الجزء 1 · صفحة 23
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحرى ما يملى في تباشير الخطب والديابيج، وأحسن ما يتلى في بحابيح الدياجر والدياييج، وأبهى فرايد تنظم في عقد الجمان، وأسنى جواهر ترصع في يواقيت أركان الأذهان، حمد من هدانا منهج الهداية، وشكر من أنجانا من مسلك الغواية، الذي أرشدنا دينا مضيا، وعلمنا شرعا مرضيا هنيا، وبعث إلينا نبيا صادقا أمينا، من أكرم محتد وأشرف جرثومة، وأطيب مغرس وأعرف أرومة، عليه صلوات لا ينهى عددها، ولا يحاط مبلغها، ولا يدرك أمدها، ثم على أزواجه الطاهرات، ونسائه الزاكيات، وعلى خلفائه الراشدين، وآله وصحبه أجمعين، والرضوان على علماء المسلمين، مصابيح الدنيا والدين، ما دخل الليل في النهار، وما هبت الرياح وامتدت الأنهار.
أما بعد:
فإن العبد الفقير إلى ربه الغني، أبا محمد محمود بن أحمد العيني، عامله الله ووالديه بلطفه الخفي، يقول: لما وقعت في الديار المصرية، ديار خير وعلم وأمنية، ورأيت الترك منكبين على المختصر الموسوم بتحفة الملوك، لكونه هاديا إلى أوضح السلوك، راغبين فيه غاية الرغبة، مجتهدين فيه بأشد همة، لكونه مختصرا لطيفا، ومنتخبا شريفا، بحيث يحصل منه الحظ للمبتدئ والفضل للمنتهي، وأنه محتاج إلى الشرح والإيضاح، والبيان والإفصاح، أردت أن أشرح له شرحا يذلل الصعاب، ويزيل عن مخدراته النقاب، متعرضا لحل المتن وبسط مسائله، وإيضاح ما يحتاج إلى البيان من دلائله، مترجما بكتابه (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) فالمسؤول من الله أن يرزقنا الفهم والدراية، ويعصمنا عن الجهل والغواية، ويوفقنا طريق الصواب،
الجزء 1 · صفحة 24
ويحجزنا عن الوقوع في مظان الارتياب، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. ومأمول من الناظر فيه أن ينظر بعين الصدق والصفا، ولا ينظر بعين الحسد والجفا، فإن الجسد لا يخلو عن الحسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه، اللهم اعصمنا عن نفث عاقد إذا عقد ومن شر حاسد إذا حسد، توكلي عليه وهو حسبي ونعم الوكيل.
الجزء 1 · صفحة 25
بسم الله الرحمن الرحيم
أقول: قد جرى دأب السلف والخلف من المصنفين رحمهم الله أن يعنونوا كتبهم بالبسملة وذلك من وجوه ثلاثة:
الأول: اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح هكذا، والثاني: عملا بقوله عليه السلام: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) رواه أبو داود وابن ماجه، والثالث: تبركا باسم الله في ابتداء الأمر، وتفاؤلا به ليوفقه طريق الرشاد، ويسلكه سنن السداد، ويعاذ به من شر أبي كردوس الرجيم، ويلاذ به من مكره العظيم، فإن فيه معاذا للمؤمنين وملاذا للمسلمين.
ألا يرى أن من اعتراه خطب جسيم واحتواه أمر عظيم، كيف يتلفظ باسم من هو يعزو نفسه إلى بابه، ويعدها من جملة أحبابه ليحصل له المناص من ذلك والخلاص في ذلك.
وكيف ينتبّ من حواليه، وينشرد من جوانيه، من هو به حصل له ما حصل
الجزء 1 · صفحة 26
ووقع له ما وقع، فبالحرى ذلك في اسم الله تعالى؛ لأنه هو المخلص في الدنيا والآخرة، والمنجي من مكائد أبي مرة ومصايد الحارث ووساوس الولهان، وكيف لا وإن سائر أسماء الله تعالى جميعها مضمنة، فيه مندرجة فيما تحته، كما قيل: إن لفظة الله اسم للذات، مستجمع لجميع الصفات، وأن سورة التوحيد مخصوصة به، وكلمة الشهادة واقعة به، والأيمان مشروعة به.
ولو بسطنا القول فيه من حيث الاشتقاق والوضع والإعراب والمعاني والبيان والبديع، ومن حيث اختلاف المجتهدين فيما يبتنى عليه من الأحكام، ومن حيث الثواب والفضيلة، ومن حيث ما ورد فيه الآثار والأخبار، لاحتجنا إلى دفاتر ما تحمل على الأكتاف، ولكن نذكر شيئا نزرا بقدر ما يتحمله هذا المختصر، تشفيا لصدور الناظرين، وترويا لقلوب الواردين.
فنقول: (بسم الله) أي بسم الله أشرع، وهو اللائق به، وكذلك المسافر إذا حل أو ارتحل وقال: بسم الله، أي بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل، وكذلك كل فاعل يبدأ في أول فعله: بسم الله.
فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخرا؟ قلت: لفائدة الاختصاص الذي يحصل بتقديم الاسم وتأخير الفعل كما في {إياك نعبد وإياك نستعين}.
فإن قلت: لم قدم الفعل على الاسم في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}.
قلت: هذا أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الأمر بالقراءة أهم لتبليغ الرسالة فلذلك قدم.
فإن قلت: لفظة الله اسم أو صفة؟ قلت: اسم غير صفة، ألا ترى أنك تصفه ولا تصف به فتقول: الله رحيم، ولا تقول: الرحيم الله.
فإن قلت: اسم موضوع أو مشتق؟ قلت: ليس بمشتق في الأصح، والذين ذهبوا إلى اشتقاقه بعضهم قالوا: من ألِه يألَه بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر: أي
الجزء 1 · صفحة 27
سكن، وبعضهم قالوا: من وله يوله: أي تحير، وبعضهم قالوا من تأله يتأله: أي تضرع، وبعضهم قالوا: من لاه يلوه: أي احتجب، فإن قلت: كيف نراعي هذه المعاني في لفظة الله؟ قلت: مراعاتها ظاهرة:
أما الأول: فلسكون الخلق إليه، وأما الثاني: فلتحيرهم في كنه عظمته، وأما الثالث: فلتضرعهم إليه، وأما الرابع: فلأنه محتجب عن إدراك الأبصار وإحاطة الأفكار.
فإن قلت: ما الفرق بين الرحمن والرحيم؟ قلت: الرحمن فعلان من رحم، كغضبان من غضب.
والرحيم: فعيل من رحم، كسقيم من سقم، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، فلذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا؛ لأن الزيادة في اللفظ لزيادة في المعنى، وإليه الإشارة في الكشاف، فيكون هذا من باب التتميم والتكميل لا من باب الترقي، لأن الترقي شرطه من الأدنى إلى الأعلى، ولو كان ذلك لقيل (بسم الله الرحيم الرحيم).
فإن قلت: ما معناهما من حيث اللغة؟ قلت: قد علمت أنهما مشتقان من رحم يرحم رحمة وهو: التعطف والحنو. ومنه الرحيم لانعطافها على ما فيها. فإن قلت: كيف يجوز أن يوصف الله بهذا المعنى؟
قلت: يكون مجازا من إنعامه على عباده؛ لأن مآل التعطف والحنو يفضي إلى هذا، كما أن سخطه عبارة عن عقابه.
وأما إعرابها:
فقوله: بسم: مجرور بالباء، ومحل الباء نصب هو ظاهر، لأنه إما مفعول وإما
الجزء 1 · صفحة 28
حال، ويجوز أن لا يكون في قوة ابتدائي بسم الله، أي ابتدائي حاصل بسم الله، ولفظة (الله) مجرور بالإضافة، والرحمن الرحيم مجروران بالوصفية.
وهذا القدر كاف للفطن الذكي، ولا ينفع الإكثار والبسط للجاهل الغبي.
قوله: (الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) أقول:
هذا جزء من القرآن الكريم أتى به في أول كتابه لوجوه كثيرة:
الأول: تأسيا بكتاب الله تعالى فإنه مستفتح أولا بالبسملة، وثانيا بالحمدلة.
والثاني: عملا بقوله عليه السلام: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع) رواه أبو داود وابن ماجه وأبو عوانة.
وما قيل: إن هذا وحديث البسملة متعارضان ظاهرا: فقد مر جوابه فيك تابنا المستجمع في شرح المجمع مستوفى.
الجزء 1 · صفحة 29
والثالث: اتباعا للمصنفين في أنهم يثنون الابتداء بالحمد لله.
والرابع: تفاؤلا به للتبرك، وليس شيء مما يتبرك به أفضل من القرآن.
والخامس: أن هذا اقتباس، وهو من صنعة البديع، وهو أن يذكر شيئا من القرآن أو الحديث لا على أنه منه.
والسادس: أن هذا الجزء الشريف مشتمل على الحمد الذي هو رأس الشكر والسلام على الأنبياء؛ لأن المراد من قوله: {على عباده الذين اصطفى} هم الأنبياء.
والسابع: دفعا لسؤال من يسأل: أنه لم اختار الحمد على المدح والشكر؟
فإن قلت: دأبهم أن يصلوا على النبي عليه السلام بعد الحمد لله، والمصنف خالفهم في ذلك.
قلت: لا، لأن المراد من عباده الذين اصطفى: هم الأنبياء كما قلنا، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم داخل في جملتهم، فتكون مصليا عليه أيضا.
فإن قلت: هم قد صرحوا، وهو قد ترك التصريح، مع أنه ليس فيه لفظ الصلاة.
قلت: طريقه آكد وأبلغ؛ لأنه كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكناية أبلغ من الصريح، لما فيها من الإشعار على الفخامة وعلو القدر ما ليس فيه، والسلام ههنا بمعنى الصلاة، على أن البعض لم يفرقوا بين الصلاة والسلام، أو يكون المراد من عباده الذين اصطفى: هو محمد صلى الله عليه وسلم، من باب إطلاق الكل وإرادة البعض. فإن قلت: كيف يكون من هذا الباب والمراد الجميع في التفسير؟
قلت: قد تقدم أنه اقتباس من القرآن فلا يكون منه مطلقا، فيعمل مراده حينئذ، ثم الحمد هو الوصف بالجميل على جهة التفضيل لا على جهة الاستهزاء، والألف واللام فيه للاستغراق، أي كل واحد من أفراد الحمد لله تعالى، وليست هي للعهد كما توهمه المعتزلة، والحمد: مرفوع بالابتداء، وخبره (الله) وسلام: عطف عليه، وعلى عباده: جار ومجرور متعلق بمحذوف، واللذين: اسم موصول، واصطفى: صلته، والعائد محذوف تقديره: الذين اصطفاهم: أي اختارهم من بين عباده بأشياء مخصوصة، وأصله: اصتفى، لأنه من صفى يصفوا صفوة وصفاءً، فنقلت إلى باب الافتعال، ثم قلبت التاء طاء لما عرف في موضعه.
الجزء 1 · صفحة 30
قوله: (هذا مختصر في علم الفقه جمعته لبعض إخواني في الدين بقدر ما وسعه وقته).
أقول: أي هذا الكتاب الذي صنفته كتاب مختصر، هذا التقدير إذا كانت الخطبة بعد الفراغ من التصنيف، وإن كانت في أول الشروع: تكون الإشارة حينئذ إلى ما في خاطره؛ لأنه تصور في خاطره أن يصنف كتابا صفته كذا وكذا، مثل قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا}.
فإنه عليه السلام أشار إلى الكعبة قبل بنائها، لأنه تصورها في قلبه ما من شأنها يكون كذا وكذا.
وقوله: (في علم الفقه) أي في بعض علم الفقه، وإنما قدرنا هكذا: لأن هذا المختصر مقتصر على عشرة كتب ليس إلا.
والفقه في اللغة: الفهم، كما في قوله تعالى: {يفقهوا قولي} أي يفهموا، وفي اصطلاح الفقهاء: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، وعن أبي حنيفة: أنه معرفة النفس ما لها وما عليها.
وقيد بقوله: (لبعض إخواني) لأنه لا يمكن أن يكون هذا المختصر لجميع إخوانه، لأن المؤمنين شرقا وغربا كلهم إخوانه في الدين، لقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} وإنما قيد بقوله: (في الدين) احترازا عما إذا كان له أخ في النسب، ولا يكون أخا له في الدين، مثل ما إذا كان كافرا.
الجزء 1 · صفحة 31
وقوله: (بقدر ما وسعه وقته) أي جمعته بقدر ما وسع هذا المختصر وقت المختصر. فالضمير في وسعه: منصوب على المفعولية، وفاعله قوله: (وقته) والضمير في وقته مجرور بالإضافة، وكلاهما عائدان إلى المختصر. وفي بعض النسخ: بقدر ما وسعني وقته، والحاصل أن هذا اعتذار من المصنف في سبب الاختصار، وهو عدم وسعة الوقت على أطول من هذا: إما باعتبار أن المختصر مطلوب مرغوب فيه، وإما باعتبار كونه مشغولا بخلافه أيضا، ولم يساعده وقته إلا بهذا المقدار، وهذا هو الظاهر فافهم.
قوله: (واقتصرت فيه على عشرة كتب هي أهم كتب الفقه له وأحقها بالتقديم)
أقول: هذا بيان لقوله (هذا مختصر في علم الفقه) لأنه لما قال ذلك: ألقى في ذهن السامع أنه مختصر، ولكن ما تحقق عنده كيفية اختصاره ولا كمية أبوابه، ولما قال على عشرة كتب: انتقش في ذهنه أنه على عشرة كتب ليس إلا.
وقوله: (هي أهم كتب الفقه) أي الكتب العشرة التي أذكرها: أهم كتب الفقه لبعض إخواني. وكونها أهم كتب الفقه ظاهر.
أما الصلاة والزكاة والصوم والحج: فلأنها قواعد الإسلام وأسه، لما روى البخاري في صحيحه بإسناده إلى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة
الجزء 1 · صفحة 32
وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) فهذه أركان خمسة للدين.
أما الشهادتان: فموضعهما الكلام، فلذلك لم يذكرهما المصنف، لأنه علم برأسه مستقل بنفسه.
وأما الصلاة: فلأنها تالية الإيمان، وثانيته في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فقوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}.
وأما في الحديث: فما رويناه، وأنها أحد شطري الإيمان، ألا يرى أن تاركها جاحدا: كافر بالإجماع؟ وكسلا وتهاونا: فاسق، فيؤدي ويضرب، وعند الشافعي: يقتل، فقيل: حدا، وقيل: كفرا، وقد ورد في تاركها وعيد شديد لما روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن بين الرجل والكفر ترك الصلاة).
وأما الطهارة: فهي شرطها فلا تنفك عنها.
وأما الزكاة: فلا ريب أنها تالية الصلاة، وثانيتها في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}.
الجزء 1 · صفحة 33
وأما في الحديث: فما رويناه، وأنها من أعظم أركان الدين، وكيف لا وقد قال عليه السلام (ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس) رواه مسلم وابن ماجه.
وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها من نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما ردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
وأما الصوم: فلا زيغ أنه من جملة ما يبتنى عليه الإسلام، وأنه هو العبادة التي أضافها الله تعالى إلى نفسه، وإن كان جميع العبادات له في الحقيقة، على ما روي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
وأما الحج: فهو أيضا من شعائر الإسلام، وتقام به شعائر الله تعالى، وتحصل به الجنة، لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
الجزء 1 · صفحة 34
وفيه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) وفي رواية ابن ماجه (من حج هذا البيت ...) إلى آخره.
وأما الجهاد: فلا مراء أنه من قواعد الإسلام، ألا يرى أن التولي من الزحف كيف عد من الكبائر، وكيف رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وقال: (يضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك ..) الحديث بتمامه في صحيح مسلم.
وأما الصيد والذبائح: فلا ريبة أنهما يكثران من الخلق بالنسبة إلى غيرهما من المباحات، لا سيما الذبائح، فتكون الحاجة ماسة إلى علمه.
وأما الكراهية: فلا غرو أن فيها بيان الحل والحرمة، ولا شك أن تمييز الحلال من الحرام والاجتناب عنه من قواعد الإسلام.
وأما الفرائض: فلا عُندُد أنها نصف العلم لقوله عليه السلام: (تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي) رواه ابن ماجه. وقال عليه الصلاة والسلام: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة) رواه أبو داود.
الجزء 1 · صفحة 35
وأما الكسب مع الأدب: فلا معلندد أن طلب الكسب فريضة، فيكون داخلا في القواعد. والأدب: التخلق بالأخلاق الحميدة، ولا شك أن التأدب بالآداب الحسنة واجب، وترك الأدب في كثير من المواضع يوجب الفسق ويسقط العدالة.
هذا بيان وجه اختيار المصنف هذه الكتب العشرة، على أنا نقول: إنها أكثر وقوعا بالنسبة إلى غيرها، فإن المكلف يمكن أن لا يقع له في عمره من الوكالة أو الكفالة أو المضاربة أو الرهن أو الهبة أو العارية أو نحوها، ولا يمكن شرعا أن لا يقع له شيء من مسألة الطهارة أو الصلاة أو الصوم أو الفرائض أو الكراهية أو الكسب، وعدم الوقوع في حق البعض لوجود المانع نادر بالنسبة إلى الوقوع في حق الأكثرين، والنادر كالمعدوم عند وجود الأكثر فافهم.
قوله: (نفعه الله به وجعله سببا لترقيه إلى أعلى مراتب الآخرة)
أقول: أي نفع الله بعض إخواني في الدين بهذا المختصر، هذه جملة دعائية، إخبار في معنى الإنشاء، تقديره: اللهم انفعه به: أي وفقه وارزقه العمل بما فيه، لأنه حين يعمل بما فيه يهديه إلى صراط مستقيم، ويرشده إلى منهج قويم.
قوله: (وجعله سببا لترقيه) أي جعل الله هذا المختصر سببا لترقي بعض إخواني في الدين الذي يشتغل فيه ويعمل بما فيه: إلى أعلى مراتب الآخرة، وهو نظره إلى ربه الكريم من غير كيف ولا تشبيه ولا قرب قريب ولا بعد بعيد، نازلا في دار البقاء، وحالا في دار الكرامة (اللهم ارزقنا ذلك يا خير الناصرين ويا رب العالمين) وهذه أيضا جملة دعائية: إخبار في معنى الإنشاء.
ومعنى الترقي: هو التصعد والتدرج، وهو الوصول من الأدنى إلى الأعلى على سبيل التدريج، فافهم.
الجزء 1 · صفحة 37
كتاب الطهارة
أقول: ابتدأ المصنف في بيان الكتب العشرة التي اختارها، فإن قلت: لم قال: كتاب الطهارة، ولم يقل باب الطهارة؟
قلت: لأن الباب عبارة عن النوع، والكتاب معناه: الجمع في اللغة، فكأنه يجمع الأنواع التي تحته وهي: الوضوء والغسل وأحكام المياه والآبار والأسار ونحوها.
فإن قلت: لم قال كتاب الطهارة ولم يقل كتاب الطهارات؟
قلت: الطهارة مصدر يتناول القليل والكثير، فلا يحتاج إلى الجمع.
فإن قلت: لم قال كتاب الطهارة ولم يقل كتاب الوضوء؟
قلت: الطهارة تطلق على الوضوء والغسل وطهارة المكان والثوب والبدن، وطهارة الآبار ونحوها.
والوضوء لا يطلق إلا على غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس.
فإن قلت: لم قدم كتاب الطهارة على الصلاة؟
قلت: لأنها شرط الصلاة، والشرط دائماً بقدم على المشروط، إذ وجوده يتوقف على وجود الشرط.
والطهارة مصدر من طهر الشيء بفتح الطاء وضمها: هي النظافة مطلقاً، وفي الشرع: النظافة عن النجاسات.
قوله: (الماء على ثلاثة أقسام):
أقول: إنما قدم بحث المياه على الوضوء والغسل لأنه آلة لهما، وهما يحصلان
الجزء 1 · صفحة 38
به، فلا بد من أن يقدم الآلة أولاً ليكون المكلف على الاستعداد، ثم قدم الماء المطلق على سائر أقسام الماء وهي:
المقيد، والمستعمل، والمختلط، والمعتصر، والمتغير، ونبيذ التمر، والمكروه، والمشكوك، والنجس، لأن الطهارة تحصل به بطريق الأصالة، بخلاف بواقيه، فإن بعضها لا يجوز استعماله: كالنجس، وبعضها يجوز عند عدم المطلق: كالمكروه، وبعضها بالجمع بالتراب: كالمشكوك.
قوله: (طاهر وطهور) أي القسم الأول: طاهر وطهور، أي طاهر في نفسه وطهور لغيره.
قوله: (وهو الماء الباقي على أوصاف خلقته) هذا حد الماء الطاهر والطهور، وهو الماء الذي يسميه الفقهاء: ماء مطلقاً، وهو ما يكون باقياً على أوصاف خلقته التي خلقه الله تعالى عليها من غير أن يتغير طعمه ولونه وريحه، وذلك كماء السماء والعيون والآبار والأنهار والبحار والحياض والغدران ونحوها.
قوله: (ومنه ما يقطر من الكرم) أي من الماء الطاهر والطهور ما يقطر من الكرم أيام الربيع، لأنه يخرج من غير علاج.
وذكر في المحيط: أنه لا يتوضأ بماء يسيل من الكرم، لكمال الامتزاج.
قوله: (والمتغير بطاهر) أي ومنه المتغير، أي من الطاهر والطهور: الماء الذي تغير بالشيء الطاهر كالصابون والزعفران، والحرض ونحوها، ولكن بشرطين:
الأول: أن لا يغلبه بالأجزاء، أشار إليه بقوله: (ما لم يغلبه بالأجزاء).
الجزء 1 · صفحة 39
الثاني: أن لا يجدد له اسم آخر، أشار إليه بقوله: (ولم يجدد له اسم آخر) لأنه إذا جدد له اسم آخر: لا يبقى ماء: كالمرق وماء الباقلا والخل وسائر الأشربة.
واعلم أن المراد من الغلبة بالأجزاء هو: أن يخرج الماء من الصفة الأصلية وهي الرقة، بأن يثخنه إلى أن يجعله ثخيناً، لا أن يكون من حيث الوزن أكثر كما يتوهمه بعض الناس، نص عليه في شروح الهداية.
ويعضده أيضاً قول قاضي خان: "أن التوضي بماء الزعفران وزردج العصفر يجوز إن كان رقيقاً والماء غالب، فإن غلبت الحمرة وصار متماسكاً لا يجوز".
ويقويه قول أبي يوسف في الأمالي: "إذا اختلط الصابون بالماء وغلب عليه وأثخنه: لا يجوز التوضي به، وإذا كان رقيقاً لكن علاه بياض الصابون: يجوز
الجزء 1 · صفحة 40
التوضي به. وكذلك إذا طبخ الآس والبابونج في الماء، فإن غلب على الماء حتى يقال ماء البابونج أو ماء الآس: لا يجوز التوضي به". وههنا تفريعات أخر ذكرتها في شرحي المستجمع، فمن رامها فعليه بذيله.
قوله: (وطاهر فقط) أي القسم الثاني من الأقسام الثلاثة:
ماء طاهر في نفسه فقط، يعني غير طهور لغيره (وهو كل ماء أزيل به حدث أو أقيمت به قربة) وهو الماء المستعمل، وسبب استعمال الماء: أحد الأمرين عند أبي يوسف، وهما: إزالة الحدث والتقرب، وهو أن يتوضأ وهو على الوضوء قصداً للقربة، وعند محمد: السبب التقرب فقط.
وفي حكمه ثلاث روايات عن أبي حنيفة: في رواية: نجس مغلظ، وبها أخذ الحسن، وفي رواية: نجس مخفف، وبها أخذ أبو يوسف، وفي رواية: طاهر غير طهور، وبها أخذ محمد، وهو أحد قولي الشافعي، وهو الصحيح وعليه الفتوى.
قوله: (ونجس) أي القسم الثالث من أقسام الثلاثة: ماء نجس (وهو ماء قليل وقعت به نجاسة وإن لم تغيره) لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة" رواه أبو داود. ولو لم يكن الماء منجساً لم يكن للنهي فائدة.
الجزء 1 · صفحة 41
والقلتان: تتنجس بوقوع النجاسة فيها، خلافاً للشافعي، والحديث الذي ورد فيها: ضعيف، ضعفه يحيى بن معين وغيره.
الجزء 1 · صفحة 42
وهي خمس قرب كل قربة خمسون منا.
قوله: (وكثير وقعت فيه نجاسة) عطف على قوله: (وهو ماء قليل) فيكون هذا أيضاً داخلاً في حكم القسم الثالث: وهو النجس، فتقدير الكلام: القسم الثالث: ماء نجس، وهو ماء قليل وقعت فيه نجاسة وإن لم تغيره، وماء كثير وقعت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصافه وهي: اللون والطعم والرائحة، سواء كان هذا الماء الكثير جارياً أو واقفاً. فافهم.
فرع: إذا ألقي الكلب الميت في النهر والماء يجري، ينظر: إن كان للماء الذي يجري من جانب الكلب قوة الجريان، أو كان الماء يجري على أعلى الكلب: فالماء طاهر. وإن كان جميعه يجري على جميع الكلب وليس في جانبيه قوة الجريان: فالماء نجس.
قوله: (والكثير: عشر في عشر9 لما بين حكم الماء الكثير أولاً شرع في بيان حده: وهو عشر في عشر بذراع المساحة، وهو ذراع الملك: وهو كسرى أنو شروان، وهو سبع قبضات بإصبع قائمة، لأنه من الممسوحات، وذراع المساحة فيها أليق، وقيل بذراع الكرباس توسعة للناس، لأنه ست قبضات: أربع وعشرون إصبعاً، وهو اختيار المصنف، والأصح أنه يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم، نص عليه في الكافي والمحيط.
الجزء 1 · صفحة 43
قوله: (في عمق) بدون الواو، وجار ومجرور وقعت حالاً من قوله: (والكثير) وقوله: (بذراع الكرباس) صفة لقوله: عشر في عشر، والمبتدأ كثيراً ما يقع منه الحال، فتقدير الكلام: والماء الكثير حال كونه مستقراً في عمق عشرة أذرع كائنة في عشرة أذرع مثلها مذروعة بذراع الكرباس.
قوله: (لا تظهر الأرض بالغرف) جملة وقعت صفة لقوله: (عمق) فافهم.
وقيل في حد العمق: قدر ذراع، وقيل: قدر شبر، وقيل: قدر أربع أصابع مفتوحة، وعن البزدوي: بما يبلغ الكعب.
قوله: (والقليل ما دونه) أي الماء القليل ما دون الكثير، وهو ما دون العشر في العشر، مثل تسعة في تسعة وما دونها.
قوله: (والجاري) أي الماء الجاري (ما يذهب بتبنة أو ورق) نص عليه صاحب تحفة الفقهاء، وقيل: ما يعده الناس جارياً، وهو المختار.
قوله: (والواقف ما دونه) أي الماء الواقف ما دون الجاري وهو: ما لا يذهب بتبنة ولا ورق.
قوله: (والنجاسة كل خارج من أحد السبيلين) وهما القبل والدبر، وأطلق الخارج ليعم البول والغائط والدودة ونحوها. فإن قلت: كيف يقول المصنف: (والنجاسة كل خارج من أحد السبيلين) ونحن نجد خارجاً من أحدهما وهو غير نجس: كالريح
الجزء 1 · صفحة 44
الخارجة من الذكر وفرج المرأة، فإنه لا ينقض الوضوء فلا يكون نجساً، حتى إذا كانت سراويلها مبتلة لا ينجسها؟
قلت: هذا نادر، والحكم للغالب، ولأنه لا وجود له في الحقيقة، ولأنه اختلاج، على أن فيه رواية عن محمد: أنه يجب فيه الوضوء، فحينئذ يكون نجساً.
قوله: (وغيره) أي غير الإنسان، أي النجاسة كل خارج من أحد السبيلين من الإنسان، وكل خارج من أحد السبيلين من غير الإنسان، وهو يتناول جميع الدواب والوحوش والطيور، لكن استثني منه الحمام والعصفور: فإن خرءهما طاهر، لأنه لا يستحيل إلى نتن وفساد، على أن المسلمين أجمعوا على اقتناء الحمامات في المساجد مع الأمر بتطهيرها. وفيه خلاف الشافعي.
فإن قلت: المراد من قوله: (والنجاسة كل خارج) مغلظة أو مخففة؟ قلت: المراد من الخارج من الإنسان: مغلظة مطلقاً، وفي غيره تفصيل وخلاف، لأنها لا تخلو إما أن تكون مما يؤكل لحمه أو مما لا يؤكل.
أما الأرواث: فنجاستها مغلظة عند أبي حنيفة سواء كانت مما يؤكل أو مما لا يؤكل، وعندهما: مخففة مطلقاً، وعند زفر: إن كانت مما تؤكل: فهي مخففة، وإن كانت مما لا تؤكل: مغلظة.
وعند مالك: الأرواث طاهرة.
الجزء 1 · صفحة 45
وأما الأخراء جمع خرء: فإن كانت مما تؤكل: فهي طاهرة، إلا خرء البط والدجاج والأوز، وإن كانت مما لا تؤكل: فنجاستها مخففة عند أبي حنيفة، ومغلظة عندهما على رواية الهندواني، وعلى رواية الكرخي: عند محمد مغلظة، وعندهما: طاهرة.
وأما الأبوال: فإن كانت مما لا يؤكل: فهي مغلظة بالاتفاق، وإن كانت مما يؤكل: فعند أبي حنيفة مغلظة، وعند أبي يوسف: مخففة، وعند محمد: طاهرة، حتى لا يجوز شرب بول نحو الغنم عند أبي حنيفة مطلقاً، ويجوز عند أبي يوسف للتداوي، ويجوز عند محمد مطلقاً. وعلى هذا مسائل وتفريعات كثيرة لا يتحملها هذا المختصر، يخرجها الفطن الذكي.
قوله: (والدم والقيح والصديد) عطف على قوله: (كل خارج).
قوله: (إذا سال إلى محل الطهارة) يعني بعدما خرج إذا سال إلى موضع يلحقه حكم التطهير (يكون نجساً) حتى إذا لم يسل إلى هذا الموضع: لا يكون نجساً، فلا ينقض الوضوء، حتى قيل: إذا ظهر الدم ونحوه على قرحة ورفعه بقطنة من غير سيلان: لا ينقض الوضوء، ولو ألقاه في البئر أو في الطعام: لا ينجسه.
قوله: (إما للوضوء وإما للغسل) تفصيل لمحل الطهارة، لأنها لا تخلو عن هذين الأمرين، أما محل الطهارة للوضوء: فهي الأعضاء الأربعة، وأما محل الطهارة للغسل: فجميع البدن.
قوله: (في الجملة يؤدي معنى مطلقاً) يعني الدم ونحوه إذا خرج وسال إلى محل الطهارة: يكون نجساً وناقضاً، سواء كان السيلان قليلاً أو كثيراً، وسواء كان السيلان
الجزء 1 · صفحة 46
إلى محل الطهارة من الوضوء، أو إلى محل الطهارة من الغسل، أو يكون المعنى: أن الدم ونحوه إذا سال إلى محل يجب تطهيرها في الجملة، يعني في الحدث أو في الجنابة، حتى لو نزل الدم من الرأس إلى قصبة الأنف: ينقض الوضوء، لأنه يجب غسل تلك المحل في الجملة، يعني في الغسل، وإن لم يجب في الوضوء.
والبول إذا نزل إلى قصبة الذكر: لا ينقض الوضوء، لأنه لم يجب غسل تلك المحل في الجملة، لا في الوضوء، ولا في الغسل. هذا ما سنح به خاطري في هذا المقام فافهم.
قوله: (والخمر) عطف على ما قبله، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة: 90] أي نجس. وللخمر أحكام منها: أن قليلها وكثيرها حرام بالإجماع، ومنها: أنه يكفر مستحلها، ومنها: أن نجاستها مغلظة كالبول، ومنها: أنه لا قيمة لها في حق المسلم، حتى لا يضمن متلفها ولا غاصبها، ويحرم بيعها، ومنها: أن الحد يتعلق بنفس شربها، سواء سكر بها أو لم يسكر، ومنها: أن الطبخ لا يحلها.
قوله: (والقيء ملء الفم) ولما كان هذا حدثاً لقول علي رضي الله عنه: "أو دسعة تملأ الفم" حين عد الأحداث، كان نجساً، يقال: دسع: إذا قاء ملء الفم.
الجزء 1 · صفحة 47
قوله: (وخرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور) كالصقر والعقاب والبازي والشاهين ونحوها (ينجس الماء) لإمكان التحامي عنه بتغطية الأواني (ولا ينجس الثوب) لأنها تذرق من الهواء (إلا إذا فحش) والفحش: شبر في شبر عند البعض، وقيل: ذراع في ذراع، وقيل: أكثر من النصف.
وعن أبي حنيفة: ما يستفحشه الناس.
والصحيح: ربع الثوب، لأن الربع يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام، كحلق ربع الرأس في الإحرام، وكشف ربع العورة.
واختلفوا في كيفية اعتبار الربع: فقيل: ربع كل الثوب، وقيل: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه، مثل ربع الكم أو الذيل أو الدخريص.
قوله: (وخرء الفأرة وبوله معفو عنه في الطعام والثوب) لعدم إمكان التحامي عنه، لأن الفأرة غالباً تخرج في الليالي وتدخل المضائق، بخلاف الماء فإن حفظه ممكن.
وخرء دود القز: نجس، وعن محمد: لا بأس ببولها، وبول الخفافيش وخرؤها ليس بشيء، كذا في الإيضاح.
قوله: (ودم البق والبراغيث والسم: عفو) لأنه ليس بدم حقيقة.
وعن أبي يوسف في قول ضعيف: أن دم السمك: نجس، ودم الحلمة والأوزاغ: نجس، ودم الكبد والطحال: طاهر.
فرع: ذبح شاة بسكين، ثم مسح السكين على صوفها أو على شيء، وذهب أثر الدم: تطهر، حتى لو قطع بها بطيخاً يكون طاهراً، كذا في النوازل.
الجزء 1 · صفحة 48
قوله: (وشعر الميتة وكل جزء منها لا حياة فيه) كالعظم والقرن والظلف والحافر والمخلب والمنقار: (طاهر) لعدم حلول الحياة فيها، فانتفت علة التنجيس، وكذلك الصوف والوبر والشعر، وفي العصب: روايتان، وعند الشافعي: الكل نجس، وعند مالك: العظم نجس والشعر طاهر.
قوله: (وشعر الخنزير وسائر أجزائه: نجس) لقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]. والضمير يرجع على الخنزير، فتكون جميع أجزائه نجساً.
قوله: (ورخص الخرز بشعره) لأن خرز النعال والأخفاف الرفيعة لا يتأتى إلا به، فكان فيه ضرورة.
وعن أبي يوسف: أنه يكره، لأن الخرز يتأتى بغيره. والأول: هو الظاهر، لأن الضرورة تبيح لحمه، فالشعر أولى، ثم لا حاجة إلى شرائه، لأنه يوجد مباح الأصل، وقال الفقيه أبو الليث:
"إن كانت الأساكفة لا يجدون شعر الخنزير إلا بالشراء: ينبغي أن يجوز لهم الشراء، ولا بأس للأساكفة أن يصلوا مع شعر الخنزير، وإن كان أكثر من قدر الدرهم، ولو وقع في الماء القليل: أفسده عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد".
والخرز: الخياطة، من خرز يخرز من باب ضرب يضرب.
قوله: (والفيل طاهر) الأصح أنه مثل سائر السباع حتى يكون سؤره نجساً، ويطهر جلده بالدباغ، ولحمه بالذكاة، ويجوز استعمال شعره وعصبه، ويجوز بيع عظمه والانتفاع به في نحو مقابض السكين والسيف، وهذا عندهما، وعند محمد: هو مثل الخنزير، فلا يجوز استعمال جزء منه أصلاً، وإطلاق المصنف بقوله: (والفيل طاهر) في حق غير الأكل، فافهم.
الجزء 1 · صفحة 49
قوله: (وكل إهاب دبغ طهر) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" رواه مسلم ولفظه "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
وقوله: (كل إهاب) يتناول جميع جلد يحتمل الدباغ، وأما ما لا يحتمله مثل جلد الحية الصغيرة.
والفأرة: لا يطهر بالدباغ كاللحم. وعند محمد: لو أصلح مصارين الشاة الميتة، أو دبغ المثانة: طهرت، وقال أبو يوسف: هي كاللحم.
والدباغة حقيقية: كالدباغة بشيء له قيمة: كالعفص والقرظ والشث. وحكمية: كالتشميس والتتريب والإلقاء في الريح، فبعد الدباغة: يحكم بطهارته، وجوز الصلاة عليه، وشرب الماء فيه، في الفصلين جميعاً.
خلافاً للشافعي في الفصل الأخير.
قوله: (إلا جلد الخنزير لنجاسته، وجلد الآدمي لكرامته) وإنما قدم الخنزير على الآدمي: لأن الموضع موضع عدم الطهارة، فكان تأخير الإنسان أولى فافهم. قوله: (وسؤر الآدمي طاهر) لأن المسئر طاهر، ولا فرق بين الطاهر والجنب، والحائض والنفساء، والصغير والكبير، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى. والسؤر: بقية الماء الذي يبقيها الشارب. قوله: (إلا حال شرب الخمر) يعني في حال شرب الخمر: سؤره
الجزء 1 · صفحة 50
نجس، لأن الخمر نجس، فيلاقي الماء فينجسه، فإن بلع ريقه ثلاث مرات: طهر فمه عند أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن المائع غير الماء: مطهر عنده من غير اشتراط صب عنده، وكفى لشارب الخمر إهانة وذلاً: أن يكون سؤره حال شرب الخمر كسؤر الخنزير والكلب.
قوله: (وسؤر الفرس وما يؤكل لحمه طاهر) لأن المسئر طاهر، وحرمة الفرس لكونه آلة للجهاد، لا لنجاسته كالآدمي، ألا يرى أن لبنه حلال بالإجماع؟ وإنما أفرد الفرس بالذكر: لأنه غير داخل فيما يؤكل لحمه على قول أبي حنيفة، وإن كان طاهراً عنده أيضاً، ولكنه غير مكول، لأن الطهارة لا تستلزم الأكل، كالآدمي والطين.
قوله: (وسؤر الخنزير والكلب وسباع البهائم: نجس) لأن المسئر نجس، وعند مالك: سؤر الخنزير والكلب طاهر، وعند الشافعي: سؤر سباع البهائم طاهر.
قوله: (وسؤر الهرة ... إلى آخره) أما سؤر الهرة: فمكروه عند أبي حنيفة ومحمد، والقياس أن يكون نجساً، لأن المسئر نجس، ولكنه سقطت النجاسة بعلة الطواف، وبقيت الكراهة، وعند أبي يوسف: لا يكره، وأما سؤر الدجاجة المخلاة: فلعدم تحاميها من النجاسة، حتى لو كانت محبوسة في مكان طاهر بحيث لا يصل منقارها إلى ما تحت رجلها: لا يكره، وكذلك الإبل الجلالة والبقر الجلالة، وأما سؤر الحية والعقرب والفأرة: فالأصل فيه أن يكون نجساً، لكنها من الطوافات، فسقط التنجيس للحرج، وبقيت الكراهة.
وأما سؤر سباع الطير: مثل الحدأة والبازي والصقر ونحوها: فالقياس تنجسه، اعتباراً بلحمها، ولكن الاستحسان طهره لشربها بمنقارها، وهو عظم لا يحتمل النجاسة كالسيف، وإذا ثبت طهارته: كره، لأنها لا تتحامى من النجاسة.
قوله: (وسؤر البغل والحمار: مشكوك في طهوريته) وسبب الشك: تعارض الخبرين في إباحة لحم الحمار، وحرمته، ومعنى الشك: التوقف فيه، فلا يطهر النجس ولا ينجس الطاهر.
الجزء 1 · صفحة 51
وأما البغل: فهو متولد من الحمار فيكون مثله، وقيل: الشك في طهارته، وروى الكرخي عن أصحابنا: أن سؤرهما نجس.
فإن قلت: القاعدة في تعارض الخبرين: اللذين أحدهما محرم والآخر مبيح: أن يغلب المحرم على المبيح، ولم يغلب المحرم على المبيح ها هنا؟
قلت: نعم لكن لم يفعل ها هنا مثل ذلك للضرورة، لما أن الحمير تربط في الأفنية، ويحتاج إليها للركوب والحمل، وتشرب في الآنية.
فإن قلت: كيف يطلق الشك على حكم من أحكام الشرع، والشارع لا يخفى عليه شيء؟
قلت: هذا بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى الشارع فالأشياء كلها مبينة لا شك فيها ولا خفاء. وأما لبن الحمار: فقد نص أنه طاهر، وفي شرح الجامع الصغير لفخر الإسلام: أن لبن الأتان طاهر ولا يؤكل، وفي ظاهر الرواية: أن لبنها نجس.
قوله: (فإن لم يجد غيره) أي غير سؤر البغل والحمار (يتوضأ به ويتيمم) ليخرج عن العهدة بيقين، وأيهما قدم جاز.
وقال زفر: لابد أن يتوضأ أولاً، ثم يتيمم، ليكون عادماً للماء حقيقة.
قلنا: المقصود دخول الطهارة بيقين، فيجب الجمع دون الترتيب والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 52
فصل في الوضوء والغسل
لما فرغ من المياه وأقسامها، وعن بيان النجاسة والآسار، شرع في بيان الوضوء والغسل، وقدم الوضوء على الغسل: لأنه أكثر دوراناً بالنسبة إلى الغسل.
ثم الفصل مهما فصل: لا ينون، ومهما وصل: ينون، لأن الإعراب يكون بعد العقد والتركيب، وهو: القطع لغة يقال: فصلت الثياب: إذا قطعتها.
وفي الاصطلاح هو الحاجز بين الحكمين.
قوله: (فرض الوضوء أربعة) لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6]. فالله تعالى أمرنا بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والأمر من الله للإيجاب.
قوله: (الأول) أي الفرض الأول (غسل الوجه) قوله: (وهو) أي الوجه أي حده (من منبت الناصية إلى أسفل الذقن طولاً ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضاً) لأنه مشتق من المواجهة، وهي تقع بهذه الجملة، والذقن بفتح الذال المعجمة وفتح القاف: مجتمع لحيي الإنسان.
قوله: (ويجب غسل الشعر السائر للخدين والذقن) لأنه قائم مقام ما تحته، وما تحته كان داخلاً في الفرض، فكذا هذا.
قوله: (ولا يجب غسل ما تحته) أي ما تحت الذقن ليس من الوجه، وكذا ما تحت الشارب والحاجب، لوصول الماء إليه، وكذا لا يجب إدخال الماء باطن العينين للحرج.
الجزء 1 · صفحة 53
قوله: (وما نزل من اللحية) أي ولا يجب أيضاً غسل ما نزل من اللحية، وهو الشعر المسترسل، لأنه ليس من الوجه.
قوله: (أما البياض الذي بين العذار والأذن فيجب غسله) هذا عندهما، وقال أبو يوسف: لا يجب غسله، لأنه استتر بحائل وهو اللحية. ولهما: كلما ثبت دام، إلا إذا وجد المزيل، وقد كان غسله واجباً، فلا يزول بالالتحاء. الخلاف في الملتحي، أما في الأمرد والكوسج والنساء: فلا بد من غسله اتفاقاً.
قوله: (الثاني) أي الفرض الثاني (غسل اليدين مع المرفقين).
وقال زفر: المرفقان والكعبان لا يدخلان في الغسل، لأن "إلى" للغاية، فلا يدخل تحت المغيا. ولنا: أن "إلى" بمعنى "مع" لقوله تعالى: {وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] أي من أموالكم.
قوله: (والثالث) أي الفرض الثالث (مسح ربع الرأس) لأن الباء في قوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} للتبعيض، وفيه إجمال.
وقد فسره ما روى المغيرة بن شعبة "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين وعلى ناصيته" رواه أبو داود. وعند مالك: مسح كل الرأس فرض، وعند الشافعي: أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح.
الجزء 1 · صفحة 54
قوله: (الرابع) أي الفرض الرابع (غسل الرجلين مع الكعبين) لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].
قوله: (والدواء في شقوقها) أي في شقوق الرجلين: يصح معه الوضوء، لأن الشقوق مثل الجراحة، فلا يمنع صحة الوضوء للضرورة، بخلاف ما إذا كان تحت أظفاره وسخ أو عجين، لعدم الضرورة.
قوله: (وسننه عشرون) لما بين فرائض الوضوء أخذ في بيان السنن، وهي جمع سنة، وهي ما في فعله ثواب، وفي تركه عتاب لا عقاب.
(الأولى: النية) وقال الشافعي: هي فرض لقوله عليه السلام: "لا عمل إلا بالنية".
ولنا: أنه عليه السلام لم يعلم الأعرابي النية حين علمه الوضوء مع جهله، ولو كان فرضاً لعلمه، وهي أن يقول: نويت رفع الحدث لاستباحة الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 55
(الثانية: التسمية) لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أبو داود. والمراد به نفي الفضيلة والكمال.
(الثالثة: غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً للقائم من نومه) لما روى مالك في الموطأ: أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده". وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده" وفي صحيح مسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده" وفي جامع الترمذي "إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الجزء 1 · صفحة 56
(الرابعة: الترتيب) وهو أن يبدأ بما بدأ الله بذكره، وقال الشافعي: هو فرض، لأن الواو للترتيب. ولنا ما قلنا، والواو للجمع.
(الخامسة: الموالاة) وهي أن يغسل العضو الثاني قبل جفاف الأول، وقيل: أن لا يشتغل بينهما بعمل آخر غير الوضوء، لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما مع وجود الترك في الجملة.
(السادسة: السواك) أي استعماله، لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" رواه البخاري. فإن قلت: كيف وجه الاستدلال بهذا؟ قلت: لما امتنع الوجوب لامتناع الأمر لوجود المشقة، ثبت ما دون الوجوب وهو السنة، لعدم المانع وهو المشقة، لأنه بسبيل من ترك السنة. فإن قلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليه، وهي دليل الوجوب، فكيف تقول أنه سنة؟ قلت: المواظبة إنما تكون دليل الوجوب إذا لم يوجد الترك أصلاً، وقد وجد هنا الترك في
الجزء 1 · صفحة 57
الجملة، بدليل حديث الأعرابي.
وحد السواك أن يكون من شجر مر في غلظ الخنصر وطول الشبر، ووقته: وقت المضمضة، لأنه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام: "ومن السنة حالة المضمضة أن يستاك، ولا يقوم الإصبع مقامه إلا عند عدمه".
(السابعة: المضمضة) وهي تطهير الفم بالماء.
(الثامنة: الاستنشاق) وهو تطهير الأنف بالماء، وسنيتهما: فعله عليه السلام، ولما روي في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر".
(التاسعة: المبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق للمفطر، لما روي أنه عليه السلام قال: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" رواه أبو داود.
(العاشرة: البداية بالميامن) وهي جمع ميمنة، وهي أن يبدأ من يمينه في غسل اليدين والرجلين، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي عليه السلام يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله وتنعله" رواه البخاري.
(الحادية عشر: البداية في غسل اليدين من رءوس الأصابع).
الجزء 1 · صفحة 58
(الثانية عشر: البداية في غسل الرجلين من رءوس الأصابع) أيضاً لفعله عليه السلام هكذا في الفصلين.
(الثالثة عشر: تخليل اللحية) وهو سنة عند أبي يوسف، لما روي عن أنس بن مالك أنه قال: "كان عليه السلام إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني ربي عز وجل" رواه أبو داود. وعندهما: فضيلة، لأنه عليه السلام ما فعله غير مرة، والصحيح قول أبي يوسف.
(الرابعة عشر: تخليل الأصابع) أي أصابع اليدين والرجلين لقوله عليه السلام: "إذا توضأت فخلل الأصابع" رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(الخامسة عشر: تحريك الخاتم الضيق) وهذا في معنى تخليل الأصابع، وإن كان واسعاً: لا يحتاج إلى تحريك.
(السادسة عشر: مسح كل الرأس مرة واحدة) وقال الشافعي: السنة هي التثليث كالغسل. ولنا ما روى أبو داود في سننه: عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في
الجزء 1 · صفحة 59
حكايتهما وضوءه عليه السلام من غير تثليث.
(السابعة عشر: البداية من مقدمه) أي البداية في مسح الرأس من مقدم الرأس، لما روى الترمذي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه".
(الثامنة عشر: مسح الأذنين) بماء الرأس عندنا، وعند الشافعي: بماء جديد، لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لهما ماء جديداً.
ولنا: ما روي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الأذنان من الرأس".
رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. والمراد به: بيان الحكم.
وما رواه: يحتمل أنه لم يبق على يده بلل، فأخذ بللاً لأجله.
(التاسعة عشر: مسح الرقبة) لأنه عليه السلام مسح عليها.
الجزء 1 · صفحة 60
(العشرون: تثليث كل غسلة) لأنه عليه السلام توضأ ثلاثاً ثلاثاً.
قوله: (وفرض الغسل خمسة) لما فرغ عن بيان الوضوء وسننه، شرع في بيان فرائض الغسل، وهي خمسة:
(الأولى: المضمضة، والثانية: الاستنشاق) وعند الشافعي: هما سنتان في الغسل، كما في الوضوء.
(الثالثة: غسل سائر البدن) أي جميع البدن، لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] أي فطهروا أبدانكم.
(الرابعة: إيصال الماء إلى باطن السرة من الرجل والمرأة جميعاً) وهذا في حق
الجزء 1 · صفحة 61
السمناء والسمان، وهذا داخل في قوله: (وغسل سائر البدن) ولكنه أفرد بالذكر للتأكيد، وما قيل أن ذكره مستدرك: وهم.
(والخامسة: إيصال الماء إلى أثناء شعر الرجل) وإن كان مضفوراً، كالعلوي والتركي، للاحتياط، بخلاف ضفائر المرأة، حيث لا يجب عليها نقضها، لما روي أن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على سائر جسدك الماء فتطهرين" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (وسننه) أي سنة الغسل (ستة):
(الأولى: أن يبدأ بغسل يديه. والثانية: أن يغسل فرجه. الثالثة: أن يزيل نجاسة بدنه إن كانت. الرابعة: أن يتوضأ مثل وضوء الصلاة، إلا رجليه إن كانا في مجمع الغسالة. الخامسة: أن يغسل رأسه وسائر جسده ثلاثاً. السادسة: أن يخرج من مجمع الغسالة فيغسل رجليه) وهذه الصفة حكتها ميمونة رضي الله عنها في غسله عليه السلام، وكذا في صحيح مسلم والجامع الترمذي وسنن أبي داود.
قوله: (وغسل يوم الجمعة والعيدين وعرفة والإحرام: سنة) أما يوم الجمعة:
الجزء 1 · صفحة 62
فلقوله عليه السلام: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت يجزي عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل" رواه ابن ماجة.
وأما يوم العيدين: فلقول ابن عباس رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى" رواه ابن ماجة.
وأما يوم عرفة: فلأنه يوم ازدحام، فيغتسل لئلا يتأذى البعض برائحة البعض.
وأما عند الإحرام: فلما روي أنه صلى الله عليه وسلم "اغتسل لإحرامه". رواه الدارقطني.
قوله: (وشرط السنة أن يصلي به) أي بذلك الغسل: الجمعة قبل أن يحدث، وهذا قول أبي يوسف، فعلى هذا لا يسن الغسل على المسافر والعبد والمرأة.
وعند الحسن: إذا اغتسل في يوم الجمعة في أي وقت كان: فقد أدرك الفضيلة.
قوله: (وغسل من أسلم أو أفاق) أي من الجنون (أو بلغ بالسن: مستحب) احتياطاً في باب العبادات، وإن كان البلوغ بالإنزال: فالغسل واجب، لوجود الماء.
والبلوغ بالسن عند أبي حنيفة في الغلام: بتمام ثمانية عشر، وفي الجارية: بتمام سبعة عشر، وعندهما: بخمسة عشر سنة فيهما.
قوله: (وغسل الجنابة والحيض لا يسقط بالإسلام) يعني: جنب كافر إذا أسلم، أو حائض كافرة إذا أسلمت عقيب انقطاع الحيض: لا يسقط الغسل عنهما بالإسلام، لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء، وكذلك الحائض،
الجزء 1 · صفحة 63
فدل هذا أن المراد من قوله: (وغسل من أسلم مستحب) أن يكون الكافر عند الإسلام طاهر. فافهم.
قوله: (ونواقض الوضوء) لما فرغ عن بيان الطهارتين بأحكامهما، شرع في بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض.
والنواقض جمع ناقضة، والنقض إذا أضيف إلى الأجسام: يراد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى غيرها: يراد به إخراجه عما هو المطلوب، فالمطلوب من الوضوء استباحة الصلاة.
قوله: (كل ما خرج من السبيلين) وهما القبل والدبر، فإن قلت: كل ما خرج من السبيلين: عين، وهي لا تصلح للعلية، لأن العلة معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل، فكيف يستقيم قوله: (ونواقض الوضوء كل ما خرج من السبيلين)؟
قلت: تقدير كلامه: خروج كل ما خرج، ليقع التطابق بين العلة والمعلول، فافهم.
والمراد من السبيلين: القبل والدبر كما قلنا، والخارج منهما: يتناول البول والغائط، والودي، والمذي، والدودة، والحصاة، والريح الخارج من الدبر، لا الذكر، وقيل: المرأة إذا كانت مفضاة: وهي التي اتحد مسلك بولها وغائطها.
فإن قلت: من أين تقول أن المراد من السبيلين ها هنا القبل والدبر، وهما متناولان غيرهما من حيث اللغة؟
قلت: نعم، وإن كانا يتناولان غيرهما من حيث اللغة، لكنهما يطلقان على سبيل الحدث لا غير، بالحقيقة العرفية الخاصة، حتى لا ينقض الوضوء بخروج الدمع والعرق واللبن، وإن كان يجوز أن يقال: إنه خارج من سبيل.
قوله: (والدم والقيح والصديد السائل بغير عصر إلى محل الطهارة) قيد بقوله: (السائر) لأنه إذا ظهر ولم يسل: لا ينقض الوضوء، لأنه يسمى بادياً لا خارجاً، والنقض يضاف إلى السيلان، لقوله عليه السلام "الوضوء من كل دم سائل" وقيد بقوله: (بغير
الجزء 1 · صفحة 64
عصر) لأنه إذا عصر القرحة وخرج الدم ونحوه بعصره: لا ينقض وضوءه، لأنه مخرج وليس بخارج. وقيد بقوله: (إلى محل الطهارة) لأنه إذا خرج الدم أو نحوه ولم يسل إلى موضع يلحقه حكم الطهارة: لا ينقض الوضوء، وذلك مثل إذا ما نزل البول إلى قصبة الذكر، وإذا نزل إلى القلفة: نقض. هكذا قالوا.
قلت: فيه نظر، لأنهم قالوا: لا يجب على الجنب إيصال الماء إليه، لأنه خلقة كالقصبة. فافهم.
قوله: (في الجملة بمعنى مطلقاً) أي سواء كان محل الطهارة في أعضاء الوضوء أو في جميع البدن، وسواء كان السيلان قليلاً أو كثيراً على ما قررنا مرة.
وعند الشافعي: خروج هذه الأشياء لا ينقض الوضوء مطلقاً، وعند زفر: ينقض مطلقاً.
قوله: (والقيء ملء الفم) لما مر في حديث علي رضي الله عنه، وحده: أن لا يمكنه ضبطه، وما دونه ليس بناقض، وعند الشافعي: لا ينقض مطلقاً، وعند زفر: ينقض مطلقاً.
قوله: (والنوم مضطجعاً أو متكئاً أو مستنداً غير مستقر على الأرض) لأن النوم بهذه الصفة سبب خروج النجاسة باسترخاء المفاصل، والسبب يقوم مقام المسبب احتياطاً في باب العبادة، وقوله: (غير مستقر) قيد لقوله: (مستنداً) قيد به، لأنه إذا نام مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط: ينقض وضوءه، وإلا لا.
وعن الطحاوي: أنه ينقض مطلقاً، والأول أصح.
الجزء 1 · صفحة 65
قوله: (وغلبة العقل بإغماء وجنون وسكر) لأن هذه الأشياء سبب لخروج النجاسة بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فيقام مقام خروج النجاسة.
وحد السكر: أن يدخل في بعض مشيه تحرك، وقيل: أن لا يعرف الرجل من المرأة. والفرق بين الإغماء والجنون: أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً، وفي الجنون مسلوباً، حتى صح الإغماء على الأنبياء دون الجنون.
قوله: (والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود) لقوله عليه السلام "من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة" رواه الشيخ الإمام الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الأمالي.
القهقهة هي: أن يسمع لضحكه صوت، بدت أسنانه أولاً، وهي تنقض الوضوء والصلاة جميعاً، خلافاً للشافعي.
والضحك: وهو أن يسمع نفسه فقط: لا ينقض الوضوء، بل ينقض الصلاة. والتبسم: وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره: لا ينقض الوضوء ولا الصلاة. قيد بقوله: (ذات ركوع وسجود) لأنها لا تكون ناقضة في صلاة الجنازة.
قوله: (ولو خرج من فمه دم: إن غلبه الريق لوناً: لم ينقض) لأن المغلوب في
الجزء 1 · صفحة 66
مقابلة الغالب كالمعدوم (وإن غلب الدم الريق أو تساويا) أي الدم والريق (نقض) لأن في غلبة الدم دليلاً على خروجه بقوة معه، وأما في التساوي: فللاحتياط، قيد بقوله: (لوناً) لأن الاعتبار في الغلبة من حيث اللون، حتى لو كان أحمراً: نقض، وإن كان أصفر: لا ينقض.
واعلم أن المراد من قوله: (ولو خرج من فمه) نفس الفم، حتى لو خرج من الجوف: لا ينقض إلا إذا ملأ الفم، وهو قول محمد، ورواية عن أبي حنيفة، وفي رواية أخرى: ينتقض مطلقاً، والمختار إن كان علقاً: يعتبر ملء الفم، وإن كان مائعاً: نقض وإن قل، وأما النازل من الرأس: فهو ناقض مطلقاً.
قوله: (ومس الذكر لا ينقض) وقال الشافعي: ينقض، لقوله عليه السلام "من مس فرجه فليتوضأ".
قلنا: المراد به غسل اليد للتنزيه، أو كان كناية عن الحدث، والخلاف: فيما إذا مس بباطن الكف، حتى لو مس بظاهر الكف أو برءوس الأنامل: لا ينقض إجماعاً، وكذا الخلاف في مس الدبر.
قوله: (ولا لمس المرأة) أي ولا ينقض الوضوء أيضاً لمس المرأة، وقال الشافعي: ينقض، لقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [النساء: 43 والمائدة: 6] وهو
الجزء 1 · صفحة 67
حقيقة في اللمس باليد. قلنا: إن معنى لامستم: جامعتم، لأنه هو المتعارف بين أهل اللغة.
قوله: (إلا في المباشرة الفاحشة) يعين ينتقض الوضوء فيها، وهي: أن تنتشر الآلة، ويتماس الفرجان وليس بينهما حائل، وهذا عندهما، وهو الاستحسان احتياطاً. وقال محمد: لا ينقض، وهو القياس.
قوله: (ويوجب الغسل) لما فرغ عن بيان ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، شرع في بيان ما يوجب الغسل وما لا يوجب.
(ويوجب الغسل: دفق المني بشهوة) سواء كان من النائم أو اليقظان، من الرجل والمرأة جميعاً لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
وقال الشافعي: خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل.
قوله: (وتغيب الحشفة من أحد السبيلين: القبل والدبر) لما روي في حديث طويل أنه عليه السلام قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل" رواه مسلم.
وعن عائشة قالت: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا" رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (من الإنسان) قيد به، لأنه إذا غابت الحشفة في البهيمة: لا يجب الغسل ما لم ينزل.
قوله: (عليهما) أي على الفاعل والمفعول جميعاً، والدبر من الذكر والأنثى: كالقبل في وجوب الغسل.
الجزء 1 · صفحة 68
قوله: (والحيض والنفاس) أي يوجب الغسل أيضاً انقطاع الحيض والنفاس، أما الحيض: فلقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] بالتشديد أي حتى يغتسلن، وأما النفاس: فبالإجماع.
قوله: (ولا يوجبه) أي لا يوجب الغسل (خروج المني بغير شهوة) مثل ما إذا سقط من موضع عال فخرج به ماء، أو سقط من دابة، أو حمل حملاً ثقيلاً فخرج به، خلافاً للشافعي.
قوله: (ولو احتلم ولم ير بللاً فلا غسل عليه) لأنه تفكر في النوم، فهو كالتفكر في اليقظة بلا إنزال.
قوله: (ولو رأى بللاً مذياً أو منياً ولم يتذكر احتلاماً: لزمه الغسل) وهذا عندهما، وعند أبي يوسف: لا يلزمه، لأنه بلل، وأنه لا يوجب الغسل حالة اليقظة، فبالأولى أن لا يوجبه في النمام. ولهما: أنه يمكن أنه قد انفصل عن شهوة، وطال مكثه، فرق، والاحتياط لازم في باب العبادات.
المذي بالذال المعجمة: ماء رقيق أبيض يخرج غالباً عند ملاعبة الرجل أهله، والمني: ماء خاتر أبيض ينكسر به الذكر ويتولد منه الولد، والودي بالدال المهملة الساكنة: ماء غليظ يعقب البول.
الجزء 1 · صفحة 69
فصل في مسح الخف
خالف المصنف في ذلك سائر المصنفين بتقديمه المسح على التيمم، نظراً إلى أن المسح خلف عن البعض، والتيمم خلف عن الكل، فالأول: مقدم على الثاني، والصواب: ترتيب غيره، لأن التيمم أقوى من المسح، لأنه ثابت بالسنة، والتيمم بالكتاب، ولأنه في كتاب الله تعالى ذكر التيمم عقيب الوضوء.
قوله: (يمسح المقيم) الأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوماً وليلة" رواه أبو داود. وروي أنه عليه السلام سئل عن المسح على الخفين فقال: "للمسافر ثلاثاً وللمقيم يوماً" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: (من الحدث خاصة) أي الحدث الأصغر خاصة، فلا يجوز عن الجنابة، لأنها ألزمته غسل كل البدن بالنص، ومع الخف لا يتأتى ذلك.
صورته: مسافر أجنب في المدة وليس عنده ماء، فتيمم ثم أحدث، ووجد من الماء ما يكفي وضوءه: لا يجوز له المسح، لأن الجنابة سرت إلى القدمين.
قوله: (من وقت الحدث) أي ابتداء المدة يعتبر من حين الحدث الذي يوجد بعد اللبس، حتى لو توضأ مقيم عند طلوع الفجر، ولبس عند طلوع الشمس، وأحدث بعدما صلى الظهر، يصلي الظهر في الغد بالمسح، لا العصر. فافهم.
قوله: (بشرط لبسه على طهارة كاملة) احترز به عن طهارة ناقصة، مثل: ما إذا بقي من أعضائه لمعة لم يصبها الماء، فأحدث قبل الاستيعاب: لا يجوز له المسح، واحترز به عن وضوء ناقص بأي شيء كان نقصه: كوضوء المستحاضة ومن بمعناها إذا لبسوا الخف ثم خرج الوقت، وكالمتيمم إذا لبس خفيه ثم وجد الماء، فافهم: لا يمسحون، لعدم اللبس على طهارة كاملة.
قوله: (عند الحدث) أي اشتراط كمال الطهارة عند الحدث لا عند اللبس، خلافاً
الجزء 1 · صفحة 70
للشافعي، حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث: جاز له المسح عليه، خلافاً له، وكذا لو لبس خفيه محدثاً، وخاض الماء، فوصل الماء إلى رجليه، ثم أتم سائر الأعضاء ثم أحدث: جاز له المسح، خلافاً له، ولو غسل رجليه، ثم لبس خفيه، ثم أحدث ثم أكمل الوضوء: لا يجوز له المسح بالإجماع.
قوله: (ويجوز المسح على خف فوق خف) لأنه يصير حينئذ كخف ذي طاقين. قوله: (وعلى جرموق فوق خف) أي ويجوز المسح أيضاً على جرموق فوق خف لما قلنا، وقال الشافعي: لا يجوز.
قوله: (إن لبسه) أي لبس الجرموق (قبل الحدث) قيد به، لأنه إذا أحدث بعد لبس الخف، ثم لبس الجرموق: لا يمسح عليه، لأن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث، وقد انعقد في الخف، فلا يتحرك إلى الجرموق.
قوله: (وعلى جورب) أي ويجوز المسح على جورب، لما قال المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "توضأ ومسح على الجوربين والنعلين" رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: (لا يشف) صفة الجورب، وكذا قوله: (ويقف على الساق بلا ربط) فمهما كان الجورب على هاتين الصفتين: يجوز المسح عليه في قولهما، وقول أبي حنيفة المرجوع إليه، ولو لم يكن مجلداً، وأما في قوله المرجوع عنه: فلا يجوز إلا إذا كان مجلداً، والفتوى على قوله المرجوع إليه، رجع إليه قبل موته بسبعة أيام، وقيل: بثلاثة.
قوله: (ولو سافر مقيم في مدته: أتم ثلاثاً) أي ثلاثة أيام ولياليها.
الجزء 1 · صفحة 71
وقال الشافعي: ليس له ذلك، وهذا بناءً على أن مدة المقيم هل تتغير أم لا؟ فعنده لا تتغير، فلا يجوز، وعندنا: تتغير فيجوز.
قوله: (ولو أقام مسافر في مدته، لم يزد على يوم وليلة من حين مسح) وهذا بالإجماع، لأن مدة المسافر قبل استكمالها تصير مدة المقيم عند الإقامة.
قوله: (ومسح ظاهر الخف) هذا بيان محل المسح، وهو ظاهر الخف عندنا، حتى لا يجوز باطنه أو عقبه أو ساقه أو جوانبه أو كعبه، لقول علي رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ظاهر خفيه" رواه أبو داود.
قوله: (وأقله) أي أقل المسح (قدر ثلاثة أصابع من أصابع اليد) وقيل: من الرجل، لأن الحدث لا يتجزأ، لأنه يجب غسله لظهور بعض القدم، وهذا هو القياس في القليل أيضاً، لكنه سقط للحرج.
قوله: (وينقض المسح: كل ما ينقض الوضوء) لأن ما ينقض الغسل: فلأن ينقض المسح أولى.
قوله: (وينقضه: مضي المدة) لأنها إذا مضت: يسري الحدث إلى القدمين، فعليه غسلهما، إلا إذا خاف ذهاب رجليه من البرد.
قوله: (ونزع إحدى القدمين) أي ينقض المسح أيضاً: نزع إحدى القدمين إلى ساق الخف، لأن موضع المسح فارق مكانه، فكأنه ظهر رجله، وكذا ينقض المسح: بخروج أكثر القدم في الصحيح، لأن للأكثر حكم الكل، وعن أبي حنيفة: إن زال عقب الرجل،
الجزء 1 · صفحة 72
أو زال أكثر عقب الرجل: بطل مسحه، وهو قول أبي يوسف، وعن محمد: إن بقي من ظهر القدم في موضع المسح قدر ثلاث أصابع: لم يبطل مسحه، وعليه أكثر المشايخ.
قوله: (ومتى بطل المسح بمضي المدة) أي مدة الإقامة أو السفر أو نزع الخف (كفى غسل القدمين من غير إعادة الوضوء) هذا إذا كان وجد على الوضوء، لأنه ليس بحدث مبتدأ، حتى يجب غسل باقي الأعضاء، وأما إذا وجد على الحدث: فعليه إعادة الوضوء.
قوله: (ويمسح الجبيرة) وهي العيدان التي تجبر بها العظام المكسورة.
قوله: (وانشد بها محدثاً) واصل بما قبله، أي وإن شد الجبيرة وهو على غير وضوء، وهذا المسح: مستحب عند أبي حنيفة، حتى لو ترك من غير عذر: جاز، وعندهما: واجب، فلا يترك إلا من عذر، والمجروح مثل المكسور.
قوله: (ولا يتوقت) أي المسح على الجبيرة غير موقت، يمسحها متى شاء، لعدم التوقيف بالتوقيت.
قوله: (وإن سقطت) أي الجبيرة (عن غير برء: بقي المسح) لأن سقوط الغسل للعذر، وهو قائم، والمسح قائم وإن زال الممسوح، كما لو مسح رأسه ثم حلقه.
قوله: (وإن كان) أي سقوط الجبيرة (عن برء: بطل المسح) لزوال العذر.
قوله: (وإن كان في الصلاة) أي وإن كان السقوط عن برء في الصلاة:
(استقبلها) لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل.
قوله: (وعصابة الفصد) العصابة ما يعصب به الجراحة أي يشد.
قوله: (ونحوه) مثل عصابة الحجامة والقرحة والجراحة ونحوها.
قوله: (إن ضره حلها) أي إن ضر المتوضي حل العصابة (مسح على جميعها) سواء كان تحتها الجراحة كلها أو لا، لأنها لا تعصب على وجه تأتي على موضع الجراحة
الجزء 1 · صفحة 73
فحسب، بل يدخل ما حول الجراحة تحت العصابة، فكان مسح ما يواري حول الجراحة ضرورة، فله أن يمسح ما يواري الجراحة وعلى ما يواري ما حول الجراحة، ويكتفي بالمسح على أكثرها في الصحيح، لئلا يؤدي إلى إفساد الجراحة، فلو تركه: جاز وإن لم يضره عند أبي حنيفة، وعندهما: إن لم يضره لم يجز.
قوله: (مع فرجتها) وهي الموضع الذي يبقى بين العقدين، قيل: يفترض غسل تلك الفرجة لأنها بادية، وقيل: لا، ويكفيه المسح، وهو الأصح، لأنه لو كلف غسل ذلك الموضع: ربما يبتل جميع العصابة، وتنفد البلة إلى موضع الفصد ونحوه، فيتضرر. ثم إنما يجوز المسح على عصابة الفصد ما لم ينسد موضع الفصد، فإذا علم يقيناً أن موضع الفصد قد انسد: يلزمه غسل ذلك الموضع ولا يجزيه المسح. ومن كان في يديه شقاق ولا يمكنه استعمال الماء، وقد عجز عن الوضوء: يستعين بغيره ليوضئه، فإن لم يستعن بغيره وتيمم وصلى: جازت صلاته عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
ومن انكسر ظفره فجعل عليه علكاً أو نحوه: إن ضر نزعه: أمر الماء عليه، ولو كان المسح على العلك يضره: يجوز تركه، وقيل: لا.
ومن أرسل علقة على يده أو رجله، فسقطت العلقة، فجعل الحنا في موضعهما، ولا يمكنه غسله: مسحه، فإن أضره المسح تركه، فيغسل ما حوله ويترك ذلك الموضع. كذا في التتمة.
الجزء 1 · صفحة 74
فصل في التيمم
هو لغة: مطلق القصد. وشرعاً: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة، وسبب وجوبه: ما هو سبب وجوب الوضوء، وشرط جوازه: العجز عن استعمال الماء.
والأصل في جوازه قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} [النساء: 43 والمائدة: 6].
قوله: (ومن لم يجد الماء) كلمة (من) موصولة في محل الرفع على الابتداء، وقوله: (لم يجد الماء) جملة وقعت صلة، وما بعدها كلها عطف عليها، وقوله: (تيمم) هو الخبر.
قوله: (خارج المصر) أي في خارج المصر، وبينه وبين المصر نحو الميل، وهو ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف خطوة، وهي ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون إصبعاً بعدد حروف لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعرض كل إصبع: ست حبات شعير ملصقة ظهراً لبطن، والفرسخ اثني عشر ألف خطوة، وهذا المقدار هو المختار، للحوقه الحرج بذهابه وإيابه.
فإن قلت: لم قيد عدم وجدان الماء بكون الشخص خارج المصر، والله تعالى أطلقه بقوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وهو يتناول من في المصر ومن في خارج المصر؟
قلت: بلى، ولكن الحكم للغالب، والغالب وجدان الماء في الأمصار، وخارج المصر مظنة فقدان الماء، حتى لو لم يوجد الماء في المصر أيضاً والعياذ بالله: يجوز لأهله التيمم.
قوله: (أو وجده) أي أو وجد الماء (ولكنه يخاف العطش على نفسه أو دابته) قوله: (أو كان مريضاً يخاف شدة مرضه بحركته) أي لما نحو الماء (أو باستعماله) أي
الجزء 1 · صفحة 75
أو باستعمال الماء لتحقق العجز فيها، وعند الشافعي: لا يتيمم إلا إذا خاف تلف نفس أو عضو، وهو مردود، لإطلاق قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [النساء: 43 والمائدة: 6].
قوله: (أو كان جنباً في المصر يخاف شدة البرد بأني مرضه أو يقتله) وإنما قيد بقوله: (في المصر) وإن كان من في خارج المصر كذلك، لوجود الخلاف فيه، فإن جواز تيمم الجنب في المصر عند خوفه شدة البرد: قول أبي حنيفة، خلافاً لهما. قيل: هذا اختلاف زمان لا برهان.
قوله: (أو خائفاً) أي أو كان خائفاً، يعني يجد الماء، ولكنه يخاف من العدو أو السبع أن يصل إليه لحيالهما بينه وبين الماء: تيمم، لأنه عاجز حكماً، فهو كالعاجز حقيقة.
قوله: (أو وجده) أي أو وجد الماء (ولكنه يباع بغبن فاحش) وهو أن يباع بضعف قيمته، بأن يباع ما يساوي نصف: بدرهم، فلا يشتري، بل يتيمم، لأن تحمل الضرر غير واجب، كقطع موضع النجاسة حال عدم الماء.
قوله: (أو بثمن المثل) أي أو وجده يباع بثمن المثل (ولكنه لا يملكه) يعني ليس عنده ما يشتري: تيمم أيضاً للعجز.
قوله: (تيمم) جواب المسائل المذكورة كلها، وهي سبع مسائل مشتركة في الجواب.
قوله: (وتيمم مع وجود الماء إذا خاف فوت صلاة العيد) وقال الشافعي: لا يتيمم، الأصل في هذا: أنها تقضي عنده: فلا يتحقق الفوات، ولا تقضى عندنا:
الجزء 1 · صفحة 76
فيتحقق، وأما إذا كان متوضئاً في العيد وسبقه الحدث: جاز له البناء بالتيمم عند أبي حنيفة، خلافاً لهما، قبل هذا اختلاف زمان لا برهان.
قوله: (أو الجنازة) أي يتيمم أيضاً لخوف فوت الجنازة، خلافاً للشافعي.
قوله: (والولي غيره) أي والحال أن الولي غير الخايف، قيد به: لأن الولي ينتظر، فلا يجوز له التيمم.
قوله: (لا لخوف فوت الجمعة) أي لا يتيمم إذا خاف فوت الجمعة والوقت، لأنهما يفوتان إلى خلف، وهو الظهر والقضاء.
قوله: (وإن كان مع رفيقه ماء: طلبه قبل التيمم) استحساناً، لعدم المنع غالباً، والقياس: أن لا يطلب، لأن فيه ذلاً، ولو تيمم قبل الطلب: أجزأه عند أبي حنيفة، لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير.
وقالا: لا يجزئه، لأن الماء مبذول عادة.
قوله: (ولا يجب طلب الماء) أي على المسافر (إلا إذا غلب على ظنه أن بقربه ماء) وعند الشافعي: يجب عليه الطلب مطلقاً. والطلب: قدر الغلوة من جوانبه الأربع، وهي: ثلثمائة ذراع إلى أربعمائة، ولا يبلغ ميلاً، لأن فيه إضراراً به وبرفقته.
قوله: (والتيمم ضربتان) لما فرغ عن شرائط التيمم أخذ في صفته: وهي ضربتان (ضربة لوجهه وضربة ليده مع مرفقيه) وقال مالك في رواية: ضربة واحدة كافية وقال ابن سيرين: التيمم ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة
الجزء 1 · صفحة 77
للوجه والذراعين جميعاً. والأصح: ما قلنا، لورود الأثر هكذا.
كيفيته: أن يضرب بيده الصعيد ثم ينفضهما ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيسمح بأصابع كفه اليسرى ظاهر ذراعه الأيمن إلى المرفق، وبباطن كفه اليسرى باطن ذراعه الأيمن إلى الرسغ، هكذا يصنع باليد اليسرى وقال زفر: المرفقان لا يدخلان فيه، وقال مالك: التيمم إلى الكوعين، والكوع: طرف الزند مما يلي الإبهام، وبه قال الشافعي في القديم.
وفي الجديد: كقولنا، وعن الزهري: إلى الآباط.
قوله: (ويخلل أصابعه وينزع خاتمه) هذا على رواية اشتراط الاستيعاب، وهي الأصح للفتوى، حتى لو لم يخلل الأصابع ولم ينزع خاتمه: لم يجز، وعن أبي حنيفة: أن الاستيعاب ليس بشرط، حتى لو مسح أكثر الذراعين والكف: جاز.
الجزء 1 · صفحة 78
قوله: (والنية فيه) أي في التيمم (فرض) وقال زفر: ليست بفرض، لأنه خلف عن الوضوء فلا يخالف أصله، ولنا: أنه عبارة عن النية، فكانت من ضروراته، بخلاف الوضوء، لأن الماء مطهر بنفسه، والتراب ملوث مغير، فلا يكون مطهراً إلا بالقربة، ولا قربة إلا بالنية.
قوله: (ويجوز التيمم بالصعيد الطاهر) والصعيد: فعيل بمعنى صاعد على وجه الأرض، أو بمعنى مصعود عليه، قيد بقوله: (طاهر) لأنه هو المعتبر بالإجماع.
قوله: (وهو) أي الصعيد الطاهر (كل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والنورة والكحل والزرنيخ) وكذلك الطين الأحمر والأخضر والحجر الأملس والحائط المطين والمجصص والملح الجبلي والياقوت والفيروزج والزمرد والخزف إن كان من طين طاهر، ولا يجوز بالخزف المخلوط بما ليس من جنس الأرض، ولا بالملح المائي، ولا باللآلئ مدقوقة أولاً، ولا بالزيبق، ولا بجميع ما ينطبع كالحديد والرصاص والنحاس والذهب والفضة، وما يترمد: كالخشب والحنطة وسائر الحبوب.
وعند الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب المنبت، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة، وبالغبار عند الضرورة، بأن يضرب ثوباً ونحوه، فإذا وقع الغبار على يديه: يتيمم.
قوله: (والتيمم للحدث والجنابة سواء) لقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} فقد ذكر نوعي الحدث عند وجود الماء، ثم ذكر نوعي الحدث عند عدمه، وأمر بالتيمم لهما بصفة واحدة، وكذلك الحائض والنفساء.
قوله: (وينقضه) أي التيمم (ما ينقض الوضوء) لأن ما ينقض الأصل: فلأن ينقض الخلف أولى.
قوله: (ورؤية الماء) أي وينقضه أيضاً رؤية الماء (بشرط أن يقدر على استعماله) لقوله عليه السلام "ما لم يجد الماء"
الجزء 1 · صفحة 79
ولو رآه في أثناء صلاته: تبطل صلاته عندنا، مسافراً كان أو حاضراً، وقال الشافعي: تبطل في الحضر لا في السفر.
قوله: (ومن يرجو الماء) أي وجود الماء (في آخر الوقت: فالأفضل له تأخير الصلاة) لتقع الصلاة بأكمل الطهارتين (وإن لم يرج: تيمم في الوقت المستحب) لأنه لا يفيد التأخير.
قوله: (ويصلي بتيممه) أي بتيممه الواحد (ما شاء من الفرائض والنوافل جميعاً) لأنها طهارة مطلقة كالوضوء، وقال الشافعي: لا يجوز بتيمم واحد إلا أداء فرض واحد وسننه، والنوافل على وجه التبعية للفرض.
قوله: (ولو نسي الماء في رحله) أي في رحله الذي وضع فيه الماء بنفسه، أو وضع فيه بأمره (أو كان بقربه ماء ولا يعلم، فتيمم وصلى به: أجزأه) حتى إذا تذكره بعدها: لا يعيد الصلاة، لأنه تيمم عند العجز عن الاستعمال حقيقة، خلافاً لأبي يوسف في المسألة الأولى.
قوله: (وما أعد في الطريق للشرب) يعني الماء الذي يضعه الناس في طريق المسلمين للشرب (لا يمنع جواز التيمم) لأن الواضع ما وضعه إلا للشرب، وهو مأذون في ذلك في الشرب لا غير، فيجوز له التيمم، حتى إذا علم بكثرته أنه موضوع للوضوء والشرب جميعاً: لا يجوز له التيمم، بل يتوضأ منه.
قوله: (وما يحمله الحجاج من ماء زمزم للعطية: يمنع التيمم).
مريض يجد من يوضئه ولا يستضر به: يتوضأ بإعانته، قيل: بغير بدل وقيل: ببدل يسير، ولو استضر بحركته: يتيمم.
الجزء 1 · صفحة 80
فصل في إزالة النجاسة
لما فرغ عن بيان النجاسة الحكمية، شرع في بيان النجاسة الحقيقية، وإزالة النجاسة: إثبات الطهارة في محلها.
قوله: (النجاسة المرئية تطهر بزوال عينها) أي يطهر المحل الذي أصابته النجاسة، لأن عين النجاسة لا يطهر أبداً، وأراد بالمرئية: التي لها جرم، وبغير المرئية: التي لا جرم لها، سواء كان لها لون أو لم يكن، نص عليه، هكذا في التتمة.
قوله: (بكل مائع طاهر) احترز عن مائع نجس، فإنه لا يزيل النجاسة.
قوله: (مزيل) احترز به عن نحو الدبس والدهن والعسل، فإنه مائع ولكنه غير مزيل. والمائع المزيل: كالخل وماء الورد، وعند محمد وزفر والشافعي: لا يجوز رفع النجاسة بالمائع المزيل.
وأما الماء المستعمل: فيجوز به إزالة النجاسة الحقيقية بالاتفاق.
قوله: (والأثر الذي يشق إزالته: عفو) للحرج والضرورة، سواء كان الأثر من لون أو طعم أو ريح.
قوله: (وغير المرئية) أي النجاسة الغير مرئية (تطهر بالغسل) الذي يغلب به على ظن الغاسل زوالها، لأن غلبة الظن دليل شرعي، وعند الشافعي: المرة كافية.
ثم غلبة الظن تقدر بالثلاث، لأنها تحصل عند هذا العدد غالباً، وقيل: بالسبع، دفعاً للوسوسة، كما في الاستنجاء. ولابد من العصر في كل مرة فيما ينعصر، ويبالغ في المرة الثالثة، حتى لو عصر بعده لا يسيل منه الماء، ويعتبر في كل شخص قوته، وفي رواية غير الأصول: يكتفي بالعصر مرة، وهو أرفق، وعن أبي يوسف: العصر ليس
الجزء 1 · صفحة 81
بشرط. ذكره في المستغني.
وأما حكم ما لا ينعصر بالعصر: فالتثليث بالجفاف، حتى لو موه السكين بماء نجس، يموه بالماء الطاهر ثلاثاً، ويجفف في كل مرة، بأن ينقطع التقاطر، ولا يشترط اليبس فيه، لأن التجفيف يؤثر في استخراج النجاسة كالعصر، وقال محمد: ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس: لا يطهر أبداً.
بساط تنجس: فجعل في نهر، وترك فيه يوماً وليلة، وجرى عليه الماء: طهر، نص عليه في الكافي.
وسئل الفقيه أحمد بن إبراهيم: عن الحصير إذا تنجس قال: إن كان من قصب: فإنه يطهر إذا غسل بماء طاهر بلا خلاف، وإن كان من بردي: فإنه يستنقع في ماء طاهر ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ويطهر عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد.
تور كان فيه خمر، فتطهيره: أن يجعل الماء فيه ثلاث مرات، كل مرة لساعة إن كان التور جديداً، نص عليه في المنتقى، وفيه عن أبي يوسف: "لو طبخت الحنطة بخمر حتى تنتفخ وتنضج، فطبخت بعد ذلك ثلاث مرات، وانتفخت في كل مرة، وجفت بعد كل طبخة: فلا بأس بأكلها، وفيه أيضاً: الدقيق إذا أصابته خمر لم يؤكل، وليس لهذا حيلة".
الجزء 1 · صفحة 82
قوله: (وكل شيء صقيل كالمرآة والسيف والسكين ونحوها: يطهر بالمسح) لأن النجاسة لا تتداخله، وعند الشافعي: يغسل.
قوله: (والمني نجس) وعند الشافعي: طاهر، لأنه أصل الآدمي المكرم، وليس من الكرامة تنجيس أصله، ولنا: قوله عليه السلام: "لا يغسل الثوب إلا من خمس ... " وعد منها المني، وإيجاب الطهارة لا يكون إلا بخروج النجس.
قوله: (يجب غسله رطباً) أي يجب غسل المني حال كونه رطباً، ويكفي بفركه حال كونه يابساً، لقوله عليه السلام: "يا عائشة إذا رأيت المني رطباً فاغسليه وإ، رأيته يابساً فافركيه".
الجزء 1 · صفحة 83
ولو أصاب المني البدن: لا يطهر إلا بالغسل رطباً أو يابساً، ذكره في الأصل.
قوله (ولو ذهب أكثر النجاسة عن الأرض بالشمس: جازت الصلاة على مكانها) أي مكان النجاسة، كالخمر إذا تخللت.
وقال زفر: لا يجوز، قياساً على التيمم، وبه قال الشافعي.
وفي المنتقى: "أرض أصابها بول أو عذرة، ثم أصابها ماء المطر، إن كان المطر غالباً قد جرى ماؤه عليه: فذلك مطهر له، وإن كان قليلاً لم يجر ماؤه عليه: لم يطهر".
قوله: (دون التيمم منه) أي من مكان النجاسة، وهذا بالاتفاق، وذلك لأن النص شرط التيمم بالصعيد الطيب.
قوله: (وإذا أصاب الخف أو النعل نجاسة لها جرم، فجفت فدلكه بالأرض: يطهر) هذا عند أبي حنيفة، لما روى الطحاوي في شرح الآثار بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعله، فإن كان فيهما أذى أو قذر فليمسحهما ثم ليصل فيهما" والمراد بالأذى: النجاسة العينية اليابسة، لأن الرطبة تزداد بالمسح انتشاراً أو تلوثاً.
الجزء 1 · صفحة 84
وعند أبي يوسف: يطهر مطلقاً، لإطلاق الحديث، وعند محمد: لا يطهر إلا بالغسل مطلقاً، قياساً على الثوب، وبه قال زفر والشافعي ومالك.
قوله: (بخلاف المائعة) أي بخلاف النجاسة المائعة إذا أصابت الخف، حيث لا يطهر إلا بالغسل عندهما، وعند أبي يوسف: يطهر بالدلك أيضاً لما مر.
قوله: (والثوب) أي وبخلاف الثوب إذا أصابته نجاسة، فجفت، فدلكه بالأرض: حيث لا يطهر بالاتفاق، ولابد من الغسل، وهو القياس، وأما المني: فقد خص بالنص عن القياس.
الجزء 1 · صفحة 85
فصل في البئر
لما فرغ عن بيان إزالة النجاسة، شرع في بيان مسائل البئر.
قوله: (النجاسة المائعة ينجسها) أي البئر فلا يطهر إلا بنزح جميع ما فيها.
قوله: (والجامدة) مبتدأ، أي النجاسة الجامدة كالبعر والروث والخنثي، وقوله: (قليلها) مبتدأ ثان وقوله: (عفو) خبره، وهذا المبتدأ مع خبره، خبر عن المبتدأ الأول، والقليل: بعرة وبعرتان.
قوله: (لا كثيرها) أي لا يعفى كثيرها، وهو ما يأخذ ثلث وجه الماء، وقيل: ربعه، وقيل: ما يغطي وجه الماء كله، وقيل: ما لا يخلو كل دلو عن بعرة، والصحيح أن الكثير ما يستكثره الناظر، على ما اختاره المصنف.
قوله: (والرطب واليابس والصحيح والمنكسر سواء) لشمول الضرورة، وبعضهم يفرق ويقول: أن الرطب والمنكسر يفسد، لا اليابس، والصحيح والظاهر ما قاله المصنف، وكذا لا فرق بين آبار الحضر والفلوات في الصحيح.
مسألة: شاة تبعر في المحلب بعرة أو بعرتين: يرمى البعر ويشرب اللبن، وكذا عن علي رضي الله عنه.
قوله: (فإن ماتت فيها) أي في البئر (عصفورة أو فأرة أو نحوهما: يطهر بنزح عشرين دلواً) لما روي عن أنس رضي الله عنه قال: "ينزح في الفأرة عشرون دلواً" ويستحب الزيادة إلى ثلاثين، والفأرتان كفأرة، والثلاثة كالدجاجة.
قوله: (بدلوها) أي بدلو تلك البئر، لأن المعتبر هو الدلو الوسط، وهو المستعمل في الآبار، وقيل: ما يسع صاعاً.
الجزء 1 · صفحة 86
قوله: (بعد إخراج الواقع) لأن النزح لا يفيد ما دام الواقع فيها.
قوله: (وفي الحمامة والدجاجة والهرة ونحوها: أربعون) أي ينزح أربعون دلواً، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هكذا، ويستحب الزيادة إلى خمسين في الأظهر، وإلى ستين للاحتياط، والهرتان: كالواحدة، والثلاث: كالشاة، وعن أبي يوسف في الهرة: ينزح الكل، وعن أبي حنيفة: الأوز والسخلة والجدي: كالدجاجة، وعنه: كالشاة، وهو الأصح.
قوله: (وفي الآدمي) أي وفي وقوع الآدمي (والشاة ونحوهما: ينزح الكل) أي جميع الماء، لأن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم: أفتيا بنزح ماء البئر كله حين مات الزنجي في بئر زمزم.
قوله: (وإن انتفخ الواقع أو تفسخ: نزح الكل مطلقاً) أي سواء كان الواقع صغيراً كالفأرة، أو كبيراً كالشاة ونحوها، لأنها لا تخلو عن بلة، وتلك البلة نجسة كقطرة من خمر، ولهذا لو وقع ذنب الفأرة: ينزح الكل، لأن موضع القطع منه لا ينفك عن النجاسة.
الجزء 1 · صفحة 87
قوله: (وإن لم يمكن نزح الماء كله لنبع الماء: نزح حتى يغلبهم الماء) هذا رواية عن أبي حنيفة، وعن محمد: ينزح مائتا دلو إلى ثلثمائة، لأن الغالب في الآبار نحو ذلك، والأصح أن يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء، فأي مقدار قالا أنه في البئر: ينزح ذلك القدر، وهو أشبه بالفقه، ولا يطهر ما دام الدلو الأخير في هواها، حتى لم يجز لأحد أن يتوضأ منها إلا بعد انفصالها، وقال محمد: يجوز. والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 88
فصل في الاستنجاء
الاستنجاء: مسح موضع النجو أو غسله، والنجو: ما يخرج من البطن.
قوله: (وهو) أي الاستنجاء (سنة من البول والغائط ونحوهما) مثل المني والودي والمذي والدم الخارج من السبيلين، ومثل الدودة والحصاة الملوثة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه" رواه أبو داود.
وقال الشافعي: هو فرض، لا تجوز الصلاة بدونه.
ولنا: ما روى أبو حاتم في صحيحه: "من استجمر فليوتر، ومن فعل هذا فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
قوله: (بكل طاهر مزيل) كالحجر والمدر والتراب والخرقة والقطن ونحوها.
قوله: (ويمسح المحل) أي محل خروج النجاسة من القبل والدبر، حتى ينقيه: أي ينظفه. والمعتبر عندنا: الإنقاء، ولا يسن العدد، حتى لو حصل الإنقاء بحجر واحد: لا يحتاج إلى الثاني، ولو لم يحصل بثلاثة أحجار: يحتاج إلى الرابع.
الجزء 1 · صفحة 89
وقال الشافعي: لابد من التثليث.
قلنا: لو كان العدد شرطاً لسأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود رضي الله عنه الثالث ليلة الجن حين أتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى الروثة فقال: "إنه رجس ونكس".
وقوله (والماء أفضل) أي من الحجر ونحوه لقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] نزلت في أهل قباء، وكانوا يتبعون الحجارة بالماء.
قوله: (فإن جاوز الخارج المخرج: تعين الماء) لأن المسح غير مزيل على سبيل الاستيصال، ولكن اكتفى به في المحل شرعاً دفعاً للحرج فلا يتعداه.
قوله: (ويكره) أي الاستنجاء (بالعظم والروث والمطعوم واليمين) لما روي أن أبا الزبير سمع جابر بن عبد الله يقول: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح بعظم أو بعر" رواه أبو داود.
الجزء 1 · صفحة 90
وروي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن" رواه الترمذي.
وروى الترمذي أيضاً "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه".
وصفة الاستنجاء بالأحجار: أن يجلس معتمداً على يساره، منحرفاً عن القبلة والريح والشمس والقمر، ومعه ثلاثة أحجار، يدبر بالأول ويقبل بالثاني، ويدبر بالثالث، هذا في الصيف، وفي الشتاء: يقبل بالأول ويدبر بالثاني ويقبل بالثالث، لأن خصيتيه مدليتان في الصيف.
وصفته بالماء: أن يستنجي بيده اليسرى بعدما استرخى كل الاسترخاء إذا لم يكن صائماً، ويصعد إصبعه الوسطى على سائر الأصابع قليلاً في ابتداء الاستنجاء، ويغسل موضعها، ثم يصعد بنصره ويغسل موضعها، ثم يصعد خنصره ثم سبابته، فيغسل حتى يطمئن قلبه أنه قد طهر بيقين أو غلبة ظن، ويبالغ فيه إلا أن يكون صائماً، ولا يقدر بالعدد إلا إذا كان موسوساً، فيقدر في حقه بالثلاث، وقيل بالسبع، وقيل بالعشر، ويفعل ذلك بعد الاستبراء بالمشي أو التنحنح أو النوم على شقه الأيسر.
الجزء 1 · صفحة 91
كتاب الصلاة
لما فرغ عن بيان الطهارة التي هي شرط الصلاة، شرع في بيان الصلاة التي هي مشروطة، وشرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، وإنما قدمها على غيرها من العبادات لما مر من أنها تالية وثانية في الكتاب والسنة.
وهي لغة: من تحريك الصلوين، وهما العظمان النابتان عن العجيزة، وقيل: من الدعاء.
وشرعاً: عبارة عن الأركان المعلومة والأفعال المخصوصة، وسببها: الوقت، وفرائضها: اثني عشر، ستة قبلها تسمى شروطاً، وستة فيها تسمى أركاناً، لما يجيء بيانها.
وحكمها: سقوط الواجب عن الذمة في الدنيا، وحصول الثواب في العقبى. وحكمتها: تعظيم الله تعالى بجميع الأركان والأعضاء، ظاهرها وباطنها، تبرياً عن عبادة الأوثان قولاً وفعلاً وهيئة.
وفرضت الصلاة ليلة المعراج، وكان المعراج قبل خروجه عليه السلام إلى المدينة بسنة، كذا روى البيهقي عن الزهري، وروى السدي: أنه قبل مهاجره بستة عش رشهراً،
الجزء 1 · صفحة 92
فعلى قول السدي: يكون المعراج في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري: يكون في ربيع الأول.
قوله: (ومن أسلم أو أفاق) أي من الجنون (أو بلغ) أي الصبي (أو طهرت) أي الحائض من الحيض، أو النفساء من النفاس، (والحال أنه قد بقي من الوقت قدر تحريمة: لزمته صلاة ذلك الوقت) عندنا فيقضيها خلافاً للشافعي.
قوله (ولو ارتد) أي عن الإسلام والعياذ بالله (أو جن أو حاضت المرأة حينئذ) أي حين بقي من الوقت قدر تحريمة (لم يجب عليهم صلاة ذلك الوقت) خلافاً لزفر.
والأصل في هذين الفصلين: أصولي، وهو أن الوجوب عند الشافعي: بأول الوقت، وعندنا: بآخره، وأن السببية من الجزء إلى الجزء اتفاقاً، إلا أن عند زفر: إلى أن يتضيق الوقت، وعندنا: إلى آخر جزء من أجزاء الوقت.
الجزء 1 · صفحة 93
فصل
الأذان لغة: إعلام مطلقاً. وشرعاً: إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة.
قوله (الأذان سنة) قيل: واجب، والصحيح أنه سنة مؤكدة، ولو امتنع أهل بلدة: يقاتلهم الإمام عند محمد، خلافاً لأبي يوسف.
قوله: (لخمس) أي الصلوات الخمس قوله: (والجمعة) إنما أفردها بالذكر وإن كانت داخلة في الخمس: نظراً إلى أن فرض الوقت هو الظهر.
قوله: (فقط) يخرج السنن والتطوعات، والوتر وإن كان واجباً عند أبي حنيفة، لكنه يؤدى في وقت العشاء، فاكتفى بأدائه.
قوله: (بغير ترجيع) وهو أن يأتي بالشهادتين مخافتة، ثم يأتي بهما مجاهرة، لأنه لم ينقل في حديث عبد الله بن زيد وحديث بلال، وقال الشافعي: لابد من الترجيع.
قوله: (ويزيده في الفجر بعد الفلاح) أي بعد قوله حي على الفلاح (الصلاة خير
الجزء 1 · صفحة 94
من النوم) مرتين، لما روى أبو داود في سننه في تعليم النبي عليه السلام أبا محذورة الأذان قال: "فإن كان في صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم".
قوله: (والإقامة مثله) أي مثل الأذان مثنى مثنى، إلا أنه يزيد فيه: قد قامت الصلاة، مرتين بعد قوله: حي على الفلاح، لما روي عن عبد الله بن زيد أنه قال "كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة" رواه الترمذي.
قوله: (ويترسل في الأذان) والترسل: أن يقف بين كل كلمتين إلى آخر الأذان، لقوله عليه السلام لبلال: "إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر" رواه الترمذي.
قوله: (ويتوجه فيهما إلى القبلة) أي في الأذان والإقامة، لأنهما ذكر الله، والاستقبال فيه مستحب.
قوله: (ويلتفت يمنة ويسرة) أي عند قوله: حي على الصلاة وحي على الفلاح، لأنهما خطاب للقوم، فيواجههم بهما.
قوله: (ويرفع الصوت) لأنه إعلام الغائبين، فلابد من رفع الصوت ليحصل لهم الإعلام، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون صلاة، ويكفر عنه ما بينهما" رواه أبو داود في السنن.
الجزء 1 · صفحة 95
قوله: (ويستحب الوضوء فيهما) أي في الأذان والإقامة، لأنهما ذكر يستحب فيه الطهارة كالقرآن.
قوله: (ويكرهان للجنب) أي يكره الأذان والإقامة للجنب، لأن لهما شبهاً بالصلاة، فكره مع الحدث الأغلظ دون الأخف.
قوله: (ويعاد الأذان خاصة) أي يستحب أن يعاد أذان الجنب خاصة، ولا تعاد إقامته، لأن تكرار الأذان مشروع في الجماعة كما في الجمعة، وأما تكرار الإقامة: فغير مشروع أصلاً.
قوله: (ويكره إقامة المحدث) وكراهة إقامته لا لأنه ذكر معظم، بل لما فيه من الفصل بين الإقامة والتكبير، وذا غير مشروع، ويروى: لا يكره إقامته أيضاً كما لا يكره أذانه. وأذان المرأة والفاسق والصبي والقاعد والسكران: يكره، ويستحب إعادته.
قوله: (ويؤذن للفائتة الأولى) يعني إذا فاتته صلوات وأراد أن يقضيها: يؤذن للفائتة الأولى ويقيم، وله الاكتفاء بالإقامة في البواقي، لما روي أنه عليه السلام "لما فاتته أربع صلوات، قضاهن مع الصحابة بجماعة، بأذان وإقامة للأولى، وإقامة لكل واحدة من البواقي".
قوله: (ويجوز إقامة غير المؤذن) يعني إذا أذن واحد وأقام آخر: يجوز، لقوله عليه السلام لعبد الله بن زيد حين رأى الأذان: "ألقه على بلال" فقال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده قال: "فأقم أنت" رواه أبو داود وفيه خلاف الشافعي.
الجزء 1 · صفحة 96
قوله: (ويكره للمؤذن الأجرة) لما روي أن عثمان بن أبي العاص قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال: "أنت إمامهم، واقتدي بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" رواه أبو داود. قال أبو عيسى: حديث عثمان حديث حسن.
ولأنه أجرة على الطاعة وهي غير جائزة، وكذلك أخذ الأجرة على الحج والإمامة وتعليم القرآن والفقه، ولكن المتأخرين جوزوا على التعليم والإمامة في زماننا لحاجة الناس إليه، وظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل الناس في الاحتساب، وعليه الفتوى.
ولو استأجر شخصاً لتعليم الحرف، فيه روايتان: في رواية المبسوط: يجوز، وفي رواية القدوري: لا يجوز.
الجزء 1 · صفحة 97
ولو استأجره لتعليم غلامه أو ولده شعراً أو أدباً أو حرفة مثل الخياطة أو نحوها: إن بين المدة بأن استأجره شهراً لتعليم هذا العمل: يجوز وينعقد العقد على المدة حين يستحق الأجر، تعلم أو لم يتعلم إذا سلم الأستاذ نفسه، وإن لم يبين المدة: ينعقد فاسداً، حتى لو علم: استحق أجر المثل، وإلا فلا، وكذا تعليم سائر الأعمال كالخط والهجاء والحساب على هذا.
ولو استأجر قلماً ليكتب به: جاز إذا بين الوقت والكتابة. ولو استأجر على كتابة الغناء والنوح: يجوز، نص عليه شيخ الإسلام، لأن المعصية في القراءة، وقد يقرأ وقد لا يقرأ.
قوله: (ولا يؤذن لصلاة قبل الوقت) لأنه مشروع في الوقت فلا يشرع قبله، إلا أذان الفجر فإنه يجوز بعد نصف الليل عند أبي يوسف والشافعي، وعندهما: لا يجوز.
قوله (ويعاد فيه) أي يعاد الأذان الذي وقع قبل الوقت في الوقت، ليقع على الوجه المشروع.
قوله: (ويجب على سامع الأذان والإقامة متابعة المؤذن) لما روي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" رواه أبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الجزء 1 · صفحة 98
ويقول في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة" رواه مسلم وأبو داود.
قوله: (ولا يتكلم سامعهما) أي سامع الأذان والإقامة، لأن الإجابة واجبة، والتكلم مخل بهما.
(وكذلك لا يقرأ ولا يسلم ولا يرد السلام) ولا يشتغل بعمل غير الإجابة.
قوله: (ويقطع القراءة لهما) أي للأذان والإقامة، فإن قلت: أليس هذا بتكرار لأنه قال أولاً (ولا يقرأ)؟ قلت: لأن المراد من قوله: (ولا يقرأ) هو: أن لا يشرع في القراءة عند الأذان والإقامة، والمراد من قوله: (ويقطع القراءة) هو أن يكون قارئاً فابتدئ الأذان والإقامة. فافهم.
الجزء 1 · صفحة 99
فصل
هذا الفصل في بيان شروط الصلاة وأركانها وواجباتها
وسننها وآدابها وغير ذلك
الشرط ما يتوقف عليه الشيء ولا يكون منه: كالوضوء. والركن: ما يقوم به الشيء: كالقراءة. والفرض: أعم منهما، يطلق على الشرط والركن جميعاً، وهو: ما ثبت بدليل قطعي. والواجب: ما ثبت بدليل ظني. والسنة: ما في فعله ثواب، وتركه عتاب لا عقاب. والأدب: وهو التخلق بالأخلاق الحميدة.
قوله: (وشروط الصلاة ستة) أي ستة أشياء:
قوله: (الوقت) أي الشرط الأول: الوقت، عرفت فرضيته بالكتاب والسنة، أما الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء: 103] أي فرضاً موقتاً، وقوله: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)} [الروم: 17 - 18].
وقيل لابن عباس: هل تجد ذكر الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية: تمسون: صلاة المغرب والعشاء، وتصبحون: صلاة الفجر، وعشياً: صلاة العصر، وتظهرون: صلاة الظهر، وعشياً: متعلق بقوله: {حِينَ تُمْسُونَ}.
الجزء 1 · صفحة 100
{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} اعتراض بينهما، كذا في الكشاف.
وأما السنة: فقوله عليه السلام "أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين صار ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين" رواه أبو داود.
قوله: (والطهارة بأنواعها) أي الشرط الثاني: الطهارة بأنواعها، وهي الطهارة عن النجاسة الحقيقية: عن الثوب والبدن والمكان الذي يصلي به، والطهارة عن النجاسة الحكمية: وهي الحدث والجنابة والحيض والنفاس.
قوله: (وستر العورة) أي الشرط الثالث: ستر العورة لقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] أي استروا عورتكم عند كل صلاة.
قوله: (واستقبال القبلة) أي الشرط الرابع: استقبال القبلة لقوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] أي جهته.
قوله: (والنية) أي الشرط الخامس: النية لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] والإخلاص لا يكون إلا بالنية.
قوله: (وتكبيرة الإحرام) أي الشرط السادس: تكبيرة الإحرام، وتسمى: تكبيرة الافتتاح، والتكبيرة الأولى، وعند الشافعي: تكبيرة الإحرام ركن. وفائدة الخلاف
الجزء 1 · صفحة 101
تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا: يجوز، وعنده لا يجوز، وفيما إذا كبر مقارناً لزوال الشمس، فعندنا: يجوز، وعنده: لا يجوز.
قوله: (وأركانها) أي أركان الصلاة (ستة) أشياء أيضاً (الأول: القيام) لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] (والثاني: القراءة) لقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] (والثالث: الركوع) لقوله تعالى: {وَارْكَعُوا} (والرابع: السجود) لقوله تعالى: {وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] (والخامس: الانتقال من ركن إلى ركن) وذلك مثل أن ينتقل من القيام إلى الركوع، ومن الركوع إلى السجود، ومن السجود إلى القعدة، والصلاة لا توجد إلا بذلك، فكان فرضاً (والسادس: القعدة الأخيرة مقدار التشهد) والمراد من مقدار التشهد: قدر ما يتمكن فيه من قراءة التشهد إلى قوله: عبده ورسوله، إذ التشهد عند الإطلاق ينصرف إليه، وقيل: القدر المفروض من القعدة ما يأتي فيه بالشهادتين، والأول: أصح، وفرضيته: القعدة الأخيرة بقوله عليه السلام "إذا رفعت رأسك من القعدة الأخيرة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك".
فإن قلت: كيف تثبت الفرضية بخبر الواحد؟ قلت: الفرضية لا تثبت به ابتداء، أما البيان: فيصح، وهذا لأن الإتمام ثابت بالكتاب، لأن نفس الصلاة ثابتة وتمامها بها، وهذا الخبر يبين كيفية الإتمام.
قوله: (وواجباتها) أي واجبات الصلاة (أحد عشر) قوله: (الفاتحة) أي الواجب الأول: قراءة الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفرائض، وقال الشافعي: قراءة
الجزء 1 · صفحة 102
الفاتحة فرض لقوله عليه السلام "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" ولنا قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] والتقييد بالفاتحة نسخ لمطلق النص، والحديث محمول على نفي الكمال، ولكن نقول بالوجوب لمواظبته عليه السلام عليها من غير ترك.
فإن قلت: اجعلها بياناً لا نسخاً، لأنها مقررة للمزيد عليه لا مبطلة، فتكون فرضاً، قلت: البيان يستدعي الإجمال، ولا إجمال هنا لإمكان العمل به قبله، ولكن خبر الواحد يوجب العمل، فقلنا بوجوبها عملاً، حتى تكره الصلاة بتركها.
قوله: (وسورة) أي الواجب الثاني: قراءة سورة أو قدرها مع الفاتحة، لمواظبته عليه السلام على ذلك من غير ترك.
قوله: (والجهر) أي الواجب الثالث: الجهر في الجهرية، وهي: الركعتان الأوليان من المغرب، والعشاء، وصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، للنقل المستفيض هكذا.
هذا في حق الإمام، أشار إليه بقوله: (للإمام) وأما المنفرد فهو مخير: إن شاء جهر وأسمع نفسه لكونه إمام نفسه، وإن شاء خافت، لأن الجهر لإسماع من خلفه، وليس خلفه أحد ليسمعه، والجهر أفضل، ليؤدي صلاته على هيئة الجماعة.
قوله: (والمخافتة) أي الواجب الرابع: المخافتة (في السرية) أي الصلاة السرية مطلقاً، أي سواء كان إماماً أو منفرداً، لورود الأثر هكذا.
قوله: (والطمأنينة) أي الواجب الخامس: الطمأنينة، وهي الاستقرار في الركوع والسجود، هذا عندهما، وعند أبي يوسف: هي فرض، لقوله عليه السلام لمن خفف الصلاة: "قم صل فإنك لم تصل".
الجزء 1 · صفحة 103
وبه قال الشافعي، ولهما: إطلاق قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] والزيادة نسخ، والأمر بإلإعادة: لقلعه عن العادة الذميمة.
قوله: (وترتيب أفعالها) أي الواجب السادس: ترتيب أفعال الصلاة، والمراد منه الترتيب في فعل متكرر في ركعة كالسجدة، حتى لو ترك السجدة الثانية وقام إلى الركعة الثانية: لا تفسد صلاته، أما ترتيب القيام على الركوع، وترتيب الركوع على السجود: فرض، لأن الصلاة لا توجد إلا بذلك كما مر، نص عليه في الكافي.
قوله: (والقعدة الأولى) أي الواجب السابع: القعدة الأولى، لمواظبته عليه السلام على ذلك.
قوله: (والتشهد) أي الواجب الثامن قراءة التشهد (في القعدتين) يعني في الأولى والأخيرة جميعاً، نص عليه هكذا في المحيط، وذكر في الهداية: "وقراءة التشهد في القعدة الأخيرة". وهذا التقييد يؤذن بأن قراءته في القعدة الأولى ليست بواجبة، وهو قول البعض، والأصح أنه سنة فيهما، وقال الشافعي: هو فرض في الثانية.
قوله: (والتسليم) أي الواجب التاسع: إصابة لفظ السلام، لقوله عليه السلام: "وتحليلها التسليم".