الجزء 1 · صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
[1]
كتاب الطهارة
1 - مسألة: الخارج النجس من بدن الآدمي، من أي موضع كان، يوجب انتقاض الطهارة. وعنده من السبيلين.
والوجه فيه - أن الخارج من غير السبيلين يشارك الخارج من السبيلين في الوصف المؤثر في إيجاب الوضوء، فيشاركه في إيجاب الوضوء ..
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأنه يشاركه في خروج، فيكون مشاركًا له في الوصف المؤثر في إيجاب الوضوء.
وإنما قلنا بأن يشاركه في خروج النجاسة، لأن الدم نجس، ولهذا منع جواز الصلاة إذا زاد على الدرهم بالإجماع، وخروج النجاسة وصف مؤثر في إيجاب الوضوء، لأن نجاسة المحل توجب الإخلال بالتقرب إلى المعبود وتمنع التعظيم في العبادة، فمست الحاجة إلى كمال التعظيم في العبادة، وذلك برفع المانع من التعظيم، وهو النجاسة، ورفع النجاسة. إنما يكون بضدها، وهو الطهارة، حكميًّا كان أو حقيقيًا.
الجزء 1 · صفحة 4
فعلم أنه يشاركه في الوصف المؤثر في إيجاب الوضوء، فيشاركه في إيجابه.
فإن قيل: قولكم بأن الخارج من غير السبيلي يشارك الخارج من السبيلين- قلنا: لا نسلم. وظاهر أنه لا يشاركه، لأن الحكم في السبيلين ثبت نصًا غير معقول المعنى، على سبيل التعبد، فلا يتعدى إلى غيره.
ولئن سلمنا أنه يشاركه فيما ذكرتم، ولكن لم قلتم بأن خروج النجاسة وصف مؤثر، أو نقول: الحكم تعلق بحقيقة النجاسة أم بدليلها؟ ع م. وهذا لأن الخارج من السبيلين قد يكون نجسًا كالبول والعَذِرة، وقد يكون طاهرًا كالولد والدود، فلو علقنا الحكم بأحدهما دون الآخر يحتاج الإنسان إلى النظر والتمييز بين خارج وخارج، فيؤدي إلى الحرج والاستقذار- فالشرع أعرض عن اعتبار حقيقة النجاسة وعلق الحكم بدليلها، وقد وجد ذلك في السبيلين، لأنها أعدا لخروج النجاسة خلقة، فكان نفس/ الخروج دليلًا على نجاسة الخارج، ولم يوجد في غير السبيلين، لأنه أعد لخروج الطاهرات كالدمع والبزاق والعرق وغيرها، فلا يكون المخرج دليلًا على نجاسة الخارج.
ولئن سلمنا أن الحكم معلق بحقيقة النجاسة- لكن لم قلتم بأن نجاسة الخارج من غير السبيلين مثل النجاسة الخارجة من السبيلين، ليصح القياس؟ . وبيان التفاوت أن النجاسة الخارجة من السبيلين أغلظ، لأن المحلين أعدا لخروج النجاسة. ثم الدليل على المفارقة بينهما الأحكام:
منها- أن النجاسة القليلة إذا ظهرت على رأس الجرح لا توجب.
الجزء 1 · صفحة 5
ومنها- أن الدودة إذا سقطت منه لا توجد، وإذا سقطت من السبيلين توجب أو ظهرت على رأس الإحليل.
ومنها- أن الريح إذا خرجت من غير السبيلين لا توجب، وإذا خرجت من السبيلين توجب.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ} منسوقًا على قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ}: علق إيجاب الوضوء بالمجئ من الغائط، والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط. وبما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاء فغسل فمه وقال: "هكذا الوضوء من القيء". ولحديث عمر وابن عباس.
الجزء 1 · صفحة 6
الجواب:
- أما قوله بأن الحكم ثمة ثبت غير معقول المعنى -قلنا: لا نسلم، بل ثبت معقول المعنى، وإن كان منصوصًا. والمعقول ما ذكرنا من المناسبة.
- قوله: الحكم تعلق بحقيقة النجاسة أم بدليلها؟ قلنا: بحقيقة النجاسة، لأن المؤثر حقيقة النجاسة على ما مر.
- قوله: التميز متعذر- قلنا: لا حاجة إلى التميز، لأن الخارج من السبيلين لا يكون إلا نجسًا، إما بذاته أو بمجاورة النجس إياه. وإذا أمكن تعلق الحكم بالحقيقة لا ضرورة إلى تعليق الحكم بالدليل، وهو المخرج لأنه عضو طاهر.
- قوله: لم قلتم بأن الخارج مثل الخارج- قلنا: لأن الشرع سوى بينهما في أحكام النجاسة.
- قوله: بأن الملحين أعد لخروج النجاسة- قلنا: بلى، ولكنه عضو طاهر كسائر الأعضاء، فلا تأثير له في غلظ الخارج.
- وأما الأحكام: فالأصل في تخريجها/ أن الطهارة وإنما تنتقض بخروج النجاسة إلا أن الخروج من السبيلين يحصل بمجرد الظهور، لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة، فإذا ظهرت النجاسة علم أنها انتقلت من موضع آخر، وفي غير السبيلين لا يتحقق الخروج إلا بالسيلان، لأن تحت كل بشرة بلة سيالة فتظهر بزوال الحائل، لا بالانتقال، فلا بد من السيلان.
وكذلك الدودة والريح، لا يخلو عن مجاورة قليل النجاسة المنتقلة عن موضع آخر، فيتحقق الخروج. وفي غير السبيلين لا يتحقق الخروج، فافترقا.
وأما الآية- قوله: المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط- قلنا: لا نسلم. وظاهر
الجزء 1 · صفحة 7
أنه لا ينفي وجوده قبل الشرط، فإنه لو علق طلاق امرأته بدخول الدار لا يكون نافيًا طلاقها قبل الدخول على ما عرف.
وأما حديث القيء- قلنا: يحتمل أنه كان ملء الفم فيكون ناقضًا. ويحتمل أنه كان أقل منه فلا يكون ناقضًا. على أن الظاهر من حالة قلة القيء، لقلة أكله، عملًا بالدليل.
وأما حديث عمر- فلا حجة فيه، لأنه صاحب الجرح السائل.
وحديث ابن عباس- محمول على نفي الاغتسال، ردًا على من كان يوجب ذلك، عملًا بالأدلنة.
والله أعلم.
2 - مسألة: النية والترتيب في الوضوء ليسا بشرط. وعنده شرط.
والوجه فيه- أن شرط جواز الصلاة إنما هو الطهارة، وقد حصلت، فتجوز الصلاة، قياسًا على مواضع الإجماع.
وإنما قلنا- لقوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهارة".
وإنما قلنا: قد حصلت الطهارة، لأنه وجد استعمال الماء، والماء طهور مطلقًا، لقوله تعالى: {وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} والطهور اسم لما يطهر غيره نقلًا عن أئمة التفسير واللغة. وإذا وجد استعمال المطهر، تحصل الطهارة ضرورة، فيكتفي به.
فإن قيل: قولكم بأن الطهور اسم لما يطهر غير- قلنا: لا نسلم، بل الطهور اسم للطاهر على سبيل المبالغة، كالأكول اسم للآكل على سبيل المبالغة.
الجزء 1 · صفحة 8
ولئن سلمنا أن الطهور للمطهر، ولكن بمعنى إزالة/ النجاسة الحقيقة أم بمعنى إزالة النجاسة الحكمية؟ م ع غاية ما في الباب أنه مطلق، ولكنهما أمران متغايران، فلو حملنا اللفظ عليهما يؤدي إلى اشتمال اللفظ الواحد على معنيين مختلفين.
ولئن سلمنا أن الطهارة قد حصلت، ولكن لم قلتم بأنه يجوز الصلاة بدون النية للصلاة عند الوضوء؟ .
ثم هذا معارض بالكتاب والسنة.
أما الكتاب-[فـ] قوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ} أي للصلاة.
وأما السنة-[فـ] قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
الجواب:
قوله: الطهور اسم للطاهر- قلنا: لا نسلم، بل اسم للمطهر [في] اللغة [والتفسير].
الجزء 1 · صفحة 9
[قوله: بمعنى إزالة النجاسة الحقيقية أم الحكمية؟ - قلنا: اللفظ مطلق فيتناولهما.
قوله: بأن الطهارة الحقيقية مخالفة للطهارة الحكمية- قلنا: هذه مخالفة من حيث النوع، وإنها لا تمنع دخوله تحت مطلق الاسم، كالرقبة التركية والهندية في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}.
قوله: لم قلتم بأنه تجوز الصلاة بدون النية للصلاة عند الوضوء وإن حصلت الطهارة- قلنا: لأن الطهارة إذا حصلت وجب القول بجواز الصلاة، لقوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهارة": نفي واستثنى، والاسثتناء من النفي إثبات.
وأما الآية- قلنا: نقل عن ابن عباس أنه أضمر فيها "إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم محدثون" فلم قلتم بأنه محدث؟ .
وأما الحديث- قلنا: المراد من الأحاديث الأعمال التي هي عبادة لإجماعنا على أن النية ليست بشرط فيما ليس بعبادة، ونحن نسلم أن الوضوء إذا عرى عن النية لا يقع عبادة، ولكنه يقع وسيلة إلى الصلاة، لما ذكرنا من حصول الغرض، وهو الطهارة، كالسعي إلى الجامع.
الجزء 1 · صفحة 10
3 - مسألة: إزالة النجاسة الحقيقية بما سوى الماء من المائعات الطاهرات جائزة وعنده لا يجوز.
والوجه فيه- أن الخل شارك الماء في كونه مؤثرًا في إزالة النجاسة، فيشاركه في إفادة الطهارة.
وإنما قلنا ذلك- لأن الماء شيء رقيق لطيف فيدخل خلال الثوب/ فتصحبه أجزاء النجاسة. فإذا عصر الثوب يزول عنه الماء فيزول معه ما صحبه من أجزاء النجاسة، والخل يشاركه في هذا الوصف بل فوقه في قلع الآثار، فعلم أن الخل يشارك الماء في كونه مؤثرًا في إزالة النجاسة، فوجب أن يشاركه في إفادة الطهارة، لأن الماء إنما يؤثر في إفادة الطهارة لكونه مؤثرًا في إزالة النجاسة، لأن نجاسة الثوب ما كان باعتبار ذاته، فإن ذاته طاهر، بل اعتبار مجاورة النجاسة إياه، فإذا زالت المجاورة صار الثوب طاهرًا- هذا المعنى موجود في الخل، بل أقوى، فيفيد الطهارة ضرورة.
فإن قيل: قولكم بأن الخل شارك الماء في كونه مؤثرًا لإزالة النجاسة- قلنا: لا نسلم بأنه يؤثر في غزالة النجاسة، وهذا لأن الخل إذا خالط نجاسة الثوب يصير نجسًا، والنجس لا يزيل النجاسة، وهكذا نقول في الماء، إلا أن الشرع حكم ثمة بالطهارة لمكان الضرورة غير معقول المعنى، فلا يتعدى إلى غيره.
ولئن سلمنا أن الخل يؤثر في إزالة النجاسة الحقيقية، ولكن لم قلتم بأنه يؤثر في إفادة الطهارة الشرعية، وهذا لأن المعنى من الطهارة الشعرية كون المحل بحال يجوز أداء الصلاة معه، وهذه الحالة تزول بسبب المجاورة، كما تزول عن أعضاء المحدث بسبب الحدث، ثم زوال السبب وهو عين النجاسة، لا يوجب زوال هذا الحكم- دل عليه أنه لا يجوز إزالة الحدث به.
الجزء 1 · صفحة 11
ثم هذا معارض بقوله عليه السلام: "حتيه واقرصيه واغسليه بالماء".
الجواب:
قوله: الخل بمخالطة النجاسة يصير نجسًا، فلا يزيل النجاسة- قلنا: عنه جوابان:
أحدهما- لا نسلم بأنه يصير نجسًا، بل يبقى طارهًا شرعًا ما دام على المحل، ضرورة إقامة التكليف.
والثاني- أنه يصير نجسًا، ولكن نجاسة المجاورة لا نجاسة الذات. فإذا تقللت المجاورة وزالت النجاسة شيئًا فشيئًا بتكرار الغسل، يبقى الماء الأخير خاليًا من المجاور النجس، فكان طاهرًا.
/قوله: لم قلتم بأنه يؤثر في إفادة الطهارة الشرعية- قلنا: لأنه المعنى من طهارة الثوب شرعًا، كونه بحال يجوز أداء الصلاة فيه، والثوب كان بهذه الحالة، إلا أنه امتنع عمله لمانع، وهو مجاورة النجاسة، فإذا زال المانع، عمل عمله، وصار الثوب بحال لو صلى معه يحصل كمال التعظيم، فاشتراط الماء منع له من ذلك، فلا يجوز، بخلاف المحدث، لأنه نجاسة حكمية، فيتبع في إزالته مورد الشرع، أما ههنا بخلافه وبخلاف المائعا الدسمات، لأن الدسومة مانعة من القلع.
وأما الحديث- قلنا: أوجب الغسل بالماء لغيره، وهو زوال النجاسة، لا لعينه، لأن الغرض هو التطهير بالآية، فإذا حصل المقصود، فلا حاجة إلى اشتراط الماء على التعيين.
والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 12
[2]
كتاب الزكاة
4 - مسألة: الزكاة واجبة في الحلى. ولا تجب عنده.
والوجه فيه- أن الزكاة حكم متعلق بوصف ملازم لعين الذهب والفضة، وهو الثمنية، فيبقى ما بقى العين، قياسًا على حكم الربا: فإنه متعلق بوصف ملازم للذهب والفضة وهو الوزن أو الثمنية.
وإنما قلنا ذلك- لأن سبب وجوب الزكاة مال نام مقدر، لأن الزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، إلا أن الحكم غير متعلق بحقيقة النماء، لأنه قد يحصل وقد لا يحصل، فتعلق الحكم بدليله، وهو التجارة. ولا يمكن أيضًا تعليقه بحقيقة التجارة، لأنها قد توجد وقد لا توجد، فتعلق بدليل التجارة، ودليل التجارة في الذهب والفضة الثمنية، لأنها داعية إلى التجارة، فكانت الزكاة متعلقة بوصف الثمنية، ووصف الثمنية ملازم لعين الذهب والفضة، وإنها باقية بعد الصياغة، لأن المعنى من الثمنية كونه بحال يقدر به مالية الأشياء ويتوصل إليها، وهو بهذه الصفة بعد الصياغة، فيبقى الحكم المتعلق، فتجب الزكاة.
فإن قيل: قولكم بأن سبب وجوب الزكاة مال نام، لأن الزكاة عبارة عن النماء- قلنا: لا نسلم، بل الزكاة عبارة عن الطهارة، فلا يناسبهـ[ـا] النماء.
الجزء 1 · صفحة 13
ولئن/ سلمنا أن سبب وجوب الزكاة مال نام، ولكن لم قلتم بأنه موجود هنا؟ .
قوله- بأن الحكم تعلق بدليل النماء، وهو دليل الثمنية: قلنا: [هل] الحكم تعلق بالثمنية التي تثبت بأصل الخلقة أم بالثمنية التي تثبت باصطلاح الناس؟ ع م. وهذا لأن الذهب والفضة كما يصلحان لجهة الثمنية يصلحان لمصالح أخر، فلا تتعين الثمنية بأصل الخلقة، وإنما تصير الثمنية باصطلاح الناس، وهو الداعي إلى التجارة، والحلي لا تعد للثمنية باصطلاح الناس غالبًا، فلا يجب فيها الزكاة.
ولئن سلمنا بأن الذهب والفضة خلقا في الأصل ثمنًا، ولكن لم قلتم بأنه بقي هذا الوصف بعد الصياغة؟ وهذا لأن الوصف الثابت بأصل الخلقة قد يبطل بعارض من جهة العبد، بأن يجعل العوامل سوائم والسوائم عوامل، فتجب الزكاة مرة وتبطل أخرى، واتخاذه حليًا يشعر بإعداده للإمساك، فكونه ثمنًا يشعر بإعداده للإخراج، وبينهما تناف.
ثم هذا القول معارض بقوله عليه السلام: "لا زكاة في الحلي" وقول ابن عمر: "زكاة الحلي إعارتها".
الجواب:
- قوله: بأن الزكاة عبارة عن الطهارة- قلنا: بلى. ولكن المراد ههنا معنى النماء،
الجزء 1 · صفحة 14
لأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، والأمر بإيتاء الطهارة لا يجوز، فلا يجوز أن يقال "آتوا الطهارة" ولكن يجوز أن يقال "آتوا الزيادة من المال"، فكان ما ذكرناه أولى.
- قوله: الحكم تعلق بالثمنية الثابتة بأصل الخلقة أم باصطلاح الناس؟ قلنا: بالثمنية الثابتة بأصل الخلقة وإن كانـ[ـت] الثمنية الثابتة بالاصطلاح أدعى إلى النماء، لأن الحكم لا يدار على النهاية في الدليل، وإنما يدار على أصل الدليل، كما في السفر مع المشقة.
- قوله: هما لا يتعينان للثمنية- قلنا: لا نسلم، بل يتعينان من حيث إنها هي الخلقة الأصلية منهما، وغيرها تبع.
- قوله: لم قلتم بأنه بقي هذا الوصف بعد الصياغة؟ قلنا: لأنه كان قبل الصياغة، والصياغة لا تبطله حقيقة وشرعًا: أما حقيقة فلأن اتخاذه حليًا يحتمل الإمساك للتحلي ويحتمل/ الصرف في التجارة، لكونه صالحًا لهما، فلا تبطل الثمنية الخلقية بالشك والاحتمال. وأما شرعًا فلأن الشرع أطلق التحلي للنساء، ولو كان مبطلًا لما أطلق، لأنه حينئذ يكون إخلالًا بأعلى المصلحتين لإقامة أدناهما، بخلاف الدواب، لأن كلا من الإسامة والإعمال مصلحة موازنة للأخرى.
وأما الحديث- قالوا: إنه غير ثابت. ولئن ثبت فيحمل على اللآليء والجواهر عملًا بالدليلين.
والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 15
5 - مسألة: لا تجب الزكاة في المال الضمار، وعنده تجب.
والوجه فيه- أن مال الضِمار ليس بنام، فلا تجب الزكاة فيه، قياسًا على ثياب البذلة.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأنه لو كان ناميًا: إما أن يكون ناميًا حقيقة، أو تقديرًا بقيام دليل النماء- لا وجه للأول لأنه لم يوجد حقيقة لأن الكلام فيه. ولا وجه للثاني لأن دليل النماء هو التجارة، ودليل التجارة القدرة عليها، ولم توجد القدرة ههنا- لأن ذلك إنما يكون ابالنبش والنبس إنما يكون بالتذكر، والتذكر غير مقدور له، فلا يكون ناميًا، لا بحقيقته ولا بدليله، فلا تجب الزكاة لانعدام السبب المناسب.
فإن قيل: التعليق يشكل بالمال الموضوع في صندوقه إذا نسيه حتى حال الحول، وبالدين على المفلس المقر، والمال المدفون في البيت، والكرم إذا نسى مكانه، والوديعة إذا نسى المودع، ومال ابن السبيل- فإنه تجب الزكاة في هذه الصور مع وجود ما ذكرتم.
ثم نقول: لا نسلم بأن دليل النماء هو القدرة على التجارة، بل دليل النماء صلاحيته للتجارة عند تصور التجارة، وقد وجد ههنا.
الجزء 1 · صفحة 16
ولئن سلمنا أن دليل النماء هو القدرة، ولكن لم قلتم بأنه لم توجد؟ وهذا لأن القدرة بالتذكر، والتذكر غالب الوجود، وإن لم يوجد فبله الحكم عليه، كما في السفر مع المشقة.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: {والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} وقوله عليه السلام: "في الرقة ربع العشر" إلى غيرها من النصوص مطلقًا من غير فصل.
الجواب:
أما المال الموضوع في الصندوق-[فـ] لا يرد نقضًا، لأن التذكر/ ثم أغلب والنسيان نادر، أما ههنا على العكس.
وأما الدرين على المفلس- قلنا: القدرة ثابتة ثمة في الجملة، بأن يشتري شيئًا بالدراهم ويحيل البائع عليه.
وأما المال المدفون في البيت- فطريق الوصول في يده، وهو نبش كل البيت.
ومسألة المودع- إن لم يعرف في الابتداء، لا تجب الزكاة فيه. وإن عرفه ثم نسيه تجب، لأن نسيان من يودع نادر، فألحق بالعدم.
وأما المدفون من الكرم-[فقد] اختلف المشايخ فيه، فمنع.
الجزء 1 · صفحة 17
وأما مال ابن السبيل-[فـ] مال نام، لأنه قدر على استنمائه، إما بنفسه بأن يذهب إليه، أو بنائبه.
قوله: بأن دليل النماء هو الصلاحية للتجارة- قلنا: ليس كذلك، لأن الصلاحية قد تفضي وقد لا تفضي، إذ ليس كل ما يصلح لأمر يستعمل في ذلك ليربو.
قوله: بأن التذكر غالب- قلنا: لا نسلم، بل هو محتمل احتمالًا على السواء.
ولئن سلمنا أنه غالب، ولكن إنما يكون قادرًا عند وجود طريقه، فإذا لم يوجد حتى ثم الحول، لم يكن الاعتذار دليلًا، بخلاف السفر، فإن المشقة فيه غالبة والترفه نادر.
وأما النصوص- قلنا: هذه عمومات خصت منها ثياب البذلة وبدل الكتابة غيرها- فيخص المتنازع فيه، بما ذكرنا من الدليل.
والله أعلم.
6 - مسألة: المستفاد من جنس النصاب يضم إلى ما عنده من النصاب في حكم الحول. وأنه تجب الزكاة فيه عند تمام الحول على الأصل. وعنده لا يضم.
والوجه فيه- أن اشتراط الحول للمستفاد يؤدي إلى العسر، فوجب أن لا يشترط، قياسًا على الأولاد والأرباح.
وإنما قلنا ذلك- لأن أسباب المستفاد يكثر وجودها، فلو شرطنا الحول لكل مستفاد، يحتاج إلى اعتبار ابتداء الحول وانتهائه لكل مستفاد فيؤدي إلى العسر، والحول في باب الزكاة حيث شرط إنما شرط لدفع العسر والحرج، فإذا أدى إلى العسر والحرج وجب أن لا يشترط كما قلنا في الأولاد والأرباح.
الجزء 1 · صفحة 18
فإن قيل: التعليل يشكل بالمستفاد بخلاف الجنس ثم يقول: أيش/ تعني بأن اشتراط الحول في المستفد يؤدي إلى العسر؟ - تعني به أصل المشقة أو تعني به نهاية المشقة الخارجة عن الوسع؟ إن عنيت به الأول، فهو المقصود من العبادات. وإن عنيت به الثاني فلا نسلم أنه ثابت ههنا، وإن سلمنا أنه يؤدي إلى العسر. ولكن لم قلتم بأنه لا يشترط؟ .
وأما القياس على الأولاد والأرباح- قلنا: الفرق ظاهر، وهو أنا قلنا ثم بالضم لعلة التبعية، والتبع له حكم الأصل، أما ههنا بخلافه.
ثم هذا معارض بقوله عليه السلام "لا زكاة في مال حتاي حول عليه الحول" وبقوله عليه السلام: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول الحول".
الجواب:
أما المستفاد بخلاف الجنس- إنما لا يضم، لأن اشتراط الحول لا يؤدي إلى العسر، لأنه لا يكثر وجوده. أما هنا بخلافه.
قوله: أيش تعني بالمشقة؟ قلنا: تعني بها المشقة الزائدة على المشقة الحاصلة بنفس أداء الزكاة لما ذكرنا، لا أصل المشقة.
قوله- بأن الضم في الأولاد إنما كان للتبعية- قلنا: لا نسلم، بل كان لما ذكرنا، من دفع الحرج، لمكان المناسبة.
وأما الأحاديث- قلنا: عمومات خص منها البعض، والعام إذا خص منه البعض
الجزء 1 · صفحة 19
بقي حجة. على أن قوله: "من استفاد مالًا"- الصحيح أنه من كلام ابن عمر، وقول صحابي واحد لا يكون حجة.
7 - مسألة: أثمان الإبل المزكاة لا تضم إلى ما عنده من النصاب في حكم الحول.
والوجه فيه- أن إيجاب الزكاة في ثمن الإبل المزكاة عند تمام الحول على الأصل، يؤدي إلى أداء الزكاة مرتين، في مال واحد، في حول واحد، فوجب أن لا يجب.
وإنما قلنا ذلك- لأن المال وإن اختلف صورة، فهو متحد معنى، لأن الثمن قائم مقام المثمن.
وإنما قلنا بأن الحول متحد- لأن الزكاة إنما تجب في الثمن بحول يحول على الأصل، وقد مضى بعض حول الأصل على عين الإبل، وأداء زكاتها، فلو وجب الزكاة في بقية الحول في الثمن، كان ثنى وذلك منفي لقوله عليه السلام: "لا ثنى في الصدقة".
فإن قيل: قولم بأن المال واحد- قلنا: لا نسلم، بل تغايرا حقيقة وحكمًا: أما/ حقيقة فلأن حقيقة الدراهم غير حقيقة الإبل. وأما حكمًا فلأن الزكاة تعلقت بالإبل من حيث إنها عين الإبل، لا من حيث إنها مال، بدليل أنه لا يعتبر قيمتها.
الجزء 1 · صفحة 20
ولئن سلمنا أن المال متحد، ولكن لم قلتم بأن الحول متحد، أو نقول: الحول متحد حقيقة أم حكمًا؟ ع م- بيانه: وهو أنا جعلنا حول الأصل حائلًا على الثمن حكمًا لا حقيقة فلم يتحد الحول.
ولئن سلمنا اتحاد المال والحول- ولكن لم قلتم بأنه لا يجوز؟ .
وأما حديث الثنى- قلنا: الحديث عن الثنى مطلقًا، فيصرف إلى الثنى من كل وجه، وهذا ثنى من وجه دون وجه، فلا يتناوله الحديث.
الجواب:
قوله: بأن الزكاة تعلقت بالإبل من حيث إنها عين الإبل، لا من حيث إنها مال- قلنا: لا نسلم بل تعلقت من حيث إنها مال، لأن الزكاة وإن تعلقت بالنصُب من حيث أعيانها، ولكن تعلقت أيضًا بوصف المالية في كل المواضع، لاقتضاء النصوص نحو قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} و {وفِي أَمْوَالِهِمْ} و"هاتوا ربع عشور أموالكم". ولأن الزكاة وجبت شكرًا لنعمة هذه الأعيان من حيث إنها مال، والثمن أقيم مقام الإبل بوصف المالية فاتحد المال معنى، إلا أن الشرع قدر مالية الإبل بخمسة أعداد كما قدر مالية الدراهم بالمائتين.
قوله: الحول متحد حقيقة أم حكمًا؟ قلنا: لما ثبت أن الثمن بدل الإبل، وقيام البدل كقيام المبدل، فصار كأن الإبل قائمة معنى، ولو كان هكذا كان إيجاب الزكاة
الجزء 1 · صفحة 21
في مال واحد في أقل من سنتين مرتين، وإنه يؤدي إلى الثني.
قوله- بأن الحديث ينفي الثني من كل وجه، وهذا ثني من وجه دون وجه- قلنا: الحديث ينفي الثني مطلقًا، وهو تثنية الزكاة، إلا أنا توافقنا على أن الثني عند تعدد الحول وتعدد المال صورة ومعنى غير مراد- فبقي الثني، عند اتحاد الحول والمال، معنى مرادًا بالنص، عملًا بالنص بقدر الإمكان.
والله أعلم.
8 - مسألة: مسألة المديون بقدر الدين لا ينعقد سببًا لوجوب الزكاة.
والوجه فيه- أن الزكاة لو وجبت عليه لا يخلو: إما أن تجب على وجه يؤدي من هذا المال أو يؤدي من مال آخر- لا وجه/ للأول، لأن هذا المال واجب الصرف إلى الدين، لأن الكلام فيما إذا لم يكن له مال آخر سواه، والدائن يضيق عليه بالمطابقة، ومطل الغني ظلم، فلو صرف إلى الفقير يكون إخلالًا بالواجب وظلمًا وإنه حرام. ولا وجه للثاني لأن الكلام فيما إذا لم يقدر على مال آخر أصلًا، فانتفى الوجوب، قياسًا على ثياب البذلة.
فإن قيل- قولكم بأن هذا المال واجب الصرف إلى الدين- قلنا: لا نسلم.
قوله- الكلام فيما إذا لم يكن له مال آخر- قلنا: نعم، ولكن يمكن قضاء الدين بواسطة الاكتساب والاستقراض، فلا يتعين هذا المال بدليل أنه لا يتعلق الدين بعينه، حتى لا يسقط الدين بهلاك هذا المال، ولا يكون للدائن منع التصرف فيه.
ولئن سلمنا أنه متعين لقضاء الدين، لكن كله أم ما وراء قدر الزكاة منه؟ ع م.
بيانه- أنه إذا حال الحول صار قدر الزكاة مستحقًا للفقير، فلا يبقى ملكًا له، فلا يجب عليه قضاء الدين من هذا القدر، لعدم ملكه.
الجزء 1 · صفحة 22
ولئن سلمنا أن كله واجب الصرف إلى الدين- ولكن لم قلتم بأنه لا يجوز أن يكون أيضًا واجب الصرف إلى الفقراء، فيجتمع الواجبان، كالصلاة مع إنجاء الغريق وغيرها؟ .
ولئن سلمنا أنه لا تجب الزكاة لتؤدي من هذا المال ولا من مال آخر- ولكن لم قلتم بأنه لا تجب الزكاة دينًا في ذمته ليؤدي عند القدرة، كما قلنا في الحائض إذا طهرت في آخر جزء من الوقت والكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ؟
الجواب:
قوله- يمكن قضاء الدين بواسطة الاكتساب والاستقراض- قلنا: قضاء الدين واجب في الحال وإنه قادر على هذا المال، والاستقراض يحتمل الحصول، والمحتمل لا يعارض القطعي، والكلام فيما إذا تعين هذا المال لدفع ضرر الحبس المعجل.
قوله -لا يتعلق الدين بعينه- قلنا: تعلق الإنسان بمال الغير خلاف الدين إلا للضرورة، والضرورة في المرض، أما لا ضرورة في الصحة. وإنما لا يسقط الدين بهلاك هذا المال، لأنه ثابت في الذمة/ والذمة باقية، وأما الأداء فمتعين منه ههنا، بخلاف هلاك النصاب لأنه في المال.
قوله: تعين لقضاء الدين كله أم ما وراء قدر الزكاة؟ - قلنا: كله.
قوله: صار قدر الزكاة ملكًا للفقير وحقًا له- قلنا: لا نسلم، وإنما يكون كذلك أن لو وجبـ (ـت) الزكاة، وقد بينا أنه لا تجب الزكاة حقًا للدائن ودفعًا لضرر الحبس عن المديون.
قوله: لم لا يجوز أن يجتمع الواجبان؟ - قلنا: لتعذر الجمع. ولئن ثبتا يكون
الجزء 1 · صفحة 23
أحدهما ممنوعًا، والآخر مأمورًا. كما قلنا في الصلاة مع إنجاء الغريق: فالمأمور هو الإنجاء لا غير، وههنا المأمور هو القضاء لا غير، لما بينا.
وأما قوله: لم قلتم بأنه لا تجب الزكاة دينًا في ذمته؟ - قلنا: لأن الشيء إنما بقي في الذمة إذا وجد السبب المقتضي للوجوب، ولم يوجد، لما ذكرنا- بخلاف ما ذكر من الأحكام، لأنه وجدت أسبابها.
9 - مسألة: من عليه الزكاة إذا فرط في أداء الزكاة حتى هلك النصاب سقطت عنه الزكاة.
والوجه فيه- أن واجب الزكاة جزء من النصاب، فيسقط بهلاكه.
وإنما قلنا ذلك- لقوله عليه السلام: "هاتوا ربع عشور أموالكم: من كل أربعين درهمًا درهمًا". وقوله "في الرقة ربع العشر"- فبعض هذه النصوص وردت بكلمة "من" وإنها للتبعيض، وبعضها بكلمة "في" وإنها للظرفية، وذلك يقتضي الجزئية، فيسقط بهلاكه، كالعبد الجاني.
فإن قيل: [قلنا]: يشكل هذا بالاستهلاك.
وأما قولكم: الواجب جزء من النصاب- قلنا: هذا يناقض مذهبكم، لأن عندكم
الجزء 1 · صفحة 24
المعتبر قيمة الواجب يوم الوجوب لا عينه، ولأن الواجب لو كان جزء النصاب لتعلق حق الفقير به، ولمنع من التصرف فيه، كما في المريض مرض الموت، ولأنه لو أدى من مال آخر جاز.
فهذا كله ينفي كون الواجب جزءً من النصاب.
وأما الأحاديث:
قولكم: بأن كلمة "من" للتبعيض- قلنا: كما هي للتبعيض تكون للجنس والتمييز أيضًا.
وقوله: كلمة "في" للظرفية- قلنا: كما/ تستعمل للظرفية تستعمل في السببية، كقوله "في العنين الدية". ولئن سلمنا بأنها للظرفية، ولكن الظرف غير المظروف، فيكون الواجب غير النصاب، لا جزءه، لأن جزء الشيء ليس بغيره.
ولئن سلمنا أن الواجب جزء النصاب- ولكن لم قلتم بأنه يسقط بهلاكه؟ وهذا لأن الواجب دخل في ضمانه بالتفريط، لأن الزكاة واجبة على الفور، لإطلاق الأمر، فإذا منع الحق بعد طلب المستحق بضمن، كالوديعة وصدقة الفطر.
الجواب:
أما الاستهلاك- قلنا: ثم إن هلك المال حقيقة، ولكن بقي معنى، لأن الظاهر
الجزء 1 · صفحة 25
هو الاستهلاك في وجه الانتفاع، أو لأنه بالاستهلاك صار جانبًا على الشرع، فيجب عليه الضمان.
قوله: المعتبر عندكم قيمة الواجب- قلنا: المعتبر عندنا عين الشاة، والواجب أداؤها عينًا، إلا أن للمالك ولاية النقل إلى مطلق المال بشرط بقاء النصاب، فإذا هلك يسقط.
قوله: لو كان الواجب جزء النصاب لتعلق به حق الفقير- قلنا: وقد تعلق به، إلا أنه لم يمنع من التصرف ليتمكن المالك من تثميره نظرًا له وللفقير، بخلاف المريض فإنه عاجز عن التثمير.
قوله: لو أدى من مال آخر، جاز- فالجواب عنه ما مر.
قوله: كلمة "من" للتمييز- قلنا: نعم إذا أضيف إلى غير جنسه، كقولكم: باب من حديد. وإن أضيف إلى الجنس فهو للتبعيض، كقولهم: رجل من الرجال.
قوله: بأن كلمة "في" للسببية أيضًا –قلنا: هي للسببية والظرفية جميعًا، ولا تنافي بينهما، فإن المعنى يجمعهما وهو الاتصال.
قوله: بأن الظرف غير المظروف- قلنا: بلى، وجزء النصاب غير النصاب من حيث إنه واجب، والنصاب سبب للوجوب، وهذا القدر من المغايرة يكفي للظرفية.
قوله: الواجب دخل في ضمانه بالتفريط- قلنا: وجوب الضمان يستدعي سابقة الجناية ولم توجد، لأن التأخير عن أول أوقات الإمكان لم يكن جناية ولا/ منعًا بعد الطلب.
الجزء 1 · صفحة 26
10 - مسألة: دفع القيم في باب الزكاة جائز
والوجه فيه- أن أداء قيمة الشاة يسد مسد أداء عين الشاة في استيفاء المصحة المطلوبة من الأداء إلى الفقير، فيجوز قياسًا على ما إذا أدى واحدة من خمس إبل، لأن الكفاية كما تحصل بملك عين الشاة تحصل بملك القيمة بل أولى، لأن تملك عين الشاة لا يتوسل في الحال إلا إلى نوع كفاية وهو الأكل، وتملك الدراهم يتوسل إلى أنواع من الكفاية.
فإن قيل: التعليل يشكل بما إذا أعار داره أو أجرها بنية الزكاة، فإنه لا يجو. وكذا لو أدى ربع صاع من حنطة تعادل قيمته قيمة نصف صاع من حنطة وسط أو قيمة صاع من شعير- لا يجوز مع ما ذكرتم. وكذلك إذا أضاف الفقير فإنه لا يجوز.
ثم نقول: لا نسلم بأن أداء القيمة يسد مسد أداء العين. وهذا لأن المطلوب من أداء الشاة أداء عينها. وهذا لا يحصل من القيمة.
ثم هذا القول معارض بما روى أبو داود في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذ ابن جبل إلى اليمن فقال: "خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر". ولأن الزكاة من باب العبادات، والحكم فيها ثبت تعبدًا غير معقول المعنى ولا معلل، فلا يجوز ترك المنصوص والأخذ بالرأي والقياس هـ.
الجواب:
أما إذا أعار داره بجهة الزكاة- إنما لا يجوز، لأن الواجب أداء المال إلى الفقير وتمليكه منه، ولم يوجد، لن الإعارة تمليك المنافع لا تمليك الأعيان- وهو الجواب عن إجارة الدار بنية الزكاة.
الجزء 1 · صفحة 27
وأما إذا أدى ربع صاع من حنطة عن صاع إنما لا يجوز، لأن الحنطة منصوص عليها، والمؤدي وهو الربع وقع عن الربع، فلو وقع/ عن الباقي يقع باعتبار الجودة، والجودة ساقطة الاعتبار في الأموال الربوية، بخلاف الشاة ههنا، لأنها ليست من الأموال الربوية. ولهذا لو باع شاة بشاتين يجوز، فيجوز أداء القيمة.
وأما الضيافة- فلأنها إباحة، وليست بتمليك، فلا يجوز.
قوله: المقصود من أداء الشاة أداء عينها- قلنا: ليس كذلك، بل مقصود الشارع إغناء الفقير، لمكان المناسبة، وإنه يحصل بالقيمة.
وأما النص- قلنا: النص يقتضي أن أداء الزكاة إلى الفقير واجب حقًا لله، وقضاء لحق الفقير الذي له عند الله بحكم وعد الرزق، وإنه يحصل بأداء القيمة ولا يمنع الخروج عن العهدة بطريق من الطرق.
والله أعلم.
11 - مسألة: الزكاة لا تجب على الصبي والمجنون.
والوجه فيه- أن الزكاة عبادة، فلا تجب على الصبي، قياسًا على الصلاة.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأن العبادة في اللغة عبارة عن التعبد والتذلل- من قولهم: طريق معبد أي مذلل. سميت العبادة عبادة لأنه فعل يقع به التذلل والتعبد والانقياد لله، والعبادة على هذا التفسير لا تتأتى إلا باختيار صحيح، لا تتأتى من الصبي والمجنون، كما لو أدى بنفسه.
فإن قيل: قولكم بأن الزكاة عبادة- قلنا: لا نسلم. وبيان أنها ليست بعبادة أنه يجري فيها الجبر والاستخلاف والنيابة، وهي لا تجري في العبادات.
الجزء 1 · صفحة 28
ولئن سلمنا أنها عبادة، ولكن عبادة تجري فيها النيابة أم لا تجري؟ م ع. الأول- فلم قلتم بأنه إذا جرت فيها النيابة لا يتأتى من الصبي إما بنفسه وإما بنائبه. وهذا لأن الولي أن القاضي نائب الصبي واختيار النائب اختيار المنوب- دل عليه العشر وصدقه الفطر: إن فيهما معنى العبادة، ومع هذا تجب على الصبي.
ولئن سلمنا أن الشرط هو الاختيار الحقيقي بنفسه/ ولكن يتحقق بعد البلوغ- فلم قلتم بأنه لا يجب في الحال ليؤدي بعد البلوغ، كما في وجوب الصوم على المجنون.
ثم هذا القول معارض بالعمومات، وبقوله عليه السلام: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كي لا تأكلها الزكاة" وفي رواية "كي لا تأكلها الصدقة" وإنما تأكل إذا كان واجبًا.
وقوله عليه السلام: "من ولى يتيمًا فليزك ماله" وفي رواية "فليؤدِّ زكاه ماله" هـ.
الجواب:
أما الجبر والاستخلاف والنيابة- قلنا: إنما تجري هذه الأحكام فيها، لأنها وإن كانت عبادة، ولكن عبادة فيها حق العباد، فشرع فيها هذه الأحكام، إيصالًا للحق إلى الفقراء بأبلغ الوجوه، وإن كانت عبادة، إذ لا تنافي بينهما.
الجزء 1 · صفحة 29
وأما النيابة- قلنا: إنما تثبت بطريق النيابة، بأن يجعل فعله فعل المنوب واختياره اختياره، ولم يوجد ههنا، لأن الولي قائم مقام الصبي في بعض الأحكام، فأقامه الشرع جبرًا من غير اختيار الصبي.
وأما العشر وصدقة الفطر- فلأنها مؤنة، ومعنى العبادة فيها تبع، والصبي من أهل وجوب المؤنات، كالنفقات والضمانات.
قوله: لم لا تجب ليؤدي بعد البلوغ؟ قلنا: إنما تجب في الحال ليؤدي بعد البلوغ إن لو تصور أداؤه في الحال، لأن إيجاب ما لا يتصور لا يعقل، وهذا الفعل لا يتصور من الصبي كما ذكرنا، فلا يجب في الحال، فلا يجب بعد البلوغ.
وأما الحديث- قلنا: غير صحيح. ولئن صح فالمراد منها النفقة وصدقة الفطر.
والحديث الثاني غير صحيح. ولئن صح فالمراد منه –والله أعلم- التنمية لأن التزكية عبارة عن التنمية لغة، وذلك بالتجارة وهي استرباح.
الجزء 1 · صفحة 30
[3]
كتاب الصوم
12 - مسألة: إذا صام رمضان بمطلق النية أو بنية النقل أجزأه- خلافًا له.
والوجه- أنه أتى بما أمر به/، فوجب أن يخرج عن العهدة، قياسًا على ما إذ نوى الفرض.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأن المأمور به هو الصوم، وقد أتى به، لأن الصوم هو الإمساك في اللغة، لقولهم "خيل صيام وخيل غير صائمة"، وقد أتى بالإمساك، فهذا يقتضي أن يخرج عن العهدة بمجرد الإمساك، إلا أنا توافقنا على اشتراط شرط زائد، وهو أصل النية: فإذا وجد الإمساك مع أصل النية يخرج عن العهدة.
فإن قيل: قولكم إن المأمور به هو الصوم وقد أتى به- قلنا: لا نسلم بأنه أتى بالصوم.
قوله: الصوم هو الإمساك- قلنا: لغة أو شرعًا؟ م ع. وهذا لأن اسم الصوم انتقل عن موضوعه، لأنا أجمعنا على أنه لو حلف أن لا يصوم فأمسك بدون النية لا يحنث. وكذا في صورة النزاع: إذا أمسك بدون النية لا يخرج عن العهدة، فعلم أنه انتقل إلى الإمساك مع النية. فعندكم إلى الإمساك مع أصل النية. وعندنا إلى الإمساك مع النية المطلقة.
والدليل على أنه انتقل إلى ما ذكرنا أنا أجمعنا على أنه لو أمسك في باب القضاء والنذور والكفارات بمطلق النية لا يخرج عن العهدة مع أن المأمور به هو الصوم.
الجزء 1 · صفحة 31
ثم معارض بقوله عليه السلام: "الأعمال باليات ولكل امرئ ما نوى" وإن نوى النقل فيكون له النفل لا الفرض.
الجواب:
قوله: الصوم هو الإمساك لغة أو شرعًا؟ قلنا: هو الإمساك لغة، والإمساك، أصل النية شرعًا وقد وجد.
وأما مسألة الحلف- فإنما لا يحنث لأن غرض الحلف هو الصوم الذي هو عبادة لا مجرد الإمساك، وذلك لا يحصل إلا مع النية.
وأما القضاء والكفارات والنذر المعين، فإنما/ لا يخرج عن العهدة، لأنه غير مأمن به في هذا الزمان على التعيين، بل في زمان بعينه، وذلك بتعيين النذر.
وأما الحديث- قلنا: عام خص منه البعض، فيختص المتنازع فيه.
والله أعلم.
13 - مسألة: صوم رمضان يتأدى بنية من النهار قبل الزوال، خلا له.
والوجه فيه- أنه أتى بما أمر به، فيخرج عن العهدة، كما إذا نوى من الليل
الجزء 1 · صفحة 32
وبيان الوصف والتأثير ما مر في المسألة المتقدمة. فهذى تقتضي أن يخرج عن عهدة الأمر بالإمساك العاري عن النية والإمساك المنوي قبل الزوال وبعده كما قال زفر، إلا أن ذلك خرج عن قضية النص بالدليل، فبقى المتنازع فيه داخلًا.
فإن قيل: قولكم بأنه أتى بما أمر به، وهو الإمساك- قلنا: أتى بالإمساك المطلق أم بالإمساك الذي هو عبادة؟ م ع. وهذا لأن بعض الإمساك وهو الإمساك في أول اليوم خلا عن النية. فلا يقع عبادة في أول اليوم، فلا يقع عبادة في باقي اليوم، لأن الصوم لا يتجزأ.
ثم نقول: الواجب عليه إمساك هو عبادة لأنه مأمور به، والإمساك يتردد بين الحمية والعادة والعبادة، فلا تتعين العبادة إلا بالنية، وقد انعدمت النية في أول النهار حقيقة وتقديرًا، لأن إرادة الفعل في الزمان الماضي محال والنية ليست إلا الإرادة، وصار هذا كالنية بعد الزوال.
ثم هذا معارض بقوله عليه السلام وهو ما روى ابن عمر عن حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الترمذي والسجستاني والنسائي في كتبهم.
الجزء 1 · صفحة 33
الجواب:
أما قوله: الإمساك في أول النهار خلا عن النية، فلا يكون عبادة- قلنا: هذا باطل بصوم النفل، فإنه قد يخلو الإمساك عن النية في أول/ النهار، ومع هذا يكون عبادة، فإنه روت عائشة قالت: "دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا- قال: فإني إذن أنا صائم".
ونفس العبادة لا تتفاوت بين الفرض والنفل، وإذا صح في تلك الصورة وجب أن يصح ههنا صيانة لصوم رمضان عن التفويت بخلاف ما إذا نوى بعد الزوال، لأن ذلك مما لم يوجد له نظير في الشرع.
وأما الحديث- قلنا: ذكر الترمذي أن هذا من قول ابن عمر. ولئن سلمنا أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه محمول على نفي الفضيلة، كي لا يلزم ترك العمل بالعموم في حق النفل.
والله أعلم.
14 - مسألة: المجنون إذا أفاق في بعض الشهر يلزمه قضاء ما مضى- خلافًا له. وإذا استوعب كل الشهر لا يلزم القضاء بالإجماع.
الجزء 1 · صفحة 34
والوجه فيه- أن المجنون لم يأت بالواجب عليه فيما مضى من الشهر، فوجب عليه القضاء قياسًا على المغمى عليه.
وإنما قلنا ذلك- لأنه لم يأت بالصوم، وقد وجب عليه فيما مضى.
وإنما قلنا إنه وجب عليه فيما مضى- لأن عموم النص يتناوله، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} أي فرض. والمجنون موصوف بصفة الإيمان. وإذا ثبت أنه وجب عليه، وقد فاته لعدم الأهلية، يجب عليه القضاء إخراجًا له عن عهدة الواجب.
فإن قيل: قولكم بأن الصوم وجب عليه- قلنا: لا نسلم.
والدليل على عدم الوجوب ان تفسير الواجب أنه لو أتى به يثاب عليه ولو ترك يعاقب، وهذا منتفٍ في حق المجنون.
وأما الآية- قلنا: لا تتناول المجنون لأن شرط تناول الخطاب فهم الخطاب والقدرة على الفعل، ولم يوجد ذلك في حقه، بخلاف النائم والمغمى عليه/ لأنه وجد في حقهما دليل الفهم والقدرة وهو العقل، والحكم يجار على دليل الشرط لا على حقيقته، أما ههنا بخلافه، وصار كالمجنون المستوعب كل الشهر، فإنه لا يلزم القضاء مع وجود ما ذكرتم.
الجواب:
قوله: الواجب ما لو أتى به يثاب عليه ولو ترك يعاقب- قلنا: لا نسلم، بل الثواب بالفعل والعقاب بالترك حكم الوجوب، وحكم الشيء قد يتراخى عنه لمنافع.
ثم نقول: الواجب عبارة عن فعل يقتضي استحقاق الثواب بالإتيان به، واستحقاق العقاب بتركه. وهذا إشارة إلى أن الوجوب وجوبان: أصل الوجوب وهو ما ذكرنا، ووجوب الأداء وهو ما ذكرتم. ومثاله. الواجبات الموسعة: فإنه لا يعاقب بتركها- كذا هذا.
الجزء 1 · صفحة 35
وأما قوله: شرط تناول الخطاب الفهم والقدرة- قلنا: في الحال أم في الجملة؟ ع م، والفهم والقدرة موجودان في حق المجنون في الجملة، على تقدير الإفاقة، وذلك يكفي لتناول الخطاب، كما قلنا في النائم والمغمى عليه.
قوله: وجد في حقهما دليل الفهم والقدرة، وهو العقل- قلنا: عنه جوابان: أحدهما- أن الجنون عبارة عن استتار العقل لا عن عدم العقل، فإن اللفظ ينبئ عنه لغة. والثاني- أن النائم والمغمى عليه عاجزان عن استعمال العقل، ولا فرق بين العديم والعاجز في حق الاستعمال. وأما الجنون المستوعب- قلنا: وجوب القضاء امتنع لمانع وهو الحرج، وإن كان ما ذكرنا من المقتضى موجودًا. أما ههنا بخلافه.
15 - مسألة: النذر بصوم يوم النحر وأيام التشريق يصح.
والوجه فيه أنه نذر بصوم مشروع، فينبغي أن يصح، كما إذا نذر بصوم رجب.
وإنما قلنا إنه مشروع- لأن صوم سائر الأيام إنما كان مشروعًا لكونه شاقًا على البدن مخالفًا لهوى النفس، والصوم في هذه الأيام بهذه المثابة فيكون مشروعًا.، / وإذا كان مشروعًا وجب أن يتمكن من تحصيله بواسطة النذر إما قضاء أو أداء، تحصيلًا لمصلحة الثواب.
فإن قيل: لا نسلم بأنه نذر أولًا، وهذا لأن النذر حكمه الوجوب، وبالإجماع لا يجب صوم هذه الأيام. وإن ادعيتم صوم أيام أخر، فالتعليل وقع ضائعًا، لأنكم عللتم
الجزء 1 · صفحة 36
لكون [صوم] هذه الأيام مشروعًا.
ولئن سلمنا أنه نذر، ولكن لم قلتم بأن صوم هذه الأيام مشروع؟ - وهذا لأن المشروع ما يكون مأذونًا فيه، وإنه ممنوع بالنص والإجماع: أما النص [فـ] قوله عليه السلام: "ألا لا تصوموا في هذه الأيام". والإجماع منعقد على أنه يمنع عن صوم هذه الأيام. ولأنا أجمعنا على أنه لو صام هذه الأيام عن واجب آخر قضاء، لا يجوز، ولو كان مشروعًا لجاز.
ولئن سلمنا أنه مشروع، ولكنه معصية، لأنه منهي عنه والنذر بالمعصية لا يصح، لقوله عليه السلام: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
ولئن سلمنا أنه ليس بمعصية، ولكن لم قلتم بأنه وجب أن يتمكن من تحصيله إحرازًا للثواب؟ وظاهر أنه لا يتمكن، لأن تمكنه منه مع منع الشرع عنه محال.
ثم نقول: إنكم قلتم بوجوب الصوم في هذه الأيام واستيفاء المصلحة المعلقة به، ثم قلتم: الأولى أن يفطر ولا يستوفي المصلحة، وهذا تناقض بين.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنه نذر؟ - قلنا: لأنه أتى بصيغة النذر.
الجزء 1 · صفحة 37
قوله: لا يجب صوم هذه الأيام- قلنا: لا نسلم، بل يجب وفاء بالنذر وإن كان ممنوعًا. ويجوز أن يكون الفعل واجبًا بمعنى استحقاق العقاب بتركه والشرع يمنع عنه لمانع، كالصلاة مع إنجاء الغريق وإنقاذ الحريق.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه.
وأما قضاء صوم آخر، فلأنه وجب كاملًا فلا يجوز إدارة ناقصًا، / فإن صوم هذه الأيام وإن كان مشروعًا ولكنه ناقص لمكان النهي.
قوله: الصوم في هذه الأيام معصية- قلنا: نفس الصوم من حيث إنه صوم لا يكون معصية. وإنما العصيان غيره وهو ترك الإجابة، فصار كالصلاة في الأرض المغصوبة، فإنه يصح، وإن كان سببًا لمعصية.
وأما قوله: تمكنه من استيفاء المصلحة مع منع الشرع محال- قلنا: الشرع أطلق استيفاء المصلحة في الجملة، إلا أن المنع ههنا ثبت بحكم العارض.
وبه خرج الجواب عما ذكر من التناقض.
16 - مسألة: إذا أكل أو شرب في نهار رمضان عامدًا، تلزمه الكفارة.
والوجه فيه- أن الكفارة في باب الوقاع تعلق وجوبها بجناية إفساد الصوم، وقد حصل إفساد الصوم بالأكل والشرب، فوجب القول بوجوب الكفارة.
وإنما قلنا ذلك- لأن المواقعة في نهار رمضان إنما كانت جناية من حيث إنها إفساد الصوم، لا من حيث إنها مواقعة الأهل، لأنه حلال، وإفساد الصوم ذنب، والحاجة مست إلى رفع الذنب، والشرع أوجب الكفارة في الوقاع، وإنها صالحة لرفع الذنب، لقوله تعالى: {إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، فغلب الظن أن الوجوب إنما كان لهذا.
الجزء 1 · صفحة 38
فإن قيل: هذا التعليل في الوضع فاسد، لأانه إيجاب الكفارة بالقياس، والكفارة من باب المقادير، فلا يجوز إثباتها بالقياس. [قلنا: ليس كذلك. وسيأتي في الجواب].
وأما قوله بأن إفساد الصوم ذنب، والحاجة مست إلى رفع الذنب- قلنا: رفع الذنب يقتضي وجود الذنب، والأصل في هذا الباب حديث الأعرابي: أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تائبًا نادمًا، والتوبة رافعة للذنب بالنصوص، ومع هذا أوجب الشرع الإعتاق- علم أنه وجب غير معقول/ المعنى.
ولئن سلمنا أن الحاجة ماسة إلى رفع الذنب، ولكن لم قلتم بأنه لا ذنب ههنا سوى إفساد الصوم؟ .
قوله: لأن مواقعة الأهل حلال- قلنا: في رمضان أو في غيره؟ ع م وهذا لأن ملك النكاح جاز أن لا يتصل به حل الوطء في بعض الزمان، كزمان الحيض والنفاس والطهار- كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أنها شرعت لرفع إفساد الصوم، لكن لم قلتم بأن الإفساد في الأكل والشرب مثل الإفساد في الوقاع، وهذا لأن الكف عن الأكل والشرب شاق على البدن، وإنه معتاد في النهار ولا كذلك الوقاع. ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة والإباحة ثبتت لعارض، والأصل في الأكل والشرب الإباحة والحرمة ثبتت لعارض. ولهذا إذا حرما بسبب عدم الملك، كان حرمة الوقاع أغلظ، فكذا إذا حرما بسبب آخر.
الجزء 1 · صفحة 39
ولئن سلمنا أنهما اتحدا في الجناية، ولكن لم قلتم بأنه وجد سبب وجوب الكفارة ههنا؟ .
قوله: الإفساد سبب- قلنا: باطل بابتلاع الحصاة والنواة وإفطار المريض والمسافر.
الجواب:
قوله: هذا إيجاب الكفارة بالقياس- قلنا: ليس كذلك، بل الاستدلال، فإن القياس إثبات الحكم في المتنازع لمعنى في المنصوص عليه، والاستدلال النظر في المتنازع: أنه هل هو من جنس ما ورد به النص؟ فإذا عرف صار منصوصًا عليه، ويجوز إثبات الحكم، سواء كان من المقادير أو لم يكن، كما في هذه الصورة.
قوله: التوبة واقعة للذنب- قلنا: نعم، ولكن الإعتاق أيضًا يصلح رافعًا للذنب، والشرع لما عين الإعتاق في هذه الجناية علم أن التوبة بمجردها لم تكن كافية.
قوله: لم قلتم بأن المواقعة ليست بحرام؟ - قلنا: لأن ملك النكاح قائم، وإنه يقتضي الحل مطلقًا. وكذا نقول في الحيض وغيره: إن نفس الوطء حلال، وإنما الحرام غيره- كذا ههنا/.
قوله: الكف عن الأكل والشرب شاق على البدن وإنه معتاد- قلنا: ذاك يختلف باختلاف الرجال والأحوال، فلا يتعلق الحكم به، بل [بـ] أصل الداعي.
قوله: حرمة الوقاع أغلظ- قلنا: نعم إذا كان الأكل والوقاع محرمًا، وهنا ليس بحرام، وإنما المحرم هو إفساد الصوم.
وأما الإفطار بالحصاة والنواة، فليس بإفساد الصوم من كل وجه، لأنه لا يفوت به معنى الصوم وهو قهر النفس، فلا تتكامل الجناية، وإفطار المريض والمسافر ليس بجناية أصلًا، فاقترفا من هذا الوجه.
والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 40
17 - مسألة: المنفرد برؤية الهلال إذا شهد عند القاضي، فرد القاضي شهادته يجب عليه الصوم، ولو أفطر لا يجب عليه الكفارة.
والوجه فيه- أن الإفطار صادف يومًا تمكنت فيه شبهة الرمضانية، فلا تجب الكفارة، قياسًا عن يوم الشك إذا أفطر.
وإنما قلنا ذلك- لأن دليل الرؤية عارضه دليل الغلط، وهو نفرده من بين سائر الناس كافة، وعند الغلط في الرؤية ينتفي كونه من رمضان، لأنه لولا الرؤية، لم تثبت المراضنية اليوم، فتثبت المعارضة الشبهة، فلا تجب الكفارة.
فإن قيل: قولكم بأن دليل الرؤية عارضه دليل الغلط، وهو تفرده من بين سائر الناس. قلنا: لا نسلم بأنه تفرد. وهذا لأن تفرده بالرؤية، إنما يعلم بعدم رؤية غيره ولا يطلع على ذلك، لاحتمال وجود الرؤية من الغير، ولجواز أن ذلك الغير لم يشهد لمانع.
ولئن سلمنا أنه تمكنت شبهة الرمضانية، ولكن متى لا تجب الكفارة؟ إذا كانت الكفارة واجبة عليه بالإفطار في رمضان أم إذا كانت واجبة عليه بإفساد الصوم الواجب عليه بإيجاب الشرع؟ م ع.
وعندنا الموجب للكفارة ليس إلا هذا.
ولئن سلمنا أن دليل الرؤية عارضة دليل الغلط، ولكن إذا كانت الكفارة واجبة على تقدير دون تقدير وجب أن تجب احتياطًا.
الجواب/
قوله: احتمال الرؤية من الغير موجود- قلنا: لو رآه غيره لشهد عند القاضي.
قوله: يحتمل أنه لم يشهد لمانع- قلنا: هذا مجرد وهم لا دليل عليه، فلا يعتبر في الأحكام.
الجزء 1 · صفحة 41
قوله: الكفارة إنما وجبت، لأنه إفـ (؟ ) في يوم واجب ابتداء، لا من حيث إنه رمضان- قلنا: صوم اهذا اليوم ليس بوا (؟ ) متعين، بل في وجوبه شبهة، على ما مرَّ، فلا تجب الكفارة.
قوله: إذا كانت الكفارة واجبة على تقدير دون تقدير، وجب أن تجب احتياطًا- قلنا: هذا إثبات الحكم بالشك والاحتمال، فلا يجب.
18 - مسألة: الكفارتان تتداخلان.
والوجه فيه- أن الكفارة إنما وجبت في الأصل لتفيد معنى الزجر، والكفارة الثانية لا تفيد معنى الزجر، فلا تجب.
وإنما قلنا ذلك- لأنه إذا تحمل مشقة الكفارة الأولى، يمتنع من الجناية في الثاني غالبًا. وإذا حصل الزجر بالأولى لا يتصور حصوله بالثانية، لأن تحصيل الحاصل محال.
فإن قيل: قولكم بأن الكفارة في الأصل تفيد معنى الزجر- قلنا: لا نسلم أن نفس الأداء يصلح أن يكون زاجرًا، فضلًا عن الوجوب.
بيانه- أن الزجر إنما يحصل بعقوبة تقام على الإنسان جبرًا بدون اختياره كالحدود ونحوها، والكفارة تتعلق باختياره، فلا يحصل الزجر.
ثم الدليل على أنها لم تشرع للزجر، وإنما شرعته لستر الذنب- أن الكفارة من الكفر، والكفر في اللغة هو الستر لا الزجر، والحاجة إلى الستر في المرة الثانية، كالحاجة إلى الستر في الأول.
الجزء 1 · صفحة 42
ولئن سلمنا أن الكفارة للزجر، ولكن لم قلتم بأن الكفارة في الثانية عريت عن هذا المعنى؟ .
قوله: لأن الزجر حصل بالأولى، فلا يحصل بالثانية- قلنا: قطعًا أم على سبيل الاحتمال؟ ع م. وإذا احتمل عدم الانزجار، لوجب أن تجب الكفارة الثانية تحقيقًا لمعنى الزجر. وصار هذا كما لو أفطر في رمضانين حيث يلزمه كفارتان، مع ما ذكرتم.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن/ أداء الكفارة يصلح زاجرًا؟ - قلنا: لما فيه من المشقة وفوات المال، فيمتنع عما يوقعه فيه غالبًا.
قوله: يتعلق باختياره- قلنا: نعم، ولكن الوجوب حامل له على الأداء، فإذا أدى حصل الزجر بنفس الأداء.
قوله: بأنها لا تنبئ عن الزجر- قلنا: هو في نفسه رافع وساتر، ولكن ههنا رافع آخر دونه في المشقة، وهو التوبة. فالشرع إنما شرع الكفارة لمصلحة الزجر، لمساس الحاجة والصلاحية.
قوله: لم قلتم بأن الكفارة في الثانية عريت عن هذا المعنى؟ - قلنا: لأنه لم يتحمل مشقة الأولى إلا للامتناع عن الإفطار في المستقبل غالبًا، فلا يتصور حصول هذا المعنى بالكفارة الثانية مرة أخرى.
وأما إذا أفطر في رمضانين-[فـ] تلزمه كفارة واحدة في ظاهر الرواية، فيمنع.
الجزء 1 · صفحة 43
ولئن سلمنا، فتأخير الكفارة إلى السنة القابلة نادر، فيلحق بالغالب.
والله أعلم.
19 - مسألة: إذا شرع في الصوم التطوع ثم أفسده، قضاه.
والوجه فيه- أن الامتناع عن الصوم في بقية اليوم إبطال للعمل المؤدي في أول اليوم، وإنه حرام، فيجب عليه المضي، تحرزًا عن الحرام.
وإنما قلنا ذلك- لأن المؤدي في أول اليوم صوم أو سبب الصوم على تقدير ضم الباقي. وعلى تقدير الإفطار يخرج عن أن يكون صومًا أو سببًا للصوم، والصوم عمل، فما يؤدي إلى إبطاله، يكون إبطالًا للعمل، فيكون حرامًا، لقوله تعالى: {ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}.
فإن قيل: قولكم بأن الامتناع عن الصوم إبطال للعمل- قلنا: لا نسلم بأن إبطال العلم متصور.
بيانه- أن إبطال العمل لا يخلو: إما أن يكون قبل وجوده، أو بعده، أو حال وجوده. لا وجه للأول لأنه عدم. ولا وجه للثاني لأنه تلاشى لأنه عرض. ولا وجه للثالث لأن الإبطال إذا طرأ على الموجود يرفعه، فإذا قارنه يمنعه، ولأن الشيء حال وجوده غير موجود بصفة التمام، فلا يتصور إبطاله./
ولئن سلمنا أن الإبطال متصور، ولكن لم قلتم بأن المؤدي في أول اليوم سبب للثواب أو صوم، وهذا لأن الصوم هو الإمساك الممتد من أول النهار إلى آخره مقرونًا
الجزء 1 · صفحة 44
بالنية، ولم يوجد. وليس بسبب للثواب، لأن الصوم إنما يقع سببًا للثواب إذا وقع قربة وطاعة لله، وإنما يقع قربة وطاعة لله إذا كان حاصلًا بإذن الشرع، وإذن الشرع مقيد بشرط الإتمام.
ولئن سلمنا بأنه إبطال العمل- ولكن متى يكون حرامًا: إذا تضمن حق العبد أم إذا لم يتضمن؟ ع م. وهذا لأن حق العبد مقدم على حق الشرع، لاستغناء الشرع وحاجة العبد، وفي هذا الإبطال رعاية لحق العبد من استيفاء مصالح التغدي وغيرها.
ثم هذا معارض بما روت عائشة قالت: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فأكل" هـ.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن إبطال العمل متصور؟ - قلنا: بالنص والعرف: أما النص فما تلونا من النهي، والنهي يدل على تصور المنهي. وأما العرف- يقال: فلان سعى في أمر فلان ثم أبطل سعيه. والفقه فيه أن البطلان في اللغة هو التلاشي، ويستعمل في الأعمال، ويراد به تلاشى الغرض المطلوب منها، وقد وجد ههنا.
قوله: لم قلتم بأن المؤدي في أول اليوم صوم؟ - قلنا: لأنه يسمى صائمًا عرفًا وشرعًا.
قوله: لم قلتم بأنه سبب الثواب؟ قلنا: لأن الصوم سبب للثواب بالنصوص.
قوله: إنما يكون سببًا للثواب إذا كان قربة وطاعة- قلنا: النص إذا دل على كونه
الجزء 1 · صفحة 45
سببًا للثواب، فقد دل على كونه قربة وطاعة، والشروع في الصوم على قصد الإتمام مأذون فيه مطلقًا من غير تقييد، وإنه يبطل بترك الباقي بالإجماع.
وأما ما ذكر من حق العبد- قلنا: الترجيح لحق الشرع لوجهين: أحدهما-/ أن حق العبد يفوت إلى غرض وهو الثواب. والثاني -وهو أن حق العبد يفوت برضاه- فكان أولى بالترك.
وأما الحديث- قلنا: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان صائمًا عن واجب لا عن نقل، فلا يكون واقعًا في مورد النزاع.
الجزء 1 · صفحة 46
[4]
كتاب النكاح
20 - مسألة: الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات.
والوجه فيه- أن النكاح واجب، والتخلي ليس بواجب.
وإنما قلنا إن النكاح واجب لقوله تعالى: {فَانكِحُوا}: ولقوله عليه السلام: "تناكحوا": أمر، والأمر للوجوب.
وإنما قلنا إن التخلي ليس بواجب، لأنا أجمعنا على أنه لو تركه لا يعاقب، والواجب ما يعاقب على تركه.
وإذا ثبت أن النكاح واجب، فالاشتغال بالواجب أولى، لأن الاشتغال بالواجب تحصيل مصلحة يجب استيفاؤها، وهي مصلحة دفع الضرر بسبب العقاب.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح واجب- قلنا: لا نسلم، وظاهر أنه ليس بواجب، لأنه لو تركه لا يعاقب بالإجماع.
الجزء 1 · صفحة 47
وأما النصوص- قلنا: لا نسلم بأن هذه الصيغة أمر، بل هي مترددة وضعًا بين الندب والإباحة والتوبيخ والتسخير، فلا تحمل على الأمر إلا بدليل زائد.
ولئن سلمنا أن هذه الصيغة وقعت أمرًا، ولكن لم قلتم بأن الأمر يقتضي الوجوب- وهذا لأن الأمر ليس إلا دعاء إلى الفعل المأمور به، ومتى كان الأمر حكميًا لا يأمر بالفعل إلا لترجيح جهة وجوده على جهة عدمه، والترجيح كما يثبت بالوجوب يثبت بالندب، والوجوب أعلاهما والندب أدناهما، والأدنى متيقن به والأعلى مشكوك فيه، فيثبت المتيقن وهو الندب، دون المشكوك.
ولئن سلمنا أن الأمر يفيد الوجوب، ولكن: أمر ورد قبل الحظر أم ورد بعد الحظر؟ م ع. وبيانه- وهو أنا وجدنا/ الأوامر الواردة في الشرع بعد الحظر أفادت الإباحة كقوله تعالى: {وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وكقوله تعالى: {فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا} والفقه فيه أن النهي عن الفعل وحظره دلالة أن في الطبع دعاء إليه- لولا ذلك لم يصح النهي في الحكمة. وإذا كان كذلك كان المراد بالأمر الإباحة وإزالة الحظر حتى يفعل هو بطبعه، فلا يحتاج إلى الترغيب بالإيجاب، فإنه لا يقال للجائع: كل وإلا عاقبتك.
وإذا ثبت أن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة، فنقول: الأمر بالنكاح ورد بعد الحظر، لأن في النكاح قضاء الشهوة، والشرع ما جاء إلا بتحريم قضاء الشهوة، فكان الأمر الوارد في النكاح واردًا بعد الحظر، فيفيد الإباحة، دون الوجوب.
ولئن سلمنا أن الأمر يقتضي الوجوب مطلقًا، ولكن في محل قابل للوجوب أم في محل غير قابل؟ م ع. بيانه- أن النكاح عقد معاملته، ولهذا يصح من الكافر أيضًا، فلا
الجزء 1 · صفحة 48
يتصف بالوجوب، ولأن في الطبع داعية إلى النكاح لما فيه من قضاء الشهوة، وما هذا حاله لا يتصف بالوجوب.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن النكاح واجب، ولكن ههنا دليل يأبى ذلك، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه "سنة" بقوله عليه السلام: "النكاح سنتي" والسنة غير الواجب.
ولئن سلمنا أن النكاح واجب، ولكن على سبيل التعيين أم سبيل الكفاية؟ ع م. ولا يمكن دعوى التعيين، لأنا أجمعنا على أن كل واحد من المسلمين لو تركه لا يأثم. وإذا كان واجبًا على سبيل الكفاية، لا يترجح على المندوب.
ولئن سلمنا أن النكاح واجب، ولكن لم قلتم بأن التخلي ليس بواجب؟ - وبيانه وهو أن المقصود من خلق العباد العبادة مطلقًا، لقوله تعالى: {ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}.
ولئن سلمنا أن التخلي ليس بواجب، ولكنه عبادة، والنكاح ليس بعبادة، وما يكون عبادة فهو أفضل مما لا يكون عبادة.
الجواب:
قوله: لو ترك النكاح لا يعاقب بالإجماع، فلا يكون واجبًا- قلنا: الجواب عنه ما مر في مسألة المجنون.
الجزء 1 · صفحة 49
ثم نقول: النكاح واجب عندنا على سبيل الكفاية، فلا يأثم به البعض إذا قام به البعض، ولو ترك الكل فالكل يأثمون.
قوله: لم قلتم بأن هذه الصيغة أمر؟ قلنا: لأن كون الصيغة أمرًا يقف على شرطين: أحدهما المرتبة، والثاني الإرادة- الدليل عليه أن السيد إذا قال لعبده: "اسقني" يسبق إلى فهم العبد كونه أمرًا ويسارع إلى الامتثال. وقد وجد في هذه الصورة علو المرتبة والإرادة. أما علو المرتبة فظاهر. وأما الإرادة فلأنه إذا وجدت هذه الصيغة متجردة عن القرائن، وهذه الصيغة موضوعة للأمر- دلت على إرادة كونه أمرًا.
قوله: لم قلتم بأن الأمر للوجوب؟ - قلنا: لأن الصحابة حملوا أوامر الله وأوامر رسوله على الوجوب. ولأن ترك الفعل المأمور به عصيان، لأن اللغوي لا يفرق بين قول القائل: أمرتك بكذا فعصيتني وبين قوله: أمرتك فلم تفعل. وقال الشاعر: "أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني" أي لم تفعل. فثبت أن ترك الفعل المأمور به عصيان، والمعصية سبب لاستحقاق العقاب، لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا}.
قوله: متى يفيد الواجب: إذا ورد بعد الحظر أم قبل الحظر؟ قلنا: قبله وبعده، لأن ما ذكرناه من [الكتاب] لا يفصل. وفيما ذكر من المواضع حمل على
الجزء 1 · صفحة 50
الإباحة لا لكونه واردًا بعد الحظر بدليل أن الله تعالى نهي الحائض عن الصوم والصلاة ثم أمرها بهما، وهو محمول/ على الوجوب. وكذا نهي المحرم عن حلق الرأس ثم أمره به، وإنه واجب.
قوله: بأن الأمر بالنكاح ورد بعد الحظر- قلنا: لا نسلم.
قوله بأن النكاح قضاء الشهوة وإنه حرام- قلنا: قضاء الشهوة في باب النكاح دخل بطريق الضمن والتبع، وإنما المقصود مصالح التوالد والتناسل وغير ذلك.
قوله: لم قلتم بأن هذا المحل قابل للوجول- قلنا: لأنه لو لم يكن قابلًا للوجوب لما أضيف إليه الأمر.
قوله: النكاح معاملة- قلنا: بلى، ولكن معاملة شرعت لمصلحة بقاء العالم، فيكون واجبًا كالكسب والزراعة، إذ لا تنافى بينهما.
قوله: في الطبع دعاء إليه- قلنا: بلى، ولكن لا ينفي الوجوب؟ كصلة الرحم وغيرها.
قوله: سماه النبي صلى الله عليه وسلم "سنة" والسنة اسم لغير الواجب- قلنا: لا نسلم، بل السنة عبارة عن طريقة مسلوكة، والطريقة قد تكون واجبة وقد تكون غير واجبة.
قوله: النكاح واجب على سبيل الكفاية- قلنا: نعم، ولكن هذا يكفي للترجيح على النوافل، لأنها ليست بواجبة.
قوله: لم قلتم بأن التخلي ليس بواجب؟ قلنا: لما ذكرنا، ولأنه معلق باختيار العبد- قال عليه السلام: "الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء
الجزء 1 · صفحة 51
فليستكثر" وما هذا حاله لا يتصف بالوجوب.
وأما الآية فالمراد منه "إلا ليوحدون" نقلًا عن أئمة التفسير. وكذا قوله تعالى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} أي "وحدوا ربكم".
قوله: بأن النوافل عبادة والنكاح معاملة- قلنا: بلى، ولكن تعلقت بهذه المعاملة مصلحة هي أهم من المصلحة المتعلقة بتلك العبادة، فيكون راجحًا هـ.
21 - مسألة: البنت المخلوقة من ماء الزاني يحرم على الزاني نكاحها.
والوجه فيه- أن هذه بنته، فتحرم عليه.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأن/ بنت الرجل لغة هي الأنثى المخلوقة من مائة، وهذه أنثى مخلوقة من مائة، فتكون بنته، فتحرم عليه، لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ}.
فإن قيل: قولكم بأنها بنته- قلنا: لا نسلم.
قوله: بنت الرجل لغة هي الأنثى المخلوقة من مائة- قلنا: نعم ولكن لم قلتم بأن هذه مخلوقة من مائة؟ وهذا لأن الانخلاق من مائة أمر باطن لا يوقف عليه إلا بدليل، ولا دليل ههنا، لأن الزانية يأتيها غير واحد من الرجال، فلا دليل على كونها مخلوقة من مائة.
ولئن سلمنا أنها مخلوقة من مائة، والمخلوقة من مائة تكون بنته- ولكن لغة أو شرعًا؟ م ع. ولا يمكن دعواه، لأن الشرع قطع الإضافة عن الزاني حيث قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ومثل هذا الكلام مستعمل للقطع والنفي. وإذا
الجزء 1 · صفحة 52
كان منقطع الإضافة عنه شرعًا، كانت كذلك عرفًا، ولأن الشرع حرم نسبة المخلوق من الزنا إلى الزاني، لأن فيه إشاعة الفاحشة، والظاهر امتناع الناس عما حرمه الشرع.
ولئن سلمنا أنها بنته، ولكن لم قلتم بأنها تحرم عليه؟ .
أما النص- قلنا: الداخل تحت النص بنت مضافة إليه مطلقًا، والمضافة إليه مطلقًا هي المضافة إليه لغة وعرفًا وشرعًا، فلا تتناولها الآية.
ولئن سلمنا بأنها مضافة إليه عرفًا وشرعًا، ولكن في حق جميع الأحكام أم في حق بعض الأحكام دون البعض؟ ع م.
ولا يمكن دعوى الأول، لأنها غير مضافـ[ـة] إليه في حق الإرث وفي حق النفقة وفي الاستيلاء. ولأن الزنا حرام، فلا يجوز أن يكون سببًا لإضافة الولد، لأنها نعمة.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنها مخلوقة من مائة- قلنا: عنه جوابان:
أحدهما- أنا لا نتكلم في زان معين، بل نقول هذا متصور أن يقع ويعرف، فنتكلم في ذلك المتصور على تقدير الوقوع.
والثاني- بفرض الكلام فيما إذا زلى وأمسكها في بيته/ حتى جاء الولد إلى ستة أشهر، وقد أقر بذلك.
قوله: بنته لغة أم شرعًا؟ - قلنا: لا حاجة بنا إلى ذلك، ولكنا نقول: هذه بنت مختصة به حقيقة، والنص يقتضي تحريمها مطلقًا، فتدخل تحت النص، غاية ما في الباب أن الشرع قطع إضافتها إليه. ولكن إنما قطع الإضافة في حق تلك الأحكام التي ذكر لمعنى- ذلك المعنى غير موجود في الحرمة. بيانه- أن في الإضافة إلى الزاني في
الجزء 1 · صفحة 53
حق جريان الإرث والنفقة وأمية الولد بينهما إشاعة الفاحشة والتسوية بين النكاح والسفاح، فالشرع قطع الإضافة في هذه الأحكام لهذا المعنى، وهذا المعنى معدوم في الحرمة، إذ ليس في الامتناع من النكاح إشاعة الفاحشة.
قوله: بأن هذا إثبات النعمة بالزنا- قلنا: ليس كذلك، بل هو إثبات الحرمة بالنص، بناء على أمر حقيقي، لا بالمعنى هـ.
22 - مسألة: الزنا يوجب حرمة المصاهرة.
والوجه فيه- قوله تعالى: {ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ} - الله تعالى نهى عن وطء موطوءة الأب، وهذه موطوءة الأب، فيحرم وطئها. وإذا حرم وطئها حرم نكاحها، إذ لا قائل يحل النكاح وحرمة الوطء.
وإنما قلنا إنه نهى عن وطء موطوءة الأب، لأنه نهى عن نكاح منكوحة الأب، والنكاح في اللغة حقيقة ع بارة عن الوطء، ثم جعل مجازًا عن العقد، فصح ما ادعينا: أن هذا نهى عن وطء الموطوءة، فتحرم.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح في اللغة عبارة عن الوطء حقيقة- قلنا: لا نسلم،
الجزء 1 · صفحة 54
بل النكاح مجاز في الوطء، بدليل أنه يصح أن يقال: وطئها وما نكحها، أو نكحها وما وطئها، وهذا أمارة المجاز.
ولا يقال بأن الأصل هو الحقيقة، لأنا نقول: لا نسلم، بل كل واحد منهما أصل، بل المجاز أفصح وأكثر استعمالًا. ولا يقال بأن المجاز يخل بالفهم، لأنا نقول/ يخل بالإفهام المطلوب من الحقيقة، أما لا يخل بالإفهام المطلوب من المجاز.
ولئن سلمنا بأن المراد من منكوحة الأب موطوءة الأب، ولكن لم قلتم بأن المراد بكلمة "ما" بقوله: {ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم} هي المرأة. وهذا لأن كلمة "ما" حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه "المرأة" لقال: "من نكح آباؤكم"، فكان المراد والله أعلم: ولا تنكحوا النكاح الذي كان يعقد آباؤكم في الجاهلية.
ثم نقول: الحرمة عندكم ثبتت بالنظر والمس قبل الوطء، فلا يمكن إثباتها بالوطء، وصار هذا كوطء الصغيرة التي لا تشتهي.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن النكاح عبارة عن الوطء حقيقة- قلنا: لأن مطلق الاستعمال دليل الحقيقة.
قوله: يصح أن يقال: نكحها وما وطئها- قلنا: لا نسلم بأنه يصح أن يقال هذا الكلام مطلقًا، وإنما يصح على تقدير إضمار شيء وهو قوله: نكحها نكاحًا هو عقد وما وطئها، فعلم أن النكاح حقيقة للوطء والعقد على طريق العموم، احترازًا عن الاشتراك المخل بالفهم.
قوله: بأنه ذكر بكلمة "ما"- قلنا: كلمة "ما" قد تستعمل بدلًا عن كلمة "من" –قال الله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ ومَا رَبُّ العَالَمِينَ} بمعنى "من" فيجب
الجزء 1 · صفحة 55
الحمل عليه عند قيام الدليل، وقد دل الدليل وهو قوله "من"النساء، لأن المنتزع من جنس المنتزع منه.
وأما قوله: بأن الحرمة تثبت بالمس والنظر قبل الوطء- قلنا: النظر سبب للحرمة، إذا لم يتصل بالوطء، لكونه سببًا مفضيًا إليه قائمًا مقامه. أما إذا اتصل به الوطء فلا.
وأما وطء الصغيرة التي لا تشتهي- قلنا: عند أبي يوسف ممنوع. وعندهما: إنما لا يوجب الحرمة، لأنه وطء صورة لا معنى، والنص يتناول الوطء المطلق.
والله أعلم.
23 - مسألة: الأب إذا تزوج بجارية الابن يجوز.
والوجه فيه- أنه تزوج بجارية غير مملوكة له/ بوجه ما، فوجب أن يجوز، قياسًا على التزوج بجارية الأجنبي.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأنها مملوكة الابن من كل وجه، بدليل نفاذ تصرفاته فيها من البيع والهبة وحل الوطء والإعتاق وغيرها. وإذا كانت مملوكة الابن من كل وجه لا تكون مملوكة للأب، لأن الجمع بين الملكين لشخصين في محل واحد في زمان واحد ممتنع.
فإن قيل: قولكم بأنه تزوج بجارية غير مملوكة له بوجه ما- قلنا: لا نسلم، بل هي مملوكة للأب من حيث النص والحكم والمعقول:
أما النص-[فـ] قوله عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك".
وأما الحكم-[فـ] أجمعنا على أن الأب إذا استولد جارية ابنه بصح، وإن وطئها لا يجب عليه الحد، وإن ادعى ولدها يثبت منه النسب.
الجزء 1 · صفحة 56
وأما المعقول- فهو أنها كسب كسبه، لأنها كسب الابن، والابن كسبه، والكسب سبب الملك.
ولئن سلمنا أنها غير مملوكة للأب بوجه، ولكن لم قلتم بأنها مملوكة للابن من كل وجه؟ أما حل الوطء ونفاذ العتق فلا يدل على الملك من كل وجه، بدليل حل الوطء ونفاذ العتق في المدبرة وأم الولد مع انتفاء الملك من كل وجه.
والدليل على أن الملك ليس ثابتًا للابن من كل وجه أن من جملة آثار الملك حجر الغير عن التصرف والتملك، وهذا غير ثابت للابن في حق الأب، فإن الأب غ ير محجور عن ذلك.
ولئن سلمنا أنها مملوكة للابن من كل وجه، ولكن لم قلتم بأنها لا تكون مملوكة للأب؟ .
قوله: الجمع بين الملكين ممتنع- قلنا: باعتبار ذاتيهما أم باعتبار أثريهما؟ ع م. ولكنا لا تجمع بينهما في حق الآثار المتنافية، لأنا [نفينا هذا] الملك في منع جواز نكاح الأب ومنع جواز نكاح الابن [والتنافي] بينهما/
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يقتضي جواز النكاح، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك. وذلك لأن الملك للأب ثابت من وجه على ما ذكرنا، والثابت من وجه يلحق بالثابت
الجزء 1 · صفحة 57
من كل وجه في حق منع جواز النكاح احتياطًا، إذ هو من باب الحرمات.
الجواب:
قوله: بأنها مملوكة للأب- قلنا: لا نسلم.
وأما الحديث- قلنا: الإضافة إنما تقتضي الملك إذا صادفت محلًا قابلًا للملك، والمحل إنما يقبل الملك إذا كان فارغًا عن ملك الغير، ومال الابن ملكه من كل وجه- على ما مر.
وأما صحة الاستيلاد وثبوت النسب، [فـ] باعتبار ثبوت الملك قبيل الاستيلاد مقتض له، لا لملك كان ثابتًا قبله.
وأما سقوط الحد- فلوجود الشبهة، أو باعتبار حق التملك، لا باعتبار قيام الملك في الحال.
قوله: كسب الكسب سبب الملك- قلنا: إذا كان الكاسب الثاني حرًا أم إذا لم يكن؟ ع م- ولكن الكاسب ههنا وهو الابن حر مالك، فملكه ينفي ملك الغير.
وأما المديرة وأم الولد- قلنا: الملك ثابت فيهما من كل وجه. ولئن امتنع جواز البيع والكفارة [فـ] لمعنى آخر، وهو انعقاد سبب الحرمة في الحال، لما عرف.
قوله: من آثار ملك الغير حجر الغير عن التصرف- قلنا: نعم، والأب محجور عن التصرف في مال الابن، حتى لو باعه ابتداء أو أعتقه لا ينفذ، والحجر عن التملك أثر العصمة لا أثر الملك.
قوله: بأن التنافي بين الآثار لا بين الملكين- قلنا: التنافي بين هذه الآثار والأحكام لا يوجب التنافي بين الملكين، لأن الملك هو المعنى المقتضي لهذه الآثار، ومن المحال صحة البيع والهبة من الأب والابن فيها، وإذا ثبت التنافي بين هذه الآثار ثبت التنافي بين المعنيين المقتضيين لها.
الجزء 1 · صفحة 58
قوله: بأن الثابت من وجه يلحق بالثابت من كل وجه احتياطًا- قلنا: لما نفينا الملك أصلًا/ وجب القول بجواز النكاح لخلو المحل عن ملك اليمين.
24 - مسألة: زوج المعتدة إذا قال: أخبرتني المرأة أن عدتها انقضت، وذلك في مدة تحتمل انقضاء العدة، وكذبته- فإنه يصدق الزوج في حل نكاح أختها أو أربع سواها.
والوجه- أن إخبار الزوج حصل أمارة على انقضاء العدة، فوجب أن يترتب عليه حل نكاح أختها وأربع سواها، قياسًا على ما إذا صدقته المرأة.
وإنما قلنا ذلك- لأن إخباره صدر عن عقل ودين، فيترجح فيه الصدق على الكذب، نظرًا إلى ظاهر حاله، فوجب العمل بخبره.
فإن قيل: قولكم بأن إخبار الزوج أمارة انقضاء العدة، لأنه صادر عن عقل ودين، وهما يدعوانه إلى الصدق- قلنا: إن كان العقل والدين يدعوانه إلى الصدق، فالهوى والطبع يدعوانه إلى الكذب، لتعلق النفع به، وهو حل نكاح الأخت.
ولئن سلمنا أن إخباره أمارة الانقضاء، ولكن إخبارها أمارة عدم الانقضاء، والترجيح معها، لأن إخبارها صدر عن علم وولاية، لأنها أعلم بحالها، والله تعالى أمرها بإظهار ما في رحمها بقوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ} الآية، ولأنها أمينة، والقول قول الأمين- لما عرف في الأحكام.
ثم إذا تعارض الحل والحرمة، فالأخذ بالحرمة أولى، احتياطًا.
الجزء 1 · صفحة 59
الجواب:
أما قوله بأن الهوى والطبع يدعوانه إلى الكذب -قلنا: لا معارضة بين الهوى والطبع وبين العقل والدين، لأن العقل والدين في الدعاء إلى الصدق والصرف عن الكذب أحكام، لأن الداعي إلى الصدق لذاته، والداعي إلى الكذب ليس لذاته بل لما يتعلق به من النفع، ويحتمل أن يتعلق النفع بالصدق، فكان أرجح.
قوله: إخبارها صدر عن علم وولاية- قلنا: وخبر الزوج أيضًا صدر عن ع لم وولاية، لأنه أخبر عن/ إخبارها، وله علم بأخبارها، فيحتمل أنها أخبرته ثم نسيت أو أنكرت عمدًا، وكل من له علم بالشيء، فله ولاية الإخبار عنه.
قوله: بأنها أمينة- قلنا: في ماذا؟ في الإخبار عما في رحمها ابتداء أو في الإنكار أنها لم تخبر الزوج بذلك؟ م ع. والكلام في الإخبار عن إخبارها: أنها أخبرت أو لم تخبر، وهي ليست بأمينة في ذلك؟ .
قوله: المحرم يترجح على المُحِل- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن افحلال حكم الشرع كالتحريم، وكما أن إحلال الحرام افتراء على الشرع، فتحريم الحلال افتراء على الشرع- دل عليه أنه يجب العمل ههنا بخبر المرأة في حق بقاء النفقة والسكنى وثبوت النسب، عملًا بالدليل بقدر الإمكان.
25 - مسألة: الأب لا يملك إجبار البكر البالغة على النكاح.
والوجه- أن هذا الإنكار صدر لا عن ولاية، فلا ينفذ قياسًا على إنكاح الثيب البالغة.
وإنما قلنا ذلك- لأن ولاية الإنكاح مقيدة بشرط كون التصرف نظرًا ومصلحة في حق المولى عليه، لأن الولاية تثبت للأنظر فالأنظر، وهذا الإنكاح لم يحصل على وجه النظر، بدليل إقدامها على الرد مع عقلها وعلمها بمصالح نفسها.
الجزء 1 · صفحة 60
فإن قيل: قولكم بأن ولاية الإنكاح مقيدة بشرط النظر- قلنا: لا نسلم.
وهذا على خلاف مذهب أبي حنيفة: فإن للأب والجد إذا زوجا صغيرة من غير كفء بأقل من مهر مثلها، جاز، ولا نظر فيه.
ولئن سلمنا أنه مقيد بشرط النظر، ولكن بحقيقة النظر أم بدليل النظر؟ ع م. ولا يمكن تقييده بحقيقة النظر، لأنه لا يوقف عليه، فيؤدي إلى تعطيل الأحكام، فيكون مقيدًا بدليل النظر، وهو موجود ههنا، لصدوره عن كمال الشفقة والرأي.
ولئن سلمنا أنه مقيد بحقيقة النظر- ولكن لم قلتم بأنه لم يحصل على وجه النظر؟ .
وأما إقدامها- قلنا: متى يدل على انعدام المصلحة: إذا كانت/ عالمة بمصالح النكاح أم إذا لم تكن؟ م ع. وهذا لأن العلم بمصالح النكاح ومفاسده يحصل بالتجربة والممارسة، ولم يوجد منها.
ولئن سلمنا أنها عالمة بمصالح النكاح، ولكن الأب كامل الرأي والعقل، بخلاف المرأة، فكان الترجيح لتصرفه.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن ولاية الإنكاح مقيدة بشرط النظر؟ - قلنا: لأن الدليل ينفي ولاية الإنكاح، لمكان الحرمة أو للضرر إلا إذا اشتمل على المصلحة.
وأما إذا زوجا صغيرة من غير كفء، بأقل من المهر- إنما ينفذ عنده لاشتماله على وجه النظر والمصلحة، لأن المصلحة كما تحصل من الكفء، تحصل من غير الكفء فتزويجها من غير الكفء بأقل من المهر مع كمال الشفقة دليل على أن المصلحة فيه أكثر.
قوله: الحكم معلق بحقيقة المصلحة أم بدليلها؟ قلنا: بحقيقة المصلحة الثابتة، بناء
الجزء 1 · صفحة 61
على الدليل، فلا يؤدي إلى تعطيل الأحكام.
قوله: إقدامها على الرد إنما يدل على انعدام المصلحة، إذا كانت عالمة بمصالح النكاح- قلنا: هي عالمة بمصالح النكاح على الإجمال، وإن لم تعرف على التفصيل، لأنها تعرف أن مصالح النكاح هي التوالد والتناسل والسكن، وذلك لا يحصل [إلا] بالدوام والثبات وحسن الأخلاق، وذلك يكفي لعلمها بمصالح النكاح.
وأما ما ذكر من رأى الأب وعقله- قلنا: إن كان رأي الأب أكمل، فشفقة أنقص. ورأي المرأة إن كان أنقص، فشفقتها أكمل.
والله أعلم.
26 - مسألة: الأب والجد يملكان إجبار الثيب الصغيرة.
والجوه فيه- أنه إنكاح صدر عن ولاية التنفيذ، فوجب أن ينفذ، قياسًا على إنكاح البكر الصغيرة.
وإنما قلنا ذلك- لأن حاجة الصغيرة ماسة إلى مصالح النكاح، وهي عاجزة عن مباشرة النكاح/ بنفسها فوجب أن تثبت الولاية تحصيلًا لمصالح النكاح.
فإن قيل: قولكم بأن حاجة الصغيرة ماسة- قلنا: ولاية الإنكاح تثبت بمطلق الحاجة أم بالحاجة الضرورية؟ ع م- فلم قلتم بأن تلك الضرورة موجودة ههنا؟ .
بيانه- أن النكاح تصرف إضرار في جانب الصغار، لأن فيه إرقاقًا وتمليكًا واستفراشًا واستذلالًا. والدليل ينفي ذلك. إلا أنا تحملنا ذلك في حق البكر لضرورة، وهي ضرورة حصول العلم لها باللذة، وهذه الضرورة منتفية ههنا.
ثم هذا معارض بما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله
الجزء 1 · صفحة 62
صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر" والأيم اسم للثيب.
ولهذا إذا أوصى لأيامي بني فلان، لا يدخل الأبكار فيهم.
الجواب:
قوله: الإنكاح تصرف إضرار في جانبها- قلنا: لا نسلم.
وأما ما ذكر من الرق والملك وغير ذلك- فهو منقوض بإنكاح البكر الصغير.
ولئن سلمنا أن ذلك مؤثر في إثبات الولاية، ولكن الإنكاح طريق لدفع الحاجة إلى مصالح النكاح بعد البلوغ، فيجب إثبات الحكم به.
وأما الحديث- قلنا: المراد منه المرأة البالغة التي لا زوج لها، نقلًا عن أئمة اللغة.
والله أعلم.
27 - مسألة: غير الأب والجد مثل الأخ والعم يثبت له إنكاح الصغيرة والصغيرة، ولهما الخيار إذا بلغا.
والوجه فيه- أن الإنكاح صدر عن ولاية التنفيذ، فوجب أن ينفذ قياسًا على إنكاح الأب والجد.
الجزء 1 · صفحة 63
وإنما قلنا ذلك- لأن الصغير والصغيرة محتاجان إلى مصالح النكاح عاجزان عن مباشرة النكاح بأنفسهما. والأخ أو العم يختص بكمال الرأي والشفقة، فوجب أن يثبت لهما الولاية تحصيلًا لمصالح النكاح ودفعًا لحاجتهما.
فإن قيل: / قولكم بأن الصغير والصغيرة يحتاجان إلى النكاح- قلنا: لا نسلم. وظاهر أنه ليس كذلك، لأن الحاجة إلى النكاح لتحصيل المصالح المطلوبة من النكاح، وهي قضاء الشهوة والتوالد والتناسل والسكن للزدواج، وهذه المعاني لا تتحقق في حق الصغير والصغيرة- غاية ما في الباب أنهما يحتاجان إلى ذلك بعد البلوغ. ولكن الدليل ينفي ولاية الإنكاح، لما فيه من الإضرار في جانب الصغير بإيجاب المهر والنفقة، وفي جانب الغصيرة بالرق والاستفراش، والدليل ينفي ذلك، إلا أنا تحملنا ذلك في موضع يكون النكاح صيانة عن الزنا في الحال وفيما عداه يتمسك بالدليل النافي، بخلاف الأب والجد، لأن الشرع لكمال شفقتهما ورأيهما أقام الحاجة بعد البلوغ مقام الحاجة في الحال في إثبات الولاية.
ولئن سلمنا أنها محتاجان، ولكن لم قلتم بأن الأخ والعم مختصان بكمال الشفقة والرأي؟ وهذا لأن في شفقتهما قصورًا، وذلك مما يمنع التصرف على وجه النظر، فلا تثبت الولاية. ولأنا أجمعنا على أن الأخ والعم لا يثبت لهما ولاية التصرف في مال الصغير والصغيرة، ومعلوم أن أمر النفس أهم من أمر المال، فانتفاء الولاية ههنا أولى.
ولئن سلمنا أن الأخ والعم يصلحان لإثبات الولاية، ولكن متى تثبت الولاية لهما: إذا كان ههنا أنظر منهما أم إذا لم يكن؟ م ع. وههنا أنظر منهما وهو القاضي، لاختصاصه بكمال العلم والديانة، فلا تثبت لهما الولاية.
الجواب:
قوله: الصغير والصغيرة لا يحتاجان إلى مصالح النكاح في الحال، فلا يحتاجان إلى
الجزء 1 · صفحة 64
النكاح- قلنا: إن كانا لا يحتاجان إلى هذه المصالح في الحال، ولكن يحتاجان إلى هذه المصالح بعد البلوغ كالزراعة والتجارة، فإن الإنسان/ يحتاج إلى الزراعة والتجارة في الحال لتحصيل الزرع والربح في الزمان الثاني -كذا ههنا- ولهذا يكفي لإثبات الولاية.
قوله: الدليل ينفي ثبوت ولاية الإنكاح لما فيه من الإضرار بالجانبين- قلنا: لا نسلم. وما ذكر من الرق والمهر وغير ذلك خرج من أن يكون ضررًا، لكونه وسيلة إلى هذه المصالح، إما في الحال أو بعد البلوغ، فإن مصالح النكاح مطلوبة عقلًا وشرعًا.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه.
قوله: بأن الأخ والعم قاصر شفقتهما- قلنا: قصور الشفقة لا يمنع الولاية، فإن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فيدار الحكم على أصل الفقة، ومظنته القرابة.
وأما التصرف في المال- قلنا: إنما لا يملكان لتهمة الخيانة، لأن شفقة الإنسان على نفسه أوفر من شفقته على أخته، فلا تؤمن فيه الخيانة، لأن التصرف في المال يكثر وجوده ويتكرر، أما ههنا لا تهمة، لأن الأخ يتضرر بمصاهرة من لا يكافئه قريبه وأخوه.
وأما القاضي- قلنا: لا نسلم بأنه أنظر، وبيانه- وهو أن الموجود في حق الأخ داع طبع وهو شفقة القرابة، وفي حق القاضي داع شرعي. والداعي الطبعي يترجح على الداعي الشرعي.
28 - مسألة: خبار البلوغ يثبت للصغير والصغيرة إذا زوجهما غير الأب والجد- حتى لو بلغ له أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يفسخ القاضي النكاح. وعند أبي يوسف يقع النكاح لازمًا.
الجزء 1 · صفحة 65
والوجه فيه- أن الإنكاح صدر لا عن ولاية الإلزام، فلا يلزم، قياسًا على إنكاح الأجنبي.
وإنما قلنا ذلك- لأن الدليل ينفي ثبوت ولاية الإنكاح أصلًا، إلا أنا توافقنا على ثبوت ولاية العقد والنفاذ، فبقيت ولاية الإلزام منتفية بالدليل النافي.
وإنما قلنا إن الدليل ينفي لأن الصغير حر، والحرية تنفي ثبوت ولاية الغير عليه.
فإن قيل: ما ذكرتم من/ الدليل إن دل على انتفاء اللزوم، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك. وذلك لأن هذا تصرف يتصل به غرضه ومقصوده، لنه ممن هو مختص بكمال الرأي والشفقة، وإنكاح شخص هذا حاله يفضي إلى المصالح المتعلقة به ظاهرًا وغالبًا، فوجب القول بلزومه، لأن في حق الفسخ إبطال حق معصوم للغير، وذلك لا يجوز.
ولئن سلمنا أنه صدر لا عن ولاية الإلزام، ولكن لم قلتم إن الدليل ينفي ولاية الإنكاح.
وأما الحرية- قلنا: لم قلتم إن الحرية تنافي النكاح حتى تنافي ولاية الإنكاح. وهذا لأن الحرية تنافي الرق والملك، وليس في النكاح ملك ورق في المحل، بل في الفعل، وذلك لا ينافي ملك النكاح.
ولئن سلمنا أن الحرية في جانب الصغير تنفي ولاية الإلزام، ولكن الحرية في جانب التصرف تنفي ولاية فسخ تصرفه، فوقع التعارض وصار هذا كما إذا زوجت الأم أو زوج القاضي، فإنه يلزم، مع أنهما مؤخران عن الأخ والعم.
الجواب:
قوله إن هذا تصرف يتصل به غرضه ومقصوده- قلنا: قطعًا أم على سبيل الاحتمال؟ ع م. فلم قلتم بأنه يلزم؟ وهذا لأن احتمال الخلل إذا كان قائمًا، كان
الجزء 1 · صفحة 66
احتمال الحاجة قائمًا، ونحن لا نثبت ولاية الفسخ إلا على تقدير الخلل في المقاصد والحاجة إلى التدارك عند البلوغ.
قوله: بأن الفسخ إبطال حق الزوج- قلنا: بلى، ولكنه إبطال حق غير لازم، بل مشروط بالخيار، كما في خيار البيع، فلا يمتنع.
قوله: لم قلتم إن الحرية تنافي الإنكاح؟ قلنا: لأن الحرية تنفي ولاية التصرف على الحر من غير رضاه، سواء كان له أو عليه.
قوله: لم قلتم بأنالنكاح رق- قلنا: لقوله عليه السلام: "النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته". ولأن الرق في اللغة عبارة عن ضعف حكمي/، وقد وجد ذلك، لكون المحل مقهورًا للغير.
قوله: الحرية في جانب المتصرف تنفي ولاية الفسخ- قلنا: بلى إذا ثبت مطلقًا، أما إذا ثبت مشروطًا بخيار الفسخ فلا.
وأما إنكاح الأم فعن أبي حنيفة روايتان. والأصح أنه لا يلزم.
وأما القاضي فعن أبي حنيفة روايتان أيضًا، فلا يلزم.
29 - مسألة: النكاح بغير الولى ينعقد نافذًا.
والوجه فيه- أنها قصدت إيقاع التصرف مقيدًا لملك النكاح، والشرع جعلها بسبيل من ذلك، والمحل قابل، فوجب القول بالصحة- قياسًا على ما إذا باعت عينًا من أعيان مالها.
الجزء 1 · صفحة 67
وإنما قلنا إنها قصدت إيقاع التصرف مفيدًا، لدلالة القصد وهي الإتيان بالصيغة.
وإنما قلنا إن الشرع جعلها بسبيل من ذلك- لأن الشرع خصها بحالة لو أرادت إيقاعها مفيدًا لملك النكاح، يتأتى منها ذلك، لأنها عاقلة مميزة عالمة بمصالح نفسها.
وإنما قلنا إن المحل هـ قابل- لأن محل النكاح نفسها، ونفسها حقها، وهي قابلة للنكاح، فوجب القول بالصحة، لأن الشرع إنما حكم بتصرفها مفيدًا لملك اليمين، لمساس حاجتها وتحصيل مصلحتها- هذا المعنى موجود هنا.
فإن قيل: قولكم بأنها قصدت إيقاع التصرف- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن ثبوت القصد يقف على صحة القصد، وصحة القصد تقف على العلم بما تقصد وكمال العقل، وإنها ناقصة العقل، لقوله عليه السلام: "إنهن ناقصات عقل ودين" ولهذا أقيم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل واحد.
ولئن سلمنا أنها قصدت، ولكن لم قلتم بأن الشرع جعلها بسبيل من ذلك؟
وأما ما ذكر من الحاجة- قلنا: الداعي إلى إثبات ولاية الإنكاح: الداعي أم الضرورة؟ ع م- ولكن لم قلتم بأن الضرورة موجودة ههنا؟ .
بيانه- أن النكاح عقد شرعي مع المنافي، لأن فيه ضررًا، وما/ هذا حاله يراعي في إثباته الضرورة لا مطلق الحاج، ولا ضرورة ههنا، لأن الضرورة تندفع بإنكاح الولي أو القاضي.
ولئن سلمنا بأن الشرع جعلها بسبيل، ولكن لم قلتم بأن محل التصرف حقها، بل هو حق الأولياء، لأن أجمعنا على أنها لو تزوجت من غير كفء يثبت للأولياء حق الفسخ، فلا يكون حقها على الخلوص، ولأن نفسها كما هي حقها فهي حق الشرع أيضًا، بدليل أنها إذا وطئت بشبهة يجب العقر حقًا لها. وإذا وطئت بغير الشبهة
الجزء 1 · صفحة 68
يجب الحد حقًا للشرع. فلو ملكت لا يخلو: أما أن تملك بالأصالة أو النيابة- لا وجه للأول، لأن الأصل هو الشرع. ولا وجه للثاني، لأنها لا تصلح نائبة عن الشرع، ولهذا لا تصلح قاضية.
ثم هذا معارض بما روى أبو داود وأبو عيسى الترمذي في صحيحيهما بإسنادهما عن أبي موسى وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس وعائشة قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح غلا بولي". وهكذا خرج أبو داود والترمذي وابن ماجه في كتبهم عن عاشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل –فنكاحها باطل- فنكاحها باطل. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". وكذا روي أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنها قصدت- قلنا: لأن دليل القصد ثابت- على ما مر.
قوله: لم قلتم بأنها عالمة- قلنا: لأنها عاقلة.
قوله: بأنها عقلها ناقص- قلنا: القدر الذي لها من العقل يكفي للوقوف على
الجزء 1 · صفحة 69
المعاني التي تقف عليها مقاصد النكاح، بدليل أنه يكفي/ لمعرفة التوحيد والنبوات، وإنها أغمض من مصالح النكاح.
قوله: لم قلتم بأن الشرع جعلها بسبيل من ذلك- قلنا: لما ذكرنا من الحاجة.
قوله: المراعي في هذا الباب الحاجة أو الضرورة؟ قلنا: هذه معارضة في صورة التقسيم، لأن النكاح متى كان مشتملًا على المصالح، وجب أن تكون هي بسبيل من تحصيلها.
قوله: لم قلتم بأن نفسها حقها- قلنا: لأن العوض وهو المهر حقها على الخلوص.
وأما إذا زوجت نفسها من غير كفء، فلأن النكاح، وإن كان تصرفًا في حقها، ولكنه يحتمل الضرر بالعشيرة بنسبة من لا يكافئهم، فوجب عليهم دفع هذا الضرر.
وأما ما ذكر من حق الشرع لمكان الحد في الزنا- قلنا: الحق على هذا التفسير ثابت أيضًا للشرع على الرجال. ومع هذا لا يمنع الولاية.
وأما قوله: إما أن تملك بالأصالة أو النيابة- قلنا: بالأصالة لما ذكرنا، وهي الأصل في هذا الباب.
وأما ما روي من الأحاديث فمطعون فيها من يحيي بن معين وأحمد بن حنبل.
الجزء 1 · صفحة 70
وإن لزموا به فمعارض بقوله تعالى: {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} أضاف النكاح إليهن. ومعارض بما روي ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" أخرجه مسلم وأبو داود وأبو عيسى.
ولا يقال بأن المراد من إضافة النكاح إليهن في الآية إذنهن بالنكاح، لأنها إذا أذنت بالنكاح تكون ناكحة: إما بطريق المجاز، كقولهم: بني الأمير الدار، وإما بطريق العرف، فإنه يقال في العرف "نكحت فلانة فلانًا وإن أنكحها وليها- غاية ما في الباب أنه خلاف الحقيقة، ولكن يجوز حمله على المجاز إذا دل الدليل، وقد دل الدليل ههنا، وهو أنا لو حملناه على الحقيقة/ يلزمنا ترك العمل بالأحاديث الصحيحة، فنحمله على المجاز المستعمل، عملًا بالدليلين بقدر الإمكان.
وأما الحديث- فقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" بمعنى أن الثيب الصغير لا يملك الولي إجبارها على النكاح وتكون أحق بنفسها في رضاها لا في التزويج، فيكون حجة لنا عليكم في مسألة الثيب الصغيرة، إذ لو حملناه على التزويج يلزم من ذلك التناقض بين الأحاديث الصحيحة، ويلزم أيضًا من ذلك ترك العمل بعموم الحديث،
الجزء 1 · صفحة 71
لأن الأيم في اللغة تتناول الثيب الصغيرة التي لا زوج لها والثيب الكبيرة التي ج لها، وبالإجماع الثيب الصغيرة لا تملك تزويج نفسها. غاية ما في الباب أنا لو حملناه على ما ذكرنا يلزم من ذلك التقييد، ولكن لو حملناه على ما ذكرتم لالتخصيص والتناقض، فلم كان ما ذكرتم أولى مما ذكرنا؟ لأنا نقول الترجيح معنا، لأن ما تلونا كتاب مؤيد بالحديث الصحيح وبالمعقول، فلا بعارضه ما ذكرتم.
30 - مسألة: المصابة بالفجور لا تستنطق.
والوجه فيه- أن النكاح عقد مصلحة في حقها، فوجب أن لا يتوقف نفاذه على نطقها، قياسًا على ما إذا زالت بكارتها بالوثبة والحيصة.
وإنما قلنا ذلك- لأن النكاح مشتمل على مصلحة التوالد والتناسل وقضاء الشهوة والنفقة وغيرها. فلو توقف على نطقها فاتت عنها هذه المصلحة، لأنها تمتنع من النطق ظاهرًا أو غالبًا، لمكان الحياء.
فإن قيل: قولكم: لو توقف النكاح على نطقها لفوت عنها مصالح النكاح- قلنا: لا نسلم.
قوله: لأنها تمتنع عن النطق حياء من إظهار الرغبة إلى الرجال- قلنا: متى تمتنع عن النطق: إذا كان في النطق مصلحة أم إذا لم يكن؟ / ع م.
بيانه- وهو أن النطق إن كان فيه عيب لمكان الوقاح، ولكن اشتمال النكاح على ما ذكرتم من المصالح يحملها على النطق.
الجزء 1 · صفحة 72
ولئن سلمنا أن في النطق إظهار الرغبة إلى الرجال، ولكن متى يكون عيبًا: إذا كان بطريق مشروع أم إذا لم يكن؟ ع م- وهذا لأن الرغبة إلى الرجال بطريق النكاح مباح شرعًا، فالظاهر أنها لا تمتنع من النطق تحصيلًا لمصالح النكاح، فكان مقتضى ما ذكرنا في البكر هكذا، إلا أن الشرع جعل سكوتها رضاها رفقًا بها، أما هذه [فـ] لا تستحق الرفق لمكان الفجور.
ولئن سلمنا أنها تمتنع عن النطق، ولكن مثل امتناع البكر أم دونه؟ ع م. وهذا لأنه وجدت منها مخالطة الرجال، فلا تمتنع مثل امتناع البكر، فلا تفوت مصالح النكاح.
ولئن سلمنا بأنه تفوت مصالح النكاح، ولكن جبرا أم باختيارها؟ ع م. وهذا لأن الشرع جعل النطق طريقًا في حقها لاستيفاء مصالح النكاح، والسكوت طريقًا للامتناع. فإن أرادت استيفاء مصالح النكاح تحملت هذا المكروه وإلا فلا.
ثم معارض بقوله عليه السلام: "الثيب تعرب عن نفسها" وهذه ثيب، ولهذا: لو أوصى لثيب بني فلان تدخل هي في الوصية، ولو أوصى لأبكارها لا تدخل.
الجواب:
قوله: لا تمتنع عن النطق لما فيه من مصالح النكاح- قلنا: مصالح النكاح لا تصلح معارضة للحياء، بدليل فصل البكر: فإنها تمتنع مع ما ذكرتم، وحياء هذه أشد من حياء البكر، لأن في نطق هذه إظهار الرغبة إلى الرجال في المستقبل وإلى الرجل الماضي، فكان امتناعها أشد.
الجزء 1 · صفحة 73
وبه خرج الجواب/ عن السؤال الثاني والثالث، لأنا بينا أن امتناعها من النطق أشد من امتناع البكر.
قوله: مصالح النكاح تفوت باختيارها أو لا باختيارها- قلنا: باختيارها، ولكن اختيارها لا يدل على رضاها بالضرر، لأن رضاها أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه، وسكوتها يحتمل أنها سكنت تحرزًا عن إظهار الرغبة إلى الرجال وحياء عن ما صدر منها- كما ذكرنا.
وأما الحديث- قلنا: خصت منه الأمة والصبية العاقلة والمجنونة، فتخص هذا.
31 - مسألة: أحد الأولياء إذا زوج وليته من غير كفء برضاها، يلزم العقد، ولا يكون للباقين حق الاعتراض.
والوجه فيه- أن إنكاح الولي وليته برضاها من غير كفء دل على تعلق مصلحة بالنكاح على وجه لا يتم استيفاؤها إلا به، فوجب القضاء بلزوم العقد، قياسًا على ما إذا زوجها من كفء.
وإنما قلنا ذلك- لأن إقدامه على الإنكاح من غير كفء وجد الصارف عنه، وهو لحوق الضرر بنسبة من لا يكافئهم بالصهرية. وإذا وجد الصارف فالظاهر أنه لا يقدم عليه إلا لتحصيل مصلحة لا يتم إلا به، لأن المصلحة لو أمكن استيفاؤها بدون تحمل الضرر، لما تحمل الضرر.
فإن قيل: إقدامه على الإنكاح إن كان يدل على تعلق المصلحة بالنكاح، فإباء الباقين يدل على عدم التعلق، فوقع التعارض، فلم يثبت التعلق.
ولئن سلمنا أن إقدامه يدل على تعلق المصلحة، ولكن مصلحة ترجع إلى المرأة وإلى هذا الولي أم مصلحة ترجع إلى سائر الأولياء؟ م ع. ونحن لا نثبت حق الفسخ
الجزء 1 · صفحة 74
لحقها، بل لحقهم جميعًا. وصار هذا كما إذا زوجت نفسها من غير كفء، فإنه يثبت للأولياء حق الفسخ والاعتراض، لما/ ذكرنا- كذلك ههنا.
الجواب:
أما إباء الباقين فلا يصلح معارضًا، لأن النفع للمرأة في النكاح ألغ، لأن نفعها في لنكاح راجع إلى مصلحة البقاء من التوالد والتناسل والسكن والازدواج، فإن الولد يتعلق به بقاء المرء وإنه يحتاج إلى شفيق يقوم بتصرفه لدفع القاصد عنه، فيحتاج إلى الولد ليدفع الهلاك عنه، فكانت مصلحته البقاء ومصلحة الأولياء مصلحة زائدة، فكانـ[ـت] مصلحتها راجحة، لأن مصلحة البقاء مما لا يختلف أحوال العقلاء فيه، وهذه المصلحة تختلف باختلاف الناس، فكان تحمل ضرر الأولياء لدفع هذا الضرر أولى من القلب والعكس.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه، لأن العقد ثابت، وقد وقع الشك في دفعه، فلا يرتفع بالشك. بخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء، لأن عقلها وحدها دون عقل الرجل، فإن المصلحة هناك في النكاح وإن كانت مصلحة البقاء، لكنها عرفت برأي النساء دون الرجال، فيترجح الأولياء، أما ههنا [فـ] بخلافه.
الجزء 1 · صفحة 75
32 - مسألة: أقرب الأولياء إذا غاب غيبة منقطعة، تثبت للأبعد ولاية التزويج.
والوجه فيه- أن النكاح عقد مصلحة في حقها، فوجب أن لا يتوقف نفاذه على حضور الأقرب، قياسًا على الولي الأقرب.
وإنما قلنا إن النكاح عقد مصلحة- لما فيه من مصلحة التوالد وغيره، فلو توقف على حضور الأقرب تفوت هذه المصالح، وفي هذا الزمان، عنها، وإنه ضرر.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح لو توقف على حضور الأقرب، تفوت هذه المصالح في هذا الزمان- قلنا: هذا أولًا يشكل بما إذا نام الأقرب أو أغمى عليه/، فإنه لا تثبت الولاية للأبعد، لما ذكرنا- كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أنه تفوت هذه المصالح، ولكن إلى مصلحة فوقها، وهو إنكاح الأقرب، لما فيه من زيادة النظر.
ولئن سلمنا أن إنكاح الأقرب متعذر، ولكن متى تفوت هذه المصلحة: إذا أمكن تحصيلها بغير الأبعد أم إذا لم يمكن؟ ع م. وقد أمكن تحصيلها بغير الأبعد، وهو القاضي، فلا حاجة إلى الأبعد.
الجواب:
أما إذا نام الأقرب أو أغمى عليه- فنقول: زوال النوم والإغماء غالب، والانتظار إلى زوالهما من الخاطب غالب، أما ههنا [فـ] بخلافه.
وأما قوله بأنه يفوت على مصلحة فوقها، وهو إنكاح الأقرب- قلنا: بلى، ولكن ضرر فوات الكفء الحاضر أكثر وأولى بالدفع، فلا يصلح ذلك معارضًا.
وأما القاضي- قلنا: إقامة الأبعد مقام الأقرب أولى من إقامة القاضي، لأنه أشفق وأعلم بحالها.
والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 76
33 - مسألة: المولى يملك إجبار عبده على النكاح.
والوجه فيه- أن ملك العبد إنما شرع للانتفاع به، فوجب أن يكون بسبيل منم استيفائه، تحصيلًا لمصلحة الانتفاع، والإنكاح طريق للاستيفاء، فوجب أن يجوز، قياسًا على إنكاح الأمة.
وإنما قلنا: إن ملك العبد إنما شرع للانتفاع به، فلمكان المناسبة.
وإنما قلنا: إنه يجب أن يكون بسبيل من استيفائه، لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا باستيفائه.
وإنما قلنا إن الإنكاح طريق الاستيفاء، وذلك لأن الاستيفاء إنما يكون بالصيانة له عن أسباب الهلاك، لأن الشيء متى صين عن أسباب الهلاك، يبقى ظاهرًا وغالبًا./ والنكاح طريق الصيانة عن أسباب الهلاك أو النقصان، لأن الشهوة المركبة في العبد تدعوه إلى قضاء الشهوة، فإذا لم يجد الحلال فربما يقع في الحرام وهو الزنا، وإنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة أو سبب لنقصان مالية العبد، لإقامة الحد عليه، فكان النكاح صائنًا له فكان استيفاء.
فإن قيل: قولكم بأن الزنا سبب الهلاك أو النقصان- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن زنا العبد لا يوجب الرجم، بل يوجب نصف جلدات الأحرار، وبهذا لا يهلك العبد ولا ينتقص ماليته، حتى لو اشترى عبدًا فوجده زانيًا لم يرده بالعيب. وكذلك المولى لا يملك إقامة الحد على مملوكه عندكم، ولو كان الزنا سبب الهلاك لملك صيانة لملكه.
ولئن سلمنا أن الزنا سبب الهلاك، ولكن لم قلتم بأن النكاح طريق الصيانة، وإنما يكون طريق الصيانة إذا أقدم على وطئها، وأنه قد أقدم على رد هذا النكاح- فدل أنه لا يرضاها فلا يطؤها، فلا يقع صونًا له.
ولئن سلمنا أن النكاح طريق الصيانة، ولكن صيانة الملك أمر شرع النكاح له أم لا؟ ع م. وهذا لأن النكاح شرع للسكن والازدواج وقضاء الشهوة والتوالد، لا لتحصين المال، فلا يثبت ولاية الإنكاح لهذا الغرض.
الجزء 1 · صفحة 77
ولئن سلمنا أنه يجوز إثبات الولاية لتحصيل غرض لم يشرع النكاح له، ولكن لم قلتم بأنه أمكن تحصيل هذا الغرض، وهذا لأن العبد داخل تحت ملك المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي. ولهذا لا يملك المولى منعه من الفرائض، ولو أقر على نفسه بالحدود والقصاص يصح. ولو أقر المولى عليه لا يصح، والنكاح تصرف يختص بالآدمية لا بمالية، ولأن منافع النكاح للعبد/ ومضاره عليه، والمرء لا يتمكن من صيانة ملكه لإثبات الحكم على غير المالك ولغير المالك، بخلاف إنكاح الأمة، ولأن الإنكاح ينافي مملوكية العبد، لأن فيه إثبات الولاية للعبد، وصار هذا كإنكاح المكاتب، فإنه لا يملكه مع ما ذكرتم.
الجواب:
أما قوله بأن زنا العبد لا يوجب الرجم- قلنا: بلى، ولكن إذا لم يشبع من الحلال يعتاد الزنا، وإنه عيب، حتى لو اشترى عبدًا فوجده معتادًا للزنا، فله أن يرده بالعيب. وكذا إقامة الحد عيب، حتى لو اشترى عبدًا قد زنى وأقيم عليه الحد، له أن يرده بالعيب. فثبت أن الزنا سبب لنقصان الملك، والنكاح طريق للصيانة، فيملكه المولى.
وإنما لا يملك إقامة الحد على مملوكه، لأن شفقته على ملكه تمنعه من إقامة الحد على وجهه، أما ههنا بخلافه.
وأما إباء العبد ورده للنكاح- قلنا: الشهوة المركبة فيه تدعوه إلى قضائها خصوصًا إذا وجد بطريق الحلال، وإباؤه يحتمل أنه أقدم لعدم الموافقة أو لرجاء الوصول إلى امرأة خير منها أو خوفًا من المهر والنفقة، والمحتمل لا يعارض المحكم.
قوله: صيانة الملك أمر شرع له النكاح أم لا؟ قلنا: شرع له نكاح العبيد إن لم يشرع له نكاح الأحرار، لأنه مناسب، والشرع ورد به في الأمة، والغرض من إدخاله تحت ولاية المولى هو صيانة الملك كما في الأمة.
الجزء 1 · صفحة 78
قوله بأن العبد داخل تحت ملك المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي- قلنا: بعض العلماء قالوا: العبد داخل تحت ملك المولى مطلقًا بالنص، وهو قوله تعالى: {عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} ولكنا نقول: العبد داخل تحت/ ملك المولى من حيث إنه مال، ولكن لا تحصل المالية إلا بالصيانة، والنكاح من أسباب الصيانة، فيتمكن المولى من ذلك، كما في الأمة.
قوله: بأن ملك المحل يفيد ولاية الصيانة بتصرف يثبت حكمه للمالك وعليه- قلنا: عنه جوابان: أحدهما- أن ملك المحل يفيد ولاية الصيانة بأي طريق يتمكن منه استيفاء لملكه. والثاني- وهو أن إنكاح العبد يفيد حكمًا للمولى وعلى المولى: أما له فصيانة ملكه، وأما عليه فشغل رقبة العبد بالمهر والنفقة.
قوله بأن الملك يفيد تصرفًا يقرر المملوكية، والإنكاح ينافي مملوكية العبد- قلنا: بلى. وإنه يقرر مملوكية العبد من حيث إنه مجبور في ذلك، والمولى باشر هذا التصرف من غير (؟ )، صيانة لملكه، كما في الأمة:
والله أعلم.
34 - مسألة: العجز عن الإنفاق لا يوجب حق المطالبة بالتفريق
والوجه فيه- أن العجز عن الإنفاق لا يخل بالمصالح المطلوبة من النكاح- فلا يوجب حق المطالبة بالتفريق، قياسًا على العجز عن المهر بعد تسليم النفس.
وإنما قلنا ذلك- لأن المصالح المطلوبة من النكاح هي التوالد والتناسل وقضاء الشهوة والسكن والازدواج، وهذه المصالح لا تختل بالعجز عن الإنفاق، لأن ذلك يبتني على إمكان الوطء، والعجز عن الإنفاق لا يخل بإمكان الوطء.
الجزء 1 · صفحة 79
فإن قيل: قولكم بأن المصالح المطلوبة من النكاح هي التوالد وغيره- قلنا: هذه كل المصالح أم بعضها؟ ع م- وهذا لأن المهر والنفقة مقصود للمرأة من النكاح لحاجتها إليها، وعجزها عن الكسب، والعجز يخل بهذا المقصود.
ولئن سلمنا أنها كل المصالح، ولكن لم قلتم بأنها لا تختل بالعجز؟ - بيانه: أن هذه المصالح إنما تحصل بالدوام على النكاح والتمكين/ من الوطء وذلك بالبقاء، والبقاء بالنفقة. فإذا عجز عن ذلك يختل البقاء فيختل المقصود.
ولئن سلمنا أن العجز عن الإنفاق لا يخل بهذه المصالح، ولكن النفقة مستحقة بعقد النكاح بالإجماع، والعجز عن المستحق يوجب المطالبة بالتفريق.
ولئن سلمنا أن العجز عن الإنفاق لا يخل بالمصالح ولكن لم قلتم بأنه لا يثبت حق المطالبة؟ غاية ما في الباب أن فيه إبطال حق الزواج وإنه ضرر، ولكن في المنع من الإبطال إضرار بالمرأة، وصار هذا كما إذا عجز المولى عن الإنفاق على عبده الصغير أو أمته: يجبر على البيع. وإن عجز البائع عن تسليم المبيع يثبت للمشتري حق الفسخ.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: {فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ} وقد تعذر أحدهما فيتعين الآخر.
الجواب:
قوله: هذه كل المصالح أم بعضها؟ قلنا: كل المقاصد المطلوبة من النكاح، لأن المقصود الأصلي بالنكاح مالا وجود للنكاح بدونه، ولا وجود للنكاح بدون هذه المصالح، وله وجود بدون النفقة ابتداء وبقاء.
الجزء 1 · صفحة 80
قوله: بأن البقاء بالنفقة- قلنا: بلى، والقدرة على النفقة حاصلة في الجملة، لأنه يمكنها أن ترفع الأمر إلى القاضي حتى يفرض النفقة على الزوج أو تستقرض هي عليه، فيحصل البقاء.
قوله: النفقة مستحقة بعقد النكاح- قلنا: بلى، ولكن القدرة عليها حاصلة في الجملة، كما بينا. وإن لم تكن حاصلة في الحال، فلا توجب إبطال حق الزوج.
قوله بأن ضرر الزوج معارض بضرر المرأة- قلنا: لا يعارضه، لأن ضررها يمكن تداركه في الثاني، بأن يكتسب الزوج أو يستقرض، وحق الزوج يفوت أصلًا، فكان الترجيح لضرر الزوج.
وأما نفقة المملوك فلا ترد نقضًا/، لأن نفقة المملوك لا تصير دينًا في ذمة المالك، وفي الجبر على البيع تفويت حق المالك إلى عوض- أما ههنا بخلافه:
وأما مسألة الشراء- قلنا: ثم فات كل المقصود بالعقد وهوالمبيع- أما ههنا بخلافه، لما ذكرنا.
وأما النص- قلنا: الجواب عن الاستدلال به من وجهين.
أحدهما- لا نسلم أنه عجز عن الإمساك بالمعروف، لأن الإمساك بالمعروف كما يكون بإيفاء حقها في الحال، يكون بالوعد باللسان كما في الإيلاء.
الجزء 1 · صفحة 81
والثاني- سلمنا أنه عجز عن الإمساك بالمعروف، ولكن إنما يجب عليه التسريح بالإحسان إذا قدر علي، ولم يقدر عليه، لأن التسريح بالإحسان بإيفاء المهر والنفقة، وهو عاجز عنهما.
والله أعلم.
35 - مسألة: إذا سبي الزوجان معًا، لا تقع الفرقة بينهما.
والوجه فيه- أن ملك النكاح لو زال بالسبي لا يخلو: إما أن يكون الزوال حكمًا للسَّبي قصدًا وابتداء، أو بناء عليه.
لا وجه للأول- لأن الحكم المقصود بالسبي هو ثبوت الملك للسابي، لا زوال ملك النكاح.
ولا وجه للثاني- لأن زوال ملك النكاح ليس من لوازم الحكم الأصلي للسبي، بدليل أنها لو كانت منكوحة لمسلم أو ذمي لا يزول ملك النكاح.
فإن قيل: قولكم إن ملك النكاح لو زال بالسبي لا يخلو: إما أن يزول حكمًا للسبي قصدًا وابتداء، أو بناء- قلنا: لم قلتم بأنه لا يزول حكمًا للسبي قصدًا؟ وهذا لأن السبي ينبئ عن الأسر والاسترقاق، وذلك ينبئ عن الضعف والعجز، وملك النكاح عبارة عن القدرة والقوة، فإثبات الضعف يكون مقتضى السبى مقصودًا.
ولئن سلمنا أن ملك النكاح لا يزول بالسبى قصدًا وابتداء-[فـ] قلتم بأنه لا يزول بناء؟ .
قوله: ليس ذلك من لوازمه- قلنا: لا نسلم.
وأما ما ذكر من نكاح المسلم والذمي/- قلنا: امتنع ثبوته ثمة لمانع، وهو عصمة ملك المسلم والذمي، أما ههنا بخلافه.
الجزء 1 · صفحة 82
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن ملك النكاح لا يزول، ولكن هنا دليل آخر يأبى ذلك، وذلك لأن ملك الرقبة ثبت بالسبى، ومن لوازم ملك الرقبة ولاية الإنكاح ممن شاء، ولا يملك ذلك إلا بزوال ملك النكاح. ولأن ملك الرقبة علة لملك المتعة. وإذا ثبت ملك المتعة للسابي يزول ملك الزوج، لاستحالة ثبوته للشخصين في حالة واحدة، وصار كما إذا سبيت المرأة وحدها، وكما لو سبي منكوحة نقسه، فإنه يزول ملك النكاح.
ثم هذا معارض بما روى أبو سعيد الخدري قال: لما سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس قلنا: يا رسول الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن؟ فنزل قوله تعالى: {والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وكان في سبى أوطاس خلق وقع السبى عليهم مع نسائهم ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض"- فأباح وطأهن بعد الاستبراء لانفساخ نكاحهن.
الجواب:
قوله بأن السبى ينبئ عن الأسر والاسترقاق- قلنا: بلى، ولكن بطريق الضرورة، لأن الدليل ينفي الاسترقاق، والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، والضرورة في حق ثبوت الملك لا في غيره.