الجزء 1 · صفحة 1
سراج الظلمات في شرح أيها الولد
لأبي سعيد الخادمي
بعناية الدكتور صلاح أبو الحاج
أيها الولد
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله أجمعين اعلم أن واحداً من الطلبة المتقدمين لازم خدمة الشيخ الإمام زين الدين حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي واشتغل بالتحصيل وقراءة العلم عليه حتى جمع دقائق العلوم واستكمل فضائل النفس ثم إنه تفكر يوماً في حال نفسه وخطر على باله وقال إني قرأت أنواعاً من العلوم وصرفت ريعان عمري على تعلمها وجمعها والآن ينبغي على أن أعلم أي نوعها ينفعني غداً ويؤنسني في قبري وأيها لا ينفعني حتى أتركه كما قال - صلى الله عليه وسلم - اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع فاستمرت هذه الفكرة حتى كتب إلي حضرة الشيخ حجة الإسلام محمد الغزالي رحمه الله استفتاء وسأل عنه مسائل والتمس نصيحة ودعاء ليقرأ في أوقاته قال أي ذلك الطالب وإن كان مصنفات الشيخ الإمام كالإحياء وغيره تشتمل على جواب مسائلي لكن مقصودي أن أكتب الشيخ حاجتي في ورقات تكون معي مدة حياتي وأعمل بما فيها مدة عمري إن شاء الله تعالى فكتب الشيخ هذه الرسالة في جوابه اعلم أيها الولد والمحب العزيز أطال الله بقاءك بطاعته وسلك بك سبيل أحبائه إن منشور النصيحة يكتب من معدن الرسالة - صلى الله عليه وسلم - إن كان قد بلغك منه نصيحة فأي حاجة لك في نصيحتي وإن لم تبلغك فقل لي ماذا حصلت في هذه السنين الماضية أيها الولد من جملة ما نصح به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمته قوله - صلى الله عليه وسلم - علامة إعراض الله تعالى عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وإن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له من العبادة جدير أن يطول عليه حسرته ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار وفي هذه النصيحة كفاية لأهل العلم أيها الولد سهل والمشكل قبولها لأنها في مذاق متبع الهوى مر إذ المناهي محبوبة
الجزء 1 · صفحة 2
في قلوبهم على الخصوص من كل طالب العلم الرسمي مشتغل فضل النفس ومناقب الدنيا فإنه يحسب أن العلم المجرد وسيلة سيكون نجاته وخلاصه فيه وإنه مستغنه عن العمل وهذا اعتقاد الفلاسفة سبحان الله العظيم لا يعلم هذا القدر أنه حين حصل العلم إذا لم يعمل به يكون حجة عليه آكد كما قال - صلى الله عليه وسلم - إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه وروي أن جنيداًَ قدس الله روحه العزيز رؤي في المنام بعد موته فقيل له ما الخبر يا أبا القاسم قال قد طاحت العبارات وفنيت الإشارات ما نفعتنا إلا ركعتان في جوف الليل أيها الولد لا تكن من الأعمال مفلساً ولا تكن من الأحوال خالياً بأن تتيقن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد مثاله لو كان على رجل في برية عشرة أسياف هندية مع أسلحة أخرى وكان الرجل شجاعاً وأهل الحرب فحمل عليه أسد مهيب ما ظنك هل تدفع الأسلحة شره منه بلا استعمالها وضربها ومن المعلوم أنها لا تدفع إلا بالتحريك والضرب فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها لا يفيد إلا بالعمل ومثاله لو كان لرجل حرارة ومرض صفراوي يكون علاجه بالكنجيين والكشكاب فلا يصل البرء إلا باستعمالها شعر
كرمى دوهزار رطل بيمايي ... تامي نخوري نباشدت شيدايي
الجزء 1 · صفحة 3
أيها الولد ولو قرأت العلم مائة سنة وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعداً ولا مستحقاً لرحمة الله تعالى إلا بالعمل كقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاًْ} جزاء بما يعملون جزاء بما كانوا يكسبون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً وما نقول في هذا الحديث بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً والإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان ودليل الأعمال أكثر مما يحصى لأن رحمة الله قريب من المحسنين ولو قيل العبد يبلغ أيضاً بمجرد الإيمان قلنا نعم لكن متى يبلغ كم من عقبة كؤدة تستقبله إلى أن يصل إلى المطلوب أول تلك العقبات عقبة الإيمان هل يسلم من السلب أم لا وإذا وصل إلى الجنة يكون جنياً مفلساً لما قال الحسن يقول الله تعالى يوم القيامة ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بقدر أعمالكم أيها الولد ما لم تعمللم تجد الأجر حكاية إن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله تعالى سبعين سنة فأراد الله تعالى أن يجلوه فأرسل الله تعالى ملكاً يخبره أنه مع تلك العبادة لا يليق به الجنة فلما بلغه قال العابد نحن خلقنا للعبادة فينبغي لنا أن نعبدوه فلما رجع الملك قال إلهي أنت أعلم بما قال فقال الله تعالى إذا هو لم يعرض عن عبادتنا فنحن مع الكرم لا نعرض عنه اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا قبل أن توزنوا وقال علي - رضي الله عنه - من ظن إنه بدون الجهد يصل إلى الجنة فهو متمن ومن ظن أنه ببذل الجهد يصل فهو متعن قال الحسن رحمة الله عليه طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وقال علم الحقيقة ترك ملاحظة ثواب العمل لا ترك العمل وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكيس من دان
الجزء 1 · صفحة 4
وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله المغفرة
أيها الولد كم من ليال أحييتها بتكرار العلم ومطالعة الكتب وحرمت على نفسك النوم لا أعلم ما كان الباعث فيه إن كان نيتك غرض الدينا وجذب حطامها وتحصيل مناصبها والمباهات على الأقران والأمثال فويل لك ثم ويل لك وإن كان قصدك فيه إحياء شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتهذيب أخلاقك وكسر النفس الأمارة بالسوء فطوبى لك ثم طوبى لك وقد صدق من قال شعر سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل
أيها الولد عش ما شئت فإنك ميت وأحب ما شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به
ناقص إلى ص27 من الشرح
الجزء 1 · صفحة 5
أيهاالولد) ثم أراد أن يبين العلوم التي لا نفع في تحصيلها فقال (فأي شيء حاصل لك) الظاهر أن الاستفهام إنكاري أي لا يحصل لك نفع (من تحصيل علم الكلام) فإن قيل كون الكلام ممنوعاً وإن كان موافقاً لمافي نحو الدرر من الشافعي رحمه الله تعلى أنه قال لأن يلقى الله تعالى عبد بأكبر الكبائر خير من أن يلقاه بعلم الكلام فإذا كان حال الكلام في زمانهم هكذا فما ظنك بالكلام المخلوط بهذيانات الفلاسفة المغمورة بأباطيلهم المزخرفة انتهى ولما في غيره من منع أبي حنيفة وكذا أبي يوسف رحمهما الله تعالى لكنه مخالف لما في التاتارخانية والبزازية واختاره في الطريقة المحمدية من أنه واجب على الكفاية بل المصنف نفسه أشار إلى جوازه في المنقذ من الضلال قلنا المنع محمول على وراء الحاجة أو على أنه لتخجيل الخصم وتغليطه كما في البزازية أو للخلط بالفلسفيات كما فيه أيضاً وأشير في الدرر بل نقل عن الإحياء كونه من فروض الكفاية أنه خصص بما هو المقاصد الكلامية مع أدلتها وماهو مجمع بين أهل السنة وأما مباديه فمن استقصاء الكلام كما نقل عن المصنف وأما الفروق بين الأشاعرة والماتريدية فقيل في المندوبات (والخلاف) هذاإما علم يعرف به تفاصيل خلاف المتكلمين أو الفقهاء أو علم الميزان أو علم المناظرة الأولى يعني مجادلة الفرق الضالة بل الفلاسفة ممنوعة في نفسها والاشتغال بردهم ليس بمفيد لأنهم لا يلزمون بذلك لمجبولية طباعهم على التعنت فلا يفيد شيئاً سوى تشهير مذاهبهم كما نقل عن بعض السلف لكن نقل عن المصنف أن ذلك فرض عند الخوف من الزيغ في عقائد أهل السنة وأما خلاف الفقهاء فلعله من المندوبات لما في الفتاوى النظر في كتب أصحابنا خير من قيام الليل وإن كان بلا سماع ومن قراءة القرآن بل من صلاة التسبيح التي هي أفضل النوافل لأن كل مجتهد متساو في الصواب أو الخطأ في نفسه وأما علم الميزان فأشار إليه المصنف في المنقذ أنه في نفسه جائز بل لازم وإنما
الجزء 1 · صفحة 6
الآفة بإهماله في العلوم الدينية فالمنع من المنطق مبني على نحو هذا وقد قال علي القاري في شرح حديث الأربعين عن السيوطي إنه يحرم علوم الفلاسفة كالمنطق بإجماع السلف وأكثر المعتبرين كابن الصلاح والنووي وجمعت في تحريمه كتاباً نقلت فيه نصوص الأئمة والغزالي رجع إلى تحريمه بعد ثناء عليه في أول المنتقى وجزم السلفي عن أصحابنا وابن الرشيد من المالكية بأن المشتغل به لا يقبل روايته انتهى لكن السيوطي في الإتقان صحح أن القرآن مشتمل على الحجج المنطقية والقواعد الجدلية لكن على طريق الإشارة لا الصراحة لعدم شهرة ذلك عند نزول القرآن الذي نزل على لسانهم فالمنع والتحريم ليس على إطلاقه وأما علم المناظرة فلعله عند عدم الحاجة والضرورة فالنقل عن المصنف جواز الاشتغال بمجادلات الفرق عند مس الحاجة كيف وهو جزء من علم الأصول وهو مما يحتاج إليه على الإطلاق كالفقه وقال البزازي قوله تعالى {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء} إشارة إلى مناظرة إبراهيم عليه السلام ودل كونه من حجج الله مضيفاً إلى نفسه على قدر شرفه (والطب) قال في التاتارخانية إنه من فروض الكفاية والتعمق فيه ليس بواجب بل فيه زيادة قدرة على الكفاية وعن الشافعي في بعض شروح السراجية العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان وإن حكم بوضعه عند كونه حديثاً كما في الخلاصة وقد قال بعضهم إن الطب فرض كفاية عند الغزالي ويستحب عند الجمهور فالمنع هنا ليس مما يعول عليه على إطلاقه إلا أن يحمل على أن الاشتغال بالمفضول عند إمكان الأفضل من قبيل ما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين وإن مثله من الكفاية عند إقامة الغير مما يعد من تضييع العمر ولهذا لم يشتهر علمه من علماء الدين مع حرصهم على درك الفضائل (والدواوين) جمع ديوان (والأشعار) لعلهما متحدان وإن فهم التغاير عن كلام بعض (والنجوم) قال في التاتارخانية وأما علم الشعر والنيرنجات والطلمسات ونحوها فهي غير
الجزء 1 · صفحة 7
محمودة روي عنه عليه السلام في حق أبيات العرب علم لا ينفع وجهل لا يضر وعد في الأشباه أشعار المولدين من الغزل والبطالة من المكروه والأشعار مثل ما ذكر فيها الوطن والفراق التي لا سخف فيها من المباح والتنجيم من الحرام كالفلسفة وفي بعض الرسائل عن الأشباه عد الأشعار التي تنبئ عن سخافة العقل كالتي تتعلق بعشق النساء من الحرام عن القشيري في التي قصد بها التمثيلات كما في بعض السالكين بجوازها وفي قاضيخان في التي ذكر فيها الفسق كالخمر والغلام بالكراهة وعلل بأنه من الفواحش وعن بعض الكتب إن كان بطريق الاستدلال كاستدلال الطبيب بالنبض بقضائه تعالى فجائز وإن لا بقضائه تعالى أو بدعوى علم الغيب فكفر (والعروض) لعل حاله مثل حال الشعر بل أشنع (والنحو والتصريف) لعل المراد منهما بل من الكل الإفراط في الاشتغال على وجه يعطل الأهم من العلوم والعبادات وراء الحاجات وإلا فلكون القرآن عربياً يتوقف الوقوف على معانيه عليهما فكيف يتصور المنع من علم يتوقف عليه القرآن والحديث قال ابن حجر في شرح الأربعين وجب كون المنطف علماً شرعياً إذ هو ما صدر من الشارع أو توقف عليه الصادر من الشارع توقف وجود كعلم الكلام أو توقف كمال كعلم النحو والمنطق انتهى وبالجملة إن المنع في أكثر هذه العلوم كترك العزيمة والقناعة بالرخصة والمتصوفة جعلوا الرخص كالحرام بلا ضرورة والاعتصام بالعزائم كالفروض والواجبات فافهم ذلك وفي شرح الحصن لعي القاري قال الشبلي حين قيل لم لم تفتح باب الإفادة لينتفع أصحاب الاستفادة فقال والذي نفسي بيده لحضور قلبي في استغراف نور ربي خير من علوم الأولي والآخري وهذا المعنى هو زبدة كلام الأنبياء والمرسلين وباقي الأحكام والأمور إنما هو من العوارض في سير السالكين فاقصد المقصد الأقصى والمسند الأعلى والمقام الأسنى والحالة الحسنى الموجبة للزيادة في الدنيا والعقبى انتهى وذلك عندهم بعلم تصفية الباطن المشار في الحديث بعلم
الجزء 1 · صفحة 8
المكاشفة (غير تضييع العمر) فيما لا يعتد به أصلاً أو كمالاً كما عرفت تفصيله (بجلال ذي الجلال) القسم إما لصدق الرغبة في جواب القسم أو لأمارة الإنكار لعدم التعارف من نحو الإنجيل أو مايقال إنه لا يسئل ولا يعاقب الميت من حين قبض الروح إلى أن يدفن كما في بعض الكتب (إني رأيت في الإنجيل) يشكل بمنع النظر للكتب السابقة كما في حديث عمر رضي الله عنه وقرر في الأصول أن شريعة من قبلنا شريعة لنا لكن إذا قصها الله أو أخبر الرسول لعدم الأمن فيما في أيديهم من الكتب لاحتمال التحريف إلا أن يفرق بين ما يتعلق بالأحكام وغيره أو بمخالفة قواعد شريعتنا أو عدمها وادعى أن ذلك ليس بمخالف بقاعدة ولا بأثر قوي أو ضعيف فتأمل (إن عيسى عليه السلام قال من ساعة أن يوضع الميت على الجنازة) بكسر الجيم الذي يحمل به الميت (إلى أن يوضع شفير قبره) طرفه (يسأل الله بعظمته منه) الظاهر بلا واسطة ملك (أوله ما يقول الله تعالى عبدي طهرت منظر الخلق سنين) أي مدة عمرك بتزيين الجوارح سيما الاشتغال بنحو العلوم السابقة ففائدة هذا النقل هي هذا يعني أن مثل تلك العلوم إنما هو لتطهير منظر الخلق وتطهير منظرهم مما يسئل عنه ابتداء سؤال مناقشة وعتاب (وما طهرت منظري ساعة وكل يوم أنظر في قلبك) بل علمه محيط دائماً أحوال قلوب كل أحد (فيقول يا عبدي ما تصنع بغيري) الظاهر استفهام إنكار والباء سببية يعني لا تصنع لأجل غيري بل ليكن عملك لأجلي لأنك مستغرق بنعمي وليس لك نعمة ولو حقيرة من غيري حتى يكون داعياً لعملك له ويشير إليه قوله (وأنت محفوف) أي محاط ومستغرق (بخيري) الظاهر جملة حالية في مقام التعليل كما أشير (أما أنت أصم لا تسمع) هذا القول إما من الإنجيل فكأنه تعالى يقول ألم تعلم ورود خيري عليك فلم لم تعمل على موجبه بل تعمل على خلافه من تطهير منظر الخلق أو ممن يخاطب طالبه المعهود ألم تسمع مثل هذه القصة فلم لم تعمل (أيها الولد) فلما أوهم فيما سبق
الجزء 1 · صفحة 9
المنع عن العلم بالكلية فدفعه مع العناية إلى اهتمام العمل أيضاً وقال (العلم بلا عمل جنون) لأن العلم سوى الاعتقاديات ليس بمقصود في نفسه بل لأجل العمل فلولا العمل فلا فائد فيه فتحمل أعباء العلوم وارتكاب مشاق تحصيله بلا عمل لا يصدر إلا ممن سلب عنه العقل إذ العقلاء لا يتجاسرون على محن ما لا ينفعهم (والعمل بلا علم لا يكون) عملاً أصلاً أو معتداً به إذ أحكام العمل وتمييز أنواعها وبيان ماهيته وما يترتب عليه إنما هو بالعلم وقد قيل إن الصوفي الجاهل مسخرة للشيطان كما في الفوائح المسكية إنه غلب على الشيخ عبد القادر الجيلاني العطش في برية قال فأظلني سحابة ونزل علي منها شيء يشبه الندى ونوديت منها يا عبد القادر أنا ربك قد حلت لك المحرمات فقلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اخنس يا لعين فإذا انقلب ذلك النور ظلاماً والصورة دخاناً ثم خاطبني وقال نجوت مني بعلمك لحكم ربك وفقهك وقد أضللت بمثل هذه الوقعة سبعين من الصوفي الجاهل (واعلم أن كل علم) أي مجرد عن العمل (لا يبعدك اليوم عن المعاصي) يعني أن العلم الذي لا يبعدك بمجرده عن المعاصي (ولا يحملك) اضطراراً (على الطاعة) في الدنيا كذلك (لن يبعدك غداً عن نار جهنم) فلا تغتر بعلمك فإن العم ليس بمستقل في هداية الطريق المستقيم بل لا بد من التقيد والاهتمام بعمل بموجبه بكسر النفس وترك الهوى وصرف الأوقات إلى دقائق وظائف الأعمال وحقائق رواتب الطاعات في جميع الأحوال (وإذا لم تعمل بعلمك) اليوم (ولم تدارك الأيام الماضية) بالتوبة الصادقة والقضاء وأداء الحقوق واسترضاء الخصوم مع أن لكل وقت وظيفة فلو فات ففي أي وقت بتدارك بل للوقت الآخر وظيفة كذلك (تقول غداً يوم القيامة) بيان لمعنى الغد على طريق التوضيح (فارجعنا) أي أعدنا لعل الفاء متعلق على ما ورد عليه من العقوبات أو آثارها أوجئ على طريق الاقتباس فلا يقصد تعلقه بما قبله هنا بل المتعلق مطلوب في محله الأصلي (نعمل
الجزء 1 · صفحة 10
صالحاً) غير الذي كنا نعمل (فيقال يا أحمق) القائل من الملائكة (أنت من هناك جئت) يعني قد جئت من تلك الدنيا أو من أي محل تجيء لقد صدق من قال يا من تقاعد عن مكارم خلقه وليس التفاخر بعلوم الظاهرة من لم يهذب علمه أخلاقه لم ينتفع بعلومه في الآخرة (أيها الولد) لعل هذا إشارة إلى بيان طريق العمل وقدر الاجتهاد فيه (اجعل الهمة في الروح) لعل المعنى ليكن قصدك إلى تجلية الروح التي هي المقصود الأصلي للمتصوفة إذ الوصول إلى المقامات بقطع العقبات وإلى المكاشفات والتجليات لا يكون إلا بها وتجلية الروح لا تحصل إلا بتصفية القلب وذا لا تحصل إلا بتزكية النفس وإليها يشير بقوله (والهزيمة في النفس) يعني اجعل الكسر أي القهر والمخالفة في النفس وهي قوة شهوية تتعلق بكل البدن على السوية وهي منشأ الصفات الذميمة واتصافها بالحميدة قال عليه السلام أعدى عدوك الحديث فإن لم تقهرها بل وافقتها وساعدت دواعيها فتجعلك خديماً لنفسها وأسيراً لها ومن كان كذا لا يخدم ولا يعبد مولاه لأن من كان مسخراً لعدو الله وخديماً له لا يعبد الله تعالى (والموت في البدن) عد نفسك في الموتى واقنع بما يحصل به وطر الموتى أو اعمل للموت (لأن منزلك القبر) فعمر منزلك الذي هو ملك لك خلاف منازل الدنيا لأنها عارية عندك فالعاقل لا يضيع عمره في تعمير ملك الغير دون تعمير ملكه (وأهل المقابر ينتظرون إليك في كل لحظة متى تصل إليهم) لعلهم يتبركون بجواريته وينتفعون بصحبته أو قربيته ولذا عد من حقوق الميت دفنه قرب قبور الصالحين وقد جاء في الدعاء اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول (إياك وإياك) تأكيد تحذير لزيادة اهتمام العمل الذي يسرهم وتركه يحزنهم (أن تصل إليهم بلا زاد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه) لعل الغرض منالنقل بيان فائدة العمل وتأييد منافع العمل ومن غرائب مناقبه رضي الله عنه في الفوائح عن رضوان السمان أنه قال كان لي
الجزء 1 · صفحة 11
جار فشتم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فتضاربنا بهما معه فانصرفت إلى منزلي مغموماً حزيناً فنمت تارك الصلوات من الغم فرأيت رسول الله عليه السلام فشكيت من سبه إليهما فقال خذ هذه الدنية فاذبحه فأخذتها وأضجعته فذبحت فانتبهت وأنا أسمع الصراخ من داره فقلت انظروا ماهذا قالوا فلان مات فجأة فلما كان الصباح نظرت إليه فإذا حط موضع الذبح (وهذه الأجساد) أي أجساد الإنسان (قفص الطيور) أي كقفص الطيور التي من شأنها أن ترتفع إلى جانب العلو أي عند خلاصه من القفص (واصطبل الدواب) جمع دابة أي من شأنها أنها لا تنتقل بطبعها من اصطبها للعلف ولو انتقلت تنتقل إلى أخرى سفلى مثلها (فتفكر في نفسك من أيها) أي من القفص والاصطبل (أنت إن كنت من الطير العلوي) إشارة إلى وجه الشبه وذلك إنما يكون بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق والدقة في الأعمال والخوف والخشية في الباطن والظاهر (فحين تسمع طنين) صوت (طبل ارجعي) حين الانتقال من دار الفناء من ملائكة الرحمة وهو عند النزع ويقولون (ألا تخافوا) للانتقال إلى دار غربة ووحشة (ولا تحزنوا) لترك نحو الأولاد والأحباء والأموال وفراقهم (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) {يا أيتها النفس المطمئنة} بذكره تعالى وطاعته {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} {ارجعي إلى ربك} الآية (تطير صاعداً إلى أن تقعد في أعالي بروج الجنان) يعني حين يخرج روجه يطير إلى الجنة ويتقرر فيها وهذا معنى قوله إلى أن تقعد في أعالي بروج الجنان (كما قال - صلى الله عليه وسلم - اهتز عرش الرحمن من موت سعد بن معاذ - رضي الله عنه -) وقال شراح الحديث إنما يهتز تنشيطاً وسروراً لقدوم روحه إذ العرش موضع أرواح السعداء وقيل المراد حملته يهتزون إما لمسرتهم أو من ثقلة ثوابه وثيل السرير الذي يوضع عليه الميت لثقلته بالثواب أيضاً والكاف في قوله كما قال بمعنى المثل فيعد العرش من الجنة بحكم المجاورة كما قال - صلى الله عليه وسلم - سقف الجنة
الجزء 1 · صفحة 12
عرش الرحمن (والعياذ بالله إن كنت) أي نعوذ بالله العياذ فمفعول مطلق لفعل محذوف عطف على قوله إن كنت من الطير العلوي (من الدواب السفلي) بإرسال النفس على هواها والميل إلى لذاتها (كما قال الله تعالى {أولئك كالأنعام}) أي كالدواب على وجه الشبه على سوق المصنف يقتضي الانتقال من مكان سفل إلى أسفل منه والظاهر هو عدم الشعور والتأمل في عواقب الأمور وترك الاستدلال فيما يستدل عليه فافهم ({بل هم أضل}) في عدم الفهم والشعور (فلا تأمن من انتقالك من زاوية الدار) أي الدنيا (إلى هاوية النار) إما علم لجنس نار جنهم أو لطبقتها يعني إن كنت من الأشقياء يكون موتك سبباً لدخول النار قال الله تعالى {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً} وجاء في الخبر فحين الموت يدخل الملائكة في عروقه ويعصرون روحه من قدميه إلى ركبتيه ثم طائفة أخرى إلى البطن ثم أخرى إلى الحلقوم فعند ذلك إن كان مؤمناً ينشر جبرائيل عليه السلام جناحه الأيمن وفيه صورة الجنة وما فيها من الحور والقصور والغلمان فيرى مكانه في الجنة ولم ينظر إلى أبويه وأولاده فيخرج روحه لحبه وإن كان منافقاً ينشر جناحه الأيسر وفيه صورة النار وما فيها من العذاب كالقطران والحيات والعقارب فيرى مكانه في النار فلم يقدر إلى نظر أولاده وأبويه من فزع ذلك المكان (روي أن الحسن البصري - رضي الله عنه - أعطي له شربة ماء بارد فلما أخذ القدح غشي عليه) أي زال عقله (وسقط) أي القدح (من يده فلما أفاق قيل له ما بالك يا أبا سعيد قال ذكرت) أي أخطرت الظاهر من الذكر (أمنية) أي طلب (أهل النار حين يقولون لأهل الجنة أن أفيضوا) أي صبوا (علينا من الماء أو مما رزقكم الله من نعم الجنة) ثم الغيان إما للخوف لأن يكون من أهل النار القائلين ذلك وإما للنشاط والسرور لنعم أهل الجنة وعلى التقديرين تحذير عن ترك العمل وتحريض على فعله لعل المقصود من قص هذه هو ذلك (أيها الولد) (إن
الجزء 1 · صفحة 13
كان) لفظ أن بمعنى لو بل الأولى أن يقال لو كان (العلم المجرد كافياً لك ولا تحتاج إلى عمل سواه) الظاهر عموم العمل إلى الفضائل وظاهر قوله (لكان نداء هل من سائل) أي نداء مناد من قبل الله تعلى وقت الثلث الأخير من الليل هل من سائل أي داع فأستجيب له (هل من مستغفر) فأغفر له (هل من تائب) فأقبل توبته (ضائعاً بلا فائدة) يقتضي التخصيص بالفرائض والواجبات إذ الاستغفار والتوبة إنما يكونان لمعصية والمعصية لا يتصور في ترك الفضائل إلا أن يفرق بين توبة الخواص واستغفارهم وبين العوام والإشكال بالعوام والكلام في الخواص فإن قلت العالم الغير العامل يجوز منه الاستغفار والسؤال فكيف يصح الملازمة قلت الظاهر من الاستغفار ونحوه هو الشمول بالأعمال أي بتركها وممتنع شرعاً أن يستغفر على ترك عمل مع الإصرار على ذلك الترك وعدم القصد على إتيانه على أن مثل هذه من الخطابيات المقصودة منها الترغيب على ما ينفعهم والترهيب عما يضرهم فلا يضر مثل تلك الشبهة كالتحقيقات فاعرفه ثم بيان هذا المقام على نهج ما نبه في المرام مضمون حديث نقل عن غاية البيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا فمثل هذه المطالب مما يمتنع إداركه بالرأي بقي أنه إنما اختار في إثبات العمل باستغفار السحر وتوبته وكذا جميع عبادته على سائر الأوقات كما يدل عليه جميع ما سيذكره من قوله (وروي أن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذكروا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -) وهو من كبار فقهاء الأصحاب ومن العبادلة الثلاثة الظاهر ذكر علمه وإلا فلا يحسن التأييد لما قبله (عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال نعم الرجل هو لو كان يصلي بالليل) الظاهر هو نحو التهجد وتخصيصها لقوة شرفها لأن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلا وفي بعض التفاسير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خير له من الدنيا وما فيها ولولا أن أشق على أمتي
الجزء 1 · صفحة 14
لفرضتها عليهم وفي جامع الصغير بلفظ يركعهما ابن آدم بدل العبد وفيه أيضاً ركعتان في جوف الليل يكفران الخطايا ثم الظاهر أنه لو كفى العلم المجرد لسكت عليه السلام عند مدح ابن عباس - رضي الله عنهم - ولم يسكت بل جعل مدار المدح صلاة الليل وكان مدار المدح ليس مجرد علم الصلاة بل انضمام الصلاة بعلمه - رضي الله عنه - كما في جامع الصغير ركعة من عالم بالله خير من ألف ركعة من مجاهل بالله وفيه أيضاً ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من غير عالم (وقال - صلى الله عليه وسلم - لرجل من أصحابه يا فلان لا تكثر من النوم بالليل فإن كثرة النوم باليل يدع) أي يترك بمعنى يجعل (صاحبه فقيراً يوم القيامة) وفي طهارة القلوب وأعجب لمن يضيع سحره بالنوم كمن يبيع الثلج وقد بقي عنده شيء يذوب لسخافته فينادي ارحموا من يذوب رأس ماله يا مضيعاً أوقاته بالكسل كلما كان الفقير كسلاناً لا يجد الغناء تبيع قيام الليل بزيادة لقمة وشربة كأس النوم ففاتك رفعة {تتجافي جنوبهم} وخرج فرصة السحر ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف والله لو بعت لحظة من لذة سحر بما يملك قارون في عمر نوح لكنت مغبوناً انتهى (أيها الولد) ({ومن الليل فتهجد به نافلة لك} أمر) من الله لكافة عباده وموجب الأمر هو الوجوب وقد علله الله تعالى بقوله {عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} فهناك كلام لا يتحمله المقام ({وبالأسحار هم يستغفرون} شكر) أي مدح الله تعالى وثناء لمستغفري السحر ومن السعادة العلية كان الله مادحه إذ لا يعذب من مدحه ({والمستغفرين بالأسحار} ذكر) مصداقه ذكر لأن كل شيء مذكر له تعالى فهو ذكر فالاستغفار إلى الله ليس إلا ذكر الله أو المعنى ذكر من الله إياهم يعني المستغفرين ولن يخيب من يذكره الله فالحاصل مما ذكر أن صلاة التهجد مأمور وقد أثنى الله تعالى المستغفرين بالأسحار وذكرهم فالعاقل لا يفوت مثل تلك الفرصة ولا يتركه ثم أيد فضيلة الاستغفار فيها بحديث فقال (قال
الجزء 1 · صفحة 15
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث أصوات يحبها الله تعالى صوت الديك) ولذا يستجاب الدعوة عند صيحته كما في الحديث الصحيح (وصوت الرجل الذي يقرأ القرآن) وفضلها مما لا يخفى لأنه كالمكالمة والصحبة مع الله تعالى (وصوت المستغفرين بالأسحار) لعل وجه كونه محبوباً لأنه وقت يفرغ فيه القلب عن الأشغال الدنياوية ويتوجه إلى عالم القدس بالتفرغ عن وساوس الشيطان وإنه وقت إدبار الليل وإقبال النهار (قال سفيان الثوري رحمه الله إن الله تعالى خلق ريحاً تهب) من الهبوب (وقت الأسحار تحمل الأذكار) كلها (والاستغفار إلى الملك) أي إلى قبول الملك ورضائه (الجليل الجبار وقال) سفيان (أيضاً إذا كان أول الليل ينادي منادٍ) وهو من الملائكة (من تحت العرش ألا ليقم) مضارع لفتح اللام أو أمر فاللام بكسر تأمل (العابدون فيقومون ويصلون ما شاء الله) يعني إلى الصباح ولا يثقل عليهم بل يحصل من قيامهم لذة وراحة أشد من لذة أهل اللهو من لهوهم وقد قال بعضهم لو وجد مثل نعيم الجنة في الدنيا لكان حلاوة أهل المناجات في الليالي ولهذا قال ابن بكار إنه قال منذ أربعين سنة ما يحزنني إلا طلوع الفجر وقد قيل في قوله تعالى {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} المراد قيام الليل ومن حرم قيام الليل كسلاً وفتوراً وتهاوناً لقلة الاعتبار فليبك عليه لقطعه طريق الخير الكثير كل ذلك من عوارف المعارف (ثم ينادي منادٍ في شطر الليل) الظاهر من نصفه (ألا ليقم القانتون) لعل المعنى المواظبون على الطاعة (فيقومون ويصلون إلى السحر فإذا كان السحر نادى مناد ألا ليقم المستغفرون فيقومون ويستغفرون) والسحر أفضل كما قال عليه السلام على ما في جامع الصغير أفضل الساعات جوف الليل الأخير ثم علم أن تفصيل إحياء الليل على ما فصل المصنف في الإحياء على سبع مراتب فلنذكر على وجه الإيجاز الأولى إحياء كل الليل هذا شأن الذين تجردوا للعبادة وتلذذوا بالمناجاة إلى أن صار غداء
الجزء 1 · صفحة 16
له وحياة وهم ردوا المنام إلى النهار في وقت اشتغال الناس بأمور الدنيا وهذه طريق جماعة من السلف يصلون الصبح بوضوء العشاء الثانية قيام نصف الليل وأحسن طريق فيه أن ينام الثلث الأول والسدس الأخير فيقع قيامه في جوف الليل وهو الأفضل وفي العوارف قال الله تعالى يا داود قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك وارفع إلي حوائجك الثالثة أن يقوم ثلث الليل بنوم النصف الأول والسدس الأخير إذ نوم آخر الليل مستحب لأنه يذهب النعاس ويقلل صفرة الوجه قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبويها كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أوتر من آخر الليل فإن كانت له حاجة إلى أهله دنا منهن وإلا اضطجع في مصلاه حتى يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة وكان نوم هذا الوقت سبب المكاشفة والمشاهدة من وراء الحجب الغيب وذلك لأرباب القلوب وفيه استراحة يعين على الورد الأول من أوراد النهار وقيام ثلث الليل من النصف الأخير ونوم السدس الأخير قيام داود عليه السلام الرابعة قيام سدس الليل أو خمسه وأفضل ذلك كونه في النصف الأخير الخامسة عدم التقدير إذ هو إنما يتيسر إما لنبي يوحى إليه أو لمن لم يعرف منازل القمر أو يوكل عليه من يوقظ فيقوم من أول الليل إلى أن يغلبه النوم فينام فإذا انتبه قام فإذا غلبه النوم عاد إليه فيكون له نومتان وقومتان وذلك مكابدة الليل وأشد الأعمال وأفضلها وهذا من أخلاق سيد المرسلين وطريقة أولي العزم من الصحابة والتابعين السادسة قام مقدار أربع ركعات أو ركعتين أو يتوضأ فيجلس نحو القبلة ساعة مشتغلاً بالذكر والدعاء فيكتب من جملة قوام الليل وقد جاء في الأثر صلّ من الليل ولو قدر حلب شاة انتهى وسبب الفتور وعدم القيام هو النذنوب فليحذر العبد ذنوباً تقيده في ليله وقال الثوري حرمت سبعة أشهر بذنب أذنبته فقيل له ما كان قال رأيت رجلاً باكياً فقلت في نفسي هذا مراء ثم التهجد ما يكون بعد النوم وقيل بين النومتين فما قبل النوم قيام ليل فقط
الجزء 1 · صفحة 17
وفي رسالة تاج الدين النقشبندي يصلي في التهجد اثني عشرة ركعة في كل ركعة سورة يس تماماً وإن لم يقدر ففي ثمان ركعة في الأولى إلى {وأجر كريم} وفي الثانية إلى {وهم مهتدون} وفي الثالثة إلى {جميع لدينا محضرون} وفي الرابعة إلى {فلك يسبحون} وفي الخامسة إلى {ولا إلى أهلهم يرجعون} وفي السادسة إلى {هذا صراط مستقيم} وفي السابعة {فهم لها مالكون} وفي الثامنة إلى آخره فما بقي من الأربعة في كل ركعة سورة الإخلاص ثلاثاً ثلاثاً وإن لم يكن يس في حفظه ففي الكل سورة الإخلاص وإنما خصص يس لأنه إذا اتفقت ثلاثة قلوب على مطلوب حصل البتة قلب القرآن أي يس وقلب الليل وقلب العبد أي خلوصه وذلك في التهجد (فإذا طلع الفجر ينادي مناد إلا ليقم الغافلون) لغفلتهم وذهولهم عن مثل هذه الفرصة (فيقومون من فروشهم) من الفراش (روي في وصايا لقمان) وهو الذي اختلف في نبوته ومن وصاياه لابنه يا بني لا تضحك من غير عجب ولا تمش في أرب ولا تسئل عما لا يعنيك ولا تضيع مالك ولا تصلح مال غيرك فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما خلفت يا بني ازحم العلماء بركبتيك ولا تجادل بهم فيمقتوك وخذ من الدنيا بلاغك وانفق فضول كسبك لآخرتك ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون على أعناق الرجال كلاً وصم صوماً يكسر شهوتك ولا تصم صوماً يضر صلاتك فإن الصلاة أفضل من الصوم (الحكيم) ليس المراد به ما يتدوال بين العامة من عالم الفلسفية الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بل هوعالم حكمة بمعنى استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها كما في تفسير البيضاوي فتوصيفه بالحكمة للتلميح إلى قوله تعالى {ولقد آتينا لقمان الحكمة} وفائدة التلميح إشارة إلى أن ما ذكر هنا من الحكمة التي آتاه الله تعالى فيكون تأكيداً للاحتياج وترويجاً لما قال (لابنه) إشارة إلى أن هذه الوصية من الوصايا اللازمة التي يوصى بها إلى الابن (إنه قال يا بني)
الجزء 1 · صفحة 18
وفائدة النداء استكمال التوجه وإتمام الإصغاء ليتدبر الوصية ويسرع في قبولها (لا تكونن) التأكيد بالنون لأهمية الأمر ولزوم الاعتناء به (الديك أكيس) من الكياسة كالذكاء (منك ينادي) بالأسحار للتسبيح والذكر وإن من شيء إلا يسبح بحمده يسبح الله ما في السماوات والأرض قال في تفسير العيون عن عكرمة يسبح الشجر والاسطوانة لا تسبح والشجرة والنباتات الرطبة تسبح ما دامت رطبة وتسبيحها سبحان الله العظيم وبحمده وقيل إن الثوب يسبح ما دام جديداً وإذا وسخ ترك التسبيح والتراب يسبح إلى أن يبل والماء يسبح ما دام جارياً فإذا ركد ترك التسبيح وكل حيوان يسبح ما دام يصوت فإذا سكت ترك التسبيح انتهى (وأنت نائم لقد أحسن من قال شعر لقد هتفت) أي صاحت (في جنح ليل) أي ظلمته وسواده (حمامة) جمع حمام (على فنن) بالتحريك شعاب وغصن (وهنا) قاله في القاموس الوهن نحو من نصف الليل أو بعد ساعة منه فالمعنى صاحت الحمائم في ظلمة أغصان في نصف الليل مع أنها ليست بمكلفة ولا يترتب على صيحتهم ثواب أخروي ولا يتركها وزربل صيحتهم لمجرد ما اقتضاه حال العبودية (وإني لنائم كذبت) فيما ادعيت من عشق الله تعالى وعبادته ومحبته وطلب رضائه وثوابه (وبيت الله) الظاهر ورب بيت الله إذ القسم بغير اله ليس بجائز (لو كنت عاشقاً) يعني لو لم أكن كاذباً في دعوى العشق لكنت عاشقاً ولو كنت عاشقاً (لما سبقتني بالبكاء الحمائم) فاعل سبقتني يعني وقد سبقتني نصيحتهم عند نومتي وغفلتي في سواد الليل (وازعم) أي اعتقد وأعلم (أني هائم) أي متحير مسلوب العقل (ذو صبابة) أي ذو عشق يعني أعلم أني عاشق مجنون لأن العاشق العاقل والصادق في عشقه لا يغفل عن ذكر مولاه وطلب رضاه وقد سبقتني الحمائم التي ليس لهن تكليف إلهي ولم ينزل في ذكرهم كتاب رباني ولم يرسل نبي رحماني وقد كان كل ذلك لي (لربي) اللام إما متعلق بهائم أو لصبابة ولو لم يكن ممانعة من الواو أو لكان تعلقه بقوله (ولا أبكي)
الجزء 1 · صفحة 19
أجود ولو فتح اللام وجعل توطئة القسم بنحو من التأويل لم يكن بعيداً غاية البعد (وتبكي البهائم) إما ببكاء حقيقي أو مجازي وهو الظاهر إذ الأول إنما يعلم ببيان من صاحب الشريعة (أيها الولد) (خلاصة العلم) أي نتيجته وثمرته مقدار (إن تعلم الطاعة والعبادة ما هي) أي قدر إن تعلم ماهيتهما وحقيقتهما يعني يكفي تحصيل هذا المقدار من العلم فلا حاجة إلى تحصيل ما فوق ذلك بالتبحر وتفاصيل الأدلة بل اللازم بعد ذلك قصر النظر وصرف المقدور وبذل الوسع وحقائق الطاعة ودقائق أسرار العبادة إذ العلم في ذاته ليس بمقصود بل إنما قصد ذلك لأجل الطاعة فإذا حصل قدر ما يعلم أحوال الطاعة فلا حاجة إلى الزيادة ففيه إشارة إلى اختيار جانب العمل وإن كان عند البعض ترجيح جانب العلم ثم بين ماهية الطاعة والعبادة بقوله (اعلم أن الطاعة والعبادة) أي المقبولة (إنما هي متابعة الشرع في الأوامر والنواهي بالقول والفعل يعني كل ما تقول وتفعل وتترك) قول المصنف (قولاً وفعلاً) لم نحم حول صحته فلعل الأولى عدم إتيانه (يكون باقتداء الشرع) فلو لم يؤخذ من الشرع لا يقبل بل يكون عصياناً وإن كان في صورة عادة (كما لو صمت يوم العيد وأيام التشريق تكون عاصياً) لترك إجابة دعوة إلى ضيافته تعالى كما في الأصولية والفروعية (أو صليت في ثوب مغصوب وإن كانت صورته عبادة) الظاهر قيد لهما (لكن يأثم به) الإثم إنما يكون بترك الواجب أو بفعل المحرم والصلاة مع المغصوب ليست بمحرمة بل مكروهة وليست في الكراهة معصية وإثم بل عتاب واستحقاق حرمان شفاعة إلا أن يقال ذلك محرم عند المصنف أو يدعي الإثم في الكراهة التحريمية أو الإثم أعم فيشمل نحو العتاب (أيها الولد) إذا كان العبادة والطاعة متابعة الشرع قولاً وفعلاً (فينبغي لك) أي يجب عليك (أن يكون قولك وفعلك) في جميع أوضاعك وأحوالك (موافقاً للشرع) للكتاب والسنة والإجماع والقياس (إذ العلم) الظاهر في تعليل ما سبق أن يكتفي بقوله
الجزء 1 · صفحة 20
(والعمل) إلا أن العمل لكونه على نهج العلم أردفه به (بلا اقتداء الشرع) بل بلا اقتداء ما هو أصح وأولى إلى أن يلتزم الاحتياط في جميع الأمور بترك نحو ما يقال في حقه لا بأس وبالجملة بترك العزيمة وارتكاب الرخص الشرعية بلا ضرورة (ضلال) عند خواص الصوفية إذا الرخصة بلا ضرورة كالحرام عندهم فلا يركنون إليها بلا ضرورة (فينبغي لك أن لا تغتر) من الاغترار أو الغرور (بشطح وطامات) جمع طامة بمعنى البلية والغلو لعل المراد من طامات (الصوفية) أقاويلهم المتجاوزة عن الشرع وما أحدثوا من تلقاء أنفسهم بلا أخذ من صاحب شريعة (لأن السلوك بهذا الطريق) أي طريق الشرع أو طريق المتصوف المتشرع (يكون بالمجاهدة) أي بجهاد النفس ومحاربتها إذ هذا الجهاد الجهاد الأعظم كما ورد في الحديث إذ الجهاد مع الكفار يسير لظهور حيلها واندفاعهم بمرة واحدة وكونهم مرئيين محسوسين يسهل الخلاص من سهامهم ورماحهم بخلاف النفس وقوله (وقطع شهوة النفس) كعطف العلة على المعلول وطريق القطع إنما يكون بمنع جميع ميولاتها عنها وقهرها والمخالفة في جميع شؤونها في العبادات والعاديات إلى مرتبة قوله - صلى الله عليه وسلم - نفسك مطيتك فارفق بها ومن لطائف هذا المقام ما وقع لبعض الفقراء في عالم المثال وهو أنه عند مجاهدته مع النفس كأنه في المدينة في قبة العباس - رضي الله عنه - فإذا قال له قائل لي معك دعوى ويطلبك الحاكم فدفعه بأني لا أترك الآن لذة مجلس هذه الحضرات رضوان الله تعالى عليهم فلنرفع بعد الغد فرجع الجائي ثم خطر بباله الحاكم في هذه البلدة ليس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأدرك من خلف الجائي وسأله فقال نعم فقال على الرأس والعين فذهب معه بآداب وخضوع فوقف وراء الشبكة في الروضة المطهرة فإذا ذلك الجائي هو نفس ذلك الفقير فادعت وشكت له - صلى الله عليه وسلم - نحو أن قال هذا رجل موذ ومضر لا يزول عن أدائي كلما حصلت راحة بأنواع التعب والمشقات فيزيل عني
الجزء 1 · صفحة 21
من ساعتها ولم أجد بداً وسلامة من أذيته فقال له - صلى الله عليه وسلم - هل الأمر مثل ما قالت قال بل اللائق بالشكاية ليس إلا أنا لأن الله تعالى أمرني بالطاعة وإني أصرف غاية وسعي ونهاية جدي في طاعته وهذه تصرف غاية طاقتها ونهاية جهدها في إظهار الموانع وإيقاع حب العلائق وحيل التفرقة في القلوب فكلما دفعتها بمشقات وحيل فتنزل من الفور والساعة وقصدها دائماً إلى إهلاكي وإيقاعي إلى معصية الله تعالى وهي تتحد وتوافق مع الشيطان فيقعان في طريقي إلى الله وإليك يا رسول الله فنبه إياها أن لا تفعل مثل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل الأمر كذلك فقالت ليس لي سهام ولا جبر وإنما حالي وسوسة فإن كان صادقاً في دعوى الاستقامة والمحبة فكيف تؤثر حيلتي وسعايتي فقال له - صلى الله عليه وسلم - يا ولدي ويا حبيبي كن متصلياً في رعاية حدود الله والتزم سنتي واجتهد على التقى والورع والتزم على خلاف ما أوجبه النفس واترك هويها وكن حافظاً إلى جميع قواعد شريعتي إن كنت صادقاً في دعوى حبي ولا تنفك ساعة عن رضائي فإن المحب لن يقرب إلى ما كره إليه المحبوب (وقتل هويها) أي هوى النفس (بسيف الرياضة) أي الرياضة التي كالسيف فمن قبيل لجين الماء أي إضافة المشبه به إلى المشبه والرياضة في الأصل تقليل الأكل والشرب لأن المعدة ينبوع الشهوات إذ منها تنبعث شهوة الفرج ثم إذا غلبت تنبعث شهوة المال ثم إذا غلبت تنبعث شهوة الجاه ثم بالجاه والمال تزاحم الآفات كلها كالكبر والرياء والحسد والعداوة فلذا عظم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الجوع فقال ما من عمل أحب إلى الله تعالى من الجوع والعطش وقال لا يدخل ملكوت السماوات من ملأ بطنه وقال سيد الأعمال الجوع وقال قلة الطعام هي العبادة وقال أفضلكم عند الله أطولكم جوعاً وتفكراً وأبغضكم عند الله أكول نؤم شروب وقال إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش وقال
الجزء 1 · صفحة 22
لعائشة رضي الله عنها وعن أبويهما أديموا قرع الجنة تفتح لكم قالت وكيف ذلك قال بالجوع والظمأ (لا بالطامات والترهات الصوفية) أي الكلمات التي لا أصل لها في الشرع بل اخترعتها هوى أنفسهم (واعلم أن اللسان المطلق) أي رسل وأطلق على حاله بلا كف عن المحظورات الدينية (والقلب المطبق) أي المستور بالغطاء (المملو بالغفلة) كعطف تفسير له (والشهوة) أي هوى النفس (علامة الشقاوة ودليلها حتى لا تقتل) لعل الظاهر أن لم تقتل النفس (بصدق المجاهدة) أي المجاهدة الصادقة مع النفس الأمارة شأنها الميل إلى الطبيعة البدنية والأمر باللذات والشهوات الحسية سائقة للقلب إلى الجهة السفلية فهي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة والأفعال السيئة (لن تحيي) أنت قلبك (بأنوار المعرفة) لله تعالى النور عندهم ما يكشف به المستور من العلوم اللدنية والواردات الإلهية (واعلم أن بعض مسائلك التي سألتني عنها) لعل ذلك كلذة الوصال وأسرار التجليات والمكاشفات التي لا يمكن التعبير ويمتنع التصوير والتمثيل بل يعد جنس ذلك عند الإظهار إلحاداً في الشرع (لا يستقيم جوابها بالكتابة) أي المكتوب (والقول) أي باللسان لما ذكر من الاستحالة (بل أن تبلغ) الظاهر أن شرطية (تلك الحالة) الظاهر إنارة القلب بالمعرفة (تعرف ما هي) أي ماهية تلك المسائل (وإلا) أي وإن لم تبلغ أنت تلك الحالات فلا يمكن بالكتابة والقول (فـ) إن (تعلمها) بدون البلوغ إليها (من المستحيلات) أي الممتنعات (لأنها) أي ذلك البعض من المسائل (ذوقي) أي وجداني لا طرق لها غير الوجدان (وكل ما يكون ذوقياً لا يستقيم وصفه بالقول والكتاب) إذا أريد الوصف لا يمكن انطباقه إياها لعدم إحاطة العبادة إياها (كحلاوة الحلو) كالسكر والعسل (ومرارة المر) كالخل والخمر (لا يعرف إلا بالذوق) لعدم ما يدل عليهما (كما حكى أن عنيناً) من لا يقدر الجماع (كتب إلى صاحبه) حبيبه (عرفني) مفعول كتب (لذة المجامعة كيف تكون) أي لذة
الجزء 1 · صفحة 23
المجامعة (فكتب) أي الصاحب (في جوابه يا فلان إني كنت إلى الآن حسبتك عنيناً فقط) يعني كنت عارفاً عنتك فقط (والآن عرفت أنك عنين وأحمق) يعني ليس بعنين فقط بل عنين وأحمق (لأن هذه اللذة) الجماعية (ذوقة) معرفتها مختصة بالذوق (إن تصل) إذا وصلت إليها (تعرف) أي عرفت عند الوصلة (وإلا لا يستقيم وصفها بالقول والكتاب) وهذه تنظير المعقول بالمحسوس يعني مريد تحصيل تلك اللذات يسعى بقوة في تحصيل أسبابها بكسر النفس وقهرها وصدق المجاهدة معها ولا يبعد أن يراد من العنين من لا يعرف لذة المعرفة والوصلة ومن لذة المجامعة لذة الوصلة إليه تعالى فافهم (أيها الولد) (بعض مسائلك من هذه القبيلة) أي الذي لا يستقيم الجواب عنها لكونها من الوجدانيات والذوقيات (أما البعض الذي يستقيم الجواب له) لعل المراد غير ما ذكر سابقاً لئلا يلزم كون ما سبق مما لا يسئل إذ كل ما في الرسالة جواب لمسائله (فقد ذكرنا) تفاصيله (في إحياء علوم الدين ونذكر هنا نبذاً منه) أي شيئاً قليلاً مما يستقيم الجواب إذ الرسالة لا تتحمل الكل لكثرته والظاهر من ذلك جميع ما سيذكره فتأمل (ونشير إليه) أي نبين إجمالاً وإيجازاً (فنقول قد وجب على السالك أربعة أمور أول الأمر) الذي يستقيم جوابه يعنى ذلك أمور متعددة (الأول اعتقاد صحيح) وهو اعتقاد أهل السنة والجماعة (لا يكون فيه بدعة) كاعتقاد الفرق الضالة المشار إليه في قوله - صلى الله عليه وسلم - ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وكاعتقاد غلاة الصوفية في بعض الأمور (والثاني توبة نصوح) لعل قوله (لا ترجع بعده إلى الزلة) إشارة إلى تفسير النصوح وقوله إلى الزلة إشارة إلى أنه شرط في التوبة الندم على جميع الذنوب وعلى الزلة التي هي أدنى الصغيرة ثم التوبة على قسمين توبة الخواص هي عن الأفكار الدنياوية ووساوسها وعن العمل بالرخص عند إمكان العمل بالعزائم وتوبة أخص الخواص هي الرجوع من اشتغال القلب
الجزء 1 · صفحة 24
بغير ذكر الله فلو خطر بالقلب ولو لحظة غير الله تعالى تابوا من ساعته كمرتكب كبيرة فهم يستغرقون بمطالعة الله تعالى وهذه مقام الأنبياء وأخص الأولياء وإليه يشير قوله - صلى الله عليه وسلم - إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله سبعين مرة والثاني توبة العوام فهي الرجوع عن جميع المعاصي كبيرة أو صغيرة حق الله تعالى أو حق العبد وتفصيل ذلك على وجه الإجمال الذنوب التي يراد التوبة أما حق الله أو حق العبد فالأول فتوبته إما بالقضاء فقضاء الصلاة إن معلومة عدد الفوائت فيها وإلا فبغلبة الظن من زمان البلوغ كم فاتته صلوات والأيسر في النية أول فجر على أول ظهر أو يقال آخر ظهر أو آخر فجر مثلاً والأحوط أن يقضي الصلوات التي أديت بالكراهة كترك تعديل الأركان لكن بعد قضاء الفائتة المقطوعة ولا يغتر على الوصية بإسقاط الصلاة إذ لم يثبت ذلك بواحد من الأدلة الشرعية بل بناء ذلك على مجرد حسن ظن بالله تعالى فليس بمقطوع بل ليس بمظنون بل أمر احتياطي وكذا فوائت الزكاة وصدقة الفطر والنذر والضحايا يقضيها أيضاً وكذا يقضي فوائت الصوم إما بلا كفارتها أو معها وإن استطاع إلى الحج يأتي به وإما نحو الزنا واللواطة والكذب وشرب الخمر فتوبتها ندامة صادقة وعزم على أن لا يعود إبداً ولو عند فرصة وأما الثاني أي حق العبد إما مالي كالسرقة والغصب والأكل بلا إذن والإتلاف إما باليد أو بشهادة الزور أو بالسعي إلى ظالم وإن صدر أمثال ذلك في زمان الصباوة إذ الصبي مأخوذ بالغرامات المالية فتوبة ذلك الاستحلال والاسترضاء وإن لم يوجد صاحب الحق فإن مات فالاستحلال بالورثة إن كان وإلا سواء لم يكن له وارث أو لم يعلم المالك فيعطيه أو قيمته إن هالكاً إلى الفقراء بنية أن يكون وديعة عند الله يوصل إلى صاحبه يوم القيامة وإما غير مالي فهو أيضاً إما بدني كالضرب والاستخدام بلا رضا أو قلبي كالشتم والغمز والاستهزاء فكلاهما الاستحلال وإن لم يكن فيتضرع إلى الله
الجزء 1 · صفحة 25
تعالى ويدعو ويتصدق به لمن له الحق فيرجى من الله تعالى ارضاؤه والاستحلال المهم مختلف فيه لعل الأصح أن عين نفس الحق واعلم أن صاحب الحق هل يرضى أو لا إما حق الحيوان ضرباًَ أو تحميلاً فوق طاقته أو منع علفه فمشكل جداً كحق الكافر (الثالث استرضاء الخصوم حتى لا يبقى لأحد عليك حق) قد عرفت آنفاً تفصيله فالمقابلة ككمال العناية والاهتمام بشأنه إذ حق العبد أصعب من حق الله تعالى بأضعاف مضاعفة ولهذا قال في تذكرة القرطبي يقال لو أن رجلاً له ثواب سبعين نبياً وله خصم بنصف دانق قسط سبع مائة صلاة مقبولة وتعطى للخصم ذكر القشيري وفيها أيضاً عن المصنف ولعلك لو حاسبت نفسك وأنت مواظب على صيام النهار وقيام الليل لعملت أنه لا ينقضي عليك يوم ولا ليلة إلا ويجري على لسانك من غيبة المسلمين ما يستوفي جميع حسناتك فيكف ببقية السيئات من أكل الحرام والشبهات وكيف ترجو الخلاص من المظالم في يوم يقتضي فيه الجماء من القرناء فكيف بك يا مسكين يوم ترى صحيفتك خالية عن حسنات كانت فيها تعبك فتقول أين حسناتي فيقال لك نقلت إلى صحيفة خصمائك وترى صحيفتك مشحونى بسيئات غيرك فتقول يا رب هذه سيئات ما قربتها قط فيقال هذه سيئات الذين اغتبتهم وشتمتهم وقصدتهم بالسوء وظلمتهم في المعاملات والمبايعات والمحاورات والمخاطبات وغيرها (والرابع تحصيل علم الشريعة قدر ما تؤدى به أوامر الله تعالى) وكذا قدر ما نعرض به عن نواهيه تعالى إذ قد سبق أن العمل لا يكون بلا علم بل الشيطان يصر زيادة إصرار على العابد سيما الجاهل كما حكى في الفوائح أن جماعة هربوا من عبد الواحد لقوة تكليفه إياهم بالمجاهدة فرأى أحدهم بعد مدة يقال أين كنت قال نحن كل ليلة ندخل الجنة ونأكل من نعمها فقال خذوني الليلة معكم فأخرجوه معهم إلى الفضاء فلما جن الليل إذا يقوم عليهم ثياب خضر وإذا بساتين وفواكه فلما أرادوا أن يتفرقوا قال لهم أين تذهبون أليس الجنة دار خلود كإدريس عليه
الجزء 1 · صفحة 26
السلام فلما أصبحوا إذا هم على مزبلة بين روث الدواب فتابوا كلهم وفيه أيضاً عن الديلمي أن واحداً من السالكين رأى في برية طريق مصر الشيطان على عرش بين السماء والأرض فسجد له فظن أنه الرب تعالى ثم حكاه بجماعة من المشايخ فقالوا هو الشيطان لحديث إن للشيطان عرشاً بين السماء والأرض الحديث فالرجل أعاد صلاته وجدد إيمانه ثم عاد إلى المكان الذي رآه فيه ولعنه وأنكر عليه وفي بعض النسخ (فالزيادة على هذا ليس بواجب) أي ليس بواجب عين بالمعنى الأعم إذ قد يكون فرض عين وقد يكون فرض كفاية وقد يكون مندوباً قال في الأشباه تعلم العلم قد يكون فرض عين بقدر ما يحتاج إليه لدينه وفرض الكفاية وهو ما زاد عليه لنفع غيره ومندوباً وهو بالتبحر في الفقه وعلم القلب قوله (ثم من العلوم الأخر ما يكون منه النجاة) مشكل إذ لا يتصور النجاة بغير العلم الشرعي إلا أن خص الشرعي بالفرعي ويراد من الآخر نحو علم القلب والتصوف أو يراد ما يرخص من النجوم نحو ما يعين على معرفة أوقات الصلاة والقبلة والمنطق قدر الحاجة والعربية على نحو ما فصل سابقاً (حكى عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه خدم أربعمائة أستاذ) نقل عن ابن الكمال أن لفظ أستاذ لفظ مركب أعجمي وأصله است واذ واست بالفارسية هو الكتاب وإذ بالذال المعجمة بمعنى الصاحب كأنه قال صاحب الكتاب (وقد قرأت أربعة آلاف حديث ثم اخترت منها حديثاً واحداً وعملت به وخليت ما سواه) أي تركته الظاهر ترك حفظ ما سواه إذ ترك المعنى ليس بمتصور لكونه مصداقاً لذلك الواحد وأنه كيف يتصور ترك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فمعنى قوله (لأني تأملت فوجدت نجاتي وخلاصي فيه) أي في ذلك الواحد لكون الكل مندرجاً في ذلك الواحد كما يدل عليه قوله (وكان علم الأولين والآخرين كله) تأكيد معنوي للعلم الظاهر من الأولين الأمم الخالية والشرائع السابقة ومن الآخرين علماء هذه الأمة سلفاً وخلفاً (مندرجاً فيه فاكتفيت به وذلك) أي
الجزء 1 · صفحة 27
الحديث الواحد (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبعض أصحابه اعمل لدنياك) من تحصيل الأموال واكتساب الأملاك بأنواع التجارات (بقدر بقائك فيها) بالنسبة إلى بقاء الآخرة كما يشهده المقابلة والمتناهي عند غير المتناهي يكاد أن يكون ملحقاً بالعدم وقدر في بعض الأحاديث بوثبة أرنب وفي الحديث كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور فالعاقل لا يعمل للدنيا إلا قدر ما يدفع ضرورته وحاجته من نفقة نفسه وعياله فإن زاد يتصدق إلى أحوج الفقراء سيما الصلحاء منهم ولهذا قال عليه السلام لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء وروي عنه عليه السلام إن في صحف موسى عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك عجبت لمن رأى وعلم فناء الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها وفي أطواق الذهب ولا تمدن عينيك إلى زخارفها ولا تبسط يدك إلى مخارفها وفيه أيضاً فلا تطمع في الدوام وأبصر الأقوام هل ينالون الدنيا دولاً ولا يبغون عنها حولاً وعن يحيى بن معاذ الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق منه شيئاً يأخذك شعر قليل عمرنا في دار دنيا+++ ومرجعنا إلى بيت التراب+++ لها ملك ينادي كل يوم+++ لدوا للموت وابنوا للخراب (واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها) والبقاء غير متناه فالعمل لها يقتضي استغراق العمر بالطاعة والتقوى والعفة والاستكانة بالخوف والخشية ظاهراً أو باطناً بأداء الفرائض والواجبات وبمواظبة السنن والمستحبات وبسترك المحرمات والمنكرات وباجتناب البدع والشبهات فإن العاقل يختار ما يبقى على ما يفنى بل يجتهد أن يزيد طاعة كل يوم على ما قبله على ما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له (واعمل لله بقدر حاجتك إليه) وقدر الحاجة إليه أخروياً ودنياوياً مما لا ينحصر في عدد والعمل
الجزء 1 · صفحة 28
المناسب له تعالى أن يجعله كذلك فإذا لم يمكن ذلك للإنسان فيصرف غاية جهده في الطاعات والعبادات لا سيما في الأذكار والأوراد والتلاوات بالتأني والتدبر والخشوع إلى أن يترقى من عالم لرجس إلى ذروة عالم القدس بالانخلاع عن الصفات السفلية (واعمل للنار بقدر صبرك عليها) فإذا لم تقدر على النار ساعة فلا تقرب إلى المعاصي ذرة واحفظ أوقاتك عن مقتضاتها وراقب على نفسك فإنها أسدك إن أهملتها يفترسك (أيها الولد) (إذا علمت هذا الحديث) من البداية إلى النهاية بأن تتأمل حقائق معانيها ودقائق أسرارها (لا حاجة لك إلى العلم الكثير) لكونه من جوامع الكلم يشتمل جميع أحكام الشرع أصولها وفروعها وعزائمها ورخصها فلا تحتاج إلى نصيحة أخرى لكن فلنذكر قصة لطيفة لها مدخل لهذا الحديث من حيث التوضيح والتأييد والتأكيد والتثبيت (وتأمل في حكاية أخرى) الأولى أن يترك قوله أخرى إلا أن يقال المراد في حكاية هي نصيحة أخرى (وهي أن خاتم الأصم كان من أصحاب شقيق البلخي رحمهما الله تعالى فسأله) أي الشقيق سأل الخاتم (يوماً قال صاحبتي) وخدمتني (منذ ثلاثين سنة ما حصل لك فيها) أي أيّ شيء حصلت فيها (قال) الخاتم (حصلت ثماني فوائد من العلم وهي تكفيني منه) أي من العلم يعني إن عملت بها لا احتياج إلى علم آخر (لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها) أي في الثمانية (فقال شقيق ما هي قال خاتم الفائدة الأولى إني نظرت إلى الخلق) نظر عبر وتجربة (فرأيت لكل واحد منهم محبوباً ومعشوقاً يحبه ويعشقه) كالأولاد والأزواج والأموال والمناصب والأحباء (وبعض ذلك المحبوب يصاحبه إلى مرض الموت) فتركه حينئذ لليأس عن حياته إذ حبه لغرض دنياوي فإذا يئس ينقطع عنه أو عند المرض ينقطع حب المريض إياه كالأموال ونحوه لعلمه أنه لا يذهب معه بل لا يبقى ملكاً للغير (وبعضهم إلى شفير القبر) أي طرفه (ثم يرجع كله ويتركه فريداً ووحيداً ولا يدخل معه في قبره منهم أحد فتفكرت) في نفسي (وقلت أفضل
الجزء 1 · صفحة 29
محبوب المرء ما يدخل معه) أي المرء (في قبره ويؤنسه فيه ويدفع وحشته) بل يدفع المضرة عنه (فما وجدته إلا الأعمال الصالحة) إذ من البديهي أن الأحباء والأموال وسائر السعايات تبطل بالموت والباقيات هي الصالحات (فأخذتها) أي الأعمال الصالحة (محبوبة لي) ومن شرط المحبة أن يدوام على الحبيب ويتحمل أذاه ويتعب في طريقه ويخاصم أعداءه ويحافظ حقوقه (لتكون لي سراجاً) وضياء (في قبري) ورفيقاً أنيساً (تؤنسني فيه ولا تتركني فريداً) في مضائقة القبر وظلمته كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أن المؤمن الصالح إذا مات فرفع من بيته استقبلته جنود الله تعالى من الملائكة ببشارة من الله تعالى فيصرخ إبليس صرخة يجتمع منها جنوده فيقول كيف تخلص هذا منكم فيقولون كان عبداً معصوماً فإذا وضع في قبره أتت الصلاة عند رأسه والصوم عند رجليه ومشيه إلى المسجد وطاعاته وذكره عن يمينه وشماله وتحني الصبر في ناحية القبر وهو أفضل الأعمال فيبعث الله تعالى عنقاً من النار فيأتيه من قبل رأسه فيقول الصلاة إليك عني فإنه كان محافظاً عمره علي فلا يأتيه من ناحية من نواحيه إلا وجد منعه ثم يكفها الله تعالى عنه برحمته فيقول الصبر للأعمال لقد رأيت ما فعلتم فلولا ذلك لباشرته فأنا ذخر له عند الصراط والميزان ومما يناسب ذلك في شرح الصدور تفسير جوير أنه حضر وفاة مورق العجلي فلما سجي وقلنا قد قضى رأينا نوراً ساطعاً من عند رأسه حتى حرق السقف ثم رأينا نوراً آخر من عند رجليه كالأول ثم رأينا من وسطه فبعد ساعة كشف وجهه فقال هل رأيتم شيئاً قلنا نعم قال قد كنت أقرأ كل ليلة ألم السجدة فالنور الذي عند رأسي أربع عشر آية من أولها وما عند رجلي أربع عشر آية من آخرها وما في وسطي آية السجدة نفسها صعدت تشفع لي وبقيت سورة تبارك تحرسني ثم قضى وفيه أيضاً عن إخراج ابن أبي الدنيا من طريق آخر عن مورق العجلي وكذلك وقع على مطرف بن عبداب لمداومتة أيضاً في كل ليلة على ألم
الجزء 1 · صفحة 30
السجدة وتبارك ويقرب إلى هذا المعنى ما في تذكرة القرطبي عن زيد بن أسلم أنه قال بلغني أن المؤمن يتمثل له عمله يوم القيام في أحسن صورة وجهاً وثياباً وريحاً طيباً فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شيء أمنه وكلما خوفه شيء هون عليه فيقول له جزاك الله خيراً من أنت فيقول أما تعرفني فقد صحبتك في قبرك ودنياك أنا عملك كان والله حسناً وكان طيباً فلذلك تراني حسناً طيباً طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني الآن (والفائدة الثانية أني رأيت الخلق يقتدون أهواءهم) أي ينقادون ويطيعون علم دواعي أهواءهم (ويبادرون مرادات أنفسهم فتأملت في قوله تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}) الهوى ميل النفس إلى مقتضيات الطبع ولهذا كان عادة أولياء الله مخالفة النفس في جميع ما تشتهي حتى في نحو المباحات كما حكى عن السري أن نفسي تطالبني منذ ثلاثين أن أغمس جزراً في دبس فما أطعتها وقال ابن عطاء النفس لا تألف الحق أبداً وقال سهب ما عبد الله بشيء مثل مخالفة النفس وقيل الراحة هو الخلاص من أماني النفس وحكي عن بعض المشايخ أن نفسه تشتهي أكل بيض فمنعها منذ ثلاثين سنة فغلبت في مفازة وقصد أكله فتوجه نحو قرية فإذا أهل القرية أخذوه وضربوه كثيراً وحبسوه على زعم فاعل تهمة بينهم ثم رآه من علمه فأخبرهم هو الشيخ الفلاني فخلوا سبيله واعتذروه ثم أحضروا له طعاماً فيه بيض فلم يأكل وقال ليس لكم فيما فعلتم قباحة بل القباحة قصدي لذلك وفي رسالة القشيري فطم النفس عن المألوفات وحملها على خلاف هويها في عموم الأوقات هي أصل جميع المجاهدات ومن غوامض آفات النفس ركونها إلى استحلاء المدح فإن تحسى منه جرعة حمل السماوات والأرض على أشفاره شعر
طلب العلم جمال وشرف ... وهوى النفس وبال وتلف
فاطلب العلم وكن ذا أدب ... واترك النفس وكن خير الخلف
شعر آخر
لقد لسغت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راق
الجزء 1 · صفحة 31
قال بعض الملوك لبعض المشايخ هل لك من حاجة فقال كيف أطلب منك حاجة وأنت أسير غلامي قال كيف قال النفس عبدي تطيعني وأن أسير لها تطيعها وتنفذ أحكامها وتجري أمورها فيك وتتصرف كيف شاءت في حقك وقال آخر كذلك فقال كيف اطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك قال كيف قال من أنت عبده فهو عبد لي قال كيف ذلك قال أنت عبد شهوتك وهواك وبطنك وفرجك وقد ملكت هؤلاء كما في بعض التفاسير (وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت) أي سارعت وسابقت (إلى خلاف نفسي) كما سمعت من قصص المشايخ آنفاً (وتشمرت) يعني تهيأت واستعددت (لمجاهدتها) التي هي الجهاد الأعظم من مجاهدة أهل الحرب كما مر (وما اتبعتها) أي النفس (بهويها) لتيقن الخسران والوبال (حتى ارتاضت) أي إلى أن رضيت (لطاعة الله تعالى وانقادت) فإن ذلك وإن كان أمراً في البدايات والنهايات والأوائل لكن ذلك أحلى من السكر في النهايات والأواخر لأن صدق المجاهدة يوصل صاحبه من حضيض البشرية إلى ذروة الملكية فإن القلوب مستورة بظلمات المعاصي لا يرى شيئاً من أنوار الغيوب لعدم مبالاته من الآثام والذنوب فإذا أزيل يقطع عقبات النفس ويستأهل تجليات أنوار القدس فعند ذلك يحصل للنفس ملك لا يفنى وسلطنة لا تبلى فاللذة والراحة ليس إلا بالعبادة والذكر (الفائدة الثالثة إني رأيت كل واحد من الناس) أي من عوامهم (يسعى في جمع حطام الدنيا) أي فوائدها ومنافعها من الأملاك والأموال بل المناصب والأولاد والأحباء لغرض الدنيا (ثم يمسكه) أي الحطام (قابضاً يده) الظاهر يجمع الدنيا ثم يبخل ولا يتصدق ولا يعطي المحاويج ولا يصرف إلى وجوه البر ومصارف الخيرات والحسنات قال في الفتاوى الفقهية إن الاكتساب فوق ضرورة حاله لأجل التصدق أفضل من التفرغ للعبادة عند بعض وأيضاً التصدق لمن حج مرة أفضل من الحج نافلة على وجه وأيضاً اختلف في الترجيح أن الغني الشاكر أفضل أو الفقير الصابر (فتأملت في قوله تعالى {ما عندكم ينفذ}) أي ينقطع
الجزء 1 · صفحة 32
وينتهي ({وما عند الله باق}) الظاهر أن المراد مما عند الله تعالى نحو جنس التصدق فإن المال ما دام في يد صاحبه يد أمانة وعارية وعلى خطر ليس بيد ملك إذ ما أكله يفنى وما لبس يبلى وعند موته يكون ملكاً لورثته فأنت خديمهم وأجيرهم بلا أجرة وما أعطى لوجوه الخير فهو يبقى بقاء بلا خوف هلاك ولا احتمال تلف (فبذلت) أي صرفت (محصولي) ومجهودي (من الدنيا لوجه الله) أي رضائه (ففرقته) أي ذلك الحطام (بين المساكين ليكون ذخراً) وزاداً (لي عند الله تعالى) ليس المراد المنع عن التجارة والكسب بالكلية إذ الكسب لنفسه وعياله فرض ولهذا يقال طلب المعاش أحب من زوايا المسجد وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال أيما رجل طلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه لسعر يوم كان عند الله - عز وجل - بمنزلة الشهداء ثم قرأ {وآخرون يضربون في الأرض} وقال - صلى الله عليه وسلم - من طلب الدنيا حلالاً تعففاً عن المسألة وسعياً على عياله وتعطفاً على جاره لقي الله وجهه كالقمر ليلة البدر وقال عليه السلام التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين كما في بعض التفاسير وفي خطبة الأربعين من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة من بات تعباً في كسب الحلال وجبت له الجنة والله عنه راض (والفائدة الرابعة أني رأيت بعض الخلق ظن) مفعول ثان لرأيت وقوله (شرفه) مفعول ظن (وعزه في كثرة الأقوام) جمع قوم (والأنصار والعشائر) جمع عشيرة بمعنى قبيلة (فاغتر بهم) من الغرور (وزعم) الزعم بمعنى الاعتقاد الباطل (آخرون أنه) أي العز والشرف (في كثرة الأموال والأولاد فافتخروا بها وحسب بعضهم أنه) أي العز والشرف (في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم) أي قتلهم بغير حق (واعتقدت طائفة أخرى) هذا الاعتقاد أيضاً باطل لعل الكلام مبني على التفنن (أنه) أي العز والرفعة (في إتلاف المال وإسرافه وتبذيره) إلى غير محله وإعطائه وراء الحد المشروع
الجزء 1 · صفحة 33
(وتأملت في قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}) يعني العز الحقيقي والرفعة الحقيقية ما يكون عند الله تعالى إذ ما عند الناس شبحي مجازي لا أصل له والعز عند الله تعالى إنما هو بالتقوى وهو الكف عن جميع المحظورات إلى ترك الشبهات وترك ما يريبه إلى ترك ما لا بأس به بل يتجرد لخدمة مولاه فلا يبني ما لا يسكنه ولا يجمع ما لا يأكله ولا يلبسه ولا يلتفت إلى دنيا يعلم أنه يفارقه ولا يصرف إلى غيره تعالى نفساً واحداً من أنفاسه فحينئذ يكون صديقاً ويدخل في التقوى والورع والعفة فإنها عبارة عن امتناع مقتضى الشهوات فسبب الجميع الخشية فهي سبب إلى لقائه تعالى وقربه والأنس به ولا يتيسر ذلك إلا بانقلاع حب الدنيا من القلب وهذا لا يكو إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها وهذا إنما يكون بقمع النفس عن شهواتها على ما في بعض التفاسير وفي وصايا بعض العارفين لبعض أصحابه أوصيك بما أوصى به الله تعالى إلى أنبيائه وأوليائه وكافة أحبائه وعامة عباده لكونه غاية بالقرب إليه ونهاية ما أكرم لديه فليس شيء أعز عنده ولا أفضل لعبده بقوله تعالى {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} فعليك أيها الولد الأعز الأكرم ببذل جهدك وغاية سعيك ونهاية بغيك في تحقيق حقائق التقوى وتدقيق أسرارها فإن لها ظاهراً وباطناً وحقاً وحقيقة فمن بلغها فقد ملك سلطنة سرمدية وملكاً أبدياً وفي محاضرات قره باغي روي عنه صلى أنه قال لمعاذ - رضي الله عنه - أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وترك الخيانة وحفظ الجوار ورحمة اليتيم ولين الكلام وبذل السلام وحسن العمل وقصر الأمل ولزوم الإيمان والتفقه بالقرآن (فاخترت التقوى واعتقدت أن القرآن حق صادق) لا اعتقاداتهم الباطنة وهو معنى قوله (وظنهم وحسبانهم) عطف تفسير له إذ الحسبان بمعنى الظن (كلها باطل زائل والفائدة الخامسة أني رأيت الناس يذم بعضهم بعضاً ويغتاب بعضهم بعضاً
الجزء 1 · صفحة 34
فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم) لا يخفى أن المقام مبني على الأكثر وإلا فظاهر أن الذم والغيبة قد يكونان لمن ليس له مال ولا جاه ولا علم (فتأملت في قوله تعالى {نحن قسمنا بينهم معيشتهم}) يعني قدرنا في الأزل قسمتهم وما يكون سبباً لمعاشهم يعني أرزاقهم (في الحياة الدنيا) الجار متعلق بمعيشتهم لا يخفى أن هذا إنما يدل على ترك الحسد لأجل المال والمطلوب ترك الحسد للعلم والجاه فقط فالمقصود من الاستشهاد ليس إلا معظم المطالب أو الكلام مبني على الاكتفاء والتمثيل (فعلمت أن القسمة) من الرزق (كانت من الله تعالى في الأزل) لا يخفى أن الظاهر يقتضي عدم فائدة الاكتساب في تحصيل الرزق بل تكثيره وقد قرر في الفقهية بفرضية بعض الاكتساب وإن التجربة شاهدة بنفع الاكتساب وقد عدوا التجريبات الصادقة من القطعيات التي توجب تأويل النصوص الظاهرة في خلافها على أن المراد من القسمة الأزلية في النص تقديرها مع أسبابها من الاكتساب بناء على قاعدة الأعمال نعم لا فائدة للحسد في أمر الرزق وإن كان لسعي العبد مدخل (فما حسدت أحداً) لعدم فائدة الحسد في أمر الرزق (ورضيت بقسمة الله تعالى والفائدة السادسة أني رأيت الناس يعادي) من العداوة والخصومة (بعضهم بعض لغرض) كالمال والرئاسة والجاه بل من العلم وهو ظاهر ففي الحقيقة تتحد مع الفائدة الخامسة لكن لما كان فيه خصوصية مخصوصة ووجه قوي بين الأنام أفردها مقابلاًَ لها (وسبب) عطف تفسير للغرض (فتأملت في قوله تعالى {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}) نصب نفسه لعداوة الإنسان حين طرد عن رحمة الله ولعن لعنة أبدية لسبب امتناعه عن سجدة أبينا آدم عليه السلام فكان ذئباً للإنسان كذئب الغنم أينما يجد فرصة يلهكه ويتلفه كما في جامع الصغير إن الشيطان ذئب الإنسان حديث (وعلمت أنه لا يجوز عداوة أحد غير الشيطان) وأنت خبير أن ما يدل عليك النص اتخاذ الشيطان عدواً وهو ليس بمطلوبه والمطلوب عدم
الجزء 1 · صفحة 35
اتخاذ غير الشيطان عدواً وليس بلازم للنص على أن الكفار لا سيما حربياتهم بل الفساق والأشقياء مما يتخذ عدواً إلا أن يراد من الشيطان الأعم بعموم المجاز أو المراد من العدو ما لا يرجى زوال عداوته أو العداوة الكاملة التي معظم قصده الدين ولا يبعد بناء الكلام على المفهوم المخالف كالسكوت في معرض البيان ومفهوم اللقب فافهم ويمكن أن يقال إن عداوة الغير عند عداوة الشيطان كالعدم فكان العدو هو الشيطان فلا يليق لأحد أن يتخذه عدواً ما لم يدفع عداوة الشيطان (والفائدة السابعة أني رأيت كل أحد يسعى بجد) يعني يصرف جميع مقدوره (ويجتهد بمبالغة) يعني فوق المأمول (لطلب القوة) أي ما يقتات به أي ما يؤكل وكذا ما يلبس وما يسكن (والمعاش) عطف تفسير له (بحيث يقع في شبهة وحرام) يعني يكون فرط اجتهاده داعياً إلى تناول نحو الشبهات والمحرمات وإلى ارتكابهما طمعاً في تكثير الأموال فلا يراعى أسباب الحل فضلاً عن الطيب والكمال في الدين إنما يكون بالطيب لا بالحل فقط قال المصنف في الإحياء ولا طريق إلى لقاء الله تعالى إلا بالعلم والعمل ولا يمكن المواظبة عليها إلا بسلامة البدن ولا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة والتناول منها على قدر الحاجة على الأوقات فمن هذا قال بعض السلف إن الأكل من الطيب من الدين وعليه نبه رب العالمين بقوله وهو أصدق القائلين {كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً} انتهى وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إني لأدع سبعين باباً من الحلال مخافة أن أقع في الحرام وفي شرح أربعين النووي للشيخ زاده واختلف في الطيب فقيل هو مرادف للحلال وقيل هو الحلال الخالي عن الشبهة وقيل ما لا يعصى في تحصيله ولا يرتكب نهياً شرعياً وقيل ما لا يحصل بالحرف الدنية كالحجامة والدباغة وغير الطيب على خلافه في التفسيرات انتهى وفي بعض المواضع عن الزاهدي عن فتاوى محمد بن الفضل الحلال معلوم وأما الطيب فمن أخذ أرضاً مزارعة محافظاً على الصلاة في
الجزء 1 · صفحة 36
مواقيتها بالجماعة لكنه أخر صلاة واحدة عن وقتها لاشتغاله بالزراعة لا يكون زرعه طيباً وكذا لو زرعه أو غرس بغير طهارة أو منع الأجرة من الأجير أو أخرها بعدما جف عرق وكذا إذا أخر أداء الثمن بعد حلول الأجل وأداه مفرقاً بدون رضاء البائع انتهى وفي بعض الكتب قال صل الله عليه وسلم يا علي من أكل الحلال صفا دينه ورق قلبه ودمعت عيناه من خشية الله تعالى ولم يكن لدعوته حجاب ومن أكل الشبهات اشتبه عليه دينه ودق قلبه وضعف يقينه وحجب الله تعالى دعوته وقلّت عبادته (ويذل نفسه وينقص قدره) أي يجعل نفسه حقيراً و ذليلاً في طلب المعاش ليس بحسب الدنيا فقط بل بحست الآخرة أيضاً لتأخره عن فضائل العبادات وإكمال النفس بوجوه الطاعات للاشتغال بتحصيل ذلك المعاش (فتأملت في قوله تعالى {وما من دابة في الأرض إلى على الله رزقها} فعلمت أن رزقي على الله تعالى وقد ضمنه فاشتغلت بعبادته) أي الله تعالى (وقطعت طمعي عما سواه) من أمر المعاش وتحصيل الرزق فإن قيل لو كسب بمجرد التصدق والإنفاق فضل كسبه هلا يكون الكسب أفضل عبادة قلت قال في التاتارخانية الامتناع من الكسب أولى من الاشتغال له على قصد الإنفاق وإن الصبر على الفقر أفضل من الشكر على الغني الظاهر من الامتناع التفرغ على العبادة قال بعضهم اجتهادك فيما (¬1)
¬
(¬1) أي الرزق ..
الجزء 1 · صفحة 37
ضمن الله لك وتقصيراتك فيما طلب الله منك دليل على انطماس البصيرة منك (الفائدة الثامنة إني رأيت كل أحد) الظاهر أن لفظ كل في هذه إنما هي للتكثير لا للتسوير وإلا فظاهر المنع (يعتمد إلى شيء من مخلوق) يعني يغتر ويعتني إلى ذلك الشيء فيوقع نفسه إلى تحصيله وتكميله ولا يبالي طاعة رله رضاء مولاه وتعمير أوقاته بل يضيع عمره في هوى ذلك الشيء والعمر جوهر عزيز لا يعادله قيمة بل كل نفس واحد من أنفاسه لا يناله الإنسان بخزائن ملوك الدنيا ولا يقدر عودته ولا يمكن عوضه وجبرته ولا يمكن قضاء وظيفته إذ كل نفس موظف فهو رأس مال المؤمن العاقل يكتسبت به أسباب السعادة الإلهية السرمدية فإذا صرف لمثل هذه الأمور الخبيثة الدنياوية فهو غبن فاحش وخسران عظيم ومصيبة لا يقدر إلى تداركها جميع الأولين والآخرين إذ العمر محسوب ووقت الأجل غير معلوم معين (وبعضهم) الظاهر بالفاء على أن يكون تفصيلاً لهذا المجمل (إلى الدنيا والدراهم) هكذا ما عندنا من النسخة لعل الأوفق إلى الدنانير والدراهم ولكن لا ضير لأنه حينئذ يكون من عطف الخاص على العام فال في العوارف لا يكمل شغل العبد بالله الكريم وله في الدنيا حاجة (وبعضهم إلى المال والملك) وقد كان حب ذلك قطع طريقه تعلى للمؤمن (وبعضهم إلى الحرفة والصناعة) إذ كل حزب لما لديهم فرحون وكل قوم بما يألف به يتلذذون (وبعضهم إلى مخلوق مثله) كالأمراء والملوك وكل من له رئاسة وقوة بين قوم (فتأملت في قوله تعالى {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}) أي يكفيه ولا يجعله محتاجاً إلى غيره ومن أصدق المجربات أن من توكل على الله وفوض جميع أمره إلى الله تعالى وتفرغ على طاعة الله تعالى وتقاعد عن معصية الله تعالى سخر الله له رزقه وهيأ أسبابه ويلهم عباده بالعطاء والإحسان إليه بل يفضل سماوي خلاف العادة كما حكي أن ذا النون اصطاد سمكة فطرحها في يدي ابنة صغيرة له فنظرتها الابنة تتحرك شفتيها فطرحتها الماء فقال أبوها لم
الجزء 1 · صفحة 38
ضيعت كسبي قالت إني لا أرضى أن آكل خلقاً يذكر الله تعالى فقال إيش نفعل فقالت نتوكل فلما صار وقت العشاء أنزل الله عليها مائدة من السماء مملوة بأنواع الأطعمة ثم لم ينقطع في كل ليلة فحسب أنها منه ثم بعد زمان لما توفيت الابنة انقطع المائدة وحكم أنها لتوكل الابنة ({إن الله بالغ أمره}) قال القاضي مبلغ ما يريده ولا يفوته مراده يعني أن أمره نافذ ({قد جعل الله لكل شيء قدراً}) قال القاضي تقديراً وإجلالاً لا يتأتي تغييره وهو بيان لوجوب التوكل انتهى فإن من علم أن الله تعالى يبلغ ما يريده وينفذ أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل إلا أنه من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً والله تعالى جعل لكل شيء من الشدة والرخاء والموت والحياة ونحوها تقديراً متعلقاً بنفس ذاته وبزمان وقوعه بجيمع كيفياته وأوصافه وأنه تعالى بالغ ذلك المقدر على حسب ما قدره تعالى لم يبق له سوى التسليم والاعتماد على تقديره والتوكل عليه فلهذا لم يعطف على قوله ومن يتوكل وكذا من علم أنه جعل لكل شيء مقداراً واحداً معيناً أو أجلاً ونهاية ينتهي إليه ولا يتأتى تغييره يضطر إلى التوكل عليه لا محالة كذا في حاشية شيخ زاده (فتوكلت على الله وهو حسبي ونعم الوكيل) فلما ذكر الخاتم هذه الثمانية (فقال شفيق) محسناً إياه (وفقك الله تعالى يا خاتم إني نظرت التوراة والأنجيل والزبور) وقد عرفت من الكلام على النظر بغير القرآن من الكتب السماوية لعل المنع إما من إفراط النظر أو النظر للعمل بالجميع أو التناول المفضول عند إمكان العمل بالفاضل (والفرقان فوجدت الكتب الأربعة) الإلهية بل جميع الكتب ولو صحفاً لكنه اكتفى بما هو مدون لكونه متبوعاً ومشهوراً (تدور على هذه الفائدة الثمانية فمن عمل بها) أي الثمانية (كان عاملاً بهذه الكتب الأربعة) (أيها الولد قد علمت من هاتين الحكايتين) أي حكاية الشبلي وحكاية خاتم الأصم (أنك لا تحتاج إلى تكثير العلم) بل يكفي لك
الجزء 1 · صفحة 39
قليل العلم إذ النجاة والوصول إلى رضاء الله تعالى إنما هو بالعمل فالمقصود هو العمل والعلم إنما هو لأجل العمل فالقدر الذي يعلم به وجوه العمل كاف فالاشتغال وراء الحاجة ليس بلازم بل ليس بأفضل بل الاشتغال إلى العمل الذي هو المقصود الأصلي أفضل من الاشتغال بتفاصيل العلم ففيه إشارة إلى ترجيح العلم كسفيان الثوري وداود الظاهري وإبراهيم بن أدهم حيث ذهبوا إلى ترجيح جانب العمل وتقاعدوا عن التعمق إلى تدقيقات العلم تعليماً وتصنيفاً وكثرة اجتهاد بعد أن وصلوا رتبة الاجتهاد وبعضهم رجحوا جانب العلم واشتغلوا توفيره وتكثيره لك المذكور في الفتاوى من حصل علم الحال إن ذكياً صاحب قابلية فالسعي بالعلم أفضل وإن غبياً لا يزيد على سعيه أمراً كثيراً فالعمل في حقه أفضل (والآن أبين لك ما يجب على سالك سبيل الحق) كما هو سبيل أولياء الله وطريق المشايخ المتورعين المتشرعين المتسننين يعني لا يجب عليك كثير العلم بل الواجب عليك سلوك سبيل الحق وسبيل الحق أن لا ترضى ولا تقنع بشيء دون الحق لأنه من رضي من الدنيا بالدنيا فهو ملعون ومن رضي من الزهد بالثناء فهو محجوب ومن رضي من الحق بشيء مما دون الحق كائناً من كان فهو طاغ فالحذر الحذر عمن سوى الحق كما ورد في القرآن {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} فالسالك لا يرغب إلى شيء سوى الله تعالى ويطهر قلبه عن كل شيء غير الله تعالى ويزين جميع أركانه وجوارحه بحدود الله تعالى بأن يكون صادقاً في طلب الله تعالى ومخلصاً في عباة الله تعالى وفي طلبه وعبادته ولا يشرك غير الله تعالى إلى أن لا يطلب شيئاً من غيره ولا يستعين من غيره حتى نحو الملح والماء كما ورد عن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه قال دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يشترط عليه أن لا تسأل الناس شيئاً قلت نعم قال لا ولو سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه ثم أراد أن يبين طريق حصول هذا السلوك فقال (اعلم أنه
الجزء 1 · صفحة 40
ينبغي للسالك من شيخ) الشيخ في اصطلاح هذا لشأن هو الإنسان الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة البالغ إلى حج التكميل فيها بعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها ومعرفته بذواتها وقدرته على شفائها كما يشير إليه كلام المصنف هنا (مرشد مربٍ) من التربية فطلب هذا الشيخ فهو عين طلب الله تعالى {وابتغوا إليه الوسيلة} الرفيق ثم الطريق من لا شيخ له فشيخه الشيطان لكن لا يعتقد أن الشيخ مقصود فالشيخ كالكعبة يسجدون إليها والسجدة لله تعالى لكن ذلك لا يكون بالتكلف بل بالمحبة والشوق والاحتراق بنار الفراق فمن حصل له ذلك بالعناية الأزلية فيتوب توبة نصوحاً مع الشرائط مع اعتقاد أهل السنة ولا يتوجه إلى الرخص ثم يطلب شيخاً كاملاً كما ذكره (ليخرج) ذلك الشيخ (الأخلاق السوء) الذميمة الرذيلة (منه) أي من السالك (بتربية منه) أي الشيخ (ويجعل مكانها) أي الأخلاق السوء (خلقاً) أي أخلاقاً (حسناً) أي حسنة أي الحميدة (ومعنى التربية) وحقيقته (يشبه فعل الفلاح) أي الأكار والمزارع (الذي يقلع الشوك) الذي يضر بقاؤه نبات الزرع (ويخرج النباتات الأجنبية) إذ بقاؤها يضعف قوة الزرع (ليحسن نباته) أي الزرع (ويكمل) أي يقو ويفوق (ريعه) أي محصوله (لأن الله تعالى أرسل إلى العباد رسولاً للإرشاد إلى سبيله فإذا ارتحل عليه السلام من الدنيا قد خلف الخلفاء في مكانه حتى إنهم يرشدون الخلائق إلى الله تعالى لأجل هذا المعنى) قوله (فلا بد للسالك من شيخ يربيه ويرشد) تكرير للتأكيد إشارة إلى غاية لزوم الشيخ إذ الوصول بلا شيخ صعب ولذا قيل خذ العلم من أفواه الرجال وفي نفحات الأنس كان صفي الدين رجلاً صالحاً دائماً في ذكر الله تعالى فرأى ذكره في الواقعة كأنه نور خرج من الفم ودخل في الأرض وبعد الإفاقة تأمل فقال لا خير فيه لأنه تعالى قال إليه يصعد الكلم الطيب ثم أخذ الذكر من تلقين شيخ كامل فرأى تلك الواقعة أن ذلك النور صعد إلى السماء وخرقها قال
الجزء 1 · صفحة 41
أبو علي الدقاق من لا يربيه شيخ كشجرة نبتت في الصحراء بلا تربية أحد لا ثمر وإن أثمرت لا تكون لذيذة (إلى سبيل الله تعالى وشرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائباً للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكون عالماً) بعلوم الشرائع والأخلاق وبصيراً بعيوب النفس (لا أن كل عالم يصلح له) أي أن يتخذ شيخاً يقتدى به ومرشداً (وإني أبين لك بعض علاماته) ففيه إشارة إلى أن الكل كثير لا يتحمله هذه الرسالة بل ما ألقي أجمالاً يصلح أن يكون دليلاً لما أبقى (على سبيل الإجمال) والتفصيل ربما يندرج تحت الإجمال (حتى لا يدعي كل أحد أنه شيخ مرشد) ولا يتبع على كل أحج ولا يقلد على اعتقاد أنه شيخ مرشد (فنقول) الشيخ الذي للإرشاد (هو كل من يعرض من حب الدينا) لأنه رأس كل خطيئة إذ جميع المحظورات متولد منه ومنته إليه فمن يريد سلامته عن جميع المحظورات الدينية يعرض عنه لأن عزها ذل وذلها عز ومنحها محن ومحنها منح وهي دار مشقة وفراق ودار بلاء وفناء وعبور لا دار بقاء ودوام وسرور أولها ضعف وفتور وآخرها موت وقبور فانية مشوبة بالمضار والشرور والآخرة باقية خالصة من الشوائب والمرور عزها باقية أبدية ونعمها صافية سرمدية (وحب الجاه) ولو علماً وعبادة بل الإعراض أهم فيهما (وكان) ذلك الشيخ (قد تابع لشخص بصير حاو لشروط المشيخة يتسلسل متابعة إلى سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وكان محسناً برياضة نفسه) يعني يفعل الرياضة على وجه حسن (من قلة الأكل) بيان للرياضة إذ يقال قلة الأكل يوصل صاحبه إلى أعلى عليين كما أن كثرته ينزل صاحبه إلى أسفل الأسفلين وعن ذي النون المصري لا تسكن الحكمة بمعدة ملئت طعاماً وقال المصنف في منهاج العابدين عن إبراهيم صحبت أكثر رجال الله تعالى في جبل لبنان وكانوا يوصونني إذا رجعت إلى أبناء الدنيا فعظهم بأربع قل لهم من يكثر بالأكل لا يجد لذة العبادة ومن ينم كثيراً لا يجد بركة عمره ومن لم يترك رضاء الناس فلا ينتظر رضاء
الجزء 1 · صفحة 42
الرب ومن يكثر بفضول الكلام فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام وعن سهل إن جميع الخير في هذه الأربعة حتى صارت البدلاء بها أبدالاً وقال بعض الجوع رأس مالنا ومعناه أن ما يحصل لنا من فراغ وسلامة وعبادة وحلاوة وعلم إنما هو بسبب الجوع والصبر لكن المقصود ليس إفراط الجوع الذي يضعف البدن ويضر في العبادة إذ النفس مطية فالرفق بها لازم (و) قلة (القول) وقد سمعت بعض ضرر إكثار الكلام روي عن المصنف احفظ لسانك إن اللسان سريع إلى المرء في قتله وإن اللسان دليل الفؤاد يدل الرحال على عقله وفي المنهاج لسان المرء ليثه ولهذا قيل لسانك أسدك إن أرسلته يأكلك وفي المثل رب كلمة تقول لصاحبها دعني وعن مالك بن دينار إذا رأيت قساوة في قلبك ووهناً في بدنك وحرماناً في رزقك فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك وقيل أفضل الصدقة حفظ اللسان ومن كف لسانه ستر الله عورته كلام ابن آدم بلاء إلا ذكر الله تعالى البلاء مؤكل على القول إن الله تعالى لا يقبل عمل عبده حتى لا يرضى عن لسانه سكون اللسان سلامة الإنسان صلاح الإنسان في حفظ اللسان بلاء الإنسان من اللسان تلف الإنسان من طرف اللسان (والنوم) نقل عن الأربعين للمصنف النوم مانع قوي عن العبادة ورأس مال السعادة العمر والنوم ينقصه إذ يمنع العبادة وقيل كثرة النوم تجلب الدمار وتسلب الأعمار وفي الروضة من لزم الرقاد أي النوم حرم المراد (وكثرة الصلاة) لأنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية والمالية والقلبية من الطهارة وستر العورة والتوجه إلى الكعبة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف عن الأطيبين ومشتملة على عبادة جميع أحوال الإنسان قياماً وقعوداً وانحناء وسقوطاً على الأرض ومشتملة أنواع الأذكار ثناء وتحميداً وتكبيراً وتسبيحاً وتهليلاً وتوحيداً وجامعة لأصناف العبادات فرضاً وواجباً وسنة ومستحباً وندباً
الجزء 1 · صفحة 43
وأيضاً جامعة لفضائل الفعل كما ذكر والترك إذ بترك محرماتها ومنهياتها ومكروهاتها سيما عنده تشتهي النفس يحصل الآخرة فالصلاة وسيلة قوية إلى أجل المآرب وأقصد المقاصد (والصدقة) أي كثرة الصدقة الظاهر ما هو من النوافل أو أعم منها ومن نحو الزكاة والأفضل في الصدقة أن يكون من أحب أمواله إذ الملك ما لصاحبه فقط وغير الصدقة ملك الغير قال الله تعالى {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} وقال الله تعالى {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وفي الروضة للزندوستي عن أنس - رضي الله عنه - يؤتى برجل يوم القيامة من النار فيقال له كيف وجدت مقيلك فيقول مقيلي أشد فيقول الله تعالى أتفتدي بملأ الأرض ذهباً حتى أخرجك من النار فيقول العبد نعم يا رب فيقول الله تعالى كذبت عبدي فقد سألتك في دار الدنيا أهون من ذلك أمرتك بإشباع جائع فلم تفعل وفيه أيضاً عن علي - رضي الله عنه - قال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قراءة القرآن فقال عليك بالصدقة فإنها أمان من النار قلت والصلاة عليك قال عليك بالصدقة فإنها في القلب قلت والتسبيح قال عليك بالصدقة فإنها مبهور حور العين قلت فقيام الليل قال لا يقاس على قيام الليل ولكن الصدقة أفضل من قيام الليل بألف مرة وأما البخيل فحارس نعمته وخازن ورثته والبخل في الطعام من أخلاق الطغام (والصوم) قال في جامع الصغير قال - صلى الله عليه وسلم - صمت الصائم تسبيح ونومه عبادة ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف وفيه صيام المرء في سبيل الله تعالى يبعد من جهنم مسيرة سبعين عاماً ولهذا اختار بعض السادات الصوفية صوم الدهر وبعضهم صوم داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام وبعضهم أيام البيض من كل شهر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وكل ذلك ورد في فضله وكثرة أجره وثوابه أثر لكن شرطوا في الصوم عدم ضعف البدن وإلا فيمنع الصلاة والصلاة أفضل من الصوم كما في وصايا لقمان لابنه (وكان) ذلك الشيخ (بمتابعة الشيخ البصير
الجزء 1 · صفحة 44
جاعلاً محاسن الأخلاق له) أي لنفسه (سيرة) أي ملكة راسخة وطبيعة لازمة لقد صدق من قال يا من تقاعد عن مكارم خلقه لبس التفاخر بالعلوم الظاهرة من لم يهذب علمه أخلاقه لم ينتفع بعلومه في الآخرة كما قيل حسن الخلق يلحق الأخسة مرتبة الأكابر وسوء الخلق يلحق الأعزة إلى حالة الأصاغر وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الملح العسل (كالصبر) لا سيما في طريق الطاعة بل أفضل الصبر ذلك والصبر عمل لا يوازنه عمل إذ ثواب سائر الأعمال مما يمكن حسابه وعده وأما ثواب الصبر فغير متناه قال الله تعالى {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (والشكر) لا سيما على ما وفقه الله تعالى من الطاعة قال المصنف إن تسبيحة واحدة محتاجة إلى شكر والشكر والتحميد من أفضل الطاعات بل حكمة مشروعية جميع الطاعات هو شكر المنعم ولهذا يقال شكر المنعم على المنعم واجب ومن ثمة اختلف في أن التحميد أفضل أو التهليل وإن كان الأصح هو الثاني على ما في شرح حصن الحصين لعلي القاري رحمه الباري (والتوكل) في جميع الأمور وقد عرفت تفصيله (واليقين) الظاهر أن المراد به معرفته تعالى بذاته وبصفاته تحقيقاً أي بإيمان تحقيقي لا استدلالياً كالحكماء والمتكلمين والصوفيين البطالين وذلك بالذوق والحال والوجدان وذلك إنما يحصل بالاتقاء والتورع وبدوام العبودية مراعياً للكتاب ومحافظاً للسنة متوقياً عن الشبهات والمكروهات تاركاً جميع ميولات النفس وهواها (والسخاوة) قال الجنيد رحمه الله تعلى أربع توصل الرجل إلى مقام المقربين وإن قل علمه وعمله الحلم والسخاوة وحسن الخلق والتواضع وعن علي - رضي الله عنه - كمال الرجل أربعة السخاء عند القلة والتواضع عند الدولة والعفو عند القدرة والعطاء بغير المنة وفي وصايا نجم الدين الكبرى أوصيه بمواساة الفقراء وأن لا يمر عليه يوم إلا ويتصدق فيه ولو بكعكعة أو بصلة ممن يعلم أنه يصلي (والقناعة) عن الشافعي رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 45
تعالى كن غني القلت واقنع بالقليل +++ مت ولا تطلب معاشاً من لئيم+++ لا تكن للعيش مجروح الفؤاد+++ إنما الرزق على الله الكريم وقال بعضهم ما سقيت أغصان ذل إلى على طمع بذر وقيل الطامع لا يشبع أبداً لأن حروف الطمع كلها مجوفة وقال أبو بكر الوراق لو سئل الطامع من أبوك قال الشك في المقدور ولو قيل ما حرفتك لقال اكتساب الذل ولو قيل ما غايتك لقال الحرمان وقيل الطمع من أعظم آفات النفوس وفي كلام بعضهم خذ القناة من دنياك وارض بها +++ واجعل نصيبك منها راحة البدن+++ وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها+++ما راح منها بغير القطن والكفن قال الشافعي رحمه الله تعالى الحريص محروم والرزق مقسوم والبخيل مذموم والحسود مغموم قال في العوارق لا يكمل شغل العبد بالله الكريم وله في الدنيا حاجة (وطمأنينة النفس) الظاهر أن المراد به النفس المطمئنة وهي على ما ذكره المصنف في بعض كتبه التي تنورت بنور القلب وتجملت بالأخلاق الحميدة وتوجهت إلى جهة القلب بالكلية متابعة له في الترقي إلى جانب عالم القدس متنزهة عن خبائث الرجس مواظبة على الطاعات مساكنة إلى رفيع الدرجات حتى خاطبها ربها {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} للتجريد ويمكن أن يراد باطمئنان النفس اطمئنانه بذكر الله تعالى على ما يشير إليه قوله تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (والعلم والحلم والتواضع والصدق والحياء والوفاء والوقار والسكون والتأني وأمثالها) كالنصيحة والشفقة والخدمة والألفة والبشاشة والاحتمال والمداراة والايثار والكرم والفتوة وبذل الجاه والمروءة والتودد والعفو والصفح والتلطف والبشر والطلاقة والثناء وحسن الظن وتصغير النفس وتوقير الإخوان وتبجيل المشايخ والترحم على الصغار والتوقير على الكبار وغيرها وتفاصيل الكل في المطولات كالإحياء والمنهاج والطريقة قال تاج الدين النقشبندي ومن يريد أن يعرف الشيخ الكامل بالتحقيق
الجزء 1 · صفحة 46
يجلس على مقابلته فإن حصل له الجمعية وزال عنه التفرقة أو نقص فهو ولي وإن لم يحصل له التمييز ففي وقت سكون الشيخ يجلس أيضاً مقابله متوجهاً إلى الباطن فإن نقص من الخواطر والوساوس فولي مرشد وإلا فيتركه فالشيخ هو الذي بقوة تصرفه ترتفع الظلمات البشرية عن المريد وتثبت أنوار الجمال الإلهي فبسببه يحصل طلب الذات الأحدية فتحويل القلب عن الأدنى إلى الأعلى وانصراف الرغبة عن الأدنى على يد الشيخ وترك الدنيا على يد المريد وقيل الشيخ يحيي ويميت (فهو إذا نور من أنوار النبي - صلى الله عليه وسلم -) ومعجزة من معجزاته (يصلح للاقتداء به) فيه إشارة إلى أن ما ذكر أدمى ما يقتدى به إذ الأعلى مما يجب الاقتداء به (لكن وجود مثله نادر) أي عزيز وقليل (أعز) أي أشرف قدراً وأعظم قيمة أو أقل وجوداً (من الكبريت الأحمر) في بعض اللغات إذا تعذر وجود شيء ولم يكن له وجود يقال هو معدوم كالكبريت الأحمر فحينئذ يكون كناية عن كمال الندرة والقلة وقيل حجر يضيء في الليل حكي أن سليمان عليه الصلاة والسلام وضع في قبة بيت المقدس فيستضاء مقدار ميل في الليل إلى أن تغزل النسوان بضيائه على ما نقل في بعض المواضع عن شرح هذه الرسالة أو غبار كيمياء لو وضع مقدار أذن خلال في مرجل مملو انقلب المرجل مع ما فيه ذهباً أو فضة على ما قرر الشيخ الوالد نور الله مرقده وجعل الجنة مثواه عند تدريس هذا المحل (ومن ساعدته) من المساعدة (السعادة) أي الشرف فاعل ساعدت يعني من وفقه الله تعالى بالسعادة وقد يفسر بالبخت (فوجد شيخاً كما ذكرنا) إذ لغاية ندرته ونهاية عزته لا يصادف مثله إلا بتوفيق الله تعالى أو بمساعدة البخت كان مصادفة مثله مما لا يكون حصوله مقدوراً (وقبله الشيخ) فيه إشارة إلى أن الشيخ على تقدير وجوده لا يقبل كل أحد بل إنما يقبل من علم فيه استعداداً وقابلية إذ شرط في فيض العلة الفاعلية استعداداً لعلة القابلية وأيضاً إنهم لا يكتمون ولا يبخلون ممن
الجزء 1 · صفحة 47
فهموا منه القابلية والاستعداد ويظنون منه السعي والمجاهدة إذ سرهم وديعة عظيمة يحرم إعطاؤها لغير أهلها كما يحرم المنع عن أهلها ولذا قالوا لا تنطقوا الحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم ويروى لا تكشفوا الحكمة لغير أهلها فتظلموها ولا تكتموها عن أهلها فتظلموهم وفي شمس المعارف ومن منح الجهال علماً أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم وأيضاً قيل صن القال عمن لم يكن أهلاً للقال قال - صلى الله عليه وسلم - نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نتكلم على الناس على قدر عقولهم كما سيأتي من المصنف (فينبغي أن يحترمه) أي يعظمه ويوقره (ظاهراً وباطناً أما احترام الظاهر فهو أن لا يجادله) الظاهر أنه عام للمناظرة إذ المناظرة بين المتساويين وعند خفاء الأمر وكلام الشيخ عند طالبه يلزم أن يكون حقاً في اعتقاده فإن قيل عند كون خلاف الشيخ ظاهراً بينا ما يفعل الطالب قلت إن هذا قريب أن يكون من قبيل تعليق المحال إذ الموصوف بالصفات السابقة لا يذهب ولا يقول ما يكون فساده ظاهراً ولو حدث على مقتضى البشرية لا يصر عليه بل يتذكر في أول التنبيه (ولا يشتغل بالاحتجاج معه) أي على خلافه يعني لا يشتغل على إتيان الحجة على خلاف الشيخ وفي لفظ الاشتغال إشارة إلى الرخصة بنحو مرة واحدة إذ لا يعد ذلك مجادلة (في كل مسألة) هذا وإن كان ظاهراً في رفع الإيجاب الكلي لكن المناسب حمله على السلب الكلي لا السلب الجزئي (وإن علم خطأوه) إذا لم يرجع بما هو بمرة واحدة لا يلزم على تلميذه الزامه لعل الشيخ يتذكر بعد التأمل ويرجع عن إنكاره بعدما وصل إدراكه بعد هذا الزمان بالتفكر وقد قال تاج الدين في رسالته لا ينبغي للمريد أن يقتدي بجيمع أفعال الشيخ بلا أمره إذ يجوز أن يكون عمل الشيخ بحسب مقامه وحاله وذلك للمريد سم فمحرم وفيها أيضاً ينبغي أن يعتقد المريد إن أخطأ الشيخ أقوى من صوابه ولا ينصح للشيخ إن لم يسأله كما أن الشيخ نظام الدين يقرأ
الجزء 1 · صفحة 48
المشارق على شيخه لكن لغاية سقامة نسخته يتكلف الشيخ ويتعب على نفسه فقال نظام الدين يوماً لشيخه نسختك غلط جداً إن تأملني أطلب عن فلان ونسخته صحيحة فكان ذلك صعباً على الشيخ فغضب عليه فغضب عليه قال نظام الدين زال بهذا حالي وسقطت من مقامي حتى خفت من الإيمان الشرعي فاستشفعت من زوجته فرجعت إلى حالي ومقامي بعده وعن بعض العارفين أنه قال أول من رآني صار صديقاً وآخر من رآني صار زنديقاً (ولا يلقي) أي لا يضع (بين يديه سجادته) لاستلزامه لتعريض الأمر بالصلاة (إلا وقت أداء الصلاة) فإنه حينئذ من كمال التأدب وزيادة التكريم أما إذا علم من الشيخ صلاته البتة إما بالقرائن أو لكون بعض الصلاة كالضحى موظفاً عند الشيخ فهي كالوقتية (فإذا فرغ يرفعها) لإظهار مسارعة الخدمة (ولا يكثر نوافل الصلاة بحضرته لأيهام سوء أدب وهو ملتزم بكمال حسن الأدب (ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه) قال في الرسالة التاجية وإن كان ما أمره خلاف شرع في اعتقاده لأن الشيخ لا يأمره إلا بأمره تعالى فيحسن عقيدته في حق الشيخ ولا يتوقف في العمل بإشاراته كما حكي أن بعض تلامذة الشيخ النصر استأذنه منه ليتزوج فأصر زيادة فمنع الشيخ ثم تزوج بلا إذن فحصل أربع بنات جلسن كلهن في الدكان للعمل السوء فحمل ذلك على فراسة الشيخ وكرامته (وأما احترام الباطن فهو أن كل ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره) ولا يرده (في الباطن) أي في قلبه (لا فعلاً ولا قولاً) الظاهر قيد للإنكار والرد (لئلا يتسم) من السمة بمعنى العلامة يعني أن عدم موافقة الظاهر بالباطن سمة (بالنفاق) وعلامة له فلو فعل ذلك للزم ذلك (وإن لم يستطع) أي إن لم يكن ذلك مقدوراً له (يترك صحبته إلى أن يوافق ظاهره باطنه) لأن الإنكار يسد باب الفيض فلو تكلف مع الإنكار لا يستضيء من أنوار الشيخ قال في العوارف ومن قال للأستاذ لا لا يفلح أبداً وإن الأدب مع السادات يبلغ صاحبه إلى الدرجات والكمالات
الجزء 1 · صفحة 49
ومن لم يعظم حرمة من تأدب حرم بركة وفيضاً منه وقال بعضهم ما وصل من وصل إلا بالأدب وما سقط من سقط إلا بترك الأدب وقال الجنيد حين رد بعض أصحابه إن لم تؤمنوا لي فاعتزلوا عني والحاصل أنه ينبغي له أن يكون منقاداً ومتسلماً لأمره بل لمن يقدمه الشيخ أيضاً من المريدين وإن كان علمه الظاهري أقل من علم المريد ويخدمه بالنفس والمال والبدن ويحبه على جميع الخلائق بل نفسه بموجب لا يكمل إيمان أحد حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده إذ الشيخ خليفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما حكي أن خواجه أحرار قدس سره قال سمعت من أمير قاسم قال ذهبت لزيارة مولانا زين الدين وعنده رجل صوفي أجنبي فمولانا قال للصوفي أتحب شيخك أو أو الإمام الأعظم أبا حنيفة - رضي الله عنه - قال أحب شيخي فغضب عليه مولانا إلى أن شتم بنحو يا كلب ويا حمار فقام الشيخ من غضبه وراح الرجل وأنا متحير فخرج مولانا من بيته بعد زمان وجاء الرجل واعتذر فقال عملت خمسين سنة بتفاصيل فقه الحنفي ولم أحصل التبري عن رغبة المكاره ومشتهيات النفس والهوى فبخدمة زمان قليل للشيخ زال مني مثل تلك الرغبات والميولات فسلم الشيخ (¬1)
¬
(¬1) أي مولانا ..
الجزء 1 · صفحة 50
اعتذاره وأكرمه وحسنه كما في الرسالة التاجية (ويحترز عن مجالسة الصاحب) أي المصاحب (السوء) فضلاً أن يتخذه خليلاً لأن الصحبة سارية والطبيعة سارقة والرجل على دين خليله قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في وصاياه لتلميذه يوسف السمتي وإياك والانبساط إلى السفهاء ولا تجيبن دعوة ولا تقبل أمانة وهدية وليكن بطانة لك يعرفك خيار الناس فمتى عرفت بفساد فازدد في الصلاح وفي نصائح بعض المشايخ إياك ومخالطة الناس المحبين للدنيا المقبلين عليها فإنه يميت القلت وقيل صحبة المخالف سم مجرب قاتل وإنما يحترز عن ذلك (ليقصر) أي يزول وينعدم حكم (ولاية) يعني تصرف (شياطين الجن) من الوساوس وقوة الإغواء (و) شياطين (الإنس) وهم الفساق والأشقياء بل مطلق أبناء الدنيا بل أحكام شيطانية الأنس أقوى من أحكام شيطانية الجن لكون أشخاصهم مرئياً وحيلهم ومكرهم خارجياً (من صحن قلبه) أي وسطه الجار متعلق بقوله ليقصر فإن قيل صحبة السوء بالأشخاص الردية كيف يكون باعثاً لتصرف شيطان الجن وكيف يكون في القلت قلة إذا وقع الصحبة مع موافق الشياطين ومصاحبهم كان كنفس الشيطان إذ الأشخاص الردية آلة الشياطين في تأثير أعمالهم على غيرهم وإن في الأفعال الخارجية الجوارحية تأثيراً قوياً في الملكات القلبية قال بعض المشايخ لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله تعالى مقال قال القشيري باعد عن أهل الدنيا فإن صحبتهم سم مجرب لأنهم ينتفعون بك وأنت تنقص بهم فإذا قصر ولايتهم وبطل تصرفاتهم بالاحتراز عن صحبتهم (فيصفي) الطالب (عن لوث الشيطانية) أي لوث وخباثة من طرف الشيطان أو اللائق بالشيطان فيبعد بسببه عن فيض الشيخ ورضائه (وعلى كل حال يختار الفقر) مع الصبر عليه قال بعض في وصاياه اختر الفقر على الغنى فإن فيه الخفة والصفا وارض باليسير من الدنيا والقناعة كنز لا يفنى ولكن عيشك من كسب اليد ولا تدخر لأجل الغد فإن الغد يجيء برزقه والله كان في كفالته واقصد
الجزء 1 · صفحة 51
إلى رتبة المساكين وهي مقصد سيد المرسلين (شعر) واستغن ما أغناك ربك بالغنى +++ وإذا تصبك خصاصة فتجمل أي إن تصبك فقر ومسكنة فاصبر ولا تضجر بل أظهر الغنى قال بعضهم من استغنى بالله عن الناس أمن من عوارض الناس ومن أظهر الفقر إلى الناس لا ينفك عن الرذالة ومن أظهر الغنى عن الناس واقتصر الافتقار إلى رب الناس يفقتر إليه كل شيء حتى ملوك الناس (ثم اعلم) يريد أن يذكر بعض ما يكون كالعمدة من شرائط الصوفية ونبه على زيادة كونه مهماً عندهم بقوله اعلم فقال (إن التصوف) أي التخلق بالأخلاق الإلهية على ما فسر به المصنف في بعض مصنفاته قال السيوطي في شعلة النار التصوف علم الحال لا علم المقال وهو أن يتخلق بمحاسن الأخلاق التي وردت السنة النبوية بها ولهذا قالوا التصوف ارتكاب كل خلق سني وترك كل خلق دني وقيل التصوف أربعة أحرف التاء توبة عن المعاصي والصاد صبر على البلاء والواو وفاء للعهد والفاء فراغ عن جميع الخلق وقال الجنيد التصوف حفظ الأوقات وعدم مطالعة العبد غير حاله ولا يوافق غير ربه ولا يقارن غير وقته وعن سهل بن عبد الله الصوفي من صفا من الكدر وامتلأ في الفكر وانقطع إلى الله تعالى من البشر واستوى عنده الذهب والمدر (له) أي للتصوف (خصلتان) كالركن له (الاستقامة والسكون من الخلق) لعل المراد عدم الاضطراب منهم يعفو فرطاتهم وتجاوز قصورهم ولا يشتغل بقيد انتقامهم بل يجتهد على إحسانهم مسيئهم ومحسنهم على حذاء ما فهم من تقريره الآتي هنا (فمن استقام) مع الله تعالى (وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم) عن الجنيد رحمه الله تعالى أربع يرفع الرجل إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الإيمان (فهو صوفي والاستقامة) التي أمر الله بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى {فاستقم كما أمرت} في سورة هود وعليه حمل قوله - صلى الله عليه وسلم - شيبتني سورة هود وقيل إن جميع مقاصد
الجزء 1 · صفحة 52
القرآن رجعة إلى الاستقامة ولهذا قيل إن الفاتحة مشتملة على مقاصد القرآن والمقصود من الفاتحة هو الاستقامة المفادة من قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم} (أن يفدي) من الفداء (حظ نفسه) أي ميولها وشهواتها (لنفسه) أي لخالص نفسه أو لحفظ نفسه أو لإكمال نفسه أو لنجاة نفسه ولا يخفى أن ذلك إنما يتحصل بتحمل الأفعال الشاقة من الأحكام الإلهية والسنن النبوية والسيرة الأحمدية (و) معنى (حسن الخلق بالناس أن لا تحمل الناس على مراد نفسك) يعني كل شيء يريد نفسك وتميل وتشتهي في معاملة الخلق لا ترسل نفسك عليه بل تمنعها منه (بل تحمل نفسك على مرادهم) يعني توافقهم وتعطي آمالهم في كل شيء يرجون ويترقبون منك (ما لم يخالف الشرع) قيل سئل عنه - صلى الله عليه وسلم - عن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وقال صل من قطعك واعف عمن ظلمك وأحسن من أساء إليك قيل إن قوله تعالى {فبما رحمة من الله لنت لهم} مجمع مكارم أخلاق حسان قال القاضي عياض في شفائه روي أنه - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت عليه قوله تعالى {خذ العفو أمر بالعرف} الآية سأل جبرائيل عن تأويلها فقال جبرائيل حتى أسأل العالم ثم ذهب ثم أتاه فقال يا محمد إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وقال له الصبر على ما أصابك وقيل إن مكارم الأخلاق مع كثرتها منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وفي جامع الصغير أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن ظلمك وفي وصايا أبي حنيفة - رضي الله عنه - ليوسف السمتي خذ العفو واترك كل من يؤذيك وبادر في إقامة الحدود وعد مرضاهم ومن قعد منهم عنك فلا تقعد أنت منه وصل من جفاك وأكرم من أتاك وكلم بالجميل الحسن لمن يكلمك بالقبيح السوء ومن مات فشيعه ومن له فرح فهنئه ومن له مصيبة فعزه عنها ومن أصابه هم توجع له به انتهى (ثم أنك سألتني عن العبودية وهي
الجزء 1 · صفحة 53
ثلاثة أشياء أحدها محافظة أمر الشرع) والمداومة عليه بلا ترك ولا هوان (وثانيها الرضاء بالقضاء) أي الحكم الإلهي (والقدر) أي التقدير الإلهي وللقوم وجوه بالفرق بينهما لكن المناسب هنا اتحادهما (وقسمة لله) خصوصاً في أمر الرزق (وثالثها ترك رضاء نفسك في طلب الله تعالى) لأن مخالفة النفس أساس الأمر بين العبد وبين الله تعالى فلا تغفل عن الله تعالى بالاشتغال على حظ النفس والاتباع على هواها وقيل من رخص النفوص غاب عن الملك القدوس قال القشيري أصل المجاهدة فطم النفس عن المألوفات وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات (وسألتني عن التوكل وهو أن يستحكم) من الاستحكام (اعتقادك بالله تعالى فيما وعد) بنحو قوله تعالى {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} كما يدل عليه قوله (يعني أن تعتقد أن ما قدر) أي قدر الله (لك سيصل) ويمكن أن يكون لفظ السين للتأكيد بنحو قوله - صلى الله عليه وسلم - سترون ربكم (إليك لا محالة) أي البتة (وإن اجتهد) جميع (من في العلم على صرفه عنك) أي على منع ذلك منك فإن المقدر كائن لا يزال ويمتنع تخلف مراد الله عن إرادته فإن قيل كثيراً ما نرى أشخاصاًَ كثيرة يضطرون في أمر الرزق لعدم الاكتساب بل يموتون جيعاناً قلت لعل ذلك من عدم توكله أو قلته وقد قال الله تعالى {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} إذ فهم منه شرطية التوكل وقد أخذ في التوكل تفويض أمره إليه تعالى طالباً عرفانه وقربه ورضاءه منقاداً لحكمه من النفع والضرر والمحنة والضر راضياً بقضائه وشاكراً لنعمائه وصابراً لبلائه (وما لم يكتب لك) أي الشيء الذي لم يقدر لك الله تعالى (لن يصل إليك في جميع أوقاتك المستقبلة وإن ساعدك) أي أعانك ونصرك (جميع العالم) لأن إرادة الله تعالى غالب على إرادتهم فلا فائدة في إضاعة العمر لتحصيله غير استصعاب النفس والمشقة فإن قيل فهذا يقتضي حرمة الكسب وهذا عين مذهب نحو الكرامية يحرمونه لاستلزامه رفض التوكل الواجب
الجزء 1 · صفحة 54
ومخالف لمذهب أهل السنة من فرضية الكسب للمضطر لنفسه أو عياله ورخصته لغيره قلنا لعل المراد المنع عن إفراط الكسب كما يرى عن بعض أبناء الدنيا يعطلون أنفسهم بصرف أوقاتهم إلى اكتساب متاع الدنيا وهذا القدر لا ينافي وجوب التوكل لأن التوكل صفة القلب وهو الثقة بالله والاعتماد عليه بأنه يرزقه ولو بسبب نحو الكسب بلائقة على الكسب فإنه ضلال وإن الأنبياء كلهم يتوكلون مع أنهم مكتسبون كآدم فإنه زراع وإدريس خياط ونوح نجار وإبراهيم بزاز ومحمد صلى الله تعالى عليهم أجمعين غاز كما في الخبر وفي جامع الصغير بعثت بين يدي الساعة بالسيف حين يعبدوا الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي الحديث (وسألتني عن الإخلاص وهو أن يكون أعمالك لله تعالى لا يرتاح) أي لا يفرح (قلبك بمحامد الناس) أي مدائحهم (ولا يتأسى بمذامهم) أي لا يحزن يغني لا يغتر بمن يمدح ولا يمل بقول من يذم قال الله تعالى {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} فالمدح والذم عنده سيان (واعلم أن الرياء يتولد من تعظيم الخلق) أفرد الرياء بالذكر من بين سائر الذميمة لمناسبة الإخلاص الذي سئل عنه لأنه مقابله وكمال توضيحه يتوقف عليه أو حصول الإخلاص إنما يكون بترك الرياء أو لمناسبة قوله لا يرتاح إلى آخره إذ الارتياح المذكور هو الرياء أو لأن ضرره عظيم ووقوعه كثير وخلاصه عسير (وعلاج إخراجه أن تراهم) أي تعتقدهم (مسخري القدرة) أي الخلق الذين يقصد منهم تعظيمه مسخرين لقدرة الله تعالى يعني ليس لهم قدرة على شيء في جنب قدرة الله تعالى لأن النافع والضار هو الله تعالى (وتحسبهم كالجمادات) التي لا حركة لها اختيارية بل اضطرارية إذ ليس للعبد قدرة مؤثرة وإن كان له قدرة أعلم أن هذا مبني على أصل الأشعري وإلا فالماتريدية لا يرضون على ذلك لاستلزامه الجبر المحض ويقولون إن المؤثر في فعل العبد مجموع قدرة الله تعالى وقدرة العبد نعم التشبيه بالجمادات لا يقتضي اتحاد
الجزء 1 · صفحة 55
عين حكم الجماد إذ المشبه مغاير للمشبه به والأصل كون الوجه أقوى في المشبه به لكن لا يتحمل على ذلك مذهبهم فافهم (في عدم قدرة) على (إيصال الراحة والمشقة) لعل طلب التعظيم إما للوصول إلى الراحة أو للخلاص عن المشقة وإلا فلا يناسب قوله من تعظيم الخلق (لتخلص) متعلق بقوله وتحسبهم (من مراياتهم) أي من الرياء إليهم (ومتى تحسبهم ذوي قدرة وإرادة) عن شيء سيما النفع والضر (لن يبعدك الرياء) ومن علاجه ملاحظة الضرر المترتب عليه واستلزامه قلب الموضوع إذ العمل الموضوع لعبادة الرب يكون مستعملاً للناس ويلزمه استخفاف عبادة الرب وهو عالم ما في ضميره (أيها الولد) (الباقي من مسائلك) يعني إلى الآن خرج الجواب عن جميع ما سئلت إلا أمرين فأحدهما قوله (بعضها مسطور) أي مكتوب (في) أكثر (مصنفاتي) أو جميع مصنفاتي من التصوف فإن كنت حريصاً له (فاطلبه ثمة) كالإحياء والمنهاج وبداية الهداية لعل ذلك البعض إنما يكون معلوماً فيما بينهما وكتابة بعضها حرام وثانيهما قوله (وبعضها من السؤالات التي كتابتها) لعدم إحاطة العبارة أو لامتناع التعبير (وتكلمها حرام) لعدم الإمكان كما عرفت أنه من الوجدانيات لا يمكن الفهم بلا ذوق أو لأنه سر لا يجوز إفشاؤه لغير أهله والأهلية إنما تحدث بعد الوصول إلى ذلك المقام وبعد الوصول لا يبقى حاجة إلى الكتاب والكلام فهذا كالمستدرك بما سبق لعل وجه التكرار لزيادة التقرير والاهتمام إلى مباشرة أسبابه ومواظبة لوازمه كما يشير إليه قوله (اعمل أنت بما تعلم) من العلوم الشرعية الإلهية والأحكام السنية النبوية بشرائط جانبي ملكات الأخلاق ورعاية قيود علم الزهد (لينكشف لك) أي لأجل أن ينكشف أو إلى أن ينكشف لك (ما لم تعلم) ما أشكل عليه معرفته يعني إن أردت معرفة هذا النوع من مسألتك فاجتهد العمل فيظهر لك ذلك فهذا معنى ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من عمل بما علم رزقه الله تعالى ما لم يعلم (أيها الولد) (بعد
الجزء 1 · صفحة 56
اليوم) الظاهر أي بعد اليوم الذي قلت لك وبعضها كتابتها وتكلمها حرام (لا تسألني) يعني لا تلح في السؤال ما أشكل عليك إلحاحاً (إلا بلسان الجنان) أي بلسان الحال لعل ذلك بقرينة فكأنه لما منع سؤال هذا الجنس أعاد سؤاله بل أقدم عليه على ما قيل الإنسان حريص على ما منع منه فأعاد المنع بحجته على ما يشير إليه بقوله اقتباساً ({ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم}) يعني الخير ليس في السؤال بل الخير في الصبر إلى أن يظهر المقصود نفسه ثم أيد ذلك بقص خضر عليه السلام فقال (واقبل نصيحة خضر) إلى موسى عليهما السلام وهو قوله ({فلا تسألني}) الأظهر والأوفق أن يذكر قبيله ويقال فإن اتبعتني فلا تسألني ({عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً}) يعني إن أردت متابعتي فلا تسألني فيما نبهت لك إلى أن أذكره لك إذ رب أمر تسيء في البداية لكنه في النهاية جيد حصن فلو أجيب إلى جنس مثل هذا السؤال يرى كريهاً ومنكراً ولو صبر وأخر إلى يظهر حقيقة ذلك الأمر لظهر حسنه فالاستعجال في الجواب ليس فيه مصلحة بل كراهة وباعث إلى سوء اعتقاد (ولا تستعجل) في خروج الجواب (حتى تبلغ أوانه) أي أوان المسؤول عنه (ينكشف لك) يعني إن لم تستعجل إلى ظهور زمانه ينكشف لك مسألتك وإن استعجلت يصعب ذلك بل يكون باعثاً إلى حرمانك كما قال الفقهاء من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه وقيل أيضاً الاستعجال شؤم والمستعجل محروم الاستقصاء شوم والمستقصي محروم (وأرأيت) كأنه توبيخ إذ مثله إنما يستعمل فيما يكون الأمر بينا والحكم ظاهراً قوله تعالى ({سأريك آياتي فلا تستعجلون}) أول الآية {خلق الإنسان من عجل} قال البيضاوي كأنه منه خلق لفرط استعجاله وقلة ثباته كقولك خلق زيد من الكرم جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع لعل المقصود هنا أن الرؤية محققة فلا فائدة في الاستعجال قبل وقته والأمور مرهونة بأوقاتها لكن الإنسان لكونه مخلوقاً من العجل من عادته أن يستعجل قبل وقته
الجزء 1 · صفحة 57
(فلا تسألني قبل الوقت) فانتظر إلى وقته والوقت مشروط بالسير والسلوك كما يشير إليه (ويتيقن) أي اعلم علماً يقينياً (إنك لا تصل إلى ذلك الوقت) أي الوقت الذي ينكشف لك مطلوبك (إلا بالسير) والسلوك في طريقة وذلك السير إنما يحصل بما يشير إليه آنفاً من قوله اعمل أنت بما تعلم إلى آخره حاصله السير عن العلائق النفسانية والعوائق الجسمانية والمرور عن حجب المواد الهيولانية التي ينتكس النفس بالاشتغال بها والتلذذ بمراداتها في مهاوي عالم الرجس والزور إلى أن يصل إلى أعياد وصال عالم القدس والنور التي هي ظهور الوقت المسؤول ({أولم يسيروا في الأرض فينظروا}) لعل المعنى المراد هنا أيضاً أن رؤية المطلوب منوطة بالسير إذ الواصل إلى ذلك المطلوب فيما قبل إنما وصل به والله أعلم (أيها الولد) كأن المخاطب لم ينزجر بما ذكر بل ظن من أحواله أمارة الإنكار فأعاد هذا الحكم بالتأكيد القسمي فقال (بالله إن تسر) سيراً صادقاً (تر العجائب) والغرائب التي لا تحيطها العبارات و لايقررها الكلمات ولا يخطره الخواطر في الدهور والأوقات حال كون تلك العجائب (في كل منزل) من منزل السير فيه إشارة إلى كثرة السير حيث اشتمل منازل كثيرة لعل المراد من كل منزلة طبقة ومرتبة من من مراتب النفس ثم أراد أن يبين السير وطريقه فقال (ابذل) من البذل بمعنى الصرف (روحك) الذي شأنه الاستغراق في مطالعة الله تعالى وجلاله وجماله من كدورة وساوس النفس (فإن رأس هذا الأمر) أي السير أي رأس مال هذا الذي سئل عنه وأريد الوصول إليه (بذل الروح) فهذا الأمر إنما يكون حصوله ببذل الروح لعل المراد من هذا السير الخفي المكتوم هو ما قالوا من نحو المكاشفات والتجليات والوصول الذي يتعذر معرفة ماهيات كل منها بغير شيء من الذوق كما أشار إليه المصنف مراراً (كما قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى لأحد من بعض تلامذته إن قدرت على بذل الروح فتعال) يعني تصلح لخدمتي وأبقيك في خدمتي
الجزء 1 · صفحة 58
(وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية) يعني الفائدة إنما تترتب على بذل الروح لأعلى ترهاتهم (أيها الولد) كأنه أتم ما هو النصب مما سئل إلى هنا فما ذكر فيما بعد كالخاتمة والتذنيب لما ذكر قبل (إني أنصحك بثمانية أشياء اقبلها مني لئلا يكون علمك خصماً عليك يوم القيامة) فإذا لم تعمل بها يكون علمك خصماً لك لعدم جريك على مقتضى العلم لا يخفى أن هذا يقتضي أن يكون تلك الثمانية كلها مختصاً بالعالم وأنت ستعلم أن بعضاً منها عام للعالم وغيره إلا أن يقال الكلام على التغليب أو فهم ذلك إنما هي بطريق مفهوم المخالف ومن شرطه أن لا يكون إخراج الكلام لوقعة وحادثة وهنا لما كان المخاطب عالماً عبر به أو لغير ذلك ثم المراد من خصومة العلم إما كونه معاقباً لعدم جريه على مقتضى علمه وعدم وضعه العلم فيما وضع له فكأن العلم كان خصماً له لكونه معاقباً لأجله وإما أن العلم يكون خصمه حقيقة فيدعي عند الله تعالى بأنه ضيعني ولم يؤد حقي فإنه تعالى قادر على ذلك لكن ذلك موقوف على السمع إذ مثله إنما يدرك بالرواية لا بالدراية وكونه مسموعاً في بعض الأعمال كالصلاة فعلى تقدير ثبوته وكونه على حقيقة لا يكون مقيساً عليه إذ من شرط القياس أن لا يكو ثبوت الأصل المقيس عليه خارجاً عن سنن القياس (تعمل منها أربعة) يعني أربعة منها تعمل وكذا قوله (وتدع منها أربعة أما اللواتي) جمع التي (تدع) التقديم للاهتمام إذ التخلية مقدمة على التحلية وفي الثواب أكثر وفي العمل والإتيان أشد وأصعب وفي الحديث ترك ذرة من محارم الله تعالى خير من عبادة الثقلين وفي رواية من منهيات الله تعالى وفي حيث آخر ترك الدنيا أمر من الصبر وأشد من حطم السيوف (أحدها أن لا تناظر) من المناظرة بمعنى المجادلة إذ أصل المناظرة وإن كان بحثاً موضوعاً لإظهار الصواب وكان واجباً في بعض المحال فضلاً عن الجواز كما يشير إليه لكن عند تطرق الآفة يخرج عن الصلاحية إذ ثبوت الأشياء إنما هو عند
الجزء 1 · صفحة 59
سلامة الأسباب وانقطاع الموانع (أحداً في مسألة) أي مسألة من العلوم الدينية الأصلية والفرعية أو غيرهما إذ النكرة في سياق النفي عامة وقوله (ما استطعت) لعله تأكيد للنفي للمبالغة فيه أو إشارة إلى جوازها عند الضرورة كالتعين عند ظهور ملحد قاصد بالدين فإنها عند ذلك فرض وإن لم يمكن دفع الآفة لأن الضرر القليل يرتكب لدفع الضرر الكثير (لأن فيها) أي في المناظرة (آفة كثيرة وأثمنها من نفعها كبير) ولا يرتكب الضرر الكثير للنفع الجزئي (إذ هي) أي المناظرة (منبع كل خلق ذميم) أي محل يظهر فيه ذلك وكل للتكثير وإلا فظاهر أنه على الحقيقة لا يكون للكل منبعاً (كالرياء) بالنسبة إلى من غلب من المناظرين (والحسد) من جانب من كان مغلوباً (والكبر) من الغالب (والحقد) من المغلوب (والعداوة) الظاهر من المغلوب أيضاً (والمباهات) أي التفاخر من الغالب وقوله (وغيرها) بعد الكاف في قوله كالرياء تأكيد أو للإشارة إلى زيادة الكثرة في البقية (نعم لو وقع مسألة بينك وبين شخص واحد أو قوم كثير) فيه إشارة إلى أنه ليس فيه طلب وارادة بل المسألة أوقعت عليه (وكان إرادتك فيها) أي في المناظرة في تلك المسألة (أن تظهر الحق ولا تضيع الحق) فيه إشارة إلى أنه لو أهمله لضاع الحق وإلى أنه لو ظهر في يد خصمه لقبل واعترف إذ لو أنكر لضاع الحق (جاز حينئذ البحث) أي المباحثة لعل المراد من الجواز هو الإمكان العام أي لا يمتنع فيشمل الوجوب والندب والإباحة كما في محاجة الخليل صلوات الله على نبينا وعليه مع نمرود عليه ما يستحق قال الإمام البزازي بعدما قال ودفع الخصم وإثبات المذهب مما يحتاج إليه وقول من قال إن تعلم الكلام والمناظرة فيه مكروه مردود بقوله تعالى {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} إلى قوله {نرفع درجات من نشاء} دل قوله تلك الخ إشارة إلى مناظرته في إثبات التوحيد وجعله من حجج الله تعالى مضيفاً إلى نفسه على شرفه إذ شرف العلوم بقدر شرف المعلوم انتهى
الجزء 1 · صفحة 60
(لكن لتلك الإرادة علامتان) فعند وجود مجموع العلامتين يعلم ذلك الجواز (أحديهما أن لا تفرق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك) في الغيرة والمسرة القلبية (والثانية أن يكون البحث في الخلاء أحب إليك من أن يكون في الملاء) أي عند مجمع الناس الظاهر أنه مما يستلزمه الأولى فتصريحه لزيادة الاعتناء (واسمع) أي واعلم (أني أذكر لك هنا فائدة) أي مناسبة لهذا المقام وإن لم يكن من فروع المقام وأمثلته إذ المناظرة بين العالمين وما يذكر هنا بين العالم والجاهل والمناسبة في مجرد أصل السؤال والفائدة قوله (اعلم أن السؤال من المشكلات) أي المسائل الحقة الغير المعلومة (عرض مرض القلب) أي كعرض مرض القلب فالكلام من قبيل زيد أسد أي تشبيه بليغ لأن السؤال كالعرض والإشكال أي عدم العلم يعني الجهل كمرض القلب في الإهلاك والإتلاف عند الإهمال إذ الجهل يهلك الدين كما أن المرض يهلك البدن (إلى الطبيب والجواب له) أي السؤال (سعى لإصلاح) لدفع (مرضه) بالأدوية والمعالجة المناسبة (واعلم أن الجاهلين) قوله (المرضى قلوبهم) خبر إن (والعلماء الأطباء) مبتدأ وخبر (والعالم الناقص) في العلوم الشرعية الدينية وإن كان كاملاً في غيرها (لا يحسن المعالجة) بل يفسد كالطبيب الجاهل ربما يفسد البدن بمعالجته لعدم معرفة الدواء الدافع للمرض المخصوص (والعالم الكامل) أي العارف أحوال أمراض القلب ومرتبته (لا يعالج كل مريض) بجواب الإشكال (بل يعالج) مرض (من يرجو فيه قبول المعالجة والصلاح) إما بالكشف أو بالقرائن السابقة أو الحالية وأكثر ذلك بين العلماء الظاهرية والصوفية والعالم الكامل فيه إما لا يساعده ولا يجيب عن إشكاله أصلاً أو يجيب بأمر مناسب بحال السائل على وجه لو تأمل أو اعتبر ينزجر به عن إنكاره الطبيعي أو يؤخر جوابه بوقت آخر عسى أن يتحول إنكاره إلى هذا الوقت أو يجيب جواباً الزامياً لا تحقيقياً فإنه لا يدرك الجواب الحقيقي لغاية دقته أو
الجزء 1 · صفحة 61
يمكن إدراكه لكنه يعلم عدم قبوله تعنتاً ومكابرة (وإذا كانت العلة) المرض (مزمنة) مرضاً مزمناً نوع من الفلج لا يقبل العلاج إلى أن يموت وهو مشهور عند الفقهاء (أو عقيماً) العقم بالفتح أو الضم جرح أو مرض لا يتصور البرء أو لا يرجى فقوله (لا يقبل العلاج) كالتفسير لهما (فحذاقة الطبيب أن يقول هذا لا يقبل العلاج) لمعرفته حقيقة المرض (فلا يشتغل بمداواته) أي المريض (لأن فيه تضييع العمر) وإضاعة المال (ثم اعلم أن مرض الجهل) من قبيل لجين الماء أي الجهل الذي كالمرض (على أربعة أنواع) أحدها يقبل العلاج والباقي لا يقبل أما الذي لا يقبل (أحدها من كان سؤاله واعتراضه عن حسد وبغض) الحسد أن تحب زوال نعمة الغير أو تحب نزول مصيبة به وهو غير الغبطة الجائزة وهو اشتهاء مثل نعمة الغير بلا محبة زوالها وأما الحسد ممن يستعين بالنعمة على المعاصي فجائز لأنه في الحقيقة طلب زوال الظلم وسببه كبر وعداوة وخبث النفس ثم الحسد إن وقع في القلب بلا اختيار ثم دفع فلا بأس به اتفاقاً وإن كان باختيار وعمل بمقتضاه نحو ظهور أثره في الخارج فحرام اتفاقاً وإن لم يعمل بذلك فحرام عند المصنف لكن ظاهر بعض الأحاديث نحو إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت بها أنفسها ما لم تتكلم به أو يعمل به وفي حديث آخر إذا حسدت فلا تبغ على المحسود بالقول والفعل يشعر عدم الحرمة كما روي عن الحسن رحمه الله تعالى الحسد غمة لا يضرك ما لم تبده (فكلما تجيبه بأحسن الجواب) بأن يطابق سؤاله ويحسم مادة إشكاله (وأفصحه) لعله بعبارة لطيفة (وأوضحه) بحيث لا يرتاب في فهمه لغاية وضوحه (لا يزيد له) أي للسائل الحاسد (ذلك) أي ذلك الجواب الحسن (إلا غيظاً) أي غضباً (وحسداً) من قبيل تأكيد الذم بما بشبه المدح والمأمول الطبيعي أن يزيد محبة ومسرة فهذا السائل لا يريد إظهار الصواب بل أظهر أن ليس له غرض ممدوح فيجب متاركته بما عليه من مرضه فظهر أنه ممن في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً
الجزء 1 · صفحة 62
(فالطريق أن لا تشتغل بجوابه) إذ لا فائدة في الجواب بل المتوقع هو الضرر فالتحاشي لازم فإن قيد قد ذكروا له علاجاً علمياً وقلعياً فكيف لا يفيد الجواب قلت ذلك من الوجدانيات التي يتعذر إلزام بها وما ذكرت إنما هو لمنصف مريد الحق ومسترشد يريد منك إزالة مرضه أو ذلك بالنسبة إلى نفس الحاسد لا من الغير (شعر كل العداوة قد ترجى) من الرجا (إزالتها) أي إزالة لغير إياها إما بالنصائح والمواعظ أو الأدلة والحجج والبيان (إلا عداوة من عاداك) من العداوة (عن حسد) فإنها ليس بمرجو الإزالة لعل لهذا عد الحسود في الحديث من الذين يدخلون النار بغير حساب (فينبغي أن تعرض عنه وتترك مع مرضه) من الغم والحزن وضيق النفس لأن ضرره راجع إليه في الدنيا والآخرة ولا يضر محسوده بل قد ينفع (قال الله تعالى {فاعرض عن من تولى عن ذكرنا}) لعل الأعلى كون المراد من الذكر القرآن إذ من حكم القرآن حرمة نحو الحسد فمن لم يترك الحسد فقد أعرض عن الذكر ({ولم يرد إلا الحياة}) إذ الحسود لا يريد بحسده إلا غرضاً دنياً ويا فمن لا يريد الدنيا لا يجترئ على الحسد بل يندم من ساعته ويتوب (والحسود بلك لما يقول) قولاً متسبباً عن حسده (ويفعل) كذلك لا مطلق كل قول وفعل منه (يوقد النار في زرع عمله) يعني كما أن النار تتلف الزرع كذلك الحسد يتلف العمل (والحسد يأكل الحسنات) أي يزيل ويبطل (كما يأكل النار الحطب) لا يخفى أن الظاهر من كلام المصنف هنا ما ظهر أثره في الجوارح وقد سمعت من مذهب المصنف أنه إن وجد فيه الاختيار وإن لم يظهر أثراً خارجياً فحرام إلا أن يقال مراده بيان ما هو أشد ولم يكن في كلامه ما يدل على حصر ما ذكره إذ ذكر شيء غير مناف لما عداه ثم إنه لأحبط لطاعة المؤمن بمعصيته ولا لمعصيته بطاعته عند أهل الحق وظاهر كلام المصنف هنا يشعر حبط الحسنة بالسيئة وهو ظاهر مذهب أبي هاشم وأبي علي وقد أورد عليه أنه خرق للإجماع بل ملائم المذهب جمهور المعتزلة من
الجزء 1 · صفحة 63
أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات فأجيب بأن المراد إبطال اضعاف الحسنات لا أصلها ويمكن أن يريد بالإبطال نقل حسنات الحاسد إلى المحسود لا سيما إذا طول اللسان فيه فهو كمن يرمي عدوه بحجر فلم يصب عدوه وعادت إلى عينه فأعماه والتوجيه أن الحسد يؤدي إلى الكفر والكفر حابط للحسنة إجماعاً لا يخلو عن بعد كما لا يخفى (والثاني) من الذي لا يقبل العلاج (أن يكون علته) أي علة الجهل ومرضه (من الحماقة) أي البلادة والغباوة ضد الذكاء والفطنة (وهو) أي المرض الذي من الحماقة (لا يقبل العلاج) لعل المراد من عدم القبول هو عسر العلاج وإلا قالوا علاجه السعي والجد والمواظبة في التعلم أو المراد من الحماقة صاحب قوة بلادة في نهاية لكن لا يناسبه سياق الكلام (كما قال عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام) لعل مثله مبني على الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا فما يؤخذ من كتبهم أو يسمع التواتر من رهبانهم مما لا يصلح للاحتجاج به ودعوى في كل قرن إلى عيسى عليه الصلاة والسلام ليس بمسموع (إني ما عجزت من أحياء الموتى) إذ من معجزته إحياء الموتى بإذن الله تعالى (وقد عجزت عن معالجة الأحمق) فمعالجة الأحمق أصعب من إحياء الموتى يشكل أنه إن كان على طريق المعجزة فهما في عدم الصعوب متساويات وإن على العادة فالأحياء ممتنع ومعالجة الأحمق قد يمكن وإن أريد من الأحياء ما هو بطريق المعجزة ومن المعالجة ما هو بطريق العادة فلا فائدة في الاستصعاب فلعل الكلام مبني على الفرض والتنظير يعني لو كان الأحياء مقدوراً عادياً للبشر يقتضي على مقاساة معالجة الأطباء للأمراض الصعبة زيادة عسر وقوة صعوبة فعلاج الأحمق أعظم من ذلك عسراً أو المراد من الموتى هو الكفار يعني أمكن معالجة الكفار بإفهام الحق بطريق المعجزة أو النصح بالأدلة دون الأحمق منهم أو من غيرهم وفي محاضرة الإمام الثعالبي عن عيسى عليه الصلاة والسلام عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما
الجزء 1 · صفحة 64
وأعياني علاج الأحمق فعلى هذا يمكن أن يراد بالموتى ذوو أمراض شديدة كالأكمه والأبرص وعنه في المحاضرات أيضاً لا تنطقوا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها عن أهلها فتظلموهم ولا تطرحوا الدر تحب أرجل الخنازير ولا تعلقوا الجواهر في أعناق الكلاب فعلى هذا يمكن أن يراد من الحماقة ما لا يكون غبياً أصلياً بل الحماقة تختلف باختلاف المسائل إذ من يكون عاقلاً فهيماً بالنظر إلى بعض المسائل يمكن أن يكون بليداً غبياً بالنظر إلى أخرى وإليه يميل كلام المصنف (وذلك رجل يشتغل بطلب العلم زماناً قليلاً) القلة يعم الحقيقة وهي ظاهرة والحكمية وهي أن يكون الزمان كثيراً في نفسه لكن فهم الطالب بطيء أو سريع لكن للمطلوب غاية خفاء (ويتعلم شيئاً من العلوم العقلي) الظاهر أن المراد من العقلي علم ذات الله تعالى وصفاته يعني علم العقائد والكلام إذ لا بد من كون أصل هذا العلم مأخوذاً من العقل وإن كان تطبيقه إلى الشرع لازماً في كونه معتداً به كما قرر في محله (والشرعي فيسأل) سؤال اعتراض فقوله (ويعترض) قرينة عطف تفسير (من حماقته) إذ العاقل الذكي يتفطن ويعلم حقيقته فلا يسأل أو يسأل لكن لا على سبيل الاعتراض بل على سبيل العرض وعلامته هو التنبه بإشارة العالم الكبير
الجزء 1 · صفحة 65
(على العالم الكبير) الممضي عمره (في العقلي والشرعي) لعل ذلك كالسؤال عن كنه ذات الله تعالى وكنه صفاته كما في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لا يزال الناس يسألون حتى يقال هذا خلق الله تعالى فمن خلق الله فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله ورسله وفي رواية فليستعذ بالله ولينته وفي الصحيحين أيضاً عن المغيرة بن شعبة أنه نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال وأيضاً يمكن أن يلحق عليه نحو السؤال عن المشكلات ومواضع الغلط للتغليط والتخجيل وأما السؤال في ذلك للتعليم أو التعلم أو اختبار الأذهان أو الحث على التأمل فليس من هذا الباب بل مستحب كما في الطريقة المحمدية (وهذا الأحمق لا يعلم أن ما أشكل عليه أيضاً مشكل للعالم الكبير) حتى روي عن باب مدينة العلم علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن سر ذات الله إشراك والجزء الأول أيضاً مروي عن الصديق الأعظم - رضي الله عنه - (فإذا لم يتفكر) الأحمق المذكور (هذا القدر يكون من سؤاله من الحماقة فينبغي أن لا يشتغل بجوابه) لعل ذلك عند علمه إصراره على سؤاله عند التنبيه عليه بامتناع الجواب عنه وإلا فالظاهر أنه ليس من هذا الباب والله أعلم (والثالث) مما لا يقبل العلاج (أن يكون الطالب مسترشداً) يطلب رشده (وكل ما لا يفهم من كلام الأكابر) سيما المتصوفة (يحمل على قصور فهمه لغاية دقة الكلام) ونهاية لطاقته أو لبنائه على اصطلاح خاص بهم لغرض عدم اطلاع الأجانب لكونه سراً بينهم (وكان سؤاله للاستفادة لكن يكون بليداً) غبياً أو ذكياً لكن لا يكون أهلاً لما سأله عنه فيكون بليداً بالنسبة إليه (لا يدرك الحقائق) لخفائه (فلا ينبغي الاشتغال بجوابه أيضاً) لعدم ظهور فائدته فالاشتغال بالجواب عبث وتضييع وقت لكن المناسب حينئذ أن يجيب جواباً مناسباً لحاله وإن كان على خلاف مقتضى
الجزء 1 · صفحة 66
الحال أو ينبه على إشكاله وعدم اقتدار فهمه إياه (كما قال - صلى الله عليه وسلم - نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نتكلم الناس على قدر عقولهم) ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في محل اللهم إني أعوذ بك منك وفي محل آخر أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده قال شراح الحديث الأول فيما كان السامع من الخواص يعرف أن النفع والضر والخير والشر من الله تعالى فقط والثاني فيما كان السامع من العوام لا يقدر على فهم ذلك لعل من هذا القبيل ما قال السيوطي في رسالة المستقلة وتبعه أبو السعود أن المنظر والبحث في كلمات ابن العربي ليس بجائر ومن تكلف في تأويله ليس بمصيب وقد وقع النهي السلطاني عن مطالعة كتبه وما خطؤا بناء على ظاهر كلامه فخطأ إذ هو رجل فاضل صالح بل ولي من أولياء الله تعالى خطأه علي القاري وضلله لاقتضاء ظاهر كلمه الخطأ بكلام طويل لا يتحمله مثل هذه الكراسة (وأما الواحد الذي يقبل العلاج فهو أن يكون مسترشداً عالماً عاقلاً ذكياً) (فهماً) فطناً (لا يكون مغلوب الحسد) ومقهوره (والغضب وجب الشهوات والجاه) من حيث العلم أو من غيره (والمال ويكون طالب الطريق المستقيم ولم يكن سؤاله واعتراضه عن حسد وتعنت وامتحان) هذا بالنسبة إلى ما قبله كالمستغني عنه لكنه لزيادة الاعتناء والاهتمام ذكره على طريق التكرير (وهذا يقبل العلاج فيجوز أن يشتغل بجواب سؤاله) لانتفاء المانع من الاشتغال بالجواب (بل يجب عليه إجابته) بالجواب عن سؤاله لعل هذه عند تعينه وكأن السؤال من مسائل الدين والأولى بل قد يجب إذ الوجوب حينئذ ليس بكلي بل يسن أو يستحب أو يباح (والثاني مما تدع هو أن تحذر) من الحذر بمعنى الفرار (وتحترز) لعل المراد من الثاني هو التكلف في الفرار والإفراط فيه فتأكيد بل تأسيس وإن كان على الوجهين من قبيل عطف التفسير (من أن يكون واعظاً أو مذكراً) في مجامع الناس على الهيئة المتعارفة في زماننا وإلا فقد قال الله تعالى
الجزء 1 · صفحة 67
{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وقال - صلى الله عليه وسلم - إن الدين النصيحة الحديث (لأن فيه) أي في الوعظ (آفة) ومضرة (كثيرة) كالرياء والتباهي والكبر والعجب والتمدح فإن قيل إن غاية العظة والتذكير راجع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب والأصح أن العمل ليس بشرط وإن كان ذلك أولى قلت وجوبه إنما هو على الكفاية فلعله حاصل بالغير وكونه عاملاً بما أمر به ونهى عنه عمل بالعزيمة وإنه إذا تعارض الواجب مع الحرمة يرجح جانب الحرمة وإن كان الواجب راجحاً عند تعارضه مع البدعة والكراهة وظاهر أن ما ذكر من قبيل الحرام نعم الكلام في وقوع ما ذكر قطعاً أو ظناً وأما عند كونه احتمالاً فظاهر أنه لا منع منه مع ما سيذكره من الشرطين كيف لا وقد قال الله تعالى {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} (إلا أن تعمل بما تقول أو لا ثم تعظ الناس به) قال الله تعالى {أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} {لم تقولون ما لا تعلمون كبر مقتاً عند الله} شعر وغير تقي يأمر الناس بالتقى+++ طبيب يداوي الناس وهو مريض وفي الفوائح ومن عجب الدنيا طبيب مصفر وأعمش كحال وأعمى منجم حكي أن قوم الشيخ عبد الوهاب الشعراني سألوا وافد مواعظة من الشيخ ولم يجد الشيخ بدا من إلحاحهم فقال سأشاور وتأمل فأجيب بواحد من لا ونعم فجاء إلى بيته وسأل عياله لا أقرب لي منكم وأنتم عالمون بأحوالي والقوم يطلبون مني نصيحة فهل لي قصور وإساءة فأتوب عليه قال جميعهم لا نعلم منك شيئاً غير الخير فتهيأ الشيخ للوعظ فجاءت جارية من الباب فقال هل استحللت شقة التفاحة التي أكلت من النهر جاء بها النهر فقال لا فأعتقها ثم ذهب إلى صاحب التفاحة فوجده فهو إذ المجوسي فذكر القصة وطلب الحق فقال على طريقة المزاج تعجباً لطلبه لمثل هذا الشيء الحقير لا أحل سأخذ منك يوم القيامة فقال الشيخ أعطيك كذا فامتنع المجوسي إلى أن قال الشيخ جميع مالي لك وأنا عبدك إن شئت استخدم وإن شئت بع
الجزء 1 · صفحة 68
فامتنع فتضجر وتفجع ورجع باكياً وقال كيف يكون حالي عند حضور ربي بخصومة هذا الكافر فرق قلبه وندم على قوله واستدل به على حقية دينه والحق الشيخ من خلفه فأمن بحرمة ورع الشيخ وحاله (فتفكر فيما قيل) من طرف الله تعالى (لعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام) هذا كما سمعت سابقاً مبني على إخبار نبينا - صلى الله عليه وسلم - وإلا فالشريعة السابقة لا تكون شريعة لنا (يا ابن مريم عظ) من الوعظ (نفسك) لعل المراد من وعظ نفسه هو العرض على نفسه (فإن اتعظت) أي قبلت وعظك وعملت بموجبه (فعظ الناس وإلا فاستحي ربك) ولهذا قيل أحسن العظات ما بدأت به فانفسك وأجريت به أمرك (وإن ابتليت بهذا العمل) يعني إن لم يكن الحذر والاحتراز وابتليت بالعظة (احترز عن خصلتين الأولى التكلف في الكلام بالعبارات) الغريبة (والإشارات) اللطيفة (والطامات والأبيات والأشعار لأن الله تعالى يبغض المتكلفين) فيه إشارة إلى أنه لو لم يكن بتكلف بل بسهولة وملكة راسخة لا منع منه كيف والشعر والسجع والفصاحة في الخطابة والتذكير ولو مع تكلف يسير مستحب لأن فيها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها إذا لم يقارن غرض سوء كالرياء وحب الثناء روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتحلل بلسانه بلفظ الكلام كما يتحلل البقر الكلاء كما في الطريقة (والتكلف المجاوز) أي التكلف الذي يتجاوز (عن الحد) إذ اليسير كما عرفت لا يعبأ به (يدل على خراب الباطن) إذ المتوجه إلى حال باطنه لا يقدر إلا تكلف لسانه لأن الذهن بسيط لا يقدر أن يتوجه إلى شيئين في زمان واحد وإن من يشتغل على تعمير باطنه لا يشتغل على تعمير ظاهره (وغفلة القلب) ويمكن أن يراد من غفلة القلب هو الغفلة عن تعمير أخلاقه الحميدة إذ التكلف في ذلك إنما هو لأغراض ذميمة كحب المدح والرياسة والرياء (ومعنى التذكير) أي الوعظ (أن يذكر) من التذكير (العبد) الواعظ غيره (نار الآخرة و) يذكر
الجزء 1 · صفحة 69
(تقصير نفسه في خدمة الخالق) التي تقتضيه العبودية التي خلق لأجله الثقلان والتقصير إما بأصل العبادة فرائض أو واجبات أو سنن أو مستحبات أو في وصفها أي في إكمالاتها (ويتفكر في عمره الماضي الذي فناه فيما لا يعينه) والمعنى الأصلي لما لا يعني ما يستحب تركه كحكايات الأسفار والبحار والجبال والأطعمة إذ لم يقارن أغراضاً حميدة كدفع الوحشية وإيجاب الألفة ودفع المهابة والتكبر وكذا المزاج عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وعن أنس - رضي الله عنه - أنه توفي رجل واستبشر رجل آخر بالجنة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدريك لعله يتكلم بما لا يعنيه أو يبخل بما يعنيه وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال - صلى الله عليه وسلم - أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً في ما لا يعنيه قال في الطريقة المحمدية ووجهه أن يجره غالباً إلى ما لا يحل (ويتفكر بما بين يديه من العقبات من سلامة الإيمان في الخاتمة) عن سلب الشيطان ويتفكر في الأشياء التي تكون سبباً لحسن الخاتمة ولسوء الخاتمة نعوذ بالله تعالى (وكيفية حاله في قبضه) أي قبض روحه (ملك الموت) فاعل للقبض من الختم على الإيمان رزقنا الله والختم على الكفر نعوذ بالله تعالى (وهل يقدر جواب منكر ونكير) بأحسن الجواب ويسلم عن عذاب القبر أو لا (ويهتم بحاله يوم القيامة) من الحساب والجواب والوزن وإعطاء دفاتر الأعمال (ومواقفها) والشمس في الفوق قدر ميل (وهل يعبر) من العبور بمعنى المرور (عن الصراط سالماً) بلا عقاب ولا سلاسل وأغلال ومقارنة كافر وشيطان (أم يقع في الهاوية) اسم لمطلق النار لا ما يقال من اختصاص بعض دركاتها (ويستمر ذكر هذه الأشياء في قلبه) فلا ينسيه الشيطان بأفكار الدنيا (فيزعجه) أي يقطع الذكر الذاكر (عن قراره في الدنيا) ومحبته بها (فغليان هذه النيران) مما ذكر (ونوحه هذه المصائب) إذ
الجزء 1 · صفحة 70
لا مصيبة فوق ذلك (تسمى تذكيراً) لكونها مذكراً للمعاد بل المبدأ أيضاً (وإعلام الخلق وإطلاعهم) على هذه الأشياء تسمى وعظاً كما سيأتي (وتنبيههم على تقصيرهم وتفريطهم وتبصيرهم بعيوب أنفسهم فيمس حرارة هذه الدنيا أهل المجلس وتجزعهم) أي تقلعهم (تلك المصائب) عن الدنيا ومبالاتها الظاهر أنه فاعل تجزعهم (ليتداركوا العمر الماضي بقدر الطاقة) الذي فانوا فيه وظائف العبادات اللازمة والفاضلة بالاستحلاب ورد المظالم والقضاء وتفريغ الكفارات وأداء المنذورات والتوبة الصادقة عن سائر التقصيرات والاشتغال بفضائل الطاعات والنوافل والمندوبات لا سيما استغراق الأوقات بذكر الله الذي لا بد له من الملاقات (ويتحسروا) من التحسر كالتحزن (عن الأيام الخالية) أي السالفة (في غير طاعة الله) بل بارتكاب محرماته واشتغال منهياته فضلاً عن المكروهات والشبهات سيما عند تكاثر حقوق العباد حكي عن الحريري أنه قال دخلت على الجنيد وهو مهتم فقلت مالك فقال فاتني شيء من وردي فقلت تعبد بعد فقال كيف وهي أوقات معدودة قال علي - رضي الله عنه - ينبغي أن يكون للمرء من أربع ساعات بالنهار ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة فيها العلماء يبصرون بأمر الله وينصحونه وساعة يخلي بين نفسه ولذاتها فيما يحل ويجمل (وهذه الجملة) من قوله وإعلام الخلق وإطلاعهم إلى هنا (على هذا الطريق يسمى وعظاً) فإذا علمت معنى التذكير والوعظ فقد علمت عدم الاحتياج فيهما إلى تكلف العبارات وغيره بل عدم صحته ثم بالغ في منع ذلك لابتلاء العامة فأراد تنظيراً له فقال (كما لو رأيت أن السيل قد هجم على دار أحد وكان هو وأهله فيها) بحيث يتلفه ويهلكه بعياله ومتاعه (فتقول الحذر الحذر) أي احذر الحذر احذر الحذر أو عجل الحذر الحذر (فروا من السيل وهل يشتهي قلبك) ويخطر به (في هذه الحالة أن تخبر إلى صاحب الدار خبرك) الذي هو هجوم السيل مفعول تخبر (بتكلف العبارات والنكت والإشارات
الجزء 1 · صفحة 71
فلا تشتهي البتة فكذلك حال الواعظ فينبغي أن يجتنب عنها) لعل مراده الإفراد وإلا فما يكون أدخل في التحريض والإغراء والترغيب والتنفير والترهيب كما يقتضيه المقدمات الخطابية التي اقتضاها ذلك المقام فالظاهر ليس بممنوع بل الاستحباب بأغراض حميدة ليس ببعيد (والخصلة الثانية) من اللتين يلزم الاحتراز عنها (أن لا تكون همتك) أي قصدك في وعظك (أن ينعر الخلق في مجلسك) أي يجتمعوا مجلسك يعني احترز من أن تقصد في وعظك جمع الخلق في مجلسك (ويظهروا الواجد) والشوق (ويشقوا الثياب) من وجدهم وشوقهم روي أنه حين وعظ موسى - عليه السلام - قل له مزق قلبك لا ثوبك (ليقال نعم المجلس هذا لأن كله ميل إلى الدنيا) لأنه عين حب المدح وجلب القلوب (وهو يتولد من الغفلة) أي غفلة القلب وفيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك لأمر أخروي كالترغيب إلى الآخرة والتنفير عن الدنيا فلا منع بل ممدوح وبالجملة إن مثله حال القلب فكل يعمل بما فيه لأن صاحب البيت أدرى بما في البيت وكل يعمل على شاكلته (بل ينبغي أن يكون عزمك وهمتك) يعني قصدك وسعيك من وعظك (أن تدعو الناس من الدنيا إلى الآخرة) حتى يقرعوا عن الدنيا بل يفروا منها مقبلين إلى الآخرة بإسماع كراهة الدنيا ومضراتها وإعلام محاسن الآخرة ومنافعها إذ منافعها مع المضرات توأم ومسراتها مع الحسرات محرم (و) تدعوا (من المعصية إلى الطاعة) بإخبار طريق المعصية وغوائلها وما يترتب عليها من العذاب والعقاب وإيذان ماهيات الطاعات وفوائدها السرمدية ومنافعها الأبدية (و) تدعو الخلق (من الحرص) في الدنيا والطمع فيها (إلى الزهد) تركها والإعراض عنها قال في محاضرات الثعالبي مما يتمل به في التوراة أوحى الله إلى الدنيا من خدمك فاستخدميه ومن خدمني فاخدميه ومن خاف الله خافه كل شيء ومن لم يخف الله خاف من كل شيء يا موسى من أحبني لم ينسني ومن رجا نعمتي الخ في مسألتي المال يفنى والبدن يبلى والأعمال تحصى والذنوب لا تنسى (ومن
الجزء 1 · صفحة 72
البخل إلى السخاء) قال الشافعي - رضي الله عنه - الحريص محروم والرزق مقسم والبخيل مذموم والحسود مغموم قال الجنيد - رضي الله عنه - السخاء يبلغ صاحبه إلى أعلى الأعالي (ومن الغرور) إلى الدنيا (إلى التقوى) التي لا شيء أكرم منها عند الله تعالى وهي كلى مشكك يقبل الزيادة والنقصان أدناها التوقي عن الكفر وأعلاها التنزه عما يشتغل سره عن الحق تعالى منقطعاً إليه بالكلية لعل المراد هنا صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل وترك إلى ما لا بأس به عند بعض كما أفصح عنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به وقال تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} {إن أولياؤه إلا المتقون} {والعاقبة للتقوى} (وتحبب) من التفعيل من المحبة (إليهم الآخرة) بذكر حقيقتها وبيان غايتها بنحو كون نعمها صافية سرمدية وشرابها خالية عن إثم ولاغية وفيها وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لاقية وبالفوز الأبدي والفلاح السرمدي باقية (وتبغيض) تفعيل من البغض (عليهم الدنيا) وقد سمعت غير كرة ولا مرة مفاسدها (وتعلمهم علم العبادة) بأنواعها ومراتبها وفوائدها (والزهد) أي الإعراض عن الدنيا (لأن الغالب في طباعهم الزيغ) أي الميل والانحراف (عن منهج الشرع) أي عن طريقة (والسعي فيما لا يرضى الله تعالى به) إذ النفوس مجبولة على المعاصي والمناهي (والاشتغال) ولأن الاشتغال (بالأخلاق الردية) أي الذميمة (غالب في طباعهم فالق) أمر من الإلقاء (في قلوبهم الرعب) أي الخوف (وروعهم) أي خوفهم (وحذرهم) أمر من التحذير (عما يستقبلون من المخاوف) يعني من المخاوف المستقبلة كما أشير عند قبض الروح والقبر والقيمة والجحيم (لعل صفات باطنهم تتغير) يعني لأجل تغير صفات باطنهم من الردائة إلى الحميدة (ومعاملة ظاهرهم تتبدل) من الأعمال الفاسدة إلى الصالحة (وتظهر الحرص) والطمع (والرغبة) والمحبة والطلب (في الطاعة والرجوع عن المعصية) إلى
الجزء 1 · صفحة 73
الطاعة (وهذا طريق الوعظ والنصيحة وكل وعظ) وتذكير (لا يكون هكذا فهو وبال) ووزر وإساءة (على ما قال) هكذا فيما عندنا من النسخة فالأولى على من قال (وسمع) يعني يكون وزراً على القائلين والسامعين لعل وجه كونه وبالاً على السامعين إما كونه من آفات الأذن لأن ما لا يكون من جنس ما سبق يكون لا جرم لغواً وهذيانات وقصصاً وحكايات لا أصل لها وإما أقاويل ضعيفة وكلمات سخيفة بل لا يخلو عن انحراف عقائد المسلمين والرخصة في تروك أكثر القربات الشرعية كما يقال فساد كبير عالم متهتك وقيل ليس العلم بكثرة الروايات إنما العلم بكثرة الرعة والخشوع والرعايات في الفرائض والواجبات والسنن والمستحبات وسائر القربات بل قيل إنه) أي مثل هذا العالم (غول) في القاموس سحرة الجن والمنية وشيطان يأكل الناس وفي بعض اللغات الغول نوع من الجن يتشكل بأشكال مختلفة يضل الناس من سواء الطريق فقوله (وشيطان يذهب بالخلق عن الطريق) كعطف تفسير له الباء في قوله بالخلق زائدة (ويهلكهم) كما قيل زلة العالم زلة العالم كما روي أنه كان قاص يبكي بمواعظه فإذا طال مجلسه بالبكاء أخرج من كمه طنبوراً وينقره ويقول هذا لغم طويل يحتاج إلى فرح ساعة (فيجب عليهم) أي على الخلق (أن تفروا منه لا ما يفسد هذا لقائل) أي الواعظ (من دينهم لا يستطيع مثله) أي مثل الواعظ من إفساد الدين (الشيطان) ومن هذا قيل شيطان الإنس أضل من شيطان الجن (ومن كان له يد وقدرة) عطف تفسير لليد أي على المنع بلا إيجاب فتنة كالأمراء والحكام (يجب عليه أن ينزله) من الإنزال كالهبوط (من منابر المسلمين ويمنعه عما باشر) من دعوى الوعظ (فإنه) أي المنع (من جملة الأمر بالمعروف) لعل الأولى أن تقتصر على قوله (والنهي عن المنكر) إذ قد عرفت إضلاله عباد الله عن الصراط المستقيم (والثالث مما تدع هو أن لا تخالط الأمراء والسلاطين ولا تراهم) في بعض المواضع عن المصنف إذا رأيت الأمير بباب الفقير فنعم الأمير
الجزء 1 · صفحة 74
ونعم الفقير وإذا رأيت الفقير بباب الأمير فبئس الفقير وبئس الأمير وفي بعض المواضع عن الطبقات أرسل بعض السلاطين إلى الغزالي بأن جئ عندي فعظني وانصحني فكتب الغزالي إليه الذي ينصحك لا يصحبك والذي يصحبك لا ينصحك وقيل الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك بواسطة العلوم قال في الفتاوى لو افتخر الملوك نحن ظل الله على الأنام لافتخر العلماء الظل مزال نحن حامل علمه تعالى والعلم صفة لازمة له تعالى وليس له زوال فلا تذل من أعزه الله تعالى بالمخالطة إلى الأمراء (لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة) في جامع الصغير إذا رأيت العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص وفي قمع النقوض ألم تعلم أن النظر إلى وجه الظلمة يبطل الأعمال الصالحة فكيف بمن يسلم عليهم أو يجالسهم أو يؤاكلهم إنا لله وإنا إليه راجعون مما حل بالخلق من تلبيس مثل هذه الخبائث ولعمري إن الصادق مع الله تعالى لو خير بين أن يلقى حية وأن يجالس ظالماً على وجه المؤانسة لاختار لقاء الحية دون أن يرى وجهه وفي وصايا بعض الصالحين فاحذر حب الظلمة وموالاتهم ومخالطتهم فإذا خالطتهم فكن حذراً منهم لأن غاية بغيبتهم تكميل دنياهم بك وموافقة هواهم إياك (ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم وثناءهم) يعني لا تمدحهم (لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم) كأنه تلميح بل اقتباس إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش كما في جامع الصغير لعل مثل ما ذكر هنا بالنسبة إلى ملوك زماننا وإلا ففي الحديث إنما السلطان ظل الله ورمحه في الأرض وفي حديث آخر من أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة وفي حديث آخر ومن أهانه أهانه الله (ومن دعي لطول بقائهم فقد أحب أن يعصي الله في أرضه) بل يدع بإصلاح حاله وعدالته ودفع ظلمه واستقامته وبكونه مظفراً ومنصوراً على أعدائه في الدين (والرابع مما تدع أن لا تقبل شيئاً) من عطايا
الجزء 1 · صفحة 75
الأمراء وهداياهم وإن علمت أنها من الحلال (لأن الطمع يفسد الدين) فإن قيل القبول غير الطمع والمفسد للدين هو الطمع لا القبول قلنا القبول باعث ومفض إلى الطمع البتة والقبول مسبوق بالطمع أو المراد من الطمع مجرد القبول (لأنه يتولد منه المداهنة ومراعاة جانبهم والموافقة في ظلمهم) إذ الإنسان مجبول بمحبة من أحسن إليه وقد قيل الإنسان عبيد الإحسان فأخذ عطياتهم يجعلك رقاً وعبداً ضرورياً لهم أي الظلمة وقد كنت مأموراً من قبل الله تعالى بعدم أدنى ميل على حكم قوله تعالى {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} قد عقبه تعالى بقوله {فتمسكم النار} (وهذا كله فساد في الدين) كما سمعت قوله وقد نصب العلماء أميراً على الأمراء وإمارتهم عليهم إنما هي بالاستغناء عنهم لا الافتقار بهم (وأقل مضرته أنك إذا قبلت عطاياهم وانتفعت) أي أكلت (من دنياهم أحببتهم) وقد قيل إن الظالم مع الصالح إذا كانا متحابين فالصالح يؤخذ بمحبة الظالم والظالم يرحم يغفر لمحبة الصالح حكي أن عالماً من مقربي الملوك لقي في السوق عالماً من الفقراء الصالحين فكلما تملق وانبسط إليه فلم يتوجه العالم الفقير إليه فقال للعالم الفقير إني أحبك فقال أما إني فلا أحبك لتركك الجماعة فقال إني مشتغل بمهام العباد فقال هل يتصور تقديم مهام الأنام على مهام رب الأنام فبكى وقال يغفر الله لي لمحبتي إياك ويغفر الله تعالى لبغضك إياي (ومن أحب أحداً منهم يحب طول عمره وبقائه بالضرورة) على حسب اقتضاء قاعدة المحبة (وفي محبة بقاء الظالم إرادة الظلم على عباد الله تعالى) لأن إرادة بقاء الظالم تستلزم إرادة بقاء ظلمه (وإرادة خراب العالم) فإن قيل لم يجوز أن يقتضي المحبة الدعاء النصح على الامتناع من الظلم والعدل والإنصاف على الرعية كما هو شأن العالم العاقل قلنا لو سلم تصور ذلك عن كل عالم فلا شك أنه يتضمن ولو في بعض الأحيان مثل ذلك المحذور فإن قيل فإن لم يكن مصاحبه عالماً ناصحاً لغلا في
الجزء 1 · صفحة 76
الجور على العباد فلعل في خلطة العالم منفعة عظيمة لأهل العالم قلنا روي عن علي - رضي الله عنه - لا تصاحب بقوم إنهم يتكاملون بك وأنت تنقص بهم ولو سلم فلعل ذلك حاصل بغيرك من العلماء وأنت عد نفسك أني لست من رجال هذا المقام لأن نفسي طاغية لا تنقاد في بل المناسب لهذا الشأن غيري (فأي شيء أضر من هذا بالدين والعاقبة) أي الآخرة بالجر عطف على الدين (إياك ثم إياك) يعني الحذر الحذر من (أن تخدع باستهواء) من الهوى (الشيطان أو قول بعض الناس لك) وهو من شياطينهم يريدون إضلالك وهو في صورة صداقتك لكنهم في نفس الأمر في غاية عداوتك وقد صدق من قال احذر من عدوك مرة ومن صديقك ألف مرة وقيل أيضاً العدو العاقل أولى من الصديق الغبي الجاهل (بأن الأفضل) الجار متعلق بالقول (والأولى أن تأخذ الدينار والدراهم) وقد قيل آخر الدينار نار وآخر الدرهم هم (منهم) من الأمراء الواهبين (وتفرقهما بين الفقراء والمساكين) وليس ذلك في نفس الأمر محبة وإحساناً بل كان بغضاً وعدواناً لأن أموالهم بعد تسليم حلها لا جرم أنها ليس بطيب وإن الله تعالى وإن قال {كلوا حلالاً} لكن عقب ذلك بقوله طيباً ومن أظهر المجربات عند الفقراء الصالحين أن أكل أموالهم يسد أبواب الذكر ويفتح أبواب قسوة القلب ويحصل قبضاً ضرورياً ويفقد لذة العبادة (فإنهم ينفقون في الفسق) كالملاهي والملاعب والإسرافات (والمعصية) بل في نخو الخمر وسائر المحرمات والمكروهات (وانفاقك على ضعفاء الناس خير من إنفاقك فإن اللعين) تعليل على مضمون قوله إياك أن تخدع إلى آخره (قد قطع أعناق كثير من الناس بهذه الوسوسة وآفته فاش) يعني شائع (كثير قد ذكرناه في إحياء العلوم) لو كان عندنا نسخة لذكرناه (فاطلبه) يا من عنده نسخته (ثمة) أي منه لأن هذه الكراسة لا تتحمل ذلك (وأما الأربعة التي ينبغي لك أن تفعلها الأولى أن تجعل معاملتك مع الله تعالى) في جميع الخدمات الإلهية ظاهراً وباطناً (بحيث لو عامل
الجزء 1 · صفحة 77
معك بها) أي بالمعاملة (عبدك ترضى أنت بها) أي بتلك المعاملة (منه) أي من عبدك (ولا يضيق خاطرك عليه) أي على العبد يعني لا يقع في قلبك لأجله فتور وانكسار وإن لم تظهر ذلك على العبد (ولا تغضب) بأن تظهر الآثار على العبد كالضرب والشتم والعتاب وبالجملة تكون راضياً عن العبد لإتيانه الخدمة على الوجه الأكمل والطرز الأولى على وفق مرادك (ولا ما ترضى لنفسك من عبدك المجازي) إذ في الحقيقة إن ذلك عبد له تعالى بل كونه عبداً لك مجعول بجعل الله تعالى لأنهم لما استنكفوا أن يكونوا عباداً له تعالى جعلهم الله عباداً لعباده وعارض بعروض الكفر إذ الأصل في الإنسان هو الحرية والإسلام (لا يرضى الله تعالى عنك) وأنت عبده الحقيقي (وهو) أي الله تعالى (سيدك الحقيقي) يعني غلامك مع كونه عبداً مجازياً لك أنت لا ترضى عنه إذا لم يفعل على وفق مأمولك وأنت مع كونك عبداً حقيقياً له تعالى كيف يرضى الله تعالى عنك إذا لم تفعل على وفق ما طلبه منك على الوجه الأكمل في كل عبادة وطاعة قولية أو فعلية ظاهرة أو باطنة وهو علام الغيوب وعالم الغيب والشهادة (والثاني كلما عملت بالناس أجعل كما ترضى لنفسك منهم) لأنه لا يكمل إيمان لعبد (حتى يحب لسائر الناس ما يحب لنفسه) هذا مضمون حديث في الصحيحين على رواية أنس - رضي الله عنه - لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويدخل فيه ما عد من مكارم الأخلاق من الرفق واللينة والتواضع وعفو الإساءة وستر العيوب وترك الأذى قولاً وفعلاً وترك اللعن والسب والنميمة والحقد والحسد وبالجملة كل معاملة من غيرك في حقك فترضى عنه وتكون بها فرحاً مسروراً فافعلها في حق غيرك حتى يكون إيمانك إيماناً كاملاً ويقرب إلى هذا المعنى قول علي - رضي الله عنه - طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وطوبى لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعته وبكى على خطيئته فكان نفسه في شغل والناس منه في راحة (والثالث إذا قرأت العلم أو طالعته
الجزء 1 · صفحة 78
ينبغي أن يكون علماً يصلح قلبك) الظاهر من الاصلاح (ويزكي نفسك) كعلم الأخلاق وعلم التصوف والعمل (كما لو علمت أن عمرك ما بقي غير أسبوع بالضرورة لا تشتغل فيه بعلم الفقه) بالتدريس والمطالعة والتعلم إذ ليس ذلك مقصوداً لذاته بل المقصود منه هو العمل وأنت بخبر الموت تعلم أنه لم يبق للعمل وقت وأنت تعلم أن الفقه من أشرف العلوم فما ظنك بغيره واعلم أن المراد من ذلك بعدما حصل من الفقه بقدر ما يكمل به نفسه وبعدما يغني عن غيره مما يحتاج إليه العامة وإلا فكيف يتصور المنع من علم هو فرض عين أو كفاية وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أفضل العبادة الفقه وفي حديث آخر ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين الله ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد وفي حديث آخر فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وفي حديث آخر فضل العالم على العابد سبعون درجة الحديث وغيرها من الأحاديث الدالة على فضل العلم على العبادة وفي الخلاصة النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام الليل وفي التجنيس تعلم الفقه أولى من تعلم القرآن وتعلم القرآن أفضل من صلاة التطوع وطلب الفقه أفضل من جميع أعمال البر فإن قيل مقتضى هذه الأحاديث وكذا أقوال الفقهاء أن يرجح جانب الفقه من الذي نعى يعني الذي وصل إليه خبر موته في الأسبوع قلت المراد ما هو بقدر الحاجة كما أشير أو المراد المنع عن القصر على الفقه ويؤيده ما في بستان العارفين ينبغي أن لا يقتصر على الفقه ولكن ينظر في علم الزهد وفي كلام الحكماء وشمائل الصالحين فإن الإنسان إن تعلم الفقه ولا ينظر في علم الزهد والحكمة قسا قلبه والقلب القاسي بعيد من الله تعالى انتهى نعم الظاهر من صنيع المصنف أنه اختار أفضلية جانب العمل على العلم كما فهم من وصايا السيوطي وقد سمعت وصية خضر - عليه السلام - إلى موسى على عليه وعلى نبينا السلام لعل هذا مذهب الشافعية نعم من الحنفية من ذهب إلى ذلك كداود الطائي رحمه
الجزء 1 · صفحة 79
الله تعالى فإنه بعدما حصل الفقه ترك تعلميه واختار العمل وإن كان الأصح عند الحنفية أفضلية العلم لكونه عبادة متعدية إلى الغير ولذا فضل الذي يتعلم للتعليم على الذي يتعلم لأجل العمل (والخلاف والأصول) يعني أصول الفقه لا أصول الدين بقرينة قوله (والكلام) أي ما عدا أصل مسائل العقائد الدينية فالمراد هو كلام المتأخرين الذي خلط بالفلسفيات وكثير من العقليات إذ العقائد الديينة أصل كل علم وعبادة (وأمثالها لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تغنيك) وقد عرفت أن المراد هو التبحر فيها يعني وراء الحاجة الأصلية وإلا فكل عمل يتوقف على علمه (بل تشتغل بمراقبة القلب) هل فيه ذكر الله تعالى أو غيره وتخاطر شيئاً من الغوائل الذميمة أو لا (ومعرفة صفات النفس) من الأخلاق (والإعراض عن علائق الدنيا وتزكي نفسك عن الأخلاق الذميمة) هذا كالتكرير لما قبل لزيادة الاعتناء والاهتمام بشأنها (وتشتغل بمحبة الله تعالى) والمحبة وإن كان من عطية الرب لكن حصولها من جهة العبد بترك ملاحظة غير الله تعالى بأن يخلو القلب عن كل شيء غيره تعالى فإذا تفكر اسمه في القلب وارتسخ ذلك ودام يحصل لذة تنقطع جميع اللذات عندها ولا يتعلق القلب بالغير وإن تكلف أن يخطر الغير لا يمكن ذلك فهذا غاية طريق المتصوفة وعن سيد الطائفة جنيد قدس الله سره العزيز إن حصول المحبة له تعالى والتبتل إليه بشرائط سبعة بقرينة والسابع دوام الوضوء ودوام الخلوة ودوام الصوم ودوام السكوت لأن التكلم بغير الذكر يطفئ أنوار الذكر ودوام الذكر وربط القلب والسابع نفي الخاطر خيراً كان أو شراً فإن لم يمنع خواطره غيره تعالى يكون سوء أدب مع الله تعالى فيعاقب بوساوس النفس والخواطر الشيطانية ويذهب حلاوة الذكر بل ربما يأتي النفرة عن الذكر والاستئناس مع الخلق فيظهر ولاية الشيطان وسلطنته ويتصرف الشيطان حيث شاء (وعبادته والإنصاف بالأوصاف الحسنة) لعل ذلك إما الأعمال الصالحة أو الأخلاق المرضية
الجزء 1 · صفحة 80
فعلى التقديرين هو كالتأكيد لما قبله للتثبيت وزيادة التقرير وما في حاشية شيخ زاده روي أنه حين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بموت رجل بعد ساعة اضطرب الرجل فسأل منه - صلى الله عليه وسلم - أوفق العمل في هذه الساعة فقال - صلى الله عليه وسلم - اشتغل بالعلم قال الراوي فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في تلك الساعة فلعل ذلك الرجل عامي محض فالأفضل في حقه هو العلم سيما المتعلق بتفاصيل المعاد بل المبدأ وما ذكره المصنف بالنسبة إلى الخواص وإلا فإن صح هذا الرواية فلا شك أنه يكون ما ذكره رأياً في مقابلة النص (ولا يمر على عبد يوم وليلة إلا ويمكن أن يكون موته فيه) فاللائق عليه أن لا يشتغل في جميع الأوقات غير ما ذكرنا إذ الموت في كل يوم وليلة مقرر وساداتنا النقشبندية قدس الله أسرارهم يأمرون بأن يجعل كل نفس آخر نفس كأنه يختم عمره بذلك النفس كي لا يذهل بغيره تعالى بل يستغرق ويستهلك بمطالعته فإنه سيلاقيه وإن المؤمن محب لله تعالى فهل يليق للمحب أن يذكر غير محبوبه ويخطر غيره (أيها الولد) ما بعد هذا من تتمه ما قبله يدل عليه قوله الآتي والرابع لكن فصل ذلك بهذا القول إشارة إلى زيادة الاعتناء والاهتمام وجه اتصاله إلى ما قبله أن حاصله تثبيت مراقبة القلب وتوضيحه بالتنظير (اسمع مني كلاماً آخر) يتضح به ويتبين منه ما هو المقصود عما قبله (وتفكر به) بالنظر والاعتبار والعناية والاستدلال (حتى نجد خلاصة) عن النار في تلك الدار أو عن اشتغال القلب بل جميع الجوارح عما لا يليق به تعالى في هذه الدار وهذا الكلام هو (لو أنك أخبرت) بصيغة المجهول (أن السلطان بعد أسبوع يجيئك زائراً) لزيارة (فأنا أعلم) وأتيقن (أنك في تلك المدة لا تشتغل إلا بإصلاح ما عملت أن نظر السلطان سيقع عليه من الثياب) فتلبس جيدها وأحسنها (والبدن) فتظهره من جنس الخبث والوسخ (والدار) فتهيئ أحسنها (والفروش) فتبسط