موسوعة القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الطهارة
جارٍ تحميل الكتاب…
موسوعة القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الطهارة
مسألة 1
تعريف الطهور
1 - قال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، فالطهور عندنا: الطاهر على طريق المبالغة.
2 - وعند الشافعي: المطهر.
3 - والدليل على ما قلناه: وصف الله تعالى لشراب الجنة بأنه طهور، وإن لم يكن هناك ما يتطهر به.
4 - وقال جرير:
عذاب الثنايا ريقهن طهور.
5 - ومعناه: طاهر على وجه المبالغة، ولا يجوز أن يراد به مطهر؛ لأن وصف الريق بتطهير النجاسة مما تعافه الأنفس ولا يمدح به، وقد قال أهل العربية: ((إن الطهور فعول من طهر))، والاسم إذا لم يتعد فعوله مثله، كقولهم: نؤوم من نام،
وإن تعدى الاسم تعدى فعوله، كقتول من قتل.
6 - واحتج المخالف بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: ((هو الطهور ماءه))، وإنما أراد المطهر.
7 - والجواب عنه: أنه أراد الطاهر على طريق المبالغة، وهذا يفيد التطهير من طريق المعنى.
8 - احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((جعل لي الأرض مسجدًا وطهورًا))
وقد كانت طاهرة قبله، فعلم أنه اختص اختصها بكونها مطهرة.
9 - والجواب: أنها جعلت في حقه على أعلى أحوال الطهارة، فلذلك طهرت.
10 - واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((دباغ الأديم طهوره)) والدباغ فعيل له، فلا يوصف بالطهارة، فثبت أن المراد به: تطهيره.
11 - قلنا: معناه: دباغه سبب طهارته، كما يقال: غسل الثوب طهارته.
12 - قالوا: العرب فرقت بين فاعل ومفعول، فإذا كان الطهور لا يفيد التكرار فلا بد من التطهير.
13 - قلنا: يفيد التكرار عندنا إذا توضأ به ثم غسل به النجاسة. ثم قد بينا مزية
الفرق، وهو إثبات الطهارة على وجه التأكيد والمبالغة.
14 - قالوا: خصت العرب الماء والتراب باسم الطهور دون غيرهما لأنهما يطهران.
15 - قلنا: العرب لا تعرف الأحكام حتى تضع الأسماء لها، وهذا التخصيص أيضًا لا يعرف غير العرب.
16 - قالوا: سموا الماء طهورًا قبل وقوع الفعل به، كما سموا الطعام سحورًا قبل أن يتسحر به، فدل على أن الاسم وضع لهذا المعنى.
17 - قلنا: هذا إثبات اللغة بالقياس، وإثبات اللغة بالقياس لا يجوز. وقد بينا أن أهل اللغة لا تعرف الأحكام فتضع الأسماء لها، وإذا ثبت أن معنى قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} طاهرا على المبالغة، لم يدل أن غيره لا يقع به التطهير. ولو سلمنا أن معناه: مطهرًا، لم يصح اعتبار دليله؛ لأن تعليق الحكم باسم جنس لا يدل على نفي ما عداه بالاتفاق، وإنما الخلاف في تعليقه بأحد الأوصاف.
مسألة 2
إزالة النجاسة بجميع المائعات الطاهرة
18 - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات الطاهرة.
19 - وقال محمد: لا يجوز. وبه قال الشافعي.
20 - لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول))، وهو عام في كل ما سمي غسلًا، ومتى ثبت عموم الغسل ثبت عموم
المغسول به لأنه في مضمونه. ولا يقال: اسم الغسل مقيد في غير الماء، بدلالة أن من أمر غيره أن يغسل وجهه ذمه متى غسله بالخل؛ لأن الأصل الإطلاق في الأسامي، فمدعي التقييد يحتاج إلى الدليل، وذمهم لمن غسل وجهه بالخل للعادة، لا للتقييد، ألا ترى أنه لو غسله بماء زمزم في الموضع الذي يعز فيه، أو بماء الورد، أو بماء الكزبرة، أو ماء الكدر، ذموه؟. ولأنه مائع طاهر مزيل للعين والأثر، فجاز إزالة النجاسة به، كالماء.
21 - قالوا: إن أردتم أنه طاهر قبل ملاقاته للثوب، بطل بالماء إذا وقعت فيه نجاسة قبل الغسل، وإن أردتم عند ملاقاته لم نسلم، لأنه نجس.
22 - قلنا: نريد به أنه طاهر قبل الملاقاة، بحيث لا يمكن أن يخلطه غيره. ثم تعليلنا للعين لا للأحوال، وهو أن الخل في الجملة مما يزيل النجاسة.
23 - قالوا: المعنى في الماء أنه يزيل الحدث، والمعنى بخلافه.
24 - قلنا: علة الفرع تبطل بالدباغ؛ لأنه لا يزيل الحدث، ويزيل نجاسة الجلد، وهذا حكم مجمع عليه، وإن ما قال المروزي يحتاج بعد الدباغ إلى الماء لا يصح؛ لأن الغسل موجود قبل الدباغ ولم يطهر، فعلم أن الدباغ هو المؤثر في الطهارة، لا الماء. على أن باطن الجلد يطهر بالإجماع وإن لم يصل الماء إليه، ولأن ما جاز إزالة
الطيب به من ثوب المحرم جاز إزالة النجاسة به كالماء، ولأنها عين استحقت إزالتها لحرمة العبادة، فجاز إزالتها بغير الماء، كالطيب من ثوب المحرم.
25 - قالوا: الطيب أُمر بإزالة رائحته دون عينه.
26 - قلنا: أمر بإخراج عينه من أن تكون طيبًا، وذلك يكون بزوال ريحها وبغسلها، كما أمرنا بإخراج العين من أن تكون نجسة وقد يكون ذلك بتغييرها مثل الخمر إذا طرح عليها الخل.
27 - قالوا: نعكس فنقول: لا يجوز إزالته بماء الورد، كالطيب من ثوب المحرم.
28 - قلنا: يزول عندنا وتسقط العبادة، وإنما يكره فعله كما يكره استعمال ماء الورد في النجاسة.
29 - واحتج المخالف بقوله عليه السلام في دم الحيض: ((حُتِّيه ثم اقرضيه بالماء ثم اغسليه بالماء)).
30 - والجواب: أن ذكر الماء لا يدل على اختصاصه بالطهير، كما أن ذكر الأحجار لا يدل على اختصاصها بالاستنجاء.
وفائدة التخصيص: أن الماء أعم وجودًا، وما سواه مكروه إزالة النجاسة به، فلم يأمرها بما يضر ويكره لها، ولأنه إذا أزاله بالخل لم يبق دم فلا تنصرف الكناية إليه.
31 - قالوا: طهارة شرعية، أو طهارة تراد للصلاة، كالوضوء.
32 - قلنا: المعنى في طهارة الحدث إذا وقعت بالجامد اختصت بجنس، فإذا وقعت بمائع اختصت بجنس، وطهارة النجس إذا وقعت بجامد لم تختص بجنس، فإذا وقعت بمائع لم تختص بجنس؛ ولأن الوضوء عبادة لم نعلم معنى وجوبها، فاختصت بما نص الله عليه وإزالة النجاسة علم معناها، وهو الإزالة، فجاز بكل ما يزيلها.
33 - قالوا: غسل واجب، كغسل الجنابة.
34 - قلنا: ينتقض بغسل الطيب من ثوب المحرم. والمعنى في الأصل ما سبق.
35 - قالوا: مائع لا يرفع الحدث، كالدهن والمرق.
36 - قلنا: إن أزالا النجاسة جاز إزالتها بهما، وإن لم يزيلا لم يجز، كما لا يجوز بالماء الذي لا يزيل.
37 - قال مخالفنا: طهارة النجاسة آكد من طهارة الحدث لأن الماء للطهارة والتطهير، ولأن المسافر إذا كان معه يزيل به النجاسة أو يتوضأ غسل النجاسة، وإزالة النجاسة لا تنتقل إلى بدل، ويكفي في الحدث غسل مرة واحدة ولا يكفي في إزالة النجاسة، فإذا كان الأضعف لا يجوز بغير الماء فالآكد أولى.
38 - قلنا: بل طهارة الحدث آكد؛ لأنه منصوص عليه نصًّا غير محتمل، مجمع على حكمه، ويعتبر فيه النية عندهم، ويتعدى إلى غيرها وغير محلها، ويستوي قليله وكثيره.
فأما قولهم: تسلب الماء الطهارة والتطهير فلا يصح على أصلهم في الماء إذا ورد على النجاسة أنه طاهر، وعلى أصلنا: انتقل إليه ما كان في المحل، وهذا لا
يدل على ضعف أحد الطهارتين، وأما المسافر فيتوضأ بالماء ثم يغسل به النجاسة إن اكتفى به، وإن لم يكتف به ابتدأ بإزالة النجاسة، لا لتأكدها، لكن يصير جامعًا بين الطهارتين، ألا ترى أن الماء لو لم يكف للنجاسة وجب أن يبتدأ بالوضوء حتى لم يمكن الجمع، وقولهم: إن الفرض لا ينتقل دلالة له على ضعفه حتى ثبت فرضه في حالة واحدة، وتثبت فرض طهارة الحدث في كل حال، واتبار العدد ليس بصحيح؛ لأن المعتبر عندنا الإزالة، فإن وقع بمرة واحدة جاز، فإذا ثبت أن طهارة الحدث آكد فجاز بالماء. وإن لم نخص الأضعف، وترجح ما ذكرناه؛ لأنه ناقل ومُثبت لحكم متجدد، وهو الطهارة، ومزيل للحكم بزوال العلة الموجبة، وملحق لطهارة النجاسة بجنسها من الدباغ والاستنجاء. وعللُنا مستنبَطة من أصل أجمع على ثبوت الحكم فيه، وعللهم منتزعة من طهارة الحدث، وقد اختلف في اختصاصها بالماء.
مسألة 3
الوضوء بالمتغير بمخالطة طاهر
39 - قال أصحابنا: إذا خالط الماء طاهر فغيّره ولم يغلب على أوصافه، جاز الوضوء به.
40 - خلافًا للشافعي.
41 - لقوله عليه السلام: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء))، وهذا ماء مطلق؛ بدلالة أن مياه العرب أكثرها متغيرة، فلا يمنع من إطلاق اسم الماء فيها، ولا يعرف الفرق بين التغير بالنُّورة والجِصّ أو الزعفران.
42 - وقولهم: إنه سمي ماء الزعفران، غلط؛ لأن هذا يقال في الحقيقة لماء اعتُصر من الزعفران.
43 - وقولهم: لو حلف لا يشرب ماء فشربه لم يحنث، ولو استعمله المحرم لزمته الفدية. ولو وكل وكيلًا بأن يشتري له ماء فاشترى هذا الماء لا يجوز -لا نسلم، ولأن
كل ما لو خالط لم يمنع استعماله جاز استعمال الماء مع تغيير لونه، كالجص والطين، أو فجاز استعماله مع تغيير طعمه، كالملح، ومع تغيير لونه، كالكبريت.
44 - قالوا: المعنى في الطين أنه جاء للطهير.
45 - قلنا: أصل علتنا الجص وورق الشجر، ويبطل ما قالوه بغلبة التراب على الماء.
46 - قالوا: المعنى فيه أنه لا ينفك الماء عنه غالبًا، وينفك من الزعفران.
47 - قلنا: أما الآبار تنفك من ورق الشجر ولا يفسده. والماء لا ينفك من الورق والذباب، وينجسه عندهم، ولأن كل مخالطة لو حصلت بالطين لم يمنع جواز الوضوء إذا حصلت بالزعفران جاز الوضوء به، كما لو لم يتغير.
48 - احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: ((خلق الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو ريحه)).
49 - والجواب: أن ظاهر هذا الخبر يفيد نجاسته بالتغيير، وهذا لا يكون إلا بمخالطة النجاسة، والخلاف في مخالطة ما لا ينجسه، ولأن نجاسة الماء لا تَقف عندهم على التغيير؛ لأنا نقول في البحر والماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز استعماله ما لم يتغير، ولا يجوز استعمال ما تغير.
50 - قالوا: خالطه ما غير أحد أوصافه وما يستغني عنه غالبًا،
فمنع جواز الوضوء به كماء الباقلاء.
51 - قلنا: اعتبار ما لا يستغنى عنه لا معنى له؛ لأن الماء يستغنى عن التراب إذا طرح وإن لم يمنع عندهم، وكذلك ورق الشجر، فأما ماء الباقلاء، فما لم يطبخ فإنه يجوز الوضوء به وإن تغير. وأما إذا طبخ فالمعنى فيه أنه استحال بالطبخ عن صفة الماء، فلم يرفع الحدث وليس كذلك ما تغير من غير طبخ؛ لأنه لم يخرج عن صفة المياه، فجاز أن يرفع الحدث، أو نقول: المعنى فيه أن هذا التغيير لو حصل بالطحلب لم يمنع، فكذلك بالزعفران.
52 - قالوا: المخالطة للماء على ثلاثة أضرب: موافق له في الطهارة والتطهير، كالتراب فلا يسلبه إحدى الصفتين. ومخالف له في الطهارة والتطهير فيسلبه الصفتين، ومخالف في الطهارة وموافق في التطهير فيسلبه التطهير.
53 - قلنا: القسم الأول: لا يصح، لأنكم سويتم بين التراب والجص والورق
الشجر، وإن خالفت الماء في التطهير، ثم يبطل بغلبة التراب على الماء.
54 - والقسم الثاني: يبطل بوقوع النجاسة في القلتين.
55 - والقسم الثالث: يبطل بالزعفران إذا لم يغيره.
والتقسيم الصحيح أن يقال: الزعفران والتراب يستوي تأثيرهما في الماء إذا لم يغيره، ولا يمنعان الوضوء، ويستويان إذا غلبا على الماء في منعهما للوضوء، فإذا ظهر لونهما ولم يغلبا وجب أن يستوي حكمهما كما يستوي في الطرفين. و [قولهم]: لا فرق بين تغيير الماء بالباقلاء قبل الطبخ وبعده، يبطل على أصلهم بتغيير الماء بالجص إذا جرى عليه، وبتغيره إذا طرح فيه.
56 - فإن قالوا: يمكن حفظه من أحدهما دون الآخر، بطل بالطين؛ لأنهم سووا بين تغيير الماء بالطين إذا جرى عليه أو طرح فيه.
مسألة 4
وضوء المسافر بنبيذ التمر
57 - قال أبو حنيفة: إذا لم يجد المسافر الماء توضأ بنبيذ التمر، ولم يتيمم.
58 - وروى نوح المروزي عنه: أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهو قول أبي يوسف والشافعي.
59 - وقال محمد: يجمع بينه وبين التراب.
60 - وجه الرواية الأولى: ما رواه حنش الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأبو رافع مولى ابن عمر، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في ليلة الجن: أمعك ماء، قال: لا، معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ به وصلى الصبح وقال: تمرة طيبة وماء طهور.
ولا يجوز أن يقال: إن هذا الخبر رواه أبو فزارة السادر عن أبي زيد، وهو مجهول؛ لأنا نقلنا الخبر من غير هذا الطريق، ولو لم ينقل إلا منه كان طريقًا
صحيحًا؛ لأن أبا فزارة ذكه مسلم في الصحيح، وهو راشد بن كيسان العبسي الزاهد. وروى أبو حنيفة والثوري وإسرائيل بن يونس، والجراح أبو وكيع وشريك وأبو زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال ابن المديني: وروى أبو فزارة عن أبي زيد قال: سمعت عبد الله بن مسعود.
61 - ولا يقال: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الليلة، وقد سئل علقمة
عن ذلك، فقال: وددت أن يكون معه. وروي عن ابن مسعود أنه قال: (ما كان معه منا أحد)؛ وذلك لأن ابن المديني قد طرق كون عبد الله بن مسعود مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الجن من اثني عشر طريقًا. وذكر يعقوب بن أبي شيبة حديث أبي عثمان البكالي صحابي، فقال ابن أبي شيبة: هذا حديث بصري. ولأن الأخبار لو تعارضت كان المثبت أولى، كيف والجمع ممكن؛ لأن علقمة نفى كونه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند خطاب الجن، وهذا لا ينفي خروجه معه.
62 - قالوا: النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ به في الحضر، وهذا مجمع على تركه.
63 - قلنا: توضأ به بعد ما خرج من مكة وبعد منها، وعندنا نجوز التوضؤ
بالنبيذ والتيمم لمن بعد من المصر، وإن لم يسافر.
64 - قالوا: الذي كان في الإداوة تمر وماء لم يختلط، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((تمرة طيبة، وماء طهور)).
65 - قلنا: هذا لا يسمى عندنا على الإطلاق نبيذًا، وقد سماه ابن مسعود نبيذًا، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - علته، والغالب أن التمر إذا طرح في الماء وبقي ليلة أنه لا يبقى على حاله.
66 - ولا يقال: اعتبار حقيقة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وحمل قول ابن مسعود على المجاز أولى من حمل قوله على الحقيقة وحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - على المجاز.
67 - قلنا: ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنكار تقرير له على قوله، فصا كأن القولين صدرا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجوز حمل الأول على الحقيقة والثاني على المجاز.
68 - ولا يقال: إنه لم يكن شديدًا؛ لأن من أصحابنا من قال: الخلاف في النبيذ الحلو، فعلى هذا يسقط سؤالهم، ويسقط ما يقولون: إنه لم يكن مطبوخًا؛ لأن الحلو لا يعتبر فيه الطبخ.
69 - قالوا: ليلة الجن كانت بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة فنسختها.
70 - قلنا: النسخ يكون بين المتنافيين، ولا تنافي بين الآية والخبر، وسنبين ذلك.
72 - قلنا: المخالف للأصول أن يرد الخبر بما وجد في الأصل خلافه بعينه، أو كان معناه مجمعًا على خلافه، كخبر القرعة؛ لأنه تضمن نقل الجزية من شخص إلى شخص، وهذا معنى أجمعوا على خلافه. وخبرنا لم يوجد ما ورد به في الأصول بخلافه، ومعناه: عليه أوصاف الطاهر على الماء، وهذا المعنى لم يجمعوا
على امتناع الوضوء به؛ لأن ابن جرير يجوز الوضوء بالخل ونبيذ الزبيب.
73 - ولا يقال: إن البلوى تعم، ولا تثبت بخبر الواحد؛ لأن وجود النبيذ في السفر مع عدم الماء أمر نادر، فكيف يدعى عمومه.
74 - ويدل عليه: ما روى الأوزاعي عن يحيى بن كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لا يجد الماء)). ولا يمكن تأويل هذا الخبر إلا بإسقاط ما شرطه. وقد روى جواز الوضوء به: علي، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم وقال أبو العالية: (ركبت مع أصحاب رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - البحر ففني ماؤهم، فتوضئوا بنبيذ التمر، وكرهوا ماء البحر)، والصحابي إذا قال ما لم يعلم بالقياس حمل على التوقيف، أو نقول: إنه لا مخالف لهم فصار إجماعًا.
75 - ولا يقال: قد روي عن ابن عمر أنه قال بنجاسة النبيذ؛ لأن هذا في الشديد، ومتى حمل الخلاف على الحلو سقط الخبر، على أنه قد روي عن ابن عمر جواز شربه. فيتعارض ذلك عنه، فبقي قول بقية الصحابة، ولأن الرأس من أعضاء الطهارة؛ فجاز أن يثبت له بدل عن الغسل، كالوجه واليدين، ولأن الطهارة تارة تعم البدن، وتارة تطهير ينتقل إلى بدل فجاز أن ينتهي إلى بدلين كالكفارة. هذه الأقيسة لسنا نثبت بها بدلًا، بل لترجيح الأخبار، ولأن كل فرض جاز انتقاله بالنبيذ، كغسل الطيب من ثوب المحرم.
76 - واحتج المخالف بقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} إلى قوله: {فلم تجدوا
ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ولم يجعل بينهما واسطة.
77 - قلنا: إن قوله {فاغسلوا وجوهكم} عام في كل غسل بالماء وغيره، فيفيد ذلك النبيذ. ولا يقال: إن هذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز؛ لأنا لم نثبت مخصوص المغسول به لفظًا، وإنما أثبتنا عموم الغسل، وذلك حقيقة في الأمرين، ولأن الله تعالى خص جواز التيمم بحال عدم الماء، والنبيذ في حكمه؛ فلا يجوز التيمم مع وجوده، والحكم تارة يثبت بالصريح، وتارة بالتنبيه.
ولأن قوله تعالى: {فلم تجدوا ماءً فتيمموا} المراد: ماء شرعًا، والنبيذ ماء في الشرع؛ بدلالة ما قدمناه في الخبر.
78 - احتجوا بقوله عليه السلام: ((التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء))، وهذا لا دلالة فيه؛ لأن النبيذ ماء في الشرع، فيدخل في عموم الخبر.
79 - ولا يقال: إنه حمل على الحقيقة والمجاز؛ لأنا اعتبرنا الماء في الشرع دون اللغة؛ لأن الاسم حقيقة في الشرع فيهما، ولأن اللفظ الواحد في النفي يحمل عليهما وإن لم يحمل في الإثبات، ولأن هذا خبر الواحد فيجمع بينه وبين خبر النبيذ، فيصير تقديره: التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء أو النبيذ.
80 - قالوا: ما لا يجوز الوضوء به حضرًا لا يجوز الوضوء به سفرًا، كالخل. وهذا الوصف غير مسلم؛ لأن الوضوء بالنبيذ والتيمم يجوز للمقيم إذا بعُد عن المصر، ذكره الطحاوي، وإن سلمنا لم يصح؛ لأنه يجوز في السفر ما لا يجوز في الحضر، كالتيمم، والقصر، والإفطار. ثم المعنى في الخل أنه لم يسم طهورًا في الشرع، والنبيذ بخلافه.
81 - قالوا: شراب مسكر، كنبيذ الزبيب.
82 - قلنا: الخلاف على قول كثير من أصحابنا في الحلو دون المسكر؛ فصار ما ذكروه مسلمًا، والمعنى في نبيذ الزبيب ما قدمناه.
83 - قالوا: من حكم البدل أن يكون أعم وجودًا من المبدل، كالتراب.
84 - قلنا: لا يمتنع أن يكون البدل أضيق وجودًا، ألا ترى أن الله تعالى جعل الإطعام بدلًا عن الصوم في كفارة الظهار، وجعل الصوم بدلًا عنه في كفارة اليمين؟ فلا يدل على وضع قولهم أن يكون أحدهما أضيق، وجعل تارة بدلًا، وتارة مبدلًا.
85 - قالوا: مائع لا يرفع الحدث، كنبيذ الزبيب. وهذا لا يصح؛ لأن وضوء المستحاضة يقع بمائع ولا يررفع حدثها، ويجوز بالتراب، والتراب لا يرفع الحدث وإن جاز إسقاط الفرض به.
مسألة 5
طهور جلد الكلب
86 - قال أصحابنا: يطهر جلد الكلب بالدباغ.
87 - خلافًا للشافعي.
88 - لنا: قوله عليه السلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)).
ولأنه بهيمة يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فجاز أن يطهر جلدها بالدباغ، كالشاة.
ولا يقال: إنه لا ينتفع بالكلب إلا لضرورة الصيد والحفظ؛ لأن الإنسان لا يضطر إلى الاصطياد في غالب أحواله، ولا يضطر إلى حفظ الماشية بالكلب؛ لقيام الآدمي مقامه.
ولا نريد بالضرورة ما يخاف منها على نفسه وماله. ولأنها بهيمة يجوز الاصطياد بها، كالفهد.
89 - ولا يقال: إن ما لا يصاد به عندكم يطهر جلده بالدباغ؛ لأنا لم نعتبر وقوع الاصطياد، وإنما اعتبرنا إباحته، وهذا موجود في الجنس.
90 - قالوا: المعنى في الأصل أنه مختلف في طهارة سؤره.
91 - قلنا: وكذلك الكلب، ويبطل علة الأصل بسؤر المشرك.
92 - قالوا: الفهد يقتنى على الإطلاق، بخلاف الكلب.
93 - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن الكلب يجوز اقتناؤه إلا للتلهي، وكذلك الفهد.
94 - ولا يقال: الفهد مختلف في غسل الإناء من ولوغه، والكلب متفق على وجوب غسله، لأن علة الأصل تبطل بسؤر المشرك، وعليه الفرع تدل على النجاسة، وهذا لا يمنع وقوع الدباغ، كالميتة. ولأنه حيوان مختلف في أكله لحمه، كالضبع.
95 - ولا يقال: إن هذه علة متأخرة عن الحكم؛ لأن علل الشريعة يجوز أن تتأخر، فثبت الحكم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعنى، وبعده بذلك وبغيره، كمسائل الإجماع. ولا يقال: إن الضبع مأكول؛ لأنا نخالفهم في هذه العلة.
96 - قالوا: هذه الأوصاف لم تدل على طهارة الكلب في حياته مع وجودها كذلك بعد الدباغ.
97 - قلنا: يجوز أن تكون هذه العلة غير موجبة للتطهير بنفسها، فتوجب
الطهارة عند وجود سبب التطهير، وهو الدباغ، ألا ترى: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ بعلة موجودة قبله ولم توجب تلك العلة طهارة الجلد قبل وجود سبب التطهير؟.
98 - واحتجوا: بنهيه عليه الصلاة والسلام عن افتراش السباع.
99 - قالوا وهذا أخص من خبركم.
100 - والجواب: أن إطلاق السبع لا يتناول الكلب، ولأن النهي لِما كانت الأعاجم يعتادونه، ولو أراد به النجاسة لخصه بالصلاة، وأما خصوصة فلا يصح إذا لم يتناول موضع الخلاف، فلو تناوله لكان خاصًّا في السبع، عامًّا فيما قبل الدباغ وبعده، وخبرنا عام في الأُهُب، عام [فيما بعد الدباغ] والخصوص موجود في كل واحد من الخبرين من وجه، والعموم من وجه.
101 - قالوا: حيوان نجس حال حياته، ويغسل الإناء من ولوغه، كالخنزير، وهذا يبطل على أصلنا بالبيع. ولأن النجاسة لا تمنع من التطهير بالدباغ، كنجاسة الميتة، والمعنى في الخنزير أنه لا يقسم قسمة المواريث ولا يخلى بينه وبين الموصى له
ولا يجوز الاصطياد به، والكلب بخلافه.
102 - قالوا: الدباغ يرد الجلد إلى طهارة الحياة ويرفع نجاسة الموت، والكلب في حال حياته نجس فيرده الدباغ إلى ذلك. وهذا لا يصح؛ لأنه تجدد طهارة في الجلد، فلا يرد ما تقدم؛ لأن علة ذلك طهارة الحياة، وهي لا تعود، ولا يعود حكمها.
103 - قالوا: الدباغ يمنع من التلاشي في الجلد والفساد، كما يمنع الحياة، وهذا معنى قولنا: إنه يرده إلى تلك الحال.
104 - قلنا: هذا المعنى لا مدخل له في الطهارة؛ لأنه موجود في الخنزير والكلب حال حياتهما، وهما نجسان، وفي الشعر بعد الموت، وهو نجس عندهم.
105 - قالوا: الحياة أقوى المطهرات؛ لتأثيرها في اللحم والجلد، والدباغ أضعف؛ لتاثيره في الجلد خاصة، فإذا لم يطهر الكلب بالحياة فبالدباغ أولى.
106 - الجواب: أن الدباغ أقوى المطهرات؛ لأنه يؤثر في نجاسة الموت الثابتة بالقطع والمتفق عليها، ونجاسة الكلب مختلف فيها وثابتة بخبر واحد، فما جاز أن يعمل في أقوى النجاستين ففي أضعفها أولى. وأما تأثير الحياة في اللحم والجلد فليس لقوة تطهيرها، لكن لوجودها فيهما، والدباغ لا يوجد إلا في الجلد، فإذا لم يطهر لم يوجد فيه ما يدل على ضعفه.
107 - قالوا: الكلب نجس العين، كالخنزير.
108 - قلنا: لا نسلم هذا الوصف؛ لأن نجاسة الكلب مخففة، في حكم نجاسة المجاورة؛ فلذلك يجوز الانتفاع به من وجه دون وجه، كالثوب النجس. ولو كان
كأعيان النجاسات لم يجز الانتفاع به بحال، كالدم والخمر.
109 - قالوا: معنى قولنا: نجس العين، أنه لم يخلق إلا نجسًا، وأن نجاسته ليست بطارئة. وهذا لا يصح؛ لأن نجاسة الكلب حكم مثبت بالشرع، لا نعلم ثبوته قبله، فيجوز أن يكون هذا الحكم طارئًا، وقد كان طاهرًا قبله.
110 - وجملة الأمر: أن الشيء لا يوصف بالنجاسة لعينه، وإنما هذه أحكام، فمعنى قولنا: نجاسة عين، تغليظ نجاسة. ومعنى قولنا: نجاسة مجاورة، أي تخفيف نجاسة. والكلب مخفف النجاسة من وجه ما بينا، فترجح ما ذكرناه أنه قابل للحكم ومجدد بحكم الطهارة، وهو حكم شرعي، ويلحق الكلب بنظائره من السباع، وموجب تخفيف حكمه بعد الموت كما كان في حال الحياة.
مسألة 6
حكم طهارة ما يؤكل وما لا يؤكل
111 - قال أصحابنا: ما لا يؤكل لحمه يطهر بالذكاة إلا الخنزير والآدمي.
112 - وقال الشافعي: لا يطهر إلا ما يؤكل لحمه.
113 - لنا: قوله عليه السلام: ((الذكاة في الحلق واللبة))، وهو عام. ولأنه حيوان لا يقطع بتحريمه، فوجب أن تؤثر فيه الذكاة، كالضبع. ولأنه بهيمة يجوز الانتفاع به حال حياته من غير ضرورة، كالشاة.
114 - ولا يقال: إن الشاة طاهر في حال اليحاة فلا بطهر بالذكاة؛ لأنا قلنا: فوجب أن تؤثر فيه، وهي تؤثر في منع النجاسة.
115 - ولا يقال: إن المعنى في الشاة أنها مأكولة؛ لأن الذكاة لو لم تؤثر إلا في المأكول لما أثر في الأشياء السبعة التي نهي عن أكلها من الشاة، وفي الشاة المسمومة التي لا يجوز أكلها، ولأنه سبب للتطهير، فلا يختص بما يؤكل لحمه، كالدباغ،
ولأن جلود السباع تطهر بالدباغ، فأثرت الذكاة فيها، كالشاة.
116 - واحتج المخالف: بقوله عليه والسلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، دليله: أنه لا تطهير بغير الدباغ.
117 - الجواب: أن تقديره: أيما إهاب نجس دبغ فقد طهر، لاستحالة أن يقال: الطاهر إذا دبغ طهر.
118 - قالوا: ذبح لا يبيح أكل اللحم، فلا يؤثر في الطهارة، كذبح المجوسي.
119 - والجواب: أنا لا نسلم أن ذبحه لا يعمل في إباحة أكلها؛ لأن المضطر إليها لا يأكلها إلا بعد الذبح؛ فيعمل الذبح في إباحتها، ثم قد بينا افتراق حكم الأكل والطهارة، بدلالة الشاة وحال حياتها والسباع عندهم، فالدال على الصيد إذا ذبح حرم عليه، وهو طاهر. ولأن الأكل لا ينفرد عن الطهارة، فكأنهم قالوا: لمّا لم يؤثر الذبح في الأكل والطهارة يجب ألا يؤثر في الطهارة، ويجوز أن يؤثر في أحد الأمرين ولا يؤثر فيهما. ولأن الجوسي أجمعوا أن ذبحه لا يؤثر لمعنى فيه، لا لصفات المذبوح، ولهذا استوى ما يؤكل وما لا يؤكل، فلم يجز التعليل لأمر يخالف الإجماع. ولأن المعنى في المجوسي أنه ليس من أهل الذكاة، والمسلم من أهل الذكاة، ذبح ما لا يقطع بتحريمه.
120 - قالوا: حيوان نجس، كالخنزير.
121 - قلنا: التطهير إنما يحتاج إليه في النجاسات، فلم يصح هذا الوصف. ولأن الخنزير عكس علتنا؛ لأنه مقطوع بتحريمه، والكلب بخلافه.
122 - قالوا: جزء من حيوان لا يؤكل لحمه، فلم تبحه الذبح، كلحمه.
123 - قلنا إن أردتم إباحة الأكل فالجلد واللحم سواء في تحريمه، وإن أردتم إباحة الانتفاع، فهما سواء في الجواز.
124 - قالوا: فوات روح حيوان لا يؤكل لحمه، فلا يبيح شيئًا منه، كما لو مات حتف أنفه.
125 - قلنا: المعنى فيه أنه لم يوجد سبب من أسباب التطهير، والحيوان مما له دم نجس، وفي مسألتنا: وجد سبب من أسباب التطهير.
126 - قالوا: الذكاة تبقي طهارة الحياة، وتمنع نجاسة الموت، والكلب نجس في حال حياته، فيبقى على ما كان عليه.
127 - قلنا: الذكاة تحدث طهارة على طهارة الحياة؛ لأن تلك الطهارة قد زالت عنها، يبين ذلك أن طهارة الحياة لا تؤثر في الأكل، فطهارة الذكاة تؤثر في ذلك، فدل على اختلافهما. ولو صح ما قالوه لزمهم إذا ذكيت السباع، فشرائط الذكاة أن تبقى على طهارة الحياة عندهم، فأما أن يَحدُث بالذبح نجاسة فلا.
مسألة 7
يصح الدباغ بالشمس والتراب
128 - قال أصحابنا: يصح الدباغ بالشمس والتراب إذا وقع الدباغ به.
129 - خلافًا للشافعي.
130 - لقوله عليه السلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، واسم الدباغ يتناول ما وقع بالشمس، ولأنه يحيل الجلد ويمنع من ورود الفساد عليه، فأشبه الشب.
131 - احتجوا بقوله عليه السلام: ((في الشب والقرظ ما يطهر))، وهذا يقتضي الاختصاص.
132 - قلنا: المراد به: الشب وما في معناه بإجماع.
133 - قالوا: الشمس لا تحيل الجلد، بل تجففه، فإذا وقع في الماء عاد إلى فساده. وهذا غلط؛ لأنه متى كان بهذه الصفة لم يطهر عندنا، وإنما يطهر إذا أثر فيه الشب والقرظ، وغيرهما.
مسألة 8
جواز بيع الجلد المدبوغ
134 - قال أصحابنا: يجوز بيع الجلد المدبوغ.
135 - خلافًا للشافعي في القديم.
136 - لقوله عليه السلام: ((هلا أخذتم جلدها فدبغتموه وانتفعتم به))، والبيع من وجوه الانتفاع، ولأنه جلد يجوز الانتفاع به فجاز بيعه، كالمذكاة.
137 - احتجوا بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة}.
138 - والجواب: أن اسم الميتة لا يتناول اسم المدبوغ. ولأن خبر الدباغ قد مضى على الآية، فكأنه قال: إلا ما دبغ من جلودها.
139 - قالوا: جواز الانتفاع لا يدل على البيع، كأم الولد.
140 - قلنا: جواز الانتفاع يدل على البيع إلا أن يمنع مانع، وهناك حرمته منعت البيع بعد جوازه.
مسألة 9
صوف الميتة وشعرها وعظمها طاهر
141 - قال أصحابنا: صوف الميتة شعرها وعظمها وقرنها طاهر.
142 - وقال الشافعي: نجس.
143 - لنا: قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} وهذا امتنان عام، وذلك لا يكون بالنجس.
144 - قالوا: قوله {إلى حين} يقتضي جواز الانتفاع إلى غاية مجملة، فيحتمل أن يكون الموت، يقال: حان حينه.
145 - قلنا: الموت هو الحَين بفتح الحاء لا بكسرها. ثم الغاية دخلت على ما هو أثاث ومتاع، وذلك لا يؤثر فيه الموت، فينبغي أن يكون إلى حين هلاكها.
ويدل عليه: حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، وصوفها وقرنها إذا غسل بالماء)).
146 - قالوا: رواه يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، وهو ضعيف.
147 - قلنا: الضعف لا يؤثر إلا بعد بيان جهته.
148 - قالوا: لا بأس بقيد الانتفاع دون الطهارة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أكل لحمه فلا بأس ببوله)).
149 - قلنا: إطلاق اللفظ يقتضي نفي الحرج في إيقاع الفعل منه، كالوجه.
150 - قالوا: شرط فيه الغسل، وأنتم لا تعتبرونه.
151 - قلنا: جواز الانتفاع به قد يقف على الغسل عندنا إذا كان عليه نجاسة، لا لموته. والثاني: من عادة الشاة أن تبول وتروث، فينبغي أن يغسل الصوف. ومن استعمل حرف الشرط في حال أولى ممن أسقطها، ولأن قيام الدلالة على إسقاط الشرط لا تنفي التعليق بالخبر، ولأنها عين لو انفصلت حال حياة الحيوان كانت طاهرة، فإذا انفصلت بعد الموت حكم بطهارتها، كالبيض والولد. ولا يلزم الريق؛ لأنه طاهر عندنا بعد الموت، كاللبن، وإنما تجاوره النجاسة.
152 - ولا يقال: إن البيض ينجس بالموت؛ لأن الشافعي نص على خلافه، فلا يقال: المعنى فيه أنه ليس بمتصل وإنما هو مودع في الأصل؛ لأن هذا يبطل باللبن على أصلهم، ولأن ما لا تقف استباحته على الذكاة لا ينجس بالموت،
كالسمك؛ وعكسه سائر الأعضاء.
153 - ولا يقال: إنما لا تقف استباحته على الذكاة، لأنه لا يألم الحيوان بأخذه، والأعضاء يألم بأخذها، فوقف أخذها على الذكاة.
154 - قلنا: عليه الأصل تبطل بالحافر والظفر وشعر ما لا يؤكل لحمه واليد الشلاء، وعليه الفرع تبطل بالشعر إذا نتف، والولد إذا شقت خاصرتها وأخرج.
155 - قالوا: الشَّعر أُبيح أخذه حال الحياة، كما أبيح ذكاته، والأعضاء حُظر أخذها، فكأنه نجسه كما حظر ذكاته.
156 - قلنا: علية الأصل تبطل بالختان وما يقطع للداء. وعليه الفرع تبطل بنتف الشعر وإخراج الولد بالشق. ولأنه شعر نابت على محل يجوز الانتفاع به بحال، فلا يكون نجسًا بالموت، كشعر المذكاة وشعر السباع. ولأن الموت سبب لانقطاع النماء، كالجز.
157 - قالوا: المعنى في الجزِّ أنه انفصل عن عين طاهرة، وهاهنا انفصل عن عين نجسة.
158 - قلنا: علة الأصل تبطل بجزِّ شعر السباع عندهم أن العين طاهرة، وإذا قطع شعرها نجس. وعلة الفرع لا تصح؛ لأنه لو جزه بعد ما دبغ الجلد كان نجسًا وإن انفصل من عين طاهرة.
159 - احتجوا: بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} وهذا يقتضي تحريم الجملة.
160 - قلنا: الاسم حقيقة فيما حَلَّه الموت، كما أن المسود عبارة عما
حله السواد، والشعر لا يحله الموت عندنا.
161 - وقولهم: إن الميتة اسم له، يقال: هذه ميتة، وهذا من الميت، ليس بصحيح؛ لأن هذه الإشارة لا تبطل الحقيقة التي قدمناها؛ لأنها إضافة مجاز، كما يقال: سوداء وإن كان سنها أبيض، وقولهم: شعر الميتة وعظمها، لا يوجب أن يكون منها، كما يقال: سرج الدابة.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن لبس فراء الميتة، وعن علي رضي الله عنه أنه نهى عن لبس فراء الثعالب. وقيل لعائشة رضي الله عنها: ألا نتخذ لك فروا تتقي به من البرد؟ قالت: إن كان ذكيًّا فنعم، وإن كان ميتًا فلا.
162 - قلنا: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في السن والعظم والصوف مثل قولنا.
163 - قال النخعي: كان ابن مسعود يقول: ذكاة الصوف غسله. وقد انتفعت الصحابة بالصوف التي وجدوها في بلاد المجوس، وادعى أصحابنا الإجماع بهذا، وما رووه يحتمل أن يكون فيما لم يدبغ.
164 - قالوا: متصل بذي روح ينمو بنمائه، فوجب أن ينجس بنجاسة الموت قياسًا على اللحم.
165 - قلنا: لا نسلم أنه ينمو بنمائه؛ لأنه ينمو مع عدم نماء الأصل، فلا نسلم إن قالوا: ينجس بموت الأصل؛ لأن اللحم ينجس بحلول الموت فيه، وإن قالوا: بالموت؛ ينتقض بأجزاء السمك. وإن قالوا: بنجاسة الأصل، لم يصح على أصولهم؛ لأنه ينجس بحلول الموت فيه. ثم المعنى في الاصل أنه لو انفصل في حال الحياة حكم بنجاسته، فكذلك بعد الموت، والشعر لو انفصل حال الحياة حكم بطهارته، فإذا انفصل بعد الموت جاز أن يحكم بطهارته.
166 - وإن قالوا: نجعل الأصل ما لا يؤكل لحمه، فلا تسلم المعارضة.
167 - قلنا: المعنى فيه: أنه لو انفصل حال الحياة من المأكول لم يحكم بطهارته، وكذلك إذا انفصل بعد الموت. والشعر لو انفصل حال الحياة من المأكول - حكم بطهارته، فجاز إذا انفصل بعد الموت مما لا يؤكل لحمه أن يحكم بطهارته.
168 - قالوا: شعر نابت على محل نجس، فأشبه شعر الخنزير.
169 - قلنا: هو طاهر في إحدى الروايتين. ثم المعنى في الأصل أن محله لا يجوز الانتفاع به بحال، ومحل الشعر في مسألتنا يجوز الانتفاع به بحال.
مسألة 10
ليس في الشعر والعظم حياة
170 - قال أصحابنا: ليس في الشعر والعظم حياة.
171 - خلافا للشافعي.
172 - لأن الحياة لا تكون إلا في بنية مخصوصة من اللحم والرطوبة وغير ذلك، وذلك غير موجود في الشعر، ولأنه لو كان فيه حياة لأحس بنزعه من المحسوسات وأدرك نوعًا من المدركات، كالأحياء، ولأنه لو كان فيه حياة لألِمَ بقطعه إذا لم يكن فيه آفة، كسائر الأعضاء. ولا يلزم ما حس من العقب؛ لأنه لا حياة فيه، ولا يلزم اليد الشلاء؛ لأن فيها آفة تمنع من إدراكه للألم، كالسكر المانع من الإحساس بالألم.
173 - احتجوا بقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} والمراد به: من يحيي أصحاب العظام وهي رميم، أو من يجعل العظام منتفعًا بها. لقوله - عليه السلام -:
((من أحيا أرضًا ميتة فهي له)).
174 - احتجوا: بقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما بان من الحي فهو ميت))، وهذا يدل على أن الشعر إذا جُزَّ مات. وهذا غلط؛ لأنه لو كان ميتًا كان محرمًا، لأنه عليه الصلاة والسلام حرم الميتة وليسا منه مبينين، وفي اتفاقنا على طهارة الشعر المأخوذ من الحي دلالة على أنه لم يَمُتْ.
175 - قالوا: الشعر يَضْمَنْهُ المحرم بالجز، أو يجب بقطعه الأرش، وله مدخل في الطهارتين، فصار كالأعضاء. وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذه الأقيسة شرعية، مقتضاها الظن، فلا يجوز أن يُستَدَل بها على وجود الذات ولا نفيها، وإنما يستدل بها على الأحكام، ونحن لم نذكر أقيسة شرعية، وإنما ذكرنا طرقًا عقلية.
176 - قالوا: الشعر روح متصل بذي روح ينمو بنمائه، فصار كسائر أجزائه.
177 - قلنا: النماء لا يستدل به على الحياة؛ لأنه يوجد في غير الحيوانات من الشجر والنبات.
178 - فإن قالوا: اعتبرنا نموه بنمو الحيوان، لم نُسلِّم؛ لأن الشعر ينمو لمعنى في نفسه، نما الحيوان أو لم ينم.
179 - ولا يقال: إن العظم يألم بالكسر، فدل على أن فيه حياة؛ لأن الألم يكون مما يجاوره من اللحم والعصب والعروق، ألا ترى: أن السن لو قطع بمبرد لا يألم لعدم الاتصال؟
180 - ولا يقال: إن السن يوجد فيه ويضرس، وهو نوع من الألم، فيزول بما يعالج به؛ وذلك لأن السن فيه خلل أفصل منه ما يضرس به إلى اللحم والعصب المتصل به فيخدر، فيحسب الإنسان أن ذلك بالسن، وهو مما يتصل به، فإذا عولج السن، وهو القطع من ذلك الخلل إلى اللحم، وأزال الخدر، فإما أن يألم بنفس القطع وإلا فلا؛ ألا ترى: أنه يستحيل أن يألم بشيء، ولا يألم بالقطع؟
مسألة 11
استعمال الأواني المثمنة من غير الأثمان
181 - قال أصحابنا: لا يكره استعمال الأواني المثمنة من غير الأثمان.
182 - وقال الشافعي: يكره وإن كان جنسها ثمينًا كالعقيق، والبلور.
183 - لنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصَّ الذهب والفضة بالنهي، مع علمه بأن غيرهما مستعمل ويتفاخر به، فلو تساويا في التحريم لم يختص النهي، ولأنه من غير جنس الأثمان، كالزجاج.
184 - احتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الذهب والفضة للتفاخر، وهذا موجود في غيره. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يجوز أن يكون عُرِف من عادة الملوك
مسألة 12
استعمال الأواني المفضضة
185 - قال أبو حنيفة: لا يُكْرَه استعمال الأواني المفضضة.
186 - خلافًا للشافعي.
187 - لنا: أن الذهب تابع للإناء؛ بدلالة دخوله في البيع على طريق التبع وإن لم يُسَمَّ، فصار كالقليل إذا عمل في الإناء لحاجة.
188 - قالوا: الذهب في سقف الدار يدخل في بيعها، ويُكْرَه.
189 - قلنا: لا نُسَلِّم هذا، ولأن ما نهي عنه للتفاخر يجوز إذا كان تابعًا لغيره، كالإبْرَيْسَم.
190 - قالوا: الإبريسم أخف حكمًا؛ بدلالة أن النساء لا يُمنعن من لُبسه.
191 - قلنا: ولا يمنعن من التحلي بالذهب والفضة.
192 - احتجوا بأنه منع للتفاخر، وهذا موجود في المفضض.
193 - قلنا: إنما منع لتفاخر الملوك به، وهم لا يتفاخرون بالمموه وإنما يتفاخرون. كان فضة وذهبًا.
194 - قالوا: استعمل موضع الفضة، فصار كإناء فضة.
195 - قلنا: استعمال موضع الفضة فيه روايتان، ولأن المستعمل متى كان من غير الفضة فأصاب الفم الفضة -غير معتبر، كمن يشرب بيده وفي إصبعه خاتم. ولا
يقال: ما مُنع من استعماله مفردًا منع إذا كان مع غيره كالذهب؛ لأنه لا فرق بين الذهب والفضة عندنا.
مسألة 13
الطهارة والنية
196 - قال أصحابنا: الطهارة بالماء لا تفتقر إلى نية.
197 - خلافا للشافعي.
198 - لنا: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} وإيجاب النية زيادة، وذلك لا يجوز بخبر الواحد والقياس. ولا يقال: إيجاب النية يخصص لأن الغسل على ضربين، فإذا جَوَّزْنَا أحدهما فقد خصصنا عمومها؛ وذلك لأن في الآية الغاسلين، وليس فيها غسل، والمخصص يتبع اللفظ دون المعنى، ولا يجوز الغُسْل الجائز عندهم -كغسل الجنابة عندهم- لا يجوز كونه غُسْلًا، وإنما يجوز بالنية، وهذا معنى الزيادة.
199 - ولا يقال: إن قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} معناه: لها، كما يقال: إذا دخلت على الأمير فالبس، وهذا معنى النية، وذلك لأن المراد بالآية حصول الغسل الذي يَصْلح للقاء السلطان وإن لم يقع له، ولأن الغسل للصلاة التي يقوم إليها لا يعتبره أحد، فلم يجز حَمْلُه عليه.
200 - ولا يقال: إن الغسل لا يمكن حال القيام إليها، فكأنه قال: إن أردتم القيام
إلى الصلاة فاغسلوا، ومن توضأ وهو يُريد القيام إلى الصلاة فقد نواها؛ لأنه يُريد القيام فيردد باستعمال الماء.
ويدل عليه قوله عليه السلام: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه)) ولم يذكر النية، مع جهل الأعرابي بالحكم وحاجته إلى البيان.
201 - ولأنه ذكر تختص الطهارة به، والنية شرط في كل عبادة، ولأن الأعرابي كان غير عالم لهذا المعنى؛ ألا ترى. أنه خفي على أكثر الفقهاء؟ فهو أولى، ولأنه إزالة معنى لا يجوز الصلاة مع وجوده فلا يقف مع النية، كغسل النجاسة، ولا يلزم التيمم؛ لأنه ليس بإزالة معنى، ولا الإيمان؛ لأنه إزالة كفر، واعتقاد إيمان، فلو لم يعتقد لم يجز الصلاة بترك الكفر.
ولا يقال: إن إزالة النجاسة إذا وقع بجامد لم يفتقر إلى النية، فكذلك المائع، والوضوء بخلافه، لأن إزالة النجاسة، والوضوء، كل واحد منهما لا يصح بالجامد، لاسيما على أصل المخالف، ولأن هذا أخذ حكم الأصل من بدله، فلا يصح، ولأنه سبب من أسباب الصلاة لا يصح إلا به مع القدرة، فصار كستر العورة.
202 - قالوا: المعنى في ستر العورة أنه مُسْتَصْحَب في حال الصلاة، فنية الصلاة تشتمل عليه.
203 - قلنا: فالبقاء على الطهارة شرط في الصلاة، فنية الصلاة تشتمل عليه أيضًا.
204 - قالوا: فستر العورة لا يختص بالصلاة، فكان أضعف من الطهارة.
205 - قلنا: فالطهارة لا تختص بالصلاة؛ لأنها تقع لدخول المسجد، ومس المصحف، وقراءة القرءان، ولأن كل ما يَصِح من الصبي قبل البلوغ على وجه يسقط به الفرض بعده لم يقف على النية، كغسل الجنابة.
206 - ولا يقال: إن إزالة النجاسة طريقها التروك، والوضوء فعل، والأفعال يعتبر فيها النية دون الترك؛ وذلك لأن الصوم في ترك الأكل والشرب والجماع، فقد اعتبرت النية فيه، ولأن الوضوء ترك الحدث وإيجاد الطهارة.
207 - احتجوا بقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}.
208 - والجواب: أن المراد بالعبادة: الإيمان؛ لأن الإخلاص ضد الشرك، وذلك يختص بالإيمان، ثم قال: {حنفاء}، وهذا عبارة عن الدين. ثم رَتَّبَ عليه فعل العبادات، وقال: {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة}، فصارت عليه العبادات من الإخلاص هو الإيمان، ولا ما يجوز الوضوء وإن وقع على وجه العبادات، فاحتاجوا أن يدلوا ألا يكون إلا عبادة، حتى يمكن التعليق بالعبادة.
209 - احتجوا: بقوله تعالى: {من كان يريد حرث الأخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الأخرة من نصيب}.
210 - والجواب: أن الآية تنفي الثواب فيما فعل للدنيا، والخلاف في أن من لا ثواب فيه هل يسقط الفرض أم لا؟ فلم يكن في الآية دلالة على موضع الخلاف: إذا لم يمتنع سقوط الفرض بما لا ثواب فيه، كغسل النجاسة.
211 - احتجوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى)).
212 - والجواب: أن هذا متروك بالإجماع؛ لأن العمل يكون بغير نية.
ثبت أن المراد به غير الظاهر، ويحتمل: فضيلة العمل بالنية، وليس أحدهما أولى من الآخر، ولا يجوز إضمارهما؛ لأن اللفظ إذا استقل بإضمار واحد لم يحتج إلى غيره، ولأن العموم في المضمرات لا يعتبر، ولأن الفضيلة والجواز يتنافيان، ألا ترى أن عدم الفضيلة يقتضي وجود الجواز، وإضمار الجواز ينفي الأمرين؟ ولا يقال: إنا نضمر: حُكْم العمل؛ وذلك لأن هذا مُجْمَع على تركه، ألا ترى أن الأعمال قد ثبت حكمها من غير نية، وكان إضمار ما لم يتفق على تركه أولى؟ ولأن الخبر خرج على سبب، وهو أن رجلًا هاجر خلف امرأته، فقال عليه السلام: ((إنما الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) فأسقط الثواب في الهجرة لعدم النية، وإن وقعت موقع الواجب.
ألا ترى أنه لم يأمره بالعود إلى دار الحرب وتجديد الهجرة إلى دار الإسلام؟ وإن كان المراد بالخبر الفضيلة فيما قصد به كان هو المراد فيما لم يقصَد به.
213 - قالوا: سُئِلَ عليه الصلاة والسلام عن مَن اغتسل ولم ينو، فقال: ((يعيد)).
214 - قلنا: هذا ليس بإجماع؛ لأنا لا نعلم انتشاره، ولا يجوز التقليد مع مخالفته لظاهر القرءان عندنا، على أن الخبر لا يُعرَف.
215 - قالوا: طهارة مِنْ حدث، أو طهارة شرعية حكمية، أو محلها غير محل موجبها، كالتيمم.
216 - قلنا: تخصيص الطهارة بالحدث يدل على ضعفها عندكم؛ لأن الإزالة أقوى، فلا يُسْتَدَل بذلك على تأكيدها، وقولهم: محلها غير محل موجبها لا نُسلمه؛ لأن محلها قد يكون محل موجبها عندنا إذا خرج الدم من مواضع الوضوء، ثم المعنى في التيمم أنه بدل لحق الله تعالى، والأبدال تفتقر إلى النية، والوضوء طهارة ليست ببدل، كغسل النجاسة، ولأن التيمم يقع على وجه واحد على واجبين مختلفين: الغسل والوضوء، فاحتاج إلى نية التمييز، والوضوء يقع على وجه واحد فلم يحتج إلى نية، ولا يَلْزَم على هذا الغسل الذي يقع عن الحيض والجنابة؛ لأن الموجب واحد، وهو الغُسْل، وإنما يختلف الموجب، ونحن اعتبرنا اختلاف الواجب.
ولا يقال: لو تيمم للوضوء جاز وإن كان جنبًا؛ لأنا لا نميز هنا إذا اعتبرنا نية التيمم.
217 - قالوا: عبادة مضمنة ببدل يحتاج إلى نية، فمبدله كذلك، كالكفارات.
218 - قلنا: يبطل بالمزدلفة؛ أنه لا يفتقر إلى نية، ولو تركه افتقر الدم الذي هو بدله إلى النية، وقولهم: إن نية الحج في نية الفرض، ولا يُؤثِر، لأنها لم
تعتبر في الأصل نية منفردة، واعتبر في المبدل، يبطل بإرسال الصيد: لا يفتقر إلى نية، ولو مات في يده افتقر البدل إلى النية.
219 - وقولهم: الجزاء بدل عن المقتول لا عن الإرسال، ليس بصحيح؛ لأنه عوض عن المقتول وبدل عن الإرسال.
ألا ترى أنه يجب عند العجز عنه لحقه، ولأن البدل في الكفارات ساوت مبدلاتها في أنها عبادة مقصودة، فساوت في النية، وفي مسألتنا البدل والمبدل ليسا بمقصودين، فلم يفتقر إلى نية القربة، وافتقر المبدل إلى نية البدل، أو نية التمييز عن قول بعض أصحابنا.
220 - قالوا: البدل يساوي المبدل، أو ينقص عنه، ولا يزيد عليه، فإذا شرطت النية في البدل دل على اعتبارها في الأصل.
221 - قلنا: البدل قد يزيد في الشرائط على مبدله، ألا ترى أن شرائط الصوم أكثر من شرائط العتق، والظهر بدل عن الجمعة، فهي أكثر شروطًا؟.
222 - قالوا: ما اعتبر في حال العجز أخف مما اعتبر في حال الرفاهية؛ بدلالة صلاة السفر عندهم تفتقر إلى نية الفرض والقصر، ونية التيمم تحتاج إلى تعيين الفرض، ولا ذلك عندهم في الوضوء.
223 - قالوا: عبادة ترد إلى شرطها، كالصلاة.
224 - قلنا: الأصل غير مُسَلَّم في الأصل والفرع؛ لأن فرض السفر عندنا غير فرض الحضر فلم يكن شطره كالفجر والظهر، والتيمم جنس غير الوضوء، وشطر الشيء ما كان من جنسه، ثم المعنى في الصلاة أن نية التعيين معتبرة في جنسها، فلذلك افتقرت إلى النية، ولما كان جنس الوضوء لا يعتبر فيه التعيين لم يعتبر فيه النية، وبعكسه التيمم على قول من اعتبر فيه التمييز من أصحابنا.
225 - قالوا: نفل الوضوء لا يصح إلا بالنية، وكل عبادة شرعتْ نفلّا وفرضًا إذا احتاج نفلها إلى نية احتاج فرضها إلى نية. وهذا ليس بصحيح؛ لأن ما يزاد على مرة في الغسل نفل، ولا يحتاج إلى النية. وأما الطهارة المبتدأة لمن كان على وضوء فيها النفل، إلا أن يكون للقربة فلذلك افتقرت إلى النية، والفرض يوجد فيه معنى غير القربة، وهو الإزالة، فلذلك لم يفتقر إلى النية.
مسألة 14
المضمضة والاستنشاق واجبتان في الجنابة
226 - قال أصحابنا: المضمضة والاستنشاق واجبتان في الجنابة.
227 - خلافًا للشافعي.
228 - والدليل عليه قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} والبدن مراد بالاتفاق، فكأنه قال: طهروا أبدانكم، فيفيد كل ما أمكن غسله من البدن. لا يقال: إن الأمر بإيقاع الفعل يقتضي ما يتناوله الاسم، كما قال: صوموا، صلوا، والغسل من غير مضمضة يتناوله اسم التطهير؛ وذلك لأن هذا يقتضي جواز غسل بعض البدن؛ لأن الاسم يتناوله، ولم يقل أحد إن الآية تناولت بعض البدن، ولو ثبت هذا كان دليلنا؛ لأنه يقتضي أن ينوي فعل ما يسمى طهرًا من المضمضة والاستنشاق، فقد فعل ما وجب بالآية، وهذا خلاف قولهم.
229 - ويدل عليه قوله: ((تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة)).
230 - وقولهم: إن البشرة: الجلد الظاهر، والباطن يسمى: أدمة، ليس بصحيح؛
لأن المبرد حكى عن ثعلب أن البشرة الجلدة التي تقي اللحم من الأذى.
231 - ويدل عليه ما روي عن علي عليه السلام: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من ترك شعرة من الجنابة لم يُصِبْهَا الماء؛ فعل به كذا من النار))، وفي داخل الأنف شعر، وروت عائشة رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المضمضة والاستنشاق واجبتان فريضتان في الجنابة.
232 - قلنا: وقولهم: إنه يرويه بركة الحلبي وهو ضعيف، ليس بصحيح؛ لأن ابن معين أثنى عليه في كتبه الأخيرة وقد روي الخبر من غير طريقه مرسلًا، ولا يقال إن المراد بالفرض التقدير، يقال فرض الحاكم النفقة بمعنى
قدرها؛ وذلك لأن إطلاق الفرض يقتضي الوجوب، لاسيما وقد قرنه بالإيجاب.
فلو كان المراد به التقدير لم يكن لتخصيصه بالجنابة معنى، ولأن ما أمكن غَسْلُهُ من البدن من غير مشقة يجب في الجنابة، كالمغابن، ولأنه عضو سُنَّ إيصال الماء إليه في الوضوء؛ فكان واجبًا في الجنابة، كالأذنين، ولا يلزم التكرَار؛ لأن غسل العضو قد وجب، والتكرار صفة، والتعليل لم يقع لصفة، ولا يلزم المبالغة في الاستنشاق؛ لأن ما أمكن فيه من غير مشقة فهو واجب، وقولهم: إنه يناقض بمنع الصائم منه ليس بصحيح؛ لأن الصائم يمنع من المبالغة في الوضوء لأنه ليس بواجب، ولا يفعله إذا لم يأمن الإفطار، ولا يمنع منه في الجنابة؛ لأنه واجب، فلا يترك احتياطًا لواجب آخر.
ومن أصحابنا من قال: إن المبالغة تجب في غير الصوم، وتسقط في الصوم للعذر، وعلتنا تقتضي إيجاب ما كان مسنونًا في الوضوء، ولا تقتضي أحوال الوجوب.
233 - وقولهم: قد يُسَنُّ في الوضوء ما لا يجب في الجنابة عندكم، كالنية والترتيب والتكرار غير صحيح؛ لأنا جعلنا سُنة الاتصال دلالة على الوجوب في الجنابة؛ لأنه مما سُنَّ غسله، ولا مشقة فيه، والتكرار، والنية، والترتيب صفات في الغسل، فلا مدخل لها في الإمكان والتعذر.
234 - قالوا: المعنى في الأذن أنه ظاهر في أصل الخلقة، والفم عضو باطن، كالعين.
235 - قلنا علة الأصل تبطل بالعين؛ لأن ظهورهما أعم من ظهور الأذن، ولا يجب غسلهما، وعلة الفرع تبطل بمغابن البدن، ولأنه عضو يلحقه حكم التطهير من النجاسة، فوجب غَسْلَه في الجنابة، كسائر الأعضاء، ولا يلزم
داخل العينين، لأنه لا يجب غسلهما من النجاسة.
236 - وقولهم: إنه لا يجب عندكم لأنه أقل من قدر الدرهم، ليس بصحيح؛ لأنه لا يُكَمَّل بنجاسة أخرى من البدن، وإن زاد على قدر الدرهم؛ ولأنه عضو يتعلق به فرض فعل في الصلاة، كاليدين والرجلين.
237 - احتجوا بحديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني امرأة أشد ضفر رأسي، فما أصنع في الجنابة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أما أنا فأحثو على رأسي وسائر بدني ثلاث حثيات من ماء)) ولم يذكر المضمضة والاستنشاق.
238 - والجواب: أن السؤال وقع عن صفات الغسل ومسنونة، ولهذا بين عليه السلام أدنى المسنون، فإذا كان البيان للصفات والمسنون لم يلزمه بيان الأصل، ولا يقال: إنه قال: ((إذا فعلت ذلك فقد طهرت))؛ لأنه يحتمل الطهر المسنون، ولا يقال: كيف يسأل عن الصفات والسنة دون الفرض؛ لأن علمها بالفرض قد سبق، ألا ترى أنها يظن بها أنها لم تعرف الغسل من الجنابة عند وجوبها مع
قربها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الخبر قد يُضَمَّن المضمضة، ولأن الفم من جملة الجسد، وقد قال: أما أنا فأحثو على رأسي وسائر جسدي. وقولهم: إن الجسد اسم لما ظهر؛ غلط؛ لأن الفم يقال: إنه من الجسد.
239 - وقولهم: إنه لا يقال: حثا على فمه، بل يقال: في فمه، غلط؛ لأنه يصح إذا ضم إلى الجملة شيئًا أن مما يعبر عنها به، كما يقال: متقلدا سيفًا ورمحًا، وإن كان الرمح لا يقلد.
240 - وقولهم: يعني في الخبر -أنه قال: ((إما أنا فأفيض الماء على رأسي وسائر جسدي)).
241 - فالجواب عنه: كالجواب عن الأول -وإن كان غير معروف- ألا ترى أنه لم يقل: أفاض على فمه، فيجوز أن يدخل مع الجملة في اللفظ.
242 - قالوا: طهارة من حدث، كالوضوء.
243 - قلنا: الوضوء سقط منه أكثر ظواهر البدن، فسقوط الباطن أولى، والجنابة تعلقت بالظاهر والباطن الذي لا مشقة في غسله، فجاز أن يتعلق بهذا الباطن، ولا يلزم على علة الفرع غُسْل الميت؛ لأنا عللنا بجواز تعلق الغَسْل بالفم، فلا يَلْزَم الأحوال.
244 - قالوا: ما شرع غسله في الطهارتين استوى فيهما، كالوجه.
245 - قلنا: اعتبار إحدى الطهارتين بالأخرى مع اختلافهما في الوجوب ضد الأصول، ولأن قولهم: استوى حكمهما: يُراد به في الفرع خلاف ما يُراد به في عليه: سائر الأبدان، ثم يعكس، فيقول: فكان واجبًا في الجنابة، كالوجه.
246 - قالوا: كل غسل لا يجب في غسل الميت لا يجب في غسل الحي، كداخل العينين.
247 - قلنا: سقوط الفرض في غُسْل الميت لا يدل على سقوطه في غسل الحي، لأن الميت لا خطاب عليه، والحي يخاطب، ولأن الميت لا يمكن فيه المضمضة، فسقطت لتعذرها، ووجبت في غَسْل الحي لإمكانها.
248 - وقولهم: لو سقط للعذر لوجب غَسْل ما يمكن منها ليس بصحيح؛ لأن موضع الفرض إذا تعذر جاز أن يسقط الوجوب فيه إن أمكن فعل بعضه، كمن وجد بعض الماء على أصولنا، ومن قدر على بعض العتق في الكفارة، وفي المحدور لا يلزمه غَسْل ما بين الحدرتين، ثم المعنى في العين أنه يلحق المشقة بإيصال الماء إليها، والفم لا يلحق إيصال الماء مشقة، فوجب في الجنابة، ثم المعنى في العين أنها في محل الوضوء لم يُسَن إيصال الماء إليها، فلم يجب في الجنابة، والفم بخلافه.
249 - قالوا: غسل واجب، كغسل الميت.
250 - قلنا: ينتقض بغسل النجاسة، والمعنى في غَسْل الميت ما قدمناه.
ولأن في صب الماء في فمه وأنفه مثلة، وذلك بالخرقة مسح وليس بغسل، ففرض غسله لا يثبت فيه المسح. ثم المعنى في غسل الميت أنه لا يوجب بها صلاة، وإنما يجب علينا، فلم تتعلق بالباطن، كطهارة المكان، وفي مسألتنا: طهارة
تؤدي بها الصلاة، فجاز أن يتعلق بالباطن الذي لا مشقة في غسله، ولا يلزم الوضوء؛ لأن التعليل لجملة الأحداث.
251 - قالوا: عضو باطن في الوجه، كالعين.
252 - قلنا: الفم وإن كان باطنًا خلقة فهو في حكم الظاهر من البشرة إذا انتقل إلى ما سترها، يعني: فيما لاقى المفروض، كمسح الخف.
253 - وقولهم: إن مسح الخف بدل، فاختص بمحل الأصل، واللحية ليست ببدل، لا يصح؛ لأن كل واحد منهما قائم مقام الأصل على وجه البدل عندنا، ولا محل البدل يجوز أن يخالف محل الأصل، ألا ترى أن الهدي عندهم في المتعة مختص بالحرم، وصوم السبعة بدل عنه ولا يختص بالحرم؟ وتبطل علة الفرع بمسح الرأس؛ فإن الشعر ليس ببدل، ويختص المسح بمحل الفرض.
254 - احتجوا: بأنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه، فوجب إفاضة الماء عليه مع الوجه، قياسًا على ما لاقى البشرة، وشعر الحاجب.
255 - قلنا: الأصل غير مُسَلَّم؛ لأن الرواية اختلفت فيه، فروي أن غَسْله غير واجب، وروي أنه يجوز فيه الربع، ثم المعنى في الأصل وفي شعر الحاجب أنه يلاقي ما لو ظهر وجب غسله، وهذا يلاقي ما لو ظهر لم يجب غسله.
256 - قالوا: كل شعر لو لم يزل عن محله وجب إيصال الماء إليه
وجب وإن ترك، قياسًا على شَعْر الرأس في الجنابة.
257 - قلنا: الوصف غير مُسَلَّم على ما بيَّنا، ثم المعنى في الجنابة أن الغُسْل يجب في جميع البدن، والوضوء يختص بمكان دون مكان، فاعتبر ما لاقى المكان الذي تعلق به الحدث، ولم يعتبر في الجنابة أوصاف الشعر؛ لأن الغسل يتعلق بكل حال.
258 - قالوا: شعر اللحية قد صار أصلًا في طهارة؛ بدلالة أنها إذا حلقت بعد الوضوء، لم يُعَد الوضوء، فصارت كالوجه، فوجب غسل ما خرجت منه.
259 - قلنا: لا نُسَلِّم ما ذكرتموه؛ لأنه إذا أفاض الماء على ما يلاقي البشرة ثم حلقه، وجب عليه غسل ما تحته؛ لأن فرض اللحية عندنا المسح، فإذا ظهرت البشرة وجب الغسل، كنزع الخف، ولو سلمنا أنه أصل لم يصح ما قالوه؛ لأن الشعر ما قام مقام الأصل من الوجه والأعضاء؛ بدلالة أن ما يصل إليه لا يُفْطِر الصائم، فوجب غسله من غير مشقة، والمعتبر ما هو ظاهر حكمًا لا خلقة، ألا ترى أن العين ظاهرة في الخلقة وهي في حكم الباطن؛ للمشقة التي تلحق فيها، ولا يلزم الجراحة التي لا تنفذ؛ لأن غسلها يسقط بالمشقة وإن لم يشق، ولا يلزم المناسبة؛ لأن ما يصل إليها يفطر في إحدى الروايتين.
مسألة 15
حكم إيصال الماء إلى ما استرسل من اللحية
260 - قال أصحابنا: لا يجب إيصال الماء إلى ما استرسل من اللحية.
261 - خلاف أحد قولي السافعي.
262 - لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم}، والوجه عنده غير البشرة؛ ألا ترى أنه مأخوذ من المواجهة في الغالب، والمواجهة في غالب الناس تقع من غير لحيته؟ ولأن اسم الوجه ينتفي عن اللحية؛ يقال: رأيت وجه فلان دون لحيته، وطالت لحيته ولا يقال: طال وجهه؛ فدل على أن الاسم لا يتناولها حقيقة.
263 - وقولهم نقل؛ لأن معناه: أن الوجه يُصَف باللحية لا أنها منه، وما رووه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تغطوا اللحية فإنها من الوجه)) لا يجوز أن يكون بيان الاسم؛ لأنه لم يُعَلِّم الأسامي. فاحْتَمَل أن يكون مَنَعَ من تغطيتها حال الإحرام، وقولهم: إن الوجه مأخوذ من المواجهة، والإنسان يواجه بلحيته ليس بصحيح؛ لأن الاسم قد يُشْتَق من شيء ويختص ببعض الأحوال، كاسم الجنين اشتق من الاستتار، واختص ببعض ما يستتر، ولأن الآية
تضمنت وجوب غسل الوجه، ولا خلاف أن غسل المسترسل من اللحية لا يجب؛ فدل أن الآية لا تتضمنه.
264 - وقولهم: إن الغسل يتضمن إصابة الماء وزيادة، أنه مضمون الغسل، وإن كان فيه إمساس الماء، ولأنه شعر يُلاقي ما يجب غسله لو ظهر؛ فلم يجب إيصال الماء إليه، كالذؤابة.
265 - وقولهم: إن الرأس ما ترأس، وهذا لا يوجد في الذؤابة، والوجه ما واجه به، وهذا موجود في اللحية، غلط؛ لأن الفرق ما عاد إلى المعنى دون الاسم، ولأن طرف الذؤابة قد صار في حُكم الرأس في باب التقصير، مع وجود الفرق الذي ذكروه؛ لأن الفرض المتعلق يقوم مقامه بكل حال، ولأنه إذا قام الأصل اعتبر ما قابل الأصل دون غيره.
مسألة 16
مقدار الواجب في مسح الرأس
266 - قال أصحابنا: الواجب في مسح الرأس مقدار الناصية، وفي رواية أخرى: ثلاثة أصابع، وروي: الربع.
267 - وقال الشافعي: ما يُسمى مسحًا.
268 - لنا: قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} والباء للإلصاق عند أهل اللغة، وذلك يفيد الأكثر أو المقصود من الشيء، كقولهم: كُتِبَ الكتاب بالقلم، ولا يلزم قولهم: أخذت بزمام الناقة؛ لأن ذلك يتناول اليسير؛ لأن المقصود يحصل به.
269 - ولا يقال: إن الفعل إذا تعدى بحرف الباء وبغيرها فدخولها لفائدة، وهي التبعيض؛ لأن ابن كيسان سُئِل عن ذلك فقال: الإلصاق في معنى الكلام، فإذا دخلت الباء فهي لصريح اللفظ، وإذا كان لدخولها فائدة لم يلزم ما قالوا.
270 - ولأن الله تعالى أفرد المسح بالذكر وإن كان ما يتناوله الاسم يدخل في غسل الوجه تبعًا، فلو كان هو الواجب بطلت فائدة الإفراد.
271 - ولا يقال: إنه أفرده للترتيب؛ لأن عليًّا وابن مسعود لم يعتقدا الترتيب، وكان يجب أن يسألا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فائدة الآية، فلما لم تنقل
المسألة بطل ما قالوا.
272 - ولأنه مسح، فلا يتقدر بأدنى ما يتناوله الاسم، كمسح الجبائر.
273 - ولا يقال: فلا يُقَدَّر بالربع؛ لأنا كذلك نقول في الجبائر، ولأنا إذا نظرنا مقدار الناصية لم يصح هذا العكس، وإن سلمنا فعلة الفرع لا تصح، لأنه ليس إذا لم يجب الاستيعاب يقدر بالأقل، فصار ذلك دعوى بغير دلالة.
274 - ولأن ما يتناوله الاسم يدخل في غسل عضو يليه على طريق التبع، فلم يكن فرضًا بنفسه في عضو آخر، كما يدخل في العضد في غسل المرفق.
275 - ولأنه حُكْم يختص بالرأس، ألا ترى أنها تكون في الوجه؟
276 - احتجوا: بما روى المغيرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بناصيته، والباء للتبعيض.
277 - والجواب: أنا بينا أنها للإلصاق، وقد روي في هذا الخبر أنه مسح على ناصيته، وهذا يفيد الأكثر، ولو ثبت أنه مسح بعضها جاز أن يكون قدر ثلاثة أصابع، وحكاية الفعل إذا احتملت سقطت.
278 - قالوا: مسح من رأسه ما يقع عليه اسم المسح، فصار كما لو مسح مقدار ثلاثة أصابع.
279 - قلنا: اعتبار ما يتناوله الاسم يخالف موضوع الطهارة؛ لأن ذلك غير مُعْتَبر في شيء من الطهارات، فلم يجز تعليق الحكم عليه، ولأنه إذا مسح بثلاثة أصابع فقد مسح بالأكثر من الأصابع، وهذا فعل مقصود، وما دونها مسح بالأقل، فلم يكن مقصودًا.
280 - ولأنا إذا قلنا بالربع لم يصح هذا الأصل. فإن قاسوا على الربع، قلنا: المعنى فيه: أنه يعلق بحلقة الدم، فجاز فيه المسح، وليس كذلك أدنى ما يتناوله الاسم؛ لأنه لا يعتبر وجوب الدم بالحلق.
281 - قالوا: حكم يتعلق بالرأس فيتعلق بأدنى ما يتناوله الاسم، كالموضحة.
282 - قلنا: لا نُسَلِّم في الأصل؛ لأن الموضحة ما أوضحت العظم وبقي أثرها، ومتى أوضح ما يتناوله الاسم لم يبق أثر في الغالب، وينعكس ما قالوه بوجوب الدم في الحلق.
283 - قالوا: التقدير عندكم لا يثبت إلا بالتوقيف، وقدرتم في مسألتنا مع عدمه!
284 - قلنا: التقدير عندنا المبتدأ يثبت بالتوقيف، والتقدير بالفصل بين الكثير والقليل يثبت بالاستدلال. وفي مسألتنا دل الدليل على أن الجمع ليس بواجب، والأذنين لا يجزئ فالتقدير الفصل بينهما ثبت بالقياس، وما ذكرناه أولى؛ لأنه تقدير الفرض بالعضو، وهذا معتبر في الطهارات، فهو أولى مما لم يُعْتَبَر. ولأنا رددنا مسح الرأس إلى مسح الجبيرة والتيمم، ورد الشيء إلى جنسه أولى.
مسألة 17
السنة مسح الرأس مرة واحدة
285 - قال أصحابنا: السنة في مسح الرأس مرة واحدة بماء واحد، وروي يجزيه مسحه ثلاث مرات بماء واحد.
286 - وقال الشافعي: بثلاث مياه.
287 - لنا: ما روى عطاء عن حمران عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ بالمقاعد، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة، وغسل رجليه ثلاثًا،
وقال: هكذا توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم أن البيان يقع بالكامل، فلو كانت السنة تكرار المسح لبينه.
288 - ولا معنى لقولهم: وقد روي أنه مسح ثلاثًا؛ لأن أبا داود قال: الصحيح في الرواية من روى مرة واحدة، وهي أثبت طرقا من الثلاث. وروي أن عليًّا عليه السلام توضأ برحبة الكوفة بعد ما صلى، فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، وغسل رجليه ثلاثًا وقال: هذا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
289 - وقولهم: روى عبد خير أنه مسح ثلاثًا لا يصح؛ لأنه يعارض الرواية عنه، ولم يتعارض عن غيره، ولأنه يحتمل أن يكون ثلاثًا بماء واحد.
290 - وعن أبي محمد الحماني قال: أتيت أنس بن مالك، فسألته عن وضوء
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقلت: بلغني أنك كنت توضيه، قال: نعم. فدعا بطهور فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة، وقال: هكذا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن معاذ قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وما رأيته مسح إلا مرة.
291 - وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسأله عن الوضوء، فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه مرة، وقال: ((هذا الوضوء، فمن زاد فقد ظلم وأساء))، واتفاق الروايات تدل على أن الأفضل مرة. ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل الأفضل في عموم أحواله؟
292 - ولا يقال: مسح مرة بمعنى أنه أخذ الماء مرة مسح ثلاثًا بثلاث مواضع من
يده؛ لأن الراوي ذكر المسح دون الأخذ، ولأن التكرار لو سُنَّ لم يجز بأخذ دفعة واحدة، كالغسل.
293 - ولا يقال: إن خبرنا زائد؛ لأن هذا يقال عند الراوي، وقد بينا اشتهار خبرنا وكثرة الرواة، ولأنا لا نُسلِّم أن خبرهم يقتضي تكرار أخذ الماء، وإنما يقتضي العدد، وهذا ليس بخلاف، ولا مسح واجب، كمسح الخف والتيمم.
294 - ولا يقال: التيمم رخصة وهذا ليس رخصة؛ لأن علة الأصل تبطل بطهارة الاستحاضة، وهي رخصة وتتكرر، ومسح الجبائر على أصلهم، ولأنه عضو فرضت فيه الطهارة فلا يُسَنَّ فيه الاستيعاب والتكرار، كسائر الأعضاء، ولا يَلْزَم المضمضة؛ لأنها لم تُفرض.
295 - قالوا: نعكس فنقول: فيسن فيه التكرار.
296 - قلنا: لا يؤثر التقييد؛ لقولكم: فرض فيه الطهارة.
297 - احتجوا: بحديث أُبيٍّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا.
قالوا: وهذا يقتضي تكرار ما فعله ابتداء، وهو المسح وأخذ الماء.
298 - والجواب: أن مسح مرتين لا يقتضي ماء؛ لأن المسح لا يفتقر إلى الممسوح به، وإنما أثبتنا الماء في الابتداء بدليل، لا باللفظ، فلا يثبت في الثاني إلا بدليل.
299 - ولا يقال: إن تكرار الماء قد فُهِم في المغسولات؛ لأن الغسل يقتضي مغسولا به، والمسح بخلافه.
300 - ولا يقال: إذا ثبت أن المسح في الأولى بأخذ الماء فالتكرار مثلها؛ لأن التكرار يفيد إيقاع الفعل دون صفاته، كقولك: ضربته مرة ومرتين، وإن اختلفت صفات الضرب.
301 - ولا يقال: تكرار المسح بماء واحد عبث؛ لأنه لا يقع موضع السنة بماء مستعمل؛ لأن الماء لا يصير مستعملًا مع قيامه في العضو، وكيف يكون عبثًا وقد روي مُفَسَّرًا: أنه مسح برأسه بماء واحد أقبل بهما ثم أدبر، ولو ثبت أخذ ماء في كل مسحة جاز أن يكون مسح به مكانًا منفردًا، وهذا لا يُمنع منه إذا أراد الاستيعاب ونشف الماء من يده.
302 - قالوا: لأنه أصل في أفعال الطهارة، فكان التكرار مسنونًا فيه، كالذراعين، وهذا ينتقض بالنية.
303 - وقولهم: ليس بأصل في الأفعال غلط؛ لأنها من أفعال القلب، والمعنى في المغسولات أن التكرار لما سُنَّ فيها لم يضم إلى موضع الفرض غيره في الغسل الواحد، والمسح بخلاف، فصار كمسح الخفين.
304 - قالوا: أحد نوعي الطهارة، كالمغسولات.
305 - قلنا: المسح أضعف من الغسل، والتسوية بين ما ضعف وقوي في الطهارة لا يصح، ولأن المغسولات سُنَّ تكرارها لتيقن الاستيعاب الواجب فيها، ولما لم يجب الاستيعاب في المسح لم يكن لتكراره معنى.
306 - ولا يقال: من اغتمس في الماء سُنَّ له التكرار وإن تيقن الاستيعاب؛ لأنا لا نُسَلِّم ذلك، وما ذكرناه أولى؛ لأن الأخذ بإفراد المسح أكثر رواية، ولا احتمال فيها، وخبر التكرار يَحْتَمِل، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يترك المسنونات مع القدرة، فلما نقل من الطرق التي بيناها اقتصاره على مرة دل على أنها سنة، ولأنا رددنا مسحا إلى مسح، وما ضعف حكمه إلى نظيره، فكان أولى من رده إلى المغسول.
307 - وقولهم: رد الأصل إلى الأصل أولى من رده إلى البدل ليس بصحيح؛ لأنه لا يمتنع أن يتساوى الأصل والبدل، كالاستيعاب في التيمم والوضوء، والتكرار في مسح الجبيرة والغسل عندهم.
مسألة 18
السنة مسح الأذن بالماء الممسوح به الرأس
308 - قال أصحابنا: السنة مسح الأذن بالماء الذي مسحَ به الرأس.
309 - وقال الشافعي: يفرد بالماء.
310 - لنا: ما روت الربيع بنت معوذ بن عفراء رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح مقدم رأسه ومؤخره، ثم أجرى يديه على صدغيه، ثم مسح باطن أذنيه وظاهرهما بالمسح الواحدة التي مسح بها رأسه.
311 - وروى واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سودة بن أخي أبي أيوب
الأنصاري عن عمر قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ استنشق بالماء وتمضمض، وإذا مسح رأسه بإصبع واحدة ما أدبر من أذنه مع رأسه.
312 - قالوا: يحتمل أن يكون أجس الأذن بعض أصابعه.
313 - قلنا: الراوي أخبر أنه مسح مسحة واحدة، ومتى أفرد الإصبع كانت مسحتين، وروى أنس وابن عباس وأسامة وأبو أمامة وأبو هريرة وابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأذنان من الرأس))، وهو لا يعلمنا المشاهدة، فلم يبق إلا بيان الحكم، ولا يجوز أن يكون ذلك الحكم بيان الموضحة وحكم الإحرام؛ لأن ابن
عباس روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح أذنيه، وقال: الأذنان من الرأس، فدل أنه أراد حكم الطهارة، فلم يبق إلا أن يكون المراد بها: يمسحان مع الرأس، أو: يمسحان كالرأس، وتساويهما في المسح لا يوجب كون أحدهما من الآخر، كما لا يقال: اليد من الوجه، فلم يبق إلا ما ذكرناه.
314 - ولا يقال: إضمارنا أولى؛ لأنا بَيَّنَّا أنه لا يصح أن يراد، فلا معنى للترجيح، ولأنا أضمرنا: مع الرأس، أو بماء الرأس، وهذا مثل إضمارهم.
315 - ولا يقال: راوي هذا الخبر شهر بن حوشب، وقد سرق خريطة من بيت المال، فقال فيه الشاعر:
لقد باع شَهرٌ دِينَه بخريطةٍ ... فمَن يأمنُ القُرَّاءُ بعدك يا شهرُ
وذلك لأنا بينا كثرة طرق الخبر، ولأن شهر بن حوشب أحد الزهاد، وَليَ بيت المال بجرجان، فأخذ خريطة وضع فيها مفاتيح بيت المال، فمدحه هذا الشاعر، فلم يجَزه؛ فهجاه وكذب عليه، وهذا لا يَقْدَح في الرواية.
316 - قالوا: الأذن بين ممسوح ومغسول، فأشكل أمرها، فقال عليه السلام: الأذنان من الرأس؛ لئلا يظن أنها تغسل كالوجه.
317 - قلنا: لو كان كذلك لوجب أن يبين حكمها بلفظ صريح، فأما أن يضيفها إلى عضو آخر فهذا لا يدل على التساوي في الطهارة، ولو كان كما قالوا لواجب أن يبين حكم البياض الذي مع العذار؛ لأنه بين مغسول وممسوح، وطهارته واجبة، فهو أحوج إلى البيان من المسنون؛ ولأنه أصل في مسنون المسح، فلم يكن من سننه إفراد الماء، كما لو زاد على قدر الفرض، ولأن المسنون على ضربين: أحدهما: يتميز عن الوضوء، والآخر: لا يتميز عنه. فإذا كان أحدهما لا يفرد بالماء كذلك الآخر، ولأنه مَسْح زيد على مفروضه على وجه السنة، كمسح الخف.
318 - قالوا: المعنى في مسح الرأس والخف: أن جميعه يجزئ عن الفرض، فصار في حكم الشيء الواحد، والأذن لما خالفت الرأس في حكم الإجزاء صارا كالعضوين.
319 - قلنا: تَساوي الرأس في المسح في الجواز عن الفرض يدل على تأكده، فإذا لم يفرد مع التأكيد، فالأضعف أولى، ولأن باطن الخف لا يُفْرَد بالماء عندهم، وإن كان يخالف ظاهره في الأداء عن الفرض.
320 - احتجوا: بحديث المقدام: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، ثم مسح رأسه، ثم أذنيه. وثم للمهلة.
321 - والجواب: أنه يجوز أن يتراخى مسح الأذنين عن مسح الرأس والماء واحد، ولا دليل في التراخي على تجديد الماء.
322 - والجواب: أن تجديد الماء لا يدل على أن الماء الواحد لا يجزئ، والاقتصار على ماء واحد يدل على أنه لا يُسَنَّ الإفراد، ألا ترى أن من غسل وجهه بماء بعد ماء لم يخرجه من حكم العضو الواحد وإن جاز بمرة واحدة، ولأن هذا حكاية فعل، فيجوز أن يكون نشف الماء في يده فجدد أخذ الماء كما يجدد لأبعاض رأسه ثم نشف الماء، وإن جاز بماء واحد.
324 - قالوا: كل ما لا يجزئ مسحه عن مسح الرأس لا يُمْسَح مع الرأس، كالجبهة.
325 - قلنا: كونه لا يجزئ عن الفرض لا يمنع كونه تبعًا، كالأنف مع الجبهة عندهم، وأسفل الخف في المسح، ولأن الجبهة ليست من سنن المسح فلم تتبع الرأس، والأذن أصل من مسنون المسح.
326 - قالوا: كل ما لا يجزئ تقصيره في الحج لم يكن من الرأس، كالقفا.
327 - قلنا: ليس بين المسح والحلق تجانس، فلا معنى لاعتبار أحدهما
بالآخر، ثم إنَّ التقصير لا يتعلق بالأذن فرضًا ولا سنة، فلا معنى لذكر صفاته، ولما تعلق بها المسح جاز اعتبار صفاتها.
328 - قالوا: أحد نوعي فعل الطهارة، فوجب أن يكون سنته سنة مفردة بالماء، كالغسل.
329 - قلنا: الغسل آكد والمسح أضعف، فجاز أن تتأكد سنن الغسل بالإفراد، وتصف المسح إلى المسح، وقد ذكر ابن شجاع عن أصحابنا فيمن اغترف غرفة فغسل منها وجهه وتمضمض، جاز، وكان حسنًا، فلم نُسَلِّم الأصل.
330 - قالوا: الرأس تتعلق به أحكام المسح، والحلق، والتقدير في الموضحة، والأذن تنفرد في هذه الأحكام.
331 - قلنا: أما الحلق فلا يتعلق بها، فلا معنى لذكر انفرادها، وأما الموضحة فلا تتصور في الأذن؛ لأنه لا عظيم فيها، فإن أوضح العظم من موضع الأذن تعذرت الموضحة.
332 - قالوا: البياض الذي بين الأذن والرأس أقرب إليه، وهو ينفد عنه.
333 - قلنا: لا نسلم؛ لأن ذلك من الرأس، ويجزئ مسحه عن الفرض.
مسألة 19
حكم الموالاة في الوضوء
334 - قال أصحابنا: الموالاة في الوضوء غير واجبة.
335 - خلافا لأحد قولي الشافعي.
336 - لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} والواو لا توجب الموالاة؛ تقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإن تراخت رؤية أحدهما.
337 - قالوا: جزاء الشرط من حكمه أن يتعقبه، والغسل في الآية جواب الشرط.
338 - قلنا: هذا يقال في الشرط والجزاء، والعبادات المتعلقة بالشروط ليست جزاء عنها، ولأنها تقتضي أن يجب غسل الوجه عقيب القيام، وأحد لا يقول ذلك.
339 - قالوا الأمر عندكم على الفور.
340 - قلنا: فعلى هذا يجب أن تسقط الموالاة قبل دخول الوقت؛ لأنه لم يؤمر بالوضوء.
341 - ويدل عليه: قوله عليه السلام: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه))، وثم للتراخي، ولأنه تفريق للطهارة،
كاليسير.
342 - احتجوا: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به))، ولا يجوز أن يكون فرق؛ لأن الوضوء مقبول مع ترك التفريق بالاتفاق، فثبت أنه والى.
343 - والجواب: أنه قوله: ((هذا وضوء)) إشارة إلى الوضاءة، وهذا يفيد الغسل دون صفاته التي لا تسمى وضوءًا.
344 - قالوا: روي أن رجلا صلى وعلى رجله لمعة لم يصبها الماء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أعد الوضوء والصلاة)).
345 - قلنا: أَمَرَهُ بإِعادة الوضوء؛ ليقع على الوجه المسنون.
346 - قالوا: عبادة يبطلها الحدث، فكانت الموالاة فيها شرطًا، كالصلاة.
347 - قلنا: لا نُسلِّم أن الموالاة شرط في الصلاة؛ لانه لو سبقه الحدث، أو نام خلف الإمام بنى مع تَرْك الموالاة، ولأن الصلاة لا ينفرد بعضها عن بعض، فجاز اعتبار الموالاة فيها، وأعضاء الطهارة تنفرد بعضها عن بعض، فصار كالعبادات.
348 - قالوا: عبادة على البدن، لها بدل من غير جنسها، وجبت عن معنى سابق، فكان من شرطها الموالاة، كصوم الظهار.
349 - قلنا: يبطل بقضاء رمضان؛ لأن له بدلًا من غير جنسه، وهو الفدية، ووجب عن معنى سابق، وهو الفطر، والمعنى في صوم الظهار أن بعضه لا ينفرد عن بعض، وهذا بخلاف.
350 - قالوا: عبادة لها أركان مختلفة تُراد للصلاة، فكانت الموالاة من
شرطها، كالأذان.
351 - قلنا: روي عن أبي حنيفة -فيمن أذن بالفارسية- جاز إن وقع الإعلام، فعلى هذا يجوز ترك الموالاة وإن وقع الإعلام، ثم المعنى في الأذان: المقصود منه الإعلام، وذلك لا يقع مع التفريق.
مسألة 20
الواو للجمع والاشتراك
352 - قال أصحابنا: الواو للجمع والاشتراك.
353 - وقال الشافعي: للترتيب.
354 - لنا: قوله تعالى: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة}، وقال في موضع آخر: {وقولوا حطة وأدخلوا الباب سجدًا}؛ ولو كانت الواو للترتيب لم يصح تأخير ما قدمه.
355 - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تقولوا ما شاء الله وشئت، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شئت))، ولو كانت الواو للترتيب لكانت في معنى (ثم)، فلم يكن للتفريق معنى.
356 - قالوا: إنما ذكر (ثم) للمهلة التي فيها.
357 - قلنا: الواو عندكم ترتب، وفيها احتمال المهلة أيضًا، ويدل عليه ما قاله سيبويه في كتابه: إن الواو لا توجب تقديم مقدم ولا تأخير مؤخر، وإنما هي