا أضربك، فدخل الدارين مرة بعد مرة، ثم ضربه لا يحنث إلا مرة واحدة؛ لأنه ليس لكلمة التكرار فيه أثر.
ولو قال: كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين، فعلي يمين إن ضربتك، فدخلهما جميعاً ثم ضربه، فعليه كفارتان؛ لأن قوله: فوالله يمين تقوم بذاتها، وما تعلقت بغيرها فوجب أن يحنث مرة واحدة.
وأما قوله: «فعلي يمين» لا يستقيم بنفسها إلا بضمير يضمر، وهو قولك: فعلي بها
يمين، والباء تكون للإلصاق أو باللام، فهي للإضافة فتتكرر الحنث واليمين جميعاً فسواء هو للإيلاء واليمين.
باب ما يكون من الإيلائين اليمينين
يقعان في موطن واحد وما يقع متفرقاً
هذا الباب يشبهه الباب الأول لا فرق بينهما إلا قليلاً، وأنا ذاكر ما خرج عن الأول مع أصل هذا الباب.
والأصل في الباب: أن عدد الطلاق بعدد المرة وعدد الكفارة بعدد الأيمان.
وأصل آخر: أن الطلاق يقع بترك الفيء في المرة، فإن ترك فيئاً واحداً يقع تطليقة
واحدة، وإن ترك فيئين يقع طلاقان، وإنما يصرف ذلك بالمرة، فإن ترك بمرة واحدة تقع تطليقة واحدة، وإن ترك مرتين تقع تطليقتان.
مثاله: إذا قال الرجل لامرأته: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، ثم قال في مجلس آخر: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، فجاء الغد فهو مول إيلاء واحداً، فإن قربها وجبت عليه
الجزء 1 · صفحة 50
كفارتان؛ لأنه حلف بيمينين، وجعلها إيلاءاً واحداً بمجيء الغد، وإنما قلنا: إنه يكون إيلاء واحداً؛ لأن شرط انعقاد المرة بمجيء الغد، وذلك يوجد في ساعة واحدة، فلا
ينعقد إيلا آن.
ولو قال في مجلس واحد: والله لا أقربك إذا جاء غد والله لا أقربك إذا جاء بعد غد، فإذا جاء الغد صار مولياً إيلاء آخر؛ لأنه جعل المدة في وقتين مختلفين، فيكون إيلاءين.
باب الحنث في اليمين
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يكون يميناً وبين ما لا يكون يميناً. الأصل في ذلك: أن كل جملة يؤكد بها الكلام يكون يميناً وما لا فلا، ولا يؤكد الكلام إلا اليمين بالله تعالى، أو بما كان شرطاً وجزاء، وذلك؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى مثل الطلاق المعلق والعتاق المعلق، وذلك إذا كان بمنع أو إثبات.
والأصل في الباب: أن اليمين على خبرين يمين يراد بها تعظيم المقسم به، وهي اليمين
بالله تعالى، ويمين هي شرط وجزاء، كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق؛ لأنه إذا قال هذا يسميه الناس حالفاً إلا إذا كان تفسير الطلاق السني، فحينئذ لا يكون يميناً؛ لأن ذلك مثل أن يقول لها: أنت طالق ثلاثاً للسنة، فإن ذلك لا يكون يميناً أو كان مما يقتصر على المجلس؛ لأنه تفسير الخيار؛ إذ لو كان يميناً لما اقتصر، والتخيير لا يكون يميناً، أو من جنس ما يقتصر على المجلس.
مثال ذلك: رجل قال: عبده حر إن حلف بيمين أبداً، ثم قال لامرأته: أنت طالق إن كلمت فلاناً، أو قمت، أو قعدت حنث، وكذلك اليمين بالله عز وجل، أو الحج أو العمرة أو بما كان قربه.
ولو قال: أنت طالق إن أردت أو هويت أو شيء من ذلك لا يكون يميناً أو رأس الشهر.
باب الحنث في اليمين بالخبر والبشارة والعلم
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الخبر والكناية والبشارة والعلم.
الأصل: أن البشارة اسم للخبر الصادق دون الكذب، ولا يحتمل التكرار، وهي مشتقة من الاستبشار، وذلك أن البشرة ظاهر الجلد يدل عليه قوله: هو الشعرة وأنقوا البشرة لما يظهر على وجه المبشر من سروره بما يكون بشارة، قال الله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)، والإنذار الإعلام بالمصيبة قبل أن يكون ذلك لا يكون إلا بالعلم الأول، والأعلام من العلم، وهو الجبل سمي علماً لعلم الناس به، وكذلك الراية سميت علماً لعلم الناس بها، وإنما هي راية من الروية، وذلك لا يكون إلا بالتبيين، وهذان لا يكونان إلا بالمخبر الأول والثاني لا يكون مبشراً ولا معلماً، والخبر يحتمل الصدق والكذب مثل البناء، قال الله تعالى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَيَا فَتَبَيَّنُوا)، ولا يكون هذا إلا في الكذب، فإن وصل بالباء الرائدة لا يكون إلا للحقيقة؛ لأن الباء للإلصاق، والشيء لا يلصق إلى الشيء، وليس هو بموجود.
مثال ذلك: رجل قال لآخر: إن أخبرتني أن فلاناً قد قدم فعبدي حر، فقال الرجل: قد قدم عتق عبده، وإن لم يكن قد قدم.
ولو قال: إن أخبرتني بقدوم فلان لا يعتق عبده إلا أن يكون فلاناً، قد قدم حقيقة.
وأما العلم والبشارة فلا يكونان إلا على الحقيقة، والعلم يكون لرفع الجهل سواء كان الخبر مما يسر أو يعم البشارة لا يكون إلا مما يسر، فإذا أضيفت صارت مع الإضافة كناية للآخر، والله أعلم.
باب الحنث في اليمين يقع بالفعل
والوقت وغير ذلك
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يتصف به الطلاق وبين ما لا يتصف به، وما يقع من ساعته، وما ينتظر به المعدوم. الأصل: أن الطلاق إذا علق بالموجود نزل من ساعته، ومتى علق بالمعدوم ينتظر وجوده.
الجزء 1 · صفحة 51
وأصل آخر: حروف الشرط إذا غيرت عن موضوعها الأصلي نزلت منزلة الحرف
الذي وضعت موضعه.
وأصل آخر: أن المجيء اسم لما يأتي أولاً من الشيء؛ لأنك تقول: جاء زيد وأنت ما رأيت إلا ربعه، كما يقول: جاء يوم الجمعة وأنت في أول لحظة منه، والمضيء اسم لآخره؛ لأنك تقول: مضى اليوم، وذلك بعد الزوال.
مثال ذلك: رجل قال لامرأته: أنت طالق في دخولك الدار، فمتى دخلت الدار طلقت؛ لأن في هنا تنزلت منزلة مع كأنه قال: مع دخولك الدار، وهذا إنما يكون باستكماله ..
ولو قال: أنت طالق في الدار وقع من ساعته؛ لأن الطلاق لا يتصف بدخول الدار، فصار كأنه قال: أنت طالق، وإن قال: عنيت دخول الدار دين فيما بينه وبين الله. وأما إذا علق بالمعدوم تعلق كما إذا قال: أنت طالق إذا قدم فلان وفلان لا يطلق ما لم
يقدما.
ولو قال: أنت طالق في مجيء يوم الخميس طلقت مع فجره.
ولو قال: في مضي يوم الخميس طلقت مع المغرب.
باب من الحنث الذي يقع بالملك والشراء
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الاجتماع والتفريق، وبين المعرفة والنكرة.
الأصل في الباب: أن الملك إذا ذكره في الإبهام يقتضي الاجتماع دون التفريق، وليس
مع الإشارة؛ لأن الإشارة للتعريف، والشراء يقتضي الاجتماع والتفريق!؛ لأن الشراء ذلك فعل لا يختص بالملك.
مثاله: رجل قال: إن ملكت عبداً فهو حر، فاشترى نصف عبد لا يعتق؛ لأن اسم العبد يكون بالاجتماع دون التفريق، فلو باع هذا النصف واشترى النصف الآخر لا يعتق لما ذكرنا ولو أشار إليه، فقال: إن اشتريت هذا العبد فهو حر، فاشترى النصف لا يعتق فلو باعه، ثم اشترى النصف الآخر عتق؛ لأن الإشارة من أقوى أسباب التعريف.
الجزء 1 · صفحة 52
باب اليمين في قوله أول عبد أملكه فهو حر
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الاسم والصفة، وبين ما يتجزأ وبين ما لا يتجزأ.
فالواحد اسم للأول من المعدودات. قال النابغة:
إِذَا مَا غَزَى بِالْجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُمْ .................. عَصَائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدِي بِعَصَائِبَ
جَوَانِحٌ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ قَبِيلَهُ ............................ إِذَا مَا الْتَقَى الْجَمْعَانِ أَوَّلَ غَالِبٍ
الجزء 1 · صفحة 53
والواحد صفة، تقول: جاء زيد وحده، والأوسط اسم لما تقدم عليه، مثل: ما تأخر
عنه، والآخر من المعدودات اسم المتأخر فرد.
بيانه: رجل قال: أول عبد أملكه فهو حر، فملك عبدين معاً لا يعتق واحد منهما؛ لأن الأول اسم لفرد سابق، ولو اشترى بعدها عبداً لا يعتق؛ لأنه ليس بأول، ولو اشترى عبداً ونصفاً عتق الكامل، وليس كذلك ما يتجزأ، ولو قال: أول كر أشتريه فهو صدقة فاشتري ستين قفيزاً لا يجب عليه شيء؛ لأن الكر عبارة عن أربعين قفيزاً.
باب الحنث في اليمين التي يستثنى فيها أوسطهم
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الصفة إذا وقعت على موصوف وإذا لم تقع عليه. وإنما أورد ذلك؛ لأن الصفة تقوم عند العرب مقام الاسم العلم.
والأصل في الباب: أن شرط الحنث وجود المسمى دون المستثنى في هذا الباب، هوالأوسط، فكل من كان أوسط أو يتوهم أنه أوسط لا يعتق.
مثاله: إذا قال الرجل: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر إلا أوسطهم، فملك عبداً أعتق؛ لأن الأول لم يتصف بالاستثناء، وإنما استثنى الأوسط، والأول متصف بالأولية، فلا يقع تحت الاستثناء يعتق من ساعته، فإذا اشترى ثانياً لا يعتق؛ لأنه يتوهم أنه يقع أوسط، فإذا اشترى ثالثاً لا يعتق الثاني ولا الثالث؛ لأنه يتوهم أن يكون أحدهما أوسط، فإذا اشترى رابعاً عتق الثاني؛ لأنه وقع في النصف الأول، فخرج من أن يكون وسطاً، وكل من وقع في النصف الأول عتق؛ لأنه خرج عن أن يقع في الاستثناء، فأخر هذا القياس أبداً، فإن مات الحالف بعد ما اشترى من العبيد وتراً عتق كلهم إلا الأوسط، وإن كانت العبيد شفعاً عتق كلهم؛ لأنه ليس فيهم من دخل تحت الاستثناء، ويعتق من عتق منهم من وقت الشراء، ولو ملك عبداً ثم عبداً ثم عبدين عتق كلهم.
أما الأول: يعتق وقت شراءه.
الجزء 1 · صفحة 54
باب الحنث الذي يقع بالواحد والذي يقع بالاثنين والذي يقع في طلاق السنة
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الواو و «أو».
فأما الواو فللجمع.
وأما «أو» فللتفصيل.
والأصل: أن الواو إذا وقعت بين الكلامين جمعت، و «أو» إذا وقعت بين الكلامين
فصلت. إذا قال الرجل: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً وفلاناً، فإن كلم الأول حنث، وإن كلم أحد الآخرين لا يحنث حتى يكلمهما جميعاً.
ولو قال: لا أكلم فلاناً وفلاناً أو فلاناً، فكلم أحد الأولين لا يحنث. وأما مسألة طلاق السنة فلم يكن يصلح أن يقع في هذا الباب، لكني وجدتها كذا، فأصلت لها أصلاً. هذه المسألة مبنية على مسألتين:
إحداهما: مذكورة في كتاب الطلاق، وهي أن الحامل تطلق للسنة ثلاثاً، وتنفصل مع
الحيض.
والثانية: في كتاب الصلاة أن النفاس من الولد الأول.
والأصل: أن الطلاق إذا علق بالفعل عند وجود الفعل كالمتكلم به بكلام صحيح في الوقت والرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق للسنة، ولم يكن من أهل السنة يتأخر الطلاق إلى وقت يصلح أن يقع فيه طلاق السنة.
بيانه: رجل قال لامرأته: - وهي حامل - كلما ولدت ولداً، فأنت طالق للسنة؛
فولدت ثلاثة أولاد في بطن واحد، فإذا ولدت الولد الأول لا تطلق؛ لأنه وصفها بطلاق للسنة، وما دامت نفساء لا يقع طلاق السنة من حيث إن النفاس كالحيض، والنص إنما جاء في الحيض، فقيست عليها، لكن يتأخر ذلك، فإن ولدت الثاني صار كأنه قال أيضاً:
أنت طالق للسنة، فيتأخر أيضاً، فإذا ولدت الثالث صار كأنه قال: أنت طالق للسنة
فيتأخر أيضاً، فإذا طهرت من النفاس وقعت عليها تطليقة؛ لأن وقوع الثلاث جملة خلاف السنة، فإذا طهرت من الحيضة الأخرى وقعت أخرى، فإذا طهرت من الثانية وقعت أخرى، فإذا حاضت أخرى وطهرت انقضت عدتها.
وأما إذا ولدت في بطون مختلفة، فيقع عليها تطليقة بالولد الأول، فإذا طهرت صار مراجعاً لها بالعلوق، ثم يقع طلقة أخرى بولادة الثاني، فإذا طهرت صار مراجعاً لها بالعلوق، فإذا ولدت الثالث وقعت عليها أخرى عليها العدة ثلاث حيض؛ لأن المسألة الأولى كان أول عدتها من الولد الأول؛ لأن ذلك في بطن واحد، وهنا كل حبل له حكم
على حدة.
الجزء 1 · صفحة 55
باب الحنث في اليمين التي يقع بالواحد والتي تقع بالاثنين
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين إضافة الفعل الواحد إلى جماعة، وبين إضافة
جماعة الأفعال إلى جماعة الأشخاص.
الأصل في هذا الباب: أنه متى علق الطلاق بفعل وإضافة إلى اثنين ينظر إن كان ذلك الفعل يستحيل وجوده منهما تعلق بوجوده من أحدهما، وإن كان لا يستحيل وجوده منهما تعلق بهما، فإن وجد الفعلان من أحدهما لا يقع، قال الله عز وجل: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُو وَالْمَرْجَانُ)، إنما يخرج اللؤلؤ من البحر المالح، وقال تعالى: (نَسِيَا حُوتَهُمَا)، ولم ينس إلا يوشع.
وأما تعلق جماعة الأفعال بجماعة الأشخاص، فمثل قوله تعالى: {لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِ مُتَفَرِّقَةِ)،وقال تعالى: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ) (4)، وإنما يخرج كل واحد من جدثه.
بيانه: رجل له أربع نسوة، فقال: إذا حضن حيضة، فأنتن طوالق، فقالت إحداهن:
حضت، فإن صدقها يقع على كل واحدة منهن تطليقة، وإن كذبها يقع عليها خاصة؛
لأنه أضاف فعلاً واحداً إلى جماعة، فلو حملناه على الجمع تعذر، وإن حملناه على أحدهم
الجزء 1 · صفحة 56
يصح، والكلام يقصد به الصحة دون الفساد، فإذا صح كانت الواحدة مصدقة في حقها غير مقبولة القول في البواقي، فإذا صدقها صح في الجميع.
فلو قلن جميعاً حضنا يقع على كل واحدة منهن تطليقة سواء كذبهن أو صدقهن.
ولو أضاف جماعة الأفعال إلى جماعة يقسم عليهم، مثال ذلك: أن يقول إذا حضتن فأنت طوالق فما لم تحض كل واحدة منهن لا تطلق هذا إن صدقهن، وإن كذبهن لا يقع.
ولو صدق الثلاث وكذب الواحدة تقع على المكذبة؛ لأن قولها مصدق في حقها وغير مصدق في حق غيرها، فإذا صدق الثلاث صح القول فيها، وبطل في الثلاث؛ لأنه مكذب لهن.
ولو قال لأربع نسوة: كلما حضتن حيضة فأنت طوالق، فقلن جميعاً حضنا حيضة، إن كذبهن يقع على كل واحدة تطليقة؛ لأن كل واحدة مصدقة في حق نفسها، والطلاق معلق بوجود حيضة، وقد طهرت، وإن صدقهن يقع على كل واحدة منهن أربع تطليقات إلا أنه لا مزيد على الثلاث فيقعن وتلغو الواحدة، فإن صدق الواحدة، وكذب الثلاث طلقن المكذبات كل واحدة تطليقتين، والمصدقة تطليقة واحدة؛ لأنه لم يظهر في حقها إلا حيضة واحدة، وهي حيضتها، والمكذبات ظهر في حقهن حيضة كل واحدة منهن، وحيضة المصدقة.
ولو صدق اثنتين وكذب اثنتين يقع على كل واحدة من المصدقين تطليقتين بقولها، وقول المصدقة الأخرى، ويقع على كل واحدة من المكذبتين ثلاث بقولها، وقول المصدقتين. ولو صدق الثلاث، وكذب الواحدة وقع عليها أربع إلا أنه لا مزيد على الثلاث. والفرق بين المسألتين أن الأولى: بحرف الشرط وهو «إذا»، والثانية بـ «كلما»، والتي بـ إذا لا يتكرر الفعل فيها كما يتكرر بـ «كلما».
قال في الكتاب: إذا قال لامرأتين له كلما ولدتما ولداً فأنتما طالقان فولدت كل واحدة منهما ولدين في بطن واحد وبين كل ولادتين يوم، فالتي ولدت أولاً وقع عليها تطليقتان، وعلى الأخرى ثلاث، وذلك لأنه أضاف بما يقع به التكرار، وهو كلما فلما ولدت الأولى وقع الطلاق عليها وعلى صاحبتها، فلما ولدت الثانية وقع عليها وعلى صاحبتها، فصار في حق الأولى ثنتين والثانية ثنتين، فإذا ولدت الأولى وقع على صاحبتها ولم يقع عليها؛ لأن عدتها انقضت، والنسب ثابت.
الجزء 1 · صفحة 57
باب الحنث في اليمين التي يقع حين يتكلم والتي لا يقع حتى يكون التي حلف به
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الإضافة إلى الموجود، وبين الإضافة إلى المعدوم. والأصل في ذلك: أن الطلاق إذا أضيف إلى الموجود أنزل من ساعته، وإذا أضيف إلى المعدوم ينتظر وجوده، وهذا لأن التوقيت لا يكون إلا لشيء معدوم، فإذا كان موجوداً استغني عن التوقيت.
وأصل آخر: أن الشرط الواحد يكسب الحنث في أيمان كثيرة، وذلك لأن الحنث متى وقع فإنما يتعلق بالجزاء، وقد يكون الشرط واحداً وله جزاءات كثيرة.
بيانه: رجل قال لامرأته وهي حامل إذا ولدت ولداً، فأنت طالق ثنتين، ثم قال: إن كان الولد الذي تلدينه غلاماً فأنت طالق واحدة، فولدت غلاماً طلقت ثلاثاً، وعليها
العدة بثلاث حيض.
ولو قال: إذا ولدت ولداً فأنت طالق اثنتين، ثم قال: إن كان الولد الذي في بطنك غلاماً فأنت طالق واحدة، فولدت غلاماً طلقت واحدة، وانقضت عدتها، وذلك لأنه علق الطلاق بالموجود، وهو قوله: إن كان الذي في بطنك، وهذا ليس كقوله: إن كان الولد الذي تلدينه، فهذا تعلق بالموجود، وهناك تعلق بالمعدوم.
باب الحنث في اليمين
بالحيض والفعل الذي يقع بعد الفعل وقبله
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما إذا علق الطلاق بالحيضة وبين ما إذا علقها بما قبل الحيضة.
والأصل في ذلك: أنه متى علق الطلاق بوقت قبل الحيضة لا ينتظر الطهر، ومتى علقها بالحيضة نفسها ينتظر كمالها وهو الطهر.
بيانه: رجل قال لامرأته: أنت طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر، فإن حاضت قبل الشهر لا يقع الطلاق، وإن حاضت بعد الشهر في أيام حيضها، فرأت الدم يوماً أو يومين لا تطلق، وإن رأت ثلاثة أيام ولياليها وقع الطلاق ولا ينتظر الطهر، وذلك لأنه لما علق
الجزء 1 · صفحة 58
الطلاق بشهر قبل الحيضة، فإذا رأت الدم ثلاثة أيام فقد ثبت الحيضة، فاستند الطلاق إلى الشهر ووقع.
ولو قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق لا يقع الطلاق ما لم تحض وتطهر؛ لأنه علق الطلاق بوجود حيضة، ولا حيضة إلا بعد الطهر؛ لأن المصدر لا يكون إلا بعد الكمال.
ولو جزأ الحيض بأن قال: نصف حيضة لا يقع ما لم يكمل الحيض.
باب الحنث في المواقيت
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الأوقات إذا تداخلت، وبينها إذا لم تتداخل. والأصل في ذلك: أن النكرة إذا وصفت بالكمال اتصفت، فإن قدر عليه وإلا استعير له حقيقة ذلك.
بيانه: إذا قال الرجل في بعض النهار: والله لا أكلم فلاناً يوماً وجب المنع عقيب اليمين ثم لم يكن بقي يوماً على الحقيقة، فوجب أن يمتنع إلى مثل تلك الساعة من الغد،
وتدخل الليلة ضرورة.
ولو قال ذلك في الليل: وجب المنع إلى غروب الشمس؛ لأن يوماً عبارة عن بياض
النهار كما أن ليلة عبارة عن سواد الليل.
فأما إذا قال: يومين دخلت الليلة للضرورة أيضاً.
فأما ثلاثة أيام فلا تكون إلا بلياليها.
باب الحنث في اليمين في اللبس وفي الدخول
الأصل: أن اليمين إذا تعلقت بالاسم، فزوال الاسم يوجب زوال اليمين. هذا إذا لم يبق شيء مما وقعت عليه اليمين، ثم إن عاد، فإنما يعود بصيغة جديدة، فلا تعود اليمين؛ لأن هذا غير الأول، وإن كان العود ينقض الفعل لا تتغير اليمين؛ لأن بقاء شيء من
المسمى كبقاء الجميع، والصفة في الحاضر ليست بشرط؛ لأن الإشارة تغني عنها، وفي الغائب شرط؛ لأن التعريف للحاضر بالإشارة يكون، وفي الغائب بالصفة.
بيانه: رجل قال: والله لا أدخل هذه الدار، فدخلها بعد ما هدمت وصارت صحراء حنث، ولو كان قال: لا أدخل داراً فدخلها بعد ما هدمت وصارت صحراء لم يحنث. والأصل في ذلك: أن قوله هذه اسم إشارة فلا يحتاج إلى قوله: داراً، وإذا نكر، فقال
الجزء 1 · صفحة 59
داراً، والدار مشتقة من الصفة، و، وهو الدوران فما لم تكن مبنية لا يحنث كما أنهم قالوا: حائط وإن لم يكن محيطاً؛ لأن الأصل إنما سمي كذا، ولو حلف لا يدخل هذه الدار، فهدمت وصارت صحراء، ثم بنيت مسجداً أو حماماً أو بستاناً، أو جعلت كلها بيتاً واحداً، أو غلبت عليها الفرات، فصارت نهراً، فعبرها لا يحنث، فإن عادت وصارت صحراء فدخلها لا يحنث، فإن بنيت داراً مرة أخرى، فدخلها لا يحنث؛ لأنها عادت بصيغة جديدة.
باب الحنث في اليمين في المساومة والنقصان
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين العرف ملفوظاً وبينه دليلاً.
والأصل: أن ألفاظ اليمين يخص بالعرف، ولا يزاد على لفظ الحالف.
بيانه: رجل ساوم رجلاً على ثوب بعشرة دراهم، فأبى البائع أن ينقصه من اثنى عشر درهماً، فقال المشتري عبده حر إن اشتراه باثني عشر، فاشتراه باثني عشر وديناراً وبثلاثة عشر حنث، ولو اشتراه بأحد عشر ودينار لا يحنث؛ لأنه عقد يمينه على اثني عشر ولم يوجد، فالدينار من جنس آخر لم يدخل في اللفظ. ألا ترى أنه لو اشتراه بعبد أو بثوب قيمته أكثر من ذلك أكنا يحنثه لا.
ولو أن البائع هو الذي حلف، فقال: عبده حر إن باعه بعشرة، فباعه بأحد عشر وبتسعة لا يحنث ما لم تبع بعشرة، وذلك لأنه نفى بيمينه في البيع بعشرة، والبيع بتسعة غير البيع بعشرة، فلم يكن في لفظه دلالة كما في لفظ المشتري دلالة؛ لأن في لفظ المشتري زيادة كأنه قال: لا أعقد معك هذا العقد ولا بزيادة.
باب اليمين في الهبة والصدقة والعارية
والنكاح والصلاة والحنث في ذلك
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الشرط إذا كان بالمصدر وإذا لم يكن، وبين
الإيجاب إذا كان يقع من أحد الجانبين أو لا يقع إلا من كليهما.
ثم الأصل في ذلك: أن يمينه إذا انعقدت على الديانة في المستقبل يراد بها الجائز دون الفاسد، ومتى انعقدت على المعاملة يراد بها الجائز والفاسد جميعاً، والإخبار عنها يقع على الجائز والفاسد جميعاً.
وأصل آخر: أنه متى بقي التمليك من جانب واحد يعتبر إيجابه ولا يعتبر قبول الآخر، وإن نفى التمليك من الجانبين جميعاً يعتبر الإيجاب والقبول. مثاله: رجل قال لآخر: عبدي حر إن وهبت لك شيئاً، فوهب له هبة، ولم يقبلها يحنث.
وكذلك الصدقة والعمري والهدية، وكلما كان من أحد الجانبين؛ لأنه قصد فعلاً يكون منه، وهو البدل، وقد وجد؛ لأن فعل الآخر ليس بشرط في صحة فعله هنا. ولا كذلك البيع فإنه إذا قال: عبده حر إن باع شيئاً فباع ولم يقبل لا يحنث، وذلك لأن البيع لا يصح من أحد الطرفين، ولا ينعقد إلا بإيجاب وقبول، فلا يحنث ما لم يقع العقد منهما.
ولو حلف لا يتزوج امرأة بغير شهود لا يحنث؛ لأن فيه معنى الديانة، فصار كأنه شرط ذلك صريحاً، فما لم تصح الديانة لا يحنث كما لو حلف لا يصلي اليوم، فصلى بغير وضوء لا يحنث.
ولو قال: إن كنت صليت وقد كان صلى بغير وضوء حنث؛ لأن الإخبار عن الماضي ليس فيه معنى الديانة، فصار بمعنى الإخبار، فيصح في الجائز والفاسد. ألا ترى أن الصفة في الحاضرة ليست بشرط؛ لأن اسم الإشارة أغنى عن الصفات، وفي الغائب شرط الخوف لحوق الاشتراك والفعل الماضي في التعريف بمنزلة اسم الإشارة، والمستقبل بمنزلة الغائب، فيحتاج إلى الصفة.
ولو قال: عبده حر إن صلى اليوم صلاة، فصلى ركعة لا يحنث؛ لأن المصدر لا يكون إلا بعد تمام الفعل؛ لأنه لما قال صلاة وجب أن يكون تامة، ولو لم يقل صلاة حنث بالركعة الواحدة، قال الله تعالى: {وَإِذَا كنت فيهم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)، فسمى الركعتين صلاة؛ لأن الألف واللام يكونان للكمال، وفي الركعة الواحدة قال: فليصلوا معك، فسماه مصلياً بركعة.
الجزء 1 · صفحة 60
باب الحنث في المساكنة والصيام والفطر ورؤية الهلال والأضحى والنكاح والطلاق أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يكون فيه قربة، وبين ما لا يكون فيه قربة، وبين ما يستغرق الوقت، وبين ما لا يستغرق الوقت.
|والأصل فيه: أنه متى نفى بيمينه فعلاً في وقت، فإن كان الوقت من شرط صحته كان للامتداد فيه، وإن لم يكن من شرط صحة الوقت، فهو كنفي الفعل.
وأصل آخر: أنه متى نفى بيمينه فعلا عاماً، وأضافه إلى وقت يراد به نفي الكون، وإن كان الفعل حاضراً يراد به التحقيق، والفعل إذا كان فيه قربة يراد به التحصيل؛ لأن التحصيل هو المراد بالفعل، فصار كالمنطوق به، وإن لم يكن فيه قربه يراد به نفي الكون.
مثاله: رجل قال عبده حر إن ساكنتك في هذه الدار شهر رمضان، فساكنه ساعة منه حنث؛ لأن هذا لا قربة فيه، فصار كلامه لنفي الكون، وقد وجد؛ ولأن الظرف لا بد أن يكون فيه معنى الوعائية، فصار كأنه قال: إن ساكنتك في هذه الدار في شهر رمضان، ولو قال كذلك حنث.
ولو قال: عبدي حر إن صام بالكوفة شهر رمضان لا يحنث ما لم يصم جميعه؛ لأن الصوم قربة، والقربة إنما يصح بالتمام، فلذلك افترقا. ألا ترى أنه لو كان شهر رمضان ولم يصمه لا يحنث.
ولو قال: عبده حر إن أفطر بالكوفة، فكان بها يوم الفطر إلا أنه لم يأكل، فإنه لا يحنث، فإن هذا لا قربة فيه، فصار كلامه لنفي الكون.
الجزء 1 · صفحة 61
باب الحنث في الوقت
الذي يكون قبل الفعل الذي يحلف عليه
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يجب إيجاب المرء فيلزم عينه، وبين ما يجب بإيجابه فيلزم غيره.
ثم الأصل: أن المتبوع في باب النذر غير ما تلفظ به، وفي باب اليمين معنى لم يتلفظ به. بيانه: أنه متى نذر نذراً لزمه عين ما نذر؛ لأن النذر لا يصح إلا فيما كان مثله فرض، فمتى ما أوجبه وجب كإيجاب الفرض، ومتى فات وجب قضاؤه، واليمين جملة يؤكد بها
الكلام، وتأكيد الكلام إنما يكون بما تحقق صحته، وهي اليمين بالله تعالى، فمتى حنث وجبت الكفارة؛ لأن اليمين ليس لها مثل ذهب إليه، فمتى حنث وجيت العقوبة إما غرم أو جلد.
وأصل آخر: أن النذر المعلق بالشرط عند وجوده بمنزلة ابتداء الإيجاب. مثاله: رجل قال: الله علي صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم فلان بعد ما أكل أو بعد الزوال أو في الليل لا يلزمه؛ لأن هذا نذر معلق بشرط، فنزل عند وجوده، ويصير كالمتكلم به في ذلك الوقت، ولو قال ذلك بعد هذه الأوقات لا يلزمه شيء.
ولو أمسك ذلك اليوم لا قربة فيه فلا يصح. ولو كان حلف، فقال: والله لأصومن اليوم الذي تقدم فيه فلان فقدم فلان بعد الأكل حنث؛ لأنه حلف على فعل مستقبل بشرط، فوجد الشرط، ولم يوجد الجزاء، فوجبت الكفارة. ألا ترى أن اليمين يصح فيما يتكون، وفيما لا يتكون، فإنه لو قال: والله لأمسن السماء حنث، وذلك لأنه أتى بما ينافي القسم؛ لأن القسم تعظيم الله تعالى، فيجب فيها يتصور وفيها لا يتصور، والكفارة تجب بالحنث، وما قبل الحنث تكون تطوعاً، فلا عبرة إلا في الظهار؛ لأن النص أوجبها قبل الحنث؛ لأن المراد أن لا يقع حنث، وليست يميناً بالله تعالى، فوجب، وإنما هو يشبه المحرم، فكان عقوبة قبل الفعل للردع حتى لا يقع في شيء يشبه المحرم.
الجزء 1 · صفحة 62
باب الحنث في ملك العبد والمكاتب
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الحقيقة والمجاز، وذلك لأن كل واحد منهما خلاف الأخرى؛ لأن الحقيقة ما جاء على الصحة، والمجاز ما عدل عن أصله إلى مثله. والأصل في ذلك: أن اليمين إذا تناولت الحقيقة فلا عبرة بالمجاز، وإذا تناولت المجاز انتفت الحقيقة؛ لأن الضدين لا يجتمعان.
وأصل آخر: وهو أن المتكلم إذا تكلم يحمل كلامه على الصحة دون الفساد، فإن وجدت حقيقة حمل عليها وإلا حمل على المجاز.
بيانه: إذا قال العبد أو المكاتب: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر فعتق، ثم ملك عبداً لا يعتق؛ لأنه يمينه لم يكن على الحقيقة؛ لأن ملك العبد والمكاتب لا حقيقة له، فصارت يمينه على المجاز، فإذا عتق صار ملكه حقيقة فلا يحنث؛ ولأن كلام العبد لا
الجزء 1 · صفحة 63
عبرة به في وقت من الأوقات. ألا ترى أنه غير مقبول الشهادة، ولو أقر لا يلتفت إليه إلا أن يكون مأذوناً من السيد، فصار كلامه مجازاً، وكلام الحر معتبر، فإذا عتق صار كلامه حقيقة فانتفى المجاز.
ولو قال: إذا عتقت فكل مملوك أملكه حر فعتق، ثم ملك عبداً عتق العبد؛ لأنه أضاف اليمين إلى وقت يحمل على الصحة، وهي الحرية، فصار كأنه قال بعد ما عتق كل مملوك أملكه حر.
رجل قال لامرأة حرة إذا ملكتك فأنت حرة، فارتدت ولحقت بدار الجرب ثم سبيت فاشتراها الحالف لا يعتق؛ لأن يمين الحالف لم يقع على الصحة أصلاً، وإنما أشبهت الكلام الصحيح، فصارت مجازاً، فإذا ارتدت ولحقت بدار الحرب، وسبيت فاشتراها صار ملكها حقيقة، فانتفى المجاز.
ولو كان قال: إذا ارتددت ثم سبيت فملكتك فأنت حرة، فكان ما ذكره عتقت؛ لأن کلامه معتبر، وملكه حقيقة.
باب الحنث على ما يقع على الأبد وما لا يقع عليه
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين النكرة والمعرفة، ويفرق بين ما يقع على استغراق العدد، وبين ما يقع على أقل العدد.
والأصل في ذلك: أن إيجاب النكرة يكون إيجاباً لما يقع عليه الاسم والتعريف إنما يقع للجنس، وأقله الواحد، فإن كان الجنس عدداً حمل على الأقل؛ لأن التسعة عندهم جميع العدد، والعشرة أول العقود، فصارت في استغراق العدد كالواحد من الجنس.
والأصل في ذلك: أن النفي في النكرة تعم، ومتى عمت كان القليل والكثير سواء، وفي التعريف مستغرقة.
مثاله: رجل قال: إذا صمت أبداً فعبدي حر، فأصبح صائماً حنث؛ لأن «أبداً» تأكيد لوقت مجهول، والمجهول إذا أكد اقتضى الأقل، وأقله لحظة صححت الصوم، وهي
الجزء 1 · صفحة 64
وقت انشاق الفجر مع النية. ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبدا وصلاة الجنازة لا تتكرر، وإنما تكون لحظة، وقوله تعالى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ) شهادة أبدا، فأي شهادة قبلت دخلت تحت النهي.
ولو قال: إن صمت الأبد فعبدي حر لا يحنث ما لم يصم جميع العمر؛ لأن الأبد اسم للزمان كله، وليس زمان الآدمي منه إلا عمرة، فاعتبر من وقت اليمين إلى آخر العمر، فإن صام جميع العمر عتق عبده مع زهوق الروح.
وأما إذا قال: إن كلمتك الأبد أو أبداً أو ساكنتك أو ضربتك، أو قال لامرأته: إن قربتك، أو اشتريت منك، أو بعت، أو شاركتك، ففعل مرة حنث؛ لأن ذكر الأبد هنا وأبداً سواء؛ لأن هذا فعل ليس من شرط صحة الوقت كالصيام، فصار للتأكيد، والتأكيد يقتضي نفي الكون.
وأما العدد فإذا قال: إن كلمتك الشهور أو الأزمنة، فإنما ينصرف إلى عشرة منها؛ لأنها غاية الجمع، وذلك أنك متى خرجت عن العشرة أعدت العدد، فقوله: الشهور، إنما يقع على العدد دون الاسم، فاقتضاه؛ لأنك تقول: ثلاثة شهور إلى العشرة، ثم يقول أحد عشر شهراً، فوقعت اليمين على المنطوق به لا على استغراق الجنس.
ولو قال: شهوراً وقع على ثلاث؛ لأنه أقل العدد، فوقع عليه لفظه؛ لأنه نكرة، ثم عرفه، فوقع لاستغراق العدد.
ولو قال: صوم لزمه يوم واحد؛ لأن هذا أقل ما يقع عليه الاسم؛ لأنه عبادة وقت مخصوص، فوقع على الأقل، وهذا إذا لم تكن له نية.
باب الحنث فيما يفعله الرجل لصاحبه فيما يفعله لغيره
أورد محمد رحمه الله الباب في الإضافة ليفرق بين ما تجري فيه النيابة، وبين. ما تجري
والأصل فيه: إذا حلف على ما تجري فيه النيابة، وأضاف العمل إليه يقع على الملك، وإن أضاف إلى المعمول لا يقع.
مثاله: رجل قال: إن بعت لك ثوباً فعبدي حر، فدفع المحلوف عليه ثوباً إلى رجل
وأمره أن يدفعه إلى الحالف لبيعه، فدفع الرجل الثوب إلى الحالف، وقال له: بع هذا الثوب لفلان فباعه حنث؛ لأنه أضاف فعله إليه. ألا تراه قال: إن بعث لك، فأضاف فعله
الجزء 1 · صفحة 65
إليه بخلاف ما إذا قال: بعت ثوباً لك؛ لأنه أضاف فعله إلى ملك مخصوص، وهذا يكون فيها تجري فيه النيابة مع النية، وأما ما لا تجري فيه النيابة مثل أن يقول: إن ضربت عبداً لك أو ضربت لك عبداً فهو سواء، ويقع على ضرب عبد في الملك.
باب الاستثناء من الأيمان التي تقع على الواحد والتي تقع على الجماعة
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين النكرة إذا اتصفت وبينها إذا لم تتصف، وبين وصفها بالجمع وبين وصفها بالإفراد والاستثناء وكذلك فيها؛ لأنه بالإخراج صار
موصوفاً دليلاً.
والأصل في ذلك: أن شرط الحنث وجود المسمى دون المستثنى، والنكرة في النفي نعم، وفي الإثبات تخص إلا أن وصفها بالعموم عمت، وإن وصفها بالخصوص خصت. مثاله: رجل قال لعبدين له: إن ضربتكما إلا يوم أضربكما فيه فامرأتي طالق فله أن يضربهما أي يوم شاء. فإن ضرب أحدهما يوم الخميس ثم ضرب الآخر يوم الجمعة فغابت الشمس ولم يعد الضرب إلى الذي ضربه يوم الخميس حنث، ألا ترى أنه لو قال: لا أضربك إلا يوم أتغدى أو في يوم بارد فاتصف بما وصف به اليوم.
باب اليمين التي تقع على الجماعة والتي تقع على الواحد
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين النكرة والمعرفة.
الأصل في الباب: أن الصفة في المعرفة لعود الصفة في النكرة شرط للبيان.
مثاله: رجل قال: إن لبست قميصين فعبدي حر، فلبس قميصاً ثم نزعه، ولبس
الآخر لا يحنث. ألا ترى أنه لما وصف نفسه بلبس قميصين دل على أن المراد لبسهما جميعاً.
ولو قال: إن لبست هذين القميصين فعبدي حر فلبس أحدهما، ثم نزعه ثم لبس الآخر
حنث؛ لأن هذا اسم إشارة، والإشارة من أقوى أسباب التعريف، فكأنه نفى عنه لبسهما،
وقد وجد. ألا ترى أنك لو قلت: رأيت هذا عرفناه، وإن لم يسمه ولم يصفه بخلاف ما لو قلت: رأيت رجلاً، فإنك كنت تحتاج إلى الصفة بأن تقول: أسود أو أبيض أو طويلاً أو قصيراً فسواء، ووصفه بالجمع أو بالإفراد، فإنما يقع كما وصفته به.
الجزء 1 · صفحة 66
باب الاستثناء في اليمين التي تكون من ذلك النصف ومن غيره
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما اتصف بالاستثناء وبين من اتصف بصفة أفعل. الأصل في ذلك: أن الغالب في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون من غير الجنس قال النابغة:
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَالاً أُسَائِلُهَا ... أَعْيَتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدٍ
إلا أواري لأياً ما أبينها ... والنوي كالحوض بالمظلومة الجلد ألا ترى إن أواري ليس من جنس أحد، وأفعل لا يكون إلا من الجنس، ولهذا استغنوا بهذه الصيغة أن يذكروا معها فعل الآخر؛ لأنك تقول: زيد أكرم من عمرو، فدل أن عمراً كريم أيضاً، ولم يذكر صفته صريحاً، وإنما قال جرير:
لَا تَطْلُبَنَّ خُؤُولَةٌ فِي تَغْلَبِ ... الزُّنْحُ أَكْرَمُ مِنْهُمْ أَخْوَالَا
فإنما أراد كرمهم من كرم الزنح لا من كرم العرب، فصارت هذه الطريقة هجواً. مثاله: رجل قال: إن أكلت اليوم إلا رغيفاً فعبدي حر، فأكل رغيفاً، ثم أكل بعد ذلك شيئاً آخر حنث؛ لأنه منع نفسه الأكل جملة، ثم استثنى رغيفاً، فصح استثناؤه.
ولو كان أكل معه شيئاً آخر يؤكل مع الخبز غالباً لم يحنث؛ لأن ذكر الشيء يتضمن له ولما دونه معه، كما يقول: رأيت رجلاً، وإن كان لابساً ثيابه، فلا حاجة لك في ذكرها للعرف.
ولو أدخل عليها الباء الزائدة، فقال: إن تغديت اليوم إلا برغيف، فأكل معه شيئاً آخر حنث؛ لأن الباء للتحقيق، فنفت بدخولها غلبة الظن.
ولو قال: إن كنت أكلت أكثر من رغيف فعبدي حر، فإنه لا يحنث ما لم تكن الزيادة من الخبز، هذا إذا لم تكن له نية والغداء على عرف أهل البلاد. ألا ترى أن أهل البادية يسمون اللبن غداء، والغداء من طلوع الفجر الثاني إلى زوال الشمس، والعشاء من الزوال إلى نصف الليل، والسحور من نصف الليل إلى طلوع الفجر.
الجزء 1 · صفحة 67
باب اليمين في الذي حلف أن لا يجلس على شيء فجلس عليه وفوقه غيره
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين التابع والمتبوع.
والأصل في ذلك: أنه متى ذكر المتبوع تضمن التابع ضرورة، وذكر التابع لا يقتضي ذكر المتبوع، قال الشماخ:
كَأَنَّ فَتُودِي فَوْقَ جَابِ مُطَرَّدٍ ... مِنَ الْحَقْبِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ
إلى أن قال:
فَلَمَّا رَأَى الْإِطْلَامَ بَادَرَهَا بِهِ ... كَمَا بَادَرَ الْخَصْمُ اللَّجُوجُ الْمُحَافِزُ
مثال ذلك: إذا قال الرجل: عبده حر إن جلس على هذا الفراش، فبسط فوقه فراشاً
آخر، وجلس لا يحنث؛ لأنه مثله فلم يكن جلوسه عليه جلوساً على الآخر، ولو جعل عليه مجلساً، فجلس عليه حنث، ولو حلف لا يجلس على سطح، فبسط عليه ثم جلس عليه حنث؛ لأنه دونه، ولو حلف لا يجلس على الأرض، فبسط عليها وقعد لا يحنث؛
لأنه لم يكن عنها بد، فانصرفت يمينه إلى العرف قال:
فسُبحَانَ الَّذِي أَعْطَاكَ مُلْكَاً ... وَعَلَّمَكَ الْجُلُوسَ عَلَى السَّرِيرِ
وإنما أراد بتوابعه، وهذا إذا لم تكن له نية.
الجزء 1 · صفحة 68
باب من الأيمان الذي يقع الخيار فيه على واحد مرة أو مرتين أو ثلاثاً
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين «أو» وبين أحدكما وإن كان كل واحد منهما لأحد ما دخلت عليه.
الأصل فيه: أن «أو» لأحد ما دخلت عليه، كما تقول: جاء زيد أو عمرو، فإنك هنا قد أثبت المجيء، وشككت في أحد الرجلين. واحد صفة تصلح للواحد، وهي متى دخلت على الجمع أو التثنية إنما تميز منهم الواحد، وليس للآخر فيه شرك ولا ضمير للفعل
فيه.
وأصل آخر: أن اللفظ الثاني إذا أفاد عين ما أفاد الأول أُلغي وأُهْمِلَ، وإذا أفاد غير ما أفاده الأول أعمل.
مثاله: إذا كان للرجل ثلاثة أعيد: سالم ويزيع ومبارك، فقال: سالم حر، أو سالم ويزيع حران، أو سالم وبزيع ومبارك أحرار يؤمر بالبيان؛ لأنه أدخل حرف الشك بين كلامه، فاحتاج كلامه إلى البيان؛ لأنه قال: سالم حر، أو سالم وبزيع حران، فدخل الشك بين سالم وحده وبين سالم وبزيع كذلك، قوله: سالم وبزيع مبارك أحرار، فيجب أن يقال له: بين، فإن قال: اخترت الكلام الأول عتق سالم وحده، وإن اختار الكلام الثاني عتق سالم وبزيع؛ لأنه أدخل خرف الشك بين الجملتين، وإن اختار الكلام الثالث عتق الكل؟ لأن «أو» أفردت كل جملة من الأخرى، فأي جملة اختارها وقع العتق، فإن مات قبل البيان عتق سالم وحده كله؛ لأنه لا شك في عتقه؛ لأنه دخل في الثلاث حمل وعتق من بزيع نصفه؛ لأنه دخل في جملتين؛ ولأنه أشركه في عتقين، فتارة وقع وتارة لا، فعتق نصفه، وعتق من مبارك ثلثه؛ لأنه لم يذكر إلا في جملة واحدة، وبعد وقوع العتق لا يحتمل الرد، فلذلك وقع العتق في عبد ونصف وثلث احتياطاً. هذا إذا كان القول منه في حالة الصحة.
وأما إذا كان يقول في مرض الموت: ولا مال له غير هؤلاء العبيد، ولم تجز الورثة، فالثلث يقسم بينهم على قدر عتقهم، فيصيب سالم جميع رقبته، ويصيب بزيع نصف رقبته، ويصيب مبارك ثلث رقبته، فيحتاج إلى جملة لها ثلث ونصف وأقله ستة، فسالم يضرب بجميع الرقبة وهي سنة، وبزيع بنصف الرقبة وهي ثلاثة، ومبارك يضرب بثلث رقبته
الجزء 1 · صفحة 69
وهي سهمان، فذلك أحد عشر، فإذا صار ثلث المال على أحد عشر صار الجميع ثلاثة وثلاثين، فيعتق من سالم سنة، ويسعى في خمسة، وبزيع يعتق منه ثلاثة ويسعى في ثمانية، ويعتق من مبارك سهمان ويسعى في تسعة، فصارت جملة السعاية اثنين وعشرين، والوصية أحد عشر، فاستقام إلى الثلاث والثلاثين.
ولو كان قال: سالم حر أو سالم ويزيع أو سالم وبزيع ومبارك ولم يكرر لفظه الحرية عتق الجميع؛ لأن الشك هناك وقع في الجمل، وهنا وقع في الفعل فافترقا، وذلك؛ لأنا
قلنا: إن اللفظ الثاني إذا أفاد عين ما أفاده الأول أهمل، فهنا لما قال: سالم حر، فقد أثبت الحرية، فلما قال: أو سالم وبزيع، فبقي سالم بغير فائدة، والواو عاطفة، فعطفت بزيعاً على سالم، وسالم معتق، فلما. قال: ومبارك جرى كذلك إن كان ذلك في الصحة أو المرض، وخرجوا من الثلث أو لم يخرجوا، ولكن أجازت الورثة، وإن لم يجيزوا، فالرقبة الواحدة تقسم بينهم أثلاثاً لاستواء حالهم، فيسعى كل واحد منهم في ثلثي قيمته ويعتق ثلثه
ولو كان قال لهما: أحدهما حر أو سالم يؤمر بالبيان، فإن قال: أردت اللفظ الثاني عتق سالم، ولو قال: عنيت اللفظ الأول عتق أحدهما، لكن يؤمر بالبيان ثاني دفعة؛ لأن أحداً صفة في الرجل وليس للفعل فيه شرك كما يقول: جاء زيد وحده ليس معه أحد، فكانت صفة، وليس فيها معنى العطف ..
باب اليمين في الاستثناء الذي يبدأ به قبل اليمين واليمين التي تنقض أحدهما صاحبتها
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين حرف يكون للشرط، وبين حرف لا يكون. والأصل: أن الواو للعطف، وقد تكون للابتداء، ولا تكون للشرط، وكذلك أسماء الضمير والإشارة.
والأصل في الطلاق: أنه على ثلاثة أنواع:
1 - مرسل.
2 - ومعلق.
3 - ومضاف.
الجزء 1 · صفحة 70
فالمرسل: ينزل من ساعته، كقوله: أنت طالق.
والمعلق بالشرط: ينزل عند وجود الشرط.
والمضاف إلى وقت: ينزل عند وجود وقته.
بيان ذلك: رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق يصير الطلاق معلقاً بالدخول؛ لأن جواب الشرط بالفاء قد وجده.
ولو قال: إن دخلت الدار أنت طالق طلقت من سعته؛ لأن هذا اسم إشارة، فصار الكلام جملة من مبتدأ وخير، فوقع منجزاً؛ لأنه لم يكن معلقاً بشرط ولا مضافاً إلى وقت. ولو قال: عنيت به إذا دخلت دين فيها بينه وبين الله تعالى؛ لأن جواب الشرط قد يحذف منه الفاء، كقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسلام)، أي فيشرح صدره، قال جرير:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ... وَالشَّرُّ بِالشَّرُ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلَانِ
ولا يدين في القضاء؛ لأنه ادعى خلاف الظاهر.
ولو قال: إن دخلت الدار وأنت طالق طلقت من ساعته؛ لأن هذه الواو للابتداء؛ لأنه لم تتقدمها جملة بعطف عليها، فبقيت للابتداء، ولو أخر حرف الشرط بأن قال: أنت طالق إن دخلت الدار صار دخول الدار شرطاً للطلاق؛ لأن النون جاءت بعد جملة تم بها الكلام.
ولو أدخل الواو طلقت من ساعته؛ لأنها عاطفة، فقد عطفت جملة على جملة من غير شرط، وذلك قوله: أنت طالق وإن دخلت الدار، فصار كأنه قال: وإن دخلت الدار أيضاً.
وكذلك الفاء إذا دخلت موضع الواو؛ لأنها لا اعتداد بها؛ لأن الشيء لا يدخل إلا موضع نفسه، فإن النون للشرط، والفاء جواب الشرط، فلا تقع موقعها، فبقيت لغواً.
الجزء 1 · صفحة 71
رجل له عبد وامرأة، فقال: عبده حر إن كان فلان دخل الدار أمس، ثم قال: امرأته طالق إن لم يكن دخلها أمس عتق العبد وطلقت المرأة؛ لأنه أخبر عن الزمان الماضي، والزمان الماضي لا يحتمل الشك، فكأنه أكذب نفسه في كل كلام على حدة بالكلام الآخر، فيصح تكذيبه، فوقع العتاق والطلاق.
ولو كان ذلك بين رجلين، مثاله: عبد الرجل وامرأة لرجل، فقال أحدهما: عبده حر إن كان عبده دخل الدار أمس، وقال الآخر: امرأته طالق إن لم يكن دخلها أمس، لم يعتق واحد منهما؛ لأن كل واحد يصدق نفسه ويكذب رفيقه، والله أعلم.
باب اليمين في الرجل يعتق أحد عبديه إلى أجل
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين العتق المضاف إلى وقت، وبين العتق الذي لم
يضف.
الأصل: أن المولى يملك إيقاع العتق على أحد عبديه مرسلاً ومعلقاً ومضافاً، ويؤمر بالبيان بعد نزول العتق؛ لأنه لا يملك البيان قبل نزول العتق؛ لأنه لو جاز بيانه قبل نزول العتق أدى ذلك إلى تغيير شرط المولى؛ لأن الحالف إذا حلف على يمين لا يجوز له أن يغير حكمها. ألا ترى أنه ولو قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حر، ثم اشتراه ونواه عن كفارة يمينه لم يجز؛ لأن شرط عنقه أن يكون تطوعاً، فلا يجوز تغيير شرطه.
مثاله: إذا قال الرجل لعبدين له: إذا جاء غد فأحدكما حر، ثم قال عنيت هذا لا يصدق في حق الآخر. ألا ترى أنه لو مات أحدهما بعد مجيء الغد، فقال المالك: إنما عنيت الميت لا يصدق، ولو مات قبل مجيء الغد عنق الآخر أيضاً؛ لأن شرط عنقه أن يكون في ملكه أحدهما عند حدوث الغد، وقد وجد.
ولو قال لعبدين له: أحدكما حر ثم مات أحدهما عتق الحي؛ لأنه أهل للعتاقة، والميت
لا يصلح للعتق، والله أعلم.
باب اليمين في الإيلاء على إحديهما دون الأخرى
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين حكم الإيلاء هل هو لازم للرجل أو للمرأة؛ ولأن له حكمين: أحدهما تعلقه باليمين بالله تعالى أو بما كان لازماً الله تعالى، والآخر أنه نزل منزلة الطلاق، فيتعلق بالمرأة.
الجزء 1 · صفحة 72
الأصل في ذلك: أن الإيلاء عن إحدى المرأتين يجوز؛ لأن الإيلاء لفظ كناية تنعقد به المدة للبينونة عند انقضاء المدة، فصار كالطلاق الرجعي، وإذا أراد صرف الإيلاء إلى إحديهما قبل مضي المدة لا يجوز؛ لأن فيه تغيير شرط الحالف كما ذكرنا.
مثاله: رجل قال لامرأتيه: والله لا أقرب إحديكما كان مولياً من إحديهما لا غير؛ ولأن أحداً صفة تصلح أن تدخل على أحد المعدودين، فكل واحدة تدخل في اليمين، ألا ترى أنه لو كانت إحداهما أمة وقع عليها الطلاق لسبق مدتها، ولو كانتا حرتين إنما يقع الطلاق عند المدة، والبيان إليه، ولو صرف الإيلاء إلى إحديهما قبل المدة لا ينصرف، فلو ماتت إحداهما أو بانت تعينت الأخرى للتعيين كما قلنا في الباب الذي قلنا قبل هذا.
باب اليمين في الإيلاء في الرجل يكون تحته امرأتان
وأمة فيولي من إحديهما
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين قوله: «إحداكها وبين قوله: واحدة منكما، ويفرق بين قوله: «إحداهما وبين قوله: والأخرى، ويفرق بين الطهارة والطلاق.
والأصل: أن الإيلاء لفظ تنعقد به المدة للبينونة عند مضي المدة، والمدة للحرة أربعة أشهر، وللأمة شهران، لقوله عز وجل: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فجعل له الفيئ وعفا عنه بالكفارة، وجعل ترك الجماع أربعة أشهر طلاقاً.
مثاله: رجل قال الحرة وأمة تحته: والله لا أقرب إحديكما صار مولياً من إحديهما لا غير كما ذكرنا في الباب الأول، فلو اختار تعين الواحدة لم يكن له ذلك؛ لأنه يؤدي إلى تغيير شرط الحالف، فإذا مضى شهران بانت الأمة لسبق مدتها، وإذا لم يمض شهراً حتى عتقت الأمة لا يقع الطلاق على واحدة منهما حتى تمضي أربعة أشهر، فتبين أن الأمة إنما بانت لسبق مدتها لا للتعيين، وللزوج الخيار بعد الأربعة أشهر، ولو اشترى الأمة بقيت الحرة على الإيلاء؛ لأن إحديكما صالحة لكل واحدة منهما، فيخروج الأمة عن حكم الإيلاء لا تخرج الحرة، وإنما خرجت الأمة؛ لأنها ليست من أهل الطلاق، فلو أعتقها وزوجها
الجزء 1 · صفحة 73
عاد حكم الإيلاء، ويقع الطلاق على الحرة للسبق.
ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكما، وإحداهما أمة صار مولياً من امرأته؛ لأن واحدة إذا دخلت في النفي تعم على سبيل الأفراد؛ لأنها عدد وإحدى صفة، فلهذا افترقا. ألا ترى أنك إذا قلت: والله لا أكلم واحداً من رجال الكوفة، دخلت رجال الكوفة في يمينه على الأفراد.
ثم الأصل: أن الإيلاء كل يمين تمنع جماع الزوجة في المدة إلا بحق يلزمه.
بيانه: إذا قال الرجل لامرأتين له إحداهما حرة والأخرى أمة: إن قربت إحديكما، فالأخرى على كظهر أمي صار مولياً من إحديهما، فإذا مضى شهران بانت الأمة لسبق مدتها لا للتعيين، فإذا بانت الأمة سقط الإيلاء في حق الحرة؛ لأنه صار بحال لو قرب الحرة لا يلزمه شيء، ولو قال: إن قربت إحديكما فهي علي كظهر أمي فمضى شهران بانت الأمة، فإذا مضت أربعة أشهر بانت الحرة؛ لأنه جعلها خبراً لمبتدأ بقوله «إن قربت إحديهما فهي»، فهذا إنما يقع على المجامعة منهما فلا يعتد بينونة الأمة، فهذه مسائل الإيلاء انقضت.
وأما الطلاق فإذا قال: إن قربت إحديكما فالأخرى طالق، فإذا مضى شهران بانت الأمة، فإذا صارت أربعة أشهر، فإن كانت الأمة في العدة بانت الحرة؛ لأن الأمة في علقة من علائقه، فصار بحال لو قربها طلقت الحرة، ولو قرب الحرة طلقت هي، ولو انقضت عدتها لا تبين الحرة، ولو قال: إن قربت إحديكما فهي طالق، فمضى شهران بانت الأمة، ثم إذا مضت أربعة أشهر بانت الحرة سواء كانت الأمة في العدة، أو لم تكن؛ لأنه هنا جعل المطلقة خبراً لابتداء بقوله: فهي فهذه كناية عن الموطوءة. وأصل آخر: أن التسري هو مشتق من السر، والسر كناية عن الجماع، قال رؤبة:
فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْغَسَتق
الجزء 1 · صفحة 74
وذلك يصلح في أمته وأمة غيره، فإذا قال الرجل: إن تسريت جارية فهي حرة، فاشترى جارية وتسراها لا تعتق؛ لأن هذا يصلح لها ولغيرها ولمن في ملكه ولمن هي في غير ملكه، فلا يعتق ولو كانت الأمة في ملكه يوم حلف عتقت؛ لأن التسري ليس المراد منه الإتيان بالولد، إنما هو كناية عن الجماع.
باب الحنث في اليمين التي يكون فيها الاستثناء على
جميع الكلام وما يكون على بعض دون بعض
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين النداء إذا كان مبتدأ، وبينه إذا كان عقبيه حرف شرط؛ لأنه إذا كان مبتدأ كان مقصوداً به حقيقة، ومتى دخل عليه حرف الشرط صار
منصوباً، فلا تقع به حكم.
والأصل فيه: أن القذف سبة محققة، ومع الشرط تندفع الحقيقة.
بيانه: رجل قال لامرأته: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار فمتى دخلت الدار وقع الطلاق؛ لأن النداء لا يفصل بين الشرط وجزائه؛ لأنه يكون اسماً تاماً، فصار كأنه قال: أنت يا زيد إن دخلت الدار، فيحتاج إلى الجزاء، ولا يلزمه حكم القذف؛ لأنه أخرج السبة بالشرط والجزاء، فكانت غير محققة فلا يلزمه.
وأما إذا قال: يا زانية إن دخلت الدار فأنت طالق، فمتى دخلت الدار طلقت ولزمه حكم القذف؛ لأنه لما قال: يا زانية كان محققاً للسب، وقوله: «فأنت» جزاء؛ لأن دخلت الدار، فصار كأنه قال: يا عمرة أنت طالق إن دخلت الدار، فإن كان الطلاق رجعياً لا عن وإلا فلا؛ لأن المراد البينونة، وقد حصلت.
باب الشهادة في اليمين
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الحقيقة والمجاز في الشهادة.
والأصل: أن الضمان يجب على من ينقل كلمة التلف لا على الذي يثبت شرط التلف؛ لأن شرط التلف كسبب الإتلاف، وكلمة التلف هي اليمين بالطلاق والعتاق.
مثاله: رجلان شهدا أن رجلاً له عبد، فقال المولى لرجل أن يقول لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر وشهد آخران أنه قال له: إن دخلت الدار فأنت حر، وشهد آخران أنه دخل الدار، ثم رجعوا فالضمان على الأوسطين اللذين قالا: إن الوكيل قال للعبد: إن
الجزء 1 · صفحة 75
دخلت الدار فأنت حر، فصارت هذه المسألة كشهود الزنا مع شهود الإحصان، فالضمان عن شهود الزنا؛ لأن شهود الإحصان ما أثبتوا إلا عفة وصلاحاً، ولو شهد هذان على رجل أنه قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، وشهد آخران أنها شاءت ثم رجعوا، فالضمان على شهود التفويض؛ لأنه ليس في لفظ الشاهدين الآخرين إلا أنها شاءت.
باب اليمين في طلاق السنة وغير السنة
أورد محمد رحمه الله الباب ليبين الصفة الواقعة على المرأة، والصفة الواقعة على الطلقة والصفة الصالحة لهما.
ثم الأصل: إن كل نعت وصفة يصلح للطلاق في الغالب، فهي صفة للطلاق، فيقع من وقته، ولا يفصل بين الشرط والجزاء.
وكل نعت وصفة يصلح أن يكون للمرأة فهي صفة للمرأة، ويقع الطلاق في الحال. وكل نعت وصفة يصلح أن يكون صفة للمرأة، ويصلح أن يكون صفة للطلاق ينظرن ذكر التلطيقة، فهي صفة للطلاق، وإن لم يذكر التطليقة، فهي صفة للمرأة؛ لأنها هي متبوع، والطلقة تابعة، فمتى أبهم وقع على المعروف دون المجهول.
بيانه: رجل قال لامرأته: أنت طالق للسنة، فهذه لام الإضافة، فقد أضاف الطلاقمن السنة، والسنة جاءت بوقوع الطلاق في طهر لا جماع فيه، ولا طلاق ولا في حيضها
متقدم جماع ولا طلاق.
وكذلك إذا وصف الطلاق بأفعل، فقال: أحسن أو أجمل يقع على هذا الحكم؛ لأن الأحسن ما ورد عن رسول الله الله، فصار بهذا العرف صفة للطلاق حكماً.
وأما وقوع الطلاق بعد الحيض ومع الطهر فللضرورة كما قال تعالى: (أقم الصلاة بدلوك الشمس)، فلا يمكن إلا بعد طلوع الشمس، وبين هذا قوله ص: «صوموا رؤيته، ولا صوم إلا بعد رؤية الهلال
الجزء 1 · صفحة 76
ولو قال: أنت طالق تطليقة حسنة في دخولك الدار لا يقع إلا بعد الدخول لما ذكرت،
الجزء 1 · صفحة 77
ولو قال: أنت طالق حسنة في دخولك الدار صار نعتاً للمرأة، ووقع الطلاق من ساعته
الجزء 1 · صفحة 78
ولو قال: أنت طالق تطليقة قوية في بطشك لا يقع الطلاق ما لم تدخل الدار؛ لأن هذا صفة للتطليقة، فلا يقع إلا بعد وجود الشرط.
باب الحنث في اليمين ما يقع اليمين على ما حلف عليه
وما يقع على بعضه في النخل والشاة والكرم
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يقع يمينه على عينه وبين ما يقع عينه على غيره. ثم الأصل في ذلك: أن الكلام محمول على الحقيقة ما وجدت، فإن لم توجد الحقيقة حمل على المجاز.
بيان ذلك: أن كل ما يمكن أكل عينه يقع يمينه على عينه، وهذا هو الحقيقة، ولا يقع على الخارج منه، وما لا يمكن أكل عينه يقع اليمين على الخارج منه؛ لأنه لا يمكن حمله على الحقيقة، فيحمل على المجاز إلا إذا اختلط الخارج منه بشيء آخر، فزوال اسمه عنه لا يقع يمينه عليه كالناطف والنبيذ.
وأصل آخر في مبنى الأيمان: أن الحالف متى انعقدت يمينه على وجود الاسم، فإذا
زال الاسم سقطت اليمين، وذلك لأن الأسامي وضعت أعلاماً على المسميات، ونحت كل واحد معنى يقصد إليه لأجله؛ لأن شهوات الناس مختلفة بعضهم يشتهي هذا،
الجزء 1 · صفحة 79
وبعضهم يشتهي ذاك، فإذا زال الاسم زال ذلك المعنى الذي يقصد إليه لأجله، فيزول الحنث بزواله، وكذلك إذا كانت اليمين في العين لمعنى.
بيان ذلك: إذا قال الرجل إن أكلت من هذه النخلة شيئاً، فعبدي حر، فأكل من ثمرها أو رطبها أو بسرها أو سقرها الذي تخرج منها، ولا يعمل معه غيره يحنث؛ لأنه لا يمكن حمل الكلام على حقيقته بأن يأكل النخلة، فحمل الكلام على ما يخرج منها.
ولو حلف أن لا يأكل من هذه الشاة ولا نية له، فأكل من لبنها أو زبدها لا يحنث؛ لأن كلامه جاء على الحقيقة، فليس للمجاز فيه مدخل.
وأما زوال الاسم فلو حلف لا يأكل من هذا العنب، فأكل من زبيب جعل منه أو من عصيره ودبسه لا يحنث؛ لأن أكل عينه مقدور عليه، وبزوال الاسم انتقل ذلك الاسم فلغى اسم الإشارة أيضاً.
وبضد ذلك لو حلف لا يكلم هذا الشاب، فكلمه بعد ما صار شيخاً يحنث؛ لأنه
مقصود بنفسه.
ولو كانت اليمين بسبب مثل أن يكون بين رجل وامرأة تهمة، فيحلف أن لا يكلم هذا الصبي، فكلمه بعد ما صار شيخاً لا يحنث. ألا ترى أنه لو حلف أنه لا يأكل لحم الشاة
المرض به أو بها، فإذا زال ذلك فأكل منه لا يحنث؛ لأن المعنى المقصود زال.
باب الحنث في اليمين التي
تقع على الخاص والعام من الأكل ونحوه
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الفرد والأنثى.
والأصل فيه: أن الأسماء على نوعين: اسم جنس واسم نوع، فأهم الجنس يقع على
الخاص والعام، واسم النوع يقع على الخاص دون العام.
والهاء على أضرب هاء تأنيث، وهاء أفراد وهاء جمع وهاء مبالغة.
فأما محمد لم يذكر الاثنتين منها فبينتهما وذكرت من الآخرين طرفاً فهاء التأنيث تقع على الإناث خاصة، وذلك كل هاء جاءت زيادة لما كان في مقابلتها ذكر مثل ذلك حماره؛ لأن الأصل في المذكر حمار، فزيدت الهاء للتأنيث، وهاء الفرد كثير كالبغلة والجرادة والعمامة والتمرة؛ لأن الجمع بغال وجراد وعمائم وتمر، فهذا ما ذكره محمد رحمه الله في الجامع.
وأما ما لم يذكره فعلامة ونسابة فهذه للمبالغة في الصفة؛ لأنه لما أدخل على المذكر صفة
الجزء 1 · صفحة 80
لا تلائمه، فعلم من ذلك أن المراد أمر آخر، وليس إلا المبالغة.
فأما الجمع فحمالة وبغالة؛ لأن واحدهم بغال وحمال، قال:
كما تطرد الجمالة الشردا بيانه: رجل قال عبده حر إن أكل لحم دجاج ابداً، فأكل لحم ديك أو دجاجة يحنث؛ لأن الدجاج اسم جنس، فيقع على الذكر والأنثى، قال جرير: لَمَّا تَذَكَرْتُ بِالدَّيْرَيْنِ أَرْقَنِي ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس ألا ترى أن الدجاجة لا تقصد صياحها، وإنما المراد صوت الديكة.
وكذلك لو حلف لا يأكل لحم جمل يقع على الذكر والأنثى والعربي البختي. ولو حلف لا يركب حمارة يقع على الأثنى خاصة؛ لأن الهاء للتأنيث وكذلك التمرة والعمامة، فإن الهاء فيها للإفراد.
باب الحنث في اليمين التي تقع على الحياة دون الممات وعلى الموت دون الحياة
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يتعلق بالحالف وبين ما يتعلق بالمحلوف عليه. والأصل فيه: أن كل ما يسر ويغم ويؤلم يقع على المحلوف عليه، وما ليس كذلك لا يقع عليهما.
بيانه: رجل قال عبده حر إن ضرب فلاناً أبداً فضربه بعد ما مات لا يحنث؛ لأن
المقصود من الضرب الإيلام والإيجاع والميت ليس بحساس، فكأنه إنما حلف عليه في حال حياته، وكذلك لو حلف أنه لا يكلمه أو لا يدخل عليه ...
وأما ما يقع على الحياة والوفاة جميعاً، فالغسل والوضوء والمس والحمل.
مثاله: لو حلف رجل لا يفعل هذه الأشياء برجل فمات وفعلها به بعد الموت حنث؛ لأن هذا مما يتعلق بهما جميعاً.
باب ما تصدق فيه المرأة على الحيض وما لا تصدق
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الحيض والحيضة.
واعلم أن الحيض اسم الجنس، والحيضة اسم النوع، وهو الواحد من الجنس، مثل ما تقول: الشرب تريد فعلك، وتقول: الشربة تريد ما يشرب مرة واحدة كاللقمة.
الجزء 1 · صفحة 81
والأصل فيه: أن الحيضة اسم للكامل منها، وكمال الحيضة لا يكون إلا إذا وجد الطهر، فإن الكمال عبارة عن النهاية، والحيض عبارة عن رؤية الدم بشرط المدة، والمدة ثلاثة أيام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة)، فإذا وجد الحيض ثلاثة أيام تحققنا أنه حيض وإلا فلا، والقول فيه قول الأمين ما دامت الأمانة في يده ومتى خرجت الأمانة من يده بطل قوله.
بيانه: رجل قال لامرأته: إذا حضت حيضة فأنت طالق، فقالت: حضت وطهرت وأنا طاهرة في الحال، فالقول قولها؛ لأن الطلاق يقع عليها بعد ما تحيض وتطهر، فإن لم تطهر لا تقع لقوله: حيضة.
ولو قال: إذا حضت فأنت طالق، فقالت: حضت منذ ثلاثة أيام، وأنا حائض يقع الطلاق عليها، وإن قالت: حضت ثلاثة أيام وطهرت، وأنا طاهر لا يقع عليها؛ لأن الأمانة خرجت من يدها يعني المدة المفوضة إليها.
باب من الأيمان التي يكون الاستثناء فيها
على جميع ما استثنى وعلى بعضه
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين «أو» وبين واحدة».
الأصل: أن «أو» لأحد الشيئين أو الأشياء وأحد للعدد الفرد.
ويبني أبو حنيفة رحمة الله المسألة على أي من القرآن، قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا
أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمَا مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ)
وقال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ) (3)، فـ «أو» هنا
الجزء 1 · صفحة 82
للجمع، كأنه قال: لهذا الضرب أو الصنف.
بيانه: رجل قال: والله لا أكلم أحداً أبداً إلا فلاناً أو فلاناً، فكلمهما جميعاً أو كلم أحدهما لا يحنث؛ لأن «أو» لما دخلت على الاستثناءين علم أن المراد ليس المنع، فحمل الكلام على الإباحة؛ لأن الاستثناء للتخصيص، قال أبو ذؤيب:
وكان سيان أن لا يسرحُوا نَعَماً ... أو يسرحوه بها، واغبرت السنوح
الجزء 1 · صفحة 83
فـ أو هنا بمعنى الواو؛ ولأنه لو خصصه فقد أفرده من جميع المنفيات، فعلم أن المراد نيس الإثبات، ولو قال: والله لا أكلم أحداً إلا أحد هذين الرجلين، فكلم أحدهما لا يحنث؛ لأنه مستثنى ولو كلمهما جميعاً حنث؛ لأنه قرن صفة النكرة بصيغة الفرد، وهو قوله أحد هذين الرجلين، فكان الداخل تحت الاستثناء أحدهما بخلاف الجنس، كما لو قال: لا أكلم أحداً أبداً إلا أحد الرجلين كوفياً أو بصرياً دخل كل الجنس تحت الاستثناء؛ لأنه استثنى هذا الجنس؛ لأن الألف واللام لاستغراق الجنس.
باب من الأيمان في الطلاق
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين كلمة «كل» وبين كلمة «كلما». والأصل في ذلك أن كلاً» يدخل على الأسماء، والاسم لا يتكرر، و «كلما» يدخل على الأفعال، والأفعال تتكرر.
و «كلما» هي «كل» دخلت عليها «ما» كما دخلت على «إن فكفتها عن عملها.
والشرط الواحد يكسب الحنث في أيمان كثيرة.
بيانه: إذا قال الرجل: كل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق إن دخلت الدار، وله امرأة وتزوج أخرى ثم طلقها قبل الدخول بهما، ثم تزوجهما في ثلاثين سنة، ثم دخلت الدار وقع على التي كانت في ملكه تطليقتان سوى الأولى؛ لأنه حنث في يمينين يمين الكون ويمين التزوج.
وأما التي تزوجها فلا تدخل إلا في يمين التزوج فحسب؛ لأنها لم تكن عنده وقت اليمين؛ لأنه حلف بيمين غير موجبة للتكرار.
ولو دخل الدار بعد ما طلقهما، ثم تزوجهما طلقت التي كانت في ملكه وقت اليمين تطليقة سوى الأولى، ولا تطلق التي تزوجها؛ لأنه إذا دخل الدار حنث في يمينه، ولو لم يكن المرأة في ملكه، فلما تزوج التي كانت عنده وقعت عليها تطليقة؛ لأنه حنث في يمين الكون حين دخل فلغا؛ لأنه لم يصادف الملك لكن يمين التزوج على حالها، فإذا تزوجها حنث فيها؛ لأن هذه أول امرأة يزوج بها، ويمينه باقية، فمن تزوجها قبل الدخول تطلق عند الدخول، ومن تزوجها بعد الدخول تطلق من ساعته.
وأما الأخرى إذا دخلت الدار حنث في يمينه، ولم يصادف الملك فلغا، فإذا تزوجها ثانياً، فقد تكرر شرط الحنث، فلا يحنث مرة أخرى.
الجزء 1 · صفحة 84
ولو قال: كل امرأة لي وكلما تزوجت بامرأة إلى ثلاثين سنة، فهي طالق إن دخلت الدار وعنده امرأة، ثم تزوج أخرى، ثم طلقهما قبل الدخول بهما، ثم تزوجهما، ثم دخل الدار طلقت كل واحدة تطليقتين سوى الأولى.
أما التي كانت عنده طلقت بمين الكون ويمين التزوج كما ذكرنا.
وأما الأخرى فقد تزوجها مرتين وانعقدت يمينه بكلمة «كلما»، وهي موجبة للتكرار، وقد وجد شرط الحنث، فيحنث فيهما لما ذكرنا أن الشرط الواحد يكسب الحنث في أيمان كثيرة.
ولو دخل الدار، ثم تزوجها طلقت كل واحدة تطليقة.
أما التي كانت عنده حنث فيها بيمين الكون ولغا، فإذا تزوجها طلقت بيمين التزوج. وأما الأخرى فقد حنث في حقها مرة ولغا، فإذا تزوجها تكررت اليمين، فتكرر الحنث، ووقعت عليها أخرى.
وإنما شرط السؤال في هاتين المسألتين إلى ثلاثين سنة؛ لأنه لو لم يوقت لا يقع الطلاق على التي تزوجها بعد الدخول؛ لأن دخول الدار يصير غاية ليمينه، فإذا اشترط ثلاثين سنة يقع الطلاق قبل دخول الدار وبعد دخول الدار.
باب من الأيمان التي يقع فيها
الأمران جميعاً أو أحدهما قبل صاحبه
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين التقدم والتأخر والتقدم مثل قولك: الابتداء والسبق وقبل، فهذه للتقدم وإلا أن وحتى وبعد للتأخر.
والأصل في ذلك: أن المقاربة مع حروف التقدم تهمل، ومع حروف التأخر تعمل. بيانه: رجل قال لصاحبه: إن ابتدأتك بالكلام أبداً أو إن كلمتك قبل أن تكلمني أو إن سبقتك بكلام، ثم التقيا فسلم كل واحد منهما على صاحبه وخرج كلامهما معاً لا يحنث؟ لأنه لم يسبق والشرط السبق، ولو كلمه بعد ذلك لا يحنث.
ولو قال إن كلمتك حتى تكلمني فعبدي حر أو قال إلا أن تكلمني فالتقيا وسلم كل واحد منهما على صاحبه وخرج كلامهما معاً حنث؛ لأن هذه حروف تكون لما بعد وبعد لا يكون إلا بانقضاء الأول ولم يوجد فحنث.
الجزء 1 · صفحة 85
و فرق آخر في هذا الباب: أورد محمد رحمه الله الفصل ليفرق بين المعرفة والنكرة. والأصل في ذلك أن الزوج إذا أقر بالحنث، ثم ادعى زواله وصرف الحنث من الظاهر إلى غيره لا يصدق، ومتى أنكر الحنث أصلاً فالقول قوله.
بيانه: إذا قال الرجل: أول امرأة أتزوجها فهي طالق، ثم أقر بتزويج امرأة، وصدقته المرأة، وقالت: أنا أول امرأة تزوج بعد يمينه، فقال الرجل: قد تزوجت امرأة قبلك، وهي فلانة فكذبته فلانة، أو صدقته فإن الطلاق يقع على المرأة الأولى التي أقر بتزوجها أولاً بإقراره، ويقع على المعروفة؛ لأنها هي المحلوف عليها حقيقة؛ إذ ليس معروفاً غيرها، فإن صدقته المجهولة لزم الزوج لها نصف الصداق إلا أن يعترف بالدخول، فيلزمه الجميع، ولو كان قال: تزوجت معها غيرها فالقول قول الزوج؛ لأنه لم يقر بالحنث أصلاً، وهذا كرجل قال لامرأتين إحديهما: زينب، والأخرى: عمرة إن تزوجت إحديكما قبل الأخرى فهي طالق، فتزوج زينب وادعت الطلاق، فقال: تزوجت عمرة قبلك ولا يعلم ذلك إلا بقوله تطلق زينب؛ لأنه أقر بالحنث، ثم ادعى صرفه عن المعروفة فلا يصدق، ولو كان قال: تزوجتكما معاً لا يحنث؛ لأنه لم يقر بالحنث أصلاً.
وأصل آخر: أن الزوج إذا أقر بطلاق ماض في نكاح ماض وله امرأة معروفة يصدق في الجميع؛ لأن الطلاق والنكاح عرفا بالخبر، ولم يرسل الطلاق في الحال ولا إضافة إلى الملك، فلم ينصرف إلى المعروفة لا دليلاً ولا صريحاً. ولو أقر بطلاق وإضافة إلى امرأته في الحال تعلق بالمعروفة، وكذلك إذا أقر بنكاح ماضي، وأوقع الطلاق في الحال، فإنه لا يصدق في صرفه عن المعروفة.
أما صورة المسألة الأولى: إذا قال قد كنت طلقت أول امرأة تزوجتها، أو قال: قد كنت طلقت امرأة تزوجتها يعني كنت تزوجتها، أو قال: كنت طلقت امرأة كانت لي، أو قال: كانت عندي امرأة، فطلقتها، ثم قال: هي غير المعروفة يصدق؛ لأنه أقر بطلاق ماض في نكاح ماض.
وأما الذي أقر بنكاح ماض، وأضاف إلى امرأته كما إذا قال: كنت طلقت امرأتي، أو واحدة من نسائي، فإن الإضافة هنا للحال، والطلاق المعجل لا يكون إلا بهذه الصورة أن يوقع الطلاق في الماضي، ويضيفه إلى المعقود عليها.
وأما الذي أقر بطلاق ماض، وأضاف إلى موصوفة كمن قال: أول امرأة تزوجتها فهي طالق، أو قال: طلقت أول امرأة تزوجتها، فإنه يقع على المعروفة.
الجزء 1 · صفحة 86
باب من الأيمان فيما يوجب الرجل على نفسه
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين الجنس والجمع، وبين ما يعنيه فيلزمه، وبين ما لا يعنيه فلا يلزمه.
والأصل في الباب: أن وجود المسمى دون المستثنى هو الموجب، فلا تجب إلا بوجوده
بيانه: إذا قال الرجل: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة دراهم، فجميع ما في يدي من الدراهم على المساكين صدقه فإذا في يده خمسة دراهم لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منها؛ لأن شرط حنثه وجود المسمى دون المستثنى، والمستثنى دراهم و در همان لا يستحقان اسم الدراهم؛ لأنه لما قال: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة، فقد استثنى ثلاثة دراهم، وشرط أن يكون في يده ما يستحق اسم دراهم سواها، ولم يوجد، فإن كان أكثر من خمسة دراهم تصدق بالجميع لوجود الشرط.
ولو قال: إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة دراهم، فعليه أن يتصدق بالكل؛ لأن «من» هنا لإبانة الجنس، وفي يده من الدراهم سوى ثلاث فحنث.
ولو أن رجلاً قال: إن بعت عبدي فثمنه في المساكين صدقه، فباعه يجب عليه أن يتصدق بالثمن؛ لأنه لما قال: قيمته، فالهاء هنا عائدة إلى العبد، فاتصف العبد بهذه الصفة، فوجب عليه المنذور به، فصار كأنه قال بعد البيع: هذه الدراهم صدقة، ولو نظر إلى كر حنطة وألف درهم في يد رجل، فقال: إن بعت عبدي بهذا الكر، وبهذه الدراهم فيها صدقه في المساكين، فباعه بهما جميعاً، وقبض الكر والدراهم جميعاً، فعليه أن يتصدق بالكر دون الدراهم؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المفاوضات، وإنما يتعينان في الغصوب والإهانات؛ لأن المراد من العقد إيصال هذا الجنس لا لمعنى في العين فسواء باع الذهب وأعطى الدراهم، أو باع بالدراهم وأعطى الذهب؛ لأن كل واحد منهما يغنى عن صاحبه في المقصود، فإذا لم يتعين لا يجب الصدقة بهما، ويجب أن يتصدق بالكر؛ لأنه لما تعين للعقد تعين للنذر، والكر مقصود بنفسه كسائر العروض والنذر لا يتعلق إلا بما كان في الملك، أو يضاف إلى الملك، وهنا لم يوجدا، وإنما يتصف عند القبض، فيصير عند القبض موصوفاً.
باب من الإيلاء في الغاية
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين ما يجب إذا جعل غاية وبين ما لا يجب.
والأصل في ذلك: أن كل ما كان له غاية تدرك قبل انقضاء الوقت لا يلزم وما لا والأصل في الإيلاء كل يمين يمنع جماع الزوجة في المدة إلا بحق يلزمه.
والأصل في الباب: أنه إذا جعل لإيلائه غاية إن كان لا يرجى وجودها في المدة صار مولياً؛ لأنه في حكم التأبيد.
وأصل آخر: أن النذر لا يصح إلا فيما كان قربة وما لا فلا.
بيانه: رجل قال لامرأته: والله لا أقربك حتى أعتق عبدي أو حتى أطلق امرأتي فلانة فهو مول وذلك أن الإيلاء ليس إلا بامتناع من الجماع إلا بغاية تكون قربة وهذه صورتها. ألا ترى أنه لو قال حتى أقبل زيد ألا يكون مولياً.
وأما إذا كانت المدة لا تدرك غايتها مدة الإيلاء، وهي أربعة أشهر، فيقع الإيلاء وما لا فلا.
مثاله: رجل قال لامرأته: والله لا أقربك حتى أصوم شعبان، فإن كان بينه وبين شعبان أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، وإن كان أكثر من أربعة أشهر صار مولياً. وكذلك ما لا بقاء للنكاح معه مثل قوله: حتى أقتلك أو تقتليني، فإن مع القتل لا بقاء للنكاح.
باب الإيلاء في الفيء باللسان والجماع
أورد محمد رحمه الله الباب ليفرق بين المعذور وبين فعل الصحيح.
والأصل في الباب: أن الفيء بالفعل يرفع مدة الإيلاء واليمين جميعاً، والفيء بالقول إذا صادف المدة يرفع المدة، ولا يرفع اليمين والفيء بالقول يدل على الفيء بالفعل؛ لأن القياس يوجب أن لا يرفع، لكن النص يرفع القياس.
مثاله: نص الى من امرأته، فإن فيئه باللسان، وهو أن يقول: فيئت إليها أو راجعتها، فإذا قال ذلك بطلت المدة، ولا يقع الطلاق بمضي أربعة أشهر، لكن إذا قربها حنث في يمينه؛ لأن اليمين باقية، وإنما جاز فيئه باللسان لما روي عن علي وابن مسعود أنهما قالا