الجزء 1 · صفحة 195
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله أجمعين.
سألني بعض إخواني -ممن أجله وأعظمه- عمل شرح لمختصر أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي رحمه الله، فرأيت إجابته إلى ذلك، ورجوت فيه القربة إلى الله تعالى.
إذ كان هذا الكتاب يشتمل على عامة مسائل الخلاف، وكثير من الفروع، التي إذا فهم القارئ معانيها وعللها، وكيفية بنائها على أصولها: انفتح له به من طريق القياس والاجتهاد ما يعظم نفعه، ويسهل به فهم عامة مسائل كتب الأصول لمحمد بن الحسن رحمة الله عليه.
الجزء 1 · صفحة 196
لأني لا أذكر مسألة تتشعب منها مسائلُ من الفروع إلا نبهت على طرقها ووجوهها، مع ذكر شيء من نظائرها، ليكون الكتاب جامعا لعلم الأصول والفروع معا، وليعم نفعه وتكثر فائدته.
وأتحرى في جميع ذلك الاختصار والإيجاز، وأستمد من الله المعونة والتوفيق، إنه أقوى معين.
الجزء 1 · صفحة 197
كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة
[مسألة: لا تكون الطهارة إلا بالماء أو بالصعيد إذا عدم الماء].
قال أبو جعفر: (قال أبو حنيفة رحمه الله: لا طهارة للصحيح إلا بالماء، أو بالصعيد في غير الأمصار وغير القرى إذا عدم الماء).
قال أبو بكر: الأصل فيه: قول الله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا}.
فلو اقتصر على قوله: {فاغسلوا} لاقتضى عمومه جواز غسل هذه
الجزء 1 · صفحة 198
الأعضاء بسائر المائعات، لشمول اللفظ لها، لكنه لما قال في سياق الآية {فلم تجدوا ماء فتيمموا}: دل على أن حكم الغسل المأمور به مقصور على ما جعل التيمم بدلا منه، وأبيح استعماله عند عدمه.
فإن قال قائل: لو لم يكن في شرط إباحة التيمم ذكر عدم الماء، لكان في قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورًا}. وقوله: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته": ما يوجب أن تكون الطهارة بالماء دون ما سواه من المائعات.
قيل له: إنما حكم دلالة الآية والخبر الذي ذكرت مقصور على جواز استعمال الماء للطهارة، فأما أن يدل على نفي الطهارة بغيره، فلا، إذ
الجزء 1 · صفحة 199
الحكم الذي تضمنته إنما هو إثبات الطهارة، لا نفيها، فالمستدل به على نفيها: مغفل لحكم الدلالة.
[مسألة: حكم الوضوء بالنبيذ].
قال أبو جعفر: (ويجوز عند أبي حنيفة الوضوء بنبيذ التمر خاصة، دون ما سواه من الأنبذة في غير الأمصار، وفي غير القرى عند عدم الماء، وقال أبو يوسف: لا يتوضأ به، وقال محمد: يتوضأ به، ثم يتيمم).
قال أبو بكر: القياس يمنع عند أبي حنيفة جواز الوضوء بالنبيذ لاتفاق فقهاء الأمصار على امتناع جوازه بالخل والمرق وسائر المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق، إلا أنه ترك القياس فيه لدلالة لفظ الآية والأثر.
وذلك لأن من أصله: أن الأثر مقدم على النظر، وإن كان وروده من طريق الآحاد، وأنه لا يعترض بالقياس على خبر الواحد بعد أن يكون
الجزء 1 · صفحة 200
وروده من الجهة التي تقبل فيها أخبار الآحاد لو لم يعارضه القياس.
فإذا لم يبق للحادثة طريق يوصل إلى معرفة حكمها إلا النظر والأثر، وتعارضا، كان الحكم للأثر، وسقط معه اعتبار النظر.
هذا مع تعاضد الأثر الوارد في إباحة الوضوء بالنبيذ من دلالة فحوى خطاب الآية.
وقد روى جواز الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء عن ابن عباس وعكرمة وأبي العالية رضي الله عنهم.
الجزء 1 · صفحة 201
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: ركبت مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البحر ففني ماؤهم، فتوضؤوا بالنبيذ، وكرهوا ماء البحر.
وما نعلم أحدًا من الصحابة روي عنه خلاف ذلك.
فأما الأثر الذي ذهل إليه أبو حنيفة رحمه الله في جواز الوضوء بالنبيذ: فهو حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: "أمعك ماء؟ قال: لا فقال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، فتوضأ به، وصلى الفجر".
روي هذا الخبر عن عبد الله من أربع طرق:
الجزء 1 · صفحة 202
رواه ابن عباس، وأبو رافع، وأبو وائل، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث
- فأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فأخبرناه عبد الباقي بن قانع في الإجازة قال: حدثنا الحسين بن إسحاق قال: حدثنا محمد مصفى قال: حدثنا عمر بن سعيد عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش، عن ابن عباس عن ابن مسعود رضي الله عنهم أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أمعك ماء يابن مسعود؟ قال: معي نبيذ في إداوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صب علي منه"، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "هو شراب، وطهور".
وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري
الجزء 1 · صفحة 203
قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا ابن لهيعة بإسناده، مثله.
- وأما حديث أبي رافع فأخبرنا عبد الباقي بن قانع إجازة قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن أبي بشر السراج ومحمد بن عبدوس قالا: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا قال: أمعك نبيذ؟ قال: نعم، "فتوضأ به".
وحدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي رحمه الله قال: حدثنا علي بن عبيد قال: حدثنا العمري قال: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، بإسناده مثله.
- وأما حديث أبي وائل: فحدثنا أبو بكر الجعابي قال: ثنا أبو العباس الفضل بن صالح الهاشمي، حدثنا الحسين بن عبيد الله العجلي قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن حازم، عن الأعمش عن أبي وائل قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فأتاهم فقرأ عليهم القرآن، وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الليل: أمعك ماء يا ابن أم عبد؟ قلت: لا والله يا رسول
الجزء 1 · صفحة 204
الله، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تمرة طيبة وماء طهور"، فتوضأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- وأما حديث أبي زيد: فحدثنا محمد بن بكر البصري قال: حدثنا أبو داود السجستاني قال: حدثنا سليمان بن داود العتكي قال: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ري الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة الجن: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ: قال "تمرة طيبة، وماء طهور".
وقد روى هذا الحديث عن أبي فزارة الثوري وشعبة إسرائيل والجراح وأبو وكيع بن الجراح وأبو العميس عتبة بن عبد الله
الجزء 1 · صفحة 205
وفي بعضها أنه قال: "تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ منها وصلى".
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: حدثنا أسد بن عاصم قال: حدثنا الحسين بن حفص عن سفيان الثوري عن أبي فزارة العبسي قال: حدثن أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عله وسلم ليلة الجن فحضرت صلاة الفجر، فسألني فقال: أمعك وضوء؟ فقلت يا رسول الله! مع إداوة فيها شيء من النبيذ، فقال: "تمرة طيبة، فتوضأ منها وصلى الفجر".
قال أبو بكر: والمخالف لنا يعترض على هذه الآثار من وجوه أربعة:
الجزء 1 · صفحة 206
أحدها: دعواهم مخالفتها للأصول من الكتاب، والاتفاق.
لأن قول الله عز وجل: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}، يقتضي عندهم أن يكون الماء المفروض به الطهارة، هو ما يتناوله اسم الماء على الإطلاق، وذلك معدوم في نبيذ التمر.
ولاتفاق الفقهاء على امتناع جواز الوضوء بكثير من المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق.
والوجه الثاني: الطعن في سند هذه الآثار، من جهة أن أبا فزارة غير مشهور بالرواية، وأن أبا زيد لا يدري من هو، وكذلك رجال حديث ابن عباس وأبي رافع.
والثالث: من جهة ما عارضها من حديث علقمة أنه قال: قلت لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: "ما كان معه منا أحد".
والرابع: تسليم الرواية وتأويلها على الوجوه الموافقة للأصول.
- فأما الجواب عن الوجه الأول، وهو دعواهم بمخالفتها لظاهر الآية والاتفاق، فدعوى عارية من البرهان؛ لأن ظاهر الآية معنا، وذلك لأن قوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا}: إنما يقتضي ظاهرة إباحة التيمم عند
الجزء 1 · صفحة 207
عدم كل جزء من الماء، ولا يقتضي إباحته عند وجود شيء منه.
لأن قوله: {فلم تجدوا ماء {: اقتضى ماء منكورا، وذلك بتناول كل جزء من الماء على حياله، سواء كان منفردًا بنفسه أو مخالطًا لغيره.
وقد يصح أن يقال: إن في نبيذ التمر، وإن كان أجزاء التمر هي الغالبة عليه.
كما أن ماء لو وقعت فيه نجاسة يسيرة: جاز أن يقال: إن في هذا الماء نجاسة، وكما أن لبنًا لو صب فيه ماء يسير، جاز أن يقال: إن فيه ماء، وإذا كان غير ممتنع أن يقال: في نبيذ التمر ماء، كان من مقتضى الآية حظر التيمم معه.
وعلى أن المائية التي في النبيذ إنما هي من الماء دون التمر، لأن التمر ليس بمائع، وهذه المائية غير موجودة فيه.
فالمعترض على الآية، وعلى الخبر المروي في جواز الوضوء بالنبيذ، مؤكد لصحة قولنا، ومن هذه الجهة قلنا: إن دلالة فحوى الآية تقتضي جواز الوضوء بالنبيذ، لما ذكرنا من أن الماء الذي أبيح التيمم عند عدمه: ماء منكور، وأن وجود جزء منه يمنع التيمم، فلو اكتفينا بدلالة الآية على صحة ما قلنا، لكان فيه غنى.
فإن قيل: فيلزمك على هذا جواز الوضوء بسائر الأنبذة، بل بسائر المائعات التي فيها شيء من أجزاء الماء.
قيل له: إنما يلزمنا ذلك لو لم نقم الدلالة عليه؛ لأن كلامنا في ذلك
الجزء 1 · صفحة 208
لم يخرج مخرج الاعتلال، فيلزمنا عليه المناقضة، لأجل وجوده مع عدم الحكم على ما يعتقده من لا يرى القول بتخصيص العلة.
وإنما استدللنا به من جهة دلالة اللفظ، ولا يمتنع أحد من تخصيص ما كان هذا وصفه من دلائل الأسماء.
وبهذا المعنى وقع الفصل بيننا وبين من قبل خبر الشاهد واليمين، في اعتراضه على قول الله تعالى:} واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان {.
وذلك لأن في هذه الآية حظر قبول شهادة شاهد واحد، لأنه قال:} فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان {، فمنع أن نقبل عند عدم الرجلين إلا رجل وامرأتين، فمتى عدمنا الرجلين، وقبلنا شاهدًا واحدًا مع يمين الطالب، فقد خالفنا حكم الآية؛ لأن الله تعالى أوجب قبول شهادة الرجل والمرأتين عند عدم الرجلين.
الجزء 1 · صفحة 209
والشاهد واليمين لا يتناولها اسم الرجل والمرأتين، فلذلك لم نجز قبول الشاهد واليمين على معنى يخالف الآية.
وأما قوله:} فلم تجدوا ماء فتيمموا {: فإن ظاهرة يقتضي جواز التيمم عند عدم كل جزء من الماء، ولا يصح التيمم عند وجود نبيذ التمر، إذ كان فيه جزء من الماء، وهو الذي اقتضت الآية بطلان التيمم معه.
* واحتجوا أيضًا في رد الخبر: بأن ليلة الجن كانت بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة، فكانت ناسخة له.
فقلنا لهم: إن الآية نفسها تمنع جواز التيمم مع وجود النبيذ الذي فيه جزء من الماء، على ما تقدم من بيانه.
وعلى أنه ليس فيما ذكروا ما يمنع الوضوء به، بل يدل ذلك على جواز الوضوء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ به في حال لم يكن قد نقل فيه عن الوضوء بالماء إلى بدل، فدل أنه توضأ به على معنى أنه بقى فيه حكم الماء، لا على جهة البدل عنه، والتيمم إنما ورد حكمه
الجزء 1 · صفحة 210
على وجه البدل عن الماء، فلا حكم له مع وجود النبيذ الذي هو مبقى على حكم الأصل، الذي هو الماء.
فإن قيل: فجوز الوضوء به مع وجود الماء إن كان الوضوء به مفعولاً على حكم الماء، الذي هو الأصل.
قيل له: لولا قيام الدلالة على امتناع جواز الوضوء به مع وجود الماء، لأجزنا الوضوء به، لكن الدلالة منعتنا.
ومما يدل على أن فرض الوضوء بالماء كان قائمًا في ذلك الوقت. غير منقول إلى البدل، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من الماء للطهارة به، فلما أخبره بكون النبيذ معه، قال: "تمرة طيبة وماء طهور".
فأخبر أنه توضأ به على أنه الماء المفروض به الطهارة، لا على جهة البدل عنه.
* وأما دعواهم مخالفته للأصول من جهة اتفاق الفقهاء على امتناع جواز الوضوء بسائر المائعات التي لا يتناولها اسم الماء على الإطلاق. فإن ذلك على خلاف ما ظنوا؛ لأن خبر الوضوء بالنبيذ إنما يعترض على قياس الأصول التي ذكروها، ولم يعترض على الأصول نفسها، وقد بينا فيما سلف أن أخبار الآحاد إذا وردت من الجهات التي تقتضي قبولها والعمل بها - لو لم يعارضها القياس-، فهي إذا وردت معارضة للقياس كانت مقدمة عليه، وكان القياس متروكًا لها.
الجزء 1 · صفحة 211
وهذا نظير ما نقوله في أكل الناسي، أنه لا يوجب الإفطار، للأثر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والقياس يوجب الإفطار فتركنا القياس للأثر.
وكما قلنا في إيجاب الوضوء من القهقهة في الصلاة، للأثر والقياس يمنع منه، فتركنا القياس للأثر، وكان عندنا أولى منه.
ونظائر ذلك كثيرة، فلسنا ندفع أخبار الآحاد بقياس الأصول، لكن لا نقبلها في مخالفة الأصول نفسها.
* والخبر المخالف للأصول مثل قول مخالفنا في عبيد ستة، أعتقهم المريض ثم مات، ولا مال له غيرهم، فقال مخالفنا: إنه يقرع بينهم، فنعتق اثنين بأعيانهما، ونرد الباقين إلى الرق، وتأول فيه ما روى عمران بن حصين رضي الله عنه في رجل أعتق ستة أعبد له عند موته، لا مال له
الجزء 1 · صفحة 212
غيرهم، فأقرع النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فاعتق اثنين، وأرق أربعة.
وهذا الخبر مقبول عندنا، محمول على معنى لا يخالف الأصول، وقد بيناه في مسألة القرعة من هذا الكتاب.
وحملة مخالفنا على وجه مخالف للأصول.
وإنما صار المعنى الذي ذهب إليه مخالفنا: مخالفنا للأصول أنفسها، لا على المعنى الذي قلناه في قبول خبر نبيذ التمر، والوضوء من القهقهة ونحوهما، من قبل أن الناس متفقون على امتناع رفع الحرية عمن وقعت عليه القرعة.
وهذا لأن المريض كان مالكًا لا محالة لثلث كل واحد منهم، جائز التصرف فيه من غير حق لأحد، فنفذ عتقه فيه، فكانت القرعة رافعة لما استحقه من العتق، وهذا معنى متفق على بطلانه، فمن أجله صار مخالفًا للأصول أنفسها.
ومن جهة أخرى إنه استعمل القرعة على وجه يخفق بها بعضهم، وينجح البعض، فصار في معنى الميسر والقمار اللذين حرمهما الله بنص كتابه؛ لأن رجلًا لو قال لرجل: "أقارعك على أرضك وأرضي، أو
الجزء 1 · صفحة 213
"أقارعه على رق من خرجت عليه القرعة منهما": لم يصح ذلك، والقرعة المستعملة في العبيد هي هذا بعينه، فسقطت، لمخالفتها للأصول.
* ومما ترده الأصول من الأخبار: خبر المصراة إذا استعمل على ما ذهب إليه المخالف؛ لأنه يوجب أن من اشترى شاة بصاع تمر، ثم حلبها، ثم وقف على التصرية، أنه يردها ويرد معها صاع تمر، وحصة اللبن أقل من صاع تمر، وهذا رد للأصول من وجهين:
أحدهما: إلزام لمشتري أكثر مما لزمه من الغرم.
والثاني: أنه يأخذ صاعًا عن أقل منه.
* وأما طعنهم في خبر الوضوء بالنبيذ من جهة أن أبا فزارة غير مشهور بالرواية، وأن أبا زيد من مجهول، فإنه جهل من قائله، وذلك لأن أب فزارة مشهور، واسمه راشد بن كيسان العبسي، وله أحاديث مروية قد نقلها عنه الأئمة، وكان أحد الزهاد، فيما حدثنا ابن قانع في كتاب "الطبقات".
وإنما الوصول إلى معرفة عدالة من لم نشاهده من الرواة: من جهة
الجزء 1 · صفحة 214
نقل الفقهاء وأهل العلم عنه، من غير طعن منهم عليه في روايته، ولا تهمته بالكذب، وأبو فزارة ممن نقل عنه الأئمة، ولم يطعن أحد منهم في نقله، ولا اتهمه برواية حديث يوجب تهمته.
وأما أبو زيد: فمشهور من عاملة التابعين قال يعقوب بن شيبة "سمع أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقد أدرك جماع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الطبقة الأولى من الكوفيين بعد الصحابة".
* وأما حديث ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس رضي الله عنهما: فمستقيم السند، لا نعلم أحدًا منهم طعن عليه في روايته، أو اتهم بالكذب في نقله.
وكذلك حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 215
ولو وجب أن ترد أخبار الآحاد التي تفرد بها الرواة: لوجب أن يبدأ فيرد خبر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في الرطب بالتمر؛ لأنه لا يرويه إلا زيد أبو عياش، ولا يدري من هو؟
ويثنى خبر من يروي: "إن الله عز وجل كتب عليكم السعي، فاسعوا"؛ لأنه لا يرويه إلا امرأة.
ويرد خبر شعبة عن أبي جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى في إفراد الإقامة؛ لأنه:} ظلمت بعضها فوق بعض {، لا يدرى من أبو جعفر، ولا من أبو المثنى.
الجزء 1 · صفحة 216
*وعلى أي وجه وقع إسناد حديث الوضوء بنبيذ التمر، فليس بدون حديث الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن البزير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وبعضهم يقول: عبيد الله بن عبد الله بن عمر في القلتين.
ولا دون حديث الشاهد واليمين، مع مخالفته للكتاب.
ولا هو أضعف من حديث: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل"، ونظائرها من الأخبار الواهية السند، المضطربة المتون والمعاني، التي قبلها مخالفنا، كرهنا ذكرها خوف الإطالة.
* وأما اعتراضهم عليه بما عارضه من حديث علقمة أنه سأل عبد الله رضي الله عنه: هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ فقال: "ما كان منا معه أحد".
وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا إذا لم نجد الماء".
الجزء 1 · صفحة 217
وقوله صلى الله عليه وسلم: "التيمم طهور المسلم إذا لم يجد الماء"، وأن هذا العموم ينافي جواز الوضوء بالنبيذ وترك التيمم.
فإنه يقال لهم: أما كون عبد الله رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فصحيح قد ورد نقله من جهات آخر صحيحة غير الطرق التي وصفنا.
فمنها: ما روي عن أبي عثمان النهدي بالإسناد الصحيح أن عبد الله رأى بالكوفة قومًا من الزط، فقال: "ما أشبههم بالجن ليلة الجن".
وروى ابن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه ليلة الجن".
وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة: "أن عبد الله رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن".
وحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي
الجزء 1 · صفحة 218
عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال لي: "التمس ثلاثة أحجار فوجدت له حجرين وروثة، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس".
وحدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا [إسحاق الدبري] عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي إسحاق عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: "هذا ركس، ايتني بحجر".
وذكر علقمة نحوًا مما في حديث أبي عبيدة من القصة، فوجب أن يكونا حديثًا واحدًا في حال واحدة، وأن لا يكونا حديثين في حالين مختلفين؛ لأن في كلا الحديثين أنه ألقى الروثة، وقال: "إنها ركس".
ويمتنع أن يكون عبد الله قد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم مرة أن الروثة ركس لا يجوز الاستنجاء بها، ثم يأتيه بها ثانية.
وأيضًا يمتنع في العادة أن يكون كلما سأله أحجار الاستنجاء، لا يجد إلا حجرين وروثة، فثبت أن القصة واحدة، وإذا ثبت ذلك، وأخبر أبو عبيدة أنها كانت في ليلة الجن: ثبتت زيادته.
الجزء 1 · صفحة 219
* وحديث علقمة في نفيه كون عبد الله رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، إن كان ثابتًا على ما ادعاه المخالف، فواجب أن يعارض هذه الأخبار كلها، ويوجب الطعن فيها، وأن لا يكون مخصوصا بإفساد حديث نبيذ التمر، دونها.
وقد اتفق الفقهاء على قبول حديث أبي عبيدة؛ لأن منهم من يحتج به في إيجاب ثلاثة أحجار للاستنجاء، ومنهم من يجيز بما دونه، لأنه اكتفى بالحجرين، وألقى الروثة.
وعلى أنا نقول: إن حديث علقمة ليس بمخالف لحديث الوضوء بالنبيذ، وذلك لأن في حديث علقمة أنه سأل ابن مسعود قال: فقلت: هل شهد أحد منكم ليلة الجن؟ فقال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ففقدناه، فالتمسناه، فبتنا شر ليلة بات بها قوم.
فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقال: أتاني داعي الجن، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم،
الجزء 1 · صفحة 220
وسألوه الزاد.
فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما سأله الماء في هذه الحال، وفيها توضأ بالنبيذ.
وذكر إسماعيل بن إسحاق في كتابه في "أحكام لقرآن": حدثنا محمد بن عبيد بن حسان قال: حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان أنه قال لابن مسعود: حدثت أنك حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد الجن. قال: فكيف كان؟
فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خط عليه خطًا، وقال له: "لا تبرح"، حتى إذا كان قريبًا من الصبح، أتاني النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لي: هل رأيت شيئًا؟ قلت: نعم، رأيت رجالًا سودًا مستشعرين بثياب بيض.
وفي حديث أبي فزارة نحو ذلك من القصة، فاحتمل أن يكون حديث علقمة موافقًا له، وأنه إنما عنى بقوله: "ما كان معه منا أحد": في حال
الجزء 1 · صفحة 221
خطابه للجن، وتعليمه إياهم القرآن والإيمان، وكان معه في حال أخرى، وهي الحال التي رجع فيها النبي صلى الله عليه وسلم من عندهم، ثم سأله الماء، فإذا ليس في حديث علقمة ما ينفي حديث أبي فزارة، وغيره.
* وأما قول صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا إذا لم نجد الماء"، وقوله: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء".
فإنا نجمع بينه وبين حديث الوضوء بالنبيذ، فنستعملها ولا نسقط أحدهما بالآخر؛ لأنهما جميعًا وردًا من طريق الآحاد، لا مزية لأحدهما
الجزء 1 · صفحة 222
على صاحبه، فنقول: إذا لم يجد الماء، ولم يجد نبيذ التمر، فلا نسقط أحدهما بالآخر مع إمكان استعمالهما.
* وأما من سلم الخبر، وتكلم فيه على جهة حمله على ما يوافق الأصول، فإنه زعم أن الذي توضأ به، يحتمل أن يكون ماء ألقى فيه تمر، ولم يستحل فيه، ولم يزل عنه اسم الماء المطلق.
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "تمرة طيبة، وماء طهور"، وقول عبد الله رضي الله عنه: "معي تميرات ألقيتها في الماء"، وأنه إنما سماه نبيذًا مجازا على ما سيؤول إليه حالة في الثاني، كقوله عز وجل:} إني أراني أعصر خمرًا {، وهو في حال العصر ليس بخمر، وإنما سماه بها لما يؤول إليه الحال في الثاني.
فيقال له: هذا تأويل ساقط لا يلاءم لفظ الخبر بحال، ولا يمكن حمله عليه، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل معك ماء؟ قال: لا، معي نبيذ التمر"، فنفى عنه اسم الماء المطلق، ولو كان التمر غير مستحيل فيه، حتى يسلبه اسم الماء المطلق، لما جاز أن ينفيه عنه نفيًا مطلقًا؛ لأن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال، فهذا يدل على سقوط تأويلك.
ثم سماه نبيذًا على الإطلاق أيضا، وحكم اللفظ المطلق أن يكون محمولًا على حقيقته حتى تقوم دلالة المجاز، ولا دلالة لنا على وجوب
الجزء 1 · صفحة 223
صرف هذا اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز.
* وأما قوله: "تميرات ألقيتها في الماء": فإن النبيذ كذا يعمل، يطرح التمر في الماء، ويترك حتى يستعجل فيه، ويصير إلى حال الشدة، فيسمى حينئذ نبيذًا.
فليس في قوله: "تميرات ألقيتها في الماء": ما ينفي أن يكون قد صار نبيذًا.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تمرة طيبة، وماء طهور": إخبار عما كانت عليه بديًا، ولم ينف عنه اسم النبيذ في الحال.
فإن قيل: لفظ النبي صلى الله عليه وسلم محمول على حقيقته، وهو أصدق من عبد الله حين سماه نبيذًا.
قيل له: معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد تكذيب عبد الله رضي الله عنه في خبره أن معه نبيذًا؛ لأنه لم يكن يعلم الذي مع عبد الله، ولذلك سأله فقال: "هل معك ماء؟ وقد كان عبد الله رضي الله عنه علم ما معه فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم منبهًا له على جواز الوضوء به: "تمرة طيبة، وماء طهور": أي أن استحالته إلى النبيذ لم توجب تنجسه، ولا منع الطهارة به.
* وأما قوله:} إني أراني أعصر خمرًا {: فلا دلالة معنا على أنه كان يعصر غير الخمر، إذ لا يمتنع أن يعصر من العنب الخمر نفسها، بأن
الجزء 1 · صفحة 224
يطرح العنب في الخابية، ويترك حتى ينش ويغلي، ثم يعصره فيكون ما يعصره خمرًا على الحقيقة.
وعلى أنه لو أراد العصير الذي ليس بخمر، لم يمتنع؛ لقيام الدلالة على أنه أطلق اللفظ به مجازًا، وليس يجب إذا صرفنا لفظًا عن حقيقته إلى المجاز بدلالة: أن نفعل ذلك في سائر ألفاظ الحقائق بلا دلالة.
فإن قيل: قول عبد الله رضي الله عنه: "تميرات ألقيتها في الماء": يدل على أنه كان نيئًا غير مطبوخ، فلو كان قد صار إلى حال الاستحالة إلى النبيذ لكان محرمًا؛ لأن نقيع التمر عندكم محرم لا يجوز شربه، ولا الوضوء به، فإذا لم يجز الوضوء بنفس ما ورد فيه الأثر: فغيره أبعد من ذلك.
قيل له: لما قال: "معي نبيذ التمر"، وهذا الاسم يتناول النيء والمطبوخ منه، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: أفادنا ذلك جواز الوضوء بالجميع، فإذا قامت الدلالة على تحريم النيء منه، كانت دلالة الخبر باقية في إباحة الوضوء بالمطبوخ.
وقوله: "تميرات ألقيتها في الماء": لا يدل على أنه كان غير مطبوخ
الجزء 1 · صفحة 225
لأنه يجوز أن يلقي فيه تمرات ويطبخها.
وأيضًا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة، وتحريم الخمر كان بالمدينة، وإنما توضأ به في حال الإباحة، وقد أفادنا ذلك جوازه بالمطبوخ؛ لأن أحدًا لم يفرق بين نيئه حيث كان حلالًا، وبين مطبوخه الحلال.
فإن قيل: فهلا قست عليه نبيذ الزبيب، وسائر الأنبذة.
قيل له: لأن من أصلنا: أن المخصوص لا يقاس عليه إلا أن تكون علته مذكورة في خبر التخصيص، كقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: "إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات".
الجزء 1 · صفحة 226
فإن قيل: فعلته مذكورة؛ لأنه قال: "تمرة طيبة، وماء طهور".
قيل له: فهذه العلة لا توجد في غير نبيذ التمر، فكيف نقيس عليها وقد تكلمنا في هذه المسألة بأكثر من هذا في "مسائل الخلاف"، التي عملناها في الطهارة.
* وأما أبو يوسف، فإنه لم يجز الوضوء به؛ لأن القياس يمنع منه والخبر لم يثبت عنده.
* وأما محمد، فجمع بينه وبين التيمم؛ لأن الأثر قد ورد به.
والقياس يمنعه ويوجب التيمم، فاحتاط له في الجمع بينهما.
مسألة: [الوضوء بما اعتصر من الشجر].
قال أبو جعفر: (وليس لما اعتصر من الشجر والثمر حكم الماء).
وذلك لأن اسم الماء لا يتناوله على الإطلاق. قال الله تعالى:} وأنزلنا من السماء ماء طهورًا {، وقال:} ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينبيع في الأرض {.
فحكم الطهارة من الأحداث متعلق بما كان هذا وصفه من المياه، ولا نعلم بين الفقهاء في ذلك خلافًا.
الجزء 1 · صفحة 227
مسألة: [الوضوء بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات].
قال أبو جعفر: (وما خالط الماء شيء سواه، فغلب عليه: صار الحكم له، لا للماء، وإن لم يغلب عليه: كان الحكم للماء، لا له).
قال أبو بكر: الأصل فيه: أن الماء الذي خالطه شيء من الطين: لا خلاف في جواز الوضوء به، والمعنى فيه أن الماء هو الغالب.
ولا خلاف أيضًا أن المرق والخل لا يجوز الوضوء بهما، والمعنى فيه أن ما غلب عليه من أجزاء الثمر: يسلبه اسم الماء المطلق.
وكل ما كان بهذه المنزلة: فحكمه حكم الخل، وما كان الماء فيه هو الغالب: فهو مردود إلى موضع الاتفاق في أجزاء الطين إذا خالطت الماء.
فإن قيل: قال الله تعالى:} وأنزلنا من السماء ماء طهورًا {، فالمنزل من السماء هو الطهور، دون الماء المتغير بمخالطة غيره.
قيل له: اختلاط غيره به لم يخرج بالماء من أن يكون منزلًا من السماء، فلا معنى لاعتباره في بقاء حكم التطهير به.
وكما لم يمنع اختلاط أجزاء الطين به من بقائه على حكم التطهير، ولم يسلبه معناه الذي كان له في حال نزوله من السماء، كذلك اختلاط غيره به، ما لم يغلب عليه.
فإن قيل: فهو إنما يحصل له الطهارة بالماء وبغيره مما خالطه من لبن
الجزء 1 · صفحة 228
أو نحوه، ولا يجوز الطهارة باللبن.
وكما كان يسير النجاسة إذا حصل في الماء: منع استعماله للطهارة كذلك يجب أن يكون حكمه في اختلاط اللبن، أو سائر المائعات به.
قيل له: هذا غلط؛ لأن اختلاط اللبن بالماء إذا لم يكن هو الغالب عليه، لا يمنع وصول أجزاء الماء إلى بشرته، كما لا يمنع اختلاط أجزاء الطين به.
والفرق بينه وبين النجاسة، أن النجاسة محظور علينا استعمالها، لقول الله عز وجل:} ويحرم عليهم الخبائث {، فمتى لم نصل إلى استعمال الماء إلا باستعمال جزء من النجاسة: لم يجز لنا استعمال الماء.
وأما اللبن، وسائر ما يخالط الماء من الأشياء الطاهرة: فغير محظور علينا استعماله، ولذلك لم يمنع استعمال لماء لذي خالطه ما لم يغلب عليه، ألا ترى أن يسير الطين إذا خالط الماء - وإن ظهر أثره فيه - لا يمنع استعماله.
ويدل على ذلك أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الوضوء بسؤر السنور مع ما خالطه من لعابها.
ولا خلاف في جواز الوضوء بسؤر الإنسان وإن خالطه لعابه.
* فصار ذلك أصلا: في أن ما خالط الماء من الأشياء الطاهرة: لا
الجزء 1 · صفحة 229
يمنع الطهارة به ما لم يغلب عليه.
ومما يبين ذلك الفرق بين مخالطة النجاسة الماء، وبين سائر الأشياء الطاهرة: أن الماء يلحقه حكم النجاسة عندنا، وعند مخالفنا بمجاورة النجاسة، دون المخالطة، ألا ترى أن فأرة لو وقعت في أقل من قلتين ماء: نجسته عند مخالفنا، ولا يفسده مجاورة الأشياء الطاهرة.
مسألة: [الماء المستعمل والوضوء به].
قال أبو جعفر: (وما توضئ به من المياه، أو اغتسل به منها، أو تبرد به فقد صار مستعملًا، لا يجوز التوضؤ به، ولا الاغتسال به).
قال أبو بكر: قوله في التبرد بالماء أنه يوجب للماء حكم الاستعمال، لا أعلمه مذهب أصحابنا، وقد قال أبو الحسن الكرخي رحمه الله إنه إذا كان المستعمل له طاهرًا لم يرد به التطهر: لم يكن مستعملًا.
والأصل فيما يوجب استعمال الماء شيئان في قول أبي يوسف: أن يسقط به فرض، أو يستعمل قاصدًا به الطهارة على وجه القربة.
الجزء 1 · صفحة 230
ومن أجل ما قيدنا به شرط الاستعمال، قال أبو يوسف في الجنب إن دخل بئرًا يطلب دلوًا، ولا نجاسة عليه، إنه لا يطهر، ولا يفسد الماء، لأنه لو طهر: سقط به فرض الطهارة، وذلك عنده يكسبه حكم الاستعمال، ولو اغتسل فيه ينوي الطهارة: صار مستعملًا.
وقال محمد: يطهر الرجل إذا لم يرد به الاغتسال، ولا يصير الماء مستعملا، من قبل أن شرط الاستعمال عنده: أن يستعمله على وجه التطهر به، متقربًا به إلى الله عز وجل، وسقوط الفرض عنده: لا يكسبه حكم الاستعمال ما لم يحصل متقربًا به.
* والدليل على امتناع جواز الوضوء بالماء المستعمل: ما روى حميد بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلًا صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه أربع سنين قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، ويغتسل الرجل بفضل المرأة".
الجزء 1 · صفحة 231
وفضل الغسل يطلق على شيئين:
أحدهما: ما يسيل من أعضاء المغتسل.
والآخر: ما يبقى في الإناء بعد الغسل.
وظاهر اللفظ يقتضيهما جميعًا، إلا أنه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يغتسل هو وبعض نسائه من إناء واحد من الجنابة، تختلف أيديهما فيه": علمنا أن ذلك لم يرد، وبقى حكم اللفظ فيما يسيل من أعضاء المغتسل.
* دليل آخر: وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال: حدثنا معلى بن منصور قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكير بن الأشج أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب".
فلما نهاه عن الاغتسال فيه، دل على أن يفسده، ويمنع من استعماله وفي أخبار آخر شائعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
الجزء 1 · صفحة 232
وهذا يقتضي النهي عن الاغتسال فيه على الانفراد، كما اقتضى النهي عن البول فيه، فدل على أن الاغتسال فيه يمنع التطهر به، كما يمنعه البول.
فإن قيل: إنما هذا في النهي عن الاغتسال فيه بعد البول؛ لأنه قد روي: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه من جنابة".
قيل له: "تستعملها جميعًا، فنقول: لا يغتسل فيه بعد البول، ولا يغتسل فيه قبله بالخبر الآخر.
فإن قيل: أنما نهى عن الاغتسال فيه من جنابة، لما عسى أن يكون على بدن الجنب من النجاسة، فلأجل النجاسة منع منه، لا لما ذكرت قيل له: هذا غلط من وجوه.
أحدهما: أن الجنابة ليست عبارة عن النجاسة، إذ ليس يمنع أن يكون جنبًا لا نجاسة على بدنه، وقد يكون على بدنه نجاسة وليس بجنب، فليست الجنابة إذاً عبارة عن كون النجاسة على بدنه، فلا يجوز أن يتعلق حكم النجاسة بذكر الجنابة.
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قد أفادنا بدءًا بقوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم": المنع من إيراد النجاسة على الماء بلفظ صريح فيفسد أن يكون المراد بالجنابة: النجاسة أيضًا من وجهين:
الجزء 1 · صفحة 233
أحدهما: أنه يصير تكرارا لما أفادنا بدءًا، ولا يجوز أن نحمل اللفظ على التكرار إلا بدلالة.
والثاني: أن ما أفادنا بالتصريح: يصير مكنيًا عنه بذكر الجنابة، وذلك لغو من الكلام، ولا يجوز حمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
* ودليل آخر: وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا بني عبد المطلب! إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس".
فشبه الصداقة حين حرمها عليهم بغسالة أيدي الناس، فدل على أنه محرم استعمال غسالة أيدي الناس للطهارة، كما حرمت الصدقة على بني هاشم.
ويدل عليه قول عمر لأسلم رضي الله عنهما حين أكل من تمر الصدقة: "أرأيت لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه"، وما لا يجوز شربه لا يجوز الوضوء به.
الجزء 1 · صفحة 234
وهذا يدل على شهرة الأمر بما كان في ذلك عندهم، إذ ضرب المثل به، وجعله أصلًا رد إليه أكل الصدقة.
فإن قيل: لا يخلو الماء المستعمل من أن يكون طاهرًا أو نجسًا، ولا جائز أن يكون نجسًا؛ لأن الماء لا ينجس إلا بمخالطة النجاسة، أو مجاورته إياها، والماء المستعمل بخلاف هذه الصفة.
وإن كان طاهرًا: فهو باق على ما كان عليه من حاله قبل الاستعمال.
قيل له: الماء المستعمل طاهر، وليس كل طاهر يجوز الوضوء به، لأن ماء الورد، وماء الباقلا، والمرق، جميع ذلك طاهر، ولا يجوز الوضوء به.
فإن قال: إنما لم يجز الوضوء بما ذكرت، لغلبة غيره علي، وسلبه اسم الماء على الإطلاق، وذلك معدوم في الماء المستعمل.
قيل له: كيف ما جرت الحال، فقد بطل أن يكون كونه طاهرًا علة في جواز الطهارة به، لوجود أشياء طاهرة، لا يجوز الوضوء بها، فهذا يسقط سؤالك من هذا الوجه.
وعلى أنه إذا غلبة غيره عليه يمنع الطهارة به، لأنه يسلبه اسم الماء على الإطلاق: فتعلق الحكم به من سقوط فرض أو حصول قربة به يسلبه اسم الإطلاق؛ لأنه يقال: ماء مستعمل، كما يقال: ماء الورد، وماء الباقلًا.
فإن قيل: هذا كإضافته إلى النهر أو إلى البئر؛ لأنه لم يحصل شيء
الجزء 1 · صفحة 235
غلب عليه.
قيل له: إضافته إلى البئر والنهر لا تأثير لها في الماء، ولا يتعلق بها حكم، وإضافته إلى الاستعمال تفيد حكمًا قد تعلق به ما وصفنا، فيجوز أن يؤثر فيه كتأثير ما يغلب عليه من غيره.
فإن قيل: قوله:} وأنزلنا من السماء ماء طهورًا {: يقتضي جواز الطهارة به مرة بعد أخرى، كما يقال: رجل أكول، وشروب: يراد به الإكثار من الأكل والشرب.
قيل له: قوله:} طهورًا {: معناه مطهرًا، على وجه المبالغة في وصفه بوقوع الطهارة به، ولا دلالة فيه على التكرار، ألا ترى أنه يقال: طهر ثوبه وبدنه، ويصح إطلاقه وإن لم يكرر غسله بماء واحد.
وهذا كما يقال: سيف قطوع: يراد به الوصف بالمبالغة في القطع، ولا يراد به تكرار القطع؛ لأن ذلك قد يحصل بالسيف الكليل، ولا يسمى قطوعًا.
فإن قيل: قوله تعالى:} فلم تجدوا ماء فتيمموا {: يعم جميع المياه قيل له: نخصه بما ذكرنا من الدلائل.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بقيت عليه لمعة،
الجزء 1 · صفحة 236
فدلكها بجمته.
قيل له: ذلك في غسل الجنابة، والبدن كله في غسل الجنابة كعضو واحد في الوضوء.
فإن قيل: لو كان ممنوعًا من استعماله، ما جاز نقله من أول العضو إلى آخره؛ لأنه قد صار مستعملًا بحصوله في أول العضو.
قيل له: للمستعمل عندنا شرط، وهو مفارقته للعضو، وما دام في العضو، فليس له حكم الاستعمال بالاتفاق، فلذلك جاز نقله من أول العضو إلى آخره.
وعلى أن الاستعمال إنما يمنع الطهارة به من طريق لحكم، فحكمه موقوف على قيام الدلالة عليه، والدلالة إنما قامت لنا في منع استعمال ما قد استعمل لعضو في عضو غيره.
فإن قيل: روي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتبادلون على وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسلون به وجوههم وأيديهم.
الجزء 1 · صفحة 237
قيل له: لم يستعملوه للطهارة، وإنما فعلوه تبركًا، ولم نقل إنه نجس، فيمنع التمسح به.
* ومن وجهة النظر: إن المحدث في معنى من على بدنه نجاسة في باب المنع من الصلاة، ثم وجدنا الماء المغسول به النجاسة، يحل في حكم النجاسة؛ لأنها به زالت، كذلك الماء المزال به الحدث، ينبغي أن ينتقل حكم الحدث إليه، لأنه به زال، فوجب أن يمنع ذلك استعماله للطهارة، لقيام حكم الحدث فيه، كما لا يجوز استعمال الماء المغسول به النجاسة.
فإن قيل: فيجب على هذا أن لا يكون مستعملًا إذا توضأ به وهو طاهر، إذا لم يزل به حدث.
قيل له: إنما ألحقناه حكم الاستعمال بمعنى آخر غير ما قلنا في الحدث، وهو القربة به، قياسًا على المحدث.
فإن قيل: العلة في المحدث سقوط الفرض به، وذلك معدوم في المتقرب به لغير حدث.
قيل له: لا يمتنع القياس عليه بوصف آخر، وهو ما تعلق به من الحكم، فكل ما تعلق به حكم صار مستعملًا، والحكم تارة يكون زوال الحدث، وتارة حصول القربة.
* قال أبو بكر: قال محمد بن الحسن: الماء المستعمل طاهر، ولا يفسد الثوب حصوله فيه وإن كان كثيرًا فاحشًا، وروى محمد ذلك عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
الجزء 1 · صفحة 238
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الماء المستعمل نجس.
وروى هشام عن أبي يوسف: أنه لا يفسد الثوب حتى يكون كثيرًا فاحشًا.
والصحيح من قولهم أنه طاهر، وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي.
مسألة: [أثر وقوع النجاسة في الماء القليل والكثير].
قال أبو جعفر: (وإذا وقعت نجاسة في ماء، فظهر فيه لونها أو طعمها أو ريحها، أو لم يظهر ذلك فيه: فقد نجسته، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، إلا أن يكون بحرًا أو ماءً حكمه حكم البحر، وهو: ما لا يتحرك أحد أطرافه
الجزء 1 · صفحة 239
بتحريك ما سواه من أطرافه).
قال أبو بكر: تحصيل المذهب فيه: أن كل ما تيقنا فيه جزءًا من النجاسة، أو غلب ذلك في رأينا: فهو نجس لا يجوز استعماله.
ولا يختلف على هذا الحد، الماء الراكد والجاري والبحر وغيره.
وإنما اعتبارهم في الغدير العظيم، ويتحرك أحد الطرفين بتحريك الآخر: كلام في جهة غلبة الرأي في وصول النجاسة الحاصلة في أحد الطرفين إلى الطرف الآخر، وليس هو كلامًا في أن من الماء ما ينجس بحصول النجاسة فيه، ومنه ما لا ينجس، وعلة التنجيس هو ما ذكرنا من حصول النجاسة فيه.
* والدليل على تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة وإن لم يتغير طعمه أو لونه أو رائحته، قول الله تعالى:} ويحرم عليهم الخبائث {، والنجاسات من الخبائث؛ لأنها محرمة.
وقل:} حرمت عليكم الميتة والدم {، وقال في الخمر:} رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه {.
ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء، فعموم هذه الآيات يوجب تحريم استعمال الماء الذي فيه جزء من النجاسة، إذ كان في
الجزء 1 · صفحة 240
استعماله استعمال الخبائث التي حرمها الله
والماء وإن كان مباحًا استعماله في حال انفراده عن النجاسة، فإن وجود النجاسة فيه يرفع حكم الإباحة؛ لأن استعمال المباح ليس بواجب والامتناع من المحظور واجب.
فإن قال قائل: قال الله تعالى:} وإذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا {، ومعناه مطهرًا، فهو من حيث كان طهورًا وجب أن يزيل حكم النجاسة، وينقلها إلى حكم نفسه بتطهيره إياها.
قيل له: قد اتفق الجميع على أنه لا يطهرها، ولا ينقلها إلى حكم نفسه إذا كانت مرئية فيه، أو ظهرت فيه رائحتها أو طعمها أو لونها.
فكذلك يجب أن يكون حكمها إذا كانت معلومة فيه، لأن النجاسات يحرم علينا استعمالها من حيث كان معلومًا وجودها فيه، دون أن تكون مرئية.
ألا ترى أنها إذا كانت في ثوب: منعت الصلاة فيه، سواء كانت مرئية أو غير مرئية إذا كانت معلومة فيه.
فثبت أن قوله تعالى:} وأنزلنا من السماء ماء طهورًا {، لا يعترض على
الجزء 1 · صفحة 241
حكم ما تلونا من الآي.
فإن قال قائل: فهي إذا كانت قليلة: صارت ماء، ولم تكن نجاسة
قيل له: هذا خطأ، لأنها لو أمدت بأمثالها لظهرت، ولو كانت الأجزاء اليسيرة من النجاسة إذا كانت خفية استحالت ماء، لكانت الزيادة فيها من أمثالها لا يوجب ظهورها في الماء، وظهور طعمها ولونها؛ لأن كل جزء حصل فيه من تلك الأجزاء يستحيل ماء، فلا يظهر عين النجاسة فيه.
* ودليلنا من جهة السنة على الأصل الذي قدمناه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعًا" وتطهير الأواني لا يجب إلا من النجاسات، فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلب، ومعلوم أن الولوغ لا يغير طعمه ولا لونه ولا رائحته.
* وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده".
فأمره بغسل اليد احتياطًا مما عسى أن يكون قد أصاب يده من موضع الاستنجاء في حال النوم، وهو لا يشعر به، وقد كانوا يستنجون بالأحجار، فكان الواحد منهم إذا نام لا يأمن وقوع يده على موضع الاستنجاء، وهناك بلة فيصيبها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتياط
الجزء 1 · صفحة 242
منها، ومعلوم أن حصولها في الماء لو كانت موجودة لم تكن تغير طعم الماء ولا لونه ولا رائحته.
* ويدل عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
ومعلوم أن البول اليسير في الماء الكثير لا يغير طعم الماء، ولا لونه، ولا رائحته.
* وقال صلى الله عليه وسلم في فأرة ماتت في سمن: "وإن كان جامدًا: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا: فأهريقوه".
ومجاورة الفأرة للسمن لا يغير طعمه ولا لونه، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسته.
فإن قال قائل: إنما منع البول فيه، لئلا يكثر البول فيه، فيغير طعمه،
الجزء 1 · صفحة 243
ويظهر فيه، فيمنع الطهارة به.
قيل له: هو تخصيص بلا دلالة، وحمل للكلام على غير ما يقتضيه ظاهره.
ويدل على بطلان هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه"، فمنع البائل من الاغتسال فيه بعد بوله وحده قبل ظهور النجاسة فيه.
فإن قيل: روى أبو سعيد الخدري رضي الله عن أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر كان يطرح فيها عذرة الناس، ومحايض الناس، ولحوم الكلاب، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء".
وروى أبو نضرة عن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فانتهينا إلى غدير فيه جيفة، فكففنا، وكف الناس، حتى أتانا النبي صلى الله علي وسلم فقال: ما لكم لا تستقون! فقلنا: يا رسول الله! هذه الجيفة. فقال: استقوا، فإن الماء لا ينجسه شيء"، فاستقينا وارتوينا.
الجزء 1 · صفحة 244
فهذه الأخبار تنفي الحكم بنجاسة الماء بحلول النجاسة فيه.
قيل له: أما حديث بئر بضاعة، فإن الطحاوي ذكر عن أبي جعفر أحمد بن أبي عمران عن محمد ابن شجاع عن الواقدي، أن بئر بضاعة كانت طريقًا للماء إلى البساتين.
والماء الجاري يحمل على ما يحل فيه من النجاسة، وينقله عن موضعه، فيجوز استعمال ما يجيء من الماء بعده.
وقد ذكر أبو داود السجستاني أنه رأى بئر بضاعة، وأن عرضها نحو ست أذرع.
وذكر عن قتيبة بن سعيد أن قيم بئر بضاعة أخبره أن أكثر ما يكون
الجزء 1 · صفحة 245
فيها من الماء إلى العانة.
ومعلوم أن ما كان هذا سبيله من الآبار إن لم يكن جاريًا، فلا محالة يظهر فيها ما يطرح فيها من لحوم الكلاب والمحايض وسائر النجاسات، ولا خلاف بين المسلمين أن الماء الذي قد ظهرت فيه النجاسة: لا يجوز استعماله للطهارة، فلا تخلو حينئذ بئر بضاعة من أن يكون ماؤها كان جاريًا ناقلًا لما يقع فيها إلى غيرها، فلا يمنع ذلك استعمال الماء الحادث بعد انتقاله النجاسة.
وإن لم يكن جاريًا، فإن سؤال السائل كان عنها بعد ما نظفت، وأخرج ما فيها من النجاسات، فأشكل عليهم حكمها بعد إخراج ما فيها، فأخبرهم أن ما كان يطرح فيها لا يمنع طهارة الماء الحادث بعده، وتكون فائدته أن البئر لا يجب طمها بوقوع النجاسة فيها، ولا حفر جوانبها، ولا غسلها، وأنها مفارقة للأواني في ذلك.
* وأما حديث الغدير، فيحتمل أن يكون أمرهم بالاستقاء من الجانب الذي لم تبلغه النجاسة؛ لأن موضع الجيفة لا يجوز استعماله بالاتفاق وهذا موافق بقول أصحابنا في الغدير العظيم، وأن كون النجاسة في جانب
الجزء 1 · صفحة 246
منه: لا يمنع استعمال الماء الذي في الجانب الذي لم تبلغه النجاسة.
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: لقيت النبي صلى الله علي وسلم وأنا جنب، فمد يده إلي، فقبضت يدي عنه، وقلت: إني جنب فقال: "سبحان الله! إن المسلم لا ينجس"، ولم يمنع بذلك أن يلحقه حكم النجاسة إذا أصابت بدنه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في وفد ثقيف حين أنزلهم المسجد: يا رسول الله! قوم أنجاس؟ فقال: "إنه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم"، ومعلوم أنه لم يرد بذلك نفي النجاسة عن الأرض، وإن أصابتها.
فإن قال قائل: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء على بول الأعرابي، دل على أنه إنما أراد ن يصير الماء غالبًا للبول، فيزيل حكمه مع بقاء أجزائه فيه.
قيل له: قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمكان البول أن يحفر.
حدثنا محمد بن الحسن بن شيرويه الأستراباذي قال: حدثنا عمار بن رجاء قال: حدثنا يحيى الحماني، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش عن
الجزء 1 · صفحة 247
سمعان بن مالك الأسدي عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: "بال أعرابي في المسجد، فصب عليه دلوًا من ماء، ثم أمر به فحفر مكانه، فقال الأعرابي: يا رسول الله! أرأيت الرجل يحب القوم، ولما يعمل مثل عملهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب".
وحدثنا محمد قال: حدثنا عمار قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا أبو بكر عن منصور عن سالم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
وحدثنا علي بن محمد الأنطاكي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور وعبد الوهاب بن أبي حية قالا: حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: حدثنا سمعان بن مالك بإسناده مثله.
قال أبو هشام: وحدثنا أبو بكر بن عياش عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وذكر الطحاوي قال: حدثنا أبو بكرة قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال:
الجزء 1 · صفحة 248
حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاووس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بمكانه أن يحفر.
فثبت بذلك أنه لم يقتصر على غلبة الماء عليه دون حفر الأرض لإزالة النجاسة.
وفيه دليل على أن غلبة الماء على البول لا يزيل حكمه؛ لأنه لو أزاله، لما احتيج إلى حفر الموضع بعد صب الماء.
* ومن جهة النظر: إن استعمال النجاسة على الانفراد محظور، فإذا اختلطت بالماء، وعلم كونها فيه، فاجتمع في الماء جهة الحظر من أجل النجاسة، وجهة الإباحة من أجل الماء: وجب تغليب جهة الحظر على جهة الإباحة.
والدليل عليه أن جارية بين رجلين لا يجوز لواحد منهما وطؤها، وكان تغليب جهة الحظر من أجل ملك الغير، أولى من جهة الإباحة من أجل ملكه.
فإن قيل: فقد أبحت استعمال التحري في ثلاثة أواني أحدها نجس.
الجزء 1 · صفحة 249
فاعتبرت غلبة الطاهر، وأبحت الاجتهاد فيه، فيلزمك اعتبار الغالب عند اختلاط النجاسة بالماء.
قيل له: ليس هذا مما نحن فيه في شيء؛ لأني إنما استعملت التحري في طلب الطاهر، لا في استعمال جزء من النجاسة، والماء وإن غلب على النجاسة، فإنه لا يصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة، فأشبه الجارية بين الرجلين في حظر وطئها.
وقد يستعمل الاجتهاد أيضًا في طلب الطاهر من الماء إذا خالطته النجاسة، وهو ما نقوله في الغدير العظيم إذا دخلته نجاسة: أن ما غلب في رأينا أن النجاسة لم تبلغه: يجوز استعماله، وما غلب في الظن أن النجاسة وصلت إليه: لا يجوز استعماله.
ثم جعلوا تحرك أحد الطرفين بتحرك الطرف الآخر: جهة تغلب الرأي في بلوغ النجاسة إليه.
فإن قال قائل: لو خالط الماء لبن يسير، لم يمنع استعماله للطهارة، وإن لم يجز استعمال اللبن للطهارة، ثم لما كان الماء هو الغالب عليه سقط حكمه، كذلك النجاسة.
قيل له: ليس بمحظور علينا استعمال اللبن، إلا أن الطهارة به لا تصح، ويسيره لا حكم له؛ لأنه لم يمنع وقوع الطهارة بالماء، ألا ترى أن يسير الزعفران إذا وقع في ماء، فظهر لونه فيه، فظهر لونه في: لم يمنع ذلك استعماله للطهارة، وإن ظهر لون النجاسة أو طعمها أو ريحها في الماء: منع ذلك
الجزء 1 · صفحة 250
استعماله للطهارة بالاتفاق، وإن كان الماء هو الغالب، فهذا فرق بينهما
فإن قيل: فقد حصل الاغتسال بجزء من اللبن، فينبغي أن لا يجزئه
قيل له: ليس هو بأكثر منه لو توضأ، ثم مسح وجهه باللبن، فلا يفسد ذلك طهارته.
فإن قال قائل: لو وجب الامتناع من استعمال الماء بحلول اليسير من النجاسة فيه، لوجب الحكم بنجاسة ماء البحر، لعلمنا بكون الجيف والنجاسات فيه، وإن كان جزء منه لاقى جزءًا قد نجس بمجاورته لجزء نجس، إلى أن تسوفي النجاسة أجزاء ماء البحر كله.
قيل له: هذا غريب واجب، من قبل أن ما لاقى عين النجاسة من الماء قد نجس بمجاورته إياه، ولم يصر هذا الماء المجاور لغير النجاسة نجسًا في الحقيقة، وإنما لحقه حكم النجاسة من طريق الحكم، لا أنه نجس في نفسه، وما كان هذا وصفه من ماء البحر والآبار ونحوها: لا ينجس ما جاوره، وتبين ذلك في مسألة البئر إذا ماتت فيها فأرة.
فاختلفت عندنا حكم ما كان نجسًا في نفسه، وما نجس بالمجاورة فلذلك لم يفسد ماء البحر بحلول النجاسة في ناحية منه.
* ودليل آخر: وهو أنا وجدنا النجاسات في الثياب والأبدان أخف منها في الماء، ثم كانت النجاسة في البدن والثوب تمنع جواز الصلاة فيه إذا كثرت وإن لم تكن مرئية، فدل ذلك على سقوط اعتبار ظهور النجاسة في الماء، وأن الحكم متعلق بوجودها فيه، كما تعلق في الثوب.
الجزء 1 · صفحة 251
فإن قيل: لما كان القليل من النجاسة لا يمنع الصلاة في الثوب، كذلك الماء الذي تحله.
قيل له: إن الصلاة جائزة في الثوب مع وجود أثر النجاسة فيه، ولا يجوز استعمال الماء مع ظهور أثر النجاسة فيه، فعلمنا أن حكم النجاسة في الماء أغلظ منها في الثوب.
فإن قال قائل: قد نقلت الأمة خلفا عن سلف إزالة الأنجاس من الأبدان والثياب باليسير من الماء، فلو كان حلول يسير النجاسة في الماء ينجس الماء، لما طهر بدن ولا ثوب أبدًا؛ لأن كل ما خالطه فهو ينجس أولًا، ثم يزول وهو نجس، فدل ذلك على أن المراعاة في باب التنجيس ظهور النجاسة، وأن الماء متى كان غامرًا لها يسقط حكمها.
قيل له: إن تطهير الثوب من النجاسة إنما يكون بإزالة عين النجاسة متى كان هناك عين قائمة، فالماء غير مطهر له، فإذا زالت العين لم يبق هنا إلا ما قد جاور ما كان نجسًا بملاقاته النجاسة، وقد بينا أن ما نجس من جهة المجاورة: لا ينجس ما جاوره، فلا يلزم على ذلك الحكم بتنجيس المياه على ما ألزمنا السائل.
وقد روي عن جماعة من الصدر الأول الحكم بتنجيس الماء بحلول النجاسة فيه وإن لم تظهر فيه.
من ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حين أمر بنزح زمزم لموت الزنجي فيه، وعن ابن الزبير مثله.
الجزء 1 · صفحة 252
وذكر حماد عن إبراهيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إنما ينجس الحوض أن تقع فيه، فتغتسل وأنت جنب".
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الفأرة إذا ماتت في البئر قال: "انزحها حتى تغلبك".
فصل: [عدم اعتبار القلتين كحد فاصل بين القليل والكثير]
قال أبو بكر: وجميع ما استدللنا به من ظواهر الآي والسنن، ودليل القياس والنظر، يوجب الحكم بنجاسة القلتين إذا حلتهما نجاسة، وأنه لا
الجزء 1 · صفحة 253
فرق بينهما وبين ما هو أقل منهما وأكثر.
وعلى أن اعتبار القلتين في إيجاب الحد الفاصل بين ما ينجس بحلول النجاسة فيه، وبين ما لا ينجس: قول متناقض فاسد من وجوه أخر نذكرها بعد هذا الفصل.
فإن قيل: روى الوليد بن كثير المخزومي عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من السباع، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين، فليس يحمل الخبث".
وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الحياض التي بالبادية تصيب منها السباع، فقال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسًا".
وروى موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد بن عبد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا
الجزء 1 · صفحة 254
كان الماء قلتين لم ينجس".
ورواه يحيى بن حسان موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما.
فلما ثبت بالدلائل المتقدمة أن قليل الماء ينجس بحلول النجاسة فيه، واتفق الجميع على أن البحر والغدير العظيم لا ينجس بحلول النجسة فيه، جعلنا الحد الفاصل بين القليل والكثير، وبين ما ينجس وما لا ينجس قبل ظهور النجاسة: القلتين اللتين ورد بهما الأثر.
قيل له: إن هذا حديث لا يجوز إثبات أصل من أصول الشريعة بمثله. لضعف سنده، واضطراب متنه، واختلاف الرواة في رفعه، ولأن مثله لا يجوز أن يكون وروده مورد البيان في إيجاب الحد الفاصل بين القليل والكثير.
* فأما ضعف سنده، فلأنه مختلف فيه. يقول بعضهم: محمد بن عباد بن جعفر، وبعضهم يقول: محمد بن جعفر.
الجزء 1 · صفحة 255
ثم يقول بعضهم: عبيد الله بن عبد الله، وآخرون يقولون: عبد الله بن عبد الله.
وهذا يدل على أن الحديث غير مضبوط الإسناد.
ثم يقفه بعضهم على ابن عمر رضي الله عنهما، وبعضهم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
* ثم الذي يدل على اضطراب متنه: ما حدثنا محمد بن الحسن بن شيرويه قال: حدثنا عمار بن رجاء قال: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان الماء أكثر من قلتين أو ثلاث، فإنه لا ينجس".
وحدثنا دعلج بن أحمد قال: حدثنا موسى بن هارون قال: أخبرنا كامل بن طلحة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان الماء قلتين أو
الجزء 1 · صفحة 256
ثلاثة فإنه لا ينجس".
وهذه الألفاظ متضادة مختلفة المعاني؛ لأن القلتين إن كانتا حدًا، فما فوقهما ليس كذلك، وإن كان الحد أكثر من قلتين: فهما ليستا بحد.
* ثم قوله: "قلتين أو ثلاثًا": يبطل أيضًاً معنى التحديد، وما كان هذا سبيله من الأخبار: فإنه لا يصح الاحتجاج به، ولا يجوز الاعتراض به على ما قدمنا من دلائل الكتاب والآثار الصحاح.
* ويدل على سقوطه، ما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة".
ومعلوم أن الماء الدائم في الغدران والمصانع أكثر من قلتين بأضعاف، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم الاغتسال فيه بعد البول،
الجزء 1 · صفحة 257
فدل على أن حلول النجاسة في مثله يفسده.
* وعلى أنه قد روى القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان الماء أربعين قلة لم يحمل الخبث".
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما مثله، وبه قال إبراهيم النخعي.
* وأيضًا: فلما كان اسم القلة يقع على مقادير مختلفة: لم يجز أن يكون إطلاق لفظ القلتين واردًا مورد البيان، وذلك لأن البيان لا يقع به والقلة اسم للجرة، والكوز الصغير، ولرأس الجبل، ولقامة الرجل، وما كان هذا وصفه، فغير جائز إثبات التحديد به.
الجزء 1 · صفحة 258
فإن قيل: فالمراد قلال هجر.
قيل له: وما الدليل على ذلك؟
فإن قال: لأن ابن جريج قال: بقلال هجر.
قيل له: ومن جعل قول ابن جريج أصلًا في إثبات شريعة؟
ثم المخالف لا يصح له ذلك، لأنه يزعم أن ابن جريج لو روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه، فكيف إذا لم يرفعه إليه، ولم يروه عنه؟
فإن قيل: فما وجه الحديث عندكم؟
قيل له: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا القدر من الماء، فقال: مثله لا يحتمل الخبث، أي يضعف عنه، فلا يزيل حكمه، كما يقال: فلان لا يحمل ألف رطل، ومعناه: أنه يضعف عنه،
الجزء 1 · صفحة 259
فنقل الراوي كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وترك نقل سؤال السائل، والسبب الذي عليه خرج الكلام.
كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ربا إلا في النسيئة"، وقوله: "ولد الزنى شر الثلاثة".
وذلك كله كلام خرج على سبب مفهوم، وهو محمول عليه دون استعمال إطلاقه، كذلك ما روي في القلتين.
الجزء 1 · صفحة 260
فإن قيل: فقد روي: "إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء".
قيل له: أصل الحديث قوله: "لم يحمل خبثًا"، ثم حمله بعض الرواة على المعنى عنده، فنقله دون اللفظ؛ لأن كثيرًا من الرواة يرى نقل المعنى دون اللفظ.
ويحتمل أن يكون المراد بالقلتين: قامتين، ويكون أراد: إذا بلغ الغدير، أو المصنع قامتين: لم يحمل نجسًا، كما نقول: الغدير العظيم إذا وقعت النجاسة في أحد جانبيه أنها لا تنجس الجانب الآخر.
فإن قيل: القلال كانت معروفة بالمدينة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دخلت الجنة فرأيت نبقها مثل قلال هجر".
قيل له: ومن دفع أن تكون قلال هجر كانت معروفة؟ بل نقول: كانت معروفة، وسائر ما ذكرنا من القلال المختلفة المقادير كانت معروفة أيضًا؛ ولأجل أن الجميع كانت معروفة مع اختلاف مقاديرها وتفاوتها: امتنع ورود البيان بذكرها في إثبات المقدار.
* ومما يبين تناقض قول القائل بالقلتين: أنا نقول له: خبرنا عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثًا": أراد به قلتين طاهرتين أو نجستين.
الجزء 1 · صفحة 261
فإن قال: طاهرتين كانتا أو نجستين: قال قولًا مستحيلًا؛ لأنه يقتضي أن يكون قد قال: "إذا كان الماء قلتين نجستين لم يحمل خبثًا". وهذا متناقض، لما فيه من نفي النجاسة عما أثبته نجسًا.
وإن قال: أراد إذا كان قلتين طاهرتين لم يحمل خبثًا.
قيل له: فأخبرنا عن قربة طاهرة صبت على أربع قرب نجسة؟ فقلت: إن القرابة الطاهرة لا تنجس، أليس قد نقضت ما أعطيته بدءًا من معنى مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر؛ لأن هذه قرابة أقل من قلتين، قد خالطها أضعافها نجاسة، فلم تنجس، فلم يثبت التحديد الذي اقتضاه الخبر عندك.
فإن قال: لأن الماء صار قلتين، فانتفت النجاسة عنه.
قيل له: أليس قد أعطتنا أن معنى قوله: "إذا كان الماء قلتين طاهرتين لم يحمل خبثًا"، فهل وجدت قلتين طاهرتين؟ وإنما وجدت قلة طاهرة، فلم يحمل خبثًا، وفي هذا إسقاط التحديد الذي رمت إثباته بالخبر.
ثم زعم أن الماء إذا كان أقل من قلتين، وكان نجسًا فصب عليه ما يتم به خمس قرب: صار طاهرًا، فإن فرق بعد ذلك لم ينجس.
فيقال له: لم لا أعدت حكم النجاسة فيها بالتفريق، وقد علمنا أنه أقل من قلتين، وفيه أجزاء من النجاسة.
فإن قال: لأنا قد حكمنا بطهارته عند الاجتماع وبلوغ الحد؛ فلا
الجزء 1 · صفحة 262
ينجس بعد ذلك بالتفريق.
قيل له: إذا حكمت بنجاسته وهو مفترق، فهلا بقيت هذا الحكم وإن اجتمعا، ولم لم تخرجه من حكم الطهارة بالافتراق؛ لأن النجاسة حصلت في أقل من قلتين.
فإن قال: لم نعد حكم النجاسة بالتفريق؛ لأن في تنجيسها بعد الافتراق إبطالًا لحكمنا له بالطهارة، وإسقاطًا لفائدته؛ لأنه متى اغتراف منه شيئًا كان نجسًا؛ لأنه أقل من قلتين، وفي ذلك منع من استعماله، ورفع حكمنا به من طهارته، وهذا غير جائز؛ لأنه قد ثبتت طهارته بالخبر.
قيل له: فأصلك يوجب عليك ترك استعمال الخبر، فدل على فساد أصلك.
على أنه قد قال في القلتين إذا وقعت فيهما فأرة: إنهما طاهرتان.
ثم قال: إن أخذ بعض الماء وفيه الفأرة: إنه ينجس، فلم يفرق بين حال التفريق بعد الاجتماع، وبينه قبل الاجتماع,
* ثم مما يدل على تناقض قله: إن قلة ماء نجس، وقلة أخرى نجسة إذا اجتمعتا صارتا طاهرتين.
وهذا يضاهي قوله في فرقه بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء في أقل من قلتين، فحكم بنجاسته إذا وردت النجاسة على الماء، ولم يحكم له بذلك عند ورود الماء على النجاسة، والماء قليل
الجزء 1 · صفحة 263
في الحالين جميعًا، والنجاسة موجودة، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم بنجاسة الماء لوجود النجاسة فيه، ولا فرق –إذا كان المعنى ما وصفنا –بين ورود الماء على النجاسة، وبين ورود النجاسة على الماء,
وهذا يشبه قول بعض المتجاهلة في فرقة بين البائل وغير البائل، فقال: إن البائل في الماء ممنوع من الوضوء به، وغير البائل مباح له مع وجود البول فيه، والمتغوط فيه غير ممنوع من الوضوء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى البائل دون غيره".
وهذا قول لو قصد به الإنسان إلى هتك ستر نفسه وفضيحتها، وإظهار تجاهله للناس؛ ما زاد على ما قال.
فإن قال صاحب القول الأول: إنما فرقنا بين ورود النجاسة على الماء، وبين ورود الماء على النجاسة فيما دون القلتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصب الماء على بول الأعرابي في المسجد، فلولا أنه طهره به لزاد في تنجيسه.
قيل له: قد روي أنه أمر بمكانه أن يحفر، وقد تقدم ذكر سنده.
الجزء 1 · صفحة 264
فإن قيل: جميع ما ألزمته مخالفيك، يلزمك مثله في الغدران الكثيرة إذا نجست بحصول النجاسة فيها، ثم أجري بعضها إلى بعض، فصارت غديرًا واحدًا، حتى لو حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر: لن تحكم طهارته؛ لأجل الاجتماع على حسب اعتبارك في الغدير العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، وإن لم تحكم بطهارته بعد الاجتماع، فقل في الابتداء: إنه إذا وقعت فيه نجاسة: نجس.
قيل له: هذه الغدران النجسة إذا جمعت، فصارت غديرًا واحدًا: فجميعها نجس عندنا، واجتماعها لا يكسبها حكم الطهارة، ولذلك تقول في الغدير العظيم إذا حصلت النجاسة في جميعه: لم يجز استعمال شيء منه.
وإنما الذي نقوله في الغدير العظيم: إنه إذا دخلت النجاسة طرفًا منه، وغلب في ظننا أنها لم تبلغ الطرف الآخر، لم نحكم بنجاسة الموضع الذي لم تبلغه النجاسة، فليس المعنى عندنا في حكم التنجيس: زوال كثرته ولا قلته، وإنما المعنى في نجاسته وجود النجاسة فيه.
فإن قيل: لما احتجنا إلى الحد الفاصل بين القليل الذي يلحقه حكم النجاسة، وبين الكثير، ولم يكن لنا مفزع إلا إلى الاجتهاد أو الأثر، كان الأثر –وإن كان ضعيفًا –مقدمًا عليه.
ومن جهة أخرى إن أحدًا لم يقدره بأكثر من ذلك.
قيل له: الحد الفاصل بينهما هو ما علمنا، أو غلب في ظننا وجود النجاسة فيه، فهذا الذي نحكم له بالنجاسة، وما عداه: فليس بنجس، فلا حاجة بنا إلى الاجتهاد في إثبات المقدار، ولا إلى قبول خبر ضعيف لا
الجزء 1 · صفحة 265
تثبت بمثله شريعة.
* وأما قولك إن أحدًا لم يقدره بغير القلتين: فليس كذلك؛ لأن إبراهيم النخعي يعتبر أربعين قلة، وعلقمة وابن سيرين والحسن بن صالح بن حي يعتبرون كرًا، وهو ثلاثة آلاف ومائتا رطل.
مسألة: [ما ينزح من البئر لطهارتها بموت عصفور فيها، ونحوه]
قال أبو جعفر: (وكل بئر وقعت فيها فأرة أو عصفورة ولم تنتفخ،
الجزء 1 · صفحة 266
ولم تتفسخ: أخرجت منها، واستقي منها عشرون دلوا، وفي النور والدجاجة أربعون دلوًا).
قال أبو بكر أحمد بن علي: قد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في فأرة تموت في البئر: "أنه تنزح منها دلاء".
وروي عنه أيضًا أنه قال: "تنزح حتى يغلبك الماء".
والروايتان جميعًا صحيحتان، فالأولى ما لم تنتفخ، والثانية إذا انتفخت.
وعن عطاء، وطاوس: "ينزح منها دلاء".
الجزء 1 · صفحة 267
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: "في الدجاجة أربعون أو خمسون"، ونحوه عن إبراهيم، والحسن.
وقال الشعبي: "في الدجاجة سبعون دلوًا".
فقد حصل من اتفاق هؤلاء السلف أن نزح بعض مائها: يطهرها في موت الفأرة والسنور.
الجزء 1 · صفحة 268
وإنما اختلفوا في مقدار ما ينزح، فصار ذلك أصلًا في وجوب تطهيرها ينزح بعضها، لأنا لا نعلم لهم مخالفًا من السلف.
* ووجه آخر: وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن فأرة ماتت في سمن، فقال: "إن كان جامدًا: فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا: فأهريقوه"، فاستفدنا من أمره بإلقاء الجامد وما حوله معنيين.
أحدهما: أن ما كان نجسًا في نفسه: فإنه ينجس ما جاوره.
والثني: أن ما نجس بالمجاورة: لا ينجس ما جاوره فيما لا يوجب غسل ما حصل فيه؛ وذلك لأن الفأرة لما كانت نجسة في نفسها: حكم صلى الله عليه وسلم بنجاسة ما جاورها من السمن، ولم يحكم بنجاسة السمن المجاور لهذا السمن النجس.
فإذا لم يكن السمن نجسًا في نفسه، وإنما كانت نجاسته من جهة الحكم لمجاورته الفأرة: فقلنا على هذا: إن ما جاور الفأرة من ماء البئر: نجس، وما جاور هذا الماء الذي لحقه حكم النجاسة بالمجاورة: ليس بنجس، كما لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة السمن المجاور للسمن الذي نجس بالمجاورة.
* وإنما جعلنا ماء البئر في معنى السمن الجامد، دون المائع الذي حكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة الكل، من قبل أن البئر إذا حلتها نجاسة، فأخرجت، ونزح ماؤها: لم يجب طمها، ولا حفر جوانبها، ولا غسلها، فأشبه من هذا الوجه السمن الجامد؛ لأن موت الفأرة فيه لم
الجزء 1 · صفحة 269
يوجب غسل الإناء، وفارق السمن المائع: إذا كانت إراقته توجب غسل الإناء.
* ومن جهة أخرى: إن البئر يشبه الماء الجاري، من قبل أن نزحه يوجب حدوث ماء غيره فيها، وليس كذلك الإناء، فكانت البئر أخف حكمًا من الأواني، فلذلك جعلناها بمنزلة السمن الجامد الذي تموت فيه الفأرة، إذا كان حكمه أخف من حكم المائع.
* وإذا ثبت أن بعض الماء طاهر، وبعضه نجس، وجب أن يطهرها إخراج بعض مائها، لأنا لو قلنا إنها لا تطهر إلا بإخراج الجميع، لكان فيه نقض ما أصلنا وأقمنا الدلالة عليه، من وجوب الحكم بطهارة بعض مائها، ونجاسة البعض.
ثم الكلام في مقدار ما يطهرها إخراجه: طريقة الاجتهاد، وما كان طريقه الاجتهاد من هذه المقادير، لا يتوجه علينا فيه سؤال، كتقويم المستهلكات، ونفقات الزوجات، ونحوها.
وأيضاً: ما روي عن علي وأبي سعيد وعطاء رضي الله عنهم في المقدار: يوجب تقليدهم فيه، إذ لم يثبت عن أحد من السلف خلافه.
[مسألة: وجوب نزح جميع البئر بموت شاة فيها]
قال أبو جعفر: (فإن ماتت فيها شاة: نزحت كلها حتى يغلبهم الماء).
قال أحمد: وذلك لأن الشاة تنزل إلى قعر البئر، ويجاورها أكثر مائها، وعسى أن لا يبقى مما لم يجاور إلا اليسير الذي لا حكم له،
الجزء 1 · صفحة 270
فلذلك نجس جميع الماء.
قال أبو جعفر: (وإن تفسخت الفأرة أو انتفخت: نزح ماء البئر كله، وكذلك الدجاجة والسنور).
قال أبو بكر أحمد: وذلك لأنه لا تصير إلى هذه الحالة إلا ويتحلل شيء من أجزائها في الماء، ويخالطه، فيصير بمنزلة البول والدم إذا وقعا في البئر، فلا يطهرها إلا نزح الجميع، من قبل أن تلك الأجزاء بالماء لا يتيقن خروجها إلا بنزح ما فيها، وإلا فنحن متى استعملناه: فقد استعملنا جزءًا من النجاسة مع الماء، وقد بينا امتناع جواز ذلك فيما تقدم.
قال أحمد: روي عن أبي يوسف في معنى قولهم: "تنزح حتى يغلبهم الماء": أنه ينزح من البئر مقدار ما كان فيها، ولا يضرهم بعد ذلك ما ينبع من الماء.
وقال محمد: إذا نزح مائتا دلو، أو مائتان وخمسون دلوًا، فقد طهر الماء، هذا إذا وجب نزح البئر كلها.
[مسألة:]
قال أحمد: وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الفأرة إذا خرجت حية من البئر: أنه ينزح منها دلاء، وإن لم يفعلوا أجزائهم.
وقال في الشاة والبقرة إذا أخرجت حية: ينزح عشرون دلوًا
الجزء 1 · صفحة 271
مسألة: [موت ما ليس له نفس سائلة لا يفسد الماء]
قال أبو جعفر: (وما مات في الماء القليل مما ليست له نفس سائلة، كالزنابير ونحوها: لم يفسد ذلك الماء بموته).
وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم: فامقلوه فيه",
وقد يقع الذباب حيًا وميتًا، وقد أمر بمقلهما جميعًا، ومعلوم أنه لم يأمن بتنحيس الماء بمقلة فيه، فصار ذلك أصلًا في أن كل ما لا دم له: لم يفسد الماء موته فيه.
فإن قيل: إنما أراد به الذباب الحي؛ لأنه قال: "في إحدى جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يقدم الذي فيه الداء".
قيل له: لا يمتنع أن يكون اللف الأول عامًا في الجميع، وأن المعطوف عليه بعض ما دخل في عموم اللفظ، وله نظائر كثيرة قد بيناها في مواضع.
وعلى أنه لو كان المراد الحي، كانت دلالة الخبر قائمة فيما وصفناه؛ لأنه قد يكون في الإناء مرق حار، وماء حار، ومقله فيه يقتله، ولم يفرق بين المقل الموجب لموته، وبين ما لا يوجبه، فهو على الأمرين.
فإن قيل: إنما أمره بمقل لا يوجب الموت، كما قال الله تعالى:
الجزء 1 · صفحة 272
} وَاضْرِبُوهُنَّ {، وهو ضرب غير مبرح.
قيل له: لأن الإباحة ضربهن على وجه التأديب، فصار ضريًا غير مبرح، والمقل لأجل ما ذكر أنه يقدم الجناح الذي فيه الداء، وغمس الجميع يوجب الموت، ولا سيما في الطعام الحار.
وأيضًا: فعموم اللفظين يقتضي دخول الوجهين فيه، وخصصنا الضرب بدلالة.
وأيضًا: فمعلوم أن الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، لم يكونوا يخلون من بق، وبعوض يموت في أوانهم وحبايهم، ولم يقل أحد بإفساده الماء، مع عموم بلواهم به، فدل على أنه لا يفسد، وشهرة ذلك بينهم، كشهرة حكمهم ببقاء طهارة الماء مع وقوع الطير فيه، ومن قال بخلاف ذلك فقد خالف الإجماع.
وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال: حدثنا أحمد بن النصر بن بحر قال: حدثنا محمد بن مصفى قال: حدثنا بقية عن أبي زكريا عن سعيد مولى حمير عن بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الجزء 1 · صفحة 273
"إن كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة فماتت، ليس لها دم: فهو الحلال أكله وشربه ووضوءه".
وأيضًا: الباقلاء المطبوخ لا يخلو من ذباب يكون فيه، وقد ظهر في الأمة أكلة وبيعه من لدن السلف إلى يومنا، من غير نكير من أحد من العلماء على أكله، فصار ذلك إجماعاً منهم على طهارته.
وكذلك الخل لا يعرى عن دودة تموت فيه، ولم يمتنع أحد من أجل ذلك من أكله.
فإن قيل: قال الله تعالى:} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ {، وهو عام في الذباب وغيره.
قيل له: إنما تناول ذلك عين الميتة، فأما ما جاورها فليس بميتة، فلم يتناوله اللفظ.
مسألة: [موت السمك والجراد لا يفسد الماء].
قال أبو جعفر: (وما وقع فيه من حوت لم يطف قبل ذلك في بحر،
الجزء 1 · صفحة 274
أو من جردة ميتة لم يفسده).
قال أبو بكر أحمد: قوله: "من حوت لم يطف قبل ذلك": لا يعتبره أصحابنا، لن الطافي عندهم لو وقع في إناء لم يفسده، وكونه غير مأكول عندنا: لا يوجب تنحسيه؛ لأنه مما يعيش في الماء، كالسرطان والضفدع ونحوهما.
* وأما الجرادة فهي مأكولة، وهي مما لا دم لها: فلا يفسد الماء والأصل في أن ما يعيش في الماء لا يفسده موته فيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتة"، اقتضى ظاهره معنيين.
أحدهما: إباحة أكله.
والثاني: أنه لا ينجس ما مات فيه.
وقد قامت الدلالة على حظر أكل ما عدا السمك مما يعيش في الماء وبقيت دلالة اللفظ في طهارة ما مات فيه.
وأيضًا: الناس في حيوان الماء على قولين:
منهم من يبيح أكله وإن مات فيه، ومنهم من يقول: لا يؤكل، ولا يفسد الماء، فقد حصل من اتفاق الجميع أن موته فيه لا