الجزء 1 · صفحة 5
استئناس الناس بفضائل ابن العباس
تأليف العلامة
الملا علي القاري
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
رب زدني علماً يا كريم
الحمد الله على دين الإسلام، ومِلَّةِ نبينا محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، ومحبَّةِ أصحابه الكرام، وأهل بيته الفخامِ، أماتَنا الله على هذا المَقامِ، وحَشَرَنا معهم في يومِ القيام، وجمع بيننا وبينهم في دار الإنعام.
أمَّا بعد: فيقولُ الرَّاجي بِرَّ ربِّه البارِي، عليُّ بنُ سُلطانِ محمَّدٍ القارِي، عامَلَهما بلطفه الخَفِيّ وكَرَمِه الوفي، إنَّ هذه نُبذة يسيرة، وقطرةٌ صغيرةٌ، من بحارِ فضائلَ جَمَّةٍ كثيرة لحَبْرِ الأُمَّةِ وإمامِ أَئِمَّةِ المِلَّةِ، الجامع بينَ مَنقَبَةِ الصُّحبةِ ومرتبة نسبة أهل بيتِ النُّبوَّةِ، تَرجُمان القرآنِ، وتبيان الأحاديث أكمل البيان، ومُستنبط أحكام الفقه في زمانِ الأعيان، والأعلم بأشعار العرب، وما يتعلَّق بذلك الشَّأْنِ من الفَصاحةِ والبلاغة النَّثِرِ والنَّظم وسائرِ وجوهِ الحِسانِ عبدِ اللهِ بنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما. منها قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]. وقوله سبحانه: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23].
وقوله عزّ وجَلَّ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْريين} [الشعراء: 214].
الجزء 1 · صفحة 7
ومنها ما ذكره القاضي عياض في كتابه «الشَّفا بتعريفِ حُقوقِ المُصطَفَى»: أَنَّه قال للعباس: «أُغْدُ عليَّ يا عمّ معَ وَلَدِكِ، فَجَمَعَهم وجَلَّلَهُم بِمَلاءَتِه، وقالَ: «هذا عَمِّي وصنوأبي، وهؤلاء أهل بيتي فاستُرهم من النَّارِ كَسَتْرِي إِيَّاهم»، فَأَمَّنَتْ أُسْكُفَّةُ البابِ وحَوائِطُ البَيتِ: آمين آمين. والحديث رواه البيهقي عن أبي أُسَيدِ السَّاعِدِي. ومنها: ما ذكره أيضاً عن الشَّعبِيِّ صلّى زيدُ بنُ ثَابِتٍ على جَنازَةِ أُمِّه، ثمَّ قُرِّبَتْ له بغلته ليركبها، فجاءَ ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما، فأخذَ برِكابِه، فقال زيدُ: خَلَّ عنه يا ابن عم رسولِ اللهِ، فقال: هكذا أُمِرْنا أن نفعل بالعلماء، فقبل زيد يدَ ابنِ عباس، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعَلَ بأهل بيت نبينا. والحديث رواه الحاكم وصححه، [و] البيهقي وغيره.
ومنها ما ذكره أيضاً بإسناده عن زيد بن أرقَمَ قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَنشُدُكُمُ الله في أهل بيتي ثلاثاً، قلنا لزيد: مَنْ أهل بيته؟ قالَ: آل علي، وال جعفر، وآل عقيل، وآل العباس. والحديث أَخْرَجَهُ مُسلِمٌ فِي الفَضائلِ، والنسائي في المناقبِ.
ومنها: ما ذكره أيضاً: أنه قال: «إني تارك فيكم ما إِنْ أَخَذْتُم به لن تَضِلُّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تَخْلُفوني فيهما». والحديثُ رَواه الترمذي عن زيد بن أرقَمَ وجابرٍ، وحَسَّنَه.
ومنها ما ذكره أيضاً: أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «مَعرِفَةُ آلِ محمَّد براءةٌ من النَّارِ، وحُبُّ آلِ محمَّدٍ جَوانٌ على الصِّراطِ والوَلايةُ لآلِ محمَّدٍ أمانٌ من العذابِ. ومنها ما ذكره عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه، أَنَّه قالَ: ارْقُبُوا محمَّداً في أهل بيته.
وقال أيضاً: والذي نفسي بيده لقرابة رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليَّ أَن أَصِلَ من قرابتي.
والحديثُ الثَّانِي رَواه الشَّيخانِ.
الجزء 1 · صفحة 8
ومنها: حديث: «العبّاسُ عمي، وصنوأبي، وبقيَّةُ آبائي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ له ذنبه، وتقبل منه أحسَنَ ما عَمِلَ، وتجاوز عنه سَيِّءَ ما عَمِلَ، وأصلح له في ذُريته». رواه ابنُ عَساكِرَ عن عبدِ اللهِ بن قيس، عن عاصم، عن أبيه. ومنها: حديث: «ألا أُبَشِّرُكَ يا عَم! إِنَّ من ذُرِّيَّتِكَ الأصفياء، ومن عِتْرَتِكَ الخلفاء، ومنك المَهدِيُّ في آخرِ الزَّمانِ، به ينشر الله الهُدَى، وبه يُطْفِئُ نيران الضَّلالة، إنَّ الله فتح بنا هذا الأمر، وبذُرِّيَّتِكَ يُحْتَمُ». رواه الرَّافِعِيُّ عن ابنِ عَبَّاسِ رضي الله عنهما.
لا يُقالُ: ثَبَتَ في الأحاديثِ الصِّحاحِ أنَّ المهدِيَّ من ذُرِّيةِ فاطمةَ، على خِلافٍ أنَّه من وَلَدِ الحَسَنِ أوالحُسَينِ، فإنَّا نقول: لا منع من الجَمعِ بأن يكونَ المهدي من نَسلِهم جميعاً. ومنها: حديث: «مَن لم يُحِبَّ العبّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ وأهل بيته فقد بَرِئَ اللهُ ورسوله منه». رواه الدَّارَ قُطنِيُّ في «الأفرادِ»، وابنُ عَساكِرَ عن جابرٍ رضيَ اللهُ عنه.
ومنها حديث: «اللَّهُمَّ انصُرِ العبَّاسَ، ووَلَدَ العباس» ثلاثاً. رواه ابنُ عَساكِرَ عن عبدِ اللهِ بنِ عباس عن أبيه، وسَنَدُ رِجاله ثقات.
ومنها: حديث: «اللَّهمَّ اسْتُرْ العبَّاسَ ووَلَدَ العبّاسِ مِن النَّاسِ». رواه ابنُ عساكِرَ وغيره عن سهل بن سعد.
ومنها: حديث: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ للعبَّاسِ ووَلَدِهِ مَغفِرةً ظاهرةً وباطنة، لا تُغادِرُ ذَنباً، اللهم اخلفه في وَلَدِه». رواه الترمذي وغيره عن ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ومنها حديث: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلعَبَّاسِ ووَلَدِ العَبَّاسِ، ولِمَن أَحَبَّهم». رواه الخطيب وابنُ عَساكِرَ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 9
ومنها: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ِللعَبَّاسِ مَا أَسَرَّ وما أعلَنَ، وما أبدى وما أخفَى، وما كان وما يكون منه ومن ذُرِّيَّتِه إلى يوم القيامةِ». رواه ابنُ عَساكِرَ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه.
ومنها: حديث: «إِنَّ حَبْرَ هذه الأُمَّةِ لَعبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسِ». رواه الحاكِمُ عن ابنِ عُمَرَ.
ومنها: حديث: «نِعْمَ تَرجُمانُ القُرآنِ أَنتَ». رواه أبونُعَيمٍ في «الحِلْيَةِ» عن ابنِ عباس رضي الله عنهما.
ومنها: حديث: «اللَّهُمَّ أعط ابنَ َعبَّاسِ الحِكْمَةَ وعلمه التَّأويل». رواه أحمد والطبراني وأبونُعَيم، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما. ومنها: حديث: «اللَّهُمَّ بارِكْ فيه، وانشر منه»، قاله لابنِ عباس رضي الله عنهما،
رواه أبونُعَيمٍ في «الحِلْيَةِ» عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما.
ومنها حديث: «اللَّهُمَّ عَلَّمْهُ الحِكمَةَ وتأويل الكتابِ». رواه ابن ماجه وغيره عن ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما.
ومنها: حديث: «أَتَرَونَ أَنِّي إذا تعلقتُ بحِلَقِ أبواب الجنَّةِ أُوثِرُ على بني عبدِ المُطَّلِبِ أَحَداً؟». رواه ابنُ النَّجَّارِ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما. ومنها حديث: «لوأنِّي أَخَذْتُ بحَلْقَةِ بابِ الجَنَّةِ ما بَدَأتُ إلا بكم يا بني هاشم». رواه الخطيب عن أنس رضي الله عنه.
ومنها حديثُ: والذي نفسي بيده لا يُؤْمِنُ أَحَدُهم حَتَّى يُحبَّكُم لِحُبِّي، أيرجُونَ أن يدخلوا الجنَّةَ بشفاعتي ولا يَرجُوها بَنُوعبدِ المُطَّلِبِ؟». رواه الطبراني في «الصَّغير) عن عبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ.
ومنها: حديث: «أما والله لا يبلغونَ الخَيرَ - أوقال: الإيمان ـ حتَّى يُحبُّوكم اللهِ ولقَرابتي، أيرجُون شَفاعَتي ولا يَرجُوها بنوعبدِ المُطَّلِبِ؟». رواه الخطيبُ وابنُ عَسَاكِرَ عن عائشةَ رضي الله عنها.
الجزء 1 · صفحة 10
ومنها حديث: «يا بَني عبدِ المُطَّلِبِ إِنِّي سألتُ الله لكم ثلاثاً، سألته أن يُثيب نائِمكم، ويُعلّم جاهلكم، ويهدي ضالكم، وسألته أن يجعلكم جُوَداءَ
نُجَدَاءَ رُحَماءَ، فلوأنَّ رَجُلاً صَفَنَ بينَ الرُّكنِ والمَقامِ وصلَّى وصام، ثم مات وهومُبغِضُ لآل بيتِ محمَّدٍ دَخَلَ النَّارَ». رواه الطبراني وابن عساكر عن ابنِ عباس رضي الله عنهما.
ومنها: حديث: «إِنَّ مَثَلَ أهل بيتي فيكم مَثَلُ سفينة نوحٍ، مَن رَكِبَهَا نَجا، ومَن تَخلَّفَ عنها هَلَكَ». رَواه الحاكِمُ عن أبي ذر رضي الله عنه، وفي رواية: «غَرِقَ». ومنها: حديث: «خَيرُكم خَيرُكم لأهلي من بعدي». رواه الحاكِمُ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه.
ومنها: حديث: «أَحِبُّوا اللهَ لِما يَغْذُوكُمْ به من نِعَمِه، وأَحِبُّوني لِحُبِّ الله، وأَحِبُّوا أهلَ بَيتِي لِحُبِّي». رواه الترمذي والحاكِمُ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما.
ومنها: «أَثْبَتُكُم على الصِّراطِ أَشَدُّكم حُبَّاً لأهل بيتي وأصحابي». رواه ابنُ عَدِيّ وغيره عن علي رضي الله عنه.
ومنها: «مَن أحَبَّ أن يُبارَكَ له في أَجَلِه، وأن يُمَتِّعَهُ اللهُ بِما حَوَّلَه فليَخْلُفني في أهلي خِلافَةٌ حَسَنةً، ومَن لم يَخلُفني فيهم يُتِكَ عُمرُه، ووَرَدَ عليَّ يومَ القيامةِ مُسوَدَّاً وجهه». رواه أبوالشَّيخ في «تفسيره.
ومنها: حديثُ شَفاعتي لأُمَّتِي مَن أحَبَّ أهل بيتي». رواه الخطيب عن عليّ رضي الله عنه.
ومنها: حديث: «أربَعَةٌ أنا لهم شفيع يومَ القيامة: المُكرِمُ لذُرِّيَّتي، والقاضي لهم حَوائِجَهم، والسَّاعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمُحِبُّ لهم بقَلبِه ولسانه». رواه الدِّيلَمِيُّ من طريق عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ عباس، عن أبيه، عن أبي موسى الرّضا، عن آبائهم، عن علي رضي الله عنهم أجمعين.
الجزء 1 · صفحة 11
ومنها: حديثُ: والله لا يدخُلُ قلب امرئ إيمان حتَّى يُحبَّكُم للهِ والقَرابتي». رواه أحمد، عن عبدِ المُطَّلِبِ بن ربيعة.
ومنها: حديث: «إنَّ الإسلامَ عُريان، لباسه التَّقوى، ورياسه الهدى، وزينته الحياء، وعماده الوَرَعُ، وملاكه العَمَلُ الصَّالح، وأساس الإسلامِ حُبِّي وحُبُّ أَهلِ بيتي». رواه ابنُ عَساكِرَ عن علي رضي الله عنه.
ومنها: «كانَتْ مَشيئَةُ اللهِ عزَّ وجَلَّ في إسلام عمي العبَّاسِ، ومَشيئَتي في إسلامِ عمي أبي طالب، فغَلَبَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ مَشِيْتَتي». رواه أبونُعَيمٍ"
ومنها: حديث: كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه يستشيرُ عبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ في الأمر إذا أهمه، ويقولُ: غُصْ غَوَّاصُ رَواه ابنُ سعد.
ومنها: حديثُ سعد بن أبي وَقَاصِ قال: ما رأيتُ أحداً أحضَرَ فَهْماً، ولا أَلَبَّ لباً، ولا أكثَرَ عِلماً، ولا َأوْسَعَ حِلْماً من ابن عبّاس، ولقد رأيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يدعوه للمعضلاتِ، ثُمَّ يقولُ: عندَك قد جاءَتكَ مُعضِلَةٌ، ثُمَّ لَا يُجاوِزُ قولَه، وإِنَّ حَولَه لأهل بدرٍ من المهاجرين والأنصارِ. رواه ابنُ سَعدٍ
ومنها: أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قالَ: دَخَلتُ على عُمَرَ بنِ الخطاب يوماً فسألني عن مسألة كَتَبَ إليه بها يعلى بن أُمَيَّةَ من اليَمَنِ، فأجَبْتُه فيها، فقالَ عُمَرُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ لَتَنْطِقُ عن بيتِ نُبُوَّةِ. رواه ابنُ سعد. ومنها: حديث ابنِ عباس رضي الله عنهما قالَ: كنتُ في بيتِ مَيمونَةَ فَوَضَعتُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَهوره، فقالَ: «مَن وَضَعَ لي هذا؟ فقالت ميمونَةُ: عبد الله، فقالَ: «اللَّهُم فقهه في الدِّينِ، وعَلَّمْهُ التَّأويل.
الجزء 1 · صفحة 12
ومنها حديث عليّ رضي الله عنه في عبدِ اللهِ بنِ عباس رضي الله عنهما: إنَّه لَيَنظُرُ إلى الغَيبِ من سِتْرِ رَقيق؛ لعقله وفطنته بالأمور. رواه الدِّينَوَرِيُّ. ومنها: قولُ ابنِ عباس رضي الله عنهما: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لي أن يزيدني علماً وفَهما.
فهذه أربعون حديثاً في فضائلِه مُجمَلاً ومُفَصَّلاً فِي حُسْنِ شَمائِلِه. وأمَّا ما على ألسِنَةِ العَوامِ أَنَّه عليه الصَّلاة والسَّلامُ قَالَ: «مَن لم يَقْدِرْ على زِيارَتي فَلْيَزُرِ ابنَ عَمِّي». فلا أصل له عند العلماء الأعلام. وها أنا أذكر حديثين مُتعلّقين بمكانِ وِلادَتِه، وأوَّلِ حياتِه، وبزَمانِ وفاتِه وآخرِ حال مماته.
فالأوَّلُ: عن مُجاهِدٍ قالَ: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: لمَّا كَانَ النَّبِيُّ وأهل بيته بالشعب أتى أبي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا محمد! أَرَى أُمَّ الفَضْلِ قد اشتَمَلَت على حَمْلٍ، فقالَ: «العلَّ الله أن يُقر أعينكم»، فأتى بيَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وأنا في خِرْقَةٍ فحَنَّكني بريقه. قالَ مُجاهِدٌ: فلا نَعلَمُ أحَداً حُنَّكَ بريقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غيره. رواه ابن عساکر.
ويُروى: أَنَّ أَمَّهُ أُمَّ الفَضْلِ لَمَّا وَضَعَتْه أَتتْ بهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَذَنَ فِي أُذُنِهِ اليُمنى، وأقام في اليُسرى، وقالَ: «اذْهَبي بأبي الخُلَفَاءِ». رواه ابنُ حِبَّانَ وغيرُه. وقد ملأ عقبه الأرضَ حَتَّى قِيلَ: إنَّهم بلغوا زَمَنَ المأمونِ سِتَّ مئة ألفٍ. والله أعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 13
والثاني: عن ابنِ عباس رضي الله عنهما قال: دخلتُ أنا وأبي على رسولِ اللهِ، فلمَّا خَرَجْنا من عنده قلتُ لأبي: ما رأيتَ الرَّجُلَ الذي كانَ معَ النَّبي؟ ما رأيتُ رَجُلاً أَحسَنَ وَجْهاً منه، فقال لي: هوكانَ أَحسَنَ وَجْهَا أَمِ النَّبِيُّ؟ قلتُ: هو، قال: فارجع بنا، فرَجَعْنا حتَّى دَخَلنا عليه، فقال له أبي: يا رسول الله! أينَ الرَّجُلُ الذي كانَ مَعَكَ؟ زَعَمَ عبدُ اللهِ أنَّه كانَ أحسَنَ وَجْهاً منك، قال: «يا عبد الله رأيته؟» قلتُ: نَعَم، قالَ: «أمَا إِنَّ ذاك جبريلُ أمَا إِنَّه حين دخلتُما قال لي: يا محمد! مَن هذا الغلام؟ قلتُ: ابنُ عمّي عبد الله بن العباس، قالَ: أمَا إِنَّه لمحل له الخيرُ، قلتُ: يا رُوحَ اللَّهِ!
ادعُ اللهَ له، فقالَ: اللَّهُمَّ بارِكْ عليه اللَّهُمَّ اجعَلْ منه كثيراً طَيِّباً». رواه ابنُ النَّجَّارِ. وفي رواية: عن مَيمُونِ بنِ مَهران عن ابنِ عبّاس قالَ: مَرَرْتُ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وقد انصَرَفَ من صلاةِ الظُّهرِ وعلَيَّ ثياب بياضُ، وهويُناجي دِحْيَةَ الكلبي فيما ظَنَنتُ، وكان جبريل ولا أدري، فقال جبريل للنبي: يا رسولَ اللهِ! هذا ابنُ عَبَّاسٍ، أَمَا إِنَّه لوسَلَّمَ علينا لرَدَدْنا عليه، أمَا إِنَّه لَشَديدُ وَضَحِ الشَّيَابِ، وليَلِبِسَنَّ ذُرِّيَّتُه من بعدِه السَّوادَ، فلمَّا عَرَجَ جِبريلُ وانصَرَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما مَنَعَكَ أَن تُسَلَّمَ إِذ مَرَرتَ آنفاً؟» فقلتُ: يا رسولَ اللهِ مَرَرْتُ بكَ وأنتَ تُناجي دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ، فَكَرِهْتُ أن أقطَعَ نَجْوَاكُما بَرَدَّكُما عَلَيَّ السَّلامَ قالَ: «لقد أثبتَ النَّظر، ذلك جبريلُ، وليس أحدٌ راه غيرُ نبي إلا ذَهَبَ بصَرُه، وبصَرُك ذاهِبٌ، وهومَردودٌ عليكَ يوم وفاتِك».
الجزء 1 · صفحة 14
قال: فلما ماتَ ابنُ عبّاس رضي الله عنهما وأُدرج في أكفانه انقَضَ طائِرُ أبيضُ فأتى بينَ أكفانه، وطُلِبَ فلم يُوجَدْ، فقالَ عِكْرِمَةُ مولى ابنِ عباس رضيَ الله عنهم: أَحَمْقَى أنتم؟ هذا بَصَرُه الذي وعَدَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَن يُرَدَّ عليه يومَ وفاته، فلما أتوا به القبر، ووُضِعَ في لحده تُلقي بكلمةٍ سمِعَها مَن كانَ على شفيرِ القَبرِ: يَتَأَيَّها النَّفْسُ الْمُطْمَينَةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَدِي) وَادْخُلِي جَنَّنِ} [الفجر: ?? - ??].
وقد قرأ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «فادخُلي في عَبْدِي».
ثمَّ اعلَمْ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وُلِدَ قبل الهجرة بثلاث سنينَ، وأُمُّه لُبابَةُ بنت الحارِثِ، أختُ ميمونة زوج النبي، وتُوفِّي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وهوابنُ ثَلاثَ عشرةَ سنة. وقيل: خمسَ عشرةَ، وقيل: عَشر.
قال مسروقٌ: كنتُ إذا رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عبّاسٍ قلتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ، فَإِذا تكلَّمَ، قُلتُ: أفصَحُ النَّاسِ، فإذا تحدَّثَ قُلتُ: أعلَمُ النَّاسِ
ومات بالطَّائِفِ سنةَ ثمانٍ وستِّينَ في أَيَّامِ ابنِ الزُّبَيْرِ، وهوابنُ إحدى وسبعين سنة. روى عنه خَلْقٌ كثير من الصَّحابة والتابعين.
وكان أبيضَ طَويلاً مُشْرَباً صُفْرَةً، جَسيماً وسيماً، صبيح الوجه، له وَفْرَةٌ يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ.
الجزء 1 · صفحة 15
ومما يدلُّ على كمالِ حِفظه وفريد تيقظه ما في «الكامِلِ» للمُبَرِّدِ: أَنَّ ابنَ عَبَّاسِ رضيَ الله عنهما دَخَلَ عليه عُمَرُ بنُ أبي ربيعة وهوغُلامٌ، وعنده نافِعُ بنُ الأزرق، فقال: ألا تُنشِدُنا شعراً من شعرك، فأنشَدَه قصيدةً حتَّى أتمها، وهي ثمانونَ بَيتاً، فقالَ له ابنُ الأَزرَقِ: الله أنتَ يا ابنَ عَبَّاس لَتُضَرَبُ إليك أكباد الإبل تسألُكَ عن الدِّينِ، ويأتيك غُلامٌ من قريش فيُنشِدُكَ سَفَها فَتَسْمَعُه! فقالَ: تاللهِ مَا سَمِعْتُ سَفَها، فقالَ: أمَا أَنشَدَكَ قولَه:
رَأَتْ رُجُلاً أَمَّا إِذا الشَّمسُ عَارَضَتْ فيَخْزَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَخْسَرُ
فقال: ما هكذا قال وإِنَّما قالَ: فيَضْحَى وأمَّا بالعَشِيِّ فَيَحْصَرُ
فقال: أوتحفَظُ الذي قال؟ قال: والله ما سمِعْتُها إلا ساعتي هذه، ولوشِئتَ أن أرُدَّها لرَدَدْتُها، قالَ: اُردُدْها، فأنشَدَه إيَّاها كلها، فقال له نافع: ما رأيتُ أَرْوَى منك. وأخرج هذه القِصَّة أبوالفرج الأصفهانِيُّ في «الأغاني» بسنده من طرقٍ في بعضها: أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أنشدَها من أوّلها إلى آخِرِها، ثمَّ أَنشَدَها من آخِرِها إلى أوَّلِها مقلوبة، وما سمعها قط إلا تلك المرَّةَ، فقال له بعضُهم: ما رأيتُ أذكى منك، فقال: ما سمِعْتُ شيئاً قط فنَسيتُه، وإِنِّي لأسْمَعُ صوتَ النَّائحةِ فأسُدُّ أُذُني كراهة أن أحفظ ما تقول.
هذا، وقد وَرَدَ: «غِلَظُ القُلوبِ والجَفاء في أهلِ المَشْرِقِ، والإيمانُ والسَّكينة في أهلِ الحِجازِ». رواه أحمدُ ومُسلِمٌ عن جابرٍ رضيَ الله عنه.
وعن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: لبَيتُ برُكْبَةَ أَحَبُّ إِليَّ من عشرة أبياتٍ بِالشَّامِ. رواه مالك، وقال: لشِدَّةِ الوَبَاءِ بالشَّامِ.
وأقولُ: الأظهَرُ لكثرة الفتنةِ بالشَّامِ، وما يترَتَّبُ عليه من الآثامِ.
ورُكْبَةُ ـ بضَمِّ أَوَّلِها - مَوضِعُ بالحِجازِ بين عميرة وذاتِ عِرْقٍ.
الجزء 1 · صفحة 16
ورُوي عن ابنِ عباس رضي الله عنهما أنَّه قالَ: لأَنْ أُذنِبَ خَمسينَ ذَنباً برُكْبَةَ أحبُّ إليَّ من أن أُذنِبَ ذَنباً واحداً بمكة.
وهذا لا يدلُّ على أنَّ السَّيِّئَةَ تُضاعَفُ بمكة كما توهمه بعضُهم؛ لأنَّه يُخالِفُ قوله تعالى: {وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الأنعام: 160]، نعم تُضاعَفُ كيفيَّةً لا كميَّةً في مكة وسائر البقَعِ المُبارَكَةِ، وكذا في الأَرْمِنَةِ المُشَرَّفِةِ بالنسبة إلى الأشخاص المُعَظَّمَةِ.
ومنه قوله عليه السَّلامُ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بعشرةِ نِسوَةٍ، خيرٌ له من أن يَزْنِيَ بامرأةِ جاره، ولَأَنْ يسرِقَ الرَّجُلُ بعشرَةِ أبياتٍ أيسَرُ له من أن يسرق من بيتِ جارِه».
رواه البخارِيُّ في «تاريخه»، وأحمد في «مُسنَدِه»، والطبراني في «الكبير» عن المقدادِ ابن الأسود. والله أعلَمُ.
وروى أحمد وأبوداودَ والضّياءُ عن الربيرِ: أَنَّ صَيدَ «وَجٌ وَعِضَاهَهُ حَرامٌ مُحرَّم الله.
ووج بفتح الواووتشديد الجيم، موضع بالحجاز.
وفي القاموس»: اسمُ وادٍ بالطَّائف، لا بلد به، وغَلِطَ الجَوْهَرِيُّ، وهوما بينَ جَبَلَي المُحتَرِقِ والأُحَيْحِدَين، ومنه: آخِرُ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا بَوَجٌ يُرِيدُ: غَرْوَةَ حُنَين لا الطَّائِفِ. وغَلِطَ الجوهَرِيُّ، وحُنَينُ: وادٍ قِبَل وَ، وَأَمَّا غزوةُ الطَّائِفِ فلم يكن فيها قتال، انتهى.
وفي «النهايةِ» وَج: مَوضِعُ بناحية الطَّائِفِ. وَآخِرُ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا اللَّهُ بِوَجٌ، كَنَّى بها عن الغَزْووالقَتل؛ أي: آخِرُ أَخْذَةٍ ووَقعَةٍ أوقَعَها اللهُ بالكُفَّارِ كَانَ بِوَجٌ، وكانت غزوَةُ الطَّائِفِ آخِرَ غَزَواتِ رسولِ اللهِ، فإنَّه لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكُنْ فيها قتال، وأشار بذلك إلى تقليل ما بقي من عُمرِه، انتهى.
ولا يبعد أن يكونَ إيماء إلى تمامِ الإسلام في بلاد العرب، والله أَعلَمُ بالمَرامِ.
الجزء 1 · صفحة 17
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَذهَبَنَا ومَذهَبَ مالك وأحمد بن حنبلٍ عَدَمُ تحريم صيدِ وَجٌ وقَطَعِ شَجَرِه؛ لأنَّهم أولوه أوحَمَلوه على النسخ، خلافاً للشَّافِعِي في أحد قوليه، وقد قالَ صاحب «التلخيص من الشَّافعيّةِ: إِنَّ مَن فعل ذلك أدبه الحاكِمُ، ولم أُلزِمه شيئاً. وقال صاحِبُ الوَجِيزِ»: وَرَدَ النَّهيُّ عن صيدِ وَجُ الطَّائف ونباتها، وهونهي كراهة يجب تأديباً لا ضمانا.
وأما ما ذكره بعضُ علماء المالكيَّةِ من أنَّ الحديث ليس من الأحاديث التي يُبنى عليها التحريمُ والتَّحليل. ففيه بحثُ؛ إذ الحديث رواه أحمد في مسنده» وغيره، وأقل ما يكونُ في مُسنَدِ أحمدَ أن يكونَ حَسَناً، وهومما يُبنى عليه التَّحريمُ والتحليل، فالله أعلَمُ بما أرادَ به من التَّعليل، ثمَّ رأيتُ العَسْقَلانيُّ ذكرَ أَنَّ في سماعِ عُروَةً عن أبيه نظر وإن كان قد رآه. ثمَّ اعلَمْ أَنَّه يُقالُ: إِنَّه عليه السَّلامُ شَرِبَ من البِثْرِ التي في وَسَطِ قرية وَجٌ، قالَ بعضهم: إنَّ قرية وَجٌ مُحدَثةٌ في المئةِ السَّادسة، وإِنَّما كانَ على بِثْرِها قريةٌ بمَوضِعِ تحتَ السِّدرَةِ على البئر، قال يعقوبُ بنُ جَرِيرٍ: كانَ رسول صلى الله عليه وسلم شَرِبَ من تلك البئرِ، وصلَّى بحِذائها، وقَعَدَ تحت تلك السدرة، وهي كانت في المئةِ السَّابعةِ منشورَةَ الأغصانِ، ناشئةً في حائط بوَجٌ غَرِبِيَّ البَيْرِ بنَحوعشرينَ ذِراعاً.
قالَ ابنُ أبي الصَّيفِ: وينبغي أن يُسأَلَ مَشايِخُ ثَقيف عن كتاب رسول صلى الله عليه وسلم إليهم، فبلغنا أنَّهم يتوارثونَه، ويُتَعرَّف البركة في القرية التي يكون فيها ذلك الكتاب، وهومذكور في السِّيرةِ، حَرَّمَ فيه عليه السَّلامُ صَيدَ وَجُ الطَّائِفِ.
الجزء 1 · صفحة 18
وقد نُقِلَ عن تميمِ بنِ حُمْرانَ الثَّقَفِي العوفِيِّ أَنَّه قالَ: قُتِلَ أَبِي فِي نَوْبَةِ قَتلِ الشَّرِيفِ قَتَادَةَ لمشايخ ثَقيف بدار بني يَسارٍ من قُرى الطَّائِفِ، ونَهَبَ الجيشُ البلاد، ففَقَدنا الكتابَ في جملة ما فقدناه، وهوكانَ عند أبي لكونه كان شيخ قبيلته، انتهى.
وهذا صورة كتابِ رَسولِ اللهِ الله الذي كَتَبَ لهم: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ صلى الله عليه وسلم الرَّحيمِ، من مُحمَّد رسول صلى الله عليه وسلم إلى المُؤمنين، إِنَّ عِضاهَ وَجٌ وصَيدَه حَرامٌ لا يُعضَدُ مَن وُجِدَ يفعل شيئاً من ذلك، فإنَّه يُجلَدُ وتُنْزَع ثيابه، فإن تَعَدَّى ذلك فإِنَّه يُؤخَذُ فيُبَلَّغُ النَّبِيَّ محمداً، وإنَّ هذا أمرُ النَّبيِّ مُحمَّد رسول الله. وكتبه خالد ابن سعد بأمرِ الرَّسولِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، فلا يتعداه أحدٌ فيظلِمُ نفسَه فيما أمرَ به محمد رسول الله.
وقد وَرَدَ عن ابنِ عباس في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا} [المائدة: 95]: أنَّ مَن قتَلَه مُتعمِّداً سُئِلَ: هل قتلت قبله شيئاً من الصَّيدِ؟ فإن قال: نعم؛ لم يُحكَمْ عليه، وقيل له: اذهَبْ فينتقم الله منك، وإن قالَ: لم أقتُلْ قبله شيئاً حُكِمَ عليه، فإن عادَ إلى قَتْلِ الصَّيدِ مُحرِماً بعدما حُكِمَ عليه لم يُحكَمْ عليه ثانياً، ولكِنْ يُملَأُ ظَهِرُه وبَطنُه ضَرْباً وَجيعاً، وكذلك حَكَمَ عليه رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في وَجٌ، وهووادٍ بالطَّائف. وقال أكثرُ الفُقَهَاءِ في الآية: إِنَّه نزلَ القُرآنُ بالعَمْدِ وجَرَتِ السُّنَّةُ بالخطأ، فعند الجمهورِ إِذا عادَ حُكِمَ عليه، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ.
الجزء 1 · صفحة 19
ورَوَى السُّهَيليُّ: أَنَّ وَجاً كانَ رجُلاً من العَمالِقِةِ، حَوَّطَ له مواليهِ هذه القرية التي تُنسَبُ إلى اسمِه، فضَبَطوا وادِيها ما بينَ بناءِ الصُّخور، وشيَّدواله بها من القُصور، وغَرَسُوا بها أشجاراً، وفَجَّروا فيها أنهاراً، وكانَ رَجُلاً نَجْدِيّاً، غيرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَجَعَتِ الإبل تحتَ الصَّيفِ تطلب المياة جاءَ هوبأمواله فأَنزَلَها مَصَاحِيَ نجدٍ بِقُربِ وَجٌ، وتمتَّعَ هوأيامَ الثَّمَرِ بِقَرِيَةِ وَجٌ.
وأخرجَ الطَّبَرَانِيُّ والبَزَّارُ عن عبد الملكِ بنِ عَبَّادِ بنِ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله يقولُ: «أَوَّلُ مَن أَشفَعُ له من أمتي أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطَّائف». كذا في «الدر المنشور.
وفيه أيضاً: أن ابن أبي حاتم أخرج في «تفسيره» عن ابن عباس يُقالُ: أُهبِطَ آدَمُ إلى أرض يُقال لها: دَحْنَاءُ بينَ مكَّةَ والطَّائِفِ، انتهى
وقد رُوِيَ: أنَّ في الطَّائِفِ السِّدرَةَ التي انفَرَجَتْ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقد ذكَرَها القاضي في كتابِ الشَّفا» في فَصْلِ تعظيم كلّ ما نُقِلَ عنه صلى الله عليه وسلم بِسَبَبٍ أونَسَبٍ، حيثُ قالَ: ذكَرَ ابنُ فُوْرَكِ أَنَّه ل سارَ في غَزْوَةِ الطَّائِفِ ليلاً وهووَسِنٌ، فَاعتَرَضَتْهُ سِدرَةٌ، فانفرجت له نِصفَينِ حتَّى جاوز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، وهي هُناكَ مُعَظَّمةٌ مَعروفةٌ.
الجزء 1 · صفحة 20
هذا كله نصَّ عليه القاضي عياض عن الإمامِ ابْنِ فَوْرَكِ رَحِمَهما الله، ولعلَّ هذه الشَّجَرَةَ كانت معروفةٌ في زَمانِهما، وأمَّا الآنَ فلم نسمع بها، ولم يُعرَف أثرٌ منها، كما لم يُعرَف أَثَرُ الشَّجرةِ التي وقعَتْ بيعَةُ الرّضوانِ تحتها في الحديبية، ولعلَّ الحِكمَةَ في إخفائهما أن لا يفتَتِينَ العامَّةُ بزيارتهما. وقد رَوَى الترمذي عن عَمْرِوبنِ عَوفٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ ليَأْرِزُ إلى الحِجازِ كما تأرِزُ الحَيَّةُ إلى جُحْرِها، وليَعقِلَنَّ الدِّينُ من الحِجازِ مَعْقِلَ الأُروِيَّةِ من رأس الجبل، إِنَّ الدِّينَ بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطُوبَى للغُرَباءِ، وهم الذين يُصلحون ما أفسد النَّاسُ مِنْ بعدي مِنْ سُنَّتي. والمعنى: أنَّ الدِّينَ في آخرِ الزَّمانِ عندَ ظُهورِ الفِتَنِ واستيلاء الكَفَرَةِ على بلادِ أهل الإسلام يعود إلى الحجاز كما بدأ منه.
وقيل معناه: أنَّه بعد انضمام أهلِ الدِّينِ إلى الحِجازِ ينقرِضُونَ عنه، ولم يبقَ منهم فيه أحد.
وفي «القاموس»: الحِجازُ: مكَّةُ والمدينةُ والطَّائِفُ ومَخاليفها. كأَنَّها حَجَزَت بينَ نَجْد وتهامة.
ورُوِيَ: أَنَّه عليه السَّلامُ ذَكرَ الطَّائف فأثنى عليه، وذَكَرَ رُجوعَ النَّاسِ إِلى الحِجازِ في آخرِ الزَّمانِ، فَيَعْمُرُ حينئذٍ الطَّائفُ إلى أن يخرج منها أربعون ألف فارس. وقد وَرَدَ: أَنَّه عليه السَّلامُ قالَ: «ستكونُ فِتَنُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُمسي فيها الرَّجُلُ مُؤمِناً، ويُصبحُ كافراً، قيل: وكيف ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قالَ «يُمسي الرَّجلُ فيها وقد حَرَّمَ مالَ أخيه ودَمَه وعِرْضَه، ويُصبحُ وقد حَلَّلَ مالَ أخيه ودمَه وعِرْضَه، خَيرُ النَّاسِ يومَئِذٍ بينَ كريمينِ. قال أبوعبيد في بعض وجوه تأويله: بين رب كريم ونبي كريم؛ أي: يكون بين مكة والمدينة.
الجزء 1 · صفحة 21
وجاءَ: أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وهم يقاتلون ثقيفاً بالطائف: يا رسولَ اللهِ! أَحْرَقَتَنا نَبْلُ ثَقيف، فادع الله عليهم، فقالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقيفاً وَانْتِ بها»، وكانَ كذلك، أتى الله بهم في أقرَبِ زَمَانٍ من الدعوةِ.
وتُوفَّيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فارتدَّتِ العَرَبُ وثَبَتَت ثَقِيفُ على دينها، وأَوَّلُ مَن ارتَدَّ منهم قتلوه، وقالوا: ما دَخَلْنَا آخِرَ النَّاسِ إِلا لِما تبَيَّنَ لنا من الحقِّ، فَمَنِ ارتَدَّ قتلناه. قال ابن إسحاق: اسمُ ثَقِيفٍ قَسِيُّ بنُ مُنبِّهِ بنِ بَكْرِ بْنِ هَوزانَ بنِ مَنْصُورِ بنِ عِكْرِمَةَ بنِ حَفْصَةَ بنِ ِقيسِ بنِ غَيْلَانَ بنِ مُضَرِ بنِ نَزَارِ بنِ سَعِدِ بنِ عَدنانَ.
ورَوَى صاحِبُ «الفائِقِ»: أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا يُحِبُّ ثَقيفاً إِلا مُؤْمِنٌ، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، ولا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض من ثَقيف أَحَدٌ؛ تَكرِمَةً لهم».
ومن جُملة اللطائفِ ما يَتَضَمَّنه معاني بعض الآيات فيما يتعلق بالحِجاز والطَّائف.
منها قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَامَنَا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 126]، فقد ذَكَرَ المُفسرون: أنَّ الطَّائِفَ كانت من مَدائِنِ الشَّامِ، فلما دعا إبراهيم عليه السَّلامُ بهذا الكلامِ أَمَرَ اللهُ جِبريل عليه السَّلامُ حتَّى قَلَعَها من أصلها وأدارَها حَوْلَ البيتِ سَبْعاً، ثمَّ وضَعَها مَوضِعَها الذي هي الآنَ فيه، فمِنها أكثر ثمَرَاتِ مكَّةَ.
الجزء 1 · صفحة 22
ومنها قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَتهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَاءُ} [البقرة: 214]، قالَ وَهْبُ بنُ مُنَبِّهِ: وُجِدَ فيما بينَ مكَّةَ والطَّائِفِ سبعونَ نبياً ميتون، كانَ سَبَبُ مَوتِهم الجوع والقُمَّلَ.
ورُوِيَ عن ابن عباس قالَ: مرَّ إبليس على جَسَدِ آدمَ عليه السَّلامُ وهومُلقَّى بينَ مكَّةَ والطَّائِفِ لا رُوحَ فيه، فقالَ: لأَمْرِ ما خُلِقَ هذا، ثمَّ دَخَلَ مِنْ فِيْهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِه، وقالَ: إنَّه خَلْقُ لا يتماسَكُ؛ لأنَّه أَجوَفُ.
ومنها: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: ???]، قال الكَلْبِيُّ: كانَ ذلك بينَ مكَّةَ والطَّائِفِ، مَسَحَ ظَهرَه وأَخْرَجَ منه ذُرِّيَّتَه كلَّهم كَهَيْئَةِ الذَّرِّ، أَخْرَجَ من صَفْحَةِ ظَهرِ اليُمْنَى ذُرِّيَّةً بيضاء مثلَ اللُّؤْلُؤِ، فَقالَ لهم: أدخلوا الجنَّةَ برحمتي ولا أبالي، وأَخرَجَ من صَفْحَةِ ظَهرِه اليُسرَى ذُرِّيَّةٌ سوداء، فقال لهم: أدخلوا النَّارَ ولا أبالي، وقال لهم جميعاً: اعلموا أنَّه لا إلهَ غيري، فلا تشركوا بي شيئاً، وإنِّي مُرسل إليكم رُسُلاً يُذكِّرونكم عَهْدي وميثاقي هذا، ومُنزّل عليكم كتابي، فتكلموا وقالوا: شَهِدْنَا أَنَّكَ رَبُّنَا، لا ربَّ لنا غَيْرُكَ، فأخذ مواثيقهم ثم كتب آجالَهم وأرزاقهم ومَصائِبَهم ومنها قوله تعالى: {أَوَلَمْ تُمَكِّن لَهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحِيَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنَا} [القصص: 57]، فَجَعَلَ اللهُ ثَمَراتِ الطَّائِفِ رِزْقاً لَدُنْيَا يُثمِرُ عِلما لَدُنْياً للطَّائف وسائرِ الطَّوائفِ.
الجزء 1 · صفحة 23
ومنها قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ??]، قال المُفَسِّرونَ: هما مَكَةُ والطَّائِفِ، فَقَرَنَ اللهُ جَلَّ جلاله الطَّائِفَ بمكَّةَ التي هي مَقَرُّ الطَّائف.
ومنها: قوله تعالى: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [الفتح: 2]، قال بعضُهم: أي: بفتح مكَّةَ والطَّائف، فهما أحَبُّ البلادِ إِليه وأعظَمُهما لديه.
ومنها قوله تعالى: {عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِ لَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم: 32]، فقد رَوَى الحافِظُ ابنُ غِياتٍ: أنَّ هذه الجنَّةَ كانت بالطائف، فاقتَلَعَها جِبريلُ عليه السَّلامُ وطافَ بالبيتِ سبعاً ثمَّ رَدَّها مكانها اليوم.
قالَ المَيُورقِيُّ: فتكون تلك البقعَةُ من بينِ سَائِرِ بُقَعِ الطَّائِفِ طِيْفَ بها بالبيتِ مرَّتينِ في وَقتَين.
أقول: ولعل تلك البقعة هي وادي وَج، وتكون القضية هي الحكمة في تحريمها وتعظيمها؛ بأن تكون عتيقةً من أن يقعَ خَلَلٌ في حريمها.
ومنها قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا) [الإنسان: 1]، يعني آدم عليهِ السَّلامُ، كانَ أربعين سنةٌ مُلقى من طين بين مكة والطَّائف قبل أن يُنفَحَ الرُّوحُ فيه، لم يكُنْ يُذكَرُ في تلك المُدَّةِ.
رُوِيَ: أَنَّ عمر رضي الله عنه سَمِعَ رجُلاً يقرأ هذه الآية: {لَمْ يَكُن شَيْئًا مَذْكُورًا}
فقالَ: ليتها تمَّت. قالَ البَغَوِيُّ: يريدُ ليتَه بقي على ما كانَ.
وقال عبد اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه: ليتَ ذلك لم يكُن. وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: ثم خلقه بعد عشرين ومئة سنة.
الجزء 1 · صفحة 24
ففيه إشعار إلى العُمرِ الطَّبيعي الغالبِي، وإيماء إلى الأربعينيَّاتِ الواردة في أطوارِ خِلْقة أولاده، من أربعين نُطفَةً، ثم أربعينَ عَلَقَةً، ثم أربعينَ مُضغَةً. ولعل فيها إشارةً إلى مَنازِلِ السَّائرين، ومراحِلِ الطَّائرِينَ، بِسُلوكِ مَراتبِ الشريعة، ومذاهب الطَّريقة، ومناقب الحقيقة.
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّ في البُخارِيِّ ومُسلم من حديثِ عائشةَ: أَنَّها قالت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشَدُّ من يوم أُحُدٍ؟ قالَ: «لقد لَقِيتُ من قومِكِ، وكانَ أَشدَّ ما لَقيتُ منهم يومَ العَقَبةِ، إذ عَرَضْتُ نفسي على ابنِ عبدِ يالِيْلَ بنِ عبدِ كُلالٍ فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، [فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستَفِقُ إلا وأنا بقَرْنِ التَّعَالبِ، فرَفَعتُ رأسي فإذا أنا بسَحابة قد أظلَّتني، فنَظَرتُ فإذا هي جبريلُ، فناداني فقال: إِنَّ الله قد سَمِعَ قول قومِكَ وما ردُّوا عليك، وقد بَعَثَ إِليكَ مَلَكَ الجِبالِ لتَأْمُرَه بما شِئْتَ، فناداني مَلَكَ الجِبالِ فَسَلَّمَ عليَّ ثمَّ قال: يا مُحمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قد سَمِعَ قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجِبالِ، وقد بَعَثَني ربُّكَ إليك لتأمُرَني بأمرك، إن شِئْتَ أن أُطْبَقَ عليهم الأخشبَينِ، قالَ النَّبيُّ: بل أرجوأن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم مَن يعبُدُ الله وحده لا يُشْرِكُ به شيئاً»، انتهى.
وكانَ عبدُ يَالِيْلَ - بتَحتانية وبعدها ألف ثمَّ لام مَكسورةً ثُمَّ تحتانيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ لام ـ ابنُ عبدِ كُلالٍ - بضَمِّ الكافِ وتخفيفِ اللَّامِ آخره لام ـ من أكابرِ أَهْلِ الطَّائف من ثَقيف، وقَرْنُ التَّعَالبِ: هوميقاتُ أهلِ نَجْدِ، ويقال له: قَرْنُ المَنازِلِ، والأَحْشَبانِ:
جَبَلا مكَّةَ، أبوقبيس والأحمر.
الجزء 1 · صفحة 25
وأَفادَ ابنُ سَعِدٍ: أَنَّ مُدَّةَ إقامته عليه السَّلامُ بِالطَّائِفِ كانت عَشَرَةَ أَيَّامٍ. ورُوِيَ: أَنَّه صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى الطَّائف حينَ التَمَسَ مِن ثَقِيفِ النُّصرَةَ عَمَدَ إِلى نَفَرِ من ثَقيف هم يومَئِذٍ سادةُ ثَقيف وأشرافهم، وهم أُخوَةٌ ثلاثة: عبد ياليل ومسعود وحبيبٌ، أبناء عمرِوبنِ عُمَيرِ بنِ عَوفٍ، فَجَلَسَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعاهُم إِلى اللَّهِ، وكلَّمهم فيما جاءَ له من نُصرَتِهم للإسلام، والقِيامِ مَعَه على مَن خَالَفَهُ مِنْ قومِه، فقالَ له أحدهم: هويَمْرُطُ ثيابَ الكعبة، إنْ كانَ الله أرسلَكَ، وقالَ الآخَرُ: مَا وَجَدَ اللهُ أحداً يُرسله غيرك؟ وقالَ الثَّالثُ: والله لا أُكلّمُك أبداً، لَئِنْ كُنتَ رسولاً من اللهِ كما تقولُ لَأَنتَ أعظَمُ خَطَراً مِنْ أنْ أرُدَّ عليكَ الكلامَ، وَلَئِنْ كُنتَ تَكذِبُ على اللهِ فما ينبغي لي أن أكلمك، فقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد أيس من خير ثقيف.
الجزء 1 · صفحة 26
وقد قال لهم: إذا فعلتُم ما فعلتُم فاكتُموه عنِّي، وكرِهَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يبلُغَ ذلك قومه فيزيدهم ذلك عليه، فلم يفعَلُوا وأَغْرَوا به سُفهاءَهم وعَبيدَهم يسبُّونَه ويصيحون به، حتَّى اجتمع عليه النَّاسُ وأَلْجؤوه إلى حائط لعتبَةَ بنِ ربيعةَ وشَيبةَ بنِ أبي ربيعة، وهما فيه، ورَجَعَ عنه من سُفهاء ثَقِيفٍ مَن كانَ يَتبَعُه، فعَمَدَ إِلى ظِلِّ حَبَلَةٍ من عِنَبٍ، فَجَلَسَ فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويَرَيانِ مَا لَقِيَ من سُفَهَاءِ أَهْلِ الطَّائِفِ، فتَحَرَّكَت له رَحِمُهما، فبعثا له معَ عَدَّاسِ النَّصرانِي غُلامِهِما قِطْفَ عِنَبٍ، فَلَمَّا وَضَعَ يده في القِطْفِ قالَ: بسمِ اللهِ، ثُمَّ أَكلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسُ إلى وجهه، ثمَّ قَالَ: واللهِ إِنَّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له: من أي البلادِ أنت؟ وما دينُكَ؟ قالَ: نَصراني من نِيْنَوَى، فقال عليه السَّلامُ مِن قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يونُسَ بنِ مَتَّى؟ قالَ: وما يُدرِيكَ؟ قالَ: ذاك أخي، وهونبي مثلي، فأكَبَّ عَدَّاسُ على يديه ورأسه ورجليه يُقَبِّلُها، وأسلم، فقال أحد ابني ربيعة لصاحبه، أمَّا غُلامُكَ فقد أفسَدَه عليك، فلمَّا جاءَهما عَدَّاس قالا له: وَيلَكَ يا عدَّاسُ، ما لك تُقَبِّلُ رأسَ هَذا الرَّجُلِ ويدَيه وقَدَمَيه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض نبي خيرٌ من هذا، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلَمُه إلا نبي، فقالَا له: وَيحَكَ يا عدَّاسُ، لا يصرِفَنَّك عن دينك؛ فإنَّ دينك خيرٌ من دينه
وقد ذَكَرَ ابنُ إِسحاقَ خُروجه عليه السَّلامُ إلى أهلِ الطَّائِفِ ودُعاءَهُ إِيَّاهُم، وأَنَّه لمَّا انصرَفَ عنهم باتَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فقرأ تلكَ اللَّيلَةَ مِن القُرآنِ فَاسْتَمَعَه الجِنُّ مِن أَهلِ نَصِيبِينَ، قالَ: وخُروجُه صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائِفِ كانَ بعدَ مَوتِ عمّه.
الجزء 1 · صفحة 27
ورَوَى ابنُ أَبي شَيْبَةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ قالَ: هَبَطوا على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهويقرأُ القُرآنَ ببَطنِ نَخْلَةَ، فلمَّا سَمِعوه قالوا: أنصِتُوا، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ الآية [الأحقاف: 29].
ورَوَى الطَّبراني في كتابِ الدُّعاءِ» عن عبدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبوطالبِ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الطَّائِفِ، فدعاهم إلى الإسلامِ فلم يُجيبُوه، فأتى ظِلَّ شَجَرَةٍ فصلى ركعتين، ثمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ إِليك أشكوضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حِيْلَتي، وهواني على النَّاسِ، يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ، أنتَ أرحَمُ الرّاحمين، أنتَ ربُّ المُسْتَضْعَفين، إلى مَن تكِلُني؟ إلى عَدِوبعيدٍ يَتَجَهَّمُني؟ - أي: يلقاني بوَجهِ كريه - أم إلى صديقٍ قَرِيبٍ كَلَّفْتَه أمري؟ إن لم تكُنْ غَضبانَ عليَّ فلا أُبالي، غيرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوسَعُ لِي، أَعوذُ بِنورِ وَجهِكَ الذي أشرَقَت له الظُّلُماتُ، وصَلَحَ عليه أمرُ الدُّنيا والآخرةِ، أَنْ يَنزِلَ بِي غَضَبُكَ، أو يحِلَّ بي سَخَطُك، لك العُتُبَى حتَّى تَرضَى، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بك.
قال بعض أربابِ السِّيَرِ: وفي سنَةِ خمسينَ من مَولِده عليه السَّلامُ خَرَجَ إِلَى الطَّائف، وأهل بيته في الشَّعبِ، وكانت قُرَيضٌ حَصَرَتْهُ فِي الشُّعبِ مِعَ أَهْلِ بيته سنةَ ست وأربعين من مولده عليه السَّلام.
الجزء 1 · صفحة 28
وقال بعضُ العُلماء: وَرَدَ عنه عليه السَّلامُ أَنَّه قالَ: «عليكُمْ بِسُنَّتي، فمِمَّا أَدخَلَ اللهُ في سُنَّتِه إخراج المُضْطَرِّ إلى الطَّائِفِ؛ لأَنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا مَاتَ عمه أبوطالب، وماتت خَديجَةُ الكُبرى رضي الله عنها، وكانَ يُسمّي تلك السَّنَةَ سَنَةَ الحُزْنِ، خَرَجَ عليه السَّلامُ من غايةِ الكَرْبِ والشِّدَّةِ إلى أهلِ الطَّائِفِ يرجُومنهم النُّصرَةَ، فلا جَرَمَ جَعَلَ اللهُ تعالى تلك البقعَةَ مُتَنفَّساً لِمَن ضَاقَ صَدرُه بمَكَّةَ شرَّفَها الله تعالى إلى يوم القيامةِ، بِسَبَبٍ كلالةِ مَرَضِ، أومَلالةِ عَرَضٍ، أوعلالةِ غَرَضِ، فهي راحة الأمة وإزاحة العُمَّةِ، لا سيما وقد رُوِيَ: إذا تحيَّرتُم في الأمور فاستعينوا من أهل القبور.
ولم يُوجَدْ حَولَ مكَّةَ المُكرَّمةِ قبرُ أحدٍ من أكابر الأمة على وجهِ ثَبَتَ عندَ الأئمةِ إِلا مَرقَدُ عبدِ اللهِ بنِ عباس رضي الله عنهما، فيَتَعَيَّنُ زُيارة قبره، ومُشاهِدَةُ أَنوارٍ قَدْرِه، رزَقنا الله سبحانه بخير وعافية وتحصيل أمورٍ كافية وافية، ونفَعَنا ببركته وأماتَنَا على محبَّتِه وحَشَرَنا فِي زُمْرَتِه.
ثمَّ اعلَمْ أَنَّه بعد فتح مكة غزا حُنَيناً، وهوبالتصغيرِ: وادٍ بقُربِ ذي الحِجاز، وقيل: ماء بينه وبينَ مكَّةَ ثلاث ليالٍ، وقُربَ الطَّائِفِ، وَتُسَمَّى: غَزْوَةَ هَوازِنَ، وذلك أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا فَرَغَ من فتح مكة وتمهيدها، وأسلَمَ عامَّةُ أَهْلِهَا، مَشَتْ أَشْرَافُ هَوازِنَ وثَقيف بعضُها إلى بعض، وأحشَدُوا - يعني أجمَعُوا - وقصدوا مُحارَبَةَ المُسلمين، وكان رئيسُهم مالكَ بنَ عَوفٍ النَّضْرِيَّ.
الجزء 1 · صفحة 29
فخَرَجَ إليهم رسول الله الا الله من مكَّةَ يومَ السَّبتِ لِسِتٌ لَيالٍ خَلَوْنَ من شَوَّالٍ، في اثني عَشَرَ ألفاً من المسلمين عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفانِ ممَّن أَسلَمَ من أهل مكَّةَ، وهمُ الطُّلَقاء، يعني الذين خُلّي عنهم يومَ فتح مكَّةَ، وَأَطلَقَهم فلم يستَرِقَهم واحِدُهم طَليقٌ، فَعيل بمعنى مفعول، وهوالأسيرُ إِذا أُطلِقَ سبيله - واستَعمَلَ صلى الله عليه وسلم على مكَّةَ عتَّابَ بنَ أُسَيد.
وخَرَجَ وخرج معه وثمانون من المشركين، منهم صفوانُ بنُ أَمِيَّةَ، وكانَ رسولُ اللهِ استعارَ منه مئةَ دِرْعِ بأداتها، فوَصَلَ إلى حُنَينِ لَيلَةَ الثَّلَاثَاءِ لَعَشْرِ لِيَالٍ خَلَوْنَ مِن شَوَّالٍ، فبعَثَ مالك بنُ عَوفٍ ثلاثةَ نَفَرٍ يَأْتُونَه بخَبَرِ أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَجَعُوا إليه وقد تفرّقت أوصَالُهم من الرُّعْبِ.
ووَجَّه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حَدْرَدِ الأَسْلَمِيِّ، فَدخَلَ عَسكرَهُم فطافَ به فجاءَ بخبرهم
وفي حديثِ سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ عند أبي داود بإسنادٍ حَسَنٍ: أَنَّهم ساروا معَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَطْنَبُوا السَّيرَ، فجاءَ رجُلٌ فقالَ: إِنِّي انطلَقْتُ بينَ أيديكم حتَّى طَلَعْتُ الرجوع انحدَرَ عنه وأرسله، ورجَعَ بنفسه إلى رسولِ اللهِ، فأَمَرَهُم عليه السَّلامُ أَن يَصدُقُوا الحَمْلَةَ، فاقتَتَلُوا مَعَ الكُفَّارِ فأشرَفَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلى قِتالِهم، فقالَ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ» - أي: تثور نارُ الحرب - وتناول صلى الله عليه وسلم حُصَيَّاتٍ من الأَرضِ، ثمَّ قالَ: «شاهَتِ الوُجوه»؛ أي: قبحت، ورمى بها في وجوه المُشركينَ، فما خَلَقَ اللهُ منهم إنساناً إلا مَلاً عَينَيه من تلك القَبْضَةِ، وجاءَ الأنصارُ والمُهاجرون سيوفهم بأيمانهم كأَنَّهمُ الشُّهُبُ، فولَّى المُشركون الأدبار.
الجزء 1 · صفحة 30
ورَوَى أبوجَعفَرِ بنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِه عن عبدِ الرَّحْمنِ ابنِ مَولى، عن رَجُلٍ كَانَ في المُشركين يومَ حُنَيْنٍ، قالَ: التقينا نحنُ وأصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ حُنَين لم يقولوا لنا حَلْبَ شاةٍ، فلمَّا لَقِيناهم جَعَلْنا نسُوقُهم في آثارِهم، حتَّى انتهينا إلى صاحبِ البَغْلَةِ البيضاء، فإذا هورسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتَلَقَّانا عندَه رجالٌ بِيضُ الوُجوهِ حِسانُ، فقالوا لنا: شاهَتِ الوجوه، ارجعوا، قالَ: فانهزَمْنَا ورَكِبُوا أَكتافنا. وفي سيرة الدمياطي»: كانَ سِيما الملائكة يومَ حُنَيْنٍ عَمَائِمُ حُمْرُ، أَرْخَوهَا بين أكتافهم
وأمرَ بقَتْلِ مَن قُدِرَ عليه، وأفضَى المسلمون في القتل إلى الذُّرِّيَّةِ، فَنَهَاهُم عليه السَّلامُ عن ذلك، وأمَرَ عليه السَّلامُ بطَلَبِ العَدُوفانتهى بعضُهم إلى الطَّائِفِ، وبعضُهم نحونَخْلَةَ، وقوم منهم إلى أَوْطاس. واستشهد من المسلمين أربعة، منهم أيْمَنُ بنُ أَمِّ أيمَنَ، وقُتِلَ من المُشركين أكثر من سبعين قتيلاً، وهذا مُجمَلُ معنى قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَفِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 25 - 27].
الجزء 1 · صفحة 31
وحينَ فَرَغَ عليه السَّلامُ من حُنَيْنٍ بَعَثَ أبا عامرِ الأَشْعَرَيَّ، وهوعم أبي مُوسَى، وقيل: ابنُ عمِّهِ، في طَلَبِ الفارين من هوازِنَ يومَ حُنَين إلى أوطاس، وهووادٍ في ديار هوازِنَ، وكانَ معَه سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ، فانتَهَى إليهم، فإذا هم ممتنعون، فقَتَلَ منهم أبوعامرٍ تسعَةً مُبارَزَةً، ثُمَّ بَرَزَ له العاشِرُ فَضَرَبَ أبا عامرٍ فقتله، فخَلَفَه أبومُوسَى فقاتَلَهُم حَتَّى فتح الله عليه، وكانَ في السَّبْيِ الشَّيماءُ أُختُه عليه السَّلامُ من الرَّضَاعَةِ، وقَتَلَ أَبومُوسَى قاتِلَ أبي عامر، وقال: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لأبي عامر، واجْعَلْهُ من أعلَى أُمَّتي في الجنَّةِ». ثمَّ وقَعَت غَزْوَةُ الطَّائِفِ، وهي بلَدٌ كبيرٌ على ثلاث مراحِلَ من مكَّةَ من جهة المشرق، سارَ إليها النَّبيُّ الله في شوَّالٍ سنَةَ ثَمانِ، حِينَ خَرَجَ مِن حُنَيْنٍ، وَحَبَسَ الغَنائِمَ بالجِعْرَانَةِ، وقَدِمَ خالدُ بنُ الوَلِيدِ على مَقدَمَتِه.
الجزء 1 · صفحة 32
وكانت ثَقيفُ لمَّا انهزَمُوا من أَوْطاس دخَلُوا حِصْنَهم بالطَّائِفِ، وأعْلَقُوا عليهم بعد أن أَدْخَلُوا فيه ما يُصلِحُهم لسنة، وتهيّؤوا للقتال، وسار، فمرَّ في طريقه بقبر أبي رغال، وهوأبوثقيف فيما يُقالُ، فاستَخْرَجَ منه غُصناً من ذَهَبٍ، ونزل قريباً من الحِصْنِ، وعَسْكَر هناك، فرموا المسلمين بالنَّبلِ رَمْياً شديداً كأَنَّه رِجْلُ جَراد. حتَّى أُصِيبَ ناس من المسلمين بجراحةٍ، وقُتِلَ منهم اثنَا عَشَرَ رَجُلاً، فيهم عبد الله بن أبي أُمَيَّة، ورمي عبد الله بن أبي بكر الصديق يومئذ، فجُرِحَ فاندَمَلَ، ثمَّ نُقِضَ بعد ذلك فمات منه في خلافة أبيه، وارتفع إلى موضع مسجدِ الطَّائف اليوم، وكانَ معَه من نسائه أمُّ سَلَمَةَ وزَيْنَبُ فَضَرَبَ لهما قُبَّتَينِ، وكانَ يُصلِّي بينَ القُبَّتَينِ، فحاصَرَهم ثمانية عشر يوماً، ويُقالُ: خَمْسَةَ عشرَ يوماً، ونَصَبَ عليهم المنجنيق، وهوأوَّلُ مِنْجَنيقِ رُمي به في الإسلام. والمِنْجَنيقُ - بكَسْرِ ميمه - آلةٌ تُرْمَى بها الحجارَةُ، مُعَرَّبٌ من «جه نيك».
وكانَ قَدِمَ به أبوالطُّفَيلُ الدُّوسِيُّ معَه جمع لَمَّا رَجَعَ من سرِيَّةِ ذِي الكَفَّينِ فَرَمَتْهُم ثقيف بالنَّبلِ، فقُتِلَ منهم رِجالٌ، فأمر الله بقطع أعنابهم وتحريقها، فقَطَعَ المسلمون قطعاً ذريعاً، ثمَّ سألوه أن يدَعَها لله وللرَّحِمِ، فقال: «إِنِّي أَدَعُها اللهِ وللرَّحِمِ، ثمَّ نادى مناديه عليه السَّلامُ: أيما عبد نَزَلَ من الحِصْنِ وخَرَجَ إلينا فهوحُرٌّ.
الجزء 1 · صفحة 33
قالَ الدِّمياطِيُّ: فَخَرَجَ منهم بضعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فيهم أبوبَكْرَةَ، ـ قال صاحِبُ «القاموس: هونُفَيعُ بنُ الحارِثِ الصَّحابِيُّ، تدَلَّى يومَ الطَّائِفِ من الحِصْنِ بَبَكْرَةٍ، فكَنَّاهُ: أبا بَكْرَةَ، فَاعتَقَ صلى الله عليه وسلم مَن نَزَلَ منهم، ودَفَعَ كُلَّ رَجُلٍ منهم إلى رجُلٍ من المسلمين يَمُونُهُ، فشَقَّ ذلك على أهلِ الطَّائِفِ مَشَقَّةٌ شديدةً، ولم يُؤْذَنْ له صلى الله عليه وسلم في فتح الطَّائِفِ، وأمَرَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فَأَذَّنَ في النَّاسِ بِالرَّحيلِ، فَضَجَّ النَّاسُ من ذلك، وقالوا: نَرْحَلُ ولم تُفتَحْ علينا الطَّائِفُ، فقال عليه السَّلامُ: «فاعْدُوا على القتالِ، فَغَدَوا فأصابَ المسلمينَ جراحات»، فقال: (إِنَّا قافِلُونَ إِن شاءَ الله تعالى»، فسُرُّوا بذلك وأَذْعَنُوا، وجَعَلُوا يرحلون، ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يضحَكُ، أي: تَعجُّباً من تغير رأيهم، وقالَ لأصحابه: «قولوا: لا إله إلا الله وحدَه، صَدَقَ وَعْدَه، ونَصَرَ عَبدَه، وهَزَمَ الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا قالَ: «قُولُوا: آيبون تائبون عابِدون لرَبِّنا حامِدون) وكان قد أمر أن يُجمَعَ السَّبْيُّ والغَنائِمُ ممَّا أَفاءَ اللهُ على رسولِه يومَ حُنَيْنٍ، فجُمِعَ ذلك كلُّه إلى الجِعْرَانَةِ، فكانَ بها إلى أن انصَرَفَ عليه السَّلامُ من الطَّائِفِ، وكانَ السَّبْيُ ستَّةَ آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفَ بَعير، والغَنَمُ أكثر من أربعين ألف شاة، والنَّقَدُ أربعة آلافِ أُوقِيَّةِ فِضَّةٍ، واستَأَنَى بِهَوازِنَ - أَي: انتظر وترَبَّصَ - أن يَقدَمُوا عليه مُسلمين بِضعَ عَشْرَةَ، ثمَّ بدأ بقَسْمِ الأموالِ.
الجزء 1 · صفحة 34
وفي «البُخاري»: وطَفِقَ الله يُعطي رجالاً المئة من الإبل، فقال ناس من الأنصارِ: يَغْفِرُ الله لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُعطي قريشاً ويَترُكُنا وسيوفنا تقطرُ من دِمَائِهِم، قالَ أنس: فحُدِّثَ عليه السَّلامُ بمَقالَتِهم، فأرسَلَ إلى الأنصارِ فَجَمَعَهُم فِي قُبَّةٍ مِن أَدَمٍ، ثمَّ قال لهم: «أَمَا تَرْضَونَ أن يذهَبَ النَّاسُ بالأموال وتذهَبونَ بِالنَّبِيِّ إِلى رِحالكم؟ فَوَاللَّهِ لَما تنقلبون به خيرٌ ممَّا يَنقَلبون به قالوا: يا رسولَ اللهِ قد رَضِينا.
وعن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ قالَ: بينما أنا معَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمَعَه النَّاسُ مَقْفَلَه - أي: مَرْجِعَه - من حُنَيْنٍ، عَلِقَتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب، حتَّى اضطَرُّوه إلى سَمُرَةٍ، فخَطَفَت رِداءَهُ، فَوَقَفَ، فقالَ: «أَعْطُوني رِدائي، فلوكانَ لِي عَدَدُ هذه العِضَاءِ - أي: الشَّوكِ - نَعَماً لقَسَمته بينكم، ثمَّ لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جَبَاناً». ثم المعروف عند أهلِ السَّيَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم انتهى إلى الجغرانَةِ ليلة الخميس الخَمْس ليالٍ خَلَوْنَ من ذي القعدَةِ، فأقام بها ثلاث عشرة ليلةً، فلما أراد الانصراف إلى المدينةِ خَرَجَ ليلة الأربعاء لاثْنتي عشرة ليلةً بقيَتْ من ذي القعدة ليلاً، فَأَحْرَمَ بعُمرَةٍ ودخَلَ مكَّةَ.
وفي تاريخ الأزرقي عن مُجاهِدٍ أَنَّه عليه السَّلامُ أَحرَمَ من وَرَاءِ الوادي، حَيثُ الحِجَارَةُ المَنصوبَةُ.
وعند الواقدي: من المسجد الأقصى الذي تحتَ الوادي بالعُدْوَةِ القُصْوَى من الجِعْرَانَةِ، وكانت صلاته عليه السَّلامُ إذ كانَ بالجِعْرَانَةِ فيه.
الجزء 1 · صفحة 35
والجِعْرَانَةُ: مَوضِع بينه وبينَ مكَّةَ ثمانية عشر ميلاً، وهوأَحَدُ حُدودِ الحَرَمِ، والإحرام منها أفضَلُ عندَ الشَّافعيّة، وعندنا الأفضَلُ من التَّنعيم، بناءً على الاختلافِ الأصولي في أنَّ الدَّليلَ الفِعليَّ أولى أوالدَّليلَ القَولِيَّ؟ وَمَذهَبْنَا أَظْهِرُ؛ لأَنَّ الفِعَلَ قد لا يكون عن قصد، بخلافِ الأمر فإنَّه لا يكون إلا عن عَمْدِ، وحيثُ أَمَرَ صلى الله عليه وسلم عائشةَ أن تعتمر من التنعيم ولم يأمرها أن تعتَمِرَ من الجِعْرانَةِ دلَّ على أنَّ الإحرام من التَّنْعِيمِ أَفضَلُ، واللهُ سُبحانَه أَعلَمُ.
وكانَ ابتداء الوفود عليه - عليه السَّلامُ - بعدَ رُجوعه من الجعرانة في آخر سنة ثمانٍ وما بعدها، فقَدِمَ عليه صلى الله عليه وسلم وفد هوازِنَ، كما ذكره البخارِيُّ وغيرُه. وذكرَ مُوسَى بْنُ عُقبَةَ في «المغازي»: أنَّه عليه السَّلامُ لَمَّا انصرَفَ من الطَّائف في شوّال إلى الجغرانَةِ، وفيها السَّبي، يعني سَبْيَ هَوازِنَ، قَدِمَت عليه وَفدُ هَوازِنَ مُسلِمين، فيهم تسعة نفَرِ من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثمَّ كَلَّمُوه فقالوا: يا رسولَ اللهِ! إِنَّ فيمَن أَصَبْتُم الأُمَّهَاتِ والأخَواتِ والعَمَّاتِ والخالاتِ، فقال: «سأطلب لكم، وقد وَقَعَتِ المقاسمُ، فأيُّ الأمرَينِ أَحَبُّ إِليكم السَّبْيُّ أم المال؟ قالوا: خيَّرتنا يا رسولَ اللهِ بينَ الحَسَبِ والمال، فالحَسَبُ أَحَبُّ إلينا، ولا نتكلم في شاةٍ ولا بعير، فقال: «أما الذي لبني هاشم فلكم، وسوف أُكلم لكم المُسلمين، فكَلَّموهم وأَظهِرُوا إسلامَكُم». فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الهاجِرَةَ قاموا، فتكَلَّمَ خُطَبَاؤُهم فأبلَغُوا ورَغِبُوا إلى المسلمين في رَدَّ سَبيهم ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حينَ فَرَغَ فَشَفَعَ لهم، وحَضَّ المسلمين عليه، وقال: «قد رَدَدْتُ الذي لبني هاشم عليهم.
الجزء 1 · صفحة 36
وفي المُعجَمِ الصَّغيرِ» للطَّبراني: عن زُهَيْرِ بنِ صُرَدِ الجُشَمِيٌّ يقولُ: لَمَّا أسَرَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ حُنَين، يومَ هَوازِنَ، وذَهَبَ يُفَرِّقُ السَّبْيَ وَالشَّاءَ، أَتيتُه فأنشَأْتُ أقولُ هذا الشَّعرَ:
أمْنُنْ علينا رَسولَ اللهِ في كَرَمِ فإنَّك المرءُ نرجُوهُ ونَنتَظِرُ أمْنُنْ على بَيضَةٍ قد عاقَها قَدَرُ مُشَيَّتٌ شَملُها في دَهرِها غِيَرُ أبقَتْ لنا الدَّهْرَ هَتَافاً على حُزُنٍ على قُلوبِهِمُ الغَمَّاءُ والغَمَرُ إِنْ لم تَدَارَكَهُمُ نَعماءَ تنشرها يا أرجَحَ النَّاسِ حِلْماً حينَ يُختبر أمْنُنْ على نِسوَةٍ قد كُنتَ تَرْضَعُها إذ فُوكَ تَمَلأُهُ من مَحضِها الدَّرَرُ إذ أنتَ طِفل صغير كنتَ تَرضَعُها وإذ يَزينُكَ ما تأتي وما تَذَرُ إِنَّا لَنَشْكُرُ للنَّعْمَاءِ إِذ كُفِرَتْ وعندَنا بعد هذا اليومِ مُدَّخَرُ فأليس العَفْومَن قد كُنتَ تَرضَعُه من أُمَّهَاتِكَ إِنَّ العَفْومُسْتَهَرُ إِنَّا نُؤَمِّلُ عَفْواً منك نَلْبَسُه هادي البرِيَّةِ إِذ تَعفُووتَنتَصِرُ فَاعْفُ عَفا اللهُ عَمَّا أَنتَ رَاهِبه يوم القيامةِ إذ يُهدَى لك الظَّفَرُ قالَ: فلمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الشَّعرَ قالَ: «ما كانَ لي ولعَبدِ المُطَّلِبِ فهولك»، وقالت قُرَيس: ما كانَ لنا فهولله ولرسوله، وقالَتِ الأنصارُ: ما كانَ لنا فهوالله ولرسوله.
الجزء 1 · صفحة 37
وفي مغازي المُعتَمِرِ بنِ سُلَيمانَ عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الطَّائِفِي، عن عمه عمرِوبنِ أوس، عن عُثمانَ بنِ أبي العاص قالَ: اسْتَعْمَلَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنا أصغَرُ السِّتَّةِ الذين وَفَدُوا عليه من ثَقيف، وذلك أني كنتُ قرَأتُ سورة البقرة، فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ! إِنَّ القُرآنَ يَتَفَلَّتُ منّي، فَوَضَعَ يده على صدري، وقالَ: «يا شَيطانُ أُخْرُجْ من صَدرِ عُثمانَ»، فما نسيتُ شيئاً بعدَه أُريدُ حِفْظه.
قالَ ابنُ إسحاق: لمَّا فَرَغَ عليه السَّلامُ من تبوك، وأسلَمَتْ ثَقيف وبايعت، ضَرَبَت إليه الوفود من كلِّ وَجهِ.
وهذا معنى قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر: 1 - 3، فنُسَبِّحُ الله بحَمدِهِ على جميعِ نِعَمِه، ونَستَغفِرُه من ذُنُوبِنا، ونتوب إليه من عُيوبنا، ونسأله حُسْنَ الخاتمة، لنا ولأصحابنا ولأحبابنا ولمن أحسَنَ إلينا، ولأربابِ الحُقوقِ علينا، ولعامَّةِ المُسلمين أجمعين، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين.
حرَّرَه مُؤَلِّفُه رَحِمَ اللهُ سَلَفَه وخَلَفَه، في أواسط شهرِ ربيع الأوَّلِ عام أحد عَشَرَ بعد الألف من الهجرَةِ النَّبوِيَّةِ إلى المدينةِ المُصطَفَوِيَّةِ، عليه آلافٌ مِنَ الصَّلاةِ، وأُلوفٌ مِنَ التَّحِيَّةِ.