الأَصْلُ
للإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنْ الشَّيْبَانِيِّ
(189 هـ - 805 م)
تحقيق وَدرَاسَة
الدكتور محمَّد بوينوكالن
المُقَدِّمَة
إصَدارَات
وَزَارَة الأَوقاف وَالشّؤون الإسْلامية
إدارَة الشّؤون الإسْلامية
دَولة قَطَر
جارٍ تحميل الكتاب…
الأَصْلُ
للإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنْ الشَّيْبَانِيِّ
(189 هـ - 805 م)
تحقيق وَدرَاسَة
الدكتور محمَّد بوينوكالن
المُقَدِّمَة
إصَدارَات
وَزَارَة الأَوقاف وَالشّؤون الإسْلامية
إدارَة الشّؤون الإسْلامية
دَولة قَطَر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
طبعه خاصة
بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعَة الأولى
1433 هـ - 2012 م
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص - ب 6366/ 14
هاتف وفاكس: 701974 - 300227 (009611)
البريد الإلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة كتاب الأصل
للإمام محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله-.
الحمد لله حمداً يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن علماء الإسلام قد خلفوا لنا تراثا علمياً ضخماً، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطاً لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطاً من تراث علماء الإسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلاً عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره.
وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث - لتحمد الله سبحانه وتعالى على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة
تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتداداً لتلك الجهود وسيراً على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة، ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وفي علم الرسم أصدرت كتاب (مرسوم المصحف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديد متميز للمحرر الوجيز لابن عطية مقابلاً على نسخ خطية عدة.
وفي السُّنة أصدرت الوزارة كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن) و (حاشية مسند الإمام أحمد للإمام السندي)، و (شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني)، و (شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي)، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار للبدر العيني) إضافة إلى صحيح ابن خزيمة بتحقيقه الجديد المُتقن.
وأخيرا صدر عن الوزارة كتاب: (التقاسيم والأنواع) للإمام ابن حبان وكذا (مطالع الأنوار)، لابن قرقول، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها.
وفي الفقه أصدرت الوزارة: (نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني) الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبد العظيم الديب - رحمه الله تعالى - وكتاب (الأوسط لابن المنذر) بمراجعة دقيقة للدكتور عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب (التبصرة) للخمي، وحاشية الخلوتي في الفقه الحنبلي، وكتاب الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان الفاسي، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.
وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية (جامع الآثار لابن ناصر الدين الدمشقي).
وفي معتقد أهل السنة والجماعة أصدرت الوزارة كتاباً نفيساً لطيفاً هو كتاب (الاعتقاد لابن العطار) صاحب الإمام النووي -رحمهما الله-.
ولم تغفل الوزارة عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجت (القيمة الاقتصادية للزمن) و (نوازل الإنجاب) وفي الطريق - بإذن الله تعالى - ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في الكتاب والسنة، والنوازل والمستجدات.
ويسرنا أن نقدم اليوم كتاباً نفيساً من تراث الأمة الفقهي، وهو (كتاب الأصل) للإمام أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - المتوفَّى سنة 189. والذي يُعد مصدراً أساسياً من مصادر المذهب الحنفي، فمؤلفه يروي عن الإمام أبي حنيفة وعن صاحبه الآخر أبي يوسف مباشرة، ويجتهد اجتهاد الضليع في الفقه، السابر لأغواره، مع وضوح العبارة وبعدها عن التعقيد.
وقد ظل هذا المرجع النفيس حبيس خزائن المخطوطات قرونا متطاولة، حتى هيأ الله جل وعلا له من أهل الدراية بالفن من يقوم بتحقيقه، ثم تشرفت الوزارة بإخراجه للأمة في حلة قشيبة تليق به، إسهاماً في الحفاظ على تراث هذه الأمة، ورفد المكتبة الفقهية بمرجع أصيل. فالحمد لله على توفيقه، ونسأله المزيد من فضله.
المقدمة
التعريف بكتاب الأصل ودراسته من الناحية الأصولية
الإهداء
إلى والدي الكريم الذي ربَّانا على حب العلم والعمل به وضحَّى بالكثير من أجل ذلك، متَّعه الله بالصحة والعافية،
وإلى والدتي الكريمة التي كانت خير عون له ولنا طوال عمرها، رحمها الله ورفع درجتها في أعلى الجنان،
أهدي عملي هذا داعياً المولى أن يتقبله وينفع به طلاب العلم في كل مكان.
تقديم
إن الفقه الإسلامي فقه أصيل نشأ على يد الفقهاء المسلمين بعوامل داخلية، في الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كان يعيش فيها أعلام الفقه الإسلامي. لا شك أن المنابع الأصلية لهذا الفقه هي الكتاب والسنَّة في الدرجة الأولى، ثم فهم وتطبيق الصحابة والقرون الأولى التي عايشت تلك الأجواء وكانت قريبة العهد بالوحي. وكما هو الحال في تطور جميع العلوم فإن علم الفقه قد تطور ونما تدريجياً، وظهرت له مدارس واتجاهات مختلفة في القرن الثاني الهجري. فكان في الحجاز مدرسة أهل الحديث وعلى رأسها الإمام مالك بن أنس، وكان في العراق مدرسة أهل الرأي وعلى رأسها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وكان هناك أئمة غيرهم يميل بعضهم إلى هذه المدرسة وبعضهم إلى تلك.
لقد كان الفقهاء المسلمون يعيشون في بلاد مختلفة، ويواجهون مجتمعات شتى لها خلفيات تاريخية واقتصادية واجتماعية متنوعة. فكانت اجتهاداتهم تختلف تبعاً للظروف التي يعيشونها مع اعتمادهم على نفس المصادر في الأساس. وبالإضافة إلى ذلك فإن العقل البشري يختلف في تفسير النصوص وتطبيقها حتى داخل المجتمع الواحد تبعاً لاختلاف المناهج وطرق الفهم والاستنباط. وهذا أمر مسلَّم لكل من اشتغل بالفقه والقانون. حتى إنه من الممكن رؤية كثير من القُضاة يختلفون في تفسير نص من نصوص القانون، وهم يعملون في محكمة واحدة وأمام قضية واحدة.
والذي ينتظر من الفقه والقانون في الأساس هو تأمين العدالة
والاستقرار في المجتمع وتغطية احتياجات الناس المختلفة مع الحفاظ على التوازن بين فئات المجتمع. وقد كان الفقه الإسلامي بمدارسه المختلفة في حيز التطبيق كلياً أو جزئياً في المجتمعات الإسلامية ابتداءً من العصور الأولى للإسلام إلى يومنا هذا بدون انقطاع. نعم، كانت هناك فترات صعبة مر بها الفقه الإسلامي في مواجهة الظروف التاريخية والاجتماعية، لكن ظل هذا الفقه يوجه حياة المسلمين على وجه العموم في مختلف مجالات حياتهم، سواء في مسائل العبادات أو مسائل الحلال والحرام أو المعاملات أو غير ذلك. وإن من أهم الأسباب التي جعلت الفقه الإسلامي يعيش طوال هذه القرون هو إيمان المسلمين بأن أساس هذا الفقه هو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن الكريم والسنَّة النبوية الكريمة، وبأن اتباعهم لأحكام هذا الفقه هو اتباع للإرادة الإلهية التي خلقتهم وجعلت هذه الحياة مسرحاً لاختبارهم، وأن ما يعمله الإنسان من الخير والشر سيحاسب عليه في الحياة الأخرى.
لقد استطاع الفقه الإسلامي بمدارسه المتنوعة الغنية وبتراثه الزاخر الذي يعتبر مفخرة من مفاخر المسلمين والبشرية جميعاً أن يحافظ على حيويته على مدار العصور والأمكنة؛ لكن الفقه الإسلامي يواجه اليوم مشاكل داخلية وخارجية تحد من فهمه فهماً صحيحاً ومن تطبيقه تطبيقاً مثالياً لأسباب كثيرة ليس محل إيضاحها هاهنا. وإن دراسة تاريخ الفقه الإسلامي وكيفية نشأته وتطوره سيبين لنا كيف استطاع علماؤنا الأوائل تطوير هذا الفقه بآليات عقلية مثل القياس والاستحسان وغيرهما بما جعله يتناسب مع احتياجات زمانهم دون أن يقطعوا علاقتهم مع منابع هذا الفقه من الوحي الإلهي ويولوه ظهورهم.
لقد قام علماء وفقهاء المسلمين وغيرهم بدراسة جوانب كثيرة من الفقه الإسلامي تاريخاً وحاضراً، وأثبتوا أن هذا الفقه لا يزال قادراً على مواجهة مسائل المجتمعات المختلفة في العالم. لكن مما يؤسف له أن عناية المسلمين بتراثهم لا يزال غير كاف. ومن أهم الأدلة على ذلك أن كثيراً من الكتب الفقهية المؤسسة لعلم الفقه عند المسلمين لم يطبع بعد، أو طبع
ناقصاً، أو طبع طبعة سقيمة بدون تحقيق علمي يليق بقدره. ومن تلك الكتب كتاب الأصل للإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت. 189)، والذي يعتبر أول كتاب فقهي واسع يشتمل على المسائل الفقهية التي وضعها الإمام أبو حنيفة والإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن. وقد طبع بعض هذا الكتاب، لكن ذلك لا يبلغ إلا ربع الكتاب. فلم يطبع كتاب الأصل كاملاً إلى يومنا هذا مع أهميته في تأسيس الفقه الإسلامي. وقد كانت تساورني فكرة تحقيق كتاب الأصل بأكمله منذ زمن طويل؛ إلا أن حجم الكتاب كان عاملاً مهماً يعوقني عن البدء في تنفيذ ذلك الأمل. ثم قررت أن أبدأ في تحقيق الكتاب وأن أسير فيه قدر المستطاع وإن لم أتفرغ لذلك، وقد استغرق عملي فيه قرابة عشرة أعوام. وإني إذ أقدم كتاب الأصل للإمام محمد بن الحسن الشيباني الذي يعتبر من أهم كتب الفقه الإسلامي المؤسِّسة له والواضعة لقواعده والذي طال انتظار الباحثين لرؤيته مطبوعاً كاملاً إلى عالم المعرفة آمل أن يسد ذلك ثغرة في هذا المجال، وأن تتوالى عليه الدراسات والبحوث من أهل الخبرة في جوانبه المختلفة. ولا يسعني إلا أن أشكر كل من ساهم في نشر هذا الكتاب القيم سواء كان ذلك في الحصول على مخطوطاته أو إبداء فكرة استفدت منها في تحقيق الكتاب، وأخص منهم بالذكر أخي الكبير الشقيق الدكتور أرطغرل بوينوكالن، وأستاذي الفاضل الأستاذ الدكتور إبراهيم كافي دونمز، وأستاذي العلامة مفتي الديار المصرية علي جمعة، ومدير مكتبة السليمانية في اسطنبول سابقاً الدكتور نوزاد قايا، جزاهم الله عني كل خير. والحمد لله أولاً وآخراً، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
إسطنبول
9/ 4/ 2011
مدخل ترجمة الإمام محمد بن الحسن الشيباني
1 - اسمه ونسبه وأسرته
هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني الكوفي. وكان أبوه الحسن بن فرقد من جند الشام، فقدم واسط، فولد له بها محمد (¬1). ونسب إلى بني شيبان لأنه كان مولى لهم (¬2). وهذا يدل على أنه ليس عربي الأصل. ذكر بعضهم أن أصله من أهل الجزيرة (¬3). بينما يذكر آخرون أن أصله من قرية على باب دمشق في وسط الغَوْطَة اسمها حَرَسْتَى (¬4). ونسب إلى الكوفة لأنه نشأ بها ودرس على الإمام أبي حنيفة الفقه فيها كما تلقى عن غيره من أعلام الكوفة وعلمائها. وذكره خليفة بن خياط قائلاً: محمد بن الحسن القاضي (¬5) مما يدل على اشتهاره بالقضاء أيضاً حيث تولى القضاء على عهد هارون الرشيد كما سيأتي.
¬
(¬1) الطبقات الكبرى، 7/ 336 ة وتعجيل المنفعة، 361.
(¬2) الطبقات الكبرى، 7/ 336.
(¬3) الطبقات الكبرى، 7/ 336.
(¬4) الجرح والتعديل، 7/ 227؛ وتاريخ بغداد، 2/ 172؛ ووفيات الأعيان، 4/ 184، 185؛ والجواهر المضية، 1/ 526.
(¬5) تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: أكرم ضياء العمري، دار القلم - مؤسسة الرسالة، دمشق - بيروت، 458، 1397؛ تاريخ بغداد، 2/ 181.
وكان محمد بن الحسن ابن خالة الفراء (ت. 257) اللغوي المشهور (¬1)، وكان أيضاً ابن أخت عبد الله بن مسلمة القَعْنَبي (ت. 221) من رواة الموطأ عن الإمام مالك (¬2).
وله ابن لا نعرف اسمه، ولعله كان له اشتغال بالفقه، لكنه لم يشتهر. فقد روي أنه سأل ابن محمد بن الحسن أبا سليمان الجوزجاني عن مسألة، فقال أبو سليمان: أما في قول أبي حنيفة وأبيك ... (¬3).
2 - مولده
قدم أبوه العراق، فولد محمد بواسط (¬4)، سنة اثنتين وثلاثين ومائة (¬5). وقيل: مولده سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: إحدى وثلاثين ومائة (¬6).
3 - نشأته وطلبه للعلم
نشأ بالكوفة (¬7)، وطلب الحديث وسمع سماعاً كثيراً (¬8). ويظهر أن أباه كان حريصاً على طلبه للعلم مع أنه كان جندياً. فقد ذكر السمعاني أن أباه قدم به إلى الإمام أبي حنيفة (¬9). وتفقه محمد بن الحسن بالكوفة، حيث لازم أبا حنيفة وحمل عنه الفقه والحديث (¬10). وقد توفي الإمام أبو حنيفة وعمر محمد بن الحسن ثمانية عشر عاماً على الرواية المشهورة في أن مولده سنة 132.
¬
(¬1) تاريخ بغداد، 14/ 152؛ ووفيات الأعيان، 4/ 185، 6/ 179.
(¬2) الجواهر المضية، 2/ 42.
(¬3) فتح القدير، 7/ 367.
(¬4) الجرح والتعديل، 7/ 227؛ وتاريخ بغداد، 2/ 172؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 134؛ والجواهر المضية، 2/ 42.
(¬5) الطبقات الكبرى، 7/ 336؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬6) وفيات الأعيان، 4/ 185.
(¬7) الجرح والتعديل، 7/ 227؛ وتاريخ بغداد، 2/ 172؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 134؛ والجواهر المضية، 1/ 526.
(¬8) الطبقات الكبرى، 7/ 336.
(¬9) الجواهر المضية، 1/ 526.
(¬10) تعجيل المنفعة، 361.
ويظهر أن والد محمد بن الحسن كان ميسور الحال نوعاً ما. فقد ترك للإمام ثروة أعانته على طلب العلم. قال محمد بن الحسن: "ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفاً على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفاً على الحديث والفقه" (¬1).
وسافر الإمام في طلب العلم إلى الشام والحجاز (¬2).
4 - شيوخه ومن روى عنهم
لقد تتلمذ الإمام محمد على كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين وغيرهم. فمنهم مِسْعَر بن كِدَام، ومالك بن مِغْوَل، وعمر بن ذر، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومحل الضبي، وبكر بن ماعز، وأبي حرّة، وعيسى الخياط، وزمعة بن صالح، وبكير بن عامر، وإبراهيم الخوزي، ومحمد بن أبان، وقيس بن الربيع، والقاسم بن معن (¬3). نخص بالذكر من بينهم أهم مشايخه الذين أثروا على تكوين عقليته الفقهية ومسيرته العلمية:
أ - الامام أبو حنيفة (ت. 150)
ومن المشهور الذي لا شك فيه أنه جالس أبا حنيفة وسمع منه (¬4). لكن ابن حبان يقول: صحب النعمان وهو أبو حنيفة أياماً يسيرة، يروي عن النعمان بن ثابت وعن يعقوب بن إبراهيم، وسمع من يعقوب عن النعمان أكثر ما يقول عليه (¬5). ومن الظاهر أن مثل هذا الكلام فيه تحامل شديد لا يليق بأهل العلم فضلاً عن علماء الحديث الذين ينبغي أن يكونوا في منتهى
¬
(¬1) تاريخ بغداد، 2/ 173؛ والجواهر المضية، 1/ 529.
(¬2) تعجيل المنفعة، 361.
(¬3) الطبقات الكبرى، 7/ 336؛ والجرح والتعديل، 7/ 227؛ وتاريخ بغداد، 2/ 172؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 134؛ والجواهر المضية، 1/ 405، 526؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬4) الطبقات الكبرى، 7/ 336.
(¬5) المجروحين لابن حبان، 2/ 275 - 276.
الدقة والأمانة. إلا أن التعصب وضيق النظر قد أدى ببعض المحدثين إلى مثل هذه الأقوال. فقد ذكرت المصادر أن محمد بن الحسن حضر مجلس أبي حنيفة سنتين أو أكثر (¬1)، وأنه صحب أبا حنيفة وأخذ عنه الفقه ثم عن أبي يوسف (¬2). كما أن عمره عند وفاة أبي حنيفة كان ثمانية عشر عاماً، وهي سن تكفي لسماع الكثير من الفقه والعلم وخصوصاً للطالب النبيه.
ب - الإمام أبو يوسف (ت. 182)
وقد تقدم آنفاً أنه أتم تحصيل الفقه على أبي يوسف. وهو أمر غني عن البيان كما تراه واضحاً في كتاب الأصل أيضاً. وسيأتي مزيد بيان لذلك أثناء الكلام على كتاب الأصل. وقد سمع منه الجامع الصغير، فجمع فيه المسائل التي رواها عنه عن أبي حنيفة.
ج - الإمام مالك بن أنس (ت. 179)
قال الشافعي: "كان محمد بن الحسن يقول: سمعت من مالك سبعمائة حديث ونيفاً إلى الثمانمائة لفظاً، وكان أقام عنده ثلاث سنين أو شبيهاً بثلاث سنين" (¬3).
قال ابن حجر: "وكان مالك لا يحدث من لفظه إلا قليلاً، فلولا طول إقامة محمد عنده وتمكنه منه ما حصل له عنه هذا. وهو أحد رواة الموطأ عنه، وقد جمع حديثه عن مالك، وأورد فيه ما يخالفه فيه، وهو الموطأ المسموع من طريقه" (¬4).
وكان إذا وعد الناس أن يحدثهم عن مالك امتلأ الموضع الذي هو فيه
¬
(¬1) طبقات الفقهاء للشيرازي، 1/ 142؛ وتهذيب الأسماء، 1/ 98؛ ووفيات الأعيان، 4/ 184.
(¬2) الجواهر المضية، 2/ 42.
(¬3) الجرح والتعديل، 1/ 4 - 5؛ وحلية الأولياء، 6/ 330؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 135؛ الجواهر المضية، 2/ 42.
(¬4) تعجيل المنفعة، 361.
وكثر الناس عليه، وإذا حدث عن غير مالك لم يأته إلا النفير (¬1)؛ فقال لهم: "لو أراد أحد أن يعيبكم بأكثر مما تفعلون ما قدر عليه؛ إذا حدثتكم عن أصحابكم فإنما يأتيني النفير أعرف فيكم الكراهة، وإذا حدثتكم عن مالك امتلأ علي الموضع" (¬2).
قال مجاشع بن يوسف: "كنت بالمدينة عند مالك وهو يفتي الناس، فدخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو حَدَث، فقال: ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد؟ فقال مالك: لا يدخل الجنب المسجد. قال: فكيف يصنع وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء؟ قال: فجعل مالك يكرر: لا يدخل الجنب المسجد. فلما أكثر عليه قال له مالك: فما تقول أنت في هذا؟ قال: يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج فيغتسل. قال: من أين أنت؟ قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. فقال: ما من أهل المدينة أحد لا أعرفه يُعرف. فقال: ما أكثر من لا تعرف. ثم نهض. قالوا لمالك: هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة. فقال مالك: محمد بن الحسن كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة؟ قالوا: إنما قال: من أهل هذه، وأشار إلى الأرض. قال: هذا أشد علي من ذاك" (¬3).
وعلاقة الإمام محمد بالإمام مالك قد جعلته يسمع حديث وفقه أهل المدينة منه، وكان الطابع الغالب على هذه العلاقة التعرف على قول المخالف حتى يتسنى الرد عليه. وهو ما صنعه الإمام محمد في روايته للموطأ وفي كتابه الحجة على أهل المدينة. لكنه تأثر أيضاً ببعض أقوال أهل المدينة وأخذ بها مع محافظته على أصول فقه أهل الكوفة وعلى رأسهم أبو حنيفة. ويلاحظ أن الشافعي قد فعل نظير ذلك مع محمد بن الحسن، حيث تعلم منه فقه أهل الكوفة والعراق، لكنه لم يسلك مذهبهم، وإنما رد عليهم في كثير من المواضع؛ ومع ذلك فقد استفاد من محمد بن الحسن في
¬
(¬1) النفير والنَّفَر. عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة. انظر: مختار الصحاح، "نفر".
(¬2) الجرح والتعديل، 1/ 4 - 5؛ وحية الأولياء، 6/ 330.
(¬3) تاريخ بغداد، 2/ 174 - 175.
طريقة التفقه ووضع المسائل كما كان يعترف بالفضل له في هذا الموضوع (¬1).
5 - نشره للعلم
وقد جلس محمد بن الحسن مجلس العلماء في شبابه. فبعد أن توفي أبو حنيفة وقد كان عمره ثماني عشرة سنة، تمم دراسة الفقه على أبي يوسف كما سبق، ثم جلس للتعليم وعمره عشرون سنة.
قال إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة: "كان محمد بن الحسن له مجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة" (¬2).
ثم إنه انتقل إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، فسكن بها، واختلف إليه الناس وسمعوا منه الحديث والرأي (¬3). وصنف الكتب الكثيرة ونشر علم أبي حنيفة (¬4).
6 - تلاميذه ومن روى عنه
تتلمذ على الإمام محمد كثير من العلماء. فمن تلاميذه أبو عبيد القاسم بن سلام وهشام بن عبيد الله الرازي وأبو سليمان الجوزجاني وأبو حفص الكبير أحمد بن حفص البخاري وداود بن رشيد وغيرهم كثير (¬5). ومن أشهر من أخذ عنه العلم مرتبين حسب تاريخ الوفاة:
أ - الأمام الشافعي (ت. 204)
وقد كان الشافعي مقدراً لما أخذ عن محمد بن الحسن من الفقه والعلم. قال الشافعي: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير كتباً" (¬6). وفي
¬
(¬1) تاريخ بغداد، 2/ 176.
(¬2) تاريخ بغداد، 2/ 174.
(¬3) الطبقات الكبرى، 7/ 336؛ وتاريخ بغداد، 2/ 172.
(¬4) طبقات الفقهاء، 1/ 142.
(¬5) الجواهر المضية، 1/ 237؛ وتعجيل المنفعة، 361. وتأتي ترجمة الجوزجاني وأبي حفص وهشام الرازي وداود بن رشيد بين رواة كتاب الأصل.
(¬6) تاريخ بغداد، 2/ 176؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 135؛ وتعجيل المنفعة، 361.
رواية: "سمعت عن محمد بن الحسن وقر بعير" (¬1). وقال الشافعي: "أَمَنُّ الناس عليّ في الفقه محمد بن الحسن" (¬2).
كما كان محمد بن الحسن مقدراً للشافعي وذكائه وحرصه على العلم، فكان يخلو به، ولا يبخل عليه بوقته وعلمه. قال أبو حسان الزيادي (¬3): "ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل العلم إعظامه للشافعي، ولقد جاءه يوماً فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحد عليه" (¬4).
وروى الربيع بن سليمان قال: "كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبه لينسخها، فأخرها عنه، فكتب إليه:
قولوا لمن لم تَرَ عَيْـ ... نَا من رآه مثله
ومن كأنّ من رآ ... هـ قد رأى من قبله
العلم ينهى أهله ... أن يمنعوه أهله
لعله يبذله ... لأهله لعله
فأنفذ إليه الكتب من وقته (¬5).
وكان الإمام محمد يهدي إلى الإمام الشافعي ما ينفقه على نفسه. قال أبو عبيد: "رأيت الشافعي عند محمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين ديناراً، وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهماً، وقال: إن اشتهيت العلم فالزم. ولما أعطاه محمد قال له: لا تحتشم، فقال الشافعي: لو كنت عندي ممن أحتشمك ما قبلت برك" (¬6).
¬
(¬1) الجواهر المضية، 2/ 43.
(¬2) تاريخ بغداد، 2/ 176.
(¬3) وقال النووي: أبو حسان الرازي. انظر: تهذيب الأسماء، 1/ 79.
(¬4) طبقات الفقهاء للشيرازي، 1/ 61؛ وتهذيب الأسماء، 1/ 79.
(¬5) طبقات الفقهاء، 1/ 142، والتقرير والتحبير، 1/ 159؛ ومرقاة المفاتيح، 1/ 77.
(¬6) سير أعلام النبلاء، 10/ 14.
ومع هذا فإن الإمام الشافعي لم يتبع مذهب أهل الرأي، لكنه قد استفاد من الإمام محمد كثيراً، وقدّر ذلك، مثل ما فعل الإمام محمد مع الإمام مالك، حيث استفاد منه، لكن لم يتبع مذهبه. وهناك باب في كتاب الأم للإمام الشافعي سماه "الرد على محمد بن الحسن" (¬1). كما أن لمحمد بن الحسن كتاب الحجة على أهل المدينة.
ب - شعيب بن سليمان الكيساني الكوفي (ت. 204)
من أصحاب محمد وأبي يوسف. قدم مصر ومات بها (¬2). وروى عن محمد مسائل نوادر (¬3).
ج - معلى بن منصور الرازي (ت. 211)
محدث ثقة حافظ، وفقيه من أهل الرأي. روى الكتب والأمالي والنوادر عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وكان رفيقاً لأبي سليمان الجوزجاني في الرواية، ولكنه كان أصغر سناً منه. وروى الحديث عن مالك والليث بن سعد وغيرهما؛ وروى عنه علي بن المديني والبخاري وغيرهما. وأخرج حديثه الستة. وقد سكن بغداد. وطلبه المأمون للقضاء فأبى (¬4).
د - إبراهيم بن رستم، أبو بكر المروزي (ت. 211)
كان يذكر بفقه وعبادة. كان أولاً من أصحاب الحديث، ثم خرج الى محمد بن الحسن فكتب كتبهم (¬5)، فاختلف الناس إليه، وعُرض عليه القضاء فلم يقبله، فقرّبه المأمون. وقد وثقه يحيى بن معين، وتكلم فيه بعض المحدثين بسبب الرأي (¬6).
¬
(¬1) الأم (تحقيق رفعت فوزي)، 9/ 85 - 169.
(¬2) الجواهر المضية، 1/ 257 - 258.
(¬3) انظر مثلاً: شرح معاني الآثار، 3/ 218، 4/ 4، 77.
(¬4) الجرح والتعديل، 8/ 334؛ وتاريخ بغداد، 13/ 188؛ وميزان الاعتدال، 6/ 477؛ والجواهر المضية (تحقيق عبدالفتاح الحلو)، 3/ 492؛ وتهذيب التهذيب، 10/ 215.
(¬5) أي: كتب أهل الرأي.
(¬6) الجواهر المضية، 1/ 37؛ ولسان الميزان، 1/ 56 - 57.
هـ - أسد بن الفرات، أبو عبد الله الحراني ثم المغربي (ت. 213)
هو الفقيه المالكي القاضي. روى أسد عن مالك بن أنس الموطأ وعن أبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، وغلب عليه علم الرأي، وكتب علم أبي حنيفة. وقد نفدت نفقة أسد وهو عند محمد فكلم فيه الدولة فنفذوا إليه عشرة آلاف درهم (¬1). وقد أخذ أسد بن الفرات المسائل عن محمد بن الحسن ثم عرضها على ابن القاسم، فأجابه فيها على مذهب مالك، وتسمى هذه المسائل الأسدية، وقد أخذها عنه سحنون وألف المدونة التي هي أساس المذهب المالكي (¬2).
و- علي بن معبد بن شداد العبدي الرقّي (ت. 218)
نزيل مصر، من المحدثين الفقهاء. روى له الترمذي والنسائي. وروى عن محمد بن الحسن الجامع الكبير والجامع الصغير (¬3). قال علي بن معبد: "قدمت الرقّة ومحمد بن الحسن قاض عليها، فأتيت بابه فاستأذنت عليه، فحُجبت عنه، فانصرفت. فأقمت بالرقة مدة لا آتيه. فبينما أنا في يوم من الأيام في بعض طرقاتها إذ أقبل محمد بن الحسن على هيئة القضاة، فلما رآني أقبل علي واستبطأني ووكل بي من يصيرني إلى منزله. فلما جلس في منزله أدخلت عليه، فقال لي: ما الذي خلفك عني منذ قدمت، قد بلغني أنك هاهنا. فقلت: أتيت منزلك فحُجبت عنك، وإنما أتيتك كما كنت آتيك وأنت غير قاض. فساءه ذلك وغمه. فقال لي: أي حُجّابي حجبك؟ فظننت أنه يريد عقوبته، فلم أخبره. فقال لي: فإن لم تفعل فإني أنحيهم كلهم. فقلت له: إذاً تظلم من لم يحجبني. قال: فدعا بهم جميعاً وقال لهم: لا يد لكم على أبي محمد في حجبه عني. ثم التفت إلي فقال: إذا جئت إلينا فلا يكن بيني وبينك إلا الستر الذي يستر الناس عني فتنحنحْ حينئذٍ، فإن
¬
(¬1) سير أعلام النبلاء، 10/ 225، 227.
(¬2) سير أعلام النبلاء، 10/ 225، 226.
(¬3) تهذيب الكمال، 21/ 141؛ وسير أعلام النبلاء، 10/ 631؛ والجواهر المضية، 1/ 379.
كنتُ على حال يتهيأ لك الدخول فيها أذنت لك بنفسي، وإن كنت على غير ذلك أسكت، فانصرفت. فكنت آتيه بعد ذلك والناس على بابه فأتخطاهم وأتخطى حُجّابهم حتى أصل إلى ستره فأتنحنح وأسلم، فيقول: ادخل يا أبا محمد، فأدخل، أو يمسك فأنصرف" (¬1). وقد أراد المأمون أن يوليه قضاء مصر، فأبى (¬2).
ز - عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى (ت. 221)
صحب محمد بن الحسن الشيباني وتفقه به. واستخلفه يحيى بن أكثم على القضاء بعسكر المهدي. ثم تولى عيسى القضاء بالبصرة فلم يزل عليه حتى مات (¬3). وقد كان عيسى بن أبان كارهاً لأهل الرأي في أول أمره. قال محمد بن سماعة: "كان عيسى بن أبان حسن الوجه، وكان يصلي معنا، وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء قوم يخالفون الحديث. وكان عيسى حسن الحفظ للحديث. فصلَّى معنا يوماً الصبح، وكان يوم مجلس محمد. فلم أفارقه حتى جلس في المجلس. فلما فرغ محمد أدنيته إليه وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول: إنا نخالف الحديث. فأقبل عليه وقال له: يا بني، ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا. فسأله يومئذٍ عن خمسة وعشرين باباً من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل. فالتفت إلي بعدما خرجنا، فقال: كان بيني وبين النور ستر فارتفع عني، ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس. ولزم محمد بن الحسن لزوماً شديداً حتى تفقه به" (¬4).
ح- يحيى بن معين (ت.233)
هو المحدث المشهور. قال ابن معين: كتبت الجامع الصغير عن
¬
(¬1) الجواهر المضية، 1/ 379 - 380.
(¬2) الجواهر المضية، 2/ 177.
(¬3) تاريخ بغداد، 1/ 157.
(¬4) تاريخ بغداد، 1/ 158.
محمد بن الحسن (¬1).
ط - محمد بن سماعة التميمي، أبو عبد الله (ت. 233)
حدث عن الليث بن سعد وأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، وكتب النوادر عن أبي يوسف ومحمد، وروى الكتب والأمالي. وهو من الحفاظ الثقات. وولاه المأمون القضاء ببغداد سنة 192 بعد وفاة يوسف بن أبي يوسف. واستعفى عن القضاء فيما بعد بسبب ضعف بصره، فأعفي. قال يحيى بن معين: "لو كان أصحاب الحديث يصدقون في الحديث كما يصدق محمد بن سماعة في الرأي لكانوا على نهاية". توفي وله مائة وثلاث سنين (¬2).
ي - فرات بن نصر، أبو جعفر الفقيه القهندزي الهروي (ت. 236)
تفقه على أبي يوسف، وروى عنه وعن محمد بن الحسن. وكان عنده عامة كتب محمد بن الحسن سمعها منه (¬3).
ك - إسماعيل بن توبة، أبو سهل الثقفي القزويني (ت. 247)
هو من المحدثين الفقهاء. ارتحل إلى الحجاز والعراق. روى السير الكبير عن محمد بن الحسن مع أبي سليمان الجوزجاني، لم يروه عنه غيرهما. وكان الإمام محمد يؤدب أولاد الخليفة، فكان إسماعيل بن توبة يحضر معهم لسماع السير على محمد، فاتفق أنه لم يبق من الرواة غيره وغير أبي سليمان. انتقل من الري إلى قزوين، ومات بها (¬4).
7 - صفاته الخلقية والخلقية
كان الإمام محمد بن الحسن سميناً، لكنه كان مع ذلك ذكياً خفيف
¬
(¬1) تاريخ بغداد، 2/ 176؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 136؛ والجواهر المضية، 2/ 43؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬2) تهذيب الكمال، 25/ 317 - 319؛ والجواهر المضية، 2/ 85؛ وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال، 339.
(¬3) الجواهر المضية، 1/ 405.
(¬4) الإرشاد للخليلي، 2/ 702 - 704؛ والجواهر المضية، 1/ 147.
الروح. قال الشافعي: "ما رأيت سميناً أخف روحاً من محمد بن الحسن" (¬1).
وكان الشافعي يقول: "ما ناظرت سميناً أذكى منه" (¬2). قال الذهبي: "وكان مع تبحره في الفقه يضرب بذكائه المثل" (¬3). وقال الشافعي: "ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن" (¬4).
وكان الإمام يحب المناظرة وكان واسع الصدر أمام الأسئلة التي توجه إليه، لا يغضب ولا يتغير. قال الشافعي: "ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن" (¬5). وقال الشافعي: "ما رأيت أحدأ يُسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت في وجهه الكراهة إلا محمد بن الحسن" (¬6).
وكان قد وكل أموره المالية إلى وكيل له حتى يتفرغ للعلم. قال محمد بن سماعة: "قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي" (¬7).
وكان محافظاً على وقار العلماء وجريئاً في وجه الملوك لا يتنازل عن الحق. قال أبو عبيد: "كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل هارون الرشيد، فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم. ثم أُذن بالدخول على الرشيد، فدخل محمد بن الحسن فجزع أصحابه له، ثم خرج طيب النفس مسروراً، فقال: قال لي: ما لك لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهتُ أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهّلتني للعلم، فكرهتُ أن أخرج منه إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه، وإن ابن عمك - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار" (¬8)، وإنه إنما أراد بذلك
¬
(¬1) تاريخ بغداد، 2/ 175؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬2) سير أعلام النبلاء، 9/ 135.
(¬3) سير أعلام النبلاء، 9/ 135.
(¬4) تاريخ بغداد، 2/ 175.
(¬5) تاريخ بغداد، 2/ 177.
(¬6) طبقات الفقهاء، 1/ 142.
(¬7) تاريخ بغداد، 2/ 176 - 177؛ والجواهر المضية، 1/ 528.
(¬8) رواه الترمذي بلفظ: "مَن سره أن يتمثل ... ". انظر: سنن الترمذي، الأدب، 23.
العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنَّة التي عنكم أُخذت، فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد. ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصّروا أبناءهم، وقد نصّروا أبناءهم وحلّت بذلك دماؤهم، فما ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك، وقد نصّروا أبناءهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك (¬1)، وكان من العلم ما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنَّة، فهذا صلح من الخلفاء بعده، ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفتُ لك العلم، ورأيك أعلى. قال: لَكِنّا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة، فكان يشاور في أمره ثم يأتيه جبريل -عليه السلام- بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاّه الله أمرك، ومُرْ أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرّقه على أصحابك. فخرج له مال كثير ففرّقه" (¬2).
وفي سنة 176 ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (¬3) بالديلم واشتدت شوكته، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفاً، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجِلّة بني هاشم ومشايخهم، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف. فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير وأنزله منزلاً سَرِياً. ثم إن الرشيد حبسه فمات في الحبس. وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن وعلى أبي البَخْتَرِي القاضي (ت. 200) (¬4)، فقال محمد: "الأمان صحيح". فحاجّه
¬
(¬1) أي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(¬2) تاريخ بغداد، 2/ 173 - 174.
(¬3) هو من الطالبيين الذين خرجوا على العباسيين، وقد رباه جعفر الصادق، وتفقه عنده. دعا إلى نفسه في بلاد الديلم، ثم صالح الرشيد بأمان، وقدم بغداد، ثم حبسه الرشيد إلى أن مات. انظر: الأعلام للزركلي، 8/ 154.
(¬4) هو وهب بن وهب القرشي المدني، ولاه هارون الرشيد قضاء عسكر المهدي أي شرقي بغداد، ثم قضاء المدينة، ثم عزل ورجع إلى بغداد وتوفي بها. وهو ضعيف عند المحدثين. انظر: الأعلام للزركلي، 8/ 126.
الرشيد وأغلظ له الكلام، لكن لم يرجع محمد عن فتواه. وقال أبو البَخْتَرِي: "هذا أمان منتقض من وجه كذا". فمزقه الرشيد (¬1).
وكان محمد بن الحسن يتفقد طلاب العلم ويواسيهم بالنفقة مثل أستاذه أبي حنيفة. قال أبو عبيد: "رأيت الشافعي عند محمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين ديناراً وقد كان قبل ذلك دفع إليه خمسين درهماً وقال: إن اشتهيت العلم فالزم" (¬2). وقد نفدت نفقة أسد بن الفرات وهو عند محمد فكلم فيه مسؤولي الدولة فنفذوا إليه عشرة آلاف درهم (¬3).
وكان الإمام محمد متواضعاً لأهل العلم حتى لطلابه، وحريصاً على العلم، فيستفيد من طلبته ولا يرى في ذلك غضاضة على نفسه. قال أبو سليمان الجوزجاني: "سمعت ابن المبارك يقول: سألت أبا حنيفة - رضي الله عنه - عن الرجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر لذي قرابته، فحدثت بهذا محمد بن الحسن، فقال: هذا حسن، وهذا قول أبي حنيفة، وليس لنا في هذا سماع عن أبي حنيفة. قال أبو سليمان: فكتبه عني محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة" (¬4).
8 - مذهبه في العقائد
طعن فيه بعض المحدثين بأنه كان جهمياً مرجئاً يقول بخلق القرآن (¬5).
لكن مذهب محمد بن الحسن في العقائد معروف مثل مذهب أبي حنيفة
¬
(¬1) أخبار أبي حنيفة للصيمري، 130 - 131؛ والكامل لابن الأثير، 5/ 291؛ والنجوم الزاهرة، 2/ 63.
(¬2) سير أعلام النبلاء، 10/ 14.
(¬3) سير أعلام النبلاء، 10/ 225 - 227.
(¬4) الجواهر المضية، 1/ 282.
(¬5) الضعفاء للعقيلي، 4/ 52، 54؛ والمجروحين لابن حبان، 2/ 276. وتاريخ بغداد، 2/ 179؛ وتعجيل المنفعة، 361.
وأبي يوسف تراه واضحاً في العقيدة الطحاوية التي يرويها الطحاوي عنهم. كما يرى ذلك في مؤلفات الإمام أبي حنيفة، الفقه الأكبر وغيره. والحامل على ذلك كله التعصب الناشئ عن عدم التروي والبحث. كان هناك بعض المنتسبين إلى الحنفية ممن يذهب إلى تلك الآراء، لكن الأئمة أنفسهم برآء من ذلك. وقد صرح بذلك أبو سليمان الجوزجاني ومعلى بن منصور الرازي حيث قالا: "ما تكلم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا زفر ولا محمد ولا أحد من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم في القرآن بشر المريسي (¬1) وابن أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة" (¬2).
9 - منزلته في العلم من خلال أقوال العلماء
قال الشافعي: "ما رأيت أفصح من محمد بن الحسن، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته" (¬3). وقال: "ولو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلت لفصاحته" (¬4). قال الشافعي: "كان محمد بن الحسن الشيباني إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل عليه لا يقدم حرفاً ولا يؤخر" (¬5). قال الربيع بن سليمان: "وقف رجل على الشافعي فسأله عن مسألة فأجابه، فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، خالفك الفقهاء. فقال له الشافعي: وهل رأيت فقيهاً قط اللَّهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن، فإنه كان يملأ العين والقلب، وما رأيت مبدناً قط أذكى من محمد بن الحسن" (¬6).
¬
(¬1) هو بشر بن غياث المريسي البغدادي المعتزلي، من تلامذة أبي يوسف، فقيه متكلم، انتُقِد كثيراً بسبب دخوله في الكلام، وله أقوال في المذهب الحنفي. انظر: القرشي، الجواهر المضية، 1/ 447 - 450.
(¬2) تاريخ بغداد، 13/ 383.
(¬3) تاريخ بغداد، 2/ 175؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬4) تاريخ بغداد، 2/ 175؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 135.
(¬5) تاريخ بغداد، 2/ 176.
(¬6) تاريخ بغداد، 2/ 176.
قال ابن سعد: "ونظر في الرأي فغلب عليه وعرف به ونفذ فيه" (¬1).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن" (¬2).
قال جعفر بن ياسين: "كنت عند المزني، فوقف عليه رجل فسأله عن أهل العراق، فقال له: ما تقول في أبي حنيفة؟ قال: سيدهم، قال: فأبو يوسف؟ قال: أتبعهم للحديث، قال: فمحمد بن الحسن؟ قال: أكثرهم تفريعاً، قال: فزفر؟ قال: أحدّهم قياساً" (¬3).
قال أبو علي الحسن بن داود: "فخر أهل البصرة بأربعة كتب، منها كتاب البيان والتبيين للجاحظ وكتاب الحيوان له وكتاب سيبويه وكتاب الخليل في العين، ونحن نفتخر بسبعة وعشرين ألف مسألة في الحلال والحرام عملها رجل من أهل الكوفة يقال له: محمد بن الحسن قياسية عقلية لا يسع الناس جهلها، وكتاب الفراء في المعاني ... " (¬4)
قال الذهبي: "العلامة فقيه العراق" (¬5).
قال القرشي: "وكان أيضاً مقدماً في علم العربية والنحو والحساب والفطنة" (¬6).
قال ابن حجر العسقلاني: "وكان الشافعي يعظمه في العلم، وكذلك أحمد بن حنبل" (¬7).
¬
(¬1) الطبقات الكبرى، 7/ 336.
(¬2) تاريخ بغداد، 2/ 175؛ والجواهر المضية، 2/ 43.
(¬3) تاريخ بغداد، 2/ 176.
(¬4) تاريخ بغداد، 2/ 177.
(¬5) سير أعلام النبلاء، 9/ 64.
(¬6) الجواهر المضية، 2/ 44.
(¬7) تعجيل المنفعة، 361.
10 - منزلته في الحديث
طعن في الإمام محمد بعض المحدثين كما طعنوا في أستاذه أبي حنيفة وأصحابه، ووثقه بعضهم مثل علي بن المديني الذي يلقب بأمير المؤمنين في الحديث، وقال الدارقطني: "هو لا يستحق الترك" (¬1). وروى عنه الإمام الشافعي في كتاب الأم (¬2). وتقدم ثناء الشافعي وغيره من العلماء عليه قريباً.
على أنه من الواضح أن سبب الطعن هو التعصب على أهل الرأي، فإنك ترى بين كلام بعض المحدثين في تضعيفه أنه من أهل الرأي وأنه جهمي وأنه مرجئ وأنه ليس بأهل لأن يروى عنه بهذه الأسباب. وترى بعض المحدثين يذكرون أنه يخطئ كثيراً ويهم في الأحاديث التي يرويها. وهذا أمر مبالغ فيه. والذي دفع بعضهم إلى هذا هو أن الإمام محمد بن الحسن فقيه في الدرجة الأولى، وعنايته بالحديث والرواية منصبة على أحاديث الأحكام، فاهتمامه متوجه إلى الاحتجاج بالحديث وفهم معناه والفقه الذي يستنبط منه أكثر من رواية الحديث والاهتمام بألفاظه وتعداد أسانيده وما إلى ذلك. فلم يكن الإمام ممن يجلس للتحديث ويصرف جل سعيه في رواية الحديث، وإنما هو فقيه ثم محدث. ولكن ذلك لا يمنع من صحة حديثه وكونه ثقة حافظاً للحديث أيضاً. فالأمر يرجع إلى الاختصاص بعلم وتكثيف جهده فيه أكثر من علم آخر.
حتى إنك لترى الأمر الذي ينبغي أن يحمد عليه يتحول إلى أمر يذم عليه. قال عبد الرحمن بن مهدي: "دخلت على محمد بن الحسن صاحب الرأي، فرأيت عنده كتاباً موضوعاً فأخذته ونظرت فيه، فإذا هو قد أخطأ وقاس على الخطأ. قال: قلت: ما هذا؟ قال: هذا حديث أبي خَلْدَة عن أبي العالية في الدود يخرج من الدبر. وقد تأوله على غير تأويله وقاس عليه.
¬
(¬1) انظر لأقوال أهل الحديث فيه: الجرح والتعديل، 7/ 227؛ والضعفاء للعقيلي، 4/ 52 - 54؛ والمجروحين لابن حبان، 2/ 276؛ والكامل لابن عدي، 6/ 174 - 175؛ وتاريخ بغداد، 2/ 180 - 181؛ وميزان الاعتدال، 6/ 107، وتعجيل المنفعة، 361.
(¬2) الأم، 3/ 220، 6/ 185.
فقلت: هذا ليس هكذا. قال: كيف هو؟ فأخبرته. قال: صدقت. ثم جاء بالمقراض يقرض من كتابه" (¬1). فمحمد بن الحسن عالِم واسع الصدر يسمح لابن مهدي بالاطلاع على كتابه ويستمع إلى نقده العلمي ويراه في مكانه ويصحح كتابه تبعاً لما يقوله. وهذا هو التواضع للحق أينما كان ومن أين أتى.
كما أن التفرق الذي حدث بين أهل الحديث وأهل الرأي وبين أهل الحجاز وأهل العراق وأمثال ذلك قد أثر في كلام بعض المحدثين والعلماء وجعل من السهل عليهم الطعن على أهل الرأي دون التروي كثيراً في عواقب ذلك. قال محمد بن الحسن الشيباني: "كنت عند مالك، فنظر إلى أصحابه فقال: انظروا أهل المشرق فأنزلوهم بمنزلة أهل الكتاب، إذا حدثوكم فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم. ثم التفت فرآني، فكأنه استحيى، فقال: يا أبا عبد الله، أكره أن تكون غيبة، هكذا أدركت أصحابنا يقولون" (¬2).
قال الذهبي: "هذا القول من الإمام قاله لأنه لم يكن له اعتناء بأحوال بعض القوم ولا خبر تراجمهم، وهذا هو الورع. ألا تراه لما خبر حال أيوب السختياني العراقي كيف احتج به، وكذلك حميد الطويل وغير واحد ممن روى عنهم. وأهل العراق كغيرهم فيهم الثقة والحجة والصدوق والفقيه والمقرئ والعابد وفيهم الضعيف والمتروك والمتهم. وفي الصحيحين شيء كثير جداً من رواية العراقيين -رحمهم الله-. وفيهم من التابعين كمثل علقمة ومسروق وعبيدة والحسن وابن سيرين والشعبي وإبراهيم، ثم الحكم وقتادة ومنصور وأبي إسحاق وابن عون، ثم مسعر وشعبة وسفيان والحمادين وخلائق أضعافهم، رحم الله الجميع" (¬3). كما نقل عن الإمام مالك أقوال أخرى في الثناء على الإمام أبي حنيفة وعلى العراقيين. لكن المقصود أنه إذا كان هناك نوع من التحزب والافتراق فإنه يسهل على أحد الأطراف التكلم في الطرف الآخر بما لا ينبغي. وهذا أمر ينبغي أن يتفطن إليه العلماء
¬
(¬1) الضعفاء للعقيلي، 4/ 54.
(¬2) سير أعلام النبلاء، 8/ 68.
(¬3) سير أعلام النبلاء، 8/ 68 - 69.
والمحدثون خصوصاً عند توثيقهم وتضعيفهم للرجال وحكمهم على الأحاديث بالصحة والضعف.
11 - توليه القضاء
أشار أبو يوسف على هارون الرشيد بتولية محمد بن الحسن قضاء الرقة، ولم يشاوره أبو يوسف في ذلك. فأُحضر محمد بن الحسن من الكوفة وهو لا يعلم سبب إحضاره، فكان ذلك من أسباب انكسار الخاطر بينهما (¬1). فخرج إلى الرقة وهارون أمير المؤمنين بها فولاه قضاء الرقة ثم عزله (¬2). وكان سبب عزله ما سبق من إجازته لأمان يحيى بن عبد الله (¬3). ثم إن الرشيد قربه إليه مرة أخرى وولاه قضاء القضاة بعد وفاة أبي يوسف (¬4).
12 - وفاته
خرج بصحبة هارون الرشيد إلى الري، فمات بها في سنة 189 وهو ابن ثمان وخمسين سنة (¬5). ومات هو والكسائي في يوم واحد، فكان الرشيد يقول: "دفنت الفقه والنحو بالري" (¬6). وقد حدد بعضهم مكان موته أنه مات في رَنْبَوَيه قرية من قرى الري (¬7)، وفي جبل طَبَرَك (¬8)، وفي دار أحد تلاميذه هشام بن عبيد الله الرازي (¬9)، وأنه دفن في مقبرة عائلة هشام الرازي المعروفة آنذاك بالعلم والشرف (¬10). وقد دفن بعض العلماء الأحناف في القرن الخامس والسادس في مقبرة الإمام محمد بن الحسن مما يدل على وجود
¬
(¬1) بلوغ الأماني، 46.
(¬2) الطبقات الكبرى، 7/ 336؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬3) أخبار أبي حنيفة للصيمري، 126 - 127؛ وبلوغ الأماني، 51.
(¬4) سير أعلام النبلاء، 9/ 135.
(¬5) الطبقات الكبرى، 7/ 336؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬6) طبقات الفقهاء، 1/ 142؛ وتاريخ بغداد، 2/ 181؛ وتعجيل المنفعة، 361.
(¬7) وفيات الأعيان، 4/ 185.
(¬8) الجواهر المضية، 1/ 157.
(¬9) تذكرة الحفاظ، 1/ 388.
(¬10) الجواهر المضية، 2/ 205.
المقبرة في تلك القرون (¬1). لكنها غير موجودة اليوم كما أفاد ذلك الأستاذ محمد حميد الله (¬2).
وقد رثاه اليزيدي ورثى الكسائي الذي مات معه في نفس اليوم بقصيدة (¬3).
13 - آثاره العلمية
أ - كتاب الأصل
ويأتي الكلام عليه مفصلاً.
ب - الجامع الصغير
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. وقد روى محمد بن الحسن مسائل هذا الكتاب عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وألفه بطلب من أبي يوسف. فيذكر في أول كل باب: محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة. ويذكر فيه الخلاف بين هؤلاء الأئمة في بعض المواضع. وقد رتب الكتاب أبو طاهر الدباس والحسن بن أحمد الزعفراني. ويحتوي الجامع الصغير على 1532 مسألة فقهية مختصرة بدون ذكر أدلتها. وهو كتاب فقهي مختصر يحتوي على أمهات المسائل الفقهية في كل باب. وقد اعتنى به الفقهاء الأحناف كثيراً ما بين شارح وناظم (¬4). وذكر مخطوطاته ومخطوطات شروحه بروكلمان (¬5) وسزكين (¬6). وطبع الكتاب عدة طبعات غير محققة، في بولاق بهامش كتاب
¬
(¬1) الكامل لابن الأثير، 9/ 436؛ والجواهر المضية، 1/ 156 - 157، 170.
(¬2) ومدينة الري هي في طهران اليوم. وقد ذكر الأستاذ حميد الله أنه يوجد مصنع للإسمنت في تلك المنطقة اليوم. انظر:
Muhammed Hamidullah, Olumunun 1200 uncu yildonumunde Sarlman in muasiri: imam Muhammed b. el - Hasen es - Seybani (trc. Yusuf Ziya Kavakci) Islam Medeniyeti, sy. 20, Istanbul 1969, s. 7.
(¬3) تاريخ بغداد، 2/ 182.
(¬4) كشف الظنون، 1/ 561 - 564.
(¬5) تاريخ الأدب العربي، 3/ 253 - 254.
(¬6) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 67 - 71.
الخراج لأبي يوسف سنة 1302، وفي الهند في سنوات 1291، 1294، 1310، 1328. وطبع في بيروت سنة 1406/ 1986، مع مقدمة عبد الحي اللكنوي المسماة بالنافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير، وشرح اللكنوي للجامع الصغير. وقد طبع الكتاب بتحقيقنا قريباً.
ج - الجامع الكبير
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. وقد ألفه الإمام محمد تأليفاً مستقلاً من دون رواية عن أبي يوسف. وهو أكبر حجماً من الجامع الصغير. ولم يذكر في أبواب العبادات إلا مسائل قليلة، وتوسع في الأبواب الأخرى. وهو مثل الجامع الصغير من حيث خلوه عن الأدلة. وتظهر فيه ملكة المؤلف الفقهية أكثر حيث يبني مسائل كل باب على قواعد فقهية من غير أن يصرح بتلك القواعد، وقد بين الفقهاء تلك القواعد في شروحهم على الكتاب. وعليه شروح كثيرة وأعمال أخرى من الاختصار والنظم (¬1). وذكر مخطوطاته مع شروحه وغير ذلك بروكلمان (¬2) وسزكين (¬3). وطبع الكتاب بتحقيق أبو الوفا الأفغاني في الهند سنة 1356، ثم صور وطبع في بيروت.
د - السير الصغير (¬4)
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. ويغلب على الظن وجوده ضمن كتاب الأصل في النسخ التي بأيدينا. وقد طبع طبعة مستقلة بتحقيق مجيد خدوري في بيروت سنة 1975 بالاعتماد على بعض نسخ كتاب الأصل. والكتاب يحتوي على مسائل الجهاد والحرب والسلام وما يلحق بذلك مما يدخل في موضوع القانون الدولي اليوم.
¬
(¬1) كشف الظنون، 1/ 567 - 570.
(¬2) تاريخ الأدب العربي، 3/ 250 - 253.
(¬3) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 59 - 67.
(¬4) كشف الظنون، 2/ 1013.
هـ - السير الكبير
وهو أحد كتب ظاهر الرواية. وهو أوسع من السير الصغير، وموضوعه هو نفسه. ويقال: إنه آخر مؤلفات محمد بن الحسن (¬1). والكتاب موجود ممزوجاً بشرح السرخسي، وقد امتزجت مسائله مع الشرح فلم تتميز تماماً. وذكر مخطوطاته بروكلمان (¬2) وسزكين (¬3). وللكتاب شروح أخرى كشرح الحلواني والحصيري (¬4). وقد طبع مع شرح السرخسي له في حيدر آباد سنة 1335 - 1336 في أربعة أجزاء، وفي القاهرة طبعته جامعة الدول العربية بتحقيق صلاح الدين المنجد في خمسة أجزاء سنة 1971 - 1972. وكانت جامعة القاهرة طبعت الجزء الأول من الكتاب بتحقيق محمد أبو زهرة ومصطفى زيد سنة 1958، لكن لم يكتمل هذا العمل. وقد شرح محمد منيب العينتابي (ت. 1238) شرح السير الكبير للسرخسي باسم تيسير المسير في شرح السير الكبير. وترجم العينتابي المذكور شرح السير الكبير للسرخسي إلى التركية، وطبع في إسطنبول في جزءين سنة 1241. كما ترجم شرح السير الكبير للسرخسي إلى الفرنسية الأستاذ محمد حميد الله، وطبعت وقف الديانة التركي هذه الترجمة في أنقرة في أربعة أجزاء سنة 1989 - 1991.
و- الزيادات
وهو من كتب ظاهر الرواية. وقد ألفه الإمام محمد استدراكاً لما لم يذكره من المسائل في كتاب الأصل أو غيره من مؤلفاته. وأسلوبه فيه سرد المسائل كما في الجامع الصغير والجامع الكبير. ومسائل الكتاب مسائل دقيقة على شاكلة مسائل الجامع الكبير. وشرحه عدد من الفقهاء الأحناف (¬5). وذكر
¬
(¬1) كثف الظنون، 2/ 1013 - 1014.
(¬2) تاريخ الأدب العربي، 3/ 255.
(¬3) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 72 - 73.
(¬4) كشف الظنون، 2/ 1014.
(¬5) كشف الظنون، 2/ 962 - 963.
مخطوطات الكتاب وشروحه بروكلمان (¬1) وسزكين (¬2).
ز - زيادات الزيادات
وهو ملحق بالكتاب السابق من حيث المضمون كما هو واضح من اسمه. وقد شرحه السرخسي وغيره (¬3). وطبع شرح السرخسي باسم النكت بتحقيق أبو الوفا الأفغاني في حيدر آباد سنة 1378.
ح - الآثار
وهي عبارة عن الأحاديث والآثار التي يرويها الإمام محمد عن أبي حنيفة وغيره من مشايخه. ويعقب الروايات أحياناً ببيان رأي أبي حنيفة ورأيه وهل يأخذ بالأثر المروي أم لا؟ وذكر مخطوطاته بروكلمان (¬4) وسزكين (¬5). وقد طبع الكتاب في لكنو سنة 1883، وفي لاهور سنة 1309، وفي بشاور سنة 1987، وفي القاهرة سنة 2007 بتحقيق أحمد عيسى المعصراوي.
ط - الموطأ
وهو رواية محمد بن الحسن لموطأ مالك، حيث تلقى الإمام محمد الموطأ عن الإمام مالك عندما رحل إلى المدينة. وقد أضاف إلى ذلك بيان رأيه ورأي أبي حنيفة، وهل يأخذ بالحديث المروي في الباب أم لا مع رواية ما يؤيد رأيه من الحديث أو الأثر أحياناً. وهي إحدى الروايات المشهورة للموطأ. وذكر مخطوطات الكتاب وشروحه بروكلمان (¬6) وسزكين (¬7). قد طبع الكتاب عدة طبعات قديمة بالهند، وطبع في القاهرة
¬
(¬1) تاريخ الأدب العربي، 3/ 248 - 249.
(¬2) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 57 - 59.
(¬3) كشف الظنون، 2/ 963، 964؛ وتاريخ الأدب العربي، 3/ 249 - 250؛ وتاريخ العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 59.
(¬4) تاريخ الأدب العربي، 3/ 254 - 255.
(¬5) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 71.
(¬6) تاريخ الأدب العربي، 3/ 278.
(¬7) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 133.
بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف سنة 1962. وطبع مع شرحه التعليق الممجد على موطأ محمد لعبد الحي اللكنوي بتحقيق تقي الدين الندوي سنة 1412/ 1991 في بومباي / دمشق.
ي - الحجة على أهل المدينة
وهو يتضمن احتجاج الإمام محمد على أهل المدينة في آرائهم الفقهية بالأحاديث والآثار والحجج العقلية. فهو أقدم كتاب في علم الخلاف. وذكر مخطوطاته بروكلمان (¬1) وسزكين (¬2). وطبع في الهند بتحقيق مهدي حسن الكيلاني سنة 1964.
ك - كتاب الكسب
ويسمى أيضاً الاكتساب في الرزق المستطاب. وقد وصل إلينا بشرح السرخسي. ويوجد في المبسوط للسرخسي (¬3). وطبع عدة طبعات. أحسنها ما طبع بتحقيق شيخنا العلامة المرحوم عبد الفتاح أبو غدة في حلب سنة 1417/ 1997.
ل - كتاب الحيل
ويأتي الكلام عليه.
م - الأمالي
وهي مسائل فقهية رواها سليمان بن شعيب الكيساني وأبوه عن الإمام محمد. ولذلك تسمى الكيسانيات. وطبع جزء من الأمالي بالهند سنة 1360/ 1941.
ن - النوادر
وهي مرويات أصحابه عنه في المسائل الفقهية المختلفة. وتنسب تارةً
¬
(¬1) تاريخ الأدب العربي، 3/ 256.
(¬2) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 75.
(¬3) المبسوط، 30/ 244 - 287. وانظر: تاريخ الأدب العربي لبروكلمان 3/ 256؛ وتاريخ التراث العربي لسزكين، المجلد الأول، الجزء الثالث، 75.
إلى الراوي لها عن الإمام محمد، مثل نوادر هشام التي رواها هشام بن عبيد الله الرازي، ونوادر أبي سليمان الجوزجاني، ونوادر المعلى بن منصور الرازي، والجرجانيات نسبة إلى علي بن صالح الجرجاني، والهارونيات نسبة إلى شخص اسمه هارون؛ وتارةً إلى مكان الرواية مثل الرَّقِّيات التي رواها محمد بن سماعة عن الإمام محمد عندما كان قاضياً بالرقة. وقد ضاعت معظم هذه النوادر (¬1). وتوجد نسخة من نوادر المعلى في إسطنبول (¬2). ويذكر السرخسي وغيره من الفقهاء الأحناف المتقدمين نقولاً كثيرة عن هذه النوادر.
س - كتب أخرى نسبت إليه
أما كتاب العقيدة الشيبانية فلم تصح نسبته إليه (¬3). فهي منظومة علمية، والمنظومات العلمية ظهرت متأخرة عن عصر الإمام محمد. كما أن فيها بيتاً يذكر فيه الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل مما يقطع بعدم صحة نسبة هذا الكتاب إلى الإمام محمد (¬4).
أما كتاب أصول الفقه الذي ذكره ابن النديم (¬5)، وذكر له بروكلمان مخطوطة (¬6) وزعم أن عليه شرحاً للسرخسي، فما هو إلا قطعة من كتاب الأصل كما يظهر من كلام بروكلمان نفسه حيث يشير إلى أنه يطابق نسخة من كتاب الأصل (¬7).
وهناك كتابان آخران ذكرهما بروكلمان، وهما فتوى في منظومة، وقصيدة الشيباني؛ ولا تصح نسبتهما إليه (¬8).
¬
(¬1) الإمام محمد بن الحسن، 175 - 176.
(¬2) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 80.
(¬3) تاريخ الأدب العربي، 3/ 255 - 256؛ وتاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 73 - 74؛ والإمام محمد بن الحسن، 183 - 184.
(¬4) المصدر السابق.
(¬5) الفهرست، 288.
(¬6) تاريخ الأدب العربي، 3/ 256.
(¬7) سيأتي الكلام على معنى كلمة الأصل والأصول في كلام الفقهاء الأحناف المتقدمين.
(¬8) تاريخ الأدب العربي، 3/ 257؛ والإمام محمد بن الحسن، 184.
أما الكتب التي ذكرها سزكين مثل كتاب الصلاة والإكراه والمضاربة وغير ذلك (¬1) فما هي إلا الكتب الفقهية الموجودة ضمن كتاب الأصل (¬2).
وقد ذكر ابن النديم كتباً أخرى مثل اجتهاد الرأي، والخصال (¬3)، لكنها في عداد الكتب المفقودة.
14 - كتب في الرد عليه
ألف في الرد على محمد بن الحسن عدد من العلماء المخالفين له في رأيه وتفكيره الفقهي. منهم الإمام الشافعي (ت. 204). ففي الأم له كتاب الرد على محمد بن الحسن (¬4)، كما أنه يذكر مناظراته معه في مواضع أخرى من الأم. وكتاب الرد على محمد بن الحسن لا يحتوي إلا على كتاب الديات. ولعله جزء من كتاب أكبر. ومن الذين ردوا على محمد بن الحسن نُعيم بن حماد المروزي (ت. 228)، فقد ذُ كر عنه أنه وضع كتباً في الرد على أبي حنيفة وناقض محمد بن الحسن (¬5). كذلك من الذين ردوا عليه إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي (ت. 282)، وقد ألف كتاباً في الرد على محمد بن الحسن يكون نحو مائتي جزء، ولم يكمل (¬6). أيضاً من العلماء الذين ردوا عليه ابن الوراق المروزي المالكي (ت. 329)، وهو أبو بكر محمد بن أحمد، ألف كتباً على مذهب مالك، منها كتاب الرد على محمد بن الحسن (¬7).
¬
(¬1) تاريخ التراث العربي، المجلد الأول، الجزء الثالث، 75 - 78.
(¬2) سيأتي الكلام على كتاب الأصل وأنه ألف كتاباً كتاباً ثم جمع.
(¬3) الفهرست، 288.
(¬4) الأم (تحقيق رفعت فوزي)، 9/ 85 - 169.
(¬5) سير أعلام النبلاء، 10/ 599.
(¬6) سير أعلام النبلاء، 13/ 340؛ وطبقات الحفاظ للسيوطي، 1/ 279.
(¬7) الديباج المذهب، 1/ 243 - 244.
القسم الأول: التعريف بكتاب الأصل
1 - مكانة كتاب الأصل في في تاريخ التشريع الإسلامي:
أ - مكانة كتاب الأصل في الفقه الحنفي خصوصاً:
من المشهور أن مسائل المذهب الحنفي على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول، وتسمى ظاهر الرواية. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (¬1). ويلحق بهم زفر بن الهذيل والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن أبي حنيفة. ويسمى هؤلاء بالمتقدمين. ثم هذه المسائل التي سميت مسائل الأصول وظاهر الرواية هي ما وُجدت في كتب محمد التي هي المبسوط والزيادات والجامع الصغير والكبير والسير الصغير والكبير. وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت برواية الثقات وتواترت أو اشتهرت عنه (¬2).
الثانية: مسائل النوادر. وهي مسائل مروية عن أئمة المذهب المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة؛ بل في كتب غيرها تنسب إلى محمد كالكَيْسانيات والهارونيات والجرجانيات والرَّقِّيات، أو في كتب غير محمد ككتاب المجرَّد للحسن بن زياد وكتب الأمالي لأصحاب أبي يوسف وغيرهم، أو بروايات مفردة مثل رواية ابن سماعة ورواية معلى بن منصور وغيرهما في مسألة معينة. وإنما سميت هذه المسائل بالنوادر أو غير ظاهر
¬
(¬1) كشف الظنون 2/ 1281.
(¬2) كشف الظنون 2/ 1281 - 1282.
الرواية لأنها لم ترو بروايات ظاهرة ومشهورة كالمسائل الأولى (¬1).
الثالثة: الفتاوى والواقعات. وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية عن أئمة المذهب المتقدمين. وهم أصحاب أبي يوسف وأصحاب محمد وأصحاب أصحابهما وهلم جراً. وهم كثيرون. فمن أصحاب أبي يوسف ومحمد مثل إبراهيم بن رستم ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجوزجاني وأبي حفص البخاري، ومن أصحاب أصحابهما ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل ونصير - وقيل: نصر - ابن يحيى وأبي نصر. وقد يتفق لهم أن يخالفوا أئمة المذهب لدلائل ظهرت لهم. وأول كتاب جمع في فتاواهم كتاب النوازل لأبي الليث السمرقندي. ثم جمع المشايخ بعدهم كتباً أخرى كمجموع النوازل والواقعات للصدر الشهيد (¬2).
ثم ذكر المتأخرون المسائل في كتبهم مختلطة غير متميزة، وميز بعضهم كرضي الدين السرخسي في المحيط، فإنه يذكر أولاً مسائل الأصول ثم مسائل النوادر ثم مسائل الفتاوى (¬3).
والكتب التي هي ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن ستة كما هو مشهور، الأصل - ويسمى بالمبسوط أيضاً - والجامع الصغير والجامع الكبير والزيادات والسير الكبير والسير الصغير (¬4). ومن كتب مسائل الأصول كتاب الكافي للحاكم، وقد اختصر فيه كتب محمد بن الحسن، وهو معتمد في نقل المذهب (¬5).
¬
(¬1) كشف الظنون 2/ 1282.
(¬2) كشف الظنون 2/ 1282.
(¬3) كشف الظنون 2/ 1282. لكنه لم يلتزم لفظ الإمام محمد في كتبه، بل ذكر المسائل بالمعنى كما يتبين ذلك من المقارنة بين المحيط لرضي الدين السرخسي وبين كتاب الأصل للإمام محمد. والمحيط لا يزال مخطوطاً. وقد اطلعنا على نسخة مخطوطة منه. انظر: المحيط لرضي الدين السرخسي، 1/ 1 ظ وما بعده.
(¬4) مجموعة الرسائل لابن عابدين، 1/ 16.
(¬5) مجموعة الرسائل لابن عابدين، 1/ 20.
فكتاب الأصل هو أوسع كتب ظاهر الرواية وأكثرها فروعاً وأبسطها عبارة. فلذلك كان هو عمدة المذهب الحنفي.
ب - مكانة كتاب الأصل في الفقه الإسلامي عموماً:
إن الإمام أبا حنيفة (ت. 150) هو في الحقيقة واضع الحجر الأساسي للمذاهب الفقهية الأخرى. فمن حيث الزمن هو أقدمهم، وهو أكبرهم سناً. ومن حيث الفروع الفقهية وتوسيع مسائل الفقه بالقياس، واختراع المسائل الافتراضية وبحث الحلول لها هو المقدم من بين الفقهاء في جميع ذلك. وكتاب الأصل في أساسه مبني على الأسس والقواعد التي وضعها في مدرسته الفقهية بالكوفة. وقد دون أصحابه وتلاميذه أقواله وآراءه في مجلسه أو بعد ذلك مع إضافة أقوالهم في تلك المسائل. ومن أشهرهم ومتقدميهم في ذلك الإمام أبو يوسف. وقد جمع الإمام محمد بن الحسن هذه الأقوال في كتاب الأصل مع إضافة رأيه إلى رأي الإمامين المذكورين.
وقد كان الإمام مالك بن أنس (ت 179) بالمدينة معاصراً للإمام أبي حنيفة وإن كان أصغر منه سناً. لكن فقه الإمام مالك لم يكن يشبه فقه الإمام أبي حنيفة في وضع المسائل والتفريع لها والإكثار من القياس واختراع المسائل الافتراضية. وقد قال أسد بن الفرات وقد قَدِم على مالك من أفريقية: كان ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك يجعلونني أسأله عن المسألة، فإذا أجاب يقولون: قل له: فإن كان كذا؟ فأقول له؛ فضاق علي يوماً، فقال لي: هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق (¬1).
وهذا ما صنعه أسد بن الفرات حقاً، فقد رحل إلى العراق وأخذ عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وغلب عليه علم الرأي، وكَتَبَ عِلْمَ أبي حنيفة، كما يقول الذهبي (¬2). ولما رجع من العراق ذهب إلى ابن وهب فقال: هذه كتب أبي حنيفة، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فأبى وتورع؛ فذهب بها إلى ابن القاسم، فأجابه بما حفظ عن مالك وبما يعلم من قواعد
¬
(¬1) الموافقات، 4/ 318.
(¬2) سير أعلام النبلاء، 10/ 225.
مالك، وتسمى هذه المسائل الأسدية (¬1). وأخذها عنه سحنون بن سعيد، صاحب المدونة التي هي أساس الفقه المالكي، ثم عرضها على ابن القاسم أيضاً (¬2). فقد لجأ أصحاب الإمام مالك إلى الاستفادة من الفقه الحنفي في وضع المسائل وتوسيع الفقه المالكي، والسؤال هو نصف العلم كما يقال.
أما الإمام الشافعي (ت. 204) فقد درس الفقه الحنفي دراسة دقيقة على يدي الإمام محمد بن الحسن. وقد حمل عنه وقر بعير كتباً، كما قال (¬3). وكان يعترف بالفضل للإمام أبي حنيفة واضع المذهب، واشتهر قوله: "الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة" (¬4). كما كان يعترف بالفضل للإمام محمد بن الحسن. فقد قال له رجل يوماً: "خالفك الفقهاء، فقال: هل رأيت فقيهاً قط، إلا أن يكون محمد بن الحسن"؛ وقال أيضاً: "أَمَنُّ الناس عليّ في الفقه محمد بن الحسن" (¬5).
قال النووي: "أبو العباس بن سُريج الشافعي (ت. 306)، هو أحد أعلام أصحابنا، بل أوحدهم بعد الذين صحبوا الشافعي، وهو الذي نشر مذهب الشافعي وبسطه. قال الخطيب البغدادي: هو إمام أصحاب الشافعي في وقته، شرح المذهب ولخصه وعمل المسائل في الفروع، وصنف كتباً في الرد على المخالفين من أصحاب الرأي. وقال الشيخ أبو إسحاق في طبقاته: كان ابن سريج من عظماء الشافعيين، وكان يفضَّل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني. قال: وسمعت شيخنا أبا الحسن الشيرجي الفرضي يقول: فَرَّعَ على كتب محمد بن الحسن ... وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق" (¬6).
¬
(¬1) سير أعلام النبلاء، 10/ 226.
(¬2) الموضع السابق.
(¬3) الانتقاء لابن عبد البر، 69، 174، وطبقات الفقهاء للشيرازي، 142، وسير أعلام النبلاء، 10/ 7.
(¬4) تاريخ بغداد، 13/ 346؛ وتهذيب التهذيب، 10/ 402.
(¬5) تاريخ بغداد، 2/ 176.
(¬6) تهذيب الأسماء، 2/ 530 - 531؛ ووفيات الأعيان، 1/ 66.
ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل: "من أين لك هذه المسائل الدِّقَاق؟ أجاب بأنها من كتب محمد بن الحسن" (¬1).
فهذه المذاهب الفقهية الكبرى قد اعترف أئمتها بأن مسائل الفقه من وضع أبي حنيفة وأصحابه. ولا شك أن هناك خلافاً كثيراً في حلول المسائل الفقهية بين هذه المذاهب والفقه الحنفي؛ لكن أصل وضع هذه المسائل وتفريعها إنما هو من صنع أبي حنيفة وأصحابه. ومصدر هذه المسائل بالدرجة الأولى هو كتاب الأصل. فهذا يبين مقدار أهمية الكتاب بالنسبة للفقه الإسلامي وتاريخه.
2 - اسم الكتاب:
للكتاب تسميتان مشهورتان، كتاب الأصل، والمبسوط (¬2). ويقال له: الأصل أيضاً بدون استعمال لفظ الكتاب. وقيل: إن سبب تسميته بالأصل، لأنه صنفه محمد بن الحسن أولاً وقبل كتبه الأخرى (¬3).
ولسنا متأكدين من أن محمد بن الحسن كان قد سمى كتابه بأحد هذين الاسمين. ونظن أن تسمية الكتاب بالأصل أو المبسوط قد حدث مؤخراً. فقد كان محمد بن الحسن ألف كل كتاب من الكتب الفقهية على حدة، ثم جمعت تلك الكتب تحت عنوان كتاب واحد. وقد ذكر كاتب جلبي أن محمد بن الحسن ألف الكتب الفقهية مفرداً، فألف مسائل الصلاة وسماه كتاب الصلاة ومسائل البيوع وسماه كتاب البيوع وهكذا، ثم جمعت فصارت مبسوطاً، وبين أنه المراد حيث ما وقع في الكتب قال محمد في كتاب فلان كذا (¬4). لكننا لا ندري هل كان الجامع لهذه الكتب تحت عنوان واحد هو محمد بن الحسن نفسه أو أن تلاميذه الراوين لكتبه هم الذين قاموا
¬
(¬1) المنتظم لابن الجوزي، 9/ 175؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 136.
(¬2) كشف الظنون، 1/ 107؛ 2/ 1282.
(¬3) كشف الظنون، 1/ 107؛ 2/ 1282.
(¬4) كشف الظنون، 2/ 1581.
بذلك الجمع؟ ويترجح لدينا أن الرواة هم الذين قاموا بهذا الأمر. فمثلا لا يذكر ابن النديم أحد هذين الاسمين، الأصل أو المبسوط، بل يذكر كل كتاب من كتب الفقه على حدة، مثل كتاب الصلاة، كتاب المناسك وهكذا (¬1). كما لا يذكر الحاكم الشهيد ذلك أيضاً، بل يقول في مقدمة الكافي: "قد أودعت كتابي هذا معاني محمد بن الحسن -رحمه الله تعالى- في كتبه المبسوطة ... " (¬2) لكن يذكر السرخسي تسمية الكتاب باسم "الأصل" في مواضع كثيرة من المبسوط، فيقول مثلاً: "قال محمد في الأصل ... " (¬3) وذكره السمرقندي والكاساني والمرغيناني وغيرهم بهذا الاسم أيضاً (¬4). كما يذكره السرخسي وغيره باسم المبسوط أيضاً، لكن في مواضع أقل بكثير إذا ما قورن بالتسمية باسم "الأصل" (¬5). ولعل ذلك دفعاً للالتباس بين مبسوط الإمام محمد ومبسوط السرخسي وغيرهما، فقد كثرت تسمية الكتب بهذا الاسم فيما بعد، لكن التسمية باسم "الأصل" ليست بتلك الكثرة.
وسبب التسمية بالأصل في نظرنا يرجع إلى أنه كتاب شامل للمسائل والقواعد الأساسية التي وضعها أبو حنيفة ومن بعده أبو يوسف ومحمد بن الحسن؛ فهذا الكتاب هو الأصل والأساس والقاعدة التي بني عليها الفقه الحنفي فيما بعد. وقد كانت هذه المسائل تعرف بمسائل الأصول. فقد كانت آراء الإمام أبي حنيفة تدون من قبل تلاميذه، فكانوا يناقشون المسألة في مجلسه فإذا استقر رأيهم على أمر دونوه في "الأصول" (¬6). ولعل المقصود بالأصول هنا كتب وأبواب الفقه الأساسية، فموضوع الصلاة مثلاً أصل،
¬
(¬1) الفهرست، 287 - 288.
(¬2) الكافي، 1/ 1 ظ.
(¬3) المبسوط، 1/ 162؛ 3/ 81، 127؛ 8/ 84؛ 26/ 178، 29/ 92، 108.
(¬4) تحفة الفقهاء، 1/ 204؛ 2/ 291، 319، 360؛ 3/ 52، 133، 193؛ وبدائع الصنائع، 1/ 163، 273، 284، والهداية، 1/ 160؛ 2/ 175؛ 3/ 155.
(¬5) المبسوط، 1/ 3؛ 18/ 127؛ والهداية، 2/ 84؛ 3/ 78.
(¬6) وكانوا يدعونها "أصول الفقه" أيضاً. انظر: مناقب أبي حنيفة للمكي، 508؛ وفقه أهل العراق وحديثهم، 55، 56.
وموضوع الزكاة أصل، وموضوع البيوع أصل، أي أنه موضوع أساسي تدور حوله مسائل ذلك الكتاب. ثم آلت تلك الأصول إلى تلاميذ الإمام أبي حنيفة، ومن بينهم أبو يوسف ومحمد بن الحسن. قد وسعا هذه الأصول بمسائل وآراء جديدة. فكانت هذه الآراء مجتمعة هي امتداداً لذلك "الأصل" الذي دون في عهد الإمام أبي حنيفة، وكونت هذه المجموعة "الأصل" والأساس للمذهب الحنفي، حيث بنى على هذا الأصل جميع من أتى بعدهم من الفقهاء الأحناف وحتى غير الأحناف مثل الإمام الشافعي الذي حمل عن الإمام محمد بن الحسن وقر بعير كتباً (¬1)، وأسد بن الفرات الذي أخذ هذه الكتب ثم بنى عليها الفقهاء المالكية مذهبهم (¬2). ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل: من أين لك هذه المسائل الدقاق؟ أجاب بأنها من كتب محمد بن الحسن (¬3). فحُقَّ لهذا الكتاب بأن يسمى بالأصل. فكان اسم الأصل أو الأصول يطلق على هذه المجموعة التي حوت كتب الفقه الشاملة لمسائل وقواعد العبادات والمعاملات المعروفة.
وهناك احتمال آخر، وهو أن اسم الأصل لم يكن في البداية اسماً لكتاب معين، وإنما هو بمعنى الكتاب أو المرجع الأساسي أو المصدر الذي يتحاكم إليه للضبط والتثبت. كما كان المحدثون يستعملون هذه اللفظة بكثرة في هذه المعاني أو قريباً منها. لكن لكثرة استعمال هذه اللفظة للتعبير عن تلك الكتب صارت عَلَماً لهذا الكتاب عند الفقهاء الأحناف.
ويتحدث الفقهاء الأحناف المتقدمون عن هذا الكتاب تارةً بلفظ الأصل، وتارةً يجمعون ذلك فيقولون: الأصول. وهذا يدل على أنه لم يكن لديهم اسم معين عَلَم على هذا الكتاب. ومن ناحية أخرى كان كل كتاب من كتب الفقه مفرداً عن الآخر، فكتاب الصلاة على حدة، والبيوع على حدة،
¬
(¬1) الانتقاء لابن عبد البر، 69، 174؛ وطبقات الفقهاء للشيرازي، 142؛ وسير أعلام النبلاء، 10/ 7.
(¬2) طبقات الفقهاء للشيرازي، 160؛ وتاريخ الإسلام للذهبي، 15/ 67، ومقدمة ابن خلدون، 450.
(¬3) المنتظم لابن الجوزي، 9/ 175؛ وسير أعلام النبلاء، 9/ 136.
والحدود على حدة، وهكذا؛ فكان كل كتاب من هذه الكتب الفقهية يسمى "الأصل"، ومجموعها يسمى "الأصول،. فمثلاً كان أبو بكر الرازي يكره أن تقرأ عليه "الأصول" من رواية هشام لما فيها من الاضطراب، ويرجح روايتي أبي سليمان ومحمد بن سماعة (¬1). ويذكر القرشي نفس الرواية بلفظ "الأصل" (¬2). وهما يتحدثان عن نفس الكتاب.
والمقصود من قول ابن النديم: ولأبي يوسف من الكتب في "الأصول" والأمالي كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام ... (¬3) وكذلك من كتاب "أصول الفقه" الذي ينسبه ابن النديم إلى محمد بن الحسن (¬4)، هو مواضيع الفقه الرئيسية، وليس المقصود بذلك أصول الفقه بالمعنى الحادث بعد ذلك علماً على العلم المعروف.
ويظهر أن سبب تسميته بالمبسوط أنه مبسوط واسع كبير مسترسل في العبارة وشامل لجميع أبواب الفقه، وهو مخالف في ذلك مثلاً للجامع الصغير وأمثاله من كتب محمد التي هي أصغر حجماً. ولا نستطيع أن نجزم إن كان الإمام محمد سمى كتابه هذا بهذا الاسم أيضاً. ومع ذلك فإن تسمية الكتب بالمبسوط كانت شائعة في العصور الأولى، فترى العديد من الكتب المسماة بهذا الاسم في مختلف علوم المسلمين (¬5).
3 - نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
أ - تحقيق نسبة الكتاب إلى محمد بن الحسن
إن كتاب الأصل أو المبسوط من تأليف الإمام محمد بن الحسن كما اشتهر عنه، وكما يذكر السرخسي (¬6) وغيره من الفقهاء الأحناف على وجه لا يقبل الشك. لكن ذكر كاتب جلبي أن للإمام أبي يوسف كتاباً باسم
¬
(¬1) أخبار أبي حنيفة للصيمري، 155.
(¬2) الجواهر المضية، 2/ 205.
(¬3) الفهرست، 286.
(¬4) الفهرست، 288.
(¬5) انظر مثلاً: كشف الظنون، 2/ 1580 - 1582.
(¬6) انظر مثلاً: المبسوط، 1/ 162؛ 3/ 81، 127؛ 8/ 84؛ 26/ 178؛ 29/ 92، 108.
المبسوط، وذكر أنه المسمى بالأصل، ثم ذكر أن للإمام محمد أيضاً كتاباً يحمل اسم المبسوط (¬1). وينبغي أن نذكر أن كتاب الأصل وإن كان من تأليف محمد بن الحسن في حالته الأخيرة التي تداولها الفقهاء الأحناف فيما بينهم إلا أننا لا نكون مجافين للحقيقة والإنصاف إذا اعتبرنا كتاب الأصل عملاً مشتركاً بين الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن. فأبو حنيفة هو المؤسس وواضع المسائل ابتداءً، وهو أستاذ أبي يوسف ومحمد، وأبو يوسف هو الراوي الأول لتلك المسائل ومصنف تلك الكتب ابتداءً من عهد أبي حنيفة، ومحمد هو الراوي الثاني الذي جمع علمي أبي حنيفة وأبي يوسف وهذبه وزاد عليهما تفريعاً ودراسة ونشره في الآفاق.
والإمام أبو حنيفة وإن لم يؤلف كتاباً في الفقه بنفسه إلا أن تلاميذه قد دونوا آراءه في حياته. فقد كان تلاميذه ومن بينهم أبو يوسف يدونون آراء أبي حنيفة في مجلسه بعد تداول الآراء في المسألة ومناقشتها ومن ثم استقرار آراء تلاميذه الفقهاء في ذلك المجلس الفقهي على رأي واحد (¬2).
وقال أسد بن الفرات: "كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا الكتب أربعين رجلاً، وكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف وزفر وداود الطائي وأسد بن عمرو ويوسف بن خالد السمتي ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة" (¬3). حتى إن هذه الكتب التي هي أساس كتاب الأصل قد سميت بكتب أبي حنيفة (¬4)، لأنه هو المؤسس لهذه المدرسة التي تربى فيها أبو يوسف ومحمد وغيرهما، وهو الذي دونت آراؤه في هذه الكتب بالدرجة الأولى. وهذا هو المعنى الذي يقصده ابن النديم بقوله: "والعلم براً وبحراً، شرقاً وغرباً، بعداً وقرباً، تدوينه - أي أبي حنيفة -
¬
(¬1) كشف الظنون، 2/ 1581.
(¬2) تاريخ ابن معين، 5043؛ وتاريخ بغداد، 13/ 424؛ وفقه أهل العراق للكوثري، 56.
(¬3) الجواهر المضية، 1/ 140.
(¬4) تاريخ بغداد، 3/ 338؛ والإكمال، 7/ 61؛ وتهذيب الكمال، 19/ 98؛ وسير أعلام النبلاء، 10/ 226؛ والجواهر المضية، 1/ 412؛ وتهذيب التهذيب، 9/ 245.
- رضي الله عنه -" (¬1). ويقول الجاحظ وهو يتحدث عن جياد الكتب وتأثيرها في تعليم الإنسان: "وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن ويجالس الفقهاء خمسين عاماً وهو لا يعد فقيهاً ولا يجعل قاضياً، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين حتى تمر ببابه فتظن أنه من باب بعض العمال، وبالحَرَى أن لا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان (¬2).
وسميت تلك الكتب بكتب أبي يوسف أيضاً (¬3). وقد كان أبو يوسف منكسر الخاطر على ما يبدو من نسبة محمد بن الحسن هذه الكتب إلى نفسه واستقلاله عنه بعد أن أخذ محمد بن الحسن هذه الكتب وزاد عليها وفرّع فروعاً كثيرة. وقد نُقل عن أبي يوسف أنه سئل: "هل سمع محمد منك هذه الكتب؟ فقال: سلوه. فسئل محمد عن ذلك، فقال: ما سمعتها، ولكن أصححها لكم" (¬4). وقال في رواية أخرى: "والله ما سمعتها منه، ولكني من أعلم الناس بها، وما سمعت من أبي يوسف إلا الجامع الصغير" (¬5). وكلام الإمام محمد هذا يدل على أنه كان على علم ومعرفة بما في هذه الكتب من الآراء والفقه وإن لم يكن سمع هذه الكتب من أبي يوسف كسماع التلميذ من أستاذه. ولكنه سمع منه الجامع الصغير كما قال، ورواه عنه كما هو مذكور في بداية أبواب الجامع الصغير: محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة ... ويكون الإمام محمد بهذا قد أوفى أبا يوسف حق الأستاذية. ولعل الإمام محمداً حين يقول: "لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا إلا ما سمع أو يعلم مثل ما علمنا" (¬6)، يشير إلى صنيعه نفسه، حيث روى آراء أبي يوسف وإن لم يكن سمعها منه لفظاً سماع التلميذ من أستاذه لأنه كان على علم بها من طرق أخرى. فهو حضر حلقة أبي حنيفة وتتلمذ عليه،
¬
(¬1) الفهرست، 285.
(¬2) الحيوان، 1/ 87.
(¬3) الإكمال، 7/ 61.
(¬4) الجواهر المضية، 1/ 159.
(¬5) تاريخ بغداد، 2/ 180.
(¬6) الجواهر المضية، 1/ 527 - 528؛ ومناقب أبي حنيفة للكردري، 425.
وتتلمذ على أبي يوسف من بعده. ثم إن تلاميذ محمد بن الحسن مثل الجوزجاني ومعلى بن منصور قد أخذوا هذه الكتب عن أبي يوسف أيضاً (¬1). فلا شك أن محمد بن الحسن كان مطلعاً على كتب أبي يوسف أيضاً. ولو كان هناك خطأ في نسبة الأقوال إلى أبي يوسف لبين ذلك أبو يوسف بنفسه في حياته، ولنقله تلاميذه من بعده، وكل ذلك لم يحصل. وقد أجمع الفقهاء الأحناف في الطبقات التالية لأبي يوسف ومحمد على رواية الفقه الحنفي عن طريق كتب محمد، ورجحوها على كتب غيره من تلاميذ أبي حنيفة، واشتهرت تلك الكتب حتى سميت بظاهر الرواية واتخذت أصلاً للمذهب الحنفي مما يدل على صحة نسبة الأقوال الواردة فيه إلى أصحابها وتلقيها بالقبول لدى الفقهاء الأحناف.
والإمام محمد بن الحسن قد تتلمذ على أبي يوسف بعد وفاة أبي حنيفة، فأخذ عنه ما درس على أبي حنيفة وما جاء به أبو يوسف من آراء جديدة أيضاً، ثم أضاف إلى ذلك آراءه الشخصية. وهذا لا يشك فيه من قرأ هذا الكتاب، ودرس الفقه الحنفي على وجه العموم. فإنك لا تكاد تجد صفحة من صفحات الكتاب إلا ويذكر فيه أسماء هؤلاء الأئمة الثلاثة وما اتفقوا عليه أو اختلفوا فيه.
وقد سرى انكسار الخاطر هذا من أبي يوسف إلى بعض تلاميذه أيضاً. فكان بشر بن الوليد الكندي القاضي (ت. 238) من تلاميذ أبي يوسف يلوم محمد بن الحسن، وكان الحسن بن أبي مالك (ت. 204) من تلاميذ أبي يوسف أيضاً ينهاه عن ذلك ويقول له: "قد وضع محمد هذه المسائل، فضع أنت سؤال مسألة، وقد أغناك الله عن جوابها" (¬2).
ويذكر السرخسي أن الإمام محمداً بين أنه أخذ هذه المسائل عن طريق المذاكرة. ولعل المقصود مذاكرة تلك المسائل مع أصحاب أبي حنيفة وأبي يوسف بعد قراءة كتبهما. يدل على ذلك سياق كلام السرخسي حيث يقول:
¬
(¬1) أخبار أبي حنيفة للصيمري، 154.
(¬2) الجواهر المضية، 1/ 166؛ 2/ 47.
"فأما الكتب المصنفة التي هي مشهورة في أيدي الناس فلا بأس لمن نظر فيها وفهم شيئاً منها وكان متقناً في ذلك أن يقول: قال فلان كذا، أو مذهب فلان كذا، من غير أن يقول: حدثني أو أخبرني، لأنها مستفيضة بمنزلة الخبر المشهور. وبعض الجهال من المحدثين استبعدوا ذلك، حتى طعنوا على محمد -رحمه الله- في كتبه المصنفة. وحكي أن بعضهم قال لمحمد بن الحسن -رحمه الله-: أسمعت هذا كله من أبي حنيفة؟ فقال: لا. فقال: أسمعته من أبي يوسف؟ فقال: لا، وإنما أخذنا ذلك مذاكرة. فقال: كيف يجوز إطلاق القول بأن مذهب فلان كذا أو قال فلان كذا بهذا الطريق؟ وهذا جهل؛ لأن تصنيف كل صاحب مذهب معروف في أيدي الناس مشهور، كموطأ مالك -رحمه الله- وغير ذلك. فيكون بمنزلة الخبر المشهور يوقف به على مذهب المصنف. وإن لم نسمع منه فلا بأس بذكره على الوجه الذي ذكرنا بعد أن يكون أصلاً معتمداً يؤمن فيه التصحيف والزيادة والنقصان" (¬1).
من ناحية أخرى فإنه قد ورد في بداية الجامع الصغير للإمام محمد معلومة لا يُعلم على وجه اليقين من قالها. ورد في هذه المعلومة أن الإمام محمداً قد بوّب كتب المبسوط، ولم يبوّب كتب الجامع الصغير (¬2). لكن نستطيع أن نقول بأن تلك المعلومة إما أن تكون من مرتب الجامع الصغير وهو أبو طاهر الدباس (¬3)، أو من تلميذه الذي قرأ الجامع الصغير عليه بترتيبه سنة 322 كما ورد في بداية الجامع الصغير (¬4). وهذا يدلنا كذلك على أن التبويب الحاصل داخل كتاب الأصل هو من صنيع الإمام محمد نفسه،
¬
(¬1) أصول السرخسي، 1/ 378 - 379.
(¬2) الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير للكنوي، ص 67 - 68.
(¬3) هو محمد بن محمد بن سفيان، أبو طاهر الدباس، من أقران أبي الحسن الكرخي (ت. 340)، وكان من علماء الأحناف الكبار، موصوفاً بالحفظ والرواية، ولي القضاء بالشام، ثم جاور في الحرم إلى أن توفي. انظر: الجواهر المضية (بتحقيق الحلو)، 3/ 323 - 324.
(¬4) الجامع الصغير، الموضع السابق.
كما يدل على دقة العلماء الأحناف المتقدمين حيث بينوا حالة الكتاب الأصلية وما دخل عليه من تغيير في الترتيب أو التبويب. وهذا يدل على سلامة كتاب الأصل من التغيير حتى في أسماء الأبواب التفصيلية.
نتيجة لما سبق من الممكن أن نقول باختصار: إن أصغر الأئمة الثلاثة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - وهو محمد - قد أخذ فقه أستاذيه وزاد عليهما شيئًا كثيرًا، فظهر إلى الوجود كتاب الأصل الذي هو عمدة المذهب الحنفي. وكلام الإمام في أول الكتاب حيث يقول: قال: "قد بينتُ لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن فيه اختلاف فهو قولنا جميعًا" (¬1)، يدل على ما قلنا. إلا أن دور محمد بن الحسن لم يقتصر على النقل والرواية كما قلنا، بل زاد على أستاذيه مسائل دقيقة كثيرة، كما أنه صاغ هذه المسائل وتلك بأسلوبه الشخصي. يُروى عن ابن البلخي أنه قال: "كانوا إذا قرؤوا على الحسن بن أبي مالك (ت. 204) (¬2) مسائل محمد بن الحسن قال: لم يكن أبو يوسف يدقق هذا التدقيق الشديد" (¬3).
وقد بحثنا الكتب الفقهية المكونة لكتاب الأصل، وما ذكر في بداية كل كتاب من حيث رواية محمد بن الحسن لها عن أبي حنيفة وأبي يوسف، والأحاديث والآثار التي يرويها محمد بن الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف أو غيرهما. ولم نتتبع المسائل الفقهية وأقوال أبي حنيفة وأبي يوسف فيها لأن ذلك أمر موجود في جميع كتب وأبواب الكتاب تقريبًا. وهذه هي النتائج باختصار:
كتاب الصلاة. ابتدأه بقوله: محمد عن أبي حنيفة، في معظم النسخ التي اطلعنا عليها إلا في النسختين المستقلتين لكتاب الصلاة، فإنهما تبتدئان بقوله: "عن محمد بن الحسن قال". وروى فيه حديثاً أو حديثين بالإسناد
¬
(¬1) انظر: 1/ 1 ظ.
(¬2) وهو من تلاميذ أبي يوسف، وتفقه عليه محمد بن شجاع. انظر: الجواهر المضية، 1/ 204.
(¬3) الجواهر المضية، 1/ 204.
عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف.
كتاب الحيض. لا يذكر في بدايته أنه يرويه عن أبي حنيفة أو أبي يوسف، كما لا يروي فيه حديثاً عنهما. ويروي فيه أحاديث عن مالك بن أنس وحديثًا عن أيوب بن عتبة. وهو مسترسل في العبارة فيه، ويذكر تعليلات ويرد على الأقاويل ويدلل ويناقش بشكل يغاير الأسلوب العام في الكتاب، وبنوع من الاستقلالية.
كتاب الزكاة. يبتدئ بقوله: "محمد بن الحسن قال: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: ليس في أربع من الإبل السائمة صدقة ... " ويروي فيه أحاديث عديدة عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف.
كتاب الصوم. يبتدئ بأثر يرويه من طريق راو غير الإمامين، ثم يروي فيه أحاديث عديدة عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف عن غير أبي حنيفة، وأحاديث قليلة عن غيرهما.
كتاب التحري وكتاب الاستحسان وكتاب الأيمان. لا يذكر في بداياتها رواية عن الإمامين. وهو مسترسل في العبارة في هذه الكتب. ويروي في التحري أحاديث قليلة من طريق رواة غير أبي حنيفة وأبي يوسف. ويقول في موضع: "وقد وافَقَنا أبو يوسف ... " وتظهر استقلاليته في هذه العبارة، فهو يتحدث عنه كفقيه في درجته، وأن أبا يوسف مشارك له في رأيه. ويروي في الأيمان حديثاً واحداً عن أبي حنيفة. ويروي أحاديث عديدة في الاستحسان من طريق رواة غير أبي حنيفة وأبي يوسف، ويروي فيه حديثاً واحداً عن أبي حنيفة.
كتاب البيوع. يبدأ بحديث يرويه عن أبي حنيفة. وفيه عدة أحاديث يرويها بلفظ حدثنا أو أخبرنا أبو حنيفة.
كتاب الصرف. يبدأ بحديث يرويه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو نفس الحديث الذي يذكره في بداية كتاب البيوع. وقد رواه هناك عن أبي حنيفة مباشرة. وقد يدل هذا على أن محمد بن الحسن روى كتاب البيوع عن أبي حنيفة مباشرة، أما كتاب الصرف فلم يروه عن أبي حنيفة
مباشرة، وإنما رواه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. ومعظم الأحاديث في كتاب الصرف مروية عن طريق أبي يوسف. كما أن أسلوب روايته للأحاديث في كتاب الصرف مختلف عن الكتب الأخرى، فيقول بعد الحديث الأول المذكور: "وحدثنا عن أبي حنيفة"، و"حدثنا عن فلان"، وهكذا دواليك. يقصد بذلك حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة ... ويقول في موضع: و"سمعت أبا يوسف يقول" (¬1).
كتاب الرهن. يبتدئ بحديث يرويه عن أبي يوسف، وتتلوه أحاديث مروية من طريق أبي يوسف إلا حديث واحد رواه من طريق أبي حنيفة. وبعد أن ينتهي من ذكر الآثار يقول: "محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ... " فيبدأ بذكر المسائل.
كتاب القسمة. يبتدئ بحديث يرويه عن أبي يوسف، ويروي فيه عدة أحاديث عن طريق غير الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف.
كتاب الهبة. يبتدئ بحديث يرويه عن أبي حنيفة؛ لكن معظم الأحاديث فيه مروية من طريق أبي يوسف. وفيه عدد قليل من الأحاديث رواها عن طريق شيوخ آخرين، منها حديث واحد رواه عن مالك بن أنس.
كتاب الإجارات. يبتدئ بحديث يرويه عن طريق أبي يوسف عن أبي حنيفة. ومعظم الأحاديث فيه مروية من طريق أبي يوسف. وفيه بضعة أحاديث يرويها عن غير الإمامين.
كتاب الشركة. لا يذكر في بدايته رواية عن الإمامين. ويروي فيه عن أشعث بن سوار حديثاً واحداً. وفيه حديثان آخران مرويان من طريق أبي يوسف.
كتاب المضاربة. يبتدئ بحديث يرويه عن حميد بن عبد الله، ثم يتلوه عدد قليل من الأحاديث، وهي موزعة في الرواية بين أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من مشايخ محمد.
¬
(¬1) انظر: 1/ 290 ظ.
كتاب الرضاع. لا يذكر في بدايته رواية عن أحد. ويروي فيه حديثاً واحداً بإسْناده، قائلًا: "حدثنا أصحابنا عن مالك بن أنس". ومحمد بن الحسن مع كونه لقي مالكاً ويروي عنه بغير واسطة إلا أنه روى هذا الحديث عنه بواسطة؛ لكن هذه الرواية موجودة في موطأ محمد أيضاً، حيثما يرويها محمد بن الحسن عن مالك مباشرة (¬1). فيكون محمد بن الحسن عند تأليف كتاب الرضاع لم يرحل إلى المدينة بعد، ولم يلق مالكاً؛ وإلا لروى عنه هذا الأثر في كتاب الرضاع بدون واسطة. وهذا مما يؤيد كلام السرخسي حيث يذكر أن كتاب الرضاع من أوائل تأليف محمد بن الحسن (¬2). وهو في هذا الكتاب مسترسل في العبارة، يدلل ويعلل بحرية واستقلال، مما يدل على وجود هذه الروح فيه من شبابه. وأسلوبه هنا يشبه أسلوبه في كتاب الحيض.
كتاب الطلاق. ابتدأه بقوله: "قال محمد بن الحسن: إن أحسن الطلاق ... " وروى فيه ثلاثة أحاديث بإسناده، أحدها عن الحسن بن عمارة، والثاني عن أبي يوسف عن الحسن بن عمارة، والثالث عن أبي حنيفة. وفيه قوله: "قال محمد: وسألت أبا يوسف ... " (¬3).
كتاب العتاق. ابتدأه بحديث يرويه عن أبي يوسف. والأحاديث فيه كثيرة، معظمها مروية من طريق أبي يوسف، وبعضها من طريق أبي حنيفة، وقليل منها عن طريق مشايخ آخرين.
كتاب العتق في المرض. ابتدأه بأثر يرويه عن أبي حنيفة. وليس فيه أي رواية أخرى مسندة.
كتاب الصيد. ابتدأه بأثر يرويه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. وفيه آثار كثيرة مروية من طريق أبي حنيفة وأبي يوسف. وقد قال في موضع: "قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة ... " فذكر مسألة (¬4).
¬
(¬1) التعليق الممجد، 2/ 593.
(¬2) المبسوط، 30/ 287.
(¬3) انظر: 3/ 47 ظ.
(¬4) انظر: 3/ 192 و.
كتاب الوصايا. ابتدأه بأثر يرويه عن أبي يوسف. وفيه آثار مروية عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما؛ لكن أكثرها من طريق أبي يوسف.
كتاب الفرائض. ابتدأه بأثر طويل جداً يرويه عن السري بن إسماعيل عن الشعبي في الفرائض. وهو كتاب في الفرائض للشعبي (¬1). وفيه أثر آخر مروي عن الشعبي من طريق أبي يوسف. وكتاب الفرائض مليء بأقوال الصحابة في المواريث، وكلها إلا رواية أو روايتين مذكورة بغير إسناد. ولعل ذلك كان معلوماً ومشهوراً في ذلك الوقت عن طريق كتاب الشعبي وغيره.
كتاب المكاتب. لم يذكر في بدايته رواية عن أحد. وروى فيه أثرين عن أبي حنيفة بإسناده.
كتاب الولاء. ابتدأه بأثر يرويه عن أبي يوسف. والكتاب به كثير من الآثار والأحاديث المروية عن طريق أبي حنيفة وأبي يوسف. وما رواه محمد عن طريق أبي يوسف أكثر مما رواه عن أبي حنيفة. وتوجد فيه آثار قليلة رواها عن غيرهما.
كتاب الجنايات. ابتدأه بأثرين يرويهما عن ابن أبي ذئب (ت. 159)، الذي هو من أهل المدينة، ومن أهل الحديث. ولا يروي فيه أثراً عن أبي حنيفة أو أبي يوسف.
كتاب الديات. ولم يذكر في بدايته رواية عن أحد. وقد روى فيه بضعة آثار عن أبي حنيفة وأبي يوسف.
كتاب الدور. ولم يذكر في بدايته رواية عن أحد، وليست فيه آثار مسندة ولا بلاغات. ويكثر فيه قوله: "على قياس قول أبي يوسف ومحمد" (¬2).
كتاب الحدود. يبتدئ بقوله: عن محمد قال: سألت أبا حنيفة ... ثم
¬
(¬1) انظر: الجرح والتعديل، 6/ 323؛ وتهذيب الكمال، 14/ 36؛ تهذيب التهذيب، 3/ 399.
(¬2) سيأتي شرح هذه العبارة وأمثالها قريبًا.
يستمر على طريقة السؤال والجواب. وليست فيه آثار مسندة، لكن فيه بلاغات كثيرة.
كتاب السرقة. يبتدئ بحديث يرويه عن أبي يوسف. ويستمر في سرد الروايات بعد ذلك، وأكثرها مروية من طريق أبي يوسف. كذلك فيه روايات غير قليلة عن أبي حنيفة. كما أن فيه رواية عن المسعودي.
كتاب الإكراه. يبتدئ بأثر يرويه عن أبي حنيفة. لكن الآثار التي بعده وهي كثيرة مروية من طرق شيوخ آخرين كثيرين، مما لم نره في الكتب الأخرى من كتاب الأصل. وفيه رواية أو روايتان عن أبي يوسف. والإمام محمد مسترسل في العبارة فيه. ويشعر أسلوبه فيه بأنه فقيه متمكن مستقل التفكير، مثل أسلوبه في كتاب الحيض والرضاع.
كتاب السير، يبتدئ بأثر يرويه عن أبي حنيفة؛ لكن الآثار الآتية بعده وهي كثيرة جداً مروية كلها تقريبًا من طريق أبي يوسف إلا بضع روايات عن أبي حنيفة أو عن شيوخ آخرين لمحمد بن الحسن. ثم بعد انتهاء سرد الآثار في بداية الكتاب يأتي "باب الجيش إذا غزا أرض الحرب"، فيفتتحه بفقرة قصيرة، ثم يقول: "قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ... " وبعد ذلك يستمر الكتاب على طريقة السؤال والجواب بلفظ قلت، قال. وفى أواخر الكتاب عنوان "ما زاد محمد في آخر كتاب السير"، ويقول بعده: "قال محمد بن الحسن: قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ... " ثم يستمر في عرض المسائل قائلًا: "سألت أبا حنيفة ... " مما يدل على غلبة رواية أبي يوسف على هذا الكتاب.
كتاب الخراج. لا يذكر في بدايته رواية عن أحد، وليس فيه أي رواية مسندة أو بلاع. وليس فيه ذكر لأبي يوسف ولا لأبي حنيفة.
كتاب العشر. يبتدئه بقول الإمام أبي حنيفة بإيجاب العشر في كل ما أخرجت الأرض قليلاً كان أو كثيراً، ثم يذكر أنه لا يأخذ بقوله للحديث المشهور: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". وهو فيه مسترسل في العبارة متحرر. وروى فيه حديثاً واحداً مسنداً عن سفيان بن عيينة. ويذكر
قول أبي حنيفة وأبي يوسف في موضع أو موضعين. وكتاب العشر أصغر الكتب الفقهية حجماً من بين الكتب الموجودة في الأصل.
كتاب الدعوى. يبتدئ بأثر يرويه عن أبي يوسف، ويروي آثاراً كثيرة أخرى، بعضها في أول الكتاب وبعضها متناثر في ثنايا الكتاب. ومعظم هذه الآثار مروية من طريق أبي يوسف، وبعضها مروي من طريق أبي حنيفة، وقليل منها من رواية غير الإمامين.
كتاب الشرب. يبتدئ برواية من طريق أبي يوسف، ثم تعقب ذلك روايات كلها من نفس الطريق إلا رواية من طريق أبي العُمَيس. وبعد ذكر الروايات يذكر عدة فقرات يبتدئها بقوله: "قال أبو حنيفة". ثم تأتي بعد ذلك سؤالات محمد لأبي حنيفة، يقول فيها: "سألت أبا حنيفة ... " ثم يذكر جوابه: "قال ... " وبعد هذه الأسئلة وأجوبتها يبدأ بذكر أسئلته لأبي يوسف قائلًا: "سألت أبا يوسف ... " ثم يذكر جوابه: "قال ... " ويقول في موضعين متتاليين: "سألت أبا يوسف ... فأخبرني أنه سأل أبا حنيفة" (¬1). وبعد انتهاء هذه الأسئلة والأجوبة يذكر المسائل بدون سؤال وجواب.
كتاب الإقرار. لا يذكر في بدايته رواية عن أحد. وفيه خمس روايات مسندة كلها من طريق أبي يوسف.
كتاب الوديعة. يبتدئ بقوله: "محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قلت: أرأيت ... " ويستمر على هذه الطريقة بالسؤال والجواب. وفيه رواية واحدة مسندة مروية عن أبي حنيفة. وفي آخره باب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في الوديعة. وكتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" مطبوع من مؤلفات أبي يوسف (¬2). لكن محمد بن الحسن أخذه فرواه وزاد فيه (¬3). والمسائل المذكورة هنا في كتاب الأصل مذكورة في كتاب "اختلاف أبي
¬
(¬1) انظر: 5/ 226 ظ، 227 و.
(¬2) انظر: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى لأبي يوسف، (تحقيق أبو الوفا الأفغاني)، القاهرة، مطبعة الوفاء، 1357.
(¬3) المبسوط، 30/ 129.
حنيفة وابن أبي ليلى" المطبوع أيضاً (¬1).
كتاب العارية. يبتدئ بقوله: "محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قلت: أرأيت ... " ويستمر على هذا المنوال على طريقة السؤال والجواب. وفي آخره باب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في العارية. والمسائل المذكورة هنا في كتاب الأصل مذكورة في كتاب "اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" المطبوع أيضاً (¬2).
كتاب الحجر. يبتدئه بذكر قول أبي حنيفة في بطلان الحجر على الحر، ثم يرد على هذا القول، ولا يذكر أبا يوسف إلا مرتين طوال الكتاب. وهو مسترسل في العبارة فيه متحرر، يدلل ويعلل ويناقش. وليس في هذا الكتاب رواية مسندة، وإنما يذكر أثراً أو أثرين بدون إسناد.
كتاب العبد المأذون. يبتدئ بحديث يرويه عن إسرائيل بن يونس. ثم تتلوه روايات أخرى أكثرها عن طريق أبي يوسف، وواحد منها عن طريق غيره. ومسائل الكتاب تبتدئ في أغلبها بقوله: "وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ... " ويلتزم هذا الأسلوب إلى نهاية الكتاب.
كتاب الشفعة. يبتدئ برواية حديث من طريق أبي يوسف، وُيتبع ذلك بروايات أخرى كلها عن طريق أبي يوسف إلا رواية واحدة من طريق أبي حنيفة. وفي موضع يقول: "قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة ... " ويسرد مسألة (¬3)، ثم ينتقل إلى أسلوب السؤال والجواب لعدة مسائل. وفي آخر الكتاب عنوان "مسائل نوادر في الشفعة"، وفيه مسائل قريبة من صفحة أو صفحتين.
كتاب الخنثى. يبتدئ برواية أثر من طريق أبي يوسف، ومن بعده بضعة آثار مروية من طريق أبي يوسف وغيره. ولا يروي فيه شيئاً عن طريق
¬
(¬1) اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، 50 - 52.
(¬2) اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، 104 - 105.
(¬3) انظر: 6/ 238 و.
الإمام أبي حنيفة. وفيه: "وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة ... " في موضع واحد (¬1). وفي موضع: "وسئل أبو يوسف، قلت ... " (¬2).
كتاب المفقود. في بدايته عدة آثار مروية عن أبي حنيفة، وأثر واحد مروي عن أبي يوسف.
كتاب جعل الآبق. في بدايته عدة آثار مروية عن أبي يوسف، وأثر واحد مروي عن أبي حنيفة.
كتاب العقل. لا يذكر في بدايته رواية عن أحد. ويروي فيه أثرين، أحدهما من طريق أبي حنيفة، والآخر من طريق محمد بن عمر. وهو فيه مسترسل في العبارة، يعلل ويناقش ويحتج لرأيه. فهو على طراز كتاب الرضاع وأمثاله.
كتاب الحيل. يبتدئ بحديث يرويه عن سلمة بن صالح. وبعده عدة آثار وأحاديث يرويها عن طريق شيوخ غير أبي حنيفة وأبي يوسف. ثم في أثناء الكتاب أحاديث وآثار أخرى من طريق أبي حنيفة وأبي يوسف وشيوخ آخرين. وفي موضع يقول: "وقال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن وجه الثقة في ذلك، فأجابني بما وصفت لك" (¬3). وفي موضع آخر يقول: "سألت أبا حنيفة ... " (¬4). وفي موضع آخر يقول: "سألت أبا يوسف" (¬5). ويقول في موضع آخر: "وكان أبو حنيفة لا يجوّز الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام، وكان يعقوب ونحن مِن بَعده نجيز الخيار إذا سمى ووقّت وقتاً" (¬6). فقوله: "ونحن من بعده"، يشعر بأنه يقول هذا بعد وفاة أبي يوسف.
كتاب اللقطة. يبتدئ برواية عن أبي يوسف، ثم رواية عن ليث بن أبي سليم، ثم تأتي فيه ثلاث روايات عن أبي يوسف.
كتاب المزارعة. يبتدئ برواية حديث من طريق أبي العطوف عن
¬
(¬1) انظر: 6/ 242 ظ.
(¬2) انظر: 6/ 243 و.
(¬3) انظر: 7/ 4 و.
(¬4) انظر: 7/ 26 ظ.
(¬5) انظر: 7/ 31 و.
(¬6) انظر: 7/ 25 و.
الزهري، ثم يستمر في رواية آثار وأحاديث عن طريق شيوخ غير أبي حنيفة وأبي يوسف. ويلاحظ أنه لم يرو فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف شيئاً من الآثار.
كتاب النكاح. يبتدئ ببلاع، فيذكر حديثاً. ثم يذكر آثاراً كثيرة بلاغاً، وكذلك يستمر على نفس الأسلوب في أثناء الكتاب. ومع ذلك فهو يروي آثاراً مسندة وإن كانت أقل من البلاغات، ويرويها عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. وهناك بعض الأبواب لم يزد فيها على نقل كلام أبي يوسف شيئاً، كما فعل ذلك في باب نكاح الأكفاء بغير ولي.
كتاب الحوالة والكفالة. يبتدئ بأثر يرويه عن أبي يوسف، ثم يتبعه أثر آخر معلَّق. ثم يقول: "محمد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة ... " فيذكر المسائل. ويروي أثناء الكتاب آثاراً مسندة عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما. كما يلاحظ أن الكتاب يبتدئ بأبواب الكفالة، ثم تأتي أبواب الحوالة، ثم يرجع إلى أبواب الكفالة مرة أخرى. ويلفت النظر أيضاً أن راوي الكتاب أحمد بن حفص يقول فيه: "سمعت محمدًا"، في عشرين موضعاً.
كتاب الصلح. يبتدئ برواية عدة آثار عن أبي يوسف، ويستمر على ذلك أثناء الكتاب أيضاً، فأكثر الآثار فيه مروية من طريق أبي يوسف، وقليل منها مروي عن أبي حنيفة وغيره.
كتاب الوكالة. يبتدئ بعدة آثار يرويها عن أبي يوسف، ويروي آثاراً أخرى أثناء الكتاب معظمها من طريق أبي يوسف، وقليل منها عن أبي حنيفة وغيره. وقد ورد فيه: "قال محمد -رحمه الله-: وإنما يعني بقوله: وإن رضي بذلك الذي وكله لم يبرأ المطلوب، يقول: إن رضي أن يكون الثوب الذي اشتراه وكيله لنفسه فلا يجوز ذلك" (¬1). فهذه العبارة تدل على أن الكلام الذي قبله من كلام أبي حنيفة أو أبي يوسف. وهذا يؤيد ما ذكر في
¬
(¬1) انظر: 8/ 188 ظ- 189 و.
أول كتاب الصلاة أنه ما لم يكن فيه اختلاف فهو قولهم جميعًا؛ لأنه يذكر قبل ذلك مسائل كثيرة من دون أن يبين القائل، وذلك لأنه لا يوجد اختلاف بينهم في تلك المسائل ولا يوجد شيء يحتاج إلى توضيح، لكن بعد ذكر هذه المسألة يذكر توضيحاً ويصرح بذكر اسمه.
كتاب الشهادات. يبتدئ بأثر يرويه عن أبي يوسف، ويروي آثاراً أخرى أثناء الكتاب معظمها من طريق أبي يوسف، وقليل منها عن أبي حنيفة وغيره.
كتاب الرجوع عن الشهادات. يبتدئ بعدة آثار يرويها عن أبي يوسف، وأثر واحد يرويه عن الحسن بن عمارة. ويقول فيه في موضع: "قال محمد: ورواه عن يعقوب أنه قال ... " وبعد سطرين يقول: "فحدث محمد عن أبي يوسف أنه قال ... " (¬1).
كتاب الوقف. يظهر أنه من تأليف الإمام محمد ابتداءً. وهو يتحدث فيه عن كيفية كتابة صكوك الوقف، وليس فيه ذكر لأبي حنيفة، وفيه ذكر لأبي يوسف في موضعين، حيث يقيس محمد بن الحسن قوله على قول أبي يوسف (¬2). وليس فيه أية آثار مروية.
كتاب الصدقة الموقوفة. يبتدئ بأثر يرويه عن صخر بن جويرية، ويروي خلال الكتاب آثاراً من طريق غير أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يروي عنهما أثراً في هذا الكتاب. وهو في هذا الكتاب يرد على أبي حنيفة قوله في الوقف، ويناقشه بقوة، كما يرد على أبي يوسف في مسألة أخرى ويناقشه بقوة أيضاً؛ مما يدل على استقلاله في التفكير والاجتهاد عنهما وإن كانوا من نفس المدرسة الفقهية في الأسس والقواعد.
كتاب الغصب. يبتدئ بآثار يرويها من طريق أبي يوسف. وكذلك يروي آثاراً أخرى من طريقه أثناء الكتاب. ويقول في موضع: "وهذا قول أبي
¬
(¬1) انظر للموضعين المذكورين: 8/ 235 ظ.
(¬2) انظر: 8/ 250 و.
حنيفة الذي روى أبو يوسف" (¬1).
وهذا البحث التفصيلي يستفاد منه أن كتاب الأصل هو من تأليف الإمام محمد بن الحسن، وقد روى فيه أقوال أستاذه أبي حنيفة، وأقوال أستاذه وزميله أيضاً أبي يوسف، وزاد عليهما تفريعاً وإيضاحاً وقياساً كما يمكن رؤية ذلك مفصلاً أثناء الكتاب. وبعض الكتب الفقهية يغلب عليها طابع التأليف مثل كتب الحيض والتحري والاستحسان والأيمان والرضاع والإكراه، وبعضها يغلب عليها طابع الرواية مثل كتاب الصرف. فإن الناظر فيه يحس بأن الكتاب من تأليف أبي يوسف؛ لكن محمد بن الحسن رواه عنه وأضاف إليه بعض الإضافات. وبعض هذه الكتب مثل كتاب الوقف يظهر أنها من تأليف محمد بن الحسن ابتداءً، حيث ألفه للرد على قول أبي حنيفة في الوقف. وهو لا يذكر في كتابه هذا أبا حنيفة أو أبا يوسف إلا مرة أو مرتين، وليس على سبيل رواية المسائل عنهما.
وقد ذكر السرخسي أن كتاب العين والدين والذي سمي في الأصل بكتاب الوصايا في العين والدين وكتاب حساب الوصايا ألفه الإمام محمد بالاستفادة من كتب الحسن بن زياد، فقد كان الحسن مقدماً في علم الحساب، ومسائل هذين الكتابين مبنية على العلم بالحساب (¬2).
ب - الاختلاف في نسبة بعض الكتب ضمن كتاب الأصل إلى الإمام محمد
توجد بعض الكتب التي اختلف في نسبتها إلى الإمام محمد ضمن كتاب الأصل والكافي. فمن هذه الكتب:
1 - كتاب الحيل
وقد كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر نسبته إلى الإمام محمد، ويقول بأنه من جمع الوراقين ببغداد، وأن المخالفين لأهل الرأي ينسبون ذلك إلى أئمة الحنفية للتعيير والعيب عليهم. وكان أبو حفص يقول بصحة نسبته إلى
¬
(¬1) انظر: 268/ 8 ظ.
(¬2) انظر: المبسوط، 28/ 110؛ 30/ 114.
الإمام محمد، ويرويه عنه. ووضع الحاكم لهذا الكتاب في الكافي يدل على قبول نسبته إليه أيضاً. وقد دافع السرخسي عن صحة نسبته إلى محمد بن الحسن، وأخذ يبين ويشرح وجه جواز الحيل وأنه لا عيب في ذلك (¬1). وكتاب الحيل الذي ضمن كتاب الأصل في النسخ التي بأيدينا مروي من طريق محمد بن هارون الأنصاري (¬2) عن محمد بن الحسن. ولكن توجد صياغة أخرى لكتاب الحيل على هيئة كتاب مستقل؛ ولا يوجد ذكر للراوي في النسخ التي اطلعنا عليها من هذه الصياغة (¬3). وقد طبع كتاب الحيل بهذه الصياغة باسم كتاب المخارج في الحيل للإمام محمد بن الحسن الشيباني بتحقيق جوزيف شاخت في لايبزيغ سنة 1930.
وتوجد في كتاب الحيل بعض العبارات التي لا توجد في كتبه الأخرى. فمثلًا يقول: "قلت: أرأيت شريكين شركة عنان أرادا أن يضمنا عن رجل مالاً بأمره على أنه إن أدى المال أحد الشريكين وهو عبد الله رجع به على صاحبه الآخر وهو زيد وعلى صاحب الأصل، وإن أدى المال زيد إلى الطالب وصاحب الأصل لم يرجعا على عبد الله بشيء، كيف وجه الثقة في ذلك؟ قال: يضمن زيد عن الذي عليه الأصل ما عليه للمطلوب، ثم يجيء عبد الله، فيضمن عن زيد وصاحب الأصل ما للطالب عليهما بأمرهما، فإذا أدى عبد الله المال رجع به على زيد وصاحب الأصل، فإن أداه زيد وصاحب الأصل لم يرجع على عبد الله" (¬4). فهو يذكر في هذه المسألة أسماء زيد وعبد الله كشخصين افتراضيين يبني عليهما المسألة. ولا نجد مثل هذا الأسلوب في أي موضع من الكتاب. وقد يكون هذا من تأثر الإمام بالنحويين الذين يمثلون بزيد وعبد الله وعمرو كما هو معروف عنهم (¬5). ومحمد بن الحسن معروف بتقدمه في علم اللغة أيضاً، وكان على معرفة
¬
(¬1) المبسوط، 30/ 209.
(¬2) ستأتي ترجمته بين تراجم رواة الكتاب.
(¬3) سنذكر النسخ التي اطلعنا عليها من هذه الصياغة لكتاب الحيل.
(¬4) انظر: 7/ 17 ظ.
(¬5) انظر مثلاً: الكتاب لسيبويه، 1/ 14، 23، 24، 26، 33، 34.
بالكسائي إمام النحويين والقراء بالكوفة، كما كان ابن خالة الفَرّاء (¬1).
ونحن نميل إلى القبول بنسبة كتاب الحيل إلى الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ولا نرى اختلافاً كبيراً في الأسلوب بين كتاب الحيل وكتبه الأخرى الموجودة ضمن كتاب الأصل.
2 - اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى
ومن هذه الكتب المختلف في نسبتها إلى الإمام محمد كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى. وهو من تأليف أبي يوسف في الأصل. وقد طبع بتحقيق أبو الوفا الأفغاني منسوباً إلى أبي يوسف (¬2). ولكن يوجد قسم من هذا الكتاب في نسخ كتاب الأصل التي بأيدينا، وذلك في كتابي الوديعة والعارية. فقد ورد في آخر كتاب الوديعة باب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في الوديعة، وورد في آخر كتاب العارية باب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في العارية. لكن يذكر في هذين البابين رأي محمد أيضاً. فمحمد بن الحسن يروي هذين البابين عن أبي يوسف، ويضيف إلى ذلك رأيه كما هو الحاصل في كتاب الأصل في مواضع كثيرة. والكتاب موجود في الكافي للحاكم الشهيد (¬3)، ويذكر فيه أقوال محمد أيضاً (¬4). وقد صرح السرخسي بأن الكتاب من تصنيف أبي يوسف وأن محمد بن الحسن رواه وزاد فيه (¬5).
كما أن الإمام الشافعي ينقل كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى وينسبه
¬
(¬1) وفيات الأعيان، 4/ 185؛ والجواهر المضية، 2/ 44. ومن عجائب القدر أنه توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد، فقال الرشيد: دفنت اليوم اللغة والفقه. انظر: تاريخ بغداد، 2/ 181.
(¬2) انظر: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى لأبي يوسف، (تحقيق أبو الوفا الأفغاني)، القاهرة، مطبعة الوفاء، 1357.
(¬3) الكافي، 3/ 312 و - 318 ظ.
(¬4) انظر مثلاً: الكافي، 3/ 312 و، 313 ظ.
(¬5) المبسوط، 30/ 129.
إلى أبي يوسف، ولا يذكر محمد بن الحسن لا في أوله ولا أثناء عرضه للمسائل، بل ينقل رأي أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وترجيح أبي يوسف، ثم يذكر رأيه في المسألة (¬1). ويرجح الباحث محمد الدسوقي أنه من تأليف محمد بن الحسن لما زاد محمد فيه من أقواله (¬2). وهو الذي ينبغي ترجيحه؛ لأن بعض الكتب الفقهية ضمن كتاب الأصل قد صنع الإمام محمد فيها مثل ما صنع في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ونسبت تلك الكتب إليه بدون خلاف.
3 - كتاب الرضاع
إن كتاب الرضاع موجود في نسخ الأصل التي بأيدينا، ولكنه غير موجود في الكافي. وقد تكلم السرخسي على نسبة كتاب الرضاع إلى محمد، فقال: "اختلف الناس في كتاب الرضاع هل هو من تصنيف محمد -رحمه الله- أم لا؟ قال بعضهم: هو ليس من تصنيف محمد -رحمه الله-، وإنما صنفه بعض أصحابه ونسبه إليه ليروج به، وفي ألفاظه ما يدل على ذلك، فقد ذكر في حرمة المصاهرة بسبب الوطء الحرام قال: والتنزه عنه أفضل إن شاء الله تعالى، ومحمد -رحمه الله- ما كان يصحح الجواب في مصنفاته في الأحكام خصوصًا فيما فيه نص من الكتاب والسنَّة، فعرفنا أنه ليس من تصنيفاته، ولهذا لم يذكره الحاكم الجليل في المختصر. وقال أكثرهم: هو من تصنيفاته، ولكنه من أوائل تصنيفاته، ولكل داخل دهشة. وقد بينا فيما سبق أنه كان صنف الكتب مرة ثم أعادها إلا قليلاً منها، فهذا الكتاب من ذلك؛ لأنه حين أعاد اكتفى في أحكام الرضاع بما أورد في كتاب النكاح، واكتفى الحاكم - رضي الله عنه - أيضاً بذلك، فلم يفرد هذا الكتاب في مختصره. ولكني لما فرغت من إملاء شرح المختصر ... رأيت الصواب إتباع ذلك بإملاء شرح هذا الكتاب، ففيه بعض ما لا بد من معرفته وما
¬
(¬1) الأم للشافعي (تحقيق رفعت فوزي عبد المطلب)، 8/ 217 - 390.
(¬2) الإمام محمد بن الحسن، 165.
يحتاج فيه إلى شرح وبيان" (¬1). ويذكر السرخسي بعض العبارات التي استدل بها بعضهم على عدم كون كتاب الرضاع من تأليف الإمام محمد (¬2). ويمكن ذكر مثال آخر على تلك العبارات حيث يقول: "وكذلك هذه المسألة في الأجنبيين الجواب فيها كالجواب في الأخوين، فاعرف" (¬3). فختمه العبارة بعبارة "فاعرف" مما لم نشاهده في موضع آخر من هذا الكتاب. لكن المفهوم من كلام السرخسي أنه يرجح نسبة كتاب الرضاع إلى محمد بن الحسن مع أكثر الأحناف، وأن اختلاف الأسلوب الواقع بين كتاب الرضاع والكتب الأخرى ناشئ عن اختلاف زمان التأليف وعدم تحريره الكتاب مرة ثانية كما فعل ذلك في الكتب الأخرى، فقد ألف كتاب الرضاع في البداية مع الكتب الأخرى، ثم إنه أعاد النظر في كتبه وغير فيها، إلا أنه لم يغير كتاب الرضاع نظراً لوجود أكثر ما ذكر فيه في باب الرضاع الموجود ضمن كتاب النكاح.
ج - بعض العبارات الموقعة في الوهم من حيث نسبة الكتاب إلى مؤلفه
وينبغي أن نذكر هنا أنه توجد بعض العبارات الموهمة في كتاب الأصل، والتي يمكن أن تفهم على أنها ليست من كلام الإمام محمد في النظرة الأولى. فيقول مثلاً بعد حكاية قول في مسألة: "وهذا في قياس قول أبي حنيفة"، أو يقول: "في قياس قول أبي يوسف". وأحياناً يجمع إمامين فيقول: "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف"، أو يقول: "في قياس قول أبي يوسف ومحمد"، أو يقول: "في قياس قول أبي حنيفة ومحمد". وأحياناً يجمعهم كلهم فيقول: "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد". كما أنه يغير في العبارات السابقة فيقول: "في قياس قول ... "، و"على قياس قول ... "، وأحياناً: "وهو قياس قول ... "، و"هذا قياس قول ... لا وقد
¬
(¬1) المبسوط، 30/ 287.
(¬2) المبسوط، 30/ 287، 295، 304.
(¬3) انظر: 3/ 11 ظ.
تتبعنا المواضع التي تذكر فيها هذه العبارة "قياس قول ... " فحصلنا على النتائج التالية:
"قياس قول أبي بكر" (أي الصديق - رضي الله عنه -) ذكر في كتاب الولاء مرة واحدة.
"قياس قول علي" ذكر في كتاب الفرائض 6 مرات، وفي كتاب الولاء 4 مرات.
"قياس قول علي وزيد" ذكر في كتاب الفرائض مرة واحدة.
"قياس قول زيد" ذكر في كتاب الفرائض مرة واحدة.
"قياس قول عبد الله بن مسعود" ذكر في كتاب النكاح مرة واحدة.
"قياس قول إبراهيم" (أي النخعي) ذكر في كتاب العتاق وكتاب الحدود مرة واحدة.
"قياس قول شريح وإبراهيم النخعي" ذكر في كتاب الصلح مرة واحدة.
"قياس قول الشعبي" ذكر في كتاب الخنثى 24 مرة.
"قياس قول أبي حنيفة" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الصلاة 1، الحيض 2، البيوع 6، الصرف 5، الرهن 10، القسمة 7، الإجارات 13، الشركة 7، المضاربة 38، الطلاق 4، العتاق 11، العتق في المرض 3، الوصايا 15، الوصايا في الدين 8، الفرائض 4، المكاتب 7، الولاء 11، الجنايات 3، الديات 6، الحدود 2، الإكراه 6، السير 2، الدعوى 7، الشرب 3، الإقرار 35، المأذون 55، الشفعة 15، المفقود 1، العقل 1، الحيل 1، المزارعة 27، النكاح 3، الحوالة 4، الصلح 10، الوكالة 23، الشهادات 2، الرجوع عن الشهادات 3.
"قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الصوم 1، الرهن 1،
الطلاق 1، العتاق 1، الوصايا 1، الوصايا في الدين 1، الديات 1، العشر 1، الإقرار 2، المأذون 2، الحيل 1، الوكالة 1.
"قياس قول أبي يوسف" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الحيض 4، البيوع 1، الصرف 3، الشركة 1، المضاربة 1، العتاق 2، الوصايا في الدين 1، المكاتب 1، الديات 2، الإكراه 4، الدعوى 1، الإقرار 2، الحجر 1، المأذون 1، الحيل 1، المزارعة 18، النكاح 1، الوكالة 1، الوقف 2.
"قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: البيوع 1، الإجارات 45، المضاربة 2، الفرائض 1، الدور 1، الدعوى 1، الشرب 1، الإقرار 1، المأذون 8، المزارعة 15، النكاح 3، الصلح 1، الرجوع عن الشهادات 2.
"قياس قول أبي حنيفة ومحمد" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: البيوع 1، القسمة 2، الإجارات 1، الشركة 1، المضاربة 2، الطلاق 1، العتق في المرض 1، الفرائض 2، الدور 1، 1 لإكراه 2، المأذون 1، الشفعة 2، المزارعة 2، النكاح 1، الوكالة 1.
"قياس قول أبي يوسف ومحمد" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: البيوع 1، الرهن 1، الشركة 2، المضاربة 4، الطلاق 1، الوصايا 3، الوصايا في الدين 1، الدور 11، الإكراه 1، الدعوى 1، الإقرار 2، المأذون 9، المزارعة 3، الوكالة 1.
"قياس قولهم جميعاً" ذكر في الكتب التالية، وذكر أمام كل كتاب عدد المرات التي ذكرت فيها هذه العبارة: الإجارات 8، المضاربة 1، المأذون 1.
"قياس قولهم" ذكر في العبد المأذون مرة واحدة.
"قياس قول محمد" ذكر في كتاب الإكراه مرة واحدة.
"قياس قولنا" ذكر في كتاب الديات مرة واحدة.
وهذه العبارة من عبارات الإمام محمد التي يستعملها في كتبه الأخرى أيضاً مثل الآثار، حيث يقول في مسألة: "وهذا قياس قول عبد الله بن مسعود" (¬1)، وفي مسألة أخرى: "وهذا كله قياس قول أبي حنيفة" (¬2). والمقصود بذلك أن هذا القول مقيس على قول عبد الله بن مسعود أو على قول أبي حنيفة مثلاً في مسألة أخرى شبيهة بهذه المسألة. وبناءً على ذلك، فإنه إذا ذكر في الأصل في مسألة أنها على قياس قول أبي حنيفة فالقائس هو إما أبو يوسف وإما محمد بن الحسن. والعبارة صريحة في بعض المواضع حيث يُذكر أن القائس هو أبو يوسف أو محمد وأنه قاس قوله على قول أبي حنيفة (¬3). وإذا ذكر في الأصل أن هذا القول على قياس قول أبي يوسف فالقائس هو محمد كما هو واضح. لكنه يذكر في بعض المواضع كما ذكرنا أن القول المذكور على قياس قول أبي يوسف ومحمد، أو على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. فحينئذٍ يبدو أن هناك احتمالين:
الاحتمال الأول: هو أن يكون الراوي للكتاب وهو أبو سليمان الجوزجاني أو أبو حفص مثلاً هو الذي يقيس على قول محمد بن الحسن. وحينئذٍ تكون تلك المسألة زيادة على كتاب الأصل، ولكنها تعتبر جزء من الأصل بسبب كونها مقيسة على مسائل الأصل، فتكون منه من حيث المعنى وإن لم تكن منه لفظاً. وهذا الاحتمال ضعيف في نظرنا؛ لأنه لو كان القائس في هذه المسائل هو غير الإمام محمد لذكر ذلك صراحة، ولأشار إلى ذلك الفقهاء الأحناف المتأخرون بعد هذه الطبقة. ولكنهم لم يذكروا شيئاً من ذلك. ثم إن الحاكم الشهيد قد ذكر بعض هذه المسائل في الكافي، ولم يذكر أن ذلك من كلام غير محمد بن الحسن. وهو إنما يقوم باختصار
¬
(¬1) الآثار، 4.
(¬2) الآثار، 5.
(¬3) انظر مثلاً: 3/ 263 و؛ 6/ 195 ظ.
كتب الإمام محمد، فلو كان هناك شيء من غير كلامه كان عليه أن يبين ذلك.
والاحتمال الثاني - وهو الراجح لدينا-: أن يكون القائس هو محمد بن الحسن نفسه. وذلك لأنه قد يقيس هذه المسألة التي أمامه على مسألة أخرى قد تكلم فيها أو بحثها من قبل، إما لأنه لم تسنح له الفرصة ليبحث هذه المسألة الجديدة وكانت المسألة القديمة أمامه جاهزة فقاس عليها، وإما ليبين بذلك أن هذه المسألة جارية على قياس قوله في مسائل أخرى وأن آراءه الفقهية مترابطة متناسقة داخلياً، وأن هذه المسألة الجديدة ليست خارجة على القاعدة عنده أي ليست مسألة استحسان. وهذا الأمر أي بيان اعتماد أقوالهم في مسألة ما على القياس أو الاستحسان قد اعتنى به الإمام محمد كما اعتنى به الإمامان أبو حنيفة وأبو يوسف قبله أيما اعتناء، وهو أمر واضح لمن نظر في ثنايا كتاب الأصل. ويمكن أن يستدل على ما قلناه بقول الإمام محمد في بعض المواضع: "قياس قول محمد" (¬1)، "قياس قولنا" (¬2)، "في قياس قول أبي يوسف وقولنا" (¬3)، "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولنا" (¬4). فمن الواضح أن هذه العبارة تدل على أن محمد بن الحسن يقوم بالقياس على قوله نفسه. وليس هذا بمستنكر لما بيناه من الأسباب آنفًا. ولسبب آخر، وهو أننا لا نجد في أي موضع من الكتاب مسألة يقول فيها صراحة بأنها على "قياس قول محمد"، إلا في موضع واحد أشرنا إليه آنفًا، ولكن المذكور في ذلك الموضع مسألة فرضية حيث يقول فيها: "وكان ينبغي في قياس قول محمد ... ولكنه استحسن ... " (¬5)، والصيغة المذكورة أكثر نسبيًا هي: "قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد"، أو "قياس قول أبي حنيفة ومحمد"، أو "قياس قول أبي يوسف ومحمد". فالإمام محمد دائمًا مذكور مع أبي حنيفة أو أبي يوسف. وهذا يقوي احتمال أن يكون
¬
(¬1) انظر: 5/ 86 ظ.
(¬2) انظر: 4/ 228 ظ.
(¬3) انظر: 7/ 122 ظ.
(¬4) انظر: 7/ 76 ظ.
(¬5) انظر: 5/ 86 ظ.
القول المذكور من قياس محمد على قول أبي حنيفة أو أبي يوسف أو كليهما، وأن الراوي للكتاب أو الناسخ قد اختصر العبارة. وهناك أمثلة تؤكد حصول ذلك بالفعل. فمثلاً:
يقول في كتاب البيوع: "وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد، وأما في قول أبي يوسف ... " (¬1) فيفهم من هذه العبارة أن المقصود بقوله: "وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد" هو "وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهو قول محمد"؛ لأنه لا يعقل أن يكون قول أبي يوسف مذكوراً صراحة، وقول محمد مذكوراً قياساً لتأخر الثاني عن الأول.
ويقول في كتاب الديات: "وأما في قياس قول أبي يوسف وهو قول محمد ... " (¬2) فهذه العبارة تدل على أن هذا القول للإمام محمد وأنه قال ذلك قياساً على قول أبي يوسف. لكن غُيرت العبارة في نسخة فيض الله أفندي هكذا: "وأما في قياس قول أبي يوسف ومحمد ... " (¬3) فهذا يبين لك كيف حدث تغير العبارة في النسخ المتأخرة. ولعل الناسخ أو الراوي لم يتفطن إلى أنه يغير المعني بتصرفه هذا. ولكن الفرق بين العبارتين في نظرنا دقيق ومهم جداً. ويغلب على الظن أن مثل هذا حدث في المسائل الأخرى الشبيهة.
ويقول في كتاب الإكراه: "وهذا قياس قول أبي حنيفة ومحمد؛ وقال محمد ... " (¬4) فيذكر دوام المسألة نفسها. فلو كانت المسألة مقيسة على قول محمد ولم تكن من صريح قوله لما استقام قوله: "وقال محمد"؛ لأن المسألة هي نفسها. إذن كانت العبارة في الأصل: "وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهو قول محمد". لكن الراوي أو الناسخ تصرف في العبارة، فغير المعنى وهو لا يشعر.
¬
(¬1) انظر: 1/ 227 ظ
(¬2) انظر: 4/ 255 ظ.
(¬3) انظر نسخة فيض الله أفندي (رقم 668)، 4/ 263 ظ.
(¬4) انظر: 5/ 73 ظ.
وقد تتبعنا بعض هذه المسائل في الكافي للحاكم الشهيد، فرأيناه في بعض المواضع ينسب هذه المسائل إلى أصحاب القول المقيس عليه، أي إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ولا يذكرها على أنها على قياس قول واحد منهم. فمثلاً يقول في الأصل في مسألة في الإجارات بأنها: "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" (¬1)، ويذكر الحاكم أنها: "في قولهم جميعاً" (¬2). ويقول في الأصل في مسألة في المزارعة: "وهذا قياس قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المزارعة؛ وأما القول الآخر- وهو قياس قول أبي يوسف ومحمد -: فالشرطان جميعاً جائزان" (¬3). ويقول الحاكم في نفس المسألة: "في قياس قول أبي حنيفة ... وقال أبو يوسف ومحمد ... " (¬4)، وفي بعض المواضع الأخرى تتوافق عبارة الكافي وعبارة الأصل على أن المسألة "في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" (¬5). وكذلك الأمر في مسألة أخرى في المضاربة حيث يقول في الأصل: "وهذا قياس قول أبي حنيفة وقياس قول أبي يوسف ومحمد" (¬6)، ويقول الحاكم: "قياس قولهم جميعاً" (¬7). وذكر الحاكم لهذه المسائل يدل على أن هذه القياسات سابقة تاريخياً على زمان الحاكم الشهيد (ت. 334). وهو مما يقوي كونها من كلام الإمام محمد بن الحسن.
4 - رواية كتاب الأصل عن طريق تلاميذ المؤلف
أ - تعدد روايات الكتاب
لقد أملى الإمام محمد المبسوط على أصحابه (¬8)، كما كانت الطريقة المتبعة غالباً في تلك القرون. فكان هو يقرأ وأصحابه يكتبون. ولذلك وقعت
¬
(¬1) انظر: 2/ 127 ظ.
(¬2) الكافي، 1/ 203 و.
(¬3) انظر: 7/ 61 ظ.
(¬4) الكافي، 2/ 318 و.
(¬5) انظر: 2/ 42 و؛ والكافي، 1/ 206 و.
(¬6) انظر: 2/ 256 و.
(¬7) الكافي، 2/ 275 ظ. لكن السرخسي يقول: والأصح عند علمائنا الثلاثة. انظر: المبسوط، 22/ 111.
(¬8) كشف الظنون 2/ 1282.
الرواية في بداية بعض كتب الأصل مثل كتاب الحوالة والكفالة عن طريق السماع صراحة، حيث يقول: "سمعت محمداً ... " مرارًا في أول الأبواب (¬1). واكتفى الرواة في كثير من كتب الأصل بالرواية بلفظ "عن محمد"، أو "قال محمد". لكن كانت الطريقة الأخرى وهي العَرْض، أي القراءة على الأستاذ، متبعة أيضاً، فكان تلاميذه يقرؤون كتب محمد بن الحسن عليه وهو يسمع (¬2). وكلتا الطريقتان مقبولتان في الرواية.
ويقول في كتاب الدعوى: "كان الجواب على ما كتبتُ لك" (¬3).
ويقول في كتاب الإجارات: "وجميع ما كتبنا قبل هذا فهو قياس من قول أبي حنيفة كله" (¬4). وقد يستنتج من هذا أن محمد بن الحسن كان يكتب بنفسه في بعض الأحيان، ويطلب من تلاميذه الكتابة أحياناً أخرى. لكن قد يقال: إن الأمر بالكتابة تعتبر كتابة أيضاً. ومن المعلوم أن رواة كتاب الأصل المشهورين هم أبو سليمان الجوزجاني، وأبو حفص البخاري. واشتهرت الروايتان المنسوبتان إليهما بنسخة أبي سليمان ونسخة أبي حفص. وحتى أن الكتاب نفسه ينسب إلى الراوي أحياناً فيقال: مبسوط أبي سليمان الجوزجاني.
وروايات الأصل أي نُسَخُه المروية عن محمد متعددة، وأظهرها رواية أبي سليمان الجوزجاني (¬5). وهناك روايات أخرى مثل رواية أبي حفص (¬6) ورواية هشام بن عبيد الله الرازي (¬7) ورواية محمد بن
¬
(¬1) انظر مثلاً: 7/ 196 ظ، 197 ظ، 198 ظ.
(¬2) الفهرست، 287.
(¬3) انظر: 5/ 217 و.
(¬4) انظر: 2/ 145 ظ.
(¬5) كشف الظنون، 2/ 1581. وتأتي ترجمة الجوزجاني قريبًا.
(¬6) تأتي ترجمته.
(¬7) وهو فقيه من أهل الرأي ومحدث مشهور أيضاً. يروي عن مالك بن أنس وغيره، ويروي عنه أبو حاتم الرازي والحسن بن عرفة وغيرهما. ووثقه ابن أبي حاتم، وقال: يحتج بحديثه. قال هشام: لقيت ألفاً وسبعمائة شيخ وأنفقت في العلم سبعمائة ألف=
سماعة (¬1) ورواية المعلي بن منصور (¬2). وقد أخذ الجوزجاني والمعلى الفقه عن أبي يوسف ومحمد جميعاً، ورويا عنهما الكتب والأمالي، وكانا رفيقين في أخذ الفقه ورواية الكتب (¬3). وقد وُصفت رواية هشام لكتاب الأصل بالاضطراب، وأن أبا بكر الرازي (ت. 370) كان لا يحب أن يقرأ عليه الأصل من رواية هشام من أجل ذلك، وكان يفضل روايتي أبي سليمان ومحمد بن سماعة (¬4). وهذا يدل على وجود رواية محمد بن سماعة في ذلك الوقت. وأشهر هذه الروايات رواية الجوزجاني ورواية أبي حفص. وقد حفظ لنا التاريخ كتاب الأصل عن طريق روايتيهما في معظم الكتاب كما يأتي مفصلاً. والحاكم الشهيد قد بنى كتابه الكافي الذي اختصر فيه كتب الإمام محمد على روايتي أبي سليمان وأبي حفص في معظم كتابه إلا فيما ندر. يتبين ذلك من ذكره الخلاف بين الروايتين في مواضع كثيرة من كتابه. والسرخسي حين يشرح الكافي يعتمد على هاتين الروايتين أيضاً. أما الروايات الأخرى فلم نقف لها على أي مخطوطة.
ويذكر الحاكم والسرخسي روايتي أبي سليمان وأبي حفص، فيقولان مثلاً في مواضع كثيرة: في رواية أبي حفص كذا، وفي رواية أبي سليمان كذا (¬5). ويقول السرخسي في مواضع كثيرة: في نُسَخ أبي حفص كذا، وفي
¬
= درهم. وقال فيه أبو حاتم: صدوق، ما رأيت أعظم قدراً منه بالري. وكان قاضياً على الري. وقد مات محمد بن الحسن في دار هشام، ودفن في مقبرتهم. توفي هشام سنة 122. انظر: الجرح والتعديل، 9/ 67؛ وتذكرة الحفاظ، 1/ 388؛ والجواهر المضية، 2/ 205؛ وتهذيب التهذيب، 11/ 43؛ ولسان الميزان، 6/ 195.
(¬1) تقدمت ترجمته بين تلاميذ الإمام.
(¬2) تقدمت ترجمته بين تلاميذ الإمام.
(¬3) أخبار أبي حنيفة للصيمري، 155؛ وطبقات الفقهاء، 144؛ والجواهر المضية، 2/ 186.
(¬4) أخبار أبي حنيفة للصيمري، 155؛ والجواهر المضية، 2/ 205.
(¬5) انظر مثلاً: الكافي، 1/ 3 و، 9 و؛ والمبسوط، 1/ 61.
نُسَخ أبي سليمان كذا (¬1). والمقصود هو نفس الشيء. لكن استعمال النسخ بصيغة الجمع قد يدل على أن المقصود هو اتفاق النسخ المنقولة عن الجوزجاني أو عن أبي حفص على مسألة ما. ويدل كذلك على كثرة الناقلين عن أبي حفص والجوزجاني. وقد يعبر السرخسي بالمفرد أيضاً فيقول: نسخة أبي سليمان، ونسخة أبي حفص؛ لكن ذلك قليل جداً (¬2). وكذلك الحال في استعماله لفظ الجمع للرواية، حيث يقول: روايات أبي سليمان، وروايات أبي حفص (¬3).
واختلاف هذه الروايات وخصوصًا روايتي أبي سليمان وأبي حفص فيما بينها في بعض المواضع أمر معروف عند المتقدمين من الفقهاء الأحناف. ورواية الجوزجاني مقدمة على رواية أبي حفص في الغالب. لكن توجد مواضع يكون الصواب فيها مع أبي حفص، أو يختلف الترجيح. وقد قام الحاكم الشهيد بالمقارنة بين هذه الروايات واختيار ما رآه صواباً منها في كتابه الكافي المختصر من الأصل. وتبعه السرخسي في المبسوط غالباً.
ب - روايات الكتاب الموجودة في نسخ الأصل بأيدينا اليوم
والنسخ التي بأيدينا من كتاب الأصل رويت أكثر كتبها عن طريق أبي سليمان الجوزجاني وبعضها عن طريق أبي حفص، وقليل منها عن طريق رواة آخرين، وبعضها لم يذكر فيه أي راو. وهذا هو تفصيل ما ذكر في أول كل كتاب:
كتاب الصلاة: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الحيض: قال: سمعت محمد بن الحسن يقول.
كتاب الزكاة: حدثنا زياد بن عبد الرحمن عن أبى سليمان عن محمد بن الحسن قال: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.
¬
(¬1) انظر مثلاً: المبسوط، 1/ 123.
(¬2) انظر مثلاً: المبسوط، 41/ 14.
(¬3) انظر مثلاً: المبسوط، 24/ 20.
كتاب الصوم: أبو الحسن محمد بن الحسن قال: قرأت نسخة هذا الكتاب على أبي بكر محمد بن عثمان فقلت له: حدثك أبو جعفر محمد بن سعدان قال: أخبرنا أبو سليمان موسي بن سليمان الجوزجاني قال: أخبرنا محمد بن الحسن إلى آخر هذا الكتاب، ثم قلت له: أَرْوِي هذا عنك؟ قال: نعم، وعارضت به أبا سليمان موسي بن سليمان.
كتاب التحري: حدثنا أبو عصمة قال: أخبرنا أبو سليمان قال: سمعت محمداً يقول.
كتاب الاستحسان: قال محمد بن الحسن.
كتاب الأيمان: أبو سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن يقول.
كتاب البيوع والسلم: أحمد بن حفص قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال. لكن يقول في داخل كتاب البيوع: أخبرنا أبو سليمان عن محمد ... فيذكر أثراً (¬1). وهذا يدل على أن الكتاب مختلط من روايتي أبي حفص وأبي سليمان.
كتاب الصرف: أبو بكر محمد بن عثمان قال: حدثنا أبو عبد لله محمد بن عمار الكريبي عن أبي سليمان موسي بن سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن.
كتاب الرهن: قال: أخبرنا أبو سليمان عن محمد بن الحسن ... فروى حديثاً. ثم قال: محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: لا يجوز الرهن غير مقبوض ...
كتاب القسمة: أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا محمد.
كتاب الهبة: أخبرنا أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الإجارات: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
¬
(¬1) انظر: 1/ 222 و.
كتاب الشركة: لم يذكر اسم أحد في البداية.
كتاب المضاربة: محمد بن الحسن.
كتاب الرضاع: قال محمد بن الحسن.
كتاب الطلاق: قال محمد بن الحسن.
كتاب العتاق: أبو سليمان [عن] محمد.
كتاب العتق في المرض: محمد بن الحسن.
كتاب الصيد والذبائح: أخبرنا أبو سهل قال: أخبرنا أبو عبد الله عن أبيه عن محمد.
كتاب الوصايا: أخبرنا أبو سهل محمد بن عبد الله بن سهل بن حفص قال: أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرنا أبي عن محمد بن الحسن.
كتاب الفرائض: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب المكاتب: أبو سليمان قال محمد بن الحسن.
كتاب الولاء: قال: أخبرنا أبو سليمان عن محمد.
كتاب الجنايات: محمد بن الحسن قال.
كتاب الديات: قال محمد بن الحسن.
كتاب الدور: قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب الحدود: أبو سليمان عن محمد قال: سألت أبا حنيفة.
كتاب السرقة: سعيد قال: سمعت أبا سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن.
كتاب الإكراه: أبو سليمان قال: أخبرنا محمد.
كتاب السير: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الخراج: قال محمد بن الحسن.
كتاب العشر: داود بن رشيد قال: سمعت محمد بن الحسن.
كتاب الدعوى: أبو سليمان قال: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب الشرب: أخبرنا أبو عبد الله -رحمه الله- قال: حدثني حمدان بن عبد الله قال: أخبرني أبي -رحمه الله- عن محمد بن الحسن.
كتاب الإقرار: قال محمد بن الحسن.
كتاب الوديعة: أبو سليمان عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
كتاب العارية: محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
كتاب الحجر: أخبرنا أبو عصمة سعد بن معاذ قال: أخبرنا أبو سليمان قال: سمعت محمداً يقول: قال أبو حنيفة.
كتاب العبد المأذون: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب الشفعة: محمد بن الحسن.
كتاب الخنثى: محمد بن الحسن.
كتاب المفقود: محمد قال.
كتاب جعل الآبق: أخبرنا أبو سليمان قال: أخبرنا محمد.
كتاب العقل: قال محمد بن الحسن. وفي أواخر كتاب العقل: هذا آخر كتاب أبي نصر زكريا بن يحيى في المعاقل. وهذا الباقي زيادة في كتاب ابن سنان.
كتاب الحيل: أخبرنا محمد بن حمدان قال: أخبرنا أبو ساهر قال: أخبرني محمد بن هارون الأنصاري عن محمد بن الحسن قال.
كتاب اللقطة: محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
كتاب المزارعة: محمد بن حمدان قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا محمد بن الحسن.
كتاب النكاح: أخبرنا أبو سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن.
كتاب الحوالة والكفالة: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: عن محمد بن الحسن.
كتاب الصلح: أبو عبد الله محمد بن حفص قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الوكالة: أخبرنا أبو سليمان أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الشهادات: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
كتاب الرجوع عن الشهادات: أبو سليمان قال: أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الوقف: أبو سليمان قال: سمعت محمداً -رحمه الله- يقول.
كتاب الصدقة الموقوفة: أبو سليمان قال: أخبرنا محمد بن الحسن.
كتاب الغصب: أبو سليمان عن محمد بن الحسن.
فالنسخ التي بأيدينا- حسب ما ورد في بداية كل كتاب منها- من رواية أبي سليمان الجوزجاني في كتب الصلاة والزكاة والصوم والتحري والأيمان والصرف والوهن والقسمة والهبة والإجارات والعتاق والمكاتب والولاء والدور والحدود والسرقة والإكراه والسير والدعوى والوديعة والحجر وجعل الآبق والمزارعة والنكاح والوكالة والشهادات والرجوع عن الشهادات والوقف والصدقة الموقوفة والغصب، ومن رواية أبي حفص في كتب البيوع والصيد والوصايا والحوالة والكفالة والصلح، ومن رواية داود بن رشيد في كتاب العشر، ومن رواية محمد بن هارون الأنصاري في كتاب الحيل، ومن رواية حمدان بن عبد الله عن أبيه في كتاب الشرب. أما الكتب الأخرى فلم يذكر لها راو عن الإمام محمد، لكن ذكر اسم محمد بن الحسن في بدايتها. وهي: الحيض والاستحسان والمضاربة والرضاع والطلاق والعتق في المرض والفرائض والجنايات والديات والخراج والإقرار والعارية والعبد المأذون والشفعة والخنثى والمفقود والعقل واللقطة. والكتاب الوحيد الذي لم يذكر
في بدايته اسم أحد هو كتاب الشركة. وعلى هذا يتبين أن أكثر من نصف الكتاب تقريبًا مروي من طريق أبي سليمان الجوزجاني، وهو ثلاثون كتاباً من ضمن سبعة وخمسين كتاباً، وأن خمسة كتب مروية من طريق أبي حفص، وأن كتاباً واحداً مروي من طريق داود بن رشيد، وكتاباً آخر مروي من طريق محمد بن هارون الأنصاري، وآخر مروي من طريق عبد الله، وأن هناك تسعة عشر كتاباً لم يذكر الراوي لها عن محمد.
لكن مع البحث والتدقيق يتبين أنه لا يمكن الوثوق تمامًا بما ذكر من اسم الراوي في أوائل كل كتاب من كتب الأصل في هذه النسخ. وهذا هو التفصيل:
لقد وقع في كتاب الصلاة خطأ في جواب مسألة فقهية حسب رأي الحاكم والسرخسي، وهذا الخطأ موجود في معظم النسخ التي بأيدينا. وهو خطأ قديم جداً يرجع إلى ما قبل الحاكم الشهيد. وقد صحح هذا الخطأ الحاكم الشهيد، وبين أن الخطأ من رواية أبي حفص، وكذلك قال السرخسي (¬1). لكن قد ذُكر في بداية كتاب الصلاة في معظم النسخ أنه من رواية أبي سليمان. فكلام الحاكم والسرخسي يدل على أن كتاب الصلاة في هذا الموضع الذي يوجد فيه الخطأ من رواية أبي حفص وليس من رواية أبي سليمان كما ذكر في أوله، ويدل على أن الروايتين قد خلطهما الناسخون (¬2). وهذا يؤدي إلى التفكير في احتمال وجود أماكن أخرى في كتاب الصلاة منقولة من رواية أبي حفص؛ لكن مع هذا توجد أدلة أخرى تدل على التزام رواية أبي سليمان في مواضع أخرى من كتاب الصلاة في النسخ التي اعتمدنا عليها (¬3). فلعل أكثر كتاب الصلاة من رواية أبي سليمان،
¬
(¬1) الكافي، 1/ 9 و؛ والمبسوط، 1/ 173. ويري بعض العلماء من متقدمي الأحناف أن هذه الرواية صحيحة انظر: المحيط البرهاني، 1/ 461.
(¬2) وانظر لمثال آخر في كتاب الصلاة: الأصل، 1/ 39 ظ؛ والكافي، 1/ 10 ظ؛ والمبسوط، 1/ 208.
(¬3) انظر: الأصل، 1/ 22 ظ؛ والكافي، 1/ 6 ظ؛ والمبسوط، 1/ 123.
وقسم قليل منه من رواية أبي حفص، وهذا هو الذي حدا بالرواة والناسخين إلى أن ينسبوه إلى أبي سليمان وحده.
كتاب الرهن الذي هو من رواية أبي سليمان على ما ذكر في بدايته، توجد فيه مواضع موافقة لرواية أبي حفص ومخالفة لرواية أبي سليمان كما بين ذلك الحاكم والسرخسي (¬1)، كما يوجد فيه موضع جمع فيه الكاتب بين روايتي أبي سليمان وأبي حفص وخلطهما مع بعض، ويتضح ذلك من كلام الحاكم والسرخسي وابن نجيم (¬2).
في كتاب القسمة، ذكر الحاكم في مسألة قول محمد مع أبي يوسف أولًا، ثم قال: وفي رواية أبي حفص ذكر محمد مع أبي حنيفة (¬3). وقال السرخسي: "وهو الأصح، فقد ذكر ابن سماعة أنه كتب إلى محمد يسأله عن قوله في هذه المسألة فكتب إليه أن قوله كقول أبي حنيفة -رحمه الله-" (¬4). واللافت للنظر أن كتاب القسمة في النسخ التي بأيدينا من رواية أبي سليمان، لكن ما ذكره الحاكم والسرخسي يدل على أن هذا الموضع موافق لرواية أبي حفص (¬5). وقد يكون هذا من تصرف الناسخين بخلط الروايتين.
في كتاب الصرف، قال السرخسي بعد نقل مسألة موجودة في الأصل (¬6): "هكذا أطلق في نسخ أبي حفص، وفي نسخ أبي سليمان قال: وهذا قول أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله-، أما في قول أبي يوسف ... " (¬7) والنسخة التي بأيدينا موافقة في هذا الموضع لرواية أبي حفص مع أنه مذكور في بداية كتاب الصرف أنه من رواية أبي سليمان. كما يوجد مثال آخر على
¬
(¬1) انظر: الأصل، 17/ 2 ظ، 19 ظ، 40 و؛ والكافي، 2/ 218 و، 220 و، 231 و؛ والمبسوط، 21/ 119 - 120، 123، 162.
(¬2) انظر: الأصل، 2/ 39 ظ؛ والكافى، 2/ 230 ظ- 231 و؛ والمبسوط، 21/ 161؛ والبحر الرائق، 8/ 306.
(¬3) انظر: الكافي، 197/ 1 ظ.
(¬4) المبسوط، 15/ 44.
(¬5) انظر: الأصل، 2/ 75 و.
(¬6) الأصل، 1/ 296 و.
(¬7) المبسوط، 14/ 41.
موافقة النسخة التي بأيدينا لرواية أبي حفص (¬1). لكن يوجد مثال آخر يدل على موافقة النسخة التي بأيدينا لرواية أبي سليمان (¬2). فالنسخة مختلطة من الروايتين على ما يظهر.
كذلك في كتاب العتاق مثال يدل على اختلاط الروايتين في نسختنا. يظهر ذلك بوضوح عند مقارنة نسخة الأصل مع كلام الحاكم والسرخسي (¬3).
ذكر في الإجارات مسألة، وذكر الحاكم والسرخسي أن هذه المسألة زيادة من نسخ أبي حفص (¬4).
والذي يترجح أنه كتب في أول الكتب الفقهية اسم الراوي الذي غلب استعمال روايته أثناء نسخ الكتاب، لكن كانت الرواية الأخرى أيضاً موجودة لدى الناسخ، فكان إذا رأى زيادة في الرواية الأخرى يضيف تلك الزيادة إلى النسخة، ويشير إلى ذلك أحياناً مثل ما فعل في آخر كتاب الصلاة، حيث ذكر بعض الفروع عن هشام (¬5)، وهو من رواة الأصل الذين فقدت روايتهم كما تقدم، وفي آخر كتاب المزارعة، حيث ذكر في آخره كلاماً لأبي حفص (¬6). وكان الناسخ أيضاً إذا رأى فرقاً بين الروايتين يقوم بترجيح رواية على أخرى، ولا يشير إلى ذلك كما تقدم بيانه في الأمثلة المذكورة آنفاً. وهذا يدل على أن اسم الراوي المذكور في أوائل كتب الفقه من كتاب الأصل هو أغلبي وليس شاملاً لجميع مسائل ذلك الكتاب.
ج - مقارنة نسخة كتاب الأصل الموجودة مع كتب الفقه الحنفي
يتضح من مقارنة مسائل الأصل في النسخة التي بأيدينا مع كتب الفقه
¬
(¬1) انظر: الأصل، 1/ 313 و؛ والكافي، 1/ 183 و.
(¬2) انظر: الأصل، 1/ 295 ظ؛ والكافي، 1/ 180 و.
(¬3) انظر: الأصل، 3/ 124 و؛ والكافي، 1/ 94 و؛ والمبسوط، 7/ 145.
(¬4) انظر: الأصل، 2/ 181 ظ؛ والكافي، 1/ 215 ظ، والمبسوط، 16/ 59.
(¬5) انظر: 1/ 85 و. وقد ذكرناها في الهامش في آخر كتاب الصلاة؛ لأننا لم نتأكد أنها من كتاب الأصل.
(¬6) انظر: 7/ 123 و.