الجزء 1 · صفحة 1
النهر الفائق
للإمام سراج الدين عمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي
المتوفى سنة 1005هـ
شرح
كنز الدقائق
للإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي
المتوفى سنة 710هـ
حققه وعلق عليه
أحمد عزو عناية
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
الطبعة الأولى
1422هـ-2002م
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
ترجمة صاحب الكنز
ترجمة المؤلف
وصف المخطوط
فهرس مراجع التحقيق
الجزء 1 · صفحة 17
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر ولا تعسر
الحمد لك يا من أظهر ما شاء لمن شاء من كنوز هدايته، وأطلع من أحب على دقائق الحقائق بفيض فضله وعنايته، وأصلي وأسلم على نهاية خلاصة الأصفياء وخيرة نخبة العظماء من الأنبياء محمد المختار من خيار الأخيار، وعلى آله وصحبه الكرام الأبرار ما تكرر الليل والنهار، وتواصلت قطرات الأمطار في الأقطار وتواصلت أبكار نفائس الأفكار.
أما بعد
فإن المختصر الفقهي المنسوب إلى أفضل المتأخرين وأكمل المتبحرين حافظ الملة والدين أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، عمدة المحققين الموسوم (بكنز الدقائق) منتقى من منتقى فائق جمع أصول هذا الفن وقواعده واحتوى على غوامضه وشوارده، وكنت ممن توفرت رغبته على تعلمه وتعصيله وتزايد حرصه على الإحاطة بجمله وتفاصيله، فشرعت في شرح عليه يذلل صعاب عويصاته الأبية، ويسهل طرق [؟] الوصول إلى ذخائر كنوزه الفقهية [المخفية]، ويظهر [به يظهر] لكم خبايا [لباب آثار] تراكيبه، ومنه يعذب عباب بحار أساليبه، أودعته فوائد هي حقائق لباب [آراء] المتقدمين، وفوائد [وفرائد] هي نتائج أفكار المتأخرين، منبها على أوهام وقعت لبعض الناظرين، ولا [لا] سيما شيخنا الأخ زين الدين، ختام المتأخرين، تغمده الله برضوانه، ومتعه بجناته [بجنانه]، ولعمري فالسلامة [أن السلامة] من هذا الخطر هو [لأمر] يعز على البشر، وسميته (النهر الفائق بشرح كنز الدقائق)، والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، نجازى [مجازا] عليه في دار النعيم، آمين.
الجزء 1 · صفحة 19
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الطهارة
قدمت العبادات على غيرها اهتماما بشأنها، قال بعض المحققين: لم نجدهم اعتمدوا في التقديم شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، لكن ينبغي أن يفسر وجه ذلك، وقد ظن كثير أنه يكفي أن يقال: قدم للعناية من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية وبمَ كان أهم وهي هنا كثرة الاحتياج، وهي مقولة بالتشكيك، ومن ثم بدأ بالصلاة؛ لأنها تالية الإيمان، ولا خفاء في شرطية الطهارة لها، والشرط يسبق المشروط طبعا، فكذا وضعا، وقدمت على غيرها من الشروط، قيل: لأنها لا تسقط بعذر، وأورد بأن النية كذلك فزيد، ويلزم وجوبها في كل ركن من أركانها بخلاف النية، فلا يشترط استصحابها لكل ركن، وهي من خصائص الصلاة، وأما النية: فمن خصائص العبادات، ولقائل أن يقول: لا نسلم أن النية والطهارة لا يسقطان به، بل قد يسقطان به، أما النية ففي "القنية": من توالت عليه الهموم تكفيه النية بلسانه.
وأما الطهارة: فقد قالوا فيمن قطعت يداه إلى المرفقين ورجلاه إلى الكعبين وكان بوجهه جراحةٌ: إنه يصلي بلا وضوء ولا تيمم ولا إعادة عليه في الأصح كما في "الظهيرية". فإذا اتصف بهذا الوصف بعد ما دخل الوقت سقطت عنه الطهارة بهذا العذر، ثم، كتاب الطهارة خبر لمحذوف، ولك نصبه على أنه مفعول لفعل محذوف، فإن أريد التعداد بني على السكون وجر بالكسرة تخلصا من التقاء
الجزء 1 · صفحة 20
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الساكنين، وهو مركب إضافي فقيل: حده لقبا يتوقف على معرفة فرده لأن العلم بالمركب يفيد العلم بجزأيه، وقيل: لا يتوقف لأن التسمية سلبت كلا من جزأيه عن معناه الإفرادي، وعليه فكتاب الطهارة لقبا ترجمته جعلت اسما لجملة المسائل المتضمنة لأحكام المضاف إليه فيها ورجح الأول بأنه أتم فائدة، ثم اختلف فقيل: الأولى البدأة بالمضاف لسبقه في الذكر، وقيل: بالمضاف إليه لسبقه في المعنى؛ إذ لا يعلم المضاف من حيث هو مضاف حتى يعلم ما أضيف إليه وهو أحسن لأن المعاني أقدم من الألفاظ كذا قرره الإمام الآبي من المالكية وهو حسن طال ما تفحصت عنه إذ قرروا نظيره في قولهم أصول الفقه، وإذا عرفت هذا فالكتاب لغة: إما مصدر وجاء على كتابة وكتبا سمي به المفعول مبالغة، أو أن فعالا بني للمفعول كاللباس معناه الجمع وهو ضم الشيء إلى الشيء ومنه كتب البغلة وعليها إذا جمع بين شعرها بشعرة وسميت/ كتابة لأنها جمع الحروف إلى صورها.
قال في "المغرب": وقولهم سمي هذا العقد مكاتبة لأن فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة أو لأنه جمع بين نجمين فصاعدا ضعيف، وإنما الصحيح أن كلا منهما كتب على نفسه أمر هذا الوفاء، وهذا الأداء. انتهى، ووجه الضعف في "البحر" بأنه قيل: الأداء لم تحصل حرية الرقبة، والجمع بين النجمين ليس بلازم فيها لجوازها حالة، وأقول: غير خاف أن حرية الرقبة وإن لم توجد لكن انعقد سببها، والأصل فيها التنجيم، فالظاهر أن يقال: الجمع حقيقة إنما يكون في الأجسام. وما ذكر من المعاني وقد أمكن الحقيقي باعتبار أن كلا منهما كتب على نفسه أمرا يعني وثيقة جمع الحروف فيها. من هنا قال الشارح بعد ذكر الضعيف: ولأن كلا منهما يكتب الوثيقة وهذا أظهر.
الجزء 1 · صفحة 21
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وعرفاً: جمع مسائل مستقلة، أي: ألفاظ مخصوصة دالة على مسائل مجموعة. وجوز بعض المحققين كونه عبارة عن النقوش الدالة عليها بتوسط تلك الألفاظ، أو عن المعاني المخصوصة من حيث أنها مدلول بتلك العبارات أو النقوش، أو عن المركب من الثلاثة أو الاثنين منها، فخرج جميع الحروف والكلمات التي ليست كذلك، والباب والفصل لدخولهما تحت الكتاب، وعم التعرف ما كان نوعا واحدا كاللقطة، أو أنواعا كالطهارة ومعنى الاستقلال عدم توقف تصور مسائل على شيء قبله وبعده لا الأصالة المطلقة كما ظنه من قال: اعتبرت مستقلة لإدخال كتاب الطهارة؛ إذ لا شك أن الاستقلال بالمعنى المذكور صادق عليه وفي طلاق "فتح القدير" الفصل صنف تحت ذلك المسمى بابا كما أن الباب يكون تحت المصنف المسمى كتابا، والكل تحت الصنف الذي هو العلم المدون فإنه صنف عال، والعلم مطلقا بمعنى الإدراك جنس وما تحته من اليقين والظن نوع، والعلوم المدونة تكون ظنية كالفقه، وقطعية كالكلام والحساب والهندسة، فواضع العلم لمّا لاحظ الغاية المطلوبة له فوجدها تترتب على العلم بأحوال شتى .. من جهة خاصة، وضعه ليبحث عنه من تلك الجهة فقد قيد ذلك النوع بعارض كلي، فصار خفيفا، وقيل: ... تم المصنفين من المؤلفين، وإن صح أيضا فيهم، وعلم مما ذكرنا أنها ... على التباين ... المقيد بكل منهما النوع، وإنما ذكر من نحو كتاب الحوالة ... بكتاب ... الطهارة بفتح الطاء لغة: النظافة عن الأدناس حسية كالأنجاس أو معنوية ... وقيل: حقيقة وقد استعملت فيهما شرعا إذ الحدث دنس حكمي والنجاسة الحقيقية دنس حقيقي وزوالهما طهارة، وبكسرها الآلة، وبضمها فضل ما يتطهر به.
واصطلاحا: نظافة المحل عن النجاسة حقيقية كانت أو حكمية وهذا أولى من تعريفها بزوال حدث أو خبث كما في "البحر" لوجهين ظاهرين، ولا فرق في ذلك المحل بين أن يكون له تعلق بالصلاة كالثوب والبدن والمكان أو لا كالأواني والأطعمة وأورد الوضوء على الوضوء وأجيب بأن تسمية الثاني طهارة مجازا وأفردها لأنها مصدر والأصل فيه الإفراد، ومن جمعها أراد الأنواع باعتبار متعلقها من الحدث والخبث وآلتها من الماء والتراب كذا قالوا، وفيه بحث.
الجزء 1 · صفحة 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لما استقر من أن الجمع المعرف باللام مجاز عن الجنس فإذا حنث في نحو لا يشتري العبيد بالواحد فإرادة الأنواع إنما يحتاج إليها إن لو بقي الجمع على بابه وأجاب في "الحواشي اليعقوبية": بأن هذا عند عدم الاستغراق وعدم أنها للعهد كما في المثال المذكور، وانتفاء الأمرين هاهنا ممتنع، ولو سلم فاستواء هذا الجمع والمفرد ممتنع لما في لفظ الجمع من الإشعار بالتعدد، وإن بطل معنى الجمعية كيف وهذا الجمع لا يكاد يستعمل فيما لا يتعدد غايته أنه يصدق على الواحد والكثير بخلاف المفرد، انتهى.
والمذكور في خلع "فتح القدير" من أن حملها على الجنس مشروط بشرطين عدم إمكان العهدية، وكذا لو قالت: خالعني على ما في يدي من الدراهم، ولا شيء في يدها ردت مهرها أو ثلاثة دراهم وإمكان الاستغراق، ولذا لم تحمل عليه في نحو: لأشترين العبيد حتى لم يبرأ إلا بثلاثة لعدم إمكانه وحملت عليه في نحو لا أشتري العبيد لإمكانه في النفي، فحنث بواحد وهذا مصحح لا موجب انتهى، لكن المذكور في "كافي المصنف" أنه تبر في الإثبات بواحد. وعلى ما في "الفتح" يأتي ما أجاب به بعض المتأخرين من أن إبطال معنى الجمعية مخصوص بموضع النفي نص عليه البزدوي في "أصوله"، انتهى.
ومقتضى ما في "الكافي" انتفاء هذا الشرط فتدبره، ثم الإضافة لامية لا ميمية، ولا على معنى في لأن المضاف إليه باين المضاف ولم يكن ظرفا، أو كان أخص مطلقا كيوم الأحد وعلم الفقه وشجر الأراك كانت بمعنى اللام، وإن كان المباين ظرفا كانت بمعنى في، وإن اختص من وجه فإن كان المضاف إليه أصلا للمضاف، فالإضافة بمعنى من، وإلا فهي أيضا بمعنى اللام فإضافة خاتم إلى فضة بيانية وإضافة فضة إلى خاتم بمعنى اللام، كما يقال: خاتم فضتك خير من فضة
الجزء 1 · صفحة 23
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خاتمي، وجوز بعضهم كونها بيانية. وأما سبب/ وجوبها فهل هو الحدث أو الخبث أو إقامة الصلاة أو إرادتها؟ أقوال: إختار السرخسي الأول، ورجح الثاني في "الخلاصة" والثالث في "الكشف الكبير" وموافقة بعض هذه الأقوال لأهل الظاهر، أو غيرهم غير قادحة في صحتها عنهم كما ظنه في "البحر"، كيف والناقل ثقة واختار في "العناية": أن وجوبها لا وجودها لأنه مشروط إذا كان متأخرا عنها، وهو لا يكون سببا للمتقدم قيل: فيه نظر إذ وجود الصلاة مشروط بوجود الطهارة فلا ينافيه اشتراط وجوبها لوجود الصلاة، فالصواب أن يقال: إنه حينئذ يلزم أن لا تجب الصلاة بل بعدها مع أنه قاصر أيضا إذ لا يشمل النافلة لأنها غير واجبة، ويمكن أن يجاب بأن الوجود في النافلة ثابت عند الإرادة، وبالترك يسقط، نص عليه الشارح في الظهار، فإرادة النافلة سبب لوجوب واجب مخير فيصدق أنها سبب وجوده في الجملة.
أما شرائطها، فقال الحلبي: لم أرها مجموعة والمأخوذة من كلامهم ثلاثة عشر شرطا، تسعة منها شروط وجوب والباقي شروط صحة، وقد نظمتها، قلت:
شروط طهور المرء لا بد تعلم ** هي تكليف والإسلام محكم
كذا حدث ماء طهور ومطلق ** وكاف وضيق الوقت والحيض معدم
نفاس مع الإمكان للفعل هذه ** شروط وجوب ما بقي الصحة فاعملوا
الجزء 1 · صفحة 24
فرض الوضوء غسل وجهه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فأولها استيعابك العضو كله ** وحيض نفاس والنواقض تعدم
والله الموفق.
(فرض الوضوء) أي: ركنه (غسل وجهه) الإضافة الأولى بيانية قيل: والفرق بينها وبين الإضافة الأعم إلى الأخص أنها في البيانية أريد تفسير الأول بالثاني، وفي إضافة الأعم أريد بالأعم هذا القدر الخاص، ويجوز أن تكون بمعنى اللام، والضمير عائد على المتوضئ المفاد من الوضوء قدمه على الغسل لأنه جزء منه ولكثرة الاحتياج إليه، ولذا قدم في القرآن وتعليم جبريل.
والفرض لغة جاء بمعنى قدر وقطع وواجب والمشهور أنه مشترك.
وقال الأصوليون: إنه حقيقة في التقدير مجاز في غيره إذ هو أولى من الاشتراك قيل لأن الاشتراك يحتاج إلى قرينتين بخلاف المجاز، وهذا ظاهره ليس بشيء، بل كل من المادة يحتاج إلى قرينة وتعددها بتعدده على البدل كتعددها بتعدد المجاز ولعل مرادهم لزوم الاحتياج دائما بتقديم الاشتراك دون المجاز بتعيين المراد ونفي الآخر انتهى. وغير خاف أن المعين نافية والمتغاير باعتبار الحيثية، وشرعا ما قطع بلزومه، كذا في "التحرير" لكنهم أطلقوه على العملي أيضا وعرفوه بما يفوت الجواز بفوته مع أنه يثبت بالظن نظر إلى قوة دلالته القطعية، ولذا فارق الواجب إن دخل في قسمة المفسر بما لزم فعله بدليل فيه شبهة كيف وقد قسموا الأدلة السمعية إلى أربعة أنواع: قطعي الثبوت والدلالة كالنصوص المتواترة، وقطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة، وظني الثبوت قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي مفهوماتها قطعية وظنيهما. وأثبتوا الفرض بالأول وبالثاني وبالثالث الواجب وبالرابع السنة والاستحباب.
وأرادوا بالواجب ما يشمل الفرض العملي ومن هنا قال بعض المتأخرين: إنه أقوى نوعية وأضعف نوعي الفرض، وزادوا في التعريف: ولا ينجبر بجابر ولا حاجة إليه؛ لأن الجواز هنا بمعنى الصحة لا بمعنى الحل، ثم في إدراج المصنف المقدار
الجزء 1 · صفحة 25
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الاجتهادي في الفروض إيماء إلى أنه أراد به العملي، قيل: هو بمعنى المفروض ولا حاجة إليه لأهنه صار من المنقولات الشرعية وبه سقط ما قاله بعض المتأخرين. كان المناسب عكس التركيب أو موضوع الفقه فعلى المكلف وموضوع المسألة ينبغي أن يكون جزئيا في جزئياته، على أنه في كلام المصنف مبني على ما اشتهر من وجوب الحكم بابتدائية المقدم من المعرفتين لتفاوت رتبهما أولا، لكن قال في "مغني اللبيب" التحقيق أن المبتدأ ما كان أعرف وعلى هذا فغسل وجهه وما عطف عليه هو الموضوع، لأن المضاف إلى المضاف إلى الضمير أعرف من المضاف إلى ذي الأداة كما صرحوا به.
تنبيه:
اعلم أن الفعل يطلق على المعنى الذي هو وصف للفاعل موجود كالهيئة المسماة بالصلاة من القيام والقراءة والركوع والسجود ونحوها، وكالهيئة المسماة بالصوم وهي: الإمساك عن المفطرات بياض النهار، وهذا يقال فيه الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر، وقد يطلق على نفس إيقاع الفاعل هذا المعنى ويقال فيه: الفعلي بالمعنى المصدري، أي: الذي هو أحد مدلولي الفعل ومتعلق التكليف إنما هو الفعل بالمعنى الأول لا الثاني؛ لأن الفعل بالمعنى الثاني اعتباري لا وجود له في الخارج، إذ لو كان موجودا لكان له موقع فيكون له إيقاع. وهكذا فيلزم التسلسل المحال فاعلم هذا فإنه ينفعك في كثير من المحال.
والوضوء: بالضم من الوضاءة المصدر، وبالفتح ما يتوضأ به، ولم يقل أربعة لفساد المعنى، وذلك لأن المفرد المضاف يعم ومدلول العام/ من حيث الحكم عليه كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد مطابقة فيلزم أن كل فرض أربعة، ومن هنا احتيج في قول القدوري فرائض الصلاة ستة إلى الجواب، وما قيل من أنه من باب كل رجل في البلد يحمل الصخرة العظيمة ففيه نظر.
الجزء 1 · صفحة 26
وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والغسل: بفتح الغين لغة إزالة الوسخ عن الشيء بإجراء الماء عليه، وبضمها اسم لغسل تمام الجسد وللماء الذي يغتسل به، وبكسرها: ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه، وشرعا هو الإسالة، وحدها أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما وعند الثاني يجزئ إذا سال ولم يقطر، كذا في "الفتح".
وفي "الذخيرة": قيل تأويل ما عن الثاني أنه إن سال قطرة أو قطرتين ولم يتدارك، وبهذا عرف أن ذكر التقاطر مع الإسالة في التعريف كما جرى عليه كثير مما لا حاجة إليه، لأنه حيث أخذ في مفهومها لم يصدق بدونها، (وهو من قصاص شعره إلى أسفل ذقنه) جملة معترضة بين بها طول الوجه. والقصاص: مثلثة القاف والضم أعلاها، حيث ينتهي نبته في الرأس؛ إذ المراد بالشعر شعر الرأس، وهذا الحد لم يذكر في ظاهر الرواية، وإنما ذكر في غير رواية "الأصول" وهو صحيح، كذا في "البدائع" لكن كون المبدأ في من القصاص باعتبار الغالب، والمطرد إنما هو مبتدأ سطح الجبهة إلى أسفل اللحيين، إذ الأغم: الذي نزل الشعر على جبهته لا يكفيه الغسل من القصاص.
والأصلع: الذي انحسر شعره إلى وسط رأسه، لا يجب عليه الغسل منه بل لو مسح على الصلعة أجزأه في الأصح، كما في "الخلاصة".
وفي "المجتبى": وقيل: إن قل فمن الوجه وإلا فمن الرأس، ولا يخفى أن
الجزء 1 · صفحة 27
وإلى شحمتي الأذن ويديه بمرفقيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من منع المسح على الصلعة يلزمه إيجاب الغسل من القصاص، فيجوز أن يكون التعريف بناء عليه لا أنه خرج مخرج الغالب، وبهذا عرف أن الاقتصار على إيراد الأغم أولى، (وإلى شحمتي الأذن) من عطف الجمل، إذ لا يصح عطفه على قوله: إلى أسفل ذقنه، والأذُن بضم الذال ولك إسكانها تخفيفا، وكذا كل ما جاء على فعل من الأذن بفتحتين، وهو: الاستماع، وشحمتها: ما لان منها ولم يثبتها مع أنه الأصل، لما أن لكل أذن شحمة اختصارا، أي: ومبدأ عرضه من شحمة الأذن إلى الأخرى. فدخل البياض الذي بين العذار والأذن فيجب غسله، وعن الثاني لا، وظاهر المذهب الذي عليه أكثر المشايخ في الصحيح الأول، وعم التعريف ما ظهر من الشفة عند انضمامها إلا ما استتر، وقيل: إنها تبع للفم مطلقا والأول أصح، واللحية والشارب. وسيأتي الاعتذار عنه في إفرادها بالذكر، ولا كلام أن الخفيفة التي ترى بشرتها يجب إيصال الماء إلى ما تحتها، فقول من قال: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشارب محمول على ما إذا كان خفيفا ترى بشرته، وداخل العينين غير أنه سقط للحرج وخرج النزعتان بفتح النون والزاي ولك إسكانها وهما: الموضعان المختلطان بالناصية، وفي جانب الجنبين اللذين ينحسر الشعر عنهما في بعض الناس لأنهما من الرأس. ولا يقال للرأس نزعا بل زعوا والعرب به تمدح، لأنه آية الذكاء والسخاء، وتذم بالغمم لأنه ضد.
(ويديه بمرفقيه) أي: معهما فالباء للمصاحبة آثر التعبير بها على "مع" لما أنها لابتداء المصاحبة، والباء لاستدامتها، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في الأفصح رجاء عكسه أيضا في الإنسان والدابة على الذراع وأسفل العضد، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء عليه ونحوه، وفيه إيماء إلى أن إلى في الآية بمعنى مع كقوله: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود:52] ورد بأنه يوجب غسل الكل، لأن اليد لغة اسم لما من رؤوس الأصابع إلى المنكب وقد يدفع بأن ما زاد على المرفقين خارج بالإجماع.
قال في "البحر": وما في "غاية البيان" من أنها قد تدخل وقد لا تدخل، فتدخل احتياطا مردود بأن الحكم إذا توقف على الدليل لا يجب مع عدمه والاحتياط العمل: بأقوى الدليلين وهو فرع تجاذبهما، وهو: منتف، وما في الهداية" وغيرها من
الجزء 1 · صفحة 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أنه غاية لمقدر تقديره اغسلوا أيديكم مسقطين إلى المرافق مردود، لأن الظاهر تعلقه باغسلوا وتعلقه بمقدر خلاف الظاهر على أنه يحتمل أيضا أسقطوا من المنكب إلى المرفق فلم يتعين الأول وفرقهم بين غاية الإسقاط والمد بأن الصدر إن تناول ما بعد إلى فهي للإسقاط، وإلا فللمد نحو: {أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة:87] غير مطرد لانتقاضه بما إذا حلف لا يكلمه إلى عشرة لم يدخل العاشر في ظاهر الرواية مع تناول العدد له.
وما ذكره المحققون منهم الزمخشري مع أن إلى تفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم وخروجها عنه فأمر يدور مع الدليل فمما فيه دليل الخروج قوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} [البقرة:28] ومما فيه دليل الدخول للعلم بأنه لا يسري به إلى الأقصى من غير دخوله، وما نحن فيه لا دليل فيه على أحد الأمرين، فقلنا: بدخولهما احتياطا، إذ لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه ترك غسلهما، فلا يفيد الاقتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع.
قال الشافعي رحمه الله في "الأم": لا يعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء وهذ منه حكاية للإجماع.
قال العسقلاني في "فتح الباري": فعلى هذا فزفز محجوج بالإجماع
الجزء 1 · صفحة 29
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قبله، وكذا من قال: من أهل الظاهر ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا، وإنما حكي عنه كلاما محتملا انتهى.
وأقول: معنى الاحتياط هنا، هو: الخروج عن العهدة بيقين، وما نسبه إلى الهداية سهو، وإنما الذي فيها رد لقول زفر: الغاية لا تدخل في المغيا إن هذه الغاية لإسقاط ما ورائها يعني: فهي داخلة، والجار متعلق باغسلوا على كل حال والنقض بمسألة اليمين أجاب عنه في فتح القدير بأن الكلام هنا في اللغة، والأيمان مبني على العرف نعم يرد النقض بمثل ما قرأت من القرآن إلى سورة كذا، والهداية إلى كتاب كذا، فإن الغاية فيهما لا تدخل تحت المغيا مع تناول الصدر لها.
وقوله: والأولى إلى آخره مما لا حاجة إليه إذ الفروض العملية لا تحتاج في إثباتها إلى القاطع فيحتاج إلى الإجماع على أن قول المجتهد لا أعلم مخالفاص ليس حكاية الإجماع الذي يكون غيره محجوجا به، فقد قال الإمام اللامشي في أصوله: لا خلاف أن جميع المجتهدين لو اجتمعوا على حكم واحد ووجدوا الرضا من الكل نصا كان ذلك إجماعا. فأما إذا نص البعض وسكت الباقون لا عن خوف بعد اشتهار القول فعامة أهل السنة أن يكون ذلك إجماعا.
وقال الشافعي رحمه الله: لا أقول إنه إجماع ولكن أقول لا أعلم منه خلافاً. وقال أبو هاشم من المعتزلة: لا يكون إجماعا ويكون حجة أيضا انتهى.
هذا ولو خلق له يدان ورجلان فالتامة هي الأصلية فما حاذى الزوائد محل الفرض غسل كالأصبع الزائدة والكف الزائد والسلعة وما لا فلا ولم أر في كلامهم ما
الجزء 1 · صفحة 30
ورجليه بكعبيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لو كانتا تامتين متصلتين أو منفصلتين، والظاهر وجوب غسلهما في الأول وواحدة في الثاني.
ولو في أظفاره طين أو عجين فالفتوى أنه مغتفر قرويا كان أو مدنيا، (ورجليه بكعبيه) أي: معهما، وهما العظمان الناتئان من جانبي القدم أي: المرتفعان، هذا هو المنقول عن أهل اللغة، وأنكر الأصمعي قول الناس أنه في ظهر القدم، ومن ثم قال القدوري: لا خلاف بين أصحابنا في تفسيره بذلك.
وأما ما رواه هشام عن محمد من أنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك فاتفق الشارحون تبعاً لما في المبسوط أنه سهو منه. وما قاله محمد إنما هو المحرم إذا لم يجد ذعلين، فإنه يقطع خفية أسفل من هذين الكعبين. فأما كعب الطهارة ففسره في الزيادات أي بما قلنا وفي الآية إشارة إليه، وذلك أنه لما كان في كل يد مرفق واحد قوبل جمع الأيدي بجمع المرافق على اعتبار انقسام آحاد أحد الجمعين على آحاد الجمع الآخر، وهو من الإيجاز البليغ ولو اتخذ في الرجل لقبح الكلام فيه بهذا المنوال، فلما عدل عن ذلك الأسلوب وقوبل جمع الرجل بتثنية
الجزء 1 · صفحة 31
ومسح ربع رأسه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الكعب علم أنه في كل رجل متعدد، وفي أبي داود حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف فكان الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه، ولم يتحقق الإلصاق إلا بما قلنا.
وأما الاستدلال بأن ما كان موحدا من خلق الإنسان فتثنيته بلفظ الجمع، ومنه {فقد صغت قلوبكما} وما تعدد بلفظ التثنية، ولو كان كما قال هشام: لقيل إلى الكعاب كالمرافق فرده في البحر بأنه غير متعين لجواز أن يعتبر الكعبان بالنسبة إلى ما للمرء من جنس الرجل وهو اثنان.
وأقول: هذا الاعتبار غير معتبر إذ مقابلة الجمع بالجمع المقتضي لانقسام الآحاد على الآحاد أوجبت غسل يد واحدة ورجل واحدة ووقعت الغاية فيها إلى الكعبين فاقتضى أن في كل رجل كعبين، ووجوب الثانية منهما، إما بالسنة، أو بدلالة النص على ما قيل، وبهذا ظهر سر قول القدوري بعد افتتاحه بالآية الشريفة، ففرض الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس فتدبره.
واعلم أن لوقوع الجمع موقع التثنية شروطا نبه عليها السمين، فقال: كل جزأين أضيفا إلى كليتهما لفظا أو تقديرا أو كانا مفردين من صاحبهما جاز فيهما ثلاثة أوجه أحسنها الجمع، ويليه الإفراد عند بعضهم، ويليه التثنية، وقيل: التثنية ثم الإفراد تقول: قطعت رأس الكبشين، ورأسي الكبشين.
(ومسح ربع رأسه) وهو لغة إمرار اليد على الشيء، وعرفا إصابة الماء العضو سواء كان المصاب فيه عضوا، ولو ببلل باق فيه بعد غسل لا مسح أو لا، حتى لو أصابه من المطر قدر الفرض أجزأه، ثم الإجزاء بالبلل الباقي هو المشهور، ومنعه
الجزء 1 · صفحة 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الحاكم وعامة المشايخ خطؤوه. والصحيح ما قاله الحاكم: فقد نص الكرخي في جامعه الكبير عن الإمام، والثاني مفسرا معللا بأنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه لم يجز إلا بماء جديد، كذا في إيضاح الإصلاح.
واعلم أن في مقدار فرض المسح روايات أشهرها ما في الكتاب. الثانية: مقدار الناصية اختارها القدوري. وفي الهداية: وهي الربع والتحقيق أنها أقل منه ولذا ذكر الإسبيجابي رواية الناصية ثم قال هذا إذا بلغته ربع الرأس وإلا فلا يصح المسح، وفي البدائع: روى الحسن: أنه الربع وذكر الكرخي والطحاوي أنه مقدار الناصية. الثالثة: مقدار ثلاثة أصابع رواها هشام عن الإمام، قيل: وهي ظاهر الرواية، وفي البدائع: أنها رواية الأصول وصححها في التحفة وغيرها. وفي الظهيرية: وعليها الفتوى، لأن المسح يكون بالآلة، وهي: الأصابع عادة والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل لكل نسب في الخلاصة رواية الثلاثة إلى محمد، وعلى ذلك
الجزء 1 · صفحة 33
ولحيته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
جرى في النهاية، قال بعض المتأخرين: ورواها ابن رستم عنه في نوادره وغاية ما يلزم من ذكرها في الأصول: أن يكون ظاهر الرواية عن محمد لا عن الإمام، كما قد يتبادر لنقل الأئمة الثقات كالكرخي والطحاوي عن أصحابنا أنه مقدار الناصية، فإن قلت المذكور في الأصول خال عن نسبة القول إليه قلت: بلى ولكنه محمول على أنه قوله كما في الفتح توفيقا، وعلى هذا فما في الرواية أنه ظاهر المذهب أي: عن محمد وتلك المقدمة الأخيرة أعني: أن للأكثر حكم الكل في حيز المنع هنا، لأن هذا من قبيل المقدار الشرعي بواسطة تعدي الفعل إلى تمام اليد فإنه بهي تقدر قدرها من الرأس وفيه تعتبر عين قدره كعدد ركعات الظهر وقدر بعضهم أنه لا خلاف في اعتبار الربع غير أنهما اعتبرا الممسوح عليها ومحمد اعتبر الممسوح به وهو: عشرة أصابع ربعها اثنتان ونصف غير أن الواحد لا يتجزئ فكمل ويرجح ما قالاه بأن المذكور في النص هو إنما هو: الممسوح عليه فكان بالاعتبار أولى انتهى.
وتفرع على الروايتين: ما لو وضع ثلاثة أصابع ولم يمدها جاز على رواية الثلاثة لا الربع، ولو منصوبة لا لأنه لم يأت بالقدر المفروض وهذا بالإجماع.
أما لو مدها حتى لو بلغ القدر المفروض لم يجز أيضا عند أصحابنا الثلاثة خوفا لزفر وكذا الخلاف في الإصبع والإصبعين إذا بلغ القدر المفروض بالمد، كذا في البدائع وفي الفتح: لم أر في كلامهم في مد الثلاث إلا الجواز انتهى.
وقد وقفت على ما هو المنقول ولم يذكر في ظاهر الرواية ما لو مسح بجوانب إصبع واحدة، وقد قال بعضهم: يجوز وهو الصحيح، وكذا بأطراف أصابعه سواء كان الماء متقاطرا أو لا وهو الأصح، كما في الخلاصة.
(ولحيته): بكسر اللام وفتحها، وأفردها مع دخولها في حد الوجه ميلا إلى
الجزء 1 · صفحة 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اختيار وجوب مسح ربعها إن عطفت على رأسه، وهو رواية الحسن عن الإمام أو كلها إن عطفت على ربع وهو رواية بشر عن الثاني هذا مقتضى اللفظ. وإن اقتصر في الكافي على الأول. وثمة ثالثة وهو: مسح ما لاقى البشرة رجحها قاضي خان في شرح الجامع الصغير وعليها جرى في المجمع وفي البدائع.
روى ابن شجاع عن الإمام وزفر: أنه إذا مسح ثلثا أو ربعا جاز، وقال أبو يوسف: إذا لم يمسح شيئا منها جاز وهذه الروايات مرجوع عنها، والصحيح وجوب الغسل، قال في الظهيرية: وعليه الفتوى. ولا خلاف أن المسترسل لا يجب غسله ولا مسحه ولكن يسن، وأن التي ترى بشرتها يجب إيصال الماء إليها.
تنبيه:
قدمنا أن القندوري افتتح كتابه بآية الوضوء ثم قال: ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، قال بعض المتأخرين: فهذه الفاء سواء كانت لترتيب الحكم على الدليل أو لتعقيب الإجمال بالتفصيل تفصح عن كون المراد بيان فرائض الوضوء المأمور به في الآية، وحينئذ فلا بد أن يذكر النية في جملة الفرائض، إذ لا نزاع لأصحابنا في أن الوضوء المأمور به لا يصح بدون النية إنما نزاعهم في توقف الصلاة على الوضوء المأمور به.
وأشار أبو الحسن الكرخي إلى هذا، وقال الدبوسي: في أسراره وكثير من
الجزء 1 · صفحة 35
وسنته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مشايخنا يظنون أن المأمور به من الوضوء يتأدى من غير نية، وهذا غلط فإن المأمور به عبادة والوضوء بغير نية ليس بعبادة، وفي مبسوط شيخ الإسلام لا كلام في أن الوضوء المأمور به غير مقصود وإنما المقصود الطهارة وهي تحصل بالمأمور به وغيره لأن الماء مطهر بالطبع انتهى.
أقول: لا نسلم أنهم أرادوا بيان الوضوء المأمور به فقط، إذ الآية كما أفادت كونه مأمورا به أفادت كونه شرطا للصلاة أيضا، والمقصود بيان شرطيته فحيث دل على ذلك ذكرهم النية في السنن فانح السنن، فإنه حسن، (وسننه) ذكر السنن بعد الفرائض إيماء إلى أنه لا واجب في الوضوء، وإلا لذكره مقدما، وأما الوضوء نفسه فقد يكون فرضا وهو: الوضوء للفريضة والجنازة وسجدة التلاوة، وواجبا وهو: الوضوء للطواف ومندوبا: وهو للنوم وبعد الغيبة والكذب وإنشاد الشعر والقهقهة وغسل الميت ومنه الوضوء على الوضوء، كذا في الخلاصة زاد الهندواني في مختصره المسمى بالشامل والنظر في محاسن المرأة والاختلاف في النقض، ولوقت كل صلاة والتقيير بالفريضة يخرج النافلة مع أنه قد مر وجوبه عند ارادتها، وبالترك يسقط والظاهر أنه عنى به ما يعاقب على تركه وأفرد الفرائض وجمع السنن؛ لأنها وإن تعددت فهي متحدة حكما، حيث لا يعتد ببعضها عند فوات البعض الآخر.
أما السنن فكل منها مستقل حكما إذ كل واحدة منها تعد فضيلة، وإن لم توجد الأخرى، وهي لغة: الطريقة مطلقا، وعرفا: الطريقة المسلوكة في الدين، كذا في العناية لكنه غير مانع لصدقه على المستحب، وقد أخذ مقابلا للفرض والواجب. وقال في غاية البيان: هي ما في فعله ثراب وفي تركه عتاب لا عقاب وأيده بعض المتأخرين بأنه المعنى المناسب للمقام، وهو وإن كان تعريفا بالحكم إلا أن الفقهاء يتسامحون في التعريف به لما أن الأحكام هي محط مواقع أنظارهم.
الجزء 1 · صفحة 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي فتح القدير: هي ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع الترك أحيانا، وفيه بحث من وجوه:
الأول: ليس كلما كان كذلك يكون سنة بل لا بد أن يكون على وجه العبادة، كما قيده به في إيضاح الإصلاح ليخرج ما كان كذلك على وجه العبادة.
الثاني: لا بد أن يقال: وكانت من خصائص تلك العبادة لأن عدم الاختصاص ينافيها، ومن ثم كان السواك مندوبا في الوضوء لعدم اختصاصه به.
الثالث: لا بد أن يزاد وواظب عليها الخلفاء بعده، ليدخل التراويح إذ قد أطبقوا على أن سنيتها لمواظبة الخلفاء عليها. وما في السراج هي: ما فعله عليه الصلاة والسلام أو واحد من أصحابه فتعريف لمطلق السنة والكلام في المؤكدة.
الرابع: لا بد أن يقيد الترك بكونه لغير عذر، كما في التحرير ليخرج المتروك بعذر كالقيام المفروض، وكأنه إنما تركه لأن الترك لعذر لا يعد تركا، ثم هذا كله ظاهر في أن المواظبة دون ترك تفيد الوجوب، وهو مخالف لاستدلالهم على سنية اعتكاف العشر الأخير من رمضان بأنه صلى الله عليه وسلم واظب عليه حتى توفاه الله تعالى كما في الصحيح. وأشار في الفتح إلى الجواب: بأنها لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعل كانت دليل السنية، وأن لا يكون دليل الوجوب، وأوضحه في الحواشي السعدية بأنه لما لم ينكر على التارك كان في حكم التارك؛ إذ الترك كان لتعليم الجواز وعدم الإنكار للتارك يفيد تعليم الجواز فيكون المراد مع الترك أحيانا حقيقة أو حكما، انتهى.
أقول: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يكن ذلك الفعل المواظب عليه مما اختص وجوبه به كصلاة الضحى، أما إذا كان عدم الإنكار على من لم يفعل لا يصح أن ينزل منزلة الترك. بقي هذا أن التقرير خاص بالفعلية فيخرج عنه ما ثبت بقوله: وهو من السنن كثير، وقد أثبتوا كما سيأتي سنية غسل اليدين في ابتداء الوضوء بالنهي عن الغمس قبل الغسل ثلاثا، وقول بعضهم لما نهي عنه فالظاهر أنه
الجزء 1 · صفحة 37
غسل يديه إلى رسغيه ابتداء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واظب عليه، وما السنة إلا كذلك مدفوع بأن الترك أحيانا مأخوذ في تعريفها، ومن ثم عرفها الشمني بما ثبت بقوله أو فعله وليس بواجب ولا مستحب، انتهى. وهو تعريف لمطلقها غير أن الشرط في المؤكدة مواظبة مع ترك، وشأن الشروط أن لا تذكر في التعاريف وأورد عليه في البحر المباح يعني: بناء لعى ما هو المنصوص عندهم من الأصل في الأشياء التوقف، إلا أن الفقهاء كثيرا ما يلهجون بأن الأصل في الأشياء الإباحة، فالتعريف بناء عليه ثم قال: الذي ظهر لي أن السنة ما واظب عليه صلى الله عليه وسلم، لكن إن كانت لا مع الترك فهي دليل المؤكدة أو مع الترك أحيانا، فدليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالإنكار كانت دليل الوجوب، انتهى.
ومنشأ هذا في قوله في الفتح: وإلا، أي: وإن اقترنت بالإنكار يكون دليل الوجوب وفي التلويح المختار أن مطلق المواظبة لا يدل على الوجوب، وكان هذا مذهب أصولي وإلا فهم مصرحون في غير ما موضع من الفروع أنها تفيده (غسل يديه) الطاهرتين.
أما غسل المتنجسين على وجه لا يفضي إلى تنجس الماء أو غيره ففرض ولم يقل ثلاثا، لأن الغسل الكامل ينصرف إليه (إلى رسغيه)، الرسغ: بضم الراء مفصل الكف في الذراع والقدمين في الساق، واكتفى بالغسل إليهما لحصول المقصود، وهو تنظيف الآلة ولم يقل: قبل إدخالهما الإناء لئلا يتوهم اختصاص السنة بوقت الحاجة لأن مفاهيم الكتب حجة بخلاف أكثر مفاهيم النصوص (ابتداء)، أي: في ابتداء الوضوء أو مبتدأ مستيقظا كان أو لا، والتقييد به في كلام غيره اتفاقي، إذ الأصح الذي عليه الأكثر أنه سنة مطلقا لكنه عند توهم النجاسة سنة مؤكدة، كما إذا نام لا عن استنجاء أو كان على بدنه نجاسة غير مؤكدة عند عدم توهمها، كما إذا نام لا عن شيء من ذلك، أو لم يكن مستيقظا عن نوم ثم الأصح أنه يغسلهما قبل الاستنجاء وبعده، ولا خفاء أن الابتداء كما يطلق على الحقيقي يطلق على الإضافي أيضا، وهما سنتان لا واحدة، سند الأولى ما رواه الجماعة من حديث ميمونة في صفة غسله صلى الله عليه وسلم وأنه غسل يديه قبل الاستنجاء، والثاني: أن جميع من حكى وضوءه صلى الله عليه وسلم قدم غسل اليدين.
الجزء 1 · صفحة 38
كالتسمية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن هذا الابتداء وإن كان سنة إلا أن الغسل يقع فرضا وإلى ذلك أشار محمد بقوله بعد غسل الوجه: ثم بغسل ذراعيه، والمصنف أيضا، وذلك أنه قدم أن غسل اليدين فرض وأفاد أن تقديم بعض هذا الفرض سنة وقيل: هو سنة ينوب عن الفرض.
قال بعض المتأخرين: ليت شعري ما معنى نيابةالسنة عن الفرض يعني: فإن قيل: ما معناه أنه لا يعيد غسلهما عند غسل الذراعين، قلنا: ذاك لأن الفرض وجد أصالة ولقد أبعد الإمام السرسخي إذ قال: الأصح عندي أنه سنة لا تنوب، وأفاد في الذخائر الأشرفية أن السنة عند غسل الذراعين أنه يغسل يديه ثلاثا أيضا، انتهى.
ثم كيفية هذا الغسل أن الإناء إن أمكنه رفعه غسل اليمنى ثم اليسى ثلاثا، أو لم يمكن لكن معه إناء صغير فكذلك، وإلا أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة دون الكف وصب على اليمنى ثم يدخلها، قال في المضمرات: ولو كانتا نجستين أمر غيره بذلك فإن لم يجد أدخلا منديلا ليغسل ما تقاطر منه، فإن لم يجد رفع الماء بفيه فإن لم يقدر تيمم وصلى ولا إعادة عليه.
(كالتمسية) أي: كما أن التسمية سنة في الإبتداء مطلقا سواء كان الوضوء عن نوم أو لا اتفاقا، كذلك غسل اليدين وإلا لكانت التسمية سابقة إيجاد أو أقوى مما سبق جعلها مشبها به، ومنع بعض المتأخرين كون الابتداء بها سنة، بل الإتيان بها بشرط كونها في الابتداء هو المسنون والفرض واضح، فإن من سمى ثم قرأ بعضا من الأدعية يكون مقيما للسنة على الثاني دون الأول وأنت خبير بأن معنى البدأة بها في الوضوء، يعني قبل الشروع في أفعاله فلا ينافيه ما ادعاه ثم المتبادر منها لفظ بسم الله الرحمن الرحيم، وقد قيل: إنه الأفضل لكن بعد التعوذ. وذكر الطحاوي أن المنقول عن السلف بسم الله العظيم والحمد لله على دين الإسلام، وذكر الزاهدي أنه يجمع بينهما، ولو هلل أو كبر أو حمد كان مقيما للسنة، كذا في المحيط يعني لأصلها وكمالها بما سبق، ويسمي قبل الاستنجاء لا حال الانكشاف ولا في محل النجاسة وبعده وهو الأصح، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند دخوله الخلاء: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، يعني ذكران الشياطين وإناثهم. ثم كونها سنة هو مختار الطحاوي، وكثير من المتأخرين ورجح في الهداية ندبها قيل: وهو ظاهر الرواية.
الجزء 1 · صفحة 39
والسواك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فرع
نسي التسمية في الابتداء ثم ذكرها وسمى لا يكون إتيانا بالسنة بخلاف الأكل ونحوه، والرفق أن الوضوء عمل واحد والأكل أعمال وهذا إنما يستلزم تحصيل السنة في باقي الأكل لا استدراك ما فات، وفي السراج: أنه يأتي بها لئلا يخلو وضوءه عنها، وقالوا: إنها عند غسل كل عضو مندوبة ولا تنافي بين هذا وبين ما مر من أنه عمل واحد لمن تأمل ورأيت في الشمائل الترمذية من حديث عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه فليقل: بسم الله أوله وآخره".
(والسواك) قيل: أي: استعماله فحذف المضاف لأمن اللبس؛ إذ هو اسم للخشبة ولا حاجة إليه لأنه ثبت لغة إطلاقه على الاستياك أيضا فكان تفسيره به كما في فتح القدير أولى ولك رفعه وجره.
قال الشارح: والثاني أظهر ليفيد أن الابتدائية سنة. وأقول: بل الأول أظهر وذلك مبني على أن وقته كما في البدائع وغيرها قبل الوضوء لكن الذي في مبسوط شيخ الإسلام والتحفية وجزم به في فتح القدير وغيره، أنه عند المضمضة ولذا أطلقه القدوري ولم يقيده بابتداء الوضوء كالتسمية، ثم استدل في الهداية على سنيته بأنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب عليه واعترض بوجهين، الأول: أن المواظبة تفيد الوجوب لا السنة، الثاني: أن المواظبة عند الوضوء كما هو المدعى لم يثب. وأجيب عن الأول بأن المختار كما مر أنها لا تفيده سلمنا أنها تفيده، لكن مقيد بعدم المعارض وقد وجد وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء" أخرجه النسائي.
الجزء 1 · صفحة 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو وجب لأمرهم شق أو لا، ولم أر عن الثاني جوابا ومن ثم قال الشارح: الأصح أنه مستحب لأنه ليس من خصائص الوضوء، وفي الفتح: وهو الحق ويوافقه ما في المقدمة الغزنوية يستحب في خمسة مواضع: اصفرار السن، وتغيير الرائحة والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة وعند الوضوء لكن الاستقراء يفيد غيرها وفيما ذكرنا أول ما يدخل البيت، انتهى. ومن ثم قال: زاد غيره وعند قراءة القرآن واجتماع الناس. واعلم أن ظاهر السنة يفيد بالمواظبة عليه، لكن لا عند الوضوء ففي أبي داوود: "كان عليه الصلاة والسلام لا يستيقظ من ليل أو نهار إلا تسوك قبل أن يتوضأ" وفي الطبراني: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته بشيء من الصلاة حتى يستاك" فيكون سنة مطلقا وعند الوضوء مندوبا وفائدة ذلك تظهر في تركه مطلقا. بقي أن عدهم من المواضع القيام إلى الصلاة.
قال في البحر: يشكل عليه ما قالوه من أنه عندنا للوضوء وعند الشافعي للصلاة. قال في المعراج: وفائدته إذا توضأ للظهر بسواك وبقي على وضوئه إلى صلاة العصر وإلى المغرب كان السواك الأول سنة للكل عندنا وعنده يسن أن يستاك لكل صلاة، وأقول: يمكن أن يجاب عنه بما نقله في السراج بعد ذلك حيث قال: وأما إذا نسي السواك للظهر ثم ذكره بعد ذلك، فإنه يستحب له أن يستاك حتى يدرك فضيلته وتكون صلاته بسواك إجماعا، انتهى. وهو في هذه الحالة مندوب للصلاة لا للوضوء وبه ظهر سر كلام الغزنوي هذا. ويندب إمساكه بيمينه بأن يجعل الخنصر أسفله والإبهام أسفل رأسه وباقي الأصابع فوقه، بذلك جاء عن ابن مسعود ولأنه من أعمال الطهارة. وقياس أن فيه إزالة الأذى أن يكون باليسرى وقد رأيته قولا لغير أصحابنا. ويستاك طولا وفي الغزنوية للإمام أحمد بن محمود
الجزء 1 · صفحة 41
وغسل فمه وأنفه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مقيد درس الكاساني صاحب البدائع بحلب أو عرضا والأكثرون على الأول وأقله ثلاث في الأعالي وثلاث في الأسافل بثلاث مياه ويسوك الحنك أيضا مبتدئا من الجانب الأيمن ثم الأيسر في الأعالي والأسافل، ويستاك بكل عود إلا الرمان والقصب وأفضله الاول ثم الزيتون. روى الطبراني: نعم المسواك الزيتون من شجرة مباركة وهو سواكي وسواك الأنبياء من قبلي. ويندب أن يكون لينا خال من العقد طول شبر ويقوم الأصبع أو الخرقة الخشنة مقامه عند فقده أو فقد أسنانه في تحصيل ثوابه والأفضل حينئذ أن يبتدأ بأسنانه اليسى ثم اليمنى ويقوم العلك مقامه للمرأة عند القدرة عليه فيندب لها فعله لضعف بنيتها وعند فقده يقوم الأصبع مقامه كالسواك ومنافعه وصلت لنيف وثلاثين منفعة أدناها إماطة الأذى وأعلاها تذكر الشهادة عند الموت رزقنا الله ذلك بمنه وكرمه.
(وغسل فمه) ثلاثا بمياه (وأنفه) كذلك وعدل عن تعبير القوم بالمضمضة والاستنشاق إما اختصارا أو لأن الغسل يشعر بالاستيعاب وهذا لأن السنة فيهما المبالغة والغسل دل على ذلك فكان أولى كذا في الشرح وهو ظاهر في أنه يفيد سنية المبالغة أيضا بخلاف تعبير القوم وقد نوزع في كل منهما أما الاختصار فهو وإن طلب لكن بشرط أن لا يفوت به.
فائدة مهمة: ولا شك أن المضمة إدارة الماء في الفم ثم مجه، والاستنشاق: جذب الماء إلى الأنف بالنفس ولاعتبار القيدين فيهما خلا وضوء الميت عنهما والغسل لا يدل على ذلك وكان ذلك هو وجه قول العيني وما قيل أنه للاختصار فليس بشيء على أنه لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد وفي الاستنشاق بحرفين.
وأما كونه يشعر بالاستيعاب، يعني: دون غيره فقال في البحر ففيه نظر إذ ما عبر القوم يشعر به أيضا، قال في الخلاصة: المضمضة استيعاب جميع الفم والاستنشاق إيصال الماء إلى المارن.
وأقول: هذا ظاهر في أنه فهم أن المدعى هو ما عبر به القوم لا يفيد الاستيعاب والغسل يفيده وليس بالواقع لما قد علمت نعم، قال بعض المتأخرين: المبالغة المذكورة ليست نفس الاستيعاب كيف وهو داخل في حد المضمضة كما قد عرفت بل هي إلى الغرغرة وفي الاستنشاق إلى ما اشتد من الأنف، وأيضا قد علمت أنها سنة أخرى ولا خفاء أن التعبير عنها وعن أصلها بعبارة واحدة يوهم أنها سنة واحدة وليس كذلك، وأقول: ويمكن أن يجاب عنها.
الجزء 1 · صفحة 42
وتخليل لحيته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما الأول: فلأن كون المج شرطا فيهما إنما هو: رواية عن الثاني، والأصح: أنه ليس بشرط كما في البحر وفي الفتح: لو شرب الماء عبا أجزأه عن المضمضة وهو يفيد أن مجها ليس من حقيقتها، وقيل: لا يجزئه وأما اشتراط جذب الماء بريح الأنف في الاستنشاق بالنفس لكونه مأخوذا من التنشق فذاك معناه اللغوي، أما العرف فقد علمت أن إيصال الماء إلى المارن ولا شك أن الغسل مع أخصريته يفيد ذلك.
وأما الثاني: فلأن الاستيعاب هو الكامل وكماله بالمبالغة، وهو قدر زائد على الأصل متمم له فلا بدع في ذكرها مطوية فيه، وأبدى العيني وجها ثالثا هو التنبيه على حديهما.
(وتخليل لحيته) وهو: تفريق شعرها من أسفل إلى فوق، وهو سنة لغير المحرم. أما المحرم فمكروه هذا قول الثاني وهو أصح القولين عن الثالث. وقال الإمام: إنه مندوب فقط لعدم المواظبة وعنه أنه جائز لا غير لأن السنة إكمال الفرض في محله وداخل اللحية ليس بمحل للفرض، والأصح: أنه سنة لما في أبي داوود عن أنس: "كان عليه الصلاة والسلام إذا توضأ أخذ كفا من ماء تحت حنكه فتخلل به لحيته" وقال: ":هكذا أمرني ربي" وهو مغن عن نقل صريح المواظبة، إما لأن أمره حامل عليها وإما لأن لفظ كان يشعر بها، وأنت خبير بأن هذا الاستدلال إنما يفيد الوجوب لا مجرد السنية وذلك لأنها لا مع ترك يفيده، فإن قلت: قد قدم أن المختار أنها لا تفيده، قلت: بتقدير تسليمه فالأمر كاف في إفادته وما قيل إنما لم نقل به رفعا لمعارضته للكتاب رد بأنه إنما يتأتى على أنه فرض، ولم يقل به أحد. وما في العناية الحق أن المواظبة لم تثبت لما روي عن الإمام أنه لم يثبت فعله منه عليه الصلاة والسلام إلا مرة واحدة مردود أيضا بما مر فتدبر، نعم جعل بعضهم الصارف للأمر عن الوجوب هو: عدم تعليم الأعرابي له، وأيضا الأخبار المحكية عن وضوئه عليه الصلاة والسلام خالية عنه، وكون السنة إكمال الفرض في محله نقض بكثير من السنن: كغسل الفم والأنف ومسح الأذنين والاستنجاء أو أجيب بما فيه تكلف ظاهر غير أنه إنما يحتاج إليه بفرض تسليم تلك المقدمة لكنها في حيز المنع.
الجزء 1 · صفحة 43
وأصابعه وتثليث الغسل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأصابعه أي: كلها وهو إدخال بعضها في بعض بماء متقاطر، ويغني عنه إدخالها في الماء ولو غير جار وهذا سنة مؤكدة اتفاقا لما رواه أصحاب السنن الأربعة: "إذا توضاءت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع" قال الترمذي: حديث صحيح وصارف الأمر قدمن فأعلم أن الأولى في اليدين التشبيك وفي الرجلين أن يخلل بخنصر يده اليسرى رجله اليمنى ويختم بخنصر رجله اليسرى بذلك ورد الخبر كذا الدراية.
قال في الفتح: والله أعلم به ومثله فيما يظهر أمر اتفاقي لا سنة مقصودة، وأفاد الخلبي أنه جاء من رواية ابن ماجة: التخليل بالخنصر إما كونه خنصر اليسرى أو من أسفل فالله أعلم به، والمراد بالأسفل باطن القدم إلا أن الأقرب أن يراد به من أسفل الإصبع إلى فوق من ظهر القدم، كذا في البحر.
(وتثليت الغسل) أي: جعله ثلاثا قيد به لأنه في المسح غير مسنون بل هو مكروه كما في المحيط والتحفة وفي الخلاصة: أنه بدعة لكن جزم في الخانية بعدم كراهته وفيه إيماء إلى أن الثانية والثالثة سنة وهو الحق، كما في الفتح لكن صحح في السراج أنهما سنتان مؤكدتان. أقول وهو المناسب لاستدلالهم على السنة لأنه عليه الصلاة والسلام لما أن توضأ مرتين مرتين قال: "هذا وضوء من يضاعف له الأجر مرتين" ولما أن توضأ ثلاثا قال: "هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم"
الجزء 1 · صفحة 44
ونيته ومسح كل رأسه مرة وأذنيه بمائه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وروى صدره الدارقطني وعجزه من زيادة ابن ماجة وغيره وذلك أنه جعل للثانية جزءا مستقلا، وهذا وإن كان يؤذن باستقلالها لأنها جزء سنة فلا يثاب عليها وحدها ولو اقتصر على الأول ففي إثمه قولان، قيل: يأثم لتركه السنة المشهورة، وقيل: لا لأنه قد أتى بما أمر به، كذا في السراج. واختار في الخلاصة أنه إن اعتاده أثم وإلا لا، وينبغي أن يكون شقي هذا القول محمل القولين، قال في البحر: وينبغي ترجيح عدم الإثم لقولهم والوعيد لعدم رؤيته الثلاثة سنة، فلو أثم بنفس الترك لما احتيج إلى هذا الحمل، واختلف في معنى التعدي والظلم على أقوال ثالثها ما جزم به في الهداية. وقال في البدائع: إنه الأصح لأن ذلك رجع إلى الاعتقاد حتى لو رأى سنة العدد وزاد لقصد الوضوء أو على الوضوء أو لطمأنينة القلب، أو نقص لحاجة فلا بأس به. ونقل في الخلاصة الاتفاق على عدم كراهة الوضوء بعد الفراغ من الأول، وعارضه في البحر بما في السراج من أنه مكروه في مجلس واحد للإسراف. وأقول: لا تدافع في كلامهم لاختلاف الموضوع وذلك أن ما في الخلاصة فيما إذا عاده مرة واحدة، وما في السراج فيما إذا كرره مرارا ولفظه في السراج: لو كرر الوضوء في مجلس واحد مرارا لم يستحب بل يكره لما فيه من الإسراف فتدبر.
(ونيته) مصدر مضاف إلى فاعله أي: نية المتوضئ رفع الحدث أو إقامة الصلاة، كذا في كافي المصنف وعدل عما هو الظاهر من كونه مضافا إلى مفعوله أي: نية الوضوء لما أن المذهب أنه لا بد في تحصيل السنة من أن ينوي ما لا يصح إلا بالطهارة من العبادة أو رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو امتثال الأمر كما في المعراج وهو ظاهر أن نية الطهارة لا تكفي وكأنه لتنوعها، ومقتضاه الاكتفاء بنية الوضوء بل هي أولى من رفع الحدث لتنوعه أيضا، ومن ثم جزم في فتح القدير بأنها كافية وعليه فلا يحتاج إلى تكلف ما مر ومحلها عند غسل الوجه والتلفظ بها مندوب، والأصح أن الوضوء الخالي عنها لا ثواب فيه، وقيل: يثاب وقد مر توهينه (ومسح كل رأسه مرة) مستوعبة لرواية الترمذي أن علياتوضأ فغسل أعضاءه ثلاثا
الجزء 1 · صفحة 45
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومسح رأسه، ثم قال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم والثليث بدعة وقيل: لا بأس به، كذا في الخلاصة وجزم في البدائع بكراهته على أنه المذهب. وروى الحسن أنه مسنون يعني بماء واحد واعترض بأن البلة صارت مستعملة بالأولى وأجيب بأن الماء يأخذ حكم الاستعمال لإقامة فرض آخر لا لإقامة السنة لأنها تبع للفرض ألا ترى أن الاستيعاب ليس بماء واحد، كذا في العناية وفيه بحث إذ قد قرر في كيفية الاستيعاب أن يديه ويضع بطون ثلاث أصابع في كل كف على مقدم الرأس ثم يمسح الفودان بالكفين ويجرهما إلى مؤخرة الرأس ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين وباطن الأذنين بالسبابتين ويمسح رقبته بظاهر اليدين حتى يصير ماسحا ببلل لم يصر مستعملا، هكذا روت عائشة مسحه عليه الصلاة والسلام، انتهى.
وأجاب في الحواشي السعدية بأن قوله: لم يصر مستعملا يعني حقيقة وإن لم يصر مستعملا حكما في عضو واحد فلا تخالف.
لكن قال الشارح: الأظهر في كيفيته أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم الرأس ويمدهما إلى قفاه على وجه يستوعب جميع الرأس ثم يمسح أذنيه بأصبعيه ولا يكون الماء مستعملا بهذا، لأن الاستيعاب بماء واحد لا يكون إلا بهذا الطريق، وما قاله بعضهم: من أنه يجافي كفيه تحرزا عن الاستعمال لا يفيد لأنه لا بد من الوضع والمد فإن كان مستعملا بالوضع الأول فكذا بالثاني، ولأن الأذنين من الرأس ولأنه يحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس فالأذن أولى، وكون البدأة من المقدم قول الثاني وهو الصحيح، لأنه المروي من فعله عليه الصلاة والسلام.
وروى هشام عن محمد أنه يبدأ من الهامة، وبه قال الحسن البصري كذا في البدائع، ومسح كل أذنيه داخلهما بالسبابتين وخارجهما بالإبهامين هو المختار. وعن الحلواني أن يدخل الخنصر في أذنيه ويحركهما بمائه أي: بماء الرأس لخبر "الأذنان من الرأس"؛ إنه لا تجوز أن يراد به بيان الخلقة فقط، لأنه عليه
الجزء 1 · صفحة 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الصلاة والسلام لم يبعث لذلك ولا بيان أنهما ممسوحان كالرأس؛ لأن الاشتراك بين الشيئين في حكم لا يوجب كون أحدهما من الآخر، وإلا لزم أن يكون الرجل من الوجه لاشتراكهما في الغسل فتعين إرادة أنهما يمسحان بماء الرأس، واستدلال بعضهم برواية ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام مسح رأسه وأذنيه بماء واحد وقال: "الأذنان من الرأس" ثم ذكر ما مر من الترديد فيه نظر.
أما أولا: فلأن الثابت عند ابن عباس إنما هو أنه عليه الصلاة والسلام قال: "الأذنان من الرأس" رواه الدارقطني. وروى ابن خزيمة والحاكم وابن حبان عنه: "ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه، ثم غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه" ولم يقل الأذنان من الرأس.
وأما ثانيا: فلأنه بتقدير التسليم لا حاجة حينئذ إلى الترديد إذ البيان الفعلي منه صلى الله عليه وسلم يعين المقصود. وما روي من أنه عليه الصلاة والسلام "أخذ ماء جديدا" يجب حمله على فناء البلة أما لو أخذه مع بقائها ففي الخلاصة وعليه جرى مسكين أنه حسن وعلى هذا فالخلاف إنما هو في الاكتفاء بماء الرأس لإقامة السنة عندنا يكون به مقيما وعنده لا، أما في الجديد فإنه يكون مقيما لها اتفاقا كذا البحر.
الجزء 1 · صفحة 47
والترتيب المنصوص والولاء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(والترتيب) بين الفرائض وهو أن يبدأ بما بدأ الله به وإليه أشار بقوله: (المنصوص) أي: المذكور في النص لا المنصوص عليه من الشارع، كما فهمه الشارح فعدل إلى المنصوص عليه من العلماء على أنه يجوز أن يراد المنصوص عليه من الشارع، كما قال بعضهم فذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما أن بينه بفعله حين واظب عليه كان ذلك نصا من قبيل السنة الفعلية لا المنصوص عليه في آية الوضوء لأنها خلية عن الدلالة عليه عندنا، وهذه السنة المؤكدة في الأصح، قال الغزنوي: ينبغي أن يكون واجبا للمواظبة؛ ولأنه عليه الصلاة والسلام حين سئل عن البدأة بالصفا والمروة في السعي قال: "ابدؤوا بما بدأ الله به" والبدأة بالصفا واجبة والعبرة لعموم اللفظ.
وأقول: لفظ ما وإن كان من أدوات العموم إلا أن الظاهر أن هذا العام أريد به خاص لدليل اقتضاه، وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام "نسي مسح رأسه ثم تذكر فمسحها ولم يعد غسل رجليه". ورى البخاري "أنه عليه الصلاة والسلام تيمم فبدأ بذراعيه قبل وجهه". إلا أن الحديث الأول ضعفه النووي، وبتقدير تسليم صحته فموجب الترتيب يسقط بالنسيان وعليه فلا يتم الإلزام.
(والولاء) بكسر الواو يقال: والى بينهما ولاء أي: تابع أو فعل هذه الأشياء على الولاء أي: متتابعة، كذا في الصحاح. وعرفه الشارح بغسل العضو الثاني
الجزء 1 · صفحة 48
ومستحبه التيامن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قبل جفاف الأول، زاد الحدادي مع اعتدال الهواء والبدن وعدم العذر حتى لو فني ماؤه فذهب لطلبه فلا بأس به على الأصح. وفي المعراج عن الحلواني تجفيف الأعضاء قبل غسل القدمين فيه ترك الولاء.
قال في البحر: وعرفه الأكمل في التقرير بالتتابع في الأفعال من غير أن يتخللها جفاف عضو مع اعتدال الهواء وظاهره أن الأول لو جف بعد غسل الثاني لم يكن ولاء ولا على الأول يكون ولاء وهو الأول، وأقول: الظاهر أن لا يكون ولاء وما مر عن الحلواني يؤيده ويحمل الثاني في كلام الشارح على ما بعد الأول لا علي ما يلي الأول. وقيل: هو أن لا يشتغل عن أفعال الوضوء بعمل ليس منه. وقيل: هو أن لا يمكث في أثنائه مقدار ما يجف منه العضو حكاهما في البدائع. واعلم أن مقتضى تعريف الولاء أنه لو توضئ وضوءا منكوسا غسل فيه العضو الثاني قبل جفاف الأول أنه يكون إيتاء بسنة الولاء.
(ومستحبه) هو الشيء المحبوب لغة وعرفا قيل: هو ما فعله عليه الصلاة والسلام مرة وتركه أخرى، والمندوب ما فعله مرة أو مرتين تعليما للجواز وفيه قصور إذا ما رغب فيه كذلك، لكن المصنف كثيرا ما يعبر بالمندوب مريدا به المستحب، وهو ظاهر في عدم الفرق بينهما، وعليه الأصوليون. ومن ثم قال في التحرير: ما لم يواظب عليه مندوب ومستحب وإن لم يفعله بعد ما رغب فيه.
(التيامن) أي: البدأة باليمين في المغسول من أعضاء الوضوء قيد به غير واحد احترازا عن الممسوح كالأذنين فإنه يندب مسحهما معا لأنه سهل وألحق بعضهم الخدين بهما، نعم إذا لم يمكنه ذلك بأن كان أقطع بدأ باليمين، وإنما ندب لما في الكتب الستة كان عليه الصلاة والسلام "يحب التيامن في كل شيء حتى في
الجزء 1 · صفحة 49
ومسح رقبته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
طهوره وتنعله وترجله وشأنه كله" بناء على أن المحبوبية لا تستلزم المواظبة؛ إذ كل المندوبات محبوبة له عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أنه لم يواظب عليها لكن في أبي داود: "إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم" وقد صرح غير واحد أن كل وضوئه عليه الصلاة والسلام بتقديم اليمنى على اليسرى وذلك يفيد المواظبة فالحق أنه سنة كذا في الفتح، لكن قدمنا أنها إنما تفيد السنية، إذا كانت على وجه العبادة لا على العادة، كما هنا سلمنا أن المواظبة هنا كانت على وجه العبادة، لكن عدم الاختصاص ينافيها، ولو على سبيل العبادة كما قاله بعض المتأخرين، (ومسح رقبته) بظاهر يديه، وقيل: إنه بدعة والأصح أنه أدب، كذا في الخلاصة وقال الفقيه أبو جعفر: إنه سنة وبه أخذ كثير من العلماء كذا في مسكين لأنه عليه السلام مسح ظاهر رقبته مع مسح الرأس، ولا كلام أن مسح الحلقوم بدعة. تكميل بقي من السنن الدلك كما في الخلاصة. وعدها في الفتح من الأداب قال في البحر: ولعل ما في الخانية أوجه لأنه على كونه مندوبا لا يكون الإسراف مكروها وعلى كونه سنة يكون مكروها تنزيها وصرح الزيعلي بكراهته وكراهة لطم الوجه بالماء وحينئذ فيكون سنة لا مندوبا، وفي المنتقى: جعل الإسراف من المنهيات فتكون تحريمية. وقد ذكر المحقق آخرا أن الزيادة على الثلاث مكروهة وهو من الإسراف.
الجزء 1 · صفحة 50
وينقضه خروج نجس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وأقول: لا نسلم أن ترك المندوب غير مكروه تنزيها لما في الفتح القدير من الجنائز والشهادات أن مرجع كراهة التنزيه خلاف الأولى ولا شك أن ترك المندوبات خلاف الأولى والظاهر أنه مكروه تحريما، إذ إطلاق الكراهة مصروف إلى التحريم فما في المنتقى موافق لما في السراج، والمراد بالسنة المؤكدة إطلاق النهي عن الإسراف وبه يضعف جعله مندوبا، نعم لطم الوجه بالماء مكروه تنزيها.
قال الحلبي: والمسألة مقيدة بماء النهر والمملوك، أما الموقوف على من يتطهر به فلا خلاف في حرمة الإسراف فيه، وماء المدارس من هذا القبيل، انتهى.
ومن الآداب استقبال القبلة ووضع الإناء على يساره إلا يغترف منه فعلى يمينه، وجعل يديه على عروته وغلسها ثلاثا، والتأهب للوضوء قبل الوقت في غير صاحب العذر. قال الحلبي: وعندي أنه من آداب الصلاة والذكر المحفوظ والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند كل عضو.
قال الهندي وغيره: ولم يثبت إلا الشهادتان بعد الفراغ من الوضوء وشربه فضل ماء وضوئه قائما مستقبلا وأن يتوضأ في موضع طاهر لأن لماء الوضوء حرمة، كذا في المضمرات، وأن يبدأ في غسل الوجه من أعلاه وفي اليد والرجل من أطراف الأصابع كما في الدراية. وقدمنا أنه يبدأ في المسح من مقدم رأسه وصلاة ركعتين في غير وقت كراهة. والمندوبات كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. وتعقبه لما فرغ من الفرائض ومستكملاتها شرع فيما يرفع حكمها بعد وجودها ولا خلاف أن رافع الشيء يعقبه (النقض) في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عما هو المطلوب منها قيل: الأول حقيقة، والثاني: مجاز.
(خروج نجس) بفتح الجيم اسم لعين النجاسة، وبكسرها لما لا يكون طاهرا فهو أعم وحينئذ فيصح. ضبطه في المختصر بهما غير أن الفتح أليق لبعده عن التكلف وهو: الرواية، كما قال صدر الشريعة ولا فرق بينهما لغة ولم يقل نجس خارج إيماء إلى أن الناقض إنما هو الخروج لا النجس إذ لو نقض لما حصلت طهارة
الجزء 1 · صفحة 51
منه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشخص إذ الإنسان مملوء بالدماء كذا قالوا لكن الظاهر أن الناقض إنما هو النجس الظاهر لا خروجه المجرد عن كون النجس مؤثر للنقض مع أن الضد هو المؤثر في رفع ضده والخروج شرط فقط، ولا وجود للمشروط بدون شرطه فلا يرد ما مر منه، أي: من المتوضئ زاد بعضهم الحي احترازا عن الميت فإنه لو خرج منه نجاسة لم يعد وضوءه بل يغسل موضع النجاسة فقط، قيل: فيه بحث إذ لا يلزم من عدم وجوب إعادة وضوئه عدم انتقاده إلا لو وجب دفنه بالوضوء، لكن لا يجب وأقول: ظاهر تعليلهم المسألة في بابها بأنه لو كان الخروج حدثا لكان الموت فوقه يفيد أنه ليس بناقض أصلا، ثم قيل: يخرج من عموم كلامه الريح الخارجة من الذكر وفرج المرأة إذ لا تنقض الوضوء في الأصح، كذا في مسكين وربما ورد في الشرح من أنه اختلاج وليس بريح ودفعه بعض المتأخرين بأن مرجعه إلى الريح على ما في كتب الطب، لكن تسليمه ليست بمنبعثة عن محل النجاسة والريح لم تنقض إلا لذلك، لا لأن عينها نجسة على الأصح حتى لو ابتلت سراويله أو الموضع الذي يمر به الريح لم ينجس عند العامة بخروجه.
وأما الدودة الخارجة من الذكر وهو الظاهر فقد حكى الحدادي الإجماع عليه وجزم به في الخانية، ثم الخروج يتحقق بالظهور، فلو نزل إلى القلفة نقض لا إلى القصبة. واعترض بأنه ليس له حكم الظاهر بدليل عدم وجوب إيصال الماء إليه في الغسل، وأجيب بأن الراجح وجوبه إلا أن المعتمد خلافه للحرج.
قال البزازي: وكلما وصل إلى الداخل ثم عاد نقض لعدم انفكاكه عن بلة، وإن لم يتم الدخول بأن كان طرفه في يده واعتبرت البلة حتى لا يفسد صومه على أصح الروايتين. والخنثى المشكل إذا اتضح كان الفرج الآخر بمنزلة القرحة لا ينقض الخارج منه ما لم يسل، جزم به في فتح القدير وغيره.
وفي الشرح: أكثرهم على إيجاب الوضوء عليه إلا أن الذي ينبغي التعويل عليه هو الأول والمفضاة التي اختلطت سبيلاها يندب لها الوضوء من الريح، وعند محمد يجب احتياطا وبه أخذا أبو حفص ولا يحلها الثاني للأول ما لم تحمل، ولا
الجزء 1 · صفحة 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يحل وطئها إلا أن يمكنه الإتيان في القبل بلا تعد, وعم كلامه خروج الدم من البدن وهو إنما يتحقق بتجاوزه إلى محل يلحقه حكم التطهير, وفائدة ذكر الحكم دفع وورد داخل العينين وباطن الجرح إذ حقيقة التطهير فيهما ممكنة وإنما الساقط حكمه والمراد بحكم التطهير وجوبه في الوضوء والغسل كما أوضح به صدر الشريعة وغيره, زاد في (البحر) أو ندبه لما في (المعراج) وغيره لو نزل الدم إلى قصبة الأنف نقض ولا شك أن المبالغة التي هي إيصال الماء إلى ما اشتد منه إنما هي سنة. وما في (السراج) من عدمه محمول على انه لم يصل إلى ما يسن إليه الإيصال ومن قيده بالوصول إلى ما لان منه, فالعدم لا يؤخذ منه إلا مفهوما والصريح يخالفه.
وفي (البدائع): لو نزل الدم إلى صماخ أذنيه كان حدثا, وفسره الجوهري بالخرق وليس ذلك إلا لأنه يندب تطهيره, ثم قال: المراد بقولهم أن يصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير أن يتجاوز إلى موضع تجب طهارته, أو تندب من بدن وثوب ومكان, انتهى.
وأقول: هذا وهم وأنى يستدل بما في (المعراج) وقد علل المسألة بما يمنع هذا الاستخراج فقال ما لفظه: لو نزل الدم إلى قصبة الأنف انتقض بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر فإنه لم يصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير, وفي الأنف وصل فإن الاستنشاق في الجنابة فرض, كذا في (المبسوط) , انتهى.
وقد أفصح هذا التعليل عن كون المراد بالقصبة ما لان منها لأنه الذي يجب غسله في الجنابة , ولذا قال الشارح: لو نزل الدم من الأنف انتقض وضوءه إذا وصل إلى ما لان منه لأنه يجب تطهيره وحمل الوجوب في كلامه على الثبوت مما لا داعي على هذا فيجب أن يراد بالصماخ الخرق الذي يجب إيصال الماء إليه في الجنابة, وبهذا ظهر أن كلامهم مناف لتلك الزيادة مع أن ملاحظتها في المجاوزة إلى موضع من بدن أو ثوب أو مكان يقتضي أن الدم إذا وصل إلى موضع يندب تطهيره من واحد من الثلاثة انتقض, وهذا ما لم يعرف في فروعهم عرف ذلك من تتبعها, بل المراد بالتجاوز السيلان ولو بالقوة, كما قال بعض المتأخرين: لما قالوه انه لو مسح الخارج كلما خرج ولو تركه لسال نقض فالنقض بصورة القصد , كما قال صدر
الجزء 1 · صفحة 53
وقيء ملأ فاه ولو مره أو علقاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشريعة غير وارد وحد السيلان أن يعلو وينحدر يروى ذلك عن الثاني وهو الأصح. وعن محمد أنه يكفي أن يصير أكبر من رأس الجرح ورجحه في (الدراية) , والأول أولى, كذا في (الفتح)
ولو في عينه رمد أو عمش والدمع منها يسيل , قالوا: يؤمر بالوضوء كل وقت لكل صلاة لاحتمال أن يكون قيحا أو صديدا قال في (البحر) مقتضى التعليل انه أمر ندب, وأقول: ممنوع إذ الأمر للوجوب حقيقة وهذا الاحتمال راجح للمرض, ثم رأيته كذلك في (فتح القدير) وعبارته: من رمدت عيناه وسال منها الماء وجب عليه الوضوء فإن استمر فلوقت كل صلاة.
وفي (المجتبى) الدم والقيح والصديد وماء الجرح والنفطة وماء السرة والثدي والعين والأذن لعلة سواء على الأصح, وهذا يدل على أن من رمدت عيناه ونزل منها الماء يجب عليه الوضوء والناس عنه غافلون ويؤمر بالضوء لوقت كل صلاة لاحتمال أن يكون الجرح في الجفون.
وجعل الشارح القيح والصديد الخارج من الأذن مع الوجع ناقضاً لا دونه ونظر فيه في (البحر) بأنهما لا يخرجان إلا عن علة فالظاهر النقض مطلقاً نعم هذا التفصيل في الماء حسن.
وأقول: لم لا يجوز أن يكون القيح الخارج من الأذن من جرح براء وعلامته عند الخروج التألم فالحصر ممنوع. وقد جزم الحدادي بما في (الشرح) (و) ينقضه أيضا خروج (قيء ملأ فاه) بان لا يمكن إمساكه إلا بكفه هو الأصح , كذا في (الشرح) ورجح في (الينابيع) أن لا يقدر على إمساكه وافرده مع دخوله في خروج نجس لمخالفته| له في حد الخروج.
وأما السيلان في غير السبيلين فمستفاد من الخروج (ولو) كان الخارج (مرة) بكسر الميم أي صفرا (أو علقا) أي: سوداء وهو ما اشتدت حمرته وجمد حتى لو
الجزء 1 · صفحة 54
أو طعاما أو ماء لا بلغما أو دما غلب عليه البصاق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كان سائلا نقض وإن قل, واعتبره محمد بالقيء ورجحه في الوجهين والخلاف في الصاعد من الجوف أما النزل من ارأس فقليله ناقض إجماعا.
(أو طعاما أو ماء) ولو صافيا وعن ابن زياد أن ما قاءه من ساعته حيث لم يستحل لا ينقض لأنه طاهر وإنما اتصل به قليل القيء وعلى هذا لو ارتضع الصبي ثم قاء من ساعته كان طاهرا, وهو المختار, كذا في (المجتبى) وفيه أيضا قاء طعاما أو ماء فأصاب إنسانا فالأصح انه لا يمنع مالم يفحش وهذا يقتضي أن نجاسة القيء مخففه ولا يعدي عن إشكال إذ لا خلاف ولا تعارض ويمكن حمله على ما إذا قاء من ساعته بناء على انه إذا فحش غلب على الظن كون المتصل به القدر المانع وهو ملأ الفم وبما دونه ما دونه وكذا في (الفتح).
قال في (البحر) وهذا كله غير صحيح لأنه حينئذ طاهر, وأقول: بلى هو صحيح إذ ليس الناقض هو الطاهر كما هو من كلامه ظاهر بل القيء المتصل به الذي ملأ الفم وفي (القنية) قاء دودا كثيرا أو حية ملأت فاه لا ينقض الوضوء , انتهى.
وينبغي النقض على القول بنجاسته (لا) ينقض الخارج. ولو كان (بلغما) طرفا مطلقا عندهم ولو مخلوطا بطعام اعتبر الغالب وكل على حده لو استويا. وقال الثاني: ينقض الصاعد بشرطه لتنجسه في المعدة ولهمتا انه للزوجته فيها لا تتداخله أجزاء النجاسة, وما يتصل به من القيء قليلا. وإذا خرج قلت لزوجته وزادت بالهواء رقته فقبلها ولذا تنجس بوقوعه في النجاسة.
قال في (البدائع): والأصح انه لا خلاف لأن جواب الثاني في الصاعد وجوابهما في النازل إلا أن المحفوظ عنهما انه لا نقض في الصاعد أيضا نعم الاتفاق في النازل سلم, إلا انه قد يعكر عليه ما في (الخلاصة) صلى ومعه خرقة المخاط لا تجوز صلاته عند لأنه فحش. وحكى في (كراهية البزازي): أن الصلاة عليها مكروهة عندهما قال: لا لأنه نجس بل لأن المصلي معظم, والصلاة عليها لا تعظيم فيها قيل في قولهم: وما يتصل به من القيء قليل إيماء إلى انه لو تكرر مع اتحاد المجلس أو السبب وبلغ حد الكثرة تقلل ورده في (البحر) بأنه مستهلك فلا يجمع.
وأقول: مقتضى ما سبق عن (الفتح) من الحمل انه يجمع (أو دما غلب عليه البصاق) بأن كان اصغر. قيد به لأن المغلوب أو السماوي الأحمر ناقض فأفاد إطلاقه
الجزء 1 · صفحة 55
والسبب يجمع متفرقه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
انه لا فرق أي: الخارج من الفم أو الجوف وقد نقل ابن الملك الاتفق الصاعد من الجوف إذا غلب عليه البزاق ناقض فما اقتضاه كلام الشارح من عدم النقض لا يعول عليه. (والسبب) أي: وسبب القيء وهو الغثيان
(يجمع متفرقه) أي متفرق القيء القليل فينقض إذا ملأ الفم مجموعا وهذا قول محمد إذ الإضافة إلى الأسباب أصلية ألا لمانع واعتبر أبو يوسف اتحاد المجلس. وقال الحدادي أي اتحاد ما يحتوي عليه المجلس وهذا يفيد انه لو قاء ثم اشتغل في المجلس بعمل أخر ثم قاء انه لا يجمع عند الثاني وقول العيني أن كلام المصنف يأتني على القولين سهو إذ لا قائل بان اتحاد المجلس سبب والأصح قول محمد واجمعوا أنهما لو اتحدا نقض أو اختلفا لم ينقض وفي (السراج) ذكر في (الصغرى) مسألة في الغصب اعتبر محمد فيها المجلس وأبو يوسف السبب في ما لو اخرج خاتم نائم من يده ثم أعاده إليه في النوم برئ وأن كان بعد ما استيقظ ثم نام لم يبرئ.
وقال محمد إن اتحد المجلس برئ وإلا فلا قال في (البحر) والذي يظهر أن الخلاف ليس بناء على ذلك فالسبب في البراءة إنما هو الرد لا النوم لكنه لما استيقظ وجب الرد إلى المستيقظ عند الثاني, ومحمد نظر إلى انه ما دام في مجلسه لم يضمن وأقول يمكن أن يقال المراد بالسبب هو سبب برائته بالرد لنائم وهذا لأن ذمته اشتغلت بالغصب من نائم ثم رده إليه في النومة الأولى فقد فرغها كما اشتغلت وعبارته في (البزازية) الحاصل أن في إعادة الخاتم إلى إصبع النائم والخف إلى رجله والقلنسوة إلى رأسه , الإمام الثني يعتبر اتحاد النوم في إزالة الضمان ومحمد يعتبر اتحاد المجلس حتى إذا أعاده في المجلس يبرأ عن الضمان
الجزء 1 · صفحة 56
ونوم مضطجع ومتورك,
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولو في نوم أخر ولم يذكر محمد الإمام والصحيح يعتبر التحويل للزم فإذا لم يحوله إلى مكان أخر وأعاده إلى أي إصبع كان أو رجله زال عنه الضمان وأن حوله لا بد أن يعيده حال اليقظة وينقضه أيضا (نوم) شخص (مضطجع) شروع في الناقض الحكمي بعد الحقيقي بناء على انه عينه غير ناقض بل ما لايخلو عنه النائم وقيل ناقض ورجح الأول في (السراج) وبه جزم الشارح بل حكى في (التوضيح) الاتفاق عليه وأقول وينبغي أن يكون عينه ناقضا اتفاقا/ فيمن به انفلات ريح لأن ما لا يخلو عنه النائم لو تحقق وجوده لم ينقض فالمهموم أولى.
وأراد بالمضطجع من زالت مسكته أي قوته الماسكة بزوال مقعدته عن الأرض لا خصوص اللغوي الذي هو وضع الجنب فعم المستلقي والمنكب (ومتورك) وهو الذي زالت مقعدته وافرده تنبيها على أن الناقض منه ما كان معه زوال المقعدة لا ما لم يكن كما إذا بسط قدميه من جانب حال كون اليتيه على الأرض فان هذا وإن كان توركا إلا أن النوم معه غير ناقض وهذا أولى من إلحاق المستلقي والمنكب بالمضطجع كما في (البحر) وبهذا روي انه لو قال ونوم يزيل مسكته كما في (الدرر) لكان أولى وعم كلامه المريض إذا صلى مضطجعا وهذا هو الأصح وفي (الغزنوية) وعليه الفتوى ويخرج بمن زالت مقعدته القائم والقاعد والركع مطلقا والساجد في الصلاة
وأما خارجها فيشترط أن يكون على الهيئة المسنونة قال في (البدائع) وهذا هو القياس في الصلاة إلا انا تركناه بالنص ,انتهى. أي انه اقتضى عدم النقض مطلقا فما في (البحر) من تصحيح الشارح لهذا فخو بل في (عقد الفرائد) إنما لا يفسد الوضوء بنوم الساجد في الصلاة إذا كان على الهيئة المسنونة قيد به في
الجزء 1 · صفحة 57
وإغماء وجنون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المحيط) وهو الصحيح , انتهى. إلا أن هذا لم يوجد في (المحيط الرضوي) وسجود السهو والتلاوة كالصلبية وكذا الشكر ثم في ظاهر الرواية لا فرق بين غلبته وتعمده وعن الثاني النقض في الثاني.
وفي مفسدات (الخانية) لو تعمده في السجود فسدت إلا الركوع قال في (الفتح) كأنه لقيام المسكة فيه بخلاف السجود وكان ينبغي أن يقال إن لم يكن على الهيئة المسنونة انتهى.
وحكي في (جوامع الفقه) الفساد فيها وعدمه مع الإعادة انتهى. وأقول والثاني مما يجب التعويل عليه وذلك لأن الهيئة المانعة من القول بالنقض مانعة من الفساد أيضا. ولو سقط من قعوده فعن الإمام أن انتبه قبل أن يصل إلى الأرض أو مع وصوله لا ينتقض وضوءه واعتبر محمد الانتباه قبل مزايلة المقعدة وقيل الفتوى على الأول وقال الحلواني ظاهر المذهب عن الإمام الثاني.
فائدة: من الخصائص أن نومه عليه الصلاة والسلام ليس بناقض.
وينقضه أيضا (إغماء) وهو كما في التحرير آفة في القلب أو الدماغ تعطل القوى المدركة والمحركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوبا انتهى. وظاهر ما في (القاموس) أن الغشي نوع منه وهو الموافق لما في حدود المتكلمين إلا أن الفقهاء يفرقون بينهما كالأطباء والغين فيه مضمومة كذا في (المغرب)
وينقضه أيضا (جنون) وهو مرض يزيل الحجى قال في (البحر) وظاهر كلامهم أن العته لا ينقض لقولهم بصحة العبادة معه فان قلت سقوط التكليف عنه يؤذن بزوال العقل قلت إنما لا ينقض فقط لقولهم انه كالصبي وفسروه بمختلط الكلام فاسد التدبير إلا انه لا يضرب ولا يشتم
الجزء 1 · صفحة 58
وسكر وقهقهة مصل بالغ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وينقضه أيضا (سكر) بضم السين المهملة اسم مصدر والجمع سكرى وسكارى بضم السين وفتحها واختلف في حده هنا وفي الإيمان والحدود فقال الإمام انه سرود يزيل العقل فلا يعرف به السماء من الأرض ولا الطول من العرض وخوطب زجرا له وقالا بل يغلب عليه فيهدأ في أكثر كلامه ولا شك انه إذا وصل إلى هذه الحالة فقد دخل مشيته اختلال والتقييد بالأغلب يفيد أن النصف من كلامه لو استقام لا يكون سكرانا وقد رجحوا قولهما في الأبواب الثلاثة
قال في حدود (الفتح) وأكثر المشايخ على قولهما واختاروه للفتوى وفي نواقض (المجتبى) الصحيح قولهما ولم أر في كلامهم النقض بأكل الحشيشة إذا دخل في مشيته اختلال وينبغي النقض ففي (عقد الفرائد) أنهم حكموا بوقوع طلاقه إذا سكر منها زجرا له.
(و) ينقضه أيضا (قهقهة) شخص (مصل) ولو حكما صلاة كاملة ولو إيماء أو سجود سهو فتنقض قهقهة الباني بعد عوده في إحدى الروايتين كما في (الدراية) وبه جزم الشارح وفيها لو نسي الباني المسح فقهقهة قبل القيام إلى الصلاة انتقض لا بعده لبطلانها بالقيام إليها وهي مسائل امتحان
وفي (الخلاصة) لو ضحك القوم بعد سلام الإمام أو حدثه أو كلامه عمدا لا ينتقض على الأصح وصحح في (الفتح) النقض بعد الكلام لا الحدث والخلاف مبني على انه بعد سلام الإمام أو كلامه عمدا هل هو في الصلاة إلى أن يسلم بنفسه أو لا؟ فعلى ما في (الخلاصة) لا وعلى الثاني نعم غير أن الكلام عد قاطعا لا مفسدا لبقاء الطهارة بخلاف الحدث العمد وخرج بالاملة الجنازة والتلاوة وأفاد إطلاقه انه لا فرق بين كون الوضوء ضمن غسل أو لا وهو الذي رجحه المتأخرون.
قال في (البحر) وظاهر كلامه كجماعة أنها حدث وقيل لا وإنما وجب الوضوء زجرا وعليه جماعة منهم الدبوسي وأقول بل ظاهر كلامه الثاني بدليل قوله (بالغ) إذ لو كانت حدثا لاستوى فيها البالغ وغيره وقد حكى في (السراج) الإجماع على عدم النقض في العيني وأن جعله في (الدراية) احد أقوال ثلاثة فقيل: يبطلهما وقيل الوضوء فقط ولا يبعد أن يخرج الثاني على أنها حدث إلا أن ظاهر الأخبار تؤذن بأنها ليست حدثا وذلك انه ليس فيها إلا الأمر بإعادتهما ولا يلزم منها كونها حدثا ولذا رجحوا عدم النقض بقهقهة النائم وإن بطلت صلاته على ما عليه الفتوى
الجزء 1 · صفحة 59
ومباشرة فاحشة لا خروج دودة من جرح ومس ذكر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي قهقهة الناسي روايتان وجزم الشارح بالنقض لأن حالته مذكرة قال في (المعراج) واثر الخلاف يظهر في مس المصحف فعلى أنها حدث لا يجوز وعلى أنها للزجر يجوز وأقول وينبغي أن يظهر أيضا في كتابة القران وأما حل الطواف بهذا الوضوء ففيه تردد وإلحاق الطواف بالصلاة يؤذن بأنه لا يجوز فتدبره
وينقضه أيضا (مباشرة) بين الرجل والأنثى والرجلين (فاحشة) بان يلاقي الفرج الأخر والدبر مع التجرد والانتشار وظاهر الرواية عدم اشترط مماسة الفرجين واشتراطهما في (النوادر) وهو الظاهر كذا في (الشرح)
قال الاسبيجابي وهو الصحيح وافد كلامه نقض وضوئها أيضا وبه صرح في (القنية) وادعى ابن أمير حاج أن ذلك لم يذكر على قولهما وأن ما في (التنبية) فيه تأمل وفيه نظر لما سيأتي وهذا قولهما والثالث النقض وهو القياس وجه الاستحسان وهو الأصح كما في (التحفة) أنها لا تخلو من خروج مذي غالبا وقد قيل إن المذي في النساء اغلب وهذا يقتضي نقض وضوئها بالأولى وما في (الحقائق) من تصحيح ما عن الثالث فشاذ (لا) ينقضه (خروج دودة) ونحوها من جرح بضم الجيم أما بالفتح فمصدر جرحه جرحا قيد بالدودة لأنه لو خرج منها ماء نقض كذا في (مسكين) وقيده في (السراج) بما لم يدخله وبالجرح لأنها من السبيلين ناقضة كما مر
(و) لا ينقضه أيضا (مس ذكر) ونحوه كدبر وفرج ولو لغيره لكن يستحب له غسل يده كما في (المبسوط) وأفاد في (البدائع) تقييده بما إذا كان مستنجيا بالأحجار وهو حسن كذا في (البحر) وأقول ما في البدائع إنما هو فيما إذا استنجى بالأحجار دون الماء وتلوث يده لا مطلقا وذلك انه قال إن الحديث اعني
الجزء 1 · صفحة 60
وامرأة. وفرض الغسل غسل فمه وانفه وبدنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله عليه الصلاة والسلام: " من مس ذكره فليتوضأ" محمول على غسل اليدين لأن الصحابة كانوا يستنجون بالأحجار دون الماء فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصا في أيام الصيف فأمروا بالغسل انتهى. ولا يخفى أن إطلاق السرخسي أولى عملا بعموم (من) ولامس بشرة (امرأة) ولو بشهوة لكن قال بعضهم ينبغي للإمام أن يحتاط لقوة الخلاف بين الصحابة في النقض به وعدمه ولا يخفى أن الخروج من الخلاف مندوب لكل احد بشرط أن لا يلزم منه ارتكاب مكروه في مذهبه إلا أن مراتبه تختلف بحسب قوة دليل المخالف وضعفه وخص الإمام لما لا يخفى.
(وفرض الغسل) يجوز أن يكون عطفا على جملة فرض الوضوء أو استئنافا وقد قيل انه بالضم اسم لغسل تمام الجسد وقال النووي أن الفتح فيه أفصح انتهى. لكن قال ابن مالك حيث أريد به الاغتسال فالضم هو المختار (غسل) جميع (فمه وانفه) للأمر بالأطهر بضم الهاء الذي هو تطهير جميع البدن الواقع على الظاهر والباطن إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه أو يتعسر ساقط وأراد بالغسل غسل الجنابة والحيض والنفاس كذا في (السراج)
قال في (البحر) وهو ظاهر في أنهما ليسا بشرطين في المسنون ولو نسي غسل فمه لكنه شرب الماء إن كان وجه السنة لا يكفيه وإلا كفاه وشرط في (الواقعات) أن يمجه
قال في (الخلاصة) وهذا أحوط ووجهه في (البحر) بأنه قد قيل أن المج شرط فيها والأصح لا فكان الاحتياط هو الخروج عن الجنابة بناء الأصح لأنه العمل بأقوى الدليلين واقو لان يكون وجها لكون المج أحوط ولا أرى هذا إلا من طغيان القلم بل الوجه هو أن الماج خارج عن العهدة بيقين بخلاف غيره وهذا هو معنى الاحتياط وغسل باقي بدنه فيغسل السرة وأثناء اللحية وتغسل فرجها الخارج كما في (المحيط)
الجزء 1 · صفحة 61
لا دلكه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويجب تحريك الخاتم والقرط الضيقين وعليه إزالة ما يمنع إيصال الماء إلى بدنه لا ما لا يمنع كتراب وطين وظفر لا فرق في ذلك بين قروي ومدني واختلف فيما على ظفر الصباغ على انه غير مانع.
قال في (الفتح) ويجوز للجنب ذكر الله تعالى ويأكل ويشرب إذا تمضمض انتهى. وهو ظاهر في انه لا يحل قبلها وقيده في (البزازية) بالعب حيث قال يحل للجنب شرب الماء قبل المضمضة على وجه السنة وأن لا على وجهها لا لأنه شارب الماء/ المستعمل فإما أن يخرج على رواية تجزيء الجنابة أو انه تبين بآخرة الأمر انه شارب له وإما على رواية الطهارة فيحل.
قال في (الخانية) إذا أراد الجنب أن يأكل أو يشرب فالمستحب له أن يغسل يديه وفاه وإن ترك لا بأس به واختلفوا في الحائض قيل هي كالجنب وقيل لا يستحب لها إذ بالغسل لا تزول نجاسة الحيض بخلاف الجنابة انتهى. قالوا وله أن يعاود أهله قبل الغسل إلا إذ أحتلم فلا يأتي أهله مالم يغسل ذكره من المتبقي كذا في (الفتح)
قال ابن أمير حاج وظاهر السنة إنما يفيد الاستحباب لا نفي الجواز المفاد من كلامه (لا) يفترض (دلكه) أي البدن وعن الثاني وجوبه.
قال في (الفتح) وكأن وجهه خصوص صيغة "اطهروا" فإن فعل للتكثير أما في الفعل نحو جولت وطوفت أو في الفاعل كموتت الإبل أو في المفعول كغلقت الأبواب والثاني يستدعي كثرة الفاعل والثالث كثرة المفعول فلا يقال في شاة واحدة موت ولا في باب واحد غلقت وإن غلقه مرارا كما قيل فتعين كثرة الفعل فهو كالدلك ومنعه في (البحر) يجوز أن يكون التكثير في للمفعول وقوله إن التكثير في يستدعي كثرة المفعول مسلم له فيما إذا كان الفعل لا تكثير فيه.
الجزء 1 · صفحة 62
وإدخال الماء داخل الجلدة للأقلف. وسنته أن يغسل يديه وفرجه ونجاسة لو كانت على بدنه , ثم يتوضأ ......
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما إذا كان فيه تكثير نحو قطعت الثوب فيجوز أن يكون فيه للمفعول وإن اتحد الفاعل والمفعول كما قال ابن الحاجب في (شرح المفصل) و "اطهر" من ذلك القبيل لأنك تقول طهرت البدن انتهى.
وأقول لا يخفى إن "اطهروا" أمر من تطهر القوم وهو لازم فأنى يكون التكثير فيه للمفعول وعن هذا والله اعلم اضرب للكمال فيما وجد بخطه عن هذا اقتصر على قوله لأن صيغة التفعيل للمبالغة فتدبره.
(و) لا (إدخال الماء داخل الجلدة للأقلف) وهو الذي لم يختن للحرج على ما مر وما في (البدائع) واختاره في (مختارات النوازل) من انه لا حرج في الإدخال فممنوع نعم لا كلام انه مستحب.
(وسنته أن يغسل يديه) ابتداء لأنهما آلتا التطهير وقيده بعض المتأخرين بأن لا يكون على يديه نجاسة فان كانت بدأ بإزالتها كما في (المبسوط) ولا ينافيه ظاهر ما في (المختصر) لأن الواو لا تفيد ترتيبا (و) أن يغسل (فرجه) ودبره ووسطه بين غسل اليدين (والنجاسة) لأنه مظنتها فيلحق اللاحق في صورة وبالسابق في أخرى ومن هنا ظهر نكته عدوله عن ثم ألواقعه في عباراتهم وعلم به أن غسله سنة وإن لم يكن به نجاسة فاندفع ما في الشرح من أن قوله (ونجاسة لو كانت على يديه) تغني عنه لأنه لا يغسل إلا لأجلها قال في (البحر) ولان تقديم الغسل لم يكن ينحصر كونه للنجاسة بل لها أو لأنه لو غسله في أثناء الغسل لربما انتقضت طهارته عند من يرى ذلك والخروج من الخلاف مستحب ولا يخفى أن الكلام في السنية لا في الندب (ثم يتوضأ) كما مر فيسمي وينوي ولم يقل وضوءه للصلاة دفعا لتوهم المجاز الذي هو غسل اليدين لما انه قدم ذكر اليدين وفيه إيماء إلى انه يمسح رأسه وهو ظاهر
الجزء 1 · صفحة 63
ثم يفيض الماء على بدنه ثلاثا ولا تنقض ضفيرة إن بل أصلها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية وانه يغسل رجليه إلا أن الأكثر على تأخير غسلهما وقيده بعضهم بما إذا كان في مستنقع الماء وصححه الزاهدي.
قال في (البحر) والظاهر أن الخلاف في الأولوية لا في الجواز نقول من وجه التأخير بان الغسل لا يفيد لاحتياجه إلى غسلهما ثانيا أي فائدة تامة أما على أن الماء المستعمل طاهر فظاهر إذ الثاني إنما هو على سبيل التنزه أما على رواية عدم التجزيء بالجنابة فواضح وأما على رواية التجزيء فلأن الماء لا يوصف بالاستعمال إلا بعد الانفصال وما أصاب القدمين غير مستعمل لان البدن كله في الغسل كعضو واحد وأما على انه نجس فلأنه قد أفاد حل القراءة ومس المصحف وأن تنجستا به فما في ابن الملك من عدم الفائدة إنما يستقيم على رواية عدم التجزئ والثاني على عدمه واثر الخلاف يظهر في حل القراءة والمس بعد غسل الفم واليدين فعلى التجزئ نعم وعلى عدمه لا وهو الأصح ولا يخفى لزوم غسلهما إذا كان في المستنقع وعلى بدنه نجاسة انتهى. ولقائل أن يقول لا نسلم انه في الأولوية بل هو في الجواز وذلك أن وجوب الغسل للصلاة وإذا كان في مستنقع الماء يحتاج على رواية النجاسة إلى غسلهما فلم يفد الغسل فائدته فوجب التأخير تحاميا عن الإسراف ويلزم على ما ختاره أولوية التأخير مع النجاسة أيضا إذ لا فرق بين نجاسة ونجاسة وليس بالواقع / فتأمله (ثم يفيض) المغتسل (الماء على بدنه ثلاثا) سكت عن خصوص المندوبية وقد قيل انه المنكب الأيمن ثم الأيسر ثم الرأس
قال في (المجتبى) وهو الصحيح وقيل إن الرأس وهو ظاهر الرواية ويشهد له ظاهر حديث ميمونة وقيل انه الأيمن ثم الرأس ثم الأيسر
(ولا تنقض) بالبناء للمفعول (ضفيرة) بالضاد المعجمية الذؤابة من الضفر وهو فتل الشعر وإدخال بعضه ببعض هي نائب المفعول لقوله (إن بل أصلها) أي:
الجزء 1 · صفحة 64
وفرض عند مني
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الضفيرة إذ لو بناه للفاعل لقال وإن بلت كذا في (الشرح) وفيه نظر وما المانع من أن يكون الأول مبنيا للفاعل والثاني للمفعول نعم الأنسب كون الفعلين على نسق واحد وفيه إيماء إلى وجوب غسل اثنائها لو كانت منقوضة لعدم الحرج ومن ثم رجح في (المعراج) وجوب النقض في الأتراك والعلوية في دعوى الحرج فيهما أيضا ممنوعة بقي أن بناءة للمجهول يؤذن بعدم وجود النقض فيهما أيضا وقد سبق أن الراجح خلافه والواجب أن التنوين يدل على المضاف إليه أي ضفيرة المرأة وحذفها اختصارا كما في (الشرح) وبهذا علم أن قوله في (البحر) أن ظاهر الكتاب الاكتفاء بالوصول إلى الأصول ولو منقوضة غير ظاهر وإن لم يجب مع الضفر الوصول إلى الأثناء فالذوائب أولى وهو الأصح وهذا أولى مما في (صلاة البقالي) من ترجيح الوجوب وإن جاوزت القدمين
فرع
ثمن ماء الغسل والوضوء على الزوج ولو كانت الزوجة غنية كذا في (الفتح) وهو ظاهر في عدم الفرق بين غسل الحيض والجنابة وفصَل في (السراج) في الحيض بين ما إذا انقطع لأقل من عشرة فيكون عليه أو لعشرة فعليها لاحتياجها إلى الصلاة (وفرض) أي الغسل (عند) خروج (مني) وهو من الرجل ماء ثخين ابيض ومن المرأة رقيق اصفر فلو اغتسلت من جماع فخرج منها مني فإن منيها فعليها الغسل وإن منيه فلا كذا في (القنية)
قال في (العناية) والتعريف الجامع ماء دافق يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة وزيف بأنه لا يصدق على واحد منهما قال المصنف عدلت الباء لأن سبب وجوبه الصلاة أو إرادة ما لا يحل من الجنابة قيل الثاني قول عامة المشايخ فجعل بعضهم السبب نفس الإنزال وعليه القدوري وصاحب (الهداية) وأيده بعض المتأخرين بأن الرواية محفوظة وأن الجنب لو استشهد غسل لأن الغسل قد وجب قبله وهي لا ترفع ما وجب قبلها وهذا فيه شهادة قاطعة على أن المعاني الناقضة لوجود غسل موجبة لأخر بلا توقف على وجوب ما لا يجوز فعله وأقول المسطور في (الهداية) وعليه جرى شراحها وغيرهم في تعليل المسألة أن الشهادة علافت مانعة للنجاسة لا رافعة وما ذكره من التعليل لم أره لغيره.
الجزء 1 · صفحة 65
ذي دفق وشهوة عند انفصاله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ثم وصف المني بقوله (ذي) أي صاحب (دفق) يقال دفق الماء دفقا صبه صبا فيه دفق (وشهوة) وماء دافق ذو دفق على طريقة النسب كذا في (المغرب) أو من مجاز الإسناد وقال ابن عطية يصح أن يكون الماء دافقا لأن بعضه يدفق بعضا أي يدفعه فمنه دافق ومنه مدفوق وذكر في (ضياء الحلوم) من مصادره الدفوق أيضا يتعدى ولا يتعدى وذي شهوة فخرج ما لو نزل بحمل شيء ثقيل لكنه لا يشمل مني المرأة إذ لا دفق معه , اعلم أن الثاني يشترط الشهوة (عند انفصاله) من رأس الذكر فثمة دفق وهما إنما شرطاها عند الانفصال من الظهر فلا يشترط الدفق وبه عرف أن كلامه لا يصح أن يكون على قولهما كما هو ظاهر ولا على قول الثاني بقوله عند انفصاله أي من الظهر فكان حذف الدفق أول.
قال في (البحر) ويمكن أن يقال انه بمعنى المدفوق مصدر اللازم انتهى. أي الذي هو بمعنى الخروج وأنت خبير بأنه مستفاد من قوله عن مني أي عند خروجه فلا حاجة حينئذ لذكره واختار في (العناية) أن قوله عند انفصاله أي من رأس الذكر فذكر مسألة اجماعية غاية الأمر انه ترك بعض موجبات الغسل عندهما والأمر فيه أسهل مما يرد عليه أن قوله وشهوة حينئذ مما لا حاجة إليه لاستلزام الدفق إياها.
وأقول إذا كان الماء يصح أن يكون دافقا كما مر عن ابن عطية فجائز أن يكون هذا عن انفصاله من الظهر إذ لا خفاء انه في هذه الحالة يدفق بعضه بعضا وهذا المعنى هو الملائم لكلامه لكني لم أر من عرج عليه واثر الخلاف يظهر فيما لو احتلم أو نظر بشهوة فامسك ذكره حتى سكنت شهوته ثم أرسله فأنزل وجب عندهما لا عنده وكذا لو خرج منه بقية المني بعد الغسل قبل النوم أو البول أو المشي الكثير.
الجزء 1 · صفحة 66
وتواري حشفة في قبل أو دبر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال في السراج والفتوى على قول أبو يسوف في الضيف وعلى قولهما في غيره لكن لا بد أن يقيد بما إذا خاف الريبة كما في (غاية البيان) وغيره زاد في المستصفى أو استحى واجمعوا أن المجامعة إذا اغتسلت / قبل أن تبول ثم خرج منها بقية مني الرجل انه لا غسل عليها.
فرع
وجد بثوبه أو فخذه بللا فالمسألة على اثني عشر وجها لأنه إما أن يعلم انه مني أو ودي أو مذي أو يتردد بين الأول والثاني أو الأول والثالث أو الثاني والثالث وكل من الستة إما مع تذكر الاحتلام أو لا فيجب اتفاقا فيما إذا علم انه مني أو مذي أو شك في كونه واحدا من الثلاثة أو من الأخيرين وقد تذكر احتلاما ولا يجب اتفاقا فيما إذا تيقن انه ودي مطلقا أو مذي ولم يتذكر أو شك في انه مذي أو ودي أما لو شك في انه واحد منهما والمسالة بحالها وجب عندهما لا عند الثاني وغير خاف أن التعبير بالعلم أولى من التيقن لكثرة إطلاقه على غلبة الظن عند الفقهاء المرادة هنا لتعذر المعنى الحقيقي مع النوم.
(و) فرض نصا عند (توراي) أي تغيب (حشفة) ولو بحائل يوجد معه الحرارة على الأصح أو مقدار مامن مقطوعها (في قبل) ادمية حية يجامع مثلها فلا يجب بوطء بهيمة وميتة وصغيرة لا يجامع مثلها إلا بالإنزال.
وقال في (السراج) والصحيح انه متى أمكن الإيلاج في محل الجماع من الصغيرة ولم يفضها فهي ممن يجامع مثلها وقد قال أن بقاء البكارة دليل على عدمه فلا يجب كما اختاره في النهاية كذا في (البحر)
وأقول ليس هذا مما الكلام فيه إذ الكبيرة كذلك وكذا قالوا لو جومعت البكر لا غسل عليها إلا إذا حملت لإنزالها إنما الكلام في أن الغسل هل يجب بوطء الصغيرة؟ حيث لا مانع إلا الصغر اختلفوا والصحيح أنها لو كانت تفضى بالوطء لم يجب وإن توارت الحشفة لقصور الداعي وإلا وجب (أو دبر) لغيره إذ لو غيبها في دبر
الجزء 1 · صفحة 67
عليهما وحيض ونفاس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نفسه فلا غسل عليه لان النص ورد في الفاعل والمفعول فيقتصر عليه كذا في (الصيرفيه) وحكى في (المبتغى) في المسألة خلافا.
قال في (البحر) وقد يقال انه غير صحيح فقد نقل في غاية البيان) الاتفاق على الوجوب بالإيلاج في الدبر (عليهما) انتهى. ولا يخفى أن محل الاتفاق إنما هو في دبر الغير وأما في دبر نفسه فاذي ينبغي أن يعود عليه عدم الوجوب إلا بالإنزال لان الكلام في دبر وقبل محققين وفرض أيضا عند خروج (حيض ونفاس) بوصولهما إلى فرجها الخارج وفيه إيماء إلى أن الحيض ليس سببا بل هو على ما مر لكن اختار في (الكافي) انه انقطاعه لا خروجه وعلله في (المستصفى) بان الخروج منه مستلزم للحيض فوجد الاتصال فصحت الاستعارة أي لتقدم الحيض لا لنفسه وإلا لزم المحال وقول الشارح أن الانقطاع طهارة واستحال أن توجب الطهارة عن ذلك إلا انه في (السراج) قال اختلف المشايخ هل يجب الغسل بالانقطاع ووجوب الصلاة أو بالانقطاع عند رؤية الدم السابق فالبخاريون على الأول وهو المختار والكرخي وعامة العراقيين على الثاني ويحمل ما في (الكافي) على اختيار الأول لكن يحتاج إلى الفارق بينه وبين أنوال المني حيث لم يجعل انقطاعه سببا أيضا كما هنا والاختلاف في عدم وجوب الوضوء والغسل على المحدث والحائض ونحوهما قبل وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل كما في (التوشيح) وبه اندفع ما في (السراج) من أن اثر الخلاف يظهر فيما إذا انقطع الدم بعد الطلوع فلم تغتسل إلى الظهر ثمت عند الكرخي وعامة العراقيين وعند البخاريين لا واختار في (المستصفى) انه الحيض وهو ظاهر ما في (الشرح) قال في (البحر) واثر الخلاف يظهر في التعاليق كأن يقول إن وجب عليك الغسل فأنت كذا وقد ظهر لي أخرى وهي ما لو أشهدت الحائض قبل الانقطاع فعلى الأولى لا تغسل وعلى الثاني تغسل وصحح انتهى.
الجزء 1 · صفحة 68
لا مذي وودي واحتلام بلا بلل وسن الجمعة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ولابد من أن يقيد بما إذا استمر بها ثلاثة أيام أما إذا قتلت قبل إتمامها لا تغتسل إجماعا إلا أن هذا قد يعكر على ما سبق عن (التوشيح) فيحمل الاتفاق على وجوب الأداء (لا) يفترض خروج (مذي) كظبي بمعجمة ساكنة وياء مخففة على الأفصح وفيه الكسر مع التخفيف والتشديد وقيل هي ماء رقيق ابيض يخرج عند الشهوة لا بها وقد مر انه في النساء اغلب قيل هو منهن يسمى القذي بمفتوحتين (و) لا (ودي) بمهملة ساكنة وياء مخففة عند الجمهور وحكى الجوهري كسر الدال مع تشديد الياء قال ابن مكي ليس بصواب وقال أبو عبيد انه الصواب اعجام الدال شاذ ماء ثخين ابيض كدر يخرج عقب البول والمنفي إنما هو إيجاب الغسل لا الوضوء قيل لا اثر لإيجاب الوضوء لأنه وجب بالبول السابق وأجيب بأن فائدته تظهر فيمن سلس بول وفيمن توضأ عقب البول قبل خروجه على أن قصر خروجه / على ما بعد البول ممنوع بل بعد الاغتسال أيضا ولو سلم فالوجوب بالبول لا ينافي إضافته إليه إلا ترى إلى ما قالوه فيما لو حلفت لا تغتسل من جنابة أو حيض فجومعت ثم حاضت حنثت بالغسل في ظاهر الرواية لأنه منهما قال الجرجاني أن الطهارة من الأول ووافق الهنداوني عند اتحاد الجنس لا اختلافه (و) لا يفترض عند وجود (احتلام) من الحلم بالضم والسكون اسم لما يراه النائم غلب على ما يراه من الجماع (بلا) رؤية (بلل) وهذا أولى من تقدير الوجوب لما لا يخفى وقد مر تفاريع المسألة
(وسن الغسل للجمعة) أي لصلاتها وهذا قول الثاني وهو الأصح وفي إيضاح الإصلاح وهو ظاهر الرواية وقال محمد ليومها ونسبه كثير إلى الحسن وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه لو اغتسل وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء قال الحسن الفضل عند الحسن لا عند الثاني قيل وفيمن اغتسل قبل الغروب إلا أن المذكور في الخانية انه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر إجماعا لأنه شرع لدفع الأذى عند الاجتماع وقد فات قلا في (الكافي) وتظهر أيضا فيمن اغتسل قبل الفجر وصلى بها ينال عند الثاني لا عند الحسن واستشكله الشارح بان ما لا يسن الاغتسال لأجله لا يشترط فيه وجود الاغتسال بل كونه
الجزء 1 · صفحة 69
وللعيدين والإحرام وعرفه ووجب للميت ولمن اسلم جنبا وإلا ندب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
متطهرا بطهارته قبله إلا ترى أن الثاني لا يشترطه في الصلاة وأقول ما في (الكافي) مسطور (الخلاصة) وعزاه في (النهاية) إلى (مبسوط) شيخ الإسلام وإذ ثبت أن الرواية عن الحسن كذلك فالأولى صرف النظر في إبداء وجهها ولا مانع أن يقال إنما اشترط إيقاع الغسل فيه إظهارا لشرفه ومزيد اختصاصه عن غيره كعرفة على ما يأتي وإنما لم يشترط الثاني إيقاعه في الصلاة للمنافاة نعم في (الخانية) انه ينال أيضا عند الحسن فيجوزان عنه روايتين وفي (الدراية) عن (صلاة الجلابي) اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استسن بالسنة لحصول المقصود وهو قطع الرائحة قال في (البحر) وينبغي أن لا تحصل السنة أي اتفاقا أما على قول الثاني فلاشتراط الصلاة ب هاو الغالب وجود الحدث وأما على الحسن على ما في (الكافي) فظاهر وأما على غيره فلأنه يشترط أن يكون متطهرا بطهارة الاغتسال في اليوم لا قبله انتهى. يعني والغالب وجود الحدث أيضا.
(و) سن أيضا (للعيدين) قال العيني في (شرح المجمع) يحتمل أن يجري فيهما الخلاف السابق لكني لم اظفر به وفي الظاهر انه للصلاة أيضا وأقول في (الدرر) لمنلا خسرو ما لفظه ويسن لصلاة الجمعة ولعيد قال المصنف في شرحه أعاد اللام لئلا يفهم كونه سنه لصلاة العيد وهذا صريح في انه لليوم فقط وذلك لأن السرور في عام فيندب فيه التنظيف لكل قادر عليه صلى أم لا (والإحرام) أي لأجله ولا أظن أحدا قال أن لليوم فقط (و) للوقوف في (عرفة) قال في (البدائع) يجوز أن يكون غسل عرفة على الخلاف السابق قال ابن أمير حاج ولا أظن أحدا قال انه لليوم فقط بل الظاهر للوقوف وبقي انه لا بد في تحصيل السنة من كونه داخلها فلو قال كما في (المجمع) يعني لعدم المواظبة لكن قد نقلت في الجمعة ومن ثم قال الحلبي الذي يظهر استنانه والله الموفق (ووجب) الغسل أي لزم (للميت) لما سيأتي من انه فرض كفاية على الأحياء إلا أن يكون خنثى مشكل فيتيمم وقيل انه في ثيابه يغسل والأول أولى (ولمن) أي وعلى الذي بقرينة وجب وقوله (وإلا ندب) (اسلم) أي دخل الإسلام حال كونه (جنبا) هذا إحدى الروايتين عن الإمام وهو الأصح ولو ظهرت الكافرة ثم أسلمت لا يجب والفرق أن صفة الجنابة باقية بعد الإسلام فكأنه أجنب بعده ولذا قلنا لو أسلمت حائضا ثم
الجزء 1 · صفحة 70
ويتوضأ بماء السماء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
طهرت وجب الغسل ولا نعلم خلافا في وجوب الوضوء للصلاة إذا اسلم محدثا ولو بلغ الاحتلام وهي بالحيض قيل يجب عليها لا عليه قال في (الفتح) ولا معنى للفرق بين هاتين فانه إن اعتبر حال البلوغ اوان انعقاد أهليه التكليف فهو كحال انعقاد العلة لا يجب عليهما وإن اعتبر اوان توجه الخطاب حتى اتحد زمانهما وجب عليهما والحيض إما حدث أو يوجب حدثا في رتبة حدث الجنابة كما سيأتي فوجب أن يتحد حكمه بالذي اسلم جنبا وجوابه أن السبب في الحيض الانقطاع وثبوته بعد البلوغ بابتداء الحيض كيلا يثبت الانقطاع إلا وهي بالغة انتهى. ولا يخفى أن مقتضى ما سبق من ترجيح أنها تغتسل لو استشهدت قبل الانقطاع ترجيح السبب هو الحيض وعليه فينبغي اتحاد حكمهما وأما على القول بأنه وجوب الصلاة لعدم الفرق بينهما اظهر ومن ثم قال في (المعراج) الصحيح هو الوجوب عليه أيضا وفي (الخانية) لأحوط وجوب \ الغسل في الفصول الأربعة وإلا أي وإن لم يكن جنبا ندب أي استحب لأمره عليه الصلاة والسلام قيس بن عاصم حين اسلم به
تكميل: بقي من الاغتسال لدخول مكة أو المدينة وللوقوف بمزدلفة وللمجنون إذا أفاق ولمن بلغ بالسن ولليلة القدر إذا رآها وللتوبة والقدوم ولمن يراد قتله وللمستحاضة الذي انقطع دمها ومن غسل الميت والحجامة وذكر النووي من ذلك من أراد حضور مجمع الناس وإن من المسنون غسل الكسوفين والاستسقاء وثلاثة اغسال لرمي الجمار
قال في (البحر) ولم أجد ذلك لائمتنا وأقول وصرح في (الدرر والغرر) بندب غسل الكسوف والاستسقاء والله الموفق (ويتوضأ) شروع في بيان ما تحصل به الطهارة السابق بيانها ومن ثم قيل الأحسن يتطهر (بماء السماء) الماء ممدود وعن بعضهم قصره جسم لطيف سيال به حياة كل نام واصل ماء موه قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم أبدلت الهاء همزة وفيه لغة على الأصل والجمع مياه وجمع قلة على امواه
وماء السماء هو ماء المطر والندى وما ذاب من الثلج والبرد إن كان متقاطرا وعن الثاني الجواز مطلقا والأصح قولهما ويجوز بما ينعقد به الملح كما في (عيون
الجزء 1 · صفحة 71
والعين والبحر وأن غير طاهر أحد أوصافه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المذاهب لا بماء الملح كما في الخلاصة ولعل الفرق أن الأول باق على طبيعته الأصلية والثاني انقلب إلى طبيعة أخرى قاله منلاخسرو (والعين) قال في (البحر) العين لفظ مشتركة بين الشمس والينبوع والذهب والدينار والمال والنقد والجاسوس وولد البقر الوحشي وخيار الشيء ونفس الشيء والناس القليل وحرف من حروف العجم وما عن يمين قبلة العراق وغير ذلك والمراد هنا الينبوع بقرينة السياق انتهى.
وأقول هذا مبني على انه معطوف على ماء وبعده لا يخفى والأولى أن يعطف على السماء وعليه فلا يكون مشتركا بين ما ذكر نعم وهو مشترك بينه وبين ماء الباصرة والثاني غير مراد بقرينة السياق (والبحر) وبماء البحر سمي بذلك إما لملوحته لقولهم ماء البحر أي املح فيختص بالملح أو لسعة انبساطه ومنه أن فلانا بحر أي واسع المعروف أو لكونه ماء كثير فلا يختص به وعلى الأول جاء التغليب في قوله تعالى (مرج البحرين) <الرحمن19> لا على الثاني والأول اظهر لقوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) <الرحمن 22> ولا شك أنهما من الملح فقط ولا خفاء أن ظاهر قوله تعالى (الم تر أن الله انزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض) <الزمر21> يفيد أن الكل من السماء والنكرة في الإثبات وإن خضت إلا أنها في مقام الامتنان تعم حينئذ فالتقسيم باعتبار ما يشاهد وفي (الكشاف) المراد بالمنزل من السماء المطر وقيل كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله تعالى
(وإن غير) مخالط (طاهر احد أوصافه) من اللون والطعم والرائحة واللون كزعفران خلط بماء فغير لونه فقط لإطلاق اسم الماء عليه ومنع بان المحرم لو استعمله لزمته الفدية وبأنه لا حنث عليه بشربه فيما لو حلف لا يشرب ماء ولأنه لو وكله بشراء ماء
الجزء 1 · صفحة 72
أو أنتن بالمكث لا بماء تغير بكثرة الأوراق أو بالطبخ أو اعتصر من شجر أو ثمر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فاشتراه لم يجز وأجاب الهندي بأنا لا نسلم ذلك قال في البحر ولئن سلم فالإيمان والوكالات مرجعهما العرف وبزوم الفدية لكونه استعمل عين الطيب وان كان مغوبا وافهم كلامه انه لو غير وصفين لم يجز وسيأتي ما فيه.
(أو انتن الماء بالمكث) أي بسببه بتثليث الميم مصدر مكث بضم الكاف وفتحها أقام وفي المصدر رابعة وهي فتح الكاف والميم قيل وقد قريء بها قوله تعالى (لتقرأه على الناس على مكث) <الإسراء 106> قيد به لأنه لو علم تغييره لنجاسته لم يجز والأصل مع الشك هو الطهارة
(لا) يتوضأ (بماء) عطف على بماء السماء أي لا يجوز أن يتوضأ بماء (تغير بكثرة الأوراق) أي بسببها لزوال اسم الماء عنه لثخنه وعليه يحمل كلامه وإلا فمجرد التغيير لا يمنع لان المنقول عن الأساتذة أنهم كانوا يتوضؤون من الحياض التي يقع فيها الأوراق مع تغيير كل الأوصاف من غير نكير كما في (النهاية)
(أو) تغير (بالطبخ) بما لا يقصد به المبالغة في التنظيف أما بما يقصد به كأشنان ونحوه فيجوز بشرط بقاء رقته وظاهره انه لو لم يتغير جاز الوضوء له ومن ثم قال في الينابيع) وغيرها لو طبخ الحمص أو البقلاء في الماء وإن كان بحيث لو يبرد ثخن ولا يجوز الوضوء به وإلا جاز وجعل في (البحر) هذا قول الناطفي وليس بالمختار لما في (الخانية لو طبخ الحمص أو الباقلاء في الماء جاز الوضوء به انتهى. وعلى هذا فيشكل عطف أو بالطبخ على ما تغير بكثرة الاوراق لما علمت من أن التغيير بكثرة الأوراق بالثخن وهذا بنفس الطبخ سواء ثخن أو لا.
(أو اعتصر) الماء (من شجر) كشراب الريباس وهذا أحسن مما قيل كالاشربة فإنه على عمومه مشكل قال خسرو (أو) من (ثمر) بمثلثة كالخل وفي كلامه إيماء إلى الجواز في المتقاطر بنفسه وعليه جرى في (الهداية) لكن صرح في (المحيط)
الجزء 1 · صفحة 73
أو غلب عليه غيره أجز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بعدمه وبه جزم قاضي خان وصوبه في الكافي بعد ذكر الأول بقيل لأنه كمل امتزاجه وقال الحلبي انه الأوجه (أو غلب عليه) طاهر (غيره اجز) أي من حيث الأجزاء
قال العيني وهو أن يخرجه عن صفته الاصليه بان يثخن لا أن يكون من حيث الوزن أكثر انتهى ودعاه إلى ذلك أن اعتبار الأجزاء معزي إلى الثاني والمنسوب إلى محمد اعتبار التغيير من حيث الأوصاف وقول الثاني اصح لأنه بتغير اللون لا تتغير الصفة وهي الرقة كذا في (المحيط) قال في (الدراية) وبه علم أن المراد بغلبة الأجزاء ما سبق
وأقول الذي ينبغي في كلام المصنف اعتبار الأجزاء من حيث الوزن وقد قيل به ولان الاعتبار من حيث الصفة قد مر في قوله بكثرة الأوراق فيلزم التكرار وقال الاسبيجابي تعتبر الغلبة من حيث اللون ثم الطعم ثم من حيث الأجزاء وافتحم الشارح ضابطا به يحصل التوفيق بين كلامهم وهو أن التقييد المخرج عن الإطلاق بأمرين الأول كمال الامتزاج وهو بالطبخ مع طاهر لا يقصد به المبالغة في التنظيف أو يتشرب النبات على وجه لا يخرج الأول منه إلا بعلاج الثاني غلبة المخالط فان جامدا فابنتقاء رقته وإن مائعا موافقا للماء في كل الأوصاف كالمستعمل بناء على ما اختير من طهارته فبالأجزاء وإن تخالفا في كلها فبتغيير أكثرها أو بعضها فبغلبة ما به الخلاف كاللبن يخالف في اللون والطعم فان غلبا احدهما منع هذا حاصل ما قاله وفيه نظر لما سيأتي من أن نبيذ التمر لا يجوز الوضوء به على الأصح ولو كان رقيقا مع أن المخالط جامد ومقتضى ما قاله أن يجوز ما دام رقيقا ولو غير كل الأوصاف
ونص في (القنية) على أن الزعفران لو وقع في الماء فان أمكن الصبغ به منع وإلا لا من غير نظر إلى انتفاء رقته وأجاب في (البحر) بان الكلام فيما إذ لم يزل عنه اسم الماء وفي المسألتين قد زال وأقول من تأمل كلام الشارح علم أن هذا الجواب مما لا يجدي نفعا وذلك انه حكم بان التقييد المخرج عن الإطلاق يكون بأحد أمرين الثاني منهما غلبة المخالط فان جامد فابنتقاء رقته فاسم الماء باق ما بقيت الرقة منعدم ما انعدمت فأنى يصدق زوال اسم الماء مع بقائها؟
قال في الفتح والأوجه أن يخرج عن الأقسام ما خالط جامدا فسلب رقته وجريانه لان هذا ليس بماء أصلا واعلم انه لم يذكر في اعتبار الغلبة بالأجزاء ما إذا استويا لعدم ذكره في ظاهر الرواية قالوا أن حكمه حكم المغلوب احتياطا كذا في
الجزء 1 · صفحة 74
وبماء دائم فيه نجس إن لم يكن عشرا في عشر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(البدائع) وغير خاف أن اعتبار الغلبة بالأجزاء في المستعمل شامل لما إذا القي في الطاهر أو انغمس الرجل فيه وبه علم جواز الوضوء من الفساقي الموضوعة في المساجد بشرط أن لا يكون المستعمل فيما يغلب على الظن مساويا وأن لا يقع فيها نجاسة ولو تكرر الاستعمال الظاهر أن يجمع
(و) لا يجوز الوضوء ولا الغسل (بماء دائم) أي راكد وقع (فيه نجس) بكسر الجيم ويجوز الفتح إذ لا فرق في الواقع بينهما سواء تغير احد الوصاف أم لا هذا (إن لم يكن عشرا) يعني عشرة اذرع (في عشر) أي مثلها بان يكون حول الماء أربعون ووجهه مائة وهل المعتبر ذراع الكرباس أو المساحة أو كل زمان ومكان بما به يذرعون أقوال كلها مرجحة والأخير انسب والمفتى به في العمق انه ما لا ينحسر بالغرف ثم هذا اعني اعتبار العشر هو مختار عامة المتأخرين قال أبو الليث وعليه الفتوى وقال الكرماني أيضا انه الظاهر عن محمد إلا أن المصرح به في غير موضع أن الظاهر عن الإمام وهو الصحيح التفويض إلى رأي المبتلى به وفي (كافي الحاكم الشهيد) عن أبي عصمة يوقت بعشرة في عشرة ثم رجع إلى قول الإمام وقال لا أوقت فيه شيئا وأنت خبير بان اعتبار العشر اضبط ولاسيما في حق من لا رأي له من العوام فلذا اختاره الأئمة الأعلام وقوله في (البحر) انه لا يعمل إلا بما يصح عن الإمام ولم يصح عنه اعتبار العشر بل ولا عن محمد لما علمت ممنوع بأنه لو كان كما قال لما يساغ لهم الخروج عن ذلك المقال كيف وقد اعترف بان أكثر تفاريعهم على اعتبار العشر في العشر قال ولو فرغ على اعتبار غلبة الظن فيوضع مكان لفظ عشر في كل مسألة لفظ كثير أو كبير.
الجزء 1 · صفحة 75
وإلا فهو كالجاري وهو ما يذهب بتبنة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن هذا في المربع إما المدور فرجح في الظهيرية اعتبار ستة وثلاثين وفي غيرها ستة وأربعين قال في المحيط والاحوط اعتبار ثمانية وأربعين ولو كان أعلاه عشرا دون أسفله جاز الاغتسال فيه إلا إذا نقص حتى صار اقل ولو على القلب فوقعت فيه نجاسة ثم انتقص إلى العشرية اختلف المتأخرون قال الهندي وأشبه الجواز ولو كان على طول وعمق لا عرض ولو قد صار عشرا فلا بأس بالضوء به تيسيرا كذا في (التجنيس) هذا وسائر المائعات في القلة والكثرة كالماء
وقوله فهو أي العشر في العشر بالفاء في أكثر النسخ والوا لئلا يلتبس بالجواب كذا في الشرح وهذا أولى من قول العيني الصواب الواو للالتباس المفسد للمعنى إلا إذا جعلت تفسيرية لجواز كونها فصيحة بدليل ما وقع في نسخة وعليها شرح في البحر وإلا أي وإن كان عشرا في عشر فهو كالجاري واختلف المشايخ في موضع الوقوع فرجح الكرخي وغيره التنجيس وفي البدائع انه ظاهر الرواية ومعناه انه يترك من موضع النجاسة قدر الحوض الصغير ثم يتوضأ وقدره بعض شراح الهداية بأربع اذرع في مثلها وذكر الكرخي أن ما خالطه التنجيس لا يجوز الوضوء به ولو جاريا هو الصحيح ومشايخ بخارى وما وراء النهر قالوا في غير المرئية يتوضأ من جانب الوقوع كما قالوا جميعا في الماء الجاري وهو الأصح وعن الثاني انه لا يتنجس إلا بالتغيير
قال في الفتح هو الذي ينبغي تصحيحه فلا فرق بين المرئية وغيرها ويوافقه ما في المبتغى قوم يتوضؤون صفا على شط نهر جاز فكذا في الحوض لان ماء الحوض حكم ماء جار انتهى. وإنما أراد الحوض الكبير بالضرورة وسياق كلام المصنف يفيده قال في النصاب وغيره وعليه الفتوى واختار بعضهم انه يتحرى فان وقع تحريه أن النجاسة لم تخلص توضأ وإلا لا قال ابن أمير حاج وهو الأصح وهو أي الجاري ما نكرة وصفت بجملة قوله يذهب أي يجري بتبنة ونحوها ويجوز أن تكون موصولة وما أورد عليه أن من أن الدابة ونحوها بها تذهب ممنوع لما أنها واقعة على الماء الجاري بتقدم ذكره ويذهب صلة بل هو المناسب وهذا قول البعض والأصح انه ما يعده الناس جاريا
الجزء 1 · صفحة 76
فيتوضأ منه إن لم ير أثره وهو طعم أو لون أو ريح وموت ما لا دم له فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيتوضأ منه أي من الدائم إذا كان عشرا في عشر وتعريف الجاري معترض وفيه إفادة وهو جواز التوضي من موضع الوقوع وصدر الشارح بعود الضمير على الجاري إلا أن المناسب لتناسق كلامه ما سمعت وإن لم ير أثره قال في العناية أي يبصر قال في الحواشي السعدية وفيه بحث فان قوله وهو طعم إلى أخره يمنع حمله على ما ذكره بل معناه لم يعلم لها اثر بالطريق الموضوع لعلمه كالذوق والشم والإبصار انتهى وجوابه انه أراد الإبصار بالبصيرة كما حرره العلامة في قوله تعالى (أتأتون الفاحشة وانتم تبصرون) النمل 54> وهو الأثر أما طعمه من حيث الذوق أو لون من حيث الإبصار أو ريح من حيث الشم وظاهره انه لا فرق بين المرئية وغيرها ويوافقه ما عن الثاني ساقية صغيرة فيها كلب ميت سد عرضها والماء يجري فوقه وتحته لا بأس بالضوء أسفل منه مال ير الأثر قيل ينبغي أن يكون هذا قوله فقط أما على قولهما فلا يجوز كذا في الينابيع والمذكور في الخيانة وغيرها التفصيل في المرئية فان كان الماء كله أو أكثره يجري عليها أو استوى الحال لا يجوز وإلا يجوز وصححه في التجني سالا انه في الفتح القدير يرجح ما عن الثاني بحثا
قال الشيخ القاسم وهو المختار في البحر ما في الخانية أوجه لان النجاسة لا تستقر مع الجريان فان لم ير الأثر علم أن الماء بها ذهب وفي الجيفة التي يجري الماء على أكثرها تيقنا بوجود النجاسة وكلما وقع التيقن بوقوع النجاسة فيه لم يجز استعماله وليس التغير ال علامة ولا يلزم من انتفائها انتفائه
أقول قد تقرر أن الجاري وما في حكمه لا يتأثر بوقوع النجاسة فيه ما لم يغلب عليه بان يظهر أثرها فيه لمجرد التيقن بوجود النجاسة لا اثر له وإلا لاستوى الحال بين جريته على الأكثر أو الأقل فما في الفتح أوجه
وموت ما أي الحيوان لا دم له سائل حالا فيه أي في الماء هذا شامل لما يعيش في الماء وغيره لا فرق بين موته أو إلقائه ميتا في الأصح كذا في الشرح والسراج ما يعيش في الماء هو ما يكون توالده ومثواه فيه سواء كانت له نفس سائلة أم لا في ظاهر الرواية وعن الثاني أن ذا الدم السائل ينجس ولإخفاء أن عبارة المصنف تعطي ما عن الثاني فلو زاد كغيره أو كان مائي المولد لكان أولى أما
الجزء 1 · صفحة 77
كالبق والذباب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مائي لمعاش كالإوز فيفسده في اصح الروايتين لان له نفسا سائلة واتفقت الروايات على الإفساد في غير الماء كذا في شرح الجامع لقاضي خان فما في المجتبى من تصحيح عد الإفساد به غير ظاهر نعم اختلفت الرواية في الكلب المائي كما في الدراية أما الخنزير فاجمعوا على عدم التنجس به كذا في الخلاصة
كالبق بتشديد القاف كبار البعوض وفي صلاة الباقلي لو مص البق الدم لم ينجس عند الثاني لأنه مستعار خلافا لمحمد وجعل في جمع التفاريق الخلاف على العكس والأصح في العلق الذي مص الدم انه يفسد ومن هنا يعلم حكم القراد والحلم كذا في المجتبى والترجيح في العلق ترجيح في البق إذ الدم فيهما مستعار وفي المحيك دم الحلمة نجس وهي ثلاثة أنواع قراد وحنانة وحلم فالقراد أصغرها والحنانة أوسطها والحلمة أكبرها ولها دم سائل
والذباب بضم المعجمة وتخفيف الباء والجمع ذبان بكسر الذال كغربان والعامة يجعلونه جمع ذبابة وهو خطأ قاله أبو هلال العسكري وهو مردود بما نقله ابن السيد في المحكم عن أبي عبيدة من تجويزه وحكى سيبويه في الجمع ذب بضم أوله وتشديد الباء واخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن ابن عمر مرفوعا عمر الذباب أربعون ليلة والذباب كله في النار إلا النحل وليس المراد تعذيبه
الجزء 1 · صفحة 78
والزنبور والعقرب والسمك والضفدع والسرطان لا ينجسه والماء المستعمل لقربة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيها بل ليعذب أهل النار به قال أفلاطون انه احرص الأشياء حتى انه يلقي نفسه في كل شيء ولو كان فيه هلاكه ويتولد العفونة ولا جفن له لصغر حدقته وهو من أكثر الطيور سفاحا ربما بقي عامة اليوم على الأنثى وادني الحكمة في خلقه أذى الجبابرة وقيل لولاه لجافت الدنيا وفي الصحيح إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه فان في إحدى جناحيه داء والأخر دواء والمراد بالداء السم قال بعضهم تأملته فوجدته يتقي بجناحيه الأيسر فعلم أن الأيمن هو الذي فيه الداء كذا في شرح البخاري للعيني مخلصا سمي بذلك لأنه كلما ذب أي طرد آب بالمد أي رجع أو لكثرة حركاته
والزنبور بضم الزاي وهو أنواع منها النحل والسمك بسائر أنواعه وأشار الطحاوي إلى أن الطافي منه يفسد وهو غلط إذ غايته انه غير مأكول كالضفدع كذا في النهاية والضفدع بكسر الضاد في الأفصح والفتح ضعيف والأنثى ضفدعة بالفتح وإطلاقه يفيد انه لا رفق بين البري والبحري وهو الذي جزم به في الهداية وصححه في السراج لأنه لا دم له سائل ومن هذا قال ابن أمير حاج محل عدم الإفساد البري إذا لم يكن له نفس سائلة فان كان افسد على الأصح وعن محمد كراهة شرب الماء الذي تفتت فيه ضفدع لا لنجاسته بل لحرمة لحمه وقد صارت أجزاؤه في الماء وهذا يؤذن بأنها تحريمية ولهذا عبر في التنجيس بالحرمة والله الموفق والسرطان لا ينجسه أي الماء وحكم المائعات بأسرها حكمه في الأصح
وإملاء المستعمل لقربة أي لأجلها وهو ما تعلق به حكم شرعي هو الثواب كغسل يديه للطعام أو منه علله في المحيط بأنه أقام به قربة قال في البحر وهذا يفيد اشتراط قصدها انتهى. وعليه ينبغي اشتراطه في كل سنة كغسل الفم
الجزء 1 · صفحة 79
أو رفع حدث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والأنف ونحوهما وفي ذلك تردد ومن أنواع القربة الوضوء على الوضوء إلا للتعليم ولذا جزم في المبتغى بأنه لا يصلي به مستعملا يعني إذا لم يرد به سوى مجرد التعليم فان قلت التعليم قربة قلت سلمناه إلا أن الاستعمال نفسه ليس قربة والتعليم أمر خارج عنه قالوا بوضوء الحائض يصير مستعملا لأنه يستحب لها الفريضة لكل فريضة وتجلس في مصلاها قدرها كيلا تنسى عادتها ومقتضى كلامهم اختصاص ذلك بالفريضة وينبغي انه لو توضأت لتهجد عادي لها أو صلاة ضحى وجلست في مصلاها أن يصير مستعملا ولم أره لهم والله الموفق بمنه أو رفع الحدث بنوعيه
اعلم انه لا خلاف بين الثلاثة في أن الماء يصير مستعملا برفع الحدث أيضا قاله الجرجاني وادعى الرازي أن هذا قولهما وخصصه الثالث بإقامة القربة استدلالا بما سيأتي في مسالة البئر من طهارة الماء والرجل لعدم نية إقامة القربة ورده السرخسي بان هانما لم يستعمل للضرورة إلا ترى إلى قولهم جميعا لو ادخل المحدث أو الجنب أو الحائض التي طهرت اليد لاغتراف الماء لا يستعمل للحاجة فلاصح عنه أن إزالة الحدث بالماء مفسدة له وعلى هذا يفرع ما لو اخذ الجنب الماء بفيه لا يريد المضمضة ثم غسل يديه أجزأه لعدم استعماله عند الحاجة قال القطع وهو الصحيح وقال الثاني لا يبقى طهورا وهو الأصح أما لسقوط الفرض ب هاو لأنه خالطه البزاق ومقتضى ما سبق ذكر الإمام مع الثاني والتعليل بسقوط الفرض دون رفع الحدث بناء على ما سبق من ترجيح عدم تجزيء الجنابة كالحدث زوالا وثوبتا وعلى ذلك يخرج ما لو ادخل يديه إلى المرفقين أو إحدى رجليه في اجانه فان الماء كما قالوا يصير مستعملا وعلله الحسن عن الإمام بسقوط الفرض وهو يفيد سببا ثالثا للاستعمال هو سقوطه ولا تلازم بينه وبين رفع الحدث فالسقوط مفاده عدم وجوب الإعادة ويكون الرفع موقوفا على الإتمام والسقوط هو الأصل ويمكن أن يقال بزوال الحدث زوالا موقوفا على الإتمام فإذا تم أضيف الاستعمال إليه إلا أن التعليل لا يساعده كذا في الفتح لكنه إنما يتم بتقدير إذ إسقاط الفرض لا ثواب فيه وإن كان قربة فان قلت في الخلاصة لو غسل المحدث عضوا من غير أعضاء الوضوء كالفخذ مثلا فالأصح انه لا يصير مستعملا وعلى مقابل الأصح كيف صار مستعملا ولم يوجد واحد من الثلاثة قلت
والظاهر أن هذا له التفات إلى خلاف آخر هو أن الحدث الأصغر إذا وجد هل يحل بكل البدن وجعل غسل أعضاء الوضوء رافعا عن
الجزء 1 · صفحة 80
إذ استقر في مكان طاهر لا مطهر ومسألة البئر جحط
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الكل تخفيفا أو بأعضاء الوضوء فقط قولان وكان الراجح هو الثاني وكذا لم يصر الماء مستعملا بخلافه على الأول ونبه على وقت ثبوت استعماله بقوله إذا استقر أي بشرط أن يستقر في مكان من ارض أو كف أو ثوب ويسكن عن التحرك وحذفه لأنه أراد بالاستقرار التام منه وهذا قول طائفة من مشايخ بلخ واختاره فخر الإسلام وغيره وفي الخلاصة وغيرها انه المختار إلا أن العامة على انه كما زايل العضو صار مستعملا وهو الأصح واثر الخلاف يظهر فيما لو انفصل فسقط على عضو إنسان فأجراه عليه صح على الأول لا الثاني وعلى صفته بقوله طاهر رواه محمد عن الإمام وهذه الرواية هي المشهورة عنه اختارها المحققون قالوا وعليها الفتوى لا فرق في ذلك بين الجنب والمحدث واستثنى الجنب في التجني سالا أن الإطلاق أولى وعنه التخفيف والتغليظ ومشايخ العراق نفوا الخلاف وقالوا انه طاهر عند الكل وقد قال في المجتبى الرواية عن الكل انه طاهر غير طهور فالاشتغال بتوجيه التغليظ والتخفيف مما لا جدوى له وما في الخلاصة من كراهة شرب المستعمل حمله في البحر على راوية الطهارة
وأقول يمكن حمله على رواية النجاسة بناء على أن المطلق منها ينصرف إلى التحريم وقد قال في البدائع يكره التوضؤ في المسجد عند الإمام والثاني وقال محمد لا بأس به يعني بناء على طهارته عنده لا عندهما نعم لو توضأ في إناء فيه جاز عندهم كما في الخانية وعلى حكمه بقوله لا مطهر يعني للإحداث
أما الاخباث فيطهرها عند الإمام والثاني كذا في غير موضع وعبارته في المجتبى ويجوز إزالة النجاسة بالمستعمل على الرواية الظاهرة وغاية الأمر أن محمدا وإن اخذ برواية الطهارة إلا انه خالف في كونه مزيلا للاخباث وعلى هذا فقوله في فتح القدير بعد حكاية الروايات ومن رواها وكل اخذ بما روى أي في خصوص الطهارة والنجاسة لا مطلقا
ومسألة البئر الخلافية يضبطها حروف جحط أو بخط روي ذلك عن أبي علي في غاية البيان وهي مصورة في جنب أو محدث انغمس لطلب الدلو أو للتبرد مستنجيا بالماء ولا نجاسة عليه قال في
الخلاصة والمحيط ولم يتدلك وأشار بالجيم إلى ما قال الإمام أنهما نجسان وبالحاء إلى ما قال الثاني من اكلا منهما بحاله وبالطاء إلى ما قال الثالث من طهارة الماء والرجل واختلف في نجاسة الرجل على قول الإمام فقيل للجنابة فلا يقرأ قالوا وهو الأصح وقيل لنجاسة الماء
الجزء 1 · صفحة 81
وكل إهاب دبغ فقد طهر إلا جلد الخنزير والآدمي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المستعمل فيقرأ إذا غسل فاه قال في الخانية وهو الظهر والمعتمد وجه النجاسة على الأول سقوط الفرض عن باقي الأعضاء بأول الملاقاة وبه صار الماء مستعملا وهو نجس فبقي على جنابته وعلى الثاني طاهر وعنه أن الرجل طاهر لان الماء لا يعطى له حكم الاستعمال إلا بعد الانفصال وهذه أوفق الروايات وهي الصحيحة كما في الفتح وقول الثاني مبني على اشتراط الصب في الخروج عن الجنابة في غير الجاري وما في حكمه فبقي كل على حاله لعدم رفع الحدث أو نية القربة وقول الثالث مبني على عدم اشتراطه فكان الرجل طاهرا ولم يصر الماء مستعملا بانغماس الطاهر اتفاقا ويكون لطلب الدلو لأنه لو كان للاغتسال صار مستعملا اتفاقا أي بين الإمام والثالث لما مر من اشتراط الصب على الثاني ولم يوجد بالاستنجاء بالماء لأنه لو كان بالأحجار تنجس كل الماء اتفاقا كما في البزازية وبعدم الدلك لأنه لو تدلك صار مستعملا كأنه لقيامه مقام نية الاغتسال والمراد صار ما اتصل بأعضائه وانفصل عنها مستعملا لا كل الماء لما مر من اعتبار الأجزاء في مثله ولا شك في كثرة الطهور بالنسبة إليه كما صرح به بعضهم لكن قال في الحواشي السعدية وفي قولهم انغمس لطلب الدلو إشارة لقلة الماء وعليه فلا إشكال إلا أن في الإشارة خفي لا يخفى واعلم إن جزم المصنف أن النجاسة قول الإمام المؤذن تقديمه بترجيحه لا يلائم ما قدمه من اختيار طهارة المستعمل وكأنه إنما قدمه ليعلم أن الأول للأول والثاني للثاني وهكذا الثالث
مطلب في طهارة الجلود ودباغتها
وكل اهاب لما كان الاهاب وهو الجلد القابل للدبغ إذا دبغ صلح أن يكون وعاء للماء ويسمى إذ ذاك شنا وأديما أدرجه في بحث المياه دبغ دبغا حقيقيا بالقرظ بالمعجمة ورق شجر السلم بفتحتين والشب بالموحدة معروف وضبطه بعضهم بالمثلثة وهو نبت له رائحة طيبة وادعى الأزهري انه تصحيف حكيما كالتتريب وهذا فرع قابليته له فما لا يقبله كجلد الحية الصغيرة والفأرة لا يطهر به طهرت ظاهرا وباطنا
قال الشارح ولو جف ولم يستحل لم يطهر واختلف في جواز أكله والحالة هذه إذا كان جلد ما يؤكل لحمه والأصح انه لا يجوز كذا في السراج إلا جلد الخنزير والآدمي قيل استثنى من طهر لعدم قبولهما الدبغ واعترض بأن المنصوص
الجزء 1 · صفحة 82
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عليه في الآدمي طهارته وأجيب بان معنى طهر جاز استعماله غاية ما فيه أن جهة عدم الجواز مختلفة ففي الخنزير لنجاسة عينه وفي الآدمي لكرامته وقيل من دبغ لأنهما لا يقبلانه وربما يوميء إليه عدوله عن الاهاب المتهيئ له إلى الجلد لعدم تهيئته لعدم قبوله وعليه فهو منقطع إلا أن الأول مع ما فيه من العدول عن المعنى الحقيقي أوفي ولا يخفى أن في كونه مستثنى من طهر أو دبغ مسامحة والتحقيقان المستثنى منه إنما هو الاهاب المدبوغ المحكوم عليه بالطاهرية على الأول وبالقابلية للدبغ على الثاني واقتضى كلامه طهارة جلد الفيل كما هو قولهما وهو الأصح خلافا لمحمد والكلب أيضا بناء على ما عليه الفتوى من طهارة عينه وإن رجح بعضهم النجاسة وجعل آخرون الأول قول الإمام والثاني قولهما واثر القولين يظهر في مسائل منها لو صلى وفي كمه جرو صغير جازت على الأول لا الثاني وشروط الهندواني كونه مشدود الفم لان ظاهر كل حيوان طاهر لا يتنجس إلا بالموت ونجاسته باطنة في معدته فلا يظهر حكمها كنجاسة باطن المصلي كذا في المحيط
قال في البحر والتقييد بالصغير يفيد عدم الجواز في الكبير لان مأواه النجاسة انتهى. ولقائل منعه لما سبق عن المحيط بل قيدوا به لوقوع التصوير بكونه في كمه ويدل عليه ما نقله في مسائل الآبار من انه لو وقع في البئر واخرج حيا لم ينجس الماء على القول بطهارة عينه مالم يصل فمه الماء وهو الأصح وعلى هذا فما قالوه من انه لو دخل الماء فانتفض فأصاب ثوبا نجسه لان الماء أصاب جلده وهو نجس مبني على القول بنجاسة عينه كما في البدائع وغيرها بخلاف ما لو أصابه المطر حيث لا ينجس ما أصابه ب انتفاضه لان لاقى شعره وهو طاهر على المختار وفي الفرق نظر لا يخفى وعلى القولين لو عض عضوا أو ثوبا نجسه في الرضا للرطوبة لا في الغضب لعدمها وفي القنية إن لم ير بللا فلا بأس به وفيه إيماء إلى أن المعتبر وجود البلة لعدمها ويوافقه ما في الملتقط من انه لا ينجس ما لم ير البلة غضبانا كان أو لا وفي الصيرفية وهو المختار وعلامتها ابتلال يده بأخذه وسيأتي الكلام على بقية أحكامه وما يطهر جلده بالدبغ يطهر بالذكاة كما سيأتي في الذبائح
الجزء 1 · صفحة 83
وشعر الانسان والميتة وعظمهما طاهران
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فرع
السنجاب اذا خرج مدبوغا من دار الحرب ان دبغ بودك الميتة لم تجز الصلاة معه وان لم يعلم فالأفضل غسله كذا في منية المصلي وقيده في القنية بما اذا لم يغسل فان غسل طهر ولا يضر بقاء الاثر كذا في المعراج
وشعر الانسان الميت والميتة غير الخنزير اذ جميع اجزائة نجسة ورخص استعمال شعره للخرازين ضرورة عند الثاني وطهره محمد واتفقت الروايات على عدم جواز بيعه واثر الخلاف يظهر فيما لو صلى وهو حامل منه اكثر من قدر الدرهم او وقع في الماء القليل قال الهنداوني وقول الثاني هو ظاهر الرواية ورجحه في البدائع وغيرها هذا كله في غير المنتوف اما المنتوف فنجس كما في السراج وعظمهما أي الخالي من الدسومة اما الموجود فيه فنجس حتى لو وقع الماء القليل نجسه كما في المحيط طاهران لان كل ما لاتحله حياة من اجزاء الحيوان لا ينجس بالموت ولذا قلنا بطهارة الريش والمنقار والعصب والحافر والظلف واللبن والبيض الضعيف القشر والإنفحة قال في الفتح بلا خلاف بين الاصحاب وانما الخلاف بينهم في الإنفحة واللبن هل هما يتنجسان قالا نعم لمجاورتهما الغشاء النجس فإن جامدة طهرت والا تعذر تطهيرها وقال الامام لا انتهى لكن في السراج الاصح نجاسة العصب واختلف في السن اهو عصب ام عظم وعلى كل فظاهر المذهب وهو الصحيح طهارة سن الادمي لأنه لا دم عليه ولاستحالة طهارته من الكلب ونجاسته من الادمي المكرك كذا في البدائع وفي الخانية وغيرها قطع سنهاو اذنه ثم اعادهما او صلى واحدهما في كمه جازت صلاته في ظاهر الرواية وعلله في التجنيس بأن ما ليس بلحم لا يحله الموت
قال في البحر وهو في الاذن مشكل لما في البدائع ما ابين من الحي ان كان فيه دم كاليدو الاذن والانف فهو نجس اجماعا وفي السراج قطع اذنه قال الثاني لا بأس بإعادتها الر مكانها وعندهما لا يجوز ولما افاد المصنف تأثير
الجزء 1 · صفحة 84
وتنزح البئر بوقوع نجس لا ببعرتي إبل وغنم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القليل بوقوع النجاسة فيه فيراق وكان من مسائل الابار ما يخالف ذلك لابتنائها على اتباع الاثار احتاج الى التنبية على ذلك فقال
فصل في الابار
وتنزح البئر اسناد مجازي أي ماؤها كله فأطلق اسم المحل على الحال مبالغة بوقوع أي بسبب وقوع نجس كغائط وبول ونحوهما كذا في مسكين وبه علم حكم الواقع النجس اذا كان غير حيوان واندفع قول الشارح اطلق النزح ولم يقدره لانه لم يعين الواقع اذ على تقديره يخلو كلامه عن افادة هذا الحكم مع لزوم فيه وسيأتي قيل هذا اذا لم تكن عمقها عشرا في عشر فان كان لم تتنجس الا بالتغيير كذا في المبتغى وعزاه التمرتاشي في شرحه الى الايضاح وجزم بها لزاهدي ورده ابن وهبان لمخالفته لما اطلقه جمهور الاصحاب وخرجه في عقد الفرائد على قول من اعتبر جملة الماء من غير اعتبار الطول والعرض
لا تنزح البئر ببعرتي ابل وغنم أي بوقوعهما فيها استحسانا ولم يقل بنحو بعرتي ابل وغنم ايماء الى انها تنزح بالروث والخثي وجه الاستحسان ان البعر صلب وما عليه من الرطوبة رطوبة الامعاء فلا ينتشر من سقوطها في الماء نجاسة وهذا يشير الى ان المنكسر ينجس وهو الموافق لقول السرخسي وظاهر الروايات الروث المتفتت يفسد ونبه بإطلاقه على انه لا فرق بين ابار الفلوات والامصار وقرر في الهداية وجه الاستحسان بأن ابار الفلوات لما خلت عن حاجز والابل والغنم تبعر حولها والرياح تلقيه فيها قلنا ان القليل عفو دفعا للحرج وهذا يفيد عدم الفرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والروث والخثي لان الضرورة تعم الكل وجعله في غاية البيان ظاهر الرواية الا ان قضيته الفرق بين ابار الامصار والفلوات وقد علمت ما فيه واختلف في الفاصل بين القليل والكثير فاشار المصنف الى ان الثلاث كثير استدلالا بقول محمد فأن وقع فيه بعرة او بعرتان لم تفسد ورده بقوله بعد ما لم تفحش ولا خفاء ان الثلاث لا فحش معها ورجح في النهاية انه ما لا يخلو كل دلو عن بعرة الا ان الذي رجحه الكثير انه ما يستكثره الناظر
الجزء 1 · صفحة 85
وخرؤ حمام وعصفور وبول ما يؤكل لحمه نجس لا ما لم يكن حدثا ولا يشرب اصلا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال الحلبي ولو قيل بانه ما غير احد الاوصاف لكان له وجه اقول لكنه بعيد اذ هو شأن الجاري وقد علمت ان ماء البئر وان كثر في حكم القليل ولا تنزح ايضا بوقوع خرؤ نحو حمام وعصفور لعدم نجاسته للإجماع العلمي على اقتناء الحمامات في المسجد الحرام من غير نكير مع العلم بما يكون منها وقيل انه نجس لكن عفي عنه ضرورة حكاه في المعراج وغيره قال في البحر ولم يذكروا لهذا الخلاف فائدة مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة واقول يمكن ان يظهر فيما لو وجد في ثوب او مكان وثمة ما هو خال عنه لا تجوز الصلاة فيه على الثاني لانتفاء الضرورة وتجوز على الاول وفي كلامه ايماء ان خرؤ ما لا يؤكل لحمه من الطيور نجس وصححه قاضي خان لكن قال في لمبسوط الاصح طهارته
وبول ما يؤكل لحمه من الحيوانات نجس عندهما وطهره الثالث الا اذا غلب على الماء فيخرجه عن الطهورية لحديث العرنيين المعروف ولهما ما رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولا اعرف له علة من حديث ابي هريرة استنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه وال الجنسية حيث لم يكن ثمة عهد تحمل على الاستغراق على ان المحرم مقدم عند التعارض لو سلم كيف والقرينة قائمة على نسخ حديث العرنيين لاشتماله على المثلة وهي منسوخة وكان عذاب القبر جزاء لعدم الاستنزاه لما انه اول منازل الاخرة والاستنزاه اول منازل الطهارة فناسب ان يعاقب على ترك اول المنازل في اول المنازل لا عطف على بول أي لا يكون الخارج من بدن الانسان نجسا مالم يكن حدثا كالدم اذا لم يسل والقيء اذا لم يملأ الفم قال في المعراج ولا ينعكس اذ النوم والاغماء حدثان وليسا بنجسين وهذا قول الثاني وقال محمد انه نجس كذا في الشرح وغيره وعبارة صدر الشريعة وعن محمد في غير رواية الاصول ان نجس تؤذن بأن هذا غير ظاهر الرواية عنه
قال الحدادي والفتوى على قول الثاني فيما اذا اصاب الجامدات كالثياب والابدان وعلى قول الثالث فيما اذا اصاب المائعات ولا يشرب أي بول ما يؤكل لحمه اصلا كلبن الاتان أي في حال من الاحوال ولا تداويا وهذا قول الامام لان التداوي بالطاهر الحرام لا يجوز فما بالك بالنجس وجوزه الاثاني للتداوي ولا إشكال
الجزء 1 · صفحة 86
وعشرون دلوا وسطا بموت نحو فأرة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في الجواز على الثالث لطهارته كما مر وقول الشارح ان قول الثالث مشكل لان كثيرا من الطهارات لا يجوز التداوي بها وقول الثاني اشد اشكالا مدفوع اذ الكلام في طاهر لا ايذاء فيه بل كان دواء على ان المنع في لبن الاتان ممنوع ففي البزازية لابأس بالتداوي به قال الصدر وفيه نظر قال في البحر ولا مانع ان الثاني قال بالنجاسة مع جواز التداوي به عملا بما مر من الحديثين انتهى وفروعهم ناطقة باختياره ففي الذخيرة الاستشفاء بالحرام يجوز اذا علم ان فيه شفاء ولم يعلم دواء اخر وفي التجنيس سال الدم من انفه فكتب به الفاتحة على انفه وجبهته جاز ولو بولا لو علم ان فيه شفاء لكنه لم ينقل وهذا لان الحرمة ساقطة عند الاستشفاء كالعطشان يجوز له شرب الخمر
وفي الخانية عن نصر بن سلام معنى ما ورد ان الله لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم في التي لا شفاء فيها اما التي فيها الشفاء فلا بأس بها كشرب الخمر للعطشان وتنزح عشرون دلوا هذا معطوف على البئر واستشكله الشارح بناء على ما قرره من ان المراد بالنجس السابق هو الحيوان واطلقه لما سبق انحلاله الى معنى تنزح البئر وعشرون ولا اشكال على ما قررناه وسطا وهو الدلو المستعمل في كل بلد وقيل التي تسع صاعا وقيل يعتبر في كل بئر دلوها واختاره في الهداية وغيرها لانه المذكور في كافي الحاكم الذي هو جمع كلام محمد قال في البحر وظاهر ما في الخلاصة وغيرها تخصيصه بالتي لها دلو اما الفاقدة له فيعتبر فيها ما يسع صاعا وحينئذ فينبغي ان يحمل قول من قدر الدلو على ما اذا لم يكن لها دلو واقول التقدير بالصاع مبني على اختيار انه الوسط وينبغي على تفسيره بالمستعملة في كل بلدة اعتباره في الفاقدة له ايضا فحاصل هان من اعتبر في كل بئر دلوها لا يتأتى اعتبار الوسط على قوله الا في التي لا دلو لها حينئذ فيعتبر الوسط على القولين وبهذا علم ان ذلك الحمل مما لا داعي اليه بموت أي بسبب موت نحو فأرة وجدت في البئر كعصفور ووزغ كبير قيل هذا مقيد بأن لا تكون مجروحة سواء ماتت او لا ولا هاربة من هر ولا منتفخة ففي هذه نزح كل الماء فكان عليه التنبية على ذلك ويمكن ان يقال ان الاول مستغنى عنه بقوله
الجزء 1 · صفحة 87
وأربعون بنحو حمامة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بوقوع نجس والثاني مبني على رأي ضعيف ففي المجتبى وقيل بخلافه وعليه الفتوى كأنه لأن في بولها شكا والثالث سيأتي ولا فرق بين الموت فيها او خارجها إلا انه لابد في تأثير النزح من اخراج الحيوان قبله ولو صب دلو في طهارة نزح مع الباقي فقي رواية ابي حفص وقدر الباقي فقط في رواية سليمان حتى لو صب العاشر نزح احد عشر على الاولى وهي الاصح وعشرة على الثانية او في نجسة اكتفى بالاكثر ولو متساويا فابحدهما كذا في الشرح ولو وجد اقل مما وجب نزح ما وجد وان عاد لم يجب بشيء قيد بالموت لانه لو اخرج حيا فان كان نجس العين او علم ان على بدنه نجاسة نزح الكل وان كان سؤره نجسا او مشكوكا او مكروها ولم يدخل فاه الماء لم ينزح شيء واذا ادخله نزح الكل في النجس وكذا في المشكوك كما هو ظاهر كلامهم كذا في الفتح لكم في الخانية الصحيح انه في البغل والحمار لا يصير مشكوكا أي فلا يجب نزح شيء نعم يندب نزح عشرة وقيل نزح عشرين وما في الشرح من انه يندب نزح الكل ففيه نظر وفي التاترخانية فأرة وقعت في البئر او عصفورة او دجاجة او شة او سنور واخرجت منها حية لا ينجس الماء ولا يجب نزح شيء منها استحسانا لكن يستحب في الفأرة نزح عشرين وفي السنور والدجاجة نزح اربعين لان سؤرهما مكروه والغالب اصابة الماء فم الواقع حتى لو تيقن عدم الاصابة لا ينزح شيئا وان كانت الدجاجة غير مخلاة لا ينزح شيء هذا كله ظاهر الرواية والمراد ما اذا لم يكن على فخذيها او رجليها بول لما مر
وينزح ايضا اربعون أي ب موت نحو حمامة كدجاجة لحديث الخدري في الدجاجة اذا ماتت في البئر ينزح منها اربعون وهذا بيان للواجب اما المستحب ففي الفأرة زيادة عشرة واختلف كلام محمد في نحو الحمامة ففي الاصل يندب زيادة عشرين وفي الجامع الصغير وهو الاظهر
قال في البحر ولم يصرح في ظاهر الرواية بالمستحب وانما فهمه بعض المشايخ من قول محمد ينزح في الفأرة عشرون او ثلاثون وفي الهرة اربعون او خمسون ولم يرد التخيير بل بيان الواجب والمندوب وليس بمتعين لاحتمال كونه
الجزء 1 · صفحة 88
وكله بنحو شاة وانتفاخ حيوان او تفسخه ومائتان لو يمكن نزحها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لبيان اختلاف الواقع صغرا وكبرا فيجب الاقل في الصغير والاكثر في الكبير وقد ذكره في البدائع عن بعضهم ولعل هذا هو السر في حذف المصنف له انتهى واقول هذا الاحتمال ساقط لما مر من ان مسائل الابار بنيت على الاثار والوارد فيما استدل به محمد انما هو ايجاب العشرين في نحو الفأرة والاربعين في نحو الحمامة مطلقا ولو صح هذا الاحتمال لبطل ذلك الاستدلال ولهذا تعين حمل كلام محمد على ما فهمه المشايخ
واعلم ان الواقع لو تعدد فعند الثاني ان الاربع كفأرة والخمس كدجاجة الى تسع والعشر كشاة وفي المبسوط ظاهر الرواية ان الثلاث كالهرة وهو المنقول عن محمد ومقتضاة ان الست كالشاة واجمعوا ان الهرتين كالشاة وما كان بين الصغير والكبير فصغير والهرة مع الفأرة كالهرة كذا في التجنيس وغيره
قال في البحر وهذا يخالف قول من قال ان الفأرة اذا كانت هاربة من الهرة وماتت نزح كل الماء لأنها تبول غالبا واقول لا يلزم من كونها معها ان تكون هاربة منها والتقييد بموتها غير واقع لما مر ثم رأيته في السراج قال لو ان هرة اخذت فأرة فوقعتا جميعا في البئر ان خرجتا حيتين لم ينزح شيء او ميتتين نزح اربعون او الفأرة ميتة فقط فعشرون وان مجروحة او بالت نزح جميع الماء انتهى. وهو حسن موافق لما مر عن المجتبى وبقي من الاقسام موت الهرة فقط ولا شك في وجوب الاربعين وينزح كله أي ماء البئر بنحو أي بموت نحو شاة كآدمي وكلب واوز كبير اما الصغير منه فكالحمامة كما في الخلاصة وقيده في السراج بما اذا لم تكن هاربة من السبع فإن كانت نزح الكل ولو اخرجت حية ولا تنس ما مر عن المجتبى وينزح ايضا كله بسبب انتفاخ حيوان فيها صغيرا كان او كبيرا بأن يتلاشى اعضاؤه وتمعط الشعر كالانتفاخ او بسبب تفسخه بأن تتفرق لانتشار البلة في اجزاء الماء وينزح مائتان في حالة وجوب نزح الكل لو لم يمكن نزحها بأن كانت معينا بذلك افتى محمد في ابآر بغداد لكثرة مائها لمجاورتها الدجلة كذا في السراج
وفي البحر قالوا انما افتى بذلك لانها لقلة مائها كانت لا تزيد على ثلاث مائة دلو واقول هذا لا يناسب ما في المختصر اذ فتواه بذلك على هذا التقدير حكم بإيجاب نزح الكل والفرض ان لا يمكن وفي الخلاصة الفتوى ان ينزح الى ثلثمائة وجعله في العناية رواية عن الامام وهو المختار والايسر كما في الاختيار
الجزء 1 · صفحة 89
ونجسها منذ ثلاث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الاقتصار على المائتين ايماء الى ان الثلاثة مندوبة فقط وفي المبسوط وعن محمد في النوادر ينزح ثلاثمائة او مائتا دلو يدل عليه وقيده في السراج بما اذا كان الماء ينبع من جانب او من جانبين ويجتمع فيها اما لو نبع من جانب وخرج من اخر عد جاريا فلا يجب شيء وجعل في البحر ما جزم به المصنف ورجحه المشايخ ضعيفا اذ الواجب الاصلي انما هو نزح الكل والاقتصار على بعض منه يتوقف على سمعي يفيده ولم يوجد بل المأثور عن ابن عباس وابن الزبير خلافه وهو ايجاب النزح حتى يغلبهم الماء ومن ثم حكى في الجامع الصغير عن الامام التقدير بالغلبة فقيل الصحيح انها للعجز وقيل امرها مفوض الى رأي المبتلى به وعليه الفتوى انتهى. وكأن المشايخ انما اختاروا ما عن محمد لانضباطه كالعشر تيسيرا كما مر واعلم ان تقييد الشارح عدم الامكان بالمعين يفيد ايجاب الكل في غير المعين وان البئر تطلق على غير المعين ايضا والا فلا اثر للتقييد وقضية اطلاقهم ايجاب العشرين فالاربعين في الفأرة والحمامة انه لا فرق بين المعين وغيرها وبذلك تمسك بعض اهل العصر وافتى بنزح عشرين في فأرة وقعت في صهريج وفي القاموس الصهريج الحوض الكبير يجتمع فيه الماء والمذكور في البدائع وو الكافي وغيرهما ان الفأرة لو وقعت في الجب يهرق الماء كله ولم يوجبه ووجهه ان الاكتفاء بنزح البعض في الابار على خلاف القياس بالاثار فلا يلحق بها غيرها
قال في البحر فعلى هذا لو وقعت الفأرة في صهريج نزح كل الماء وفي الصحاح الجب الخابية الكبيرة وهذا انما يتم بناء على ان الصهريج ليس من مسمى البئر في شيء ومحل قول الشارح وغيره بأن كانت معينا بحيث لا يمكن نزحها وان كونها معينا مأخوذ من مفهومها غير ان بعضها لا يمكن نزحها لكثرة مائها باتساع منابع الماء فيها وفي البعض يمكن والمقام مقام تدبر فتأمله والله الموفق.
ونجسها أي البئر منذ ثلاث أي ثلاث ليال بدليل حذف التاء وعادتهم حذف التقدير بالايام لكن الليالي تنتظم ما بإزائها من الايام كالعكس كذا في الشرح ولقائل ان يقول لا نسلم ان حذف التاء يعين ذلك مطلقا بل اذا كان المعدود مذكورا اما اذا كان محذوفا جاز تقديره مذكرا ومؤنثا وقد جوزوا في حديث بني الاسلام على خمس تقدير المحذوف اركانا او دعائم وهذا في حق
الجزء 1 · صفحة 90
فأرة منتفخة جهل زمن وقوعها والا منذ يوم وليلة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوضوء والغسل وغسل الثوب من النجاسة اما لو توضؤوا منها وهم متوضئون او غسلوا ثيابهم لا من نجاسة لم يعيدوا شيئا اجماعا وانما يلزمهم غسل الثياب فقط على الصحيح نه حيث لم يعلم وقت الوقوع صار الماء مشكوكا في طهارته ونجاسته وقد ثبت المانع في الاول الا ان المزيل شكا وانعكس هذا في الثاني وقد استقر ان وجود النجاسة في الثوب لا يستند بل يقتصر حتى لو وجد في ثوبه اكثر من قدر الدرهم ولم يدر متى اصابه لا يعيد شيئا اتفاقا فكذا هذا قال الحلبي اذا كان يلزمهم غسل الثياب لكونها مغسولة بماء البئر مع تقدم حال العلم باشتمال البئر على الفأرة يوما وليلة وثلالثة اياما كيف يكون الحكم بنجاسة الثياب مقتصرا لا مستندا فهذا لا يتجه على قول الامام لانه يوجب الغسل الاعادة ولا على قولهما لانهما لا يوجبان غسل الثوب اصلا انتهى
فأرة منتفخة زاد بعض المتأخرين او متفسخة اذ الاقتصار على الانتفاخ يوهم انه في التفسخ يعيد اكثر من ثلالث لان افساد الماء معه اكثر كما ان الاقتصار على المزيد يوهم اعادة الاقل فالجمع اولى جهل أي لم يعلم ولم يغلب على الظن وقت وقوعها فيها والا أي وان لم تكن منتفخة وقد جهل وقت وقوعها نجسها منذ يوم وليلة عند الامام وهو استحسان فيهما وقالا وهو القياس لا يتنجس الا من وقت العلم لاحتمال الموت في الحال الو القاء الريح لها منتفخة وجه الاستحسان ان وقوع الحيوان الدموي في الماء سبب ظاهر لموته فيحال عليه دون الموهوم ولا شك في سبق زمان الوقوع على الوجود فقدر بثلاثة في المنتفخ وبيوم وليلة في غيره احاله على ما هو الغالب وكان الصباغي يفتي بقول الامام فيما يتعلق بالصلاة وبقولهما فيما سواه قال في غاية البيان وما قال الامام احوط وما قالاه بالناس ارفق وفي فتاوى العتابي ان قولهما هو المختار ورده الشيخ قلسم بمخالفته لعامة الكتب فقد رجح دليله في كثير منها وقد علمت أنه الأحوط تكميل في الينابيع قال
الجزء 1 · صفحة 91
والعرق كالسؤر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مشايخنا من وجد في نومه منيا او بولا او دما اعاد من اخر الاحتلام والبول والرعاف منه وفي نوادر ابن رستم عن الامام انه لا اعادة عليه في الدم واختاره في المحيط ولو وجد في جبته حين فتقها فأرة ميتة لم يدر متى دخلت فإن لا ثقب بها اعاد منذ وضع القطن وان بها ثقب فثلاثة ايام كذا في الشرح تبعا للتجنيس وينبغي على قياس ما سبق تقييده بكونها منتفخة او ناشفة وان لم يكن اعاد يوما وليلة ولو عجنوا بهذا الماء خبزا قال مشايخنا يطعم للكلاب كذا في البدائع وقيل يعلف به الدواب او يباع من شافعي حكاه الاسبيجابي وهل يسقى للدواب قال في الذخيرة لا وفي الخزانة لا بأس بذلك
واقول ما في الذخيرة يوافق ما في البدائع وما في الخزانة يوافق ما في الاسبيجابي فهما قولان لا نقلان متنافيان والعرق بين كل حيوان حكمه كالسؤر وكان الانسب العكس اذ الكلام في بيان الاسار لكن لما كان المقصود منها بيان ما خالطها من المائعات وذلك في اللعاب اذ هو الذي تكثر مخالطته لها بخلاف العرق ووقع السؤر خيرا ليتصل به تفصيل ما خالطه واعتبر السؤر به لتولد كل منهما من اللحم كذا قالوا ولا خفاء ان المتولد انما هو اللعاب لكن اطلق عليه للمجاورو اذ السؤر مهموز ما يفضله الشارب ثم استعير لما يبقيه من طعام وغيره واورد عرق الحمار فإنه طاهر والسؤر مشكوك كما سيأتي واجيب بانه خرج عن الاصل لما صح انه عليه الصلاة والسلام ركب الحمار معروريا وهو لا يخلو من العرق غالبا لا سيما والحر حر المدينة والثقل ثقل النبوة وهذا ظاهر في ان معروريا حال من المفعول لكن جزم في المغرب بانه حال الفاعل لانه لو كان من المفعول لقيل معرورا ولا نسلم ان العرق طاهر بل مشكوك فيه ايضا ففي
الجزء 1 · صفحة 92
وسؤر الآدمي والفرس وما يؤكل لحمه طاهر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصفى ظاهر المذهب ان العرق واللعاب مشكوك فيهما وسؤر الادمي ولو جنبا او كافرا ذكرا كان او انثى وما في المجتبى من كراهة سؤرها للأجنبي كسؤره لها ليس لعدم طهارتها بل للالتذاذ الحاصل للشارب اثر صاحبه والمسألة مقيدو بان لا يكون في فيه نجاسة حتى لو شرب بعد شربه الخمر فورا كا سؤره نجسا الا ان يبلع ريقه ثلاثا عند الامام قيل والثاني ويسقط اشتراط الصب في هذه الحالة والتقييد بالثلاث جرى عليه كثير ففي الخلاصة ان تردد في فيه بحيث لو كان ثوب طهر فالفم طاهر وقيده بعض شراح القدوري بان لا يكون شاربه طويلا لان الشعر لا يطهر باللسان
قال الحلبي وكانه لأن اللسان لا يتمكن من استيعابه بإصابة بلة ثم اخذ ما عليه من البلة النجسة مرة بعد اخرى والا فهو ادون من الشفتين والفم في التطهير بالريق بناء على قولهما من ان غير الماء يطهر قيل ينبغي ان يكون سؤر الجنب نجسا بناء على ان الماء المستعمل نجس لسقوط الفرض واجيب بان ما لاقى الماء من فيه ويسقط به الفرض مشروب فلا يلزم نجاسة السؤر على ان هذا هو احدى الروايتين وفي اخرى لا يرتفع الحدث لكن ظاهر كلامهم ترجيح الاولى وصحح يعقوب باشا الثانية والاولى اولى وسؤر الفرس في ظاهر الرواية عن الامام كما هو قولهما وهو الصحيح وخصها بالذكر وان دخلت في ما يؤكل لحمه للاختلاف في علة الكراهة وان كانت على الظاهر لكونها الة الجهاد لا لخبث في لحمها بدليل الاجماع على حل لبنها وسؤر ما أي كل حيوان يؤكل لحمه ويلحق به ما ليس له نفس سائلة مما يعيش في الماء كما في الشرح طاهر لما مر من أنه متولد من لحم طاهر فأخذ حكمه وفي مسلم عن عائشة كنت أشرب وانا حائض فأناوله النبي عليه الصلاة والسلام فيضع فاه على موضع في واخرج مالك من حديث أنس اتي له عليه الصلاة والسلام بلبن قد شيب بماء وعن يمينه اعرابي وعن يساره ابو بكر فشرب ثم أعطى الاعرابي وقال الأيمن فالأيمن
الجزء 1 · صفحة 93
والكلب والخنزير وسباع البهائم نجس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والكلب بالرفع على حذف المضاف وإقامه المضاف إليه مقامه والجر بإبقائه على ما هو عليه لا بالعطف على الآدمي للزوم العطف على عاملين وهو ممتنع عند البصريين وأجازه الفراء كذا في الشرح ووجه اللزوم أن الكلب يصير معطوفا على الآدمي وهو معمول للمضاف الذي هو سؤر ونجسا يكون معطوفا على طاهر وهو معمول للمبتدأ أعني سؤر فلزم العطف على معمولين وهما الآدمي وطاهر لعاملين أعني المبتدأ والمضاف بناء على أنه هو العامل لا الإضافة كذا في التجنيس وصحته موقوفة على أن اختلاف العمل ينزل منزلة اختلاف العامل أنه ليس بمتعين هنا لجواز أن يكون العامل في الخبر هو الابتداء ايضا على رأي أو أن الاضافة هي العاملة في المضاف على رأي أيضا وإنما كان سؤره نجسا لتولد لعابه من لحمه النجس هذا على أنه طاهر العين أما على أنه نجس فلا إشكال وسؤر الخنزير وسؤر سباع البهائم وهو كلما اصطاد بنابه كالأسد والفيل ونحوهما نجاسة مغلطة وهذا في الكلب والخنزير ظاهر والمروي عن الإمام في سباع البهائم أنها كذلك وعن الثاني مخففه لأن لعابه المختلط بسؤره متولد من لحم نجس فكان نجسا واستشكله الشارح بأنهم يقولون إذا ذكي طهر لأن نجاسته لأجل رطوبة الدم وقد خرج بالذكاة فإن كانوا يعنون نجاسة العين وجب أن لا يطهر بها أو نجاسة مجاورة الدم فالمأكول كذلك ومن ثم قال بعضهم لا يطهر بالزكاة إلا جلده لأن حرمة لحمه لا لكرامته آية النجاسة لكن بين الجلد واللحم جلدة رقيقة تمنع تنجيس الجلد وهذا هو الصحيح إذ لا وجه تنجس السؤر إلا بهذا وأجاب صدر الشريعة بأن الحرمة إذا لم تكن للكرامة كانت آية النجاسة لكن فيه شبهة أن النجاسة لاختلاط الدم إذ لو كانت نجاسته لذاته لكان نجس العين وليس كذلك فغير مأكول اللحم إذا كان حيا فلعابه متولد من اللحم الحرام الملوط بالدم فيكون نجسا لاجتماع الأمرين أما في مأكول اللحم الحرام المخلوط بالدم فيكون نجسا لاجتماع الأمرين أما في مأكول اللحم فلم يوجد إلا أحدهما وهو الاختلاط بالدم فلم يوجب نجاسة السؤر لأن هذه العلة بانفرادها ضعيفة إذ الدم المستقر في موضعه
الجزء 1 · صفحة 94
والهرة والدجاجة المخلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لم يعط له حكم النجاسة في الحي وإذا لم يكن حيا فإن لم يكن مذكا كان نجسا سواء كان مأكول اللحم أو غيره لأنه صار بالموت حراما فالحرمة مؤبدة مع اختلاط الدم وإن كان مذكا كان طاهرا أما مأكول اللحم فلفقد الأمرين وأما في غيره فلأنه لم يوجد الاختلاط والحرمة المجردة غير كافية في النجاسة كالصقر والحدأة ونحوهما مما لا يؤكل لحمه وسؤر سواكن البيوت كالحية والفأرة مكروه كراهة تنزيه كما أفصح عن ذلك قوله في المستصفى ويفتى عن السؤر المكروه أنه طاهر لكن الأولى أن يتوضأ بغيره وحينئذ فيشكل إطلاق الكراهة لانصرافها إلى التحريم ذكره في المستصفى
أما الهرة فلحرمة لحمها كما قال الطحاوي وهذا يقتضي أنها تحريمية وقال الكرخي لعدم تحاميها النجاسة وهذا يقتضي التنزيه وهو الأصح حتى لو كانت بمرأى منه في زمان يمكن فيه غسلها فيه فمها بلعابها فلا كراهة وعلى هذا فلا ينبغي إطلاق كراهة أكل فضلها والصلاة إذا لحست عضوا قبل غسله كما أطلقه شمس الأئمة وغيره بل يقيد ثبوت ذلك التوهم فأما لو كان زائلا لما قلناه فلا كذا في فتح القدير وأقول لو خرج الإطلاق على قول الطحاوي لكان أولى وعليه يحمل ما في غاية البيان من الواجب على العوام أن يغسلوا مواضع لحس الهرة إذا دخلت تحت لحافهم لكراهة ما أصابه فمها وبه يستغنى عما في البحر من حمله على التماسيح أو تأويل الواجب بالثابت ثم الكراهة في الطعام مقيدة بغير الفقير وفي الماء بوجود غيره واعلم أن قولهم بأن نجاسة سؤر الهرة سقط بعلة الطواف يفيد أن سؤر الوحشية نجس وإن كان النص بخلافه لعدم العلة وهي الطواف لأن العلة حيث تثبت بالنص وعرف قطعا تعلق الحكم بها دار الحكم على وجودها لا غير كعدم حرمة التأفيف للوالدين إذا لم يعلم الولد معناه أو استعمله بجهة الإكرام كذا في كشف الأسرار
وأما المخلاة فلعدم تحاميها النجاسة حتى لو حبست للسمن في قفص وجعل ماؤها وعلفها ومنقارها خارجة لم تكن مخلاة فيما اختار الحاكم ولم يشترط شيخ الإسلام سوى أن لا تجول في عذرات غيرها بناء على أنها لا تجول في عذرات
الجزء 1 · صفحة 95
وسباع الطير وسواكن البيوت مكروه والحمار والبغل مشكوك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نفسها والحق انها انما تلتقط الحب منه فقط كذا في الفتح ولم يقدر حبسها بمدة لعدم تقدير محمد لها في الاصل قال السرخسي وهو الاصح وفي التنجيس له دجاجة علفها نجاسة او شاة او ابل او بقرة فالدجاجة تحبس ثلاثة ايام والشاة اربعة ايام والابل والبقر عشرة ايام وهو المختار على الظاهر لأن الظاهر ان طهارتهم حصل بهذه المدة.
وفي البزازية ان ذلك انما يشترط في الجلالة التي لا تأكل الجيف الا انه جعل التقدير في الابل بشهر وفي البقر بعشرين وفي الشاة بعشرة واما سباع الطيور فجواب الاستحسان والقياس نجاسته وجه الاول ان الملاقي للماء منقارها وهو عظم جاف لا لسانها بخلاف سباع البهائم الا انها لاكلها الميتات غالبا اشبهت المخلاة وهذا يفيد انها تنزيهية وعن الثاني ان الكراهة لتوهم النجاسة في منقارها لا بوصول لعابها الماء حتى لو كانت محبوسة يعلم صاحبها انه لا قذر في منقارها لا يكره الوضوء بسؤرها واستحسن المتأخرون هذه الرواية وافتوا بها واما سواكن البيوت فالقياس نجاسة سؤرها لتولده من لحم حرام الا انها سقطت للضرورة استحسانا
فرع
تكره الصلاة مع حمل ما يكره سؤره كما في التوشيح وسؤر الحمار والبغل مشكوك أي متوقف في كونه مطهرا لامجهول حكمه كما فهمه الدباس فأنكر التعبير به لما انه معلوم وهو استعماله مع التيمم اطلق في البغل فعم ما لو كانت امه فرسا ايضا واستشكله الشارح بان العبرة للام الا ترى ان الذئب لو نزا على شاة فولدت ذئبا حل اكله واجزأ في الاضحية فكان ينبغي ان يكون مأكولا عندهما وطاهرا عند الامام وقد صرح السروجي بان الحمار لو نزا على رمكة أي فرس لا يكره لحم البغل المتولد منهما كذا عن محمد واجاب مسكين بان التبعية للام محلها ما اذا لم يغلب شبهه بالاب اما اذا غلب فلا وفي المعراج عن شرح
الجزء 1 · صفحة 96
توضأ به وتيمم ان فقد ماء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
القدوري والبغل يولد من الحمار والفرس فصار سؤره كسؤر فرس اختلط بسؤر الحمار فصار مشكوكا واقول لو صح ما قاله مسكين لحرم اكل الذئب الذي ولدته الشاة لغلبة شبه الاب وقد مر انه حلال وما في المعراج بعد ان الاعتبار للام ممنوع والظاهر ان جواز الاكل يستلزم طهارة السؤر وقد قال جمال الدين الرازي في شرحه لهذا الكتاب البغال اربعة بغل يؤكل بالاجماع وهو المتولد من حمار وحشي وبقرة وبغل لا يؤكل بالاجماع وهو المتولد من اتان اهلي وفحل وبغل يؤكل عندهما وهو المتولد من فحل واتان وحشي وبغل ينبغي ان يؤكل عندهما وهو المتولد من رمكة وحمار اهلي ثم قيل الشك في الطهارة فلو وقع في الماء القليل افسده كما في الخانية وقيل في الطهورية حتى لو وقع حاز الوضوء به ما لم يغلب عليه كما في المحيط وهو الصحيح وعليه الفتوى وكذا في الكافي
قال في كشف الاسرار والخلاف لفظي لأن من قال بالشك في طهوريته لا في طهارته اراد ان الطاهر لا يتنجس به ووجب الجمع بينه وبين التراب لا انه ليس في طهارته شك لأن الشك في طهوريته انما نشأ من الشك في طهارته واستدل به في البحر على ضعف ما مر عن الخانية اذ لا إفساد بالشك ولقائل ان يمنع قوله لأن الشك الى اخره بان الشك في الطهورية لا يستلزم الشك في الطهارة بخلاف العكس كما هو ظاهر كما في الخانية له وجه وجيه ومر حكم الفرق واما اللبن فرجح في الهداية طهارته وهكذا في منية المصلي قال في البحر وبه اندفع ما في النهاية من ان ما في الهداية لم يرجحه احد وانما المذكور في المحيط انه نجس في ظاهر الرواية ورجحه بعضهم وقال البزدوي يعتبر فيه الكثير الفاحش وصححه التمرتاشي انتهى. ولا يخفى ان الدفع انما يتم على تقدير سبق المنية على الهداية وفيه تردد توضأ به أي بالمشكوك وتيمم أي جمع بينهما على معنى عدم خلو الصلاة الواحدة عنهما حتى لو توضأ بالسؤر وصلى ثم احدث وتيمم وصلى تلك الصلاة جاز هو الصحيح لأن المطهر احدهما لا المجموع فأن كان السؤر صحت ولغت صلاة التيمم او التيمم فبالعكس هذا واختلف في النية في الوضوء بسؤر الحمار والاحوط ان ينوي كذا في الفتح وان فقد أي عدم ماء