الجزء 1 · صفحة 5
إعراب القاري عَلَى أَوَلِ باب البخاري
تأليف: العلامة
الملا علي القاري الحنفي
توفي سنة (1014 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
ربِّ زِدْنِي عِلماً يا كريم
الحمد الله ذي الفَضْلِ الكبير، الذي يُؤاخِذُ بعضَ عبادِه بقليل من ذُنوبهم ويعفو عن كثير، والصَّلاة والسَّلامُ على أفضل الأنبياء، وأكمل الأصفياء، وعلى آله وصحبه نُجومِ الأبرار، ورُجومِ الفُجَّارِ، وبعدُ:
فيقولُ أفقَرُ عبادِ الله الغني الباري، علي بن سلطانِ محمَّدِ القارِي: إِنَّه سألني بعض أكابر الفقهاء، من أعيانِ العُلماء، بل من له فضل كثير على كثير من الفُضَلاء: أَنْ أُعَلَّقَ مِعلاقاً بشرط أن لا يكونَ مِغلاقاً، على مفتاح كتاب إمامِ المُحدِّثِينَ وإمامِ المُخرجين، أعني صحيحَ البُخارِيّ»، الذي هو أصح الكتب المُؤلَّفَةِ على الأصح، حيث قام في أسانيده بشروط الصحة على الوجه الأرجح؛ مما يتعلَّق بباب: (كيف كانَ بَدْءُ الوَحْيِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنتَهياً إلى (وقول الله تبارك وتعالى وتعَظْمَ) من بيانِ الإعراب على وَجهِ الخُلُوِّ من الإغراب، بناءً على حُسنِ ظن منه فِيَّ بأَنَّ لي مُدخَلاً في هذا الباب، ومُخرَجاً من عُهْدَةِ هذا الجوابِ.
فاعتذرتُ بعدم الاستطاعة، وقِلَّةِ البضاعة، فألح عليَّ بقبول المسؤول، وبما تيسَّرَ بيانه من المنقول والمعقول، فامتثَلْتُ مَقالَهُ، وأجبتُ سُؤالَهُ، مُستعيناً بالله وليّ التوفيق أن يهدِيَني سواءَ الطَّريقِ.
فأقول: اختلف الأصول في وجودِ لفظ (الباب)؛ إذ سقط في رواية أبي ذرّ
الجزء 1 · صفحة 7
والأصيلي من رواة هذا الكتاب، ثمَّ على تقديرِ ثُبوتِه جُوِّزَ تنوينه، وكذا إضافته وتسكينه)، أما على إسقاط الباب والاكتفاء بالترجمة في أوَّلِ الكتاب، على ما يشهد له أنَّ الكتاب يستتبع الباب، وكتاب الإيمانِ مُؤَخَّرٌ عن فَصْلِ الخِطَابِ، وإنما وقع هذا البابُ تَوطِئَةٌ وتَقدِمَةً للدخول في الكتاب على وَجهِ الصَّوابِ. وعلى كل الحسابِ فإعرابُ ما بعده هو أنَّ (كيف) في محل الانتصاب على أنَّه خبر (كانَ) إن كانت ناقصةٌ، وعلى كونها حالاً إن كانت تامَّةً، وتقديمها واجب في هذا المقامِ؛ لأنَّ الاستفهام له صَدْرُ الكلام.
وأما على تقدير وجودِ الباب، وهو أقرب إلى الصَّوابِ، وعليه أكثرُ رُواةِ الكتاب؛ فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو بهذا مشهور ومعروف، فإن قُرِئَ بلا تنوين على إضافته إلى ما بعده من الكلام، يُقدَّرُ مُضافٌ ليَتم المعنى المقصود من المبنى المُرامِ؛ أي: هذا باب جوابِ كيف كانَ، أو: باب بيان كيف كانَ، فإنَّ أمَرَه كريمُ الشَّانِ، عظيمُ البُرهان.
وسببُ التَّقديرِ: أَنَّ لفظ البابِ لا يُضافُ إلى الجملة على الصّوابِ)، ولعلَّ هذا مُرادُ مَن قال في الاعتذار عن الإشكالِ: إِنَّ الإضافة إلى الجملة كلا إضافةً في المآلِ، والله أعلَمُ بالحال.
وإن قُرِئَ كلمة (باب) مُنَوَّنةً تُقدَّرُ الجملة بعده استئنافاً مُشعراً بما يُراد من الترجمة.
وأما على تقدير تجويز التسكين فيه، لما وقع في بعض النسخ عليه من التنبيه، فهو بصورةِ الوقف على جِهَةِ التَّعدادِ للأبواب، لكن لا يخفى بعده على أُولي الألباب؛ إذ ليس بعده باب وراء الباب، بل كتابٌ مُضاف إلى الإيمان في جميع نُسَخ الكتابِ، وإنَّما يُقالُ: التَّعداد فيما تكرر من المعنى المُرادِ، نحو:
ألف باء تاء ثاءُ» و «زيدٌ بَكرْ عَمرو» و «ماما بابا».
الجزء 1 · صفحة 8
ثمَّ اعْلَمْ أَنَّه رُوِيَ بَدْءُ) بالهمزِ بعدَ سُكونِ الدَّالِ، من الابتداء في الحضور، وبلا هَمزِ مَعَ ضَمِّ الموحدة وتشديد الواو بمعنى الظهور، ذكره القاضي عياض، جعلَ الله مَثواه الرياض.
وقال شيخ مشايخنا الحافِظ الحُجَّةُ العالِمُ الرَّبَّانِيُّ شِهابُ الدِّينِ أَحمدُ بنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ: ويُرَبِّحُ الأَوَّلَ أَنَّه وقع في بعض الرواياتِ: «كيف كانَ ابتداءُ الوَحْيِ. فهو بالاعتبار أكمل، وبالاختيار أجمل.
وقالَ الزَّرْكَشِيُّ: الأحسَنُ الهَمْرُ؛ لأنَّه يَجْمَعُ المعنيين)، قُلتُ: وبه يحصُلُ الجمع بين المبنيين، وهو مَقصِدٌ حَسَنٌ، وله مَأْخَذْ مُستَحسَنُ؛ لأنَّه يلزَمُ من الابتداء البدو بلا خَفاءٍ، بخِلافِ عَكسه؛ فإِنَّه لا يلزَمُ من البدو الابتداء. لكن قد يُقالُ: إِنَّ في البُدُو أيضاً في الجملة يُعتبر معنى البداءة، ويُؤَيِّدُه ما في «القاموس» في مُعتَلّ المادَّةِ: بَدَاوَةُ الشَّيء: أَوَّلُ ما يبدو منه (1). ومنه قوله تعالى: وَمَا نَرَبِّكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَا زِلْنَا بَادِيَ الرَّأْي} [هود: 27]؛ فإِنَّه قرأه بلا همز المكِّيُّ والمَدَنِيُّ والشَّامِيُّ والكوفي، وإنَّما انفرد بقراءة الهمز: أبو عمرو البَصْرِيُّ. قالَ الجَعْبَرِيُّ (4) وَجْهُ همز (بادِئ) أَنَّه اسم فاعل من (بدأ) المهموز؛ أي: (ع).
اتَّبعوكَ بابتداء رأيهم، ووَجْهُ الياءِ أَنَّه من (بدا) المُعتل، بمعنى: ظهر؛ أي: اتَّبعوك في ظاهر رأيهم دون باطنهم، أو مُخَفَّفٌ من المهموز.
وهو معنى قولِ الفراء: إن شئتَ َقلَبتَ فخَفَّفَتَ، وإن شئت جعلته من (بَدَأتُ) فَحَقَّقت.
وهذان موافقان - يعني في المعنى - لا يتضايفان، بل هما مُرادِفانِ.
ثمَّ قالَ الجَعْبَرِيُّ: واختيار الياء لعمومه؛ يعني للبدء وغيره.
الجزء 1 · صفحة 9
وبهذا يتبيَّنُ أنَّ (البُدُوَّ) بالواوِ أيضاً يتضَمَّنُ المعنيين، ويرتفعُ الشَّملُ بجَمع المبنيين، مع جواز أن يُقال في رواية: (البُدُوِّ) بتشديد الواو أن يكونَ أصله واواً، وهو ظاهر عند أرباب الكمال، وأن يكونَ أصله، همزةً، فخُفِّفت بالإبدالِ ثُمَّ كَمُلَ بإدغامه الإعلال، فالبُدُو أيضاً يجمعُ المعنيين، فلا يبقى ترجيح لإحدى الحسنيين. ثم لا يخفى أنَّ الوَحْيَ لغةً: هو الإعلام على طريق الإخفاء، وقيل: أصله التفهيم على وَجْهِ الجلاء.
وشرعاً هو الإعلام بالشرع، سواءٌ فيه الأصل والفرع.
وقد يُطلَقُ ويُراد به اسم المفعول، فيصير معناه: المُوحَى المنقول، وهو الكلامُ المُنزَلُ على النبي صلى الله عليه وسلم وشَرِّفَ وعَظمَ وَكَرَّمَ، ثُمَّ بيان أنواع الوَحْيِ وكيفيَّاتِهِ
لا يتم إلا بالإطالة، فتركناه مخافةَ السَّآمةِ والمَلالة.
وأما قولُ البُخارِيِّ بعدما ذكر من التَّرجمة: (وقولُ الله)؛ فيتعيَّنُ رَفعُه بالابتداءِ على تقدير عدم البابِ، كما في بعض نُسَخ الكتابِ، وأما على تقديرِ ثُبوته وتنوينه فيكون عطفاً على الجملة؛ لأنَّها في محل رفع في الجُملة.
وأما على تقدير إضافته فيكون مجروراً بالعطف على المضاف إليه، وهو: (كيف)؛ فإنَّها في موضعِ خَفْضِ، ولا غُبار عليه، لكن لا بُدَّ من تقديرِ مُضاف آخر، كما يظهرُ لِمَن يتأمَّلُ في المعنى ويتدبَّرُ؛ أي: وباب معنى قول الله، أو باب ذِكْرِ قولِ الله، ولا يُقَدَّرُ هنا الكيفية؛ إذ لا يُكَيَّفُ كلامُ الله، على ما قاله القاضي عياض، وغيره من أرباب الرياض.
الجزء 1 · صفحة 10
ثمَّ َاعلَمْ أنَّ الكتابَ كـ كتابِ البُخارِيٌّ بمنزلة الجنس، وهو جِنسُ عِلمِ الحديثِ مَثَلاً، كما لا يخفى على الفُضَلاء، والباب بمنزلة النَّوعِ، وهو نوع علم من علوم ذلك الجنس، كـ باب فضل العلم وفضيلةِ العُلماء)، وقد يُعَبَّر عن الباب بالكتاب، إذا كان هناك فُصولُ الخِطاب، ويُرادُ أن يُعبر عنها بالأبواب، ك: كتاب الإيمان، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وفضائلِ القُرآنِ.
وحاصِله أنَّ (الكتابَ) لاشتماله على الاستيعاب مُشَبَّةٌ بدارٍ مُحيطةٍ على بيوت لها أبواب؛ أي: مداخِلُ، ويُطلَقُ مجازاً على الأخشاب؛ لأنَّها حلت محلها في هذا الباب، ومما يدلُّ على ما ذكرنا أنَّ الكتاب في الأصل مصدر بمعنى المفعول، فمعناه: المجموع، كما يشهَدُ له نُقولُ أربابِ العُقولِ.
ثمَّ في كل بيت من بيوتِ أربابِ الدُّنيا المتنعمة نوع من الأمتعة، وصنف من الأسبابِ المُنتفعة، من المَآكل والمَشارِبِ وسائر الأطعمة، ومن الجواهر والدراهم والدنانير وغير ذلك من النَّفائس المُخَزَّنة وجميعُها باتت مُتفنِّدَةٌ مُتفَنَّنَةٌ.
فكذلك أرباب العلوم الدينيَّةِ لهم أنواع من الفُهومِ اللدنية، وكذلك أصحاب الأحوالِ البَهيَّة، والكراماتِ السَّنِيَّةِ لهم أنواع من المقامات العليَّةِ، والمُنازَلاتِ الرَّضِيَّةِ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60]، وكلُّ طائفة من كلِّ صِنفٍ مَذهَبَهم، وكُل حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32]، وبما أعطاهُمُ الله من فضله مُستبشرون.
الجزء 1 · صفحة 11
ومُجمَلُ الكلام أنَّ المقصود من التَّبويب إنَّما هو وُقوع الأشياء على وجهِ في التّرتيب، ليَسهُلَ تحصيله على الطالبين من أربابِ التَّرغيب والترهيب. هذا، وإني قد تفاءلتُ في الإشارة إلى كتابة هذه الفاتحة أن يرزقني الله سبحانه ي آخرِ عُمُرِي الخدمة على البقيّة، رجاءً لحُسنِ الخاتمة من فضله غير عامل بعدله، فإِنَّ الإمامَ حُجّةَ الإسلام مع جلالته في الحالِ والمَقامِ وَضَعَ «صحيحَ البُخارِيِّ» عندَ نَزْعِه على صَدْرِه، تبرُّكاً بما صَحَ صُدورُه عن مشكاةِ صَدْرِ النُّبُوَّةِ، كما اقتضاه نوره وظهوره، على صاحبها أفضَلُ الصَّلواتِ وأكمَلُ التَّحِيَّاتِ، وسُبحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عما يصفون وسلامٌ على المُرسَلين، والحمد لله رب العالمين.
***