الجزء 1 · صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وَفَّق مَن أراد به خيراً للتفقه بالدين، وهدى بفضله لمن شاء إلى سبيل المهتدين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين والصحابة والقرابة والتابعين والعلماء العاملين والأئمة المجتهدين ومقلِّديهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيقول العبد الفقير الجاني، عبد الغني الغنيمي الميداني، غفر الله له ولوالديه ومشايخه ومن له حقّ عليه: إن الكتاب المبارك للقدوري قد شاعت بركته حتى صارت كالعلم الضروري، ولذا عكفت الطلبةُ على تفهمه وتفهيمه، وازدحموا على تعلّمه وتعليمه، وكنت ممّن عَكَفَ عليه الأيام الكثيرة، ودأب التردد إليه حتى أسرّ إليه ضميره، فرأيتُ بعض جواهره قد خَفِيت في معادنه، وبعض لطائفه قد استترت في مَكامِنِها.
وكان كثيراً ما يخطُر لي أن أتطفَّل عليه، بجَمْع بعض عباراتٍ تكون كالشرح إليه، لتفصيل مُجمَله، وتقييد مطلقه، وإيضاح معانيه، على و جه التوسُّط مع الإيضاح، بحيث يكون معيناً لمُعانيه.
إلا أنه كان يمنعني أني لست من أهل هذا الشأن، وقصيرُ الباع في هذا المَيْدان.
ثم جرَّأني على اقتحام هذا المقام، رجاء الانتساب بالخدمة لذلك الإمام، تَشبُّثاً بأذيال بركته، وتيمُّناً بخدمته.
فاستخرت الله تعالى، وجمعتُ من كلامهم ما يدلُّ على مقصودهم ومَراهم، مع زيادة ما يغلب زيادة ما يغلب على الظنّ أنه يحتاج إليه، وتحرِّي ما هو المعتمد والفتوى عليه، وضمِّ ما جمعه العلامةُ قاسم في كتابه ((التصحيح)) من اختيارات الأئمة لما هو الراجح والصحيح.
ولم آلُ جهداً في التهذيب والتحرير، وتحرِّي ما هو الأظهرُ والأوضحُ في التعبير.
وسميتُه: ((اللبابَ في شرح الكتاب))؛ لأنه المعنيُّ عند إطلاق الأصحاب.
الجزء 1 · صفحة 2
وأسأل الله تعالى أن يتقبَّله بفضله، ويديمَ به النفع تَبَعاً لأصله، وأن يجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، وموجِباً بجنَّات النعيم، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
وقد ابتدأ المصنف رحمه الله تعالى كتابه بالبسملة اقتداءً بالكتاب المكرَّم، والنبيِّ المعظم صلى الله عليه وسلم، ورجاء حصول البركة بكتابه بدوام الانتفاع به، فقال:
الطهارة: لغة: النظافة.
وشرعاً: النظافة عن النجاسة حقيقية كانت وهي الخبث، أو حكميّة وهي الحدث.
وتنقسم بالاعتبار الثاني إلى الكبرى، واسمُها الخاصّ الغُسل، والموجب له الحدثُ الأَكبر، وإلى الصُّغرى واسمُها الخاصّ الوضوء، والموجب له الحدثُ الأصغر.
وبَقِي نوعٌ آخر وهو التيمُّم، فإنّه طهارةٌ حكميّة يخلفُهما معاً، ويخلفُ كلّ منهما منفرداً عن الآخر.
وقُدِّمت العباداتُ على غيرِها اهتماماً بها؛ لأنَّ الجنَّ والإنسَ لم تخلق إلاّ لها.
وقُدِّمَت الصّلاة من بينها؛ لأنّها عمادُها.
وقُدِّمت الطهارةُ عليها؛ لأنّها مفتاحُها.
وقُدِّمت طهارةُ الوضوء لكثرة تكرارها.
(قال الله - جل جلاله -: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين}).
افتتح رحمه الله تعالى كتابَه بآيةٍ من القرآن على وجه البُرهان استنزالاً لبركتِهِ وتيمُّناً بتلاوته، وإلاّ فذكر الدليلُ خصوصاً على وجهِ التقديم ليس من عادته.
(ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة)، يعني الوجه واليدين والرِّجلين، وسمّاها ثلاثة وهي خمسة؛ لأنّ اليدين والرجلين جُعلا في الحكم بمنزلة عضوين، كما في الآية، ((جوهرة)).
(ومَسْحُ الرّأس) بهذا النصّ، ((هداية)).
والفرض لغة: التقدير.
وشرعاً: ما ثبت لزومه بدليل قطعيّ لا شبهة فيه: كأصل الغَسلِ والمسحِ في أعضاء الوضوء، وهو الفرضُ علماً وعملاً، ويُسمَّى الفرض القطعيّ.
ومنه قول المصنف: فرض الطّهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرّأس.
الجزء 1 · صفحة 3
وكثيراً ما يُطلَّق الفرض على ما يفوت الجواز بفوته: كغسل ومسح مقدار معيّن فيها، وهو الفرضُ عملاً لا علماً، ويُسمّى الفرض الاجتهادي، ومنه قوله: والمفروض في مسحِ الرأس مقدار الناصية.
وحدُّ الوجه (¬1): من مبدأ سطح الجبهة إلى أَسفل الذقن طولاً، وما بين شحمتي الأُذنين عرضاً.
(والمرفقان) تثنيةُ مِرْفَق ـ بكسر الميم وفتح الفاء وعكسه ـ موصل الذِّراع في العضد.
(والكعبان) (¬2) تثنيةُ كعب، والمراد به هنا هو العظم الناتئ المتصل بعظم الساق، وهو الصحيح، ((هداية))، (يدخلان في الغَسل) على سبيل الفرضيّة.
¬
(¬1) وهو من قصاص شعر الرأس، وهو منتهى منبت شعر الرأس إلى الأذن، فيكون العذار والأذن داخلاً في الوجه، كما هو مذهب أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم - فيفرض غسله، وعليه أكثر المشايخ، كما في شرح الوقاية1: 7، قال الحصكفي في الدر المختار1: 66: وبه يفتى. وقال ابن عابدين في ردّ المحتار1: 66: وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. وفي المراقي ص98: وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - سقوطه بنبات اللحية. وذكرَ شمسُ الأئمَّة الحَلْوَانيُّ - رضي الله عنه -: يكفيه أن يَبُلَّ ما بين العِذارِ والأُذُن، كما في شرح الوقاية1: 7، وفي الدر المنتقى1: 10: وإن كان امراةً أو أمرداً فغلسه واجب اتفاقاً.
(¬2) وفي قراءة الجرَّ لأرجلكم، قال ابن مالك: تنفرد الواو بجواز العطف على الجواز خاصة، اهـ، فالأرجل مغسولة على كلتا القراءتين، ولا يجوز المسح عليهما إلا في حالة التخفيف، وفي الكشاف: إنما عطفت الأرجل على الرؤس لا لأنهما تمسح بل للتنبيه على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها؛ لأنها تغسل بصبّ الماء عليها دون غيرها، فكانت مظنَّة الإسراف، وجيئ بالكعبين إماطةً لظنِّ ظانٍّ أنها ممسوحة؛ لأنّ المسح لم تضرب له غاية في الشرع, كما في الطحطاوي1: 95.
الجزء 1 · صفحة 4
والغَسل: إسالة الماء: وحدُّ الإسالة في الغَسل: أن يتقاطر الماءُ، ولو قطرةً عندهما.
وعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: يُجزئ إذا سال على العضوِ وإن لم يَقطر، ((فتح)).
وفي ((الفيض)): أَقلُّه قطرتان في الأَصحّ، اهـ.
وفي دخولِ المرفقين والكعبين خلافُ زُفر - رضي الله عنه -، والبحثُ في ذلك وفي القراءتين: {في أرجلكم} قال في ((البحر)): لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع على ذلك.
(والمفروضُ في مسحِ الرّأسِ مقدارُ الناصية) (¬1):
¬
(¬1) اختلفوا في مسح الرأس على أقوال:
أولاً: مقدار الناصية وهو الربع، كما قال القدوري وصاحب الاختيار1: 14، والهداية1: 15، ومنية المصلي ص14، وفي المحيط البرهاني1: 163: ((فرض مسح الرأس مقدر بالناصية وذلك قدر ربع الرأس وقدره أصحابنا بثلاث أصابع)).
ثانياً: ربع الرأس؛ واختارها صاحب تحفة الملوك ص24، والمختار1: 13، وملتقى الأبحر ص18، والنقاية 1: 27، ونور الإيضاح1: 95، وهدية ابن العماد وشرحه ص77 - 78، والوقاية وشرحه 1: 10 - 14، والكنز وشرحه كشف الحقائق1: 6، والنهر 1: 32، وغنية المستملي ص20، وقال البحر 1: 31 أنها أصح الروايات رواية ودراية. وفي رد المحتار1: 67: ((الحاصل أن المعتمد رواية الربع وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام وابن أمير حاج وصاحب البحر والنهر والمقدسي والتمرتاشي والشرنبلالي وغيرهم)).
ثالثاً: ثلاثة أصابع؛ وهي رواية هشام عن الإمام كما في درر الحكام1: 10، وقال صاحب البحر1: 15: ((ذكر في البدائع أنها رواية الأصول، وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية وعليها الفتوى ... ومع ذلك فهي غير منصور))، وفي مراقي الفلاح 1: 95: ((أنه مردود وإن صحح))، وفي حاشية الطحطاوي1: 95 والشرنبلالية1: 10: ((أنها غير المنصور رواية ودراية))، وفي رد المحتار1: 67: ((لكن نسبها إلى محمد فيحمل ما في المعراج من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً))، وينظر: مجمع الأنهر1: 11.
الجزء 1 · صفحة 5
أي مقدُّمُ الرَّأس، (وهو الرُّبع) (¬1)، وذلك (لما روى المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أتى سُباطة) ـ بالضم ـ: أي كناسة (قوم فبالَ وتوضّأَ ومسحَ على ناصيته وخُفَّيه) (¬2).
والكتابُ مجملٌ في حَقِّ المقدار، فالتحق بياناً به.
وفي بعضِ الرِّوايات: قَدَّرَه أصحابُنا بثلاثِ أَصابع من أَصابع اليد؛ لأنّها أَكثر ما هو الأَصل في آلةِ المسح، ((هداية)).
¬
(¬1) واختارها صاحب تحفة الملوك ص24، والمختار1: 13، وملتقى الأبحر ص18، والنقاية 1: 27، ونور الإيضاح1: 95، وهدية ابن العماد وشرحه ص77 - 78، والوقاية وشرحه 1: 10 - 14، والكنز وشرحه كشف الحقائق1: 6، والنهر 1: 32، وغنية المستملي ص20، وصاحب الاختيار1: 14، والهداية1: 15، ومنية المصلي ص14، وفي المحيط البرهاني1: 163: ((فرض مسح الرأس مقدر بالناصية وذلك قدر ربع الرأس وقدره أصحابنا بثلاث أصابع)). وقال البحر 1: 31 أنها أصح الروايات رواية ودراية. وفي رد المحتار1: 67: ((الحاصل أن المعتمد رواية الربع وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام وابن أمير حاج وصاحب البحر والنهر والمقدسي والتمرتاشي والشرنبلالي وغيرهم)).
(¬2) هما حديثان: الأول: عن حذيفة - رضي الله عنه -: (أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى سباطة قوم فبال قائماً ثم دعا بماء فتوضأ) في صحيح مسلم1: 231، وصحيح البخاري1: 90، والثاني: عن المغيرة - رضي الله عنه -: (أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين) في صحيح مسلم1: 231.
الجزء 1 · صفحة 6
قال في ((الفتح)): وأمّا روايةُ جواز قدر الثلاث الأصابع (¬1) وإن صحَّحها بعضُ المشايخ نظراً إلى أنّ الواجبَ إلصاق اليد والأصابع أصلها؛ ولذا يلزم بقطعِها دية كلّ اليد، والثلاثُ أكثرُها، وللأَكثر حكم الكلّ، وهو المذكور في ((الأصل))، فيُحمل على أنه قولُ مُحمّد - رضي الله عنه -؛ لما ذكر الكَرْخيّ والطحاويّ - رضي الله عنهم - عن أصحابنا: أنه مقدار الناصية، ورواه الحسنُ عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -، ويُفيدُ أنّها غيرُ المنصورة روايةً قولُ المصنِّف ـ يعني صاحب ((الهداية)) ـ: وفي بعض الرّوايات.
(وسنن الطهارة).
السنن جمع سنّة، وهي لغة: الطريقة مرضية كانت أو غير مرضية.
وفي الشريعة: ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الترك أحياناً، ((فتح)).
واللامُ في الطَّهارة للعهد: أي الطَّهارة المذكورة.
وتعقيبه الفرض بالسنن يفيد أنه لا واجب للوضوء وإلا لقَدَّمَه.
(غسل اليدين) إلى الرُّسغين لوقوع الكفاية به في التنظيف.
وقوله: (قبل إدخالهما الإناء) قيد اتِّفاقيٌّ وإلاّ فيسنُّ غسلُهما وإن لم يحتج إلى إدخالهما الإناء.
وكذا قوله: (إذا استيقظ المتوضئ من نومِهِ) على ما هو المختار من عدم اختصاص سنية البداءة بالمستيقظ.
¬
(¬1) وهي رواية هشام عن الإمام كما في درر الحكام1: 10، وقال صاحب البحر1: 15: ((ذكر في البدائع أنها رواية الأصول، وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين، وفي الظهيرية وعليها الفتوى ... ومع ذلك فهي غير منصور))، وفي مراقي الفلاح 1: 95: ((أنه مردود وإن صحح))، وفي حاشية الطحطاوي1: 95 والشرنبلالية1: 10: ((أنها غير المنصور رواية ودراية))، وفي رد المحتار1: 67: ((لكن نسبها إلى محمد فيحمل ما في المعراج من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً))، وينظر: مجمع الأنهر1: 11.
الجزء 1 · صفحة 7
قال العلامةُ قاسم في ((تصحيحه)): الأصحُّ أنه سنة مُطلقاً نصَّ عليه في ((شرح الهداية)).
وفي ((الجوهرة)): هذا شرطٌ وقع اتفاقاً؛ لأنه إذا لم يكن استيقظ وأَرَاد الوضوء: السُّنَّةُ غسلُ اليدين.
وقال نجمُ الأئمة (¬1) في ((الشرح)): قال في ((المحيط)) و ((التحفة)): وجميع الأئمة البُخاريين أنّه سنّةٌ على الإطلاق، اهـ (¬2).
وفي ((الفتح)): وهو الأولى؛ لأنّ مَن حَكَى وضوءه - صلى الله عليه وسلم - قَدَّمه، وإنّما يُحكى ما كان دأبه وعادته - صلى الله عليه وسلم - لا خصوص وضوئه الذي هو على نوم، بل الظّاهرُ أَنّ إطَّلاعهم على وضوئه عن غير نوم.
نعم مع الاستيقاظ وتوهم النجاسة السنةُ آكدة، اهـ.
¬
(¬1) وهو نجم الأئمة البخاري من أقرا ن الصدر الماضي برهان الدين، وعلاء الدين الحماني والبدر طاهر، وكان مدار الفتوى عليهم ببخارى وخوارزم، كما في حاشية التصحيح ص136 عن الجواهر4: 440.
(¬2) وصحح السنية قاضي خان في فتاواه1: 32، واختارها صاحب الدر المختار1: 75، ومجمع الأنهر1: 12، والدر المنتقى1: 12، وفتح باب العناية1: 35، والمختار والاختيار1: 14، وتحفة الملوك ص25، والهداية1: 15، الوقاية1: 16، ودرر الحكام1: 10، ونهاية المراد ص89، والبحر1: 37، والنهر1: 37، وكشف الحقائق1: 7، وفي غنية المستملي ص20، ((والشرط في الحديث خرج مخرج العادة فلا يعمل بمفهومه إجماعاً فيسن غسل اليدين أول الوضوء مطلقا فأنهما آلة التطهير)).
الجزء 1 · صفحة 8
(وتسميةُ الله تعالى في ابتداء الوضوء) (¬1)، ولفظُها المنقول عن السلف، وقيل: عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: بسم الله العظيم والحمد لله على دين الإسلام.
وقيل: الأفضل: بسم الله الرحمن الرحيم بعد التعوّذ.
وفي ((المجتبى)): يجمع بينهما.
وفي ((المحيط)): لو قال: لا إله إلا الله، أو الحمد لله، أو أَشهد أن لا إله إلاّ الله، يصير مُقيماً للسنّة وهو بناءً على أنّ لفظ: يُسمي أَعمّ ممَّا ذكرناه، ((فتح)).
وفي ((التصحيح)): قال: في ((الهداية)): الأصحُّ أنها مستحبّة (¬2)، ويُسمِّي قبل الاستنجاء وبعده هو الصحيح.
وقال الزّاهدي - رضي الله عنه -: والأكثر على أنّ التسمية وغسل اليدين سنتان قبله وبعده، اهـ.
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن توضأ فذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوئه كان طهوراً لأعضائه) في سنن الدارقطني1: 74، وسنن البيهقي 1: 44. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا وضوء لمَن لم يسم الله تعالى) في سنن أبي داود ر101، وسنن ابن ماجة ر399.
(¬2) قال اللكنوي في إحكام القنطرة في أحكام البسملة ص79: وهو قول ضعيف.
والقول الثاني: أنها سنة، واختاره المصنف، وصاحب البناية1: 133، والدر المختار1: 74، ومراقي الفلاح ص104، ودرر الحكام1: 10.
والقول الثالث: أنها واجبة: وصحَّحه اللكنوي في إحكام القنطرة ص82، وابنُ الهمام في فتح القدير1: 22 - 23.
الجزء 1 · صفحة 9
(والسِّواك): أي الاستياك عند المضمضة (¬1)، وقيل: قبلها، وهو للوضوء عندنا إلا إذا نسيه فيندب للصلاة.
وفي ((التصحيح)): قال في ((الهداية)) و ((المشكلات)): والأصحُّ أنه مستحبّ (¬2)، اهـ.
(والمضمضة) (¬3) بمياه ثلاثاً.
(والاستنشاق) (¬4) كذلك، فلو تمضمض ثلاثاً من غرفةٍ واحدةٍ لم يصر آتياً بالسنّة.
وقال الصَّيرفيُّ: يكون آتياً بالسنّة، قال: واختلفوا في الاستنشاق ثلاثاً من غَرفة واحدة، قيل: لا يصير آتياً بالسنّة بخلاف المضمضة؛ لأنّ في الاستنشاق يعود بعض الماء المستعمل إلى الكفّ.
وفي المضمضة لا يعود؛ لأنه يقدر على إمساكه، كذا في ((الجوهرة)).
(ومسحُ الأُذنين): وهو سنةٌ بماءِ الرَّأس عندنا، ((هداية)): أي لا بماء جديد، ((عناية)).
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها قال - صلى الله عليه وسلم -: (فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفاً) في مسند أحمد6: 272، وفي المنار المنيف بعد ذكر أحاديث فضل السواك عامة، ثم قال ص28 ــ 29: ((إذا كان هذا شأن السواك وفضله، وحصول رضا الرب به، وإكثار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على الأمة فيه، ومبالغته فيه، حتى عند وفاته وقبض نفسه الكريمة - صلى الله عليه وسلم -: لم يمتنع أن تكون الصلاة التي يُستاك لها أحبُّ إلى الله من سبعين صلاة)).
ويدل على السنية قول - صلى الله عليه وسلم -: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)) في صحيح البُخاري2: 682.
(¬2) مشى على سنته أصحاب المتون، كما في رد المحتار1: 77، وقال صاحب الهداية1: 12: أنه مستحب، وصحّحه ابنُ الهمام في فتح القدير1: 22، والزيلعي في تبيين الحقائق1: 4.
(¬3) وحدُّ المضمضة استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيه أن يصل الماء إلى رأس الحلق، كما في فتح باب العناية1: 37.
(¬4) وحدُّ الاستنشاق أن يصل الماء إلى المَارِن، والمبالغة فيه أن يجاوز المَارِن، كما في فتح باب العناية1: 37.
الجزء 1 · صفحة 10
ومثلُه في جميعِ شروح ((الهداية)) و ((الحَلْبة)) و ((التتارخانية)) و ((شرح المجمع)) و ((شرح الدرر)) للشيخ إسماعيل، ويؤيّدُه تقييد سائر المتون بقولهم: بماء الرأس.
قال في ((الفتح)): وأمّا رُوي أنه - صلى الله عليه وسلم - ((أخذ لأذنيه ماء جديداً))، فيجب حملُه على أنه لفناء البلّة قبل الاستيعاب توفيقاً بينه وبين ما ذكرنا، وإذا انعدمت البَلّة لم يكن بُدٌّ من الأَخذ كما لو انعدمت في بعضِ عضو واحد، اهـ.
وإذا علمت ذلك ظَهَرَ لك أنّ ما مشى عليه العلائي في ((الدر)) والشُّرنبُلالي وصاحب ((النَّهر)) و ((البحر)) تبعاً للـ ((خلاصة)) ومنلا مسكين من أنه لو أخذ للأذنين ماء جديداً فهو حسن مخالفٌ للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب، وتمام ذلك في حاشية شيخنا ((رد المحتار)).
الجزء 1 · صفحة 11
(وتخليل اللحية) (¬1)، وقيل: هو سنّة عند أبي يوسف - رضي الله عنه - جائزٌ (¬2) عند أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -؛ لأنّ السنةَ إكمالُ الفرض في محلِّه، والداخل ليس بمحلّ له، ((هداية)).
وفي ((التصحيح)): وتخليلُ اللحية، وهو قول أبي يوسف - رضي الله عنه - ورجَّحه في ((المبسوط)).
¬
(¬1) فعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها) في سنن ابن ماجة ر432، وفي تخليل اللحية عدّة أحاديث ذكرها ابن حجر في تلخيص الحبير1: 87 أحسنها حديث عثمان - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخلل لحيته) في سنن الترمذي ر31، وسنن ابن ماجة ر430.
(¬2) ومعنى جائز عندهما أنه ليس ببدعة ولا بسنة، كما في تبيين الحقائق 1: 4، وذكر الطحطاوي في حاشيته على المراقي1: 109 و صاحب البحر1: 45 أن السنية أصح الروايتين عن محمد - رضي الله عنه -. واختار قول أبي يوسف أصحاب المتون كالوقاية 1: 19، والمختار 1: 16، وملتقى الأبحر ص19، والنقاية 1: 38، ونور الإيضاح 1: 109، وتحفة الملوك ص26، والكنز 1: 7، والهدية العلائية ص25، ومنية المصلي ص14، وغرر الأحكام 1: 11، وصححه صاحب البحر 1: 45 والنهر1: 42، ورد المحتار 1: 79, والفتاوى السراجية 1: 4، وفي غنية المستملي ص23: ((والأدلة ترجّح قول أبي يوسف وقد رجّحه في المبسوط وهو الصحيح))، وفي الفتاوى الهندية1: 7: إن قاضي خان - رضي الله عنه - أخذ به.
الجزء 1 · صفحة 12
(والأصابع)؛ لأنه إكمالُ الفرض في محلِّه (¬1)، وهذا إذا كان الماءُ واصلاً إلى خلالِها بدون التخليل وإلاّ فهو فرض.
(وتكرار الغَسل) المستوعب في الأعضاء المغسولة (إلى الثلاث) مَرّات، ولو زاد لطمأنينة القلب لا بأس به.
قيدت بالمستوعب؛ لأنه لو لم يستوعب في كلِّ مرّة لا يكون آتياً بسنّة التثليث.
وقيدت بالأعضاء المغسولة؛ لأنّ الممسوحة يُكره تكرارُ مسحها.
(ويستحبُّ للمتوضئ) المستحبُّ لغة: هو الشيء المحبوب، وعرفاً قيل: هو ما فعلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرّةً وتركَه أُخرى، والمندوب: ما فعله مَرّة أو مَرّتين، وقيل: هما سواء، وعليه الأصوليون، قال في ((التحرير)): وما لم يُواظب عليه مندوبٌ ومستحبٌّ وإن لم يفعله بعدما رَغَّب فيه، اهـ.
(أن يَنوي الطّهارة) (¬2)
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (خللوا بين أصابعكم، لا يخللها الله عز وجل يوم القيامة في النار) في سنن الدارقطني1: 95، وعن واثلة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة) في المعجم الكبير22: 64، وروي من قول الحسن البصري في مصنف عبد الرزاق ر67، ومصنف ابن أبي شيبة ر95، ويدل على السنية قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)) في صحيح ابن حبان3: 368، والمستدرك1: 248، وجامع الترمذي3: 155، وكيفية تخليل أصابع اليد: أن يشبِّكَ الأصابع، والرجل: أن يخلل بخنصر يده اليسرى بادياً من خنصر رجله اليمنى خاتماً بخنصر رجله اليسرى. ينظر: عمدة الرعاية1: 64، وهدية الصعلوك ص13.
(¬2) اختلفوا في حكم النية على أقوال:
الأول: أنها مستحبّةٌ، ومشى عليه القدوري والمختار1: 16.
الثاني: أنها سنة، ومشى عليه الوقاية وشرحه1: 20، وملتقى الأبحر19 - 20، والنقاية 1: 44، ونور الإيضاح 1: 113، وتحفة الملوك ص24، والكنز 1: 8، وتبيين الحقائق 1: 5، والهدية العلائية ر24، ومنية المصلي ص15، وغرر الأحكام والشرنبلالية 1: 10، والفتاوى الهندية 1: 8، والبدائع 1: 105، ورد المحتار 1: 73، وصححه في الاختيار 1: 17، والجوهرة النيرة 1: 7.
والثالث: أنها فرض، ففي الدر المختار 1: 73: وصرحوا ... بأنها فرض في الوضوء المأمور به، لكن في رد المحتار 1: 73: ((الصواب أن يُقال ... بأنها شرطٌ في كون الوضوء عبادة لا مفتاحاً للصلاة ... هو شرط في كون الوضوء عبادة فقط)).
الجزء 1 · صفحة 13
في ابتدائها.
(ويَستوعب رأسَه بالمسح) (¬1) بمرّةٍ واحدةٍ.
(ويُرتبّ الوضوءَ فيبدأ بما بدأ اللهُ تعالى به)، ويختم بما ختم به.
قال في ((التصحيح)): قال نجم الأئمة (¬2) في ((شرحه)): وقد عَدّ الثلاثة في ((المحيط)) و ((التحفة)) من جملة للسنن، وهو الأصحّ.
وقال في ((الفتح)): لا سند للقُدُوريِّ في الرِّواية ولا في الدراية ولا في جعل النيّة والاستيعاب والترتيب مستحبّاً غيرَ سنّة.
أَمّا الرِّواية فنصوصُ المشايخ مُتضافرةٌ على السنّة؛ ولذا خالفه المصنِّف في الثلاثة، وحكم بسنتيها بقوله: فالنيّةُ في الوضوء سنةٌ ونحوَه في الأخيرين، وأمّا الدراية، فسنذكره إن شاء الله تعالى.
¬
(¬1) فعن ربيع بنت معوذ بن عفراء - رضي الله عنه - قالت: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضّأ، قالت: فمسح رأسه ومسح ما أقبل منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) في سنن أبي داود1: 80، و عن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - قال: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضّأ فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدّم رأسه، فأمرهما حتى بلغَ القفا، ثم ردّهما إلى المكان الذي منه بدأ) في سنن أبي داود1: 78، ومسند أحمد4: 95، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والمعجم الكبير19: 378.
(¬2) لعله نجم الأئمة البخاري من أقران الصدر الماضي برهان الدين، وعلاء الدين الحمّاني والبدر طاهر، كان مدار الفتى عليهم ببخارى وخُوارزم، ينظر: الجواهر4: 440، ومال صاحب الحاشية على التصحيح ص136 أنه الإمام الزاهدي؛ لأنه له شرحاً مشهوراً على القدوري بخلاف البخاري، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 14
وقيل: أراد يستحبُّ فعل هذه السنة للخروج من الخلاف، فإن الخروج عنه مستحبّ، اهـ (¬1)، وتمامه فيه.
(و) البداءةُ (بالميامن) فضيلة (¬2)، ((هداية))، و ((جوهرة)): أي مستحبٌّ (¬3).
(والمعاني) جمع معنى، وهو الصورة الذهنية من حيث إنه وُضع بإزائها اللفظ، فإن الصورةَ الحاصلة في العقل من حيث إنّها تقصد باللفظ تُسمّى معنى، كذا في ((تعريفات السيد)).
(الناقضة للوضوء): أي المخرجة له عن إفادة المقصود به؛ لأنّ النقض في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عن إفادة ما هو المقصود بها.
(كلُّ ما): أي شيء (خرج من السَّبيلين): أي مسلكي البول والغائط أَعمّ من أن يكون معتاداً أو لا، نجساً أو لا، إلاّ ريح القُبل؛ لأنه اختلاج لا ريح.
والمراد بالخروج من السبيلين مجرد الظهور؛ لأنّ ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة، فيستدلّ بالظهور على الانتقال بخلاف الخروج في غيرهما، فإنّه مقيّد بالسيلان كما صرَّح به بقوله:
¬
(¬1) قال صاحب العناية1: 27: قد يقال إن الأول مذهب القدوري، والثاني مذهب صاحب الهداية. لكن فيه إشكال؛ لأن المصنفَ فرَّعَ على المتن: فالنية، وأجاب عن هذا ملا إله داد بقوله: ((قلت: إن المراد بقوله يستحبّ أعم من السنة))، لكن رد عليه اللكنوي في شرح الهداية 1: 103حيث قال: ((أقول: يرده تقابل الاستحباب بالسنية فافهم)).
(¬2) قال القاري في فتح باب العناية1: 57: ((والأصحّ أن التيامن سنة))، لكن اختار استحبابه أصحاب المتون كالوقاية (ص84)، والنقاية1: 57، والملتقى 1: 16، وغيرها.
(¬3) فعن عائشة رضي الله قالت: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيمُّن في تنعُّله، وترجُّله، وطُهوره، وفي شأنه كله) في صحيح البخاري ر168، وصحيح مسلم ر268، وأوضح منه في الدلالة على الحكم قوله - صلى الله عليه وسلم - قوله: (إذا توضَّأتم فابدؤوا بميامنكم) في صحيح ابن حبان 3: 370، وسنن ابن ماجه 1: 141.
الجزء 1 · صفحة 15
(والدم والقيح): وهو دم نضج حتى ابيض وخثر (¬1)، (والصّديد): وهو قيح ازداد نضجاً حتى رقّ (¬2) (إذا خرج من البدن فتجاوز) عن موضعه (إلى موضع يلحقُه حكم التطهير)؛ لأنه بزوال القشرةِ تظهر النَّجاسة في محلِّها، فتكون بادية لا خارجة.
ثمّ المعتبر هو قوّة السّيلان: وهو أن يكون الخارجُ بحيث يتحقَّق فيه قوّة أن يسيل بنفسه عن المخرج إن لم يمنع منه مانع سواء وُجِدَ السَّيلان بالفعل أو لم يوجد، كما إذا مسحه بخرقةٍ كلّما خرج ثمّ وثمّ.
قيد بالدم والقيح احتزازاً من سقوطِ لحمٍ من غيرِ سيلانِ دمٍ: كالعِرْق المَدَني (¬3)، فإنّه لا ينقض، وأَمّا الذي يسيل منه إن كان ماءً صافياً لا ينقض، قال في ((الينابيع)): الماءُ الصّافي إذا خَرَجَ من النفطةِ لا ينقض.
وإن أَدخل أُصبعه في أَنفه فدَمِيَت أُصبعه: إن نَزَلَ الدمُ من قصبةِ الأنفِ نقض، وإلاَّ لم ينقض.
ولو عَضَّ شيئاً فوُجِد فيه أَثرُ الدم أو استاك فوجد في السِّواك أثر الدَّم لا ينقض ما لم يتحقَّق السيلان.
ولو تخلَّل بعود فخرج الدُّم على العودِ لا ينقض إلاّ أن يسيلَ بعد ذلك بحيث يغلب على الرّيق، اهـ، ((جوهرة)).
¬
(¬1) القيح: الأبيضُ الخاثر الذي لا يخالطه دم، كما في المصباح ر521.
(¬2) صديد الجرح: ماؤه الرقيق المختلط بالدم، وقيل: هو القيح المختلط بالدم، كما في المغرب ص264.
(¬3) العَرَقُ المدني نسبة إلى المدينة الشريفة؛ لكثرته بها، وهي بثرة تظهر في سطح الجلد تنفجر عن عرق يخرج كالدودة شيئاً فشيئاً، وسببه فضول غليظة، كما في الطحطاوي1: 140، وهو كالدودة لا ينقض الوضوء، كذا في السراجية1: 6 عن الملتقط ص22؛ لأنها طاهرة، وإن كان العرق المدني يسيل منه الماء ينقض، كذا في الظهيرية، كما في فتح باب العناية:
الجزء 1 · صفحة 16
(والقيءُ) (¬1) سواء كان طَعاماً أو ماءً أو عَلَقاً أو مِرّةً بخلافِ البلغم، فإنّه لا ينقض خلافاً لأبي يوسف - رضي الله عنه - في الصاعد من الجوف، وأمّا النّازل من الرأس فغير ناقض اتفاقاً، (إذا كان ملئ الفم).
قال في ((التصحيح)): قال في ((الينابيع)): وتكلَّموا في تقديرِ ملءِ الفم، والصَّحيحُ إذا كان لا يقدرُ على إمساكِهِ، قال الزَّاهديُّ - رضي الله عنه -: والأَصحُّ ما لا يُمكنه الإمساكُ إلاّ بكلفةٍ، اهـ.
ولو قاء مُتفرِّقاً بحيث لو جُمِع يَمْلأ الفم، فعند أبي يوسف - رضي الله عنه -: يعتبرُ اتِّحاد المجلس، وعند مُحمَّد - رضي الله عنه -: اتحادُ السَّبب: أي الغَثيان، وهو الأَصحّ؛ لأنَّ الأَحكامَ تُضافُ إلى أَسبابها، كما بسطه في ((الكافي)).
ولَمَّا ذكر الناقض الحقيقيّ عقَّبه بالناقض الحكميّ فقال:
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها، قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن أصابه قيء أو رعاف أو قََلَس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) في سنن ابن ماجة 1: 385، قال التهانوي في إعلاء السنن 1: 113: والصحيح أنه مرسل صحيح الإسناد. وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال: صدق أنا صببت له الدفع) في سنن الترمذي 1: 143، وقال: ((قد جود حسين المعلم هذا الحديث وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب وروى معمر هذا الحديث)).
الجزء 1 · صفحة 17
(والنوم) سواء كان النائم (مضطجعاً): وهو وضع الجنب على الأَرض، (أو متكأً): وهو الاعتمادُ على أَحد وركيه، (أو مُستنداً إلى شيءٍ): أَي مُعتمداً عليه، لكنّه بحيث (لو أُزيل) ذلك الشيءُ المستندُ إليه (لسَقَطَ) النّائم؛ لأنّ الاسترخاءَ يبلغُ نهايتَه بهذا النوعِ من الاستنادِ غيرَ أَنَّ السندَ يمنعُ من السُّقوط، بخلاف النّوم حالةَ القيام والقعود والرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة وغيرها، وهو الصَّحيح؛ لأنّ بعضَ الاستمساكِ باق؛ إذ لو زال لسَقَط فلم يَتِمَّ الاسترخاء، ((هداية)).
وفي ((الفتح)): وتمكّنُ المقعدة مع غايةِ الاسترخاء لا يمنعُ الخروج؛ إذ قد يكون الدافعُ قوياً خُصوصاً في زمننا لكثرة الأكل فلا يمنعه إلا مسكة اليقظة، اهـ.
(والغلبةُ على العقلِ بالإغماء): وهو آفة تعتري العقل وتغلبه، (والجنونُ): وهو آفةٌ تعتري العقل وتسلبه، وهو مَرفوعٌ بالعطفِ على الغلبة، ولا يجوز خفضُه بالعطفِ على الإغماءِ؛ لأنه عكسُه.
(والقهقهةُ) (¬1): وهي شدّةُ الضحك بحيث يكون مسموعاً له ولجاره سواء بدت أَسنانه أو لا إذا كانت من بالغ يقظان (في كلِّ صلاةٍ) فريضةً أو نافلةً، لكن (ذات ركوع وسجود)، بخلاف صلاة الجنازة وسجدة التّلاوة، فإنّه لا ينتقض وضوؤه، وتبطل صلاتُه وسجدتُه، وكذا الصبيُّ والنائم.
¬
(¬1) فعن أبي العالية - رضي الله عنه -: ((إنَّ أعمى تردَّى في بئر، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بأصحابه، فضحك من كان يصلِّي معه، فأمر من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصَّلاة)) في سنن الدارقطني 1: 167، والكامل3: 167، وتاريخ جرجان1: 405، وسنن البيهقي الكبير2: 252، ومصنف عبد الرزاق2: 376، ومصنف ابن أبي شيبة1: 341، ومراسيل أبي داود ص75، قال اللكنوي بعد أن أورد طرق الأحاديث الواردة في القهقهة في الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة: فهذه الأحاديثُ المسندة، والأخبارُ المرسلةُ دالةٌ صريحاً على انتقاضِ الوضوءِ بالقهقهة.
الجزء 1 · صفحة 18
(وفرض الغُسل):
أراد بالفرض ما يعمّ العمليّ.
والغُسل ـ بالضمّ ـ تمام غَسل الجلد كلّه، والمصدر: الغَسل ـ بالفتح ـ، كما في ((التَّهذيب)).
وقال في ((السِّراج)): يُقال: غُسل الجُمعة وغُسل الجنابة ـ بضم الغين ـ، وغَسل الميت وغَسل الثوب ـ بفتحها ـ، وضابطه أَنّك إذا أَضَفت إلى المغسول فَتَحْت، وإلى غيرِه ضَمَمت، اهـ.
(المضمضةُ والاستنشاقُ وغَسلُ سائر البدن) (¬1): أي باقيه ممّا يُمكن غسلُه من غير حرج: كأُذنٍ وسُرّةٍ وشاربٍ وحاجبٍ وداخلِ لحيةٍ وشعرِ رأسٍ وخارجِ فرج، لا ما فيه حرج: كداخلِ عينٍ وثُقبٍ انضمّ، وكذا داخل قُلْفَة، بل يُندب على الأَصحّ، قاله الكمالُ - رضي الله عنه -.
(وسُنّة الغُسل:
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن تحت كل شعرة جنابة، وفوق كلّ جلدة جنابة، ألا فبلوا الشعرة وأنقوا البشرة)) في سنن أبي داود ر248، وسنن الترمذي ر106، وسنن ابن ماجه ر597، قال ابن حجر في التلخيص الحبير1: 142: ((مداره على الحارث بن وجبة، وهو ضعيف جداً))، وعن أبي أيوب - رضي الله عنه - سئل - صلى الله عليه وسلم - ما أداء الأمانة؟ قال: (غسل الجنابة، فإن تحت كل شعرة جنابة) سنن ابن ماجه ر598، قال ابن حجر: ((إسناده ضعيف))، وعن علي - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: (مَن ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار) في سنن داود ر249، وسنن ابن ماجه ر599، قال ابن حجر: ((إسناده صحيح، لكن قيل إن الصواب وقفه على عليّ - رضي الله عنه -))، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ر1002 عن الحسن البصري - رضي الله عنه - مرسلاً.
الجزء 1 · صفحة 19
أن يبتدأ المغتسل): أي مُريد الاغتسال (فيغسلَ) أَوّلاً (يديه) إلى الرُّسغين كما تقدَّمَ في الوضوء، (وفرجَه) وإن لم يكن به خَبَثٌ، (ويُزيلَ نجاسةً)، وفي بعض النسخ ((النجاسة)) بالتعريف، والأُولى أولى، (إن كانت على بدنه)؛ لئلا تشيع، (ثمّ يتوضَّأُ وضوءَه): أي كوضوئه (للصّلاة) فيمسح رأَسَه وأُذنيه ورقبتَه، (إلاّ رجليه) فلا يغسلهما، بل يُؤخر غسلَهما إلى تمامِ الغُسل، وهذا إذا كان في مستنقعِ الماء، أَمّا إذا كان على لوحٍ أو قبقابٍ أو حَجَرٍ فلا يؤخر غسلَهما، ((جوهرة)).
وفي ((التصحيح)): الأصحُّ أنه إذا لم يكن في مستنقع الماءِ يُقدِّم غسل رجليه، اهـ.
(ثمّ يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً) (¬1) مستوعباً في كلّ مَرّة بادئاً بعد الرأس بشقّه الأيمن، ثمّ الأيسر، وقيل: يختم بالرأس، وفي ((المجتبى)) و ((الدرر)): وهو الصحيح، لكن نقل في ((البحر)) أنّ الأوّلَ هو الأصحّ وظاهر الرواية والأحاديث، قال: وبه يُضعَّفُ تصحيح ((الدرر)).
(ثم يتنحّى عن ذلك المكان) إذا كان في مستنقع الماء (فيغسلَ رجليه) من أثر الماء المستعمل، وإلاّ فلا يُسَنُّ إعادةُ غسلِهما.
¬
(¬1) فعن ميمونة رضي الله عنها: قالت: (صببت للنبي - صلى الله عليه وسلم - غسلاً فأفرغ بيمينه على يساره فغسلهما، ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق ثمّ غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثمّ تنحى فغسل قدميه، ثمّ أُتي بمنديل فلم ينفض بها) في صحيح البُخاري1: 102، وعن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيده، ثم يفيض الماء على جلده كله) في صحيح البخاري 1: 99.
الجزء 1 · صفحة 20
(وليس) بلازم (على المرأةِ أنَ تنقضَ): أي تَحُلّ ضَفْرَ (ضفائرها في الغُسل) حيث كانت مضفورةً وإن لم يبلغ الماءُ داخل الضَّفائر، قال في ((اليَنَابيع)): وهو الأَصحّ، ومثلُه في ((البَدائع)).
وفي ((الهداية)): وليس عليها بَلّ ذوائبها، وهو الصحيح، وفي ((الجامع الحسامي)): وهو المختار، وهذا (إذا بلغ الماءُ أُصولِ الشَّعر): أي منابته.
قَيَّدَ بالمرأة؛ لأَنّ الرَّجلَ يلزمه نقضُ ضفائره وإن وَصَلَ الماءُ إلى أُصول الشَّعر.
وبالضَّفائر؛ لأنّ المنقوضَ يلزم غسلُ كلِّه.
وبما إذا بلغ الماءُ أُصول الشَّعر؛ لأنه إذا لم يبلغ يَجِب النقض.
(والمعاني الموجبة للغُسل:
1.إنزالُ): أي انفصالُ (المَنِيّ): وهو ماءٌ أبيضٌ خاثرٌ ينكسرُ منه الذكرُ عند خروجه، تشبه رائحتُه رائحةَ الطلع رطباً، ورائحة البيض يابساً، (على وجه الدَّفق): أي الدَّفع (والشَّهوة): أي اللَّذّة عند انفصاله عن مقرِّه، وإن لم يخرج من الفرج كذلك، وشرطه أبو يوسف - رضي الله عنه -.
فلو احتلم وانفصل منه بشهوة فلَمَّا قارب الظُّهور شَدَّ على ذكرِه حتّى انكسرت شهوتُه، ثمّ تركه فسال بغير شهوة وَجَبَ الغُسل عندهما خلافاً له.
وكذا إذا اغتسل المجامع قبل أن يبولَ أو ينامَ ثمّ خرج باقي منيِّه بعد الغُسل وجَبَ عليه إعادة الغُسل عندهما خلافاً له، وإن خرج بعد البول أو النوم لا يعيد إجماعاً.
(من الرَّجلِ والمرأة) حالة النَّوم واليقظة.
2. (والتقاءُ الختانين)، تثنية ختان: وهو موضع القطع من الذكر والفرج: أي محاذاتهما بغيبوبة الحشفة، قال في ((الجوهرة)): ولو قال: بغيبوبةِ الحشفة في قُبُل أو دُبُر، كما قال في ((الكنز)) لكان أَحسن وأَعمّ؛ لأَنّ الإيلاجَ في الدُّبُر يوجب الغُسل، وليس ختانان يلتقيان، ولو كان مقطوع الحشفة يجب الغُسل بإيلاج مقدارها من الذكر، اهـ.
الجزء 1 · صفحة 21
ولو (من غيرِ إنزال)؛ لأنّه سببٌ للإنزال، وهو متغيِّبٌ عن البصر فقد يَخْفَى عليه لقلّته، فيقام مقامه؛ لكمال السببية.
3. (والحيضُ والنِّفاس): أي الخروج منهما فما داما باقيين لا يَصِحُّ الغُسل.
(وسَنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغُسل للجُمُعة والعيدين والإحرام) بحجٍّ أو عمرة، وكذا يوم عرفة للوقوف، قال في ((الهداية)): وقيل: هذه الأربعة مستحبّة، وقال: ثمّ هذا الغُسل للصّلاة عند أبي يوسف - رضي الله عنه -، وهو الصحيح؛ لزيادة فضيلتها على الوقت، واختصاصِ الطَّهارة بها، وفيه خلاف الحَسَن - رضي الله عنه -، اهـ.
(وليس في المَذي): وهو ماءٌ أَبيضٌ رقيقٌ يخرج عند الملاعبة، وفيه ثلاث لغات:
الأولى: سكونُ الذّال.
والثانية: كسرُها مع التثقيل.
والثالثة: الكسر مع التخفيف.
وَيُعْرَبُ في الثالثةِ إعراب المنقوص، ((مصباح)).
(والوَدْي): وهو ماءٌ أَصفرٌ غليظٌ يخرج عقيب البول، وقد يسبقه، يُخفَّفُ ويُثَقَّل، ((مصباح))، (غسلٌ و) لكن (فيهما الوضوء): كالبول.
(والطَّهارةُ من الأَحداث) أل فيه للعهد: أي الأحداث التي سبق ذكرها من الأَصغر والأكبر، وكذا الأَنجاس بالأَولى، فقيدُ الأحداث اتفاقيّ، وليس للتخصيص، إلاّ أَنّه لَمَّا ذَكَرَ الطَّهارتين احتاج إلى بيانِ الآلةِ التي يَحْصُلان بها (جائزة بماء السَّماء) من مطرٍ وثلجٍ وبَردٍ مذابين.
(والأودية) جمع واد: وهو كلُّ منفرج بين جبالِ أو آكامِ يَجْتَمِعُ فيه السَّيل.
(والعيون) جمع عين: وهو لفظٌ مشتركٌ بين حاسّة البصر والينبوع وغيرهما، والمراد هنا الينبوع الجاري على وجهِ الأرض.
(والآبار) جمعُ بئر: وهو الينبوعُ تحت الأرض.
(والبحار) جمع بحر، قال في ((الصحاح)): البحرُ خلاف البَرّ، سُمّي بحراً؛ لعمقه واتساعه، والجمع: أَبْحُر وبحار وبُحور، وكلُّ نَهْرٍ عظيمٍ بحرٌ، اهـ.
ولعلَّ المصنف - رضي الله عنه - جمعه ليشمل ذلك، ولكن إذا أُطلق البحرُ يراد به البحر الملح.
الجزء 1 · صفحة 22
(ولا تجوز): أي لا تَصِحُّ الطَّهارةُ (بما اعتصر) بقصر: ما؛ على أنّها موصولةً، قال الأَكملُ: هذا المسموع، (من الشجرِ والثَّمر)، وفي تعبيرِه بالاعتصار إيماءٌ بمفهومِه إلى الجوازِ بالخارج من غيرِ عصر: كالمتقاطر من شجرِ العنب، وعليه جَرَى في ((الهداية)) قال: لأنه خرجَ بغير علاج، ذكره في ((جوامع أبي يوسف - رضي الله عنه -))، وفي ((الكتاب)) إشارةٌ إليه حيث شرط الاعتصار، اهـ. وأَراد بالكتاب هذا ((المختصر)).
لكن صَرَّح في ((المحيط)) بعدمِه، وبه جزم قاضي خان - رضي الله عنه -، وصَوَّبه في ((الكافي)) بعد ذكر الأوّل بقيل، وقال الحَلَبي - رضي الله عنه -: إنه الأوجه، وفي ((الشُّرُنْبُلاليّة)) عن ((البُرهان)): وهو الأظهر، واعتمده القُهُستانيّ - رضي الله عنه -.
(ولا بماء) بالمدّ (غلب عليه غيرُه) من الجامدات الطّاهرة (فأَخرجه) ذلك المخالِطُ (عن طبعِ الماءِ): وهو الرقّة والسيلان، أو أحدث له اسماً على حدة.
وإنّما قَيْدَتُ المخالطَ بالجامد؛ لأنّ المخالطَ إذا كان مائعاً، فالعبرة في الغلبة إن كان موافقاً في أَوصافهِ الثلاثةِ كالماء المستعمل فبالأجزاء، وإن كان مُخالفاً فيها كالخلِّ فبظهور أَكثرها، أو في بعضِها فبظهور وصفٍ كاللبن يُخالف في اللون والطعم، فإن ظهرا أو أحدُهما مَنَع، وإلاّ لا.
وزدت: أو أحدث له اسماً على حدة؛ لإخراج نبيذِ التمر ونحوِه، فإنّه لا تجوز الطّهارةُ به، ولو كان رقيقاً مع أَنَّ المُخالطَ جامدٌ، فاحرص على هذا الضابط فإنّه يَجْمَعُ ما تَفَرَّق من فُرُوعِهم.
وقد مَثَّلَ المُصَنِّفُ للأَصلين اللذين ذكرهما على الترتيب فقال: (كالأشربة): أي المتخذة من الأشجار والثمار: كشراب الرِّيباس والرُّمان، وهو مثالٌ لما اعتصر.
وقوله: (والخَلّ) صالحٌ للأصلين؛ لأنّه إن كان خالصاً، فهو ممّا اعتصر من الثمر، وإن كان مخلوطاً، فهو ممّا غَلَب عليه غيرُه بحدوث اسم له على حدة.
الجزء 1 · صفحة 23
(وماء الباقلاء) تُشدَّد فتُقْصَر، وتُخَفَّفُ فتُمَدّ: وهي الفول: أي إذا طُبخت بالماء حتى صار بحيث إذا برد ثَخُن.
(والمرق)؛ لحدوث اسم له على حدة.
(وماء الزَّردج) ـ بزاي معجمة، وراء ودال مهملتين، وجيم ـ: وهو ما يخرجُ من العُصْفُر المنقوع، فيُطْرَح ولا يُصبغ به، ((مُغْرب)). قال في ((التصحيح)): والصحيحُ أنّه بمنزلةِ ماء الزَّعفران، نصَّ عليه في ((الهداية))، وهو اختيارُ الناطفيِّ والسَّرَخْسِيّ، اهـ.
(وتجوز الطَّهارةُ بماء خالطه شيء) جامد (طاهرٌ فغيَّرَ أَحد أوصافه) الثلاثة ولم يخرجه عن طبع الماء.
قال في ((الدراية)): في قوله: فغيَّرَ أحدَ أوصافه؛ إشارةٌ إلى أنّه إذا غيَّرَ اثنين أو ثلاثة لا يجوز التوضّؤ، وإن كان المُغيِّرُ طاهراً، لكن صَحَّت الرّوايةُ بخلافِه كذا عن الكَرْدري، اهـ.
وفي ((الجوهرة)): فإنّ غيَّرَ وصفين، فعلى إشارة الشيخ لا يجوز الوضوء، لكن الصحيح أنه يجوز، كذا في ((المستصفى)).
وذلك (كماء المدّ): أي السَّيل، فإنه يختلط بالتّراب والأوراق والأشجار فما دامت رقَّةُ الماء غالبة تجوز به الطّهارة، وإن تغيَّرت أَوصافه كلّها، وإن صار الطين غالباً لا تجوز.
(والماء الذي يختلط به الأُشْنان والصَّابون والزَّعفران) ما دام باقياً على رقّتِه وسَيلانِه؛ لأنّ اسمَ الماءِ باق فيه، واختلاطُ هذه الأشياء لا يُمكن الاحتراز عنه، فلو خرج عن طبعِه، أو حدث له اسم على حدة: كإن صار ماء الصابون، أو الأشنان ثخيناً، أو صار ماء الزَّعفران صبغاً، لا تجوز به الطَّهارة.
الجزء 1 · صفحة 24
(وكلّ ماء وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به)؛ لتنجّسه (قليلاً كان) الماء (أو كثيراً) تغيَّرت أَوصافه أو لا، وهذا في غير الجاري، وما في حكمِهِ كالغدير العظيم بدليل المقابل، (لأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أَمرَ بحفظ الماء من النَّجاسة) بنهيه عن ضدّه؛ لأنّ النَّهيَ عن الشيءِ أَمرٌ بضدِّه، فقال: (لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم) يعني الساكن، (ولا يغتسلنّ فيه من الجنابة)، وقد استدلّ القائلون بنجاسة الماء المستعمل بهذا الحديث، حيث قَرَن الاغتسال بالبول.
وأُجيب: بأَن الجنبَ لَمَّا كان يغلب عليه نجاسة المني عادةً جُعِلَ كالمتيقِّن.
(وقال - صلى الله عليه وسلم -) أَيضاً: (إذا استيقظ أحدُكم من منامِه فلا يَغْمِسَنَّ يدَه في الماءِ حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنّه لا يَدْري أين باتت يدُه)، يعني لاقت مَحَلاً طاهراً، أو نجساً، ولولا أَنَّ الماءَ يَنْجَسُ بملاقاة اليدِ النَّجسة لم تظهر للنهي فائدة.
(وأمّا الماءُ الجاري): وهو ما لا يتكرَّر استعمالُه، وقيل: ما يذهبُ بتبنةٍ، ((هداية))، وقيل: ما يعدُّه النّاس جارياً، قيل: هو الأصحّ، ((فتح))، وفيه: وأَلحقوا بالجاري حوض الحَمَّام إذا كان الماءُ ينزل من أَعلاه، والنّاسُ يغترفون منه حتى لو أُدْخِلت القَصْعةُ أو اليدُ النّجسة فيه لا ينجس، اهـ.
(إذا وقعت فيه نجاسةٌ جازَ الوضوء منه إذا لم يُرَ لها): أي للنّجاسة (أَثرٌ) من طعم، أو لون، أو ريح؛ (لأنّها لا تستقرُّ مع جَريان الماء)، قال في ((الجوهرة)): وهذا إذا كانت النَّجاسةُ مائعة، أَمّا إذا كانت دابّةً ميتة: إن كان الماء يجري عليها، أو على أكثرها، أو نصفها لا يجوز استعماله، وإن كان يجري على أقلِّها، وأكثرُه يجري على موضع طاهر، وللماء قوّة، فإنّه يجوز استعماله إذا لم يوجد للنجاسة أثر، اهـ.
الجزء 1 · صفحة 25
(والغدير) قال في ((المختار)): هو القطعة من الماء يُغادرها السيل، اهـ. ومثله: الحوض (العظيم): أي الكبير: وهو (الذي لا يتحرّك أحدُ طرفيه بتحريك الطرف الآخر)، وهو قولُ العراقيين.
وفي ظاهر الرواية: يعتبر فيه أكبرُ رأي المبتلى، قال الزَّاهدي - رضي الله عنه -: وأَصحُّ حده ما لا يخلص بعضُه إلى بعضٍ في رأي المبتلى واجتهاده، ولا يُناظر المجتهد فيه، وهو الأصحّ عند الكرخيّ - رضي الله عنه -، وصاحب ((الغاية))، و ((الينابيع))، وجماعة، اهـ.
وفي ((التصحيح)): قال الحاكم في ((المختصر)): قال أبو عصمة - رضي الله عنه -: كان محمد بن الحسن - رضي الله عنه - يوقت في ذلك بعشر، ثمّ رَجَعَ إلى قولِ أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقال: لا أوقت فيه شيئاً، فظاهرُ الرَّواية أولى, اهـ. ومثلُه في ((فتح القدير)) و ((البَحر)) قائلاً: إنه المذهب، وبه يعمل، وإن التقدير بعشر لا يرجع إلى أصل يُعتمد عليه.
لكن في ((الهداية)): وبعضُهم قدَّرَ بالمساحة عشراً في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس، وعليه الفتوى، اهـ.
ومثله في ((فتاوى قاضي خان)) و ((فتاوى العَتَّابي))، وفي ((الجوهرة)): وهو اختيار البُخاريين، وفي ((التصحيح)): وبه أخذ أبو سليمان، يعني الجوزجاني، قال في ((النَّهر)): وأنت خبير بأن اعتبار العشر أضبط، ولا سيما في حقّ مَن لا رأي له من العوام، فلذا أَفتى به المتأخرون الأعلام، اهـ.
قال شيخنا - رضي الله عنه -: ((ولا يخفى أنّ المتأخرين الذين أفتوا بالعشر: كصاحب ((الهداية)) وقاضي خان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه، وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم))، اهـ.
وفي ((الهداية)): والمعتبرُ في العمق أن يكون بحال، لا ينحسر بالاغتراف، وهو الصحيح، اهـ.
الجزء 1 · صفحة 26
(إذا وقعت نجاسةٌ في أحدِ جانبيه جاز الوضوءُ من الجانب الآخر) الذي لم تقع فيه النجاسة؛ (لأنّ الظّاهرَ أنّ النجاسةَ لا تصل إليه): أي الجانب الآخر؛ لأنّ أثرَ التحريك في السِّراية فوق أَثر النَّجاسة، قال في ((التصحيح)): ((وقوله: جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ إشارةٌ إلى أنه ينجس موضع الوقوع.
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه: كالماء الجاري.
وقال الزّاهدي: واختلفت الرِّوايات والمشايخ في الوضوء من جانب الوقوع، والفتوى الجواز من جميع الجوانب))، اهـ.
(وموت ما ليس له نفس سائلة): أي دمٌ سائل (في الماء)، ومثلُه المائع، وكذا لو مات خارجه وأُلقى فيه (لا ينجسه)؛ لأنّ المنجسَ اختلاطُ الدم المسفوح بأجزائه عند الموت حتّى حَلّ المذكّى وطَهُرَ لانعدام الدم فيه، ((هداية))، وذلك (كالبَقّ، والذباب، والزَّنابير، والعقارب)، ونحوها.
(وموت ما) يولد و (يعيش في الماء فيه): أي الماء، وكذا المائع على الأصحّ، ((هداية)) و ((جوهرة))، وكذا لو مات خارجَه وأُلقي فيه في الأصحّ، ((درر))، (لا يفسدُه)، وذلك (كالسَّمك والضّفدع) المائي، وقيل: مطلقاً، ((هداية))، (والسرطان)، ونحوها.
وقيدت: ما يعيش في الماء بيولد؛ لإخراج مائي المعاش دون المولد: كالبطّ وغيره من الطيور، فإنّها تفسده اتفاقاً.
(والماءُ المستعملُ لا يجوز استعماله في طهارة الأَحداث)، قيد بالأحداث؛ للإشارة إلى جواز استعماله في طهارة الأَنجاس، كما هو الصحيح.
قال المصنّف - رضي الله عنه - في ((التقريب)): رَوَى محمّد عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -: إن الماءَ المستعمل طاهر، وهو قوله، وهو الصحيح، اهـ. وقال الصدرُ حسامُ الدين في ((الكبرى)): وعليه الفتوى. وقال فخرُ الإسلام في ((شرح الجامع)): إنه ظاهر الرِّواية، وهو المختار.
وفي ((الجوهرة)): قد اختلف في صفته، فرَوَى الحَسَنُ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه نجس نجاسة غليظة، وهذا بعيدٌ جداً.
الجزء 1 · صفحة 27
ورَوَى أبو يوسف - رضي الله عنه - عنه: أنه نجسٌ نجاسة خفيفة، وبه أخذ مشايخ بلخ.
ورَوَى محمّد - رضي الله عنه - عنه: أنه طاهر غير مطهر للأَحداث: كالخلّ، وهو الصحيح، وبه أخذ مشايخ العراق، اهـ.
(والمستعملُ: كلُّ ماء أُزيل به حدث) وإن لم يكن بنيَّة القربة، (أو استعمل في البَدَن)، قيد به؛ لأنّ غُسالةَ الجامدات: كالقُدُور والثِّياب لا تكون مستعملة (على وجهِ القربة) وإن لم يُزَل به حدثٌ، قال في ((الهداية)): هذا قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وقيل: هو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أيضاً، وقال محمّد - رضي الله عنه -: لا يصير مستعملاً إلا بإقامة القربة؛ لأنّ الاستعمالَ بانتقال نجاسة الآثام إليه، وإنما تزال بالقرب.
وأبو يوسف - رضي الله عنه - يقول: إسقاط الفرض مؤثرٌ أيضاً، فيثبت الفساد بالأمرين جميعاً، اهـ. وقال أبو نصر الأقطع - رضي الله عنه -: وهذا الذي ذكره هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -.
وفي ((الهداية)): ومتى يصير مستعملاً؟ الصحيحُ أنّه كلّما زايل العضو صار مستعملاً؛ لأنّ سقوطَ الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده، اهـ.
(وكلُّ إهاب): وهو الجلدُ قبل الدباغة، فإذا دبغ صار أَديماً (دُبِغ) بما يَمْنَعُ النتن والفساد، ولو دباغة حكمية: كالتتريب والتشميس؛ لحصول المقصود بها، (فقد طَهُر)، وما يطهر بالدباغة يَطْهُرُ بالذَّكاة، ((هداية)).
(و) إذا طهر (جازت الصَّلاة) مستتراً (فيه)، وكذا الصّلاة عليه، (والوضوء منه، إلا جلد الخنزير)، فلا يطهر للنجاسة العينية، (و) جلد (الآدمي) للكرامة الإلهية، وألحقوا بهما ما لا يحتمل الدباغة: كفأرة صغيرة، وأَفاد كلامُه طهارة جلد الكلب والفيل، وهو المعتمد.
(وشعر الميتة) المجزوز، وأراد غير الخنزير؛ لنجاسة جميع أَجزائه، ورُخِّصَ في شعره للخرازين؛ للضرورة؛ لأنه لا يقوم غيرُه مقامَه عندهم.
الجزء 1 · صفحة 28
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: أنّه كرهه لهم أَيضاً.
(وعظمُها وقرنُها) الخالي عن الدُّسومة.
وكذا كلُّ ما لا تَحُلُّه الحياة منها: كحافرها وعصبها على المشهور (طاهر)، وكذا شعرُ الإنسان وعظمُه، ((هداية)).
(وإذا وقعت في البئر) الصَّغيرة (نجاسةٌ) مائعةٌ مطلقاً أو جامدةٌ غليظة، بخلاف الخفيفة: كالبعر والرَّوث، فقد جُعِلَ القليلُ منها عفواً؛ للضرورة، فلا تفسد إلاّ إذا كَثُر: وهو ما يُستكثرُه النَّاظرُ في المرويِّ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعليه الاعتماد.
ولا فرق بين الرَّطب واليابس، والصحيح والمنكسر؛ لأنّ الضَّرورةَ تشمل الكلّ، كما في ((الهداية)).
(نُزِحت): أي البئر، والمراد ماؤها من ذكر المحلّ، وإرادة الحال، (وكان نَزْحُ ما فيها من الماء طهارة): أي مطهراً (لها) بإجماع السَّلف.
ومسائلُ الآبار مبنيّة على اتباعِ الآثار دون القياس، ((هداية)).
وفي ((الجوهرة)): وفي قوله: طهارةٌ لها؛ إشارةٌ إلى أنّه يطهر الوحل، والأحجار، والدلو، والرِّشاء، ويد النازح، اهـ. وهذا إذا كانت النَّجاسة غير حيوان.
وأمّا حكمُ الحيوان فذكره بقوله: (فإن ماتت فيها) أو خارجَها وأُلقيت فيها (فأرة أو عصفورة أو صَعوة) كتمرة ـ عصفورة صغيرة حمراء الرأس ـ ((مصباح))، (أو سودانية) ـ طويرة طويلة الذنب على قدر قبضة ـ ((مغرب))، (أو سامّ) ـ بتشديد الميم ـ (أَبرص): أَي الوزع، والعوام تقول له: أبو بريص، أو ما قاربها في الجثّة (نُزح منها) بعد إخراجِ الواقع فيها (ما بين عشرين دَلْواً إلى ثلاثين دَلْواً) العشرين بطريق الإيجاب، والثلاثين بطريق الاستحباب، ((هداية)).
وفي ((الجوهرة)): وهذا إذا لم تكن الفأرةُ هاربةٌ من الهرّة، ولا مَجروحة، وإلاّ يُنْزَحُ جميع الماء وإن خَرجت حَيّة؛ لأنها تبول إذا كانت هاربة، وكذا الهِرّةُ إذا كانت هاربةً من الكلب أو مجروحة؛ لأَنّ البولَ والدمَ نجاسةٌ مائعة، اهـ. باختصار.
الجزء 1 · صفحة 29
ثمّ قال: وحكم الفأَرتين والثلاث والأَربع كالواحدة، والخمس: كالهِرّة إلى التسع، والعشر: كالكلب، وهذا عند أبي يوسف - رضي الله عنه -.
وقال محمّد - رضي الله عنه -: الثلاثُ: كالهِرة، والسُّتّ: كالكلب، اهـ.
(بحسب كُبْر الحيوان وصغره)، الكُبْر والصُّغر ـ بضم الأَوّل وإسكان الثاني ـ للجثّة، وهو المراد هنا، وبكسر الأَوّل وفتح الثّاني: للسنّ.
قال في ((الجوهرة)): ومعنى المسألة: إذا كان الواقعُ كبيراً والبئرُ كبيرة فالعشرُ مستحبّة، وإن كانا صغيرين فالاستحبابُ دون ذلك، وإن كان أَحدُهما صغيراً والآخرُ كبيراً، فخمسٌ مستحبّة، وخمس دونها في الاستحباب، اهـ.
(وإن ماتت فيها حَمامةٌ أو دَجاجةٌ أو سِنورٌ): أي هِرةٌ (نُزِح منها) بعد إخراجِ الواقعِ (ما بين أَربعين دلواً إلى ستين) دلواً، وفي ((الجامع الصَّغير)): أربعون أو خمسون، وهو الأظهر، ((هداية)).
وفي ((الجوهرة)): وفي السنورين والدَّجاجتين والحمامتين يُنزح الماءُ كلُّه، اهـ.
(وإن مات فيها كلبٌ أو شاةٌ أو آدمي نُزِح جميعُ ما فيها)، قيَّدَ بموت الكلب؛ لأنه إذا خَرَجَ حَيّاً ولم يصب فمَه الماء لا ينجس الماء، ((شُرُنبلالي)).
وإذا وصل لعاب الواقع إلى الماء أخذ حكمه: من نجاسة، وشَكّ، وكراهة، وطَهارة.
(وإن انتفخ الحيوان) الواقع (فيها أو تَفَسَّخ) ولو خارجها ثُمّ وَقَعَ فيها، ذكره الواني، وكذا إذا تَمَعَّطَ شعرُه، ((جوهرة))، (نُزِح جميعُ ما فيها) من الماء (صَغُر الحيوان) الواقع (أَو كَبُر) فلا فرق بينهما لانتشار البلّة في أَجزاء الماء، ((هداية)).
(وعددُ الدلاءِ يُعْتَبَرُ بالدلوِ الوسطِ)، وهو (المستعملُ للآبار): أي أكثرُها، (في) أكثرِ (البلدان)؛ لأنّ الأخبارَ وردت مطلقةً، فيُحمل على الأَعمِّ الأغلب،
ولكن قال في ((الهداية)): ثمّ المعتبرُ في كلِّ بئرٍ دلوها التي يستقى بها منها، وقيل: دلوٌ يسعُ صاعاً، اهـ، واختارَه غيرُ واحد.
الجزء 1 · صفحة 30
(فإنّ نزح منها بدلو عظيم) مَرّةً واحدةً (قدر ما يسع عشرين دلواً) مثلاً (من الدلوِ الوسطِ احتسب به): أي بذلك القدر، وقام مقامه؛ لحصولِ المقصودِ مع قلّةِ التَّقاطر.
(وإن كانت البئر معيناً): أي ينبع الماء من أسفلها، بحيث (لا تنزح): أي لا يفنى ماؤها، بل كلَّما نُزِح من أَعلاها نبع من أَسفلها، (و) قد (وَجَبَ نزح) جميع (ما فيها) بوجهٍ من الوجوهِ المارّة (أَخرجوا مقدارَ ما كان فيها من الماء) وقت ابتداء النزح، نقله الحَلَبيُّ عن ((الكافي)).
وطريقُ معرفته: أن يحفرَ حفيرةً بمثل موضع الماء في البئر، ويصبّ فيها ما ينزح من البئر إلى أن تمتلئ، وله طرقٌ أُخرى، وهذا قولُ أبي يوسف - رضي الله عنه -.
(وقد رُوِي عن محمد بن الحسن - رضي الله عنه - أنّه قال: ينزح منها مئتان دلو إلى ثلاثمئة) بذلك أَفتى في آبار بغداد؛ لكثرة مائها بمجاورتها لدجلة، كذا في ((السِّراج)).
وفي قوله: ((مئتا دلو إلى ثلاثمئة)) إشارةٌ إلى أَنّ المئةَ الثالثة مندوبة، ويُؤيِّدُه ما في ((المبسوط)): وعن محمّد - رضي الله عنه - في ((النَّوادر)): ينزح ثلاثمئة دلو أو مائتا دلو، اهـ.
وجعله في ((العناية)) روايةً عن الإمام - رضي الله عنه -، وهو المختار والأيسر، كما في ((الاختيار))، وكأنّ المشايخَ إنّما اختاروا قولَ محمّد - رضي الله عنه - لانضباطه: كالعشر تيسيراً، ((نهر)) باختصار.
(وإذا وُجد في البئر فأرة أو غيرها) ممّا يفسد الماء (ولا يدرون)، ولا غلب على ظنّهم، قُهُستاني، (متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ، أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها) عن حدث، (وغسلوا) الثياب عن خبث، وإلا بأن توضئوا عن غير حدث أو غسلوا ثياب صلاتهم عن غير خبث غسلوا الثياب، و (كلّ شيء أصابَه ماؤها)، ولا يلزمُهم إعادة الصلاة إجماعاً (¬1)، ((جوهرة)).
¬
(¬1) أي إن غسلوا الثياب لا عن نجاسة.
الجزء 1 · صفحة 31
(وإن كانت انتفخت أو تفسَّخت أَعادوا صلاة ثلاثة أيّام ولياليها)، وذلك (في قولِ أبي حنيفة - رضي الله عنه -)؛ لأنّ للموت سبباً ظاهراً، وهو الوقوع في الماء، فيُحال عليه، إلاّ أَنّ الانتفاخَ دليلُ التقادم، فيتقدَّرُ بالثّلاث، وعدمُه دليل قُرْب العهدِ فيُقَدَّرُ بيومٍ وليلة؛ لأنّ ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطُها، ((هداية)).
(وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: ليس عليهم إعادةُ شيءٍ حتى يتحقّقوا متى وَقَعَت)؛ لأنّ اليقينَ لا يُزال بالشكّ، وصار كمَن رأى في ثوبه نجاسة لا يدري متى أَصابته، ((هداية)).
وفي ((التصحيح)): قال في ((فتاوى العتابي)): قولهما هو المختار.
قلت: ولم يُوافق على ذلك، فقد اعتمد قولَ الإمام - رضي الله عنه - البرهانيُّ والنَّسفيُّ والموصليُّ وصدرُ الشريعة، ورُجِّح دليلُه في جميع المصنفات، وصَرَّح في ((البدائع)): أنّ قولَهما قياس، وقولُه هو الاستحسان، وهو الأَحوط في العبادات، اهـ.
(وسؤر الآدمي): أي بقيةُ شربه يقال: إذا شربت فَأسئر: أي أبق شيئاً من الشراب (وما يؤكل لحمه طاهرٌ)، ومنه: الفرس، قال في ((الهداية)): وسؤر الفرس طاهرٌ عندهما؛ لأنّ لحمَه مأكول، وكذا عنده على الصحيح؛ لأنّ الكراهةَ لإظهار شرفه، اهـ. ثمّ السُّؤر الطاهر بمنزلة الماء المطلق.
(وسؤر الكلب والخنزير وسباع البَهائم): وهي كلُّ ذي ناب يصطاد به، ومنه الهِرة البَريّة (نجسٌ) بخلاف الأَهلية؛ لعلّة الطواف كما نَصّ عليه بقوله: (وسؤر الهِرة): أي الأهلية، (والدجاجة المخلاة) لمخالطةِ منقارها النَّجاسة، ومثلُه إبلٌ وبقرٌ جلالةٌ، (وسباع الطير): وهي كلُّ ذي مخلب يصيد به، (وما يسكن البيوت مثل الحَيّة والفأرة) طاهرٌ مُطَهِرٌ، لكنّه (مكروهٌ) استعمالُه تَنْزيهاً في الأَصحِّ إن وُجِدَ غيرُه، وإلا لم يُكره أَصلاً كأَكله لفقير، ((در)).
الجزء 1 · صفحة 32
(وسؤر الحمار والبغل) الذي أُمّه حمارة (مشكوك فيهما): أي في طهورية سؤرهما، لا في طهارته في الأصحّ، ((هداية))، (فإن لم يجد غيرَهما) يتوضّأ به أو يغتسل (توضّأ بهما) أو اغتسل، (وتيمَّم وبأَيهما بدأ جاز) في الأَصَحّ.
بابُ التَّيمم
هو لغة: القصد، وشرعاً: قصد صعيد مُطَهِّر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة.
ولَمَّا بَيَّن الطَّهارةَ الأصليةَ عَقَّبها بخلفِها، وهو التيمُّم؛ لأنَّ الخَلَفَ أَبداً يقفو الأَصل، فقال: (ومَن لم يَجِد الماءَ وهو مسافرٌ أو) كان (خارجَ المصر) و (بينه وبين المصر) الذي فيه الماء (نحو الميل) هو المختار في المقدار، ((هداية)) و ((اختيار)). ومثلُه كان في المصر بينه وبين الماء هذا المقدار؛ لأنّ الشرطَ هو العدم، فأينما تحقَّقَ جاز التيمم، ((بحر)) عن ((الأسرار)).
وإنّما قال: خارج المصر؛ لأنّ المصرَ لا يخلو عن الماء.
والميل في اللغة: منتهى مدّ البصر، وقيل: للأعلام المبنية في طريقِ مكّة أَميال؛ لأنها بُنِيَت كذلك، كما في ((الصحاح)).
والمراد هنا أربعة آلاف خطوة، المعبّر عنها بثلث فرسخ.
قال بعضُهم: أن يكون بحيث لا يسمع الأذان.
وقيل: إن كان الماءُ أَمامَه فميلان، وإن كان خلفَه أو يمينَه أو يسارَه فميل.
وقال زُفر - رضي الله عنه -: إن كان بحالٍ يَصِلُ إلى الماءِ قبل خروجِ الوقت لا يجوز له التيمُّم، وإلاّ فيجوز وإن قَرُب.
وعن أَبي يوسف - رضي الله عنه -: إن كان بحيث إذا ذَهَبَ إليه وتوضَّأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره يجوز له التَّيمم، ((جوهرة)).
وإنّما قال: (أو أَكثر)؛ لأَنّ المسافةَ المذكورةَ إنّما تعرف بالحزر والظَنّ، فلو كان في ظنِّه نحو الميل أو أَقلّ لا يجوز، وإن كان نحو الميل أو أَكثر جاز، ولو تيقّن أنه ميل جاز، ((جوهرة)).
(أو كان يَجد الماءَ إلاّ أنّه مريض) يضرُّه استعمال الماء (فخاف) بغلبة الظنّ، أو قول [طبيب] حاذق مسلم (إن استعمل الماء اشتدّ) أو امتدّ (مرضه.
الجزء 1 · صفحة 33
أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء) البارد (أن يقتلَه البردُ أو يُمْرِضَه، فإنّه يتيمَّمُ بالصَّعيد)، قال في ((الجوهرة)): هذا إذا كان خارجَ المصر إجماعاً، وكذا في المصر أَيضاً عند أَبي حنيفة - رضي الله عنه - خلافاً لهما.
وقيد بالغُسل؛ لأنّ المحدثَ في المصر إذا خاف من التوضّؤ الهلاك من البرد لا يجوز له التيمم إجماعاً على الصحيح، كذا في ((المستصفى))، اهـ.
والصَّعيد: اسم لوجه الأرض، سُمي به لصعودِه.
(والتيمَّمُ ضربتان)، وهما ركنان:
(يمسح بإحداهما) مستوعباً (وجهه، وبالأُخرى يديه إلى المرفقين): أي معهما، قال في ((الهداية)): ولا بُدّ من استيعابٍ في ظاهرِ الرّواية؛ لقيامه مقام الوضوء؛ ولهذا قالوا: يُخلِّلُ الأَصابع، ويَنزعُ الخاتمَ ليتمّ المسح، اهـ.
(والتيمَّمُ من الجنابة) والحيض والنفاس (والحدث سواء) فعلاً ونيّة، ((جوهرة)).
(ويجوز التيمَّمُ عند أَبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -: بكلِّ ما كان من جنسِ الأرض) غيرِ منطبعٍ ولا مترمدٍ: (كالتُّرابِ) قَدَّمَه؛ لأنه مجمعٌ عليه، (والرَّمل، والحَجر، والجِصّ) ـ بكسر الجيم وفتحها ـ ما يُبْنَى به، وهو مُعَرَّب، ((صحاح)): أي الكلس، (والنُّورة) ـ بضم النون ـ حجر الكلس، ثمّ غلبت على أَخلاط تُضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر، ((مصباح))، (والكحل والزِّرنيخ)، ولا يشترط أن يكون عليها غبار، وكذا يجوز بالغبارِ مع القدرةِ على الصَّعيد عند أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم -، ((هداية)).
(وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا يجوز إلا بالتُّراب والرَّمل خاصّة)، وعنه: لا يجوز إلا بالتراب فقط، وفي ((الجوهرة)): والخلاف مع وجود التراب، أمّا إذا عدم فقوله كقولهما.
(والنيّةُ فرضٌ في التيمّم)؛ لأنّ الترابَ ملوثٌ، فلا يكون مُطَهِّراً إلاّ بالنيّة، و (مستحبّة في الوضوء)؛ لأنّ الماءَ مُطَهِّرٌ بنفسِه، فلا يَحتاج إلى نيّةِ التطهير.
الجزء 1 · صفحة 34
(وينقضُ التيمُّم كلُّ شيءٍ ينقضُ الوضوء)؛ لأنه خلفٌ عنه، فأَخَذَ حكمَه.
(وينقضه أيضاً: رؤية الماء إذا قدر على استعماله)؛ لأنّ القدرةَ هي المراد بالوجود، الذي هو غايةٌ لطهوريّة التراب.
وخائفُ العدوِ والسبعِ والعطشِ عاجزٌ حكماً.
والنائمُ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - قادرٌ تقديراً حتى لو مَرَّ النائمُ المتيمّم على الماء بَطَلَ تَيمُّمُه، والمرادُ ماء يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبرَ بما دونه ابتداءً، فكذا انتهاء، ((هداية)).
(ولا يجوز التيمّم إلا بالصَّعيد الطَّاهر)؛ لأنّ الطيّبَ أُريدَ به الطَّاهر؛ ولأنّه آلةُ التطهير، فلا بُدّ من طهارته في نفسه كالماء، اهـ، ((هداية)).
ولا يستعمل التُّراب بالاستعمال، فلو تيمَّم واحدٌ من موضعٍ وتيمّم آخرٌ بعده منه جاز.
(ويستحبّ لمَن لا يجد الماءَ، وهو يرجو أن يجدَه في آخرِ الوقتِ أن يؤخرَ الصَّلاة إلى آخر الوقت) المستحبّ على الصَّحيح، (فإن وَجَدَ الماء توضّأ به وصلّى)؛ ليقع الأداء بأكمل الطَّهارتين، (وإلاّ تيمّم)، ولو لم يؤخر وتيمَّم وصلَّى جاز لو بينه وبين الماء ميل وإلاّ لا، ((در)).
قال الإمام حافظ الدين: هذه المسألةُ تدلُّ على أنّ الصّلاة في أوّل الوقت عندنا أَفضل إلاّ إذا تَضَمَّنَ التَّأخيرَ فضيلةً كتكثيرِ الجماعة، اهـ.
(ويُصلِّى) المتيمّم (بتيممِهِ ما شاء من الفرائضِ والنَّوافل)؛ لأنه طهورٌ حال عَدِم الماء، فيعمل عملَه ما بَقِي شرطُه.
الجزء 1 · صفحة 35
(ويجوز التيمُّمُ للصَّحيح)؛ قَيَّدَ به؛ لأنّ المريضَ لا يَتَقَيّدُ بحضورِ الجنازة، (في المصر) قَيَّدَ به؛ لأنّ الفلواتَ يغلب فيها عدم الماء، فلا يَتَقَيَّدُ بحضورِ الجنازة، (إذا حضرت جنازة والوليُّ غيرُه)، قيَّد به؛ لأنه إذا كان الوليُّ لا يجوز له على الصحيح؛ لأنَّ له حَقُّ الإعادة فلا فوات في حَقِّه، كما في ((الهداية))، (فخاف إن اشتغلَ بالطَّهارة) بالماءِ (أن تفوتَه الصَّلاة، فإنّه يتيمَّمُ ويُصلِّي)؛ لأنها لا تقضى.
(وكذلك مَن حضر) صلاةَ (العيد فخاف إن اشتغلَ بالطّهارة أن تفوتَه صلاةُ العيد، فإنّه يتيمَّمُ ويُصلِّي)؛ لأنّها لا تُقضى أَيضاً.
(وإن خاف مَن شهد الجمعة إن اشتغل بالطَّهارة) بالماء (أن تفوتَه صلاة الجمعة لم يتيمّم)؛ لأنّ لها خلف، (ولكنَّه يتوضّأ، فإن أَدركَ الجمعةَ صلاّها، وإلا): أي لم يدرك الجمعة، (صَلَّى الظهرَ أَربعاً)، قَيَّدَ به؛ لإزالةِ الشبهةِ حيث كانت الجمعةُ خلفاً عن الظُّهر عندنا، فرُبّما تَرِدُ الشبهة على السّامع أنه يُصلِّي ركعتين.
(وكذلك إذا ضاق الوقت فخَشِي إن توضّأ فات الوقت لم يتيمَّم)؛ لأنه يقضي، (ولكنّه يتوضّأ ويُصلّي) إن فات الوقت (فائتة): أي قضاء.
(والمسافرُ إذا نسي الماءَ في رحلِهِ فتيمَّمَ وصَلَّى ثمَّ ذَكَرَ الماءَ) بعد ذلك (في الوقتِ) أو بعده، ((جوهرة))، (لم يعد صلاتَه عند أبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -)؛ لأنه لا قدرةَ بدون العلم، وهي المرادُ بالوجود، ((هداية)).
(وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: يُعيدُها)؛ لأنّ رحلَ المسافر معدنُ الماءِ عادةً، فيفترض الطلب عليه.
والخلاف فيما إذا وَضَعَه بنفسِهِ أو غيرُه بأمره، وإلا فلا إعادة اتفاقاً.
قيَّدَ الذِّكْر بما بعد الصّلاة حيث قال: ثم ذَكَر الماء؛ لأنه إذا ذَكَرَ وهو في الصَّلاة يقطع ويعيد إجماعاً.
الجزء 1 · صفحة 36
وقيَّدَ: بالنِّسيان؛ احترازاً ممّا إذا شَكّ أو ظَنَّ أَنّ ماءَه فَنِي، فصَلَّى بالتيّمم ثمّ وَجَدَه، فإنّه يعيدُ إجماعاً.
وقيَّدَ بقوله: في رحله؛ لأنه لو كان على ظهره، أو مُعلّقاً في عنقه، أو موضوعاً بين يديه، فنسيه وتَيَمَّمَ لا يجوز إجماعاً؛ لأنه نَسِي ما لا يُنْسَى، فلا يُعْتَبَرُ نسيانُه، وكذا لو كان في مؤخرِ الدابّةِ، وهو سائقُها، أو في مقدِّمِها وهو قائدُها، أو راكبُها لا يجوزُ إجماعاً، ((جوهرة)).
(وليس) بلازمٍ (على المتيمّمِ إذا لم يغلب على ظَنِّه أَنّ بقربه ماءً أن يَطْلُبَ الماءَ)، قال في ((الجوهرةِ)): هذا في الفلوات، أَمّا في العمرانِ فيجب الطلب؛ لأنّ العادةَ عدمُ الماءِ في الفَلَوات.
وهذا القولُ يتضمَّن ما إذا شَكَّ وما إذا لم يشكّ، لكن يفترقان فيما إذا شكَّ يُستحبُّ له الطلبُ مقدارُ الغَلوة، ومقدارُها: ما بين ثلاثمئة ذراع إلى أَربعمئة، وإن لم يشكّ يتيمَّم، اهـ.
(فإن غلبَ على ظنِّه أنّ هناك ماء) بأَمارة أو إخبار عدل (لم يجز له أن يتيمّم حتى يطلبَه) مقدار الغلوة، ولا يبلغ ميلاً؛ كيلا ينقطع عن رفقتِه، ((هداية)).
ولو بَعَثَ مَن يطلبه كفاه عن الطلبِ بنفسِه.
وإن تيمّم من غيرِ طلب وصَلَّى ثمّ طلبه فلم يجده وجب عليه الإعادة عندهما خلافاً لأبي يوسف - رضي الله عنه -، ((جوهرة)).
(وإن كان مع رفيقِهِ ماءٌ طلبَه منه قبل أن يتيمَّم)؛ لعدم المنع غالباً، (فإن منعَه تيمَّم وصَلّى)؛ لتحقُّق العجز، ولو تيمَّم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير.
وقالا: لا يجزئه؛ لأنّ الماءَ مبذولٌ عادة، واختاره في ((الهداية)).
ولو أَبَى أن يُعطيه إلا بثمنِ المثل، وعنده ثمنُه لا يُجزئه التيمُّم؛ لتحقُّق القدرةِ، ولا يلزمُه تحملُ الغبنِ الفاحش؛ لأنّ الضَّررَ مسقطٌ، ((هداية)).
باب المسح على الخُفين
الجزء 1 · صفحة 37
عقبه للتيمّم؛ لأنّ كلاً منهما مسحٌ؛ ولأنّ كلاً منهما بدلٌ عن الغَسل، وقَدَّمَ التيمّم؛ لأنه بدلٌ عن الكلّ، وهذا بدلٌ عن البعض.
(المسحُ على الخُفين جائزٌ بالسُنّة) والأخبار فيه مستفيضة، حتى قيل: إن مَن لم يره كان مبتدعاً، ولكن مَن رآه ثمّ لم يمسح آخذاً بالعزيمة كان مأجوراً، ((هداية))، وفي قوله: بالسنة؛ إشارةٌ إلى ردّ القول بأنّ ثبوتَه بالكتاب على قراءة الخفض، (من كلِّ حدثٍ موجبٍ للوضوء) احترازاً عمّا موجبَه الغُسل؛ لأنّ الرُّخصةَ للحرج فيما يَتَكَرَّر، ولا حرج في الجنابة ونحوها.
(إذا لبس الخُفّين على طهارة كاملة ثمّ أَحدث): أي بعد إكمال الطّهارة، وإن لم تكن كاملة عند اللُّبس: كأن غسلَ رجليه ولَبِسَ خفيه، ثمّ أَكْمَلَ الطهارةَ بعده بحيث لم يُحْدث إلا بعد إكمال الطهارة جاز له المسح.
(فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيّام ولياليها ابتداؤها عقيب الحدث)؛ لأن الخفَّ مانعُ سراية الحدث، فتعتبر المدّة من وقت المنع.
(والمسح على الخفّين) محلُّه (على ظاهرِهما)، فلا يجوز على باطنِ الخُفِّ وعقبه وساقه؛ لأنّه مَعدولٌ عن القياس، فيُراعى فيه جميع ما وَرَدَ به الشرع، ((هداية)).
والسُّنةُ أن يكون المسحُ (خطوطاً بالأصابع)، فلو مسح براحته جاز، و (يبدأُ) بالمسح (من رؤوسِ أصابع الرّجل إلى) مبدأِ (الساق) ولو عكس جاز.
(وفرض ذلك) المسح (مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد) طولاً وعرضاً، وقال الكَرْخي - رضي الله عنه -: من أَصابع الرِّجل، والأول أَصَحّ اعتباراً لآلة المسح، ((هداية)).
الجزء 1 · صفحة 38
(ولا يجوز المسحُ على خُفٍّ فيه خرقٌ كبيرٌ) ـ بموحدة أو مثلثة ـ، وهو (ما يبينُ منه مقدار ثلاث أَصابع من) أَصغرِ (¬1) (أصابع الرِّجل)، وهذا لو الخرق على غير أصابعِه وعقبِه، فلو على الأَصابع اعتبر نفسَها ولو كباراً، ولو على العقب اعتبر بدو أكثره (¬2).
ولو لم يُرَ القدر المانع عند المشي لصلابته لم يمنع وإن كثر، كما لو انفتقت الظهارة دون البطانة، ((درّ)).
(وإن كان) الخرقُ (أَقلّ من ذلك) القدر المذكور (جاز) المسح عليها؛ لأنّ الأخفافَ لا تخلو عن قليل الخرق عادة، فيلحقهم الحرجُ في النَّزع، وتخلو عن الكثيرِ فلا حرج، ((هداية)).
(ولا يجوز المسحُ على الخُفَّين لمَن وَجَبَ عليه الغُسل)، والمنفيُّ لا يلزم تصويرُه، فالاشتغالُ به اشتغالٌ بما لا يلزمُ تحصيلُه.
(وينقض المسح) على الخُفّين (ما ينقض الوضوء)؛ لأنه بعضُه.
(وينقضُه أيضاً: نزعُ الخُفّ)؛ لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع، وكذا نزع أَحدهما لتعذّر الجمع بين الغَسل والمسح في وظيفة واحدة.
¬
(¬1) على الصحيح لا ما دونها وصححه في الهداية 1: 29، ومشى عليه في الوقاية ص117، والمراقي ص130، وتحفة الملوك ص40، واعتبر الأصغر للاحتياط. ولو كان الخرقُ طويلاً يدخل فيه ثلاث أصابع الرِّجل إن أُدْخِلَتْ لكن لا يبدو منه هذا المقدار? جاز المسح، ولو كان مضموماً لكن ينفتحُ إذا مَشَى ويظهرُ هذا المقدار لا يجوز. كما في شرح الوقاية ص117.
(¬2) أي العقب اعتبر بدو: أي ظهور أكثره , كذا ذكره قاضي خان وغيره , وكذا لو كان الخرق تحت القدم اعتبر أكثره كما في الاختيار , ونقله الزيلعي عن الغاية بلفظ قيل. قال في البحر: وظاهر البدائع اختيار اعتبار ثلاث أصابع مطلقا , وهو ظاهر المتون كما لا يخفى حتى في العقب , وهو اختيار السرخسي. والقدم من الرجل: ما يطأ عليه الإنسان من الرسغ إلى ما دون ذلك , وهي مؤنثة. والعقب: بكسر القاف مؤخر القدم، كما في رد المحتار1: 274.
الجزء 1 · صفحة 39
(و) ينقضُه أيضاً: (مضي المدّة) المؤقتة له، (فإذا مضت المدّة نزع خفّيه وغسل رجليه) فقط، (وصلّى وليس عليه بقيّة الوضوء)، وكذا إذا نزع قبل المدّة؛ لأنه عند النزع ومضي المدّة يسري الحدث السابق إلى القدمين، فصار كأنّه لم يغسلهما.
وحكم النَّزع يثبت بخروج القدم إلى الساق؛ لأنه معتبر به في حقّ المسح، وكذا بأكثر القدم هو الصحيح (¬1)، ((هداية)).
(وَمَن ابتدأ المسح، وهو مقيم فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيّام ولياليها)؛ لأنه حكمٌ متعلِّقٌ بالوقت، فيعتبرُ فيه آخره، بخلاف ما إذا استكمل المدّة، ثمّ سافر؛ لأنّ الحدثَ قد سَرَى إلى القَدَم، والخُفُّ ليس برافع، ((هداية)).
¬
(¬1) ذكر صدر الشريعة في الوقاية 1: 75 أن لفظ القدوري: ((أكثر القدم))، وهو المروي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وصحّحه صاحبُ الهداية1: 29، والدر المختار1: 184، وبه جزم في الكنز ص6، والملتقى ص7، ومشى عليه في تحفة الملوك ص40؛ لأنّ فيه الاحترازَ من خروج أقلّ القدم لما فيه من الحرج كما في الخف الواسع، ولا حرج في الأكثر، وتَنْزيلاً للأكثر منزلة الكل.
والثاني: خروج أكثر العقب إلى الساق، وهو مروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن بقاءَ المسح لبقاء محلّ الغسل في الخفّ، وبخروج أكثر العقب إلى الساق الذي هو في حكم الظاهر لا يبقى محلّ الغسل فيه، وأيضاً: لا يمكن معه متابعة المشي المعتاد، قال القاري في فتح باب العناية1: 197: وهو الأحوط. واختاره في الوقاية ص75، وصدر الشريعة في شرح الوقاية 1: 76، والنقاية ص9، وصاحب الفتح 1: 136، والبدائع1: 13.
وعند محمد - رضي الله عنه - إن بقي في محل المسح مقدار ما يجوز المسح عليه ـ يعني ثلاث أصابع ـ لا ينتقض المسح وإلا انتقض؛ لأن خروج ما سوى قدر المسح كلا خروج، وعليه أكثر المشايخ. كما في رد المحتار1: 184.
الجزء 1 · صفحة 40
(ومَن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام) بأن دخل مصره أو نوى الإقامة في غيره، (فإن كان) استكمل مدّة الإقامة بأن كان (مسح يوماً وليلة أو أكثر لزمه نزع خُفّيه وغسل رجليه)؛ لأن رخصةَ السَّفر لا تبقى بدونه، (وإن كان) لم يستكمل مدّة الإقامة بأن كان (مسحَ أَقلّ من يومٍ وليلةٍ تمَّمَ مسحَ يوم وليلة)؛ لأنّها مدّةُ الإقامة، وهو مقيم.
(ومَن لبس الجرموق): وهو ما يلبس فوق الخُفّ، والجمعُ الجراميق مثل عصفور وعصافير، ((مصباح))، ويقال له: المُوق، (فوق الخُفّ مسحَ عليه) (¬1)، بشرط لبسه على طهارة، وكونه لو انفرد جاز المسح عليه، بخلاف ما إذا لبسه بعدما أحدث، أو كان من كرباس، أو فيه خرقٌ مانع فلا يصحّ.
(ولا يجوز المسح على الجوربين) رقيقين كانا أو ثخينين (عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إلا أن يكونا مجلّدين): أي جعل الجلد على ما يستر القدم منهما إلى الكعب، (أو منعلين): أي جعل الجلد على ما يلي الأَرض منهما إلى الكعب: كالنَّعل للرِّجل.
(وقال أبو يوسف ومُحمَّد - رضي الله عنهم -: يجوز المسح على الجوربين) سواء كانا مُجلَّدين أو مُنعلين أو لا (إذا كانا ثخينين) بحيث يستمسكان على الرجل من غير شدّ، و (لا يَشفّان الماء) إذا مسحَ عليهما: أي لا يجذبانه ويُنفذانه إلى القدمين، وهو تأكيدٌ للثخانة، قال في ((التصحيح)): وعنه أنّه رجعَ إلى قولهما وعليه الفَتوى، ((هداية))، اهـ.
¬
(¬1) فعن أبي عبد الرحمن السلمي - رضي الله عنه -: (أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالاً عن وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه) في سنن أبي داود 1: 86، والمستدرك 1: 276، وصححه. وعن أبي قلابة - رضي الله عنه - قال: ((مسح بلال على موقيه)) في المعجم الكبير 1: 362، ومصنف عبد الرزاق1: 187.
الجزء 1 · صفحة 41
وحاصله ـ كما في ((شرح الجامع)) لقاضي خان ـ ونصّه: ولو مسح على الجوربين، فإن كانا ثخينين منعلين جاز بالاتفاق، وإن لم يكونا ثخينين مُنعلين لا يجوز بالاتفاق، وإن كانا ثخينين غير منعلين لا يجوز في قولِ الإمام - رضي الله عنه - خلافاً لصاحبيه، ورُوِي أَنّ الإمامَ رَجَعَ إلى قولِهما في المرضِ الذي مات فيه، اهـ.
(ولا يجوز المسحُ على العِمامة والقَلَنْسُوة) ـ بفتح القافِ وضمِّ السِّين ـ: وهي في الأصلِ ما يجعلُه الأعاجمُ على رؤوسهم أكبرُ من الكوفيّة، ثمّ أُطلق على ما تدار عليه العِمامة، (والبُرْقع): ما تجعله المرأة على وجهها، (والقُفَّازين) تثنية قُفَّاز ـ كعُكَّاز ـ: ما يجعله على اليدين له أزرار تُزَرُّ على الذراعين، يُلبسان من شدّة البرد، ويتخذُه الصيّادُ من جلد أو لِبْد يغطي به الكفّ والأصابع اتّقاء مخالبَ الصَّقر؛ وذلك لأنّ المسحَ على الخُفّ ثَبَت بخلافِ القياس فلا يُلْحَقُ به غيرُه.
(ويجوز المسحُ على الجبائر) جمع جبيرة: وهي عيدانٌ تلفُّ بخرقٍ أو ورقٍ، وتربط على العضو المنكسر، (وإن شدَّها على غيرِ وضوءٍ) أو جنباً؛ لأنّ في اشتراطِ الطَّهارةِ في تلك الحال حرجاً، وهو مدفوعٌ؛ ولأنَّ غسلَ ما تحتها قد سَقَطَ وانتقلَ إليها، بخلاف الخُفّ.
(فإن سَقَطَت عن غيرِ بُرء لم يبطل المسح)؛ لأنّ العذرَ قائم، والمسح عليها كالغَسل لما تحتها ما دام العذر باقياً، (وإن سقطت عن برء بطل المسح)؛ لزوال العذر وإن كان في الصَّلاة استقبل؛ لأنه قَدِرَ على الأَصل قبل حصولِ المقصود بالبدل، ((هداية)).
باب الحيض
لَمَّا ذكرَ الأحداثَ التي يكثرُ وقوعُها عقَّبَها بذكر ما يقلّ، وعنونَ بالحيض لكثرته وأصالته، وإلاّ فهي ثلاثة: حيض ونفاس واستحاضة.
فالحيض: لغة السّيلان.
وشرعاً: دم من رحم امرأة سليمة عن داء.
الجزء 1 · صفحة 42
(أقلّ الحيض ثلاثة أيّام ولياليها) الثلاث، فالإضافةُ لبيان العدد المقدّر بالساعات الفلكية، لا للاختصاص، فلا يلزم كونها ليالي تلك الأيام، فلو رأته في أَوّل النّهار تكمل كلّ يوم بالليلة المستقبلة، (وما نقص عن ذلك فليس بحيض، و) إنّما (هو استحاضة)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَقلُّ الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيّام ولياليها، وأَكثرُه عشرة أيّام)).
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: يومان وأَكثر الثالث إقامةً للأَكثر مقام الكلّ.
قلنا: هذا نقصٌ عن تقدير الشرع، ((هداية)).
(وأكثره عشرة أيّام و) عشر (لياليها وما زاد على ذلك، فهو استحاضة)؛ لأنّ تقديرَ الشرع يمنع إلحاق غيره به.
(وما تراه المرأةُ من الحمرة) والسواد إجماعاً (والصفرة والكُدْرة) والتُّرْبيَّة على الأصحّ، (في أيّام الحيض فهو حيض، حتى ترى البياض الخالص)، قيل: هو شيءٌ يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض. وقيل: هو القطنُ الذي تختبر المرأة نفسها إذا خرج أبيض، فقد طهرت، ((جوهرة)).
(والحيض يسقط عن الحائض الصَّلاة)؛ لأنّ في قضائها حرجاً لتضاعفها، (ويُحَرِّمُ عليها الصّوم)؛ لأنه يُنافيه، ولا يسقطُه؛ لعدم الحرج في قضائه.
ولذا قال: (وتقضي): أي الحائض والنُّفساء (الصّوم، ولا تقضي الصّلاة، ولا تدخل) الحائض، وكذا النُّفساء والجنب (المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها)؛ لحرمة ذلك كلّه.
(ولا يجوز لحائض)، ولا نُفساء، (ولا جنب قراءة القرآن)، وهو بإطلاقه يعمّ الآية وما دونها، وقال الطحاوي - رضي الله عنه -: يجوز لهم ما دون الآية، والأوّل أصحّ.
قالوا: إلا أن لا يقصد بما دون الآية القراءة مثل أن تقول: الحمد لله، يريد الشكر، أو بسم الله عند الأكل أو غيره، فإنه لا بأس به؛ لأنّهما لا يمنعان من ذكر الله - جل جلاله -، ((جوهرة)).
الجزء 1 · صفحة 43
(و) كذا (لا يجوز) لهم، ولا (لمحدث مسّ المصحف)، ولا حملُه، (إلاّ أن يأخذه بغلافه) المتجافي: كالجراب والخريطة، بخلاف المتّصل به: كالجلد المُشَرَّز، هو الصحيح.
وكذا لا يجوز له وضع الأصابع على الورق المكتوب فيه؛ لأنه تبع له.
وكذا مسّ شيء مكتوب فيه شيء من القرآن من لوح، أو درهم، أو غير ذلك إذا كان آيةً تامّةً، إلا بصرّته.
وأمّا كتب التفسير فلا يجوز له مسّ موضع القرآن منها، وله أن يمسَّ غيرَه بخلاف المصحف؛ لأنّ جميعَ ذلك تبعٌ له، والكلُّ من ((الجوهرة)).
(وإذا انقطع دم الحيض لأقلّ من عشرة أَيام) ولو لتمام عادتها (لم يجز): أي لم يَحِلّ (وطؤها حتى تغتسل) أو تتيمَّمَ بشرطِه وإن لم تصلّ به في الأصحّ، ((جوهرة))، (أو يمضي عليها وقتُ صلاةٍ كاملٍ)، بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغُسل ولبس الثياب والتحريمة، وخرج الوقت ولم تصلّ؛ لأنّ الصّلاةَ صارت ديناً في ذمَّتِها فطَهُرَت حكماً.
ولو انقطع الدم لدون عادتها فوقَ الثلاثَ لم يقربها حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت؛ لأنّ العودَ في العادة غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب، ((هداية)).
(فإن انقطعَ دمُها لعشرة أيّام جاز وطؤها قبل الغُسل)؛ لأنّ الحيضَ لا مزيد له على العشرة، إلاّ أنّه لا يُسْتَحَبّ قبل الغُسل للنهي في القراءة بالتشديد، ((هداية)).
(والطُّهرُ إذا تَخَلَّلَ بين الدّمين في مدّة الحيض، فهو كالدم الجاري) المتوالي، وهذا إحدى الروايات عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ووجهه: استيعاب الدم مدّة الحيض ليس بشرط بالإجماع، فيعتبر أوله وآخره كالنِّصاب في الزكاة.
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - وهو روايةٌ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وقيل: هو آخر أقواله: إن الطهرَ إذا كان أقلَّ من خمسة عشر يوماً لا يفصل، وهو كالدم المتوالي؛ لأنه طهرٌ فاسد، فيكون بمنزلةِ الدَّم، والأخذُ بهذا القول أيسر، ((هداية)).
الجزء 1 · صفحة 44
قال في ((السِّراج)): وكثيرٌ من المتأخرين أَفتوا به؛ لأنه أَسهل على المفتي والمستفتي، وفي ((الفتح)): وهو الأَولى.
(وأقلُّ الطُّهر) الفاصل بين الحيضتين أو النفاس والحيض، (خمسة عشر يوماً) وخمس عشرة ليلة، وأمّا الفاصلُ بين النفاسين، فهو نصفُ حول، فلو كان أقلّ من ذلك كانا توأمين، والنفاس من الأوّل فقط، (ولا غاية لأكثره) وإن استغرق العمر، ((قُهُسْتاني)).
(ودم الاستحاضة) و (هو ما تراه المرأةُ أقلّ من ثلاثةِ أَيّام، أو أَكثر من عشرةِ أَيّام) في الحيض، أو أكثر من أربعين في النِّفاس، وكذا ما زاد على العادة وجاوزَ أكثرَهما كما يأتي بعده، وما تراه صغيرة وحامل وآيسة مخالفاً لعادتها قبل الإياس.
(فحكمه حكم الرُّعاف) الدائم (لا يمنع الصَّوم، ولا الصَّلاة، ولا الوطء)؛ لحديث: ((توضئي وصلِّي وإن قطر الدم على الحصير))، وإذا عُرِف حكمُ الصَّلاة عُرِف حكم الصَّوم والوطء بالأَولى؛ لأَنّ الصَّلاة أَحوج إلى الطَّهارة.
(وإذا زاد الدم على عشرة أيّام وللمرأة عادة معروفة ردَّت إلى عادتها) المعروفة (وما زاد على ذلك فهو استحاضة)، فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة.
قيد بالزيادة على العشرة؛ لأنه إذا لم يتجاوز العشرة يكون المرئي كلّه حيضاً، وتنتقل العادة إليه.
(وإن ابتدأتُ) المرأةُ (مع البلوغ مستحاضة) واستمرّ بها الدم، (فحيضها عشرة أيّام من كلّ شهر) من أول ما رأت، (والباقي): أي عشرون يوماً (استحاضة)، وهكذا دأبها: عشرةُ حيضٌ وعشرون استحاضة، وأربعون نفاس حتى تطهر أو تموت، قال السَّرَخسيُّ في ((المبسوط)): المبتدأة حيضها من أوّلِ ما رأت عشرة، وطهرُها عشرون إلى أن تموت أو تطهر، اهـ. ومثله في عامّة المعتبرات، ونقل العلامةُ نوح أفندي الاتفاق عليه فما نقله الشُّرُنْبلاليّ في ((شرح مختصره)) خلاف الصحيح، فتنبّه.
الجزء 1 · صفحة 45
وإن كانت الممتدّةُ الدم معتادة رُدِّت لعادتها حيضاً وطهراً، إلا إذا كانت عادتُها في الطهر ستّة أشهر فأكثر، فتردُّ إلى ستّة أَشهر إلا ساعة فرقاً بين الطُّهر والحبل، وإن نسيت عادتَها، فهي المحيَّرة، والكلامُ عليها مستوفَّى في المطولات، وقد استوفينا الكلام عليها في رسالتنا في الدماء المسمّاة بـ ((المطالب المستطابة في الحيض والنفاس والاستحاضة))، فمَن رام استيفاء الكلام وشفاء الأوام، فعليه بها، فإنها وافية المرام.
(والمستحاضة، ومَن) بمعناها كمَن (به سلس البول، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ) دمه: أي لا يسكن، واستطلاق البطن، وانفلات الريح، ودمع العين إذا كان يخرج عن علّة، وكذا كُلُّ ما يخرج عن علِّة ولو من أُذن أو ثدي أو سرّة، (يتوضئون لوقت كلّ صلاة) مفروضة، حتى لو توضّأ المعذور لصلاة العيد له أن يُصلِّي الظهر به عندهما، وهو الصحيح، ((هداية)).
(فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاؤوا من الفرائض) والواجبات أداء وقضاء (والنوافل، فإذا خرجَ الوقت بطل وضوؤهم): أي ظهر الحدث السابق، (وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أُخرى).
ولا يبطل وضوؤهم قبل خروج الوقت، إلاّ إذا طرأ حدثٌ آخر مخالفٌ لعذرهم.
وإنما قلنا: ظهر الحدث السابق؛ لأن خروجَ الوقت ليس بناقض، لكن لَمَّا كان الوقت مانعاً من ظهور الحدث دفعاً للحرج، فإذا خرج زال المانع، فظهر الحدث السابق، حتى لو توضّأ المعذور على انقطاع ودام إلى خروجِ الوقت لم يبطل لعدم حدث سابق.
ثم يشترط لثبوت العذر أن يستوعبَ العذر تمام وقت صلاة مفروضة، وذلك بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضّأ ويُصلِّي فيه خالياً عن العذر، ولو بالاقتصار على المفروض، وهذا شرطُ ثبوت العذر في الابتداء.
ويكفي في البقاء في كلِّ وقت ولو مرّة.
وفي الزّوال يشترط استيعاب الانقطاع وقتاً كاملاً، بأن لا يوجد في جزء منه أصلاً.
الجزء 1 · صفحة 46
تنبيهٌ: لا يجب على المعذورِ غسلُ الثَّوب ونحوِه إذا كان بحالٍ لو غَسَلَه تَنَجَّسَ قبل الفَراغ من الصَّلاة.
خاتمة: يجب رَدّ عذر المعذور إن كان يرتدّ، وتقليله بقدرِ الإمكان إن كان لا يرتدّ، قال في ((البحر)): ومتى قدر المعذور على ردّ السيلان برباط أو حشو أو كان لو جلس لا يسيل ولو قام سال، وجَبَ ردُّه، وخرج عن أن يكون صاحبَ عذر، ويجب عليه أن يُصلِّي جالساً بالإيماء إن كان يسيلُ بالميلان؛ لأنّ ترك السُّجود أَهون من الصَّلاة مع الحدث، اهـ.
(والنفاس: هو الدم الخارج عقيب الولادة)، ولو بخروج أكثر الولد ولو متقطعاً: عضواً عضواً.
(والدمُ الذي تراه) المرأة (الحامل، وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج الولد) أو أكثره (استحاضة) فتتوضّأ إن قدرت أو تتيمَّم وتومئ بصلاة، ولا تؤخر، فما عذر الصحيح القادر؟ ((در)).
(وأَقَلُّ النِّفاس لا حَدّ له)؛ لأنّ تَقَدُّمَ الولد علامةُ الخروج من الرّحم، فأَغنى عن امتدادٍ يجعل علماً عليه، بخلاف الحيض، (وأكثرُه أربعون يوماً)؛ لحديث التِّرْمِذِيّ، وغيره، (وما زاد على ذلك، فهو استحاضة) لو مبتدأة.
وأمّا المُعْتادة فحكمُها كما ذكره بقوله: (وإذا تجاوز الدم الأربعين، وقد كانت هذه المرأةُ ولدت قبل ذلك، ولها عادةٌ في النِّفاس رُدِّت إلى أَيّام عادتها)، فتقضي ما تركت من الصَّلاة بعد العادة، كما مَرّ في الحيض.
(وإن لم تكن لها عادة) معروفة (فابتداءُ نفاسها أربعون يوماً)؛ لأنه ليس لها عادة تُرَدُّ إليها فأخذ لها بالأكثر؛ لأنه المتيقّن.
(ومَن وَلَدَتْ ولدين) أو أَكثر (في بَطَن): أي حملٍ (واحدٍ)، وذلك بأن يكون بينهما أَقلّ من ستةِ أَشهر.
ولو ولدت أولاداً بين كلّ ولدين أقلّ من ستّة أشهر، وبين الأوّل والثالث أكثر، جعله بعضُهم من بطن واحد منهم أبو علي الدقاق، ((قُهُستاني))، قال في ((الدر)): وهو الأصحّ.
الجزء 1 · صفحة 47
(فنفاسُها ما خرج من الدم عقيب الولد الأوّل عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -)؛ لأنه ظهرَ انفتاح الرحم، فكان المرئيُّ عقيبه نفاساً، ثمّ ما تراه عقيب الثاني إن كان قبل الأربعين، فهو نفاس للأول لتمامها، واستحاضة بعدها، فتغتسل وتُصلِّي، وهو الصحيح، ((بحر)) عن ((النَّهاية)).
(وقال مُحمّد وزفر - رضي الله عنهم -: نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثّاني)؛ لأنّ حكمَ النفاس عندهما تعلَّق بالولادة كانقضاء العدّة، وهي بالأخير اتفاقاً، قال في ((التصحيح)): والصحيح هو القولُ الأوَّل، واعتمده الأئمةُ المصحِّحون.
بابُ الأنجاس
لَمَّا فَرَغَ من بيان النجاسة الحكمية والطهارة عنها، شَرَعَ في بيان الحقيقية ومزيلها، وتقسيمها، ومقدار المعفو عنه منها، وكيفية تطهير محلِّها.
وقُدِّمت الأُولى؛ لأنّها أَقوى؛ إذ بقاء القليل منها يمنع جواز الصَّلاة بالاتفاق.
والأنجاس: جمع نجِس ـ بكسر الجيم ـ كما ذكرَه تاج الشريعة - رضي الله عنه -، لا جمع نَجَس ـ بفتحتين ـ كما وقع لكثير؛ لأنه لا يجمع، قال في ((العباب)): النجس: ضدّ الطّاهر، والنَّجاسة: ضدُّ الطَّهارة، وقد نَجِس ينجَس كسَمِع يَسْمَع، وكَرُم يَكْرُم، وإذا قلت: رجلٌ نَجِس ـ بكسر الجيم ـ ثنيت وجمعت، وبفتحها لم تثن ولم تجمع، وتقول: رجلٌ ورجلان ورجال وامرأة ونساء نجَس، اهـ. وتمامه في ((شرح الهداية)) للعَيْنِيّ - رضي الله عنه -.
(تطهيرُ النَّجاسة): أي محلّها (واجب): أي لازم (من بدن المصلّي وثوبه والمكان الذي يُصلّي عليه)؛ لقوله - جل جلاله -: {وثيابك فطهر}، وإذا وجب تطهير الثوب وجب في البدن والمكان؛ لأنّ الاستعمالَ في حال الصّلاة يشمل الكلّ.
الجزء 1 · صفحة 48
(ويجوز تطهيرُ النجاسة بالماء، وبكلّ مائع) ـ أي سائل ـ (طاهر) قالع للنجاسة، كما عَبَّرَ عنه بقوله: (يمكن إزالتها به)، بأن ينعصرَ بالعصر، وذلك (كالخَلَّ، وماء الورد)، والماء المستعمل، ونحو ذلك: كالمستخرجِ من البقول؛ لأنه قالعٌ ومزيلٌ، والطهورية بالقلع، والإزالة للنجاسة المجاورة، فإذا انتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهراً، بخلاف نحو لبن وزيت؛ لأنه غيرُ قالع.
(وإذا أَصابت الخفَّ) ونحوَه: كنعلٍ (نجاسةٌ لها جِرم) ـ بالكسر ـ الجسد، والمرادُ به كلُّ ما يُرَى بعد الجَفاف: كالرَّوث والعذرة والمَني، ولو من غيرِها: كخمر وبول أصابه تراب، به يفتي، ((در))، (فجَفَّتِ) النجاسة (فدلكه): أَي الخُفَّ ونحوَه (بالأرض) ونحوها (جاز)؛ لأنّ الجلد لصلابته لا تتداخله أجزاء النجاسة إلا قليل، ثمّ يجتذبه الجرم إذا جَفّ، فإذا زال زال ما قام به.
وفي الرَّطبِ لا يجوز حتى يغسلَه؛ لأنّ المسحَ بالأرضِ يُكْثرُه ولا يُطَهِرُه، ((هداية)).
(والمَنِيُّ نَجِسٌ) نجاسةً مغلَّظةً (يجب غسلُ رطبه، وإذا جَفَّ على الثَّوب) ولو جديداً مُبطناً، وكذا البدنُ في ظاهرِ الرِّواية (أَجزأ فيه الفرك)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: ((فاغسليه إن كان رطباً، وافركيه إن كان يابساً)).
(والنَّجاسةُ إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما) بما يزول به أثرُها، ومثلهما كلُّ صقيل لا مسام له: كزجاجٍ وعظمٍ وآنيةٍ مدهونةٍ وظفرٍ؛ لأنه لا يداخلُه النجاسة، وما على ظاهرِه يزول بالمسح.
الجزء 1 · صفحة 49
(وإذا أَصابت الأرضَ نجاسةٌ فجَفَّت بالشَّمس) أو نحوها، قال في ((الجوهرة)): التقييدُ بالشمسِ ليس بشرطٍ بل لو جَفَّت بالظلِّ فالحكمُ كذلك، اهـ. (وذهب أثرُها)، الأثرُ: اللونُ والطَّعمُ والرَّائحة، (جازت الصَّلاةُ على مكانِها، و) لكن (لا يجوز التيمُّمُ منها)؛ لأنّ المشروطَ للصّلاة الطّهارة، وللتيمّم الطُّهورية، وحكم آجر مفروش وشجر وكلأ قائمين في الأرض كذلك، فيطهر بالجفاف.
(ومَن أَصابه من النجاسة المغلّظة: كالدّم والبول) من غيرِ مأكولِ اللحم، ولو من صغير لم يَطْعَم، (والغائط والخمر)، وخرء الطير لا يزرق في الهواء: كدجاج، وبطّ، وإوز، (مقدار الدِّرهم فما دونه جازت الصّلاة معه): لأنّ القليلَ لا يُمْكِنُ التحرُّزَ عنه، فيُجعل عفواً، وقدَّرناه بقدرِ الدرهم أَخذاً عن موضعِ الاستنجاء، (فإن زاد) عن الدِّرهم (لم تجز) الصّلاة، ثم يُرْوَى اعتبار الدرهم من حيث المساحة، وهو قَدْرُ عرض الكفّ في الصحيح، ويُرْوَى من حيث الوزن، وهو الدرهم الكبير، المثقال.
وقيل في التوفيق بينهما: إن الأُولى في الرقيق، والثانية في الكثيف، وفي ((الينابيع)): وهذا القول أَصحّ، وفي ((الزَّاهدي)): قيل: هو الأَصحّ، واختاره جماعةٌ، وهو أَولى لما فيه من إعمال الرِّوايتين مع مناسبة التوزيع.
(وإن أصابته نجاسة مخفّفة: كبول ما يؤكل لحمه)، ومنه الفرس، وقيد بالبول؛ لأنّ نجاسةَ البعر والروث والخِثى غليظٌ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: خفيفة.
قال الشُّرُنْبلالي - رضي الله عنه -: وهو الأظهر؛ لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها.
وطهَّرها محمدٌ - رضي الله عنه - آخراً، وقال: لا يمنع الرَّوث وإن فَحُش لَمَّا رأى من بلوى النّاس من امتلاءِ الطُّرقِ والخاناتِ بها لَمَّا دخل الريّ مع الخليفة، وقاس المشايخ عليه طين بُخارا؛ لأنّ ممشى النّاس والدواب واحد، اهـ.
الجزء 1 · صفحة 50
(جازت الصَّلاة معه ما لم يبلغ ربعَ) جميع (الثَّوب)، يُرْوَى ذلك عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنّ التقديرَ فيه بالكثير الفاحش، والربعُ ملحق بالكلّ في حقِّ بعض الأحكام، ((هداية))، وصحَّحَه في ((المبسوط)) وهو ظاهرُ ما مَشَى عليه أَصحابُ المتون.
وقيل: ربع الموضع الذي أَصابه كالذيل والكم والدخريص إن كان المصابُ ثوباً، وربع العضو المصاب: كاليد والرِّجل إن كان بدناً، وصحَّحه في ((التحفة)) و ((المحيط)) و ((المجتبى)) و ((السراج))، وفي ((الحقائق)): وعليه الفتوى.
وقيل: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، قال الأقطع: وهذا أصحّ ما روى فيه، اهـ.
فقد اختلف التصحيح كما ترى، لكن ترجَّح الثاني بأن الفتوى عليه، وهو الأحوط، فتنبَّه.
قال في ((الفتح)): وقوله ـ يعني صاحب ((الهداية)) ـ؛ لأنّ التقدير فيه بالكثير الفاحش يفيد أن أصلَ المروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ذلك على ما هو دأبه في مثله من عدم التقدير، فما عُدَّ فاحشاً مَنَع وما لا فلا، اهـ.
وإنّما عدلوا عن التعبير بالكثير الفاحش إلى التقدير بالرَّبع تيسيراً على النَّاس سيما مَن لا رأي له من العوام، كما مَرَّ على نظيره الكلام، وبه ظهر الجواب عَمَّا إذا أَصاب الثوب أو البدن من النجس المُخَفَّف المتجسِّد مقدار كثير إلا أنه لتراكمه لا يبلغ الربع، فهل يمنع؟ وما القدر المانع؟
ولا شكّ أنه إذا كان كثيراً فاحشاً يمنع وإن لم يبلغ الربع لتراكمه؛ لما علمت أنه أصل المروي عن الإمام - رضي الله عنه -، ويُحدُّ القدرُ المانع فيه تيسيراً، بأنه إن كان بحيث لو كان مائعاً بلغ الربع مَنَع، وإلا فلا.
(وتطهير) محلّ (النجاسة التي يجب غسلها على وجهين)؛ لأَنَّ النَّجاسةَ إمّا أن تكونَ لها عينٌ مرئيةٌ أو لا، (فما كان له منها عينٌ مرئية): كالدّم (فطهارتُها): أي النَّجاسة، والمراد محلّها (زوال عينها)، ولو بمرّة على الصحيح.
الجزء 1 · صفحة 51
وعن الفقيه أبي جعفر - رضي الله عنه -: أنه يغسل مَرَّتين بعد زوالِ العينِ إلحاقاً لها بغير مَرئية غُسِلَت مَرَّة، (إلا أن يبقى من أثرِها) كلونٍ أو ريحٍ (ما يشقُّ إزالتُه)، فلا يَضُرُّ بقاؤه، ويُغْسَلُ إلى أن يصفو الماء على الرَّاجح.
والمشّقةُ: أن يُحتاجَ في إزالته إلى غيرِ الماء القَراح: كحرض أو صابون أو ماء حار.
(وما ليس له عينٌ مرئية): كالبول (فطهارتُها أن يغسل): أي محلّ النجاسة (حتى يغلب على ظنِّ الغاسل أنّه) ـ أي المحلّ ـ (قد طَهُر)؛ لأنّ التكرارَ لا بُدّ منه للاستخراج، ولا يقطع بزواله، فاعتبر غالب الظنّ، كما في أمر القبلة.
وإنّما قدَّروا بالثلاث؛ لأنّ غالبَ الظنِّ يحصل عنده، فأُقيم السببُ الظاهر مقامه تيسيراً، ويتأيّد ذلك بحديث: ((المستيقظ من منامه))، ثمّ لا بُدّ من العصر في كلِّ مَرَّة في ظاهر الرّواية؛ لأنه هو المستخرج، ((هداية)).
(والاستنجاءُ سنّة) مؤكّدةٌ للرِّجال والنِّساء (يجزئ فيه) لإقامة السنّة (الحجرُ وما قام مقامه) من كلِّ عينٍ طاهرةٍ قالعةٍ غيرِ محترمة، ولا متقوّمة: كمَدَر، (يمسحه): أي المخرج (حتى يُنقيه)؛ لأنّ المقصودَ هو الإنقاء، فيعتبر ما هو المقصود.
(وليس فيه): أي الاستنجاء (عددٌ مسنونٌ)، بل مُستحبٌّ، فيستحبُّ الثلاث إن حَصَلَ التنظيف بما دونها وإلاّ جعلها وتراً.
(وغسله): أي المخرج (بالماء) بعد الإنقاء بالحجر أَوّلاً (أفضل) إذا كان بلا كشف عورة عند مَن يراه، أمّا معه فيتركه؛ لأنه حرام يفسق به فلا يرتكبه لإقامة الفضيلة.
(فإن تجاوزت النَّجاسة مخرجَها)، وكان المتجاوزُ بانفرادِه؛ لسقوط اعتبار ذلك الموضع أكثر من الدرهم (لم يجز فيه): أي في طهارته، (إلا الماء)، أو المائع، ولا يطهر بالحجر؛ لأنه من باب إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن.
الجزء 1 · صفحة 52
(ولا يستنجي بعظم ولا بروث)؛ لورود النهي عنه، (ولا بطعام) لآدمي، أو بهيمة؛ لأنه إتلاف وإهانة، (ولا بيمينه)؛ لورود النهي عنه أيضاً، إلاّ من عذرٍ باليُسرى يَمنعُ الاستنجاءَ بها.
كتاب الصّلاة
شروع في المقصود بعد بيانِ الوسيلة.
والصّلاةُ لغة: الدُّعاء، قال الله - جل جلاله -: {وصل عليهم}: أي ادع لهم.
وشرعاً: الأفعالُ المخصوصةُ المفتتحةُ بالتكبير، المختتمةُ بالتسليم، وهي فرضُ عين على كلِّ مُكلَّف، ولكن يؤمر بها الأَولاد لسبع سنين، وتُضْرَبُ عليها لعشر بيد لا بخشبة.
ويَكْفُرُ جاحدُها، وتاركُها عمداً كسلاً يُحْبَس، ويُضْرَب حتَّى يُصلِّي.
(أَوّل وقت الفجر) قَدَّمَه لعدم الخلاف في طرفيه، بخلاف غيرِه كما سنقف عليه، (إذا طلع الفجر الثاني) المسمَّى بالصادق (وهو البياض المعترض في الأُفق)، بخلاف الأوّل المُسمَّى بالكاذب، فإنه يخرج مستطيلاً في الأفق، ثمّ تَعْقُبُه ظلمة.
والأُفق: واحد الآفاق، وهي أطرافُ السَّماء.
(وآخر وقتها ما لم تطلع الشَّمس): أَي قبيل طلوعها.
(وأَوّل وقتِ الظُّهر إذا زالت الشَّمس) عن كبد السماء، (وآخر وقتها عند أَبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا صار ظلُّ كلّ شيء مثليه سوى فيء الزَّوال): أي الفيء الذي يكون وقت الزَّوال.
الجزء 1 · صفحة 53
هذا ظاهر الرواية عن الإمام - رضي الله عنه -، ((نهاية))، وهي روايةُ محمّد - رضي الله عنه - في ((الأَصل))، وهو الصحيح، كما في ((الينابيع)) و ((البدائع))، و ((الغاية)) و ((المنية)) و ((المحيط))، واختاره بُرهان الشريعة المُحبوبيّ، وعوَّل عليه النَّسفي، ووافقه صدر الشريعة، ورَجَّح دليلَه، وفي ((الغياثية)): وهو المختار، واختاره أَصحابُ المتون، وارتضاه الشارحون، وقد بسط دليلَه في ((معراج الدراية))، ثم قال: والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أَوْلى؛ إذ هو وقت العصر بالاتفاق، فيكون أجود في الدين لثبوت براءة الذمّة بيقين؛ إذ تقديم الصّلاة على الوقت لا يجوز بالإجماع، ويجوز التأخير وإن وقعت قضاء، اهـ.
(وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -): آخر وقتها (إذا صار ظلّ الشيء مثله) سوى فيء الزوال، فإنّه مستثنى على الرِّوايتين جميعاً، وهو روايةٌ عنه أَيضاً، وبه قال زفر والأئمة الثلاثة، قال الطحاوي - رضي الله عنه -: وبه نأخذ، وفي ((غرر الأذكار)): وهو المأخوذ به، وفي ((البُرهان)): وهو الأظهر؛ لبيان إمامة جبريل - عليه السلام -، وهو نصّ في الباب، وفي ((الفيض)): وعليه عملُ الناس اليوم، وبه يفتى، كذا في ((الدرّ))، وتعقَّبه شيخنا في ((حاشيته)) فراجعه.
قال شيخنا: والأحسن ما في ((السراج)) عن شيخ الإسلام - رضي الله عنه -: أنّ الاحتياطَ أن لا يؤخرَ الظُّهر إلى المثل، ولا يُصلي العصر حتى يبلغ المثلين؛ ليكون مؤدياً للصّلاتين في وقتهما بالإجماع، اهـ.
(وَأَوّل وقت العصر إذا خَرَج وقت الظُّهر على) اختلاف (القولين) من المثلين أو المثل، (وآخر وقتها ما لم تَغْرُب الشمس): أي قبيل غروبها.
الجزء 1 · صفحة 54
(وأَوَّل وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، وهو): أي الشفقُ الموقت به (البياض الذي) يستمرّ (في الأُفق بعد) غيبة (الحمرة) بثلاث دُرَج، كما بين الفجرين، كما حقَّقه العلامة الشيخ خليل الكاملي في ((حاشيته على رسالة الاسطرلاب)) حيث قال: التفاوت بين الفجرين، وكذا بين الشَّفقين الأحمر والأَبيض إنّما هو بثلاث دُرَج، وهذا (عند أَبي حنيفة - رضي الله عنه -.
وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: هو الحمرةُ): وهو روايةٌ عنه أيضاً، وعليها الفتوى، كما في ((الدراية))، و ((مجمع الروايات)) وشروح ((المجمع))، وبه قالت الثلاثة.
وفي ((شرح المنظومة)): وقد جاء عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنّه رجع عن قوله، وقال: إنّه الحمرة لما ثَبَتَ عنده من حملِ عامّة الصحابة - رضي الله عنهم - الشفق على الحمرة، وعليه الفتوى، اهـ، وتبعه المحبوبيُّ وصدرُ الشريعة، لكن تعقَّبه العلامة قاسمُ في ((تصحيحه))، وسبقه شيخُه الكمالُ في ((الفتح)) فصحَّحا قولَ الإمام، ومشى عليه في ((البحر)).
قال شيخنا: لكن تعامل الناس اليوم في عامّة البلاد على قولهما، وقد أَيَّده في ((النهر)) تبعاً ((للنقاية)) و ((الوقاية)) و ((الدر)) و ((الإصلاح)) و ((درر البحار)) و ((الإمداد)) و ((المواهب)) وشرحه ((البرهان)) وغيرهم مصرحين بأن عليه الفتوى، اهـ.
(وأوّل وقت العشاء إذا غاب الشفق وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر): أي قبيل طلوعه.
(وأوّل وقت الوتر بعد العشاء) عندهما، وعند الإمام - رضي الله عنه - وقته وقت العشاء إلا أنّ فعلَه مرتّبٌ على فعل العشاء، فلا يُقَدَّم عليها عند التذكّر، والاختلاف في وقتها فرع الاختلاف في صفتها، ((جوهرة))، (وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر).
وفاقد وقتهما غير مكلّف بهما، كما جزمَ به في ((الكنز)) و ((الملتقى)) و ((الدر))، وبه أَفتى البقّالي، وغيره.
الجزء 1 · صفحة 55
(ويستحبُّ الإسفار بالفجر)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَسفروا بالفجر، فإنّه أَعظم للأَجر))، قال التِّرْمِذِيّ - رضي الله عنه -: حديث صحيح، والإسفار: الإضاءة، يُقال: أَسفر الفجر إذا أضاء، وأَسفر الرَّجلُ بالصَّلاة: إذا صلاّها في الإسفار، ((مصباح)).
وَحَدُّ الإسفار المستحبّ: أَن يكون بحيث يؤدّيها بترتيل، نحو: ستين، أو أربعين آية، ثمَّ يُعيدُها بطهارةٍ لو فَسَدَت، وهذا في حَقِّ الرِّجال.
وأمّا النِّساء فالأفضل لهنّ الغلس؛ لأنه أَستر، وفي غيرِ الفجر ينتظرن فراغ الرِّجال من الجماعة، كذا في ((المبتغى))، و ((معراج الدراية)).
(و) يُسْتَحَبُّ (الإبرادُ بالظُّهر في الصيف) بحيث يمشي في الظلّ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَبردوا بالظُّهر، فإنّ شدةَ الحَرّ من فيحِ جهنم)) رواه البُخاريّ، وسواء فيه صلاته منفرداً أو بجماعة، والبلادُ الحارّة وغيرُها في شدّةِ الحرِّ وغيره، كذا في ((معراج الدراية)).
(و) يُسْتَحَبُّ (تقديمُها في الشِّتاء) والرَّبيع والخريف، كما في ((الإمداد)) عن ((مجمع الرِّوايات)).
(و) يُسْتَحَبُّ (تأخيرُ العصر) مطلقاً توسعةً للنوافل (ما لم تتغيّر الشَّمس) بذهابِ ضوئها، فلا يَتَحيَّرُ فيها البصر، وهو الصَّحيح، ((هداية)).
(و) يُسْتَحَبُّ (تعجيلُ المغرب) مطلقاً، فلا يفصل بين الأَذان والإقامة، إلاّ بقدر ثلاثِ آياتٍ أو جلسةٍ خفيفة.
(و) يُستحبُّ (تأخيرُ العشاء إلى ما قبلِ ثلثِ الليل) الأوّلِ في غيرِ وقتِ الغيم فيُنْدَبُ تعجيلُه فيه.
(ويستحبُّ في الوترِ لمَن يألف صلاةَ الليل) ويَثِقُ بالانتباه (أن يؤخرَ الوتر إلى آخرِ الليل)؛ ليكون آخر صلاتِهِ فيه، (فإن لم يثق) من نفسه (بالانتباه أَوْتَر قبل النَّوم)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن خاف ألا يقوم آخر الليل فليوتر أَوَّله، وَمَن طَمِع أن يقومَ آخر الليل فليوتر آخره، فإنّ صلاةَ الليل مشهودة))، رواه مسلم.
بابُ الأذان
الجزء 1 · صفحة 56
هو لغة: الإعلام.
وشرعاً: إعلامٌ مخصوصٌ على وجهٍ مخصوصٍ بأَلفاظ مخصوصة.
وقَدَّمَ ذكر الأَوقات على الأذان؛ لأنّها أَسباب، والسببُ مُقَدَّمٌ على المُسبَّب.
(الأذانُ سنّة) مؤكَّدةٌ للرِّجال (للصَّلوات الخمس والجمعة) خَصَّها بالذِّكر مع أنّها داخلةٌ في الخمس؛ لدفع توهم أنّها كالعيد من حيث الأذان أَيضاً، فلا يُسَنُّ لها، أو لأنّ لها أَذانين (دون ما سواهما): كالعيد والكسوف والوتر والتراويح وصلاة الجنازة فلا يُسَنُّ لها.
(وصفةُ الأذان) معروفة، وهي (أن يقول) المؤذن: (اللهُ أكبر اللهُ أكبر ... إلى آخره): أي آخر أَلفاظه المعروفة بتربيعِ تكبيرِ أَوّله، وتثنيةِ باقي أَلفاظه.
(ولا ترجيع فيه): وهو أن يرفعَ صوتَه بالشَّهادتين بعدما خَفَضَ بهما، وهو مكروه، ((ملتقى)).
(ويزيدُ في أَذان الفجرِ بعد) قوله: حيّ على (الفّلاح) الثانية (الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم)، ويقولها (مَرّتين)؛ لأنه وقت نوم.
(والإقامةُ مثل الأذان) فيما مَرَّ من تربيع تكبير أوّله، وتثنية في باقي ألفاظه (إلاّ أنه يزيد فيها بعد) قوله: (حيّ على الفلاح) الثانية (قد قامت الصلاة) ويقولها (مرّتين).
(ويترسّل): أي يتمهل ندباً (في الأذان) بسكتة بين كلّ كلمتين، (ويحدر): أي يُسرع في الإقامة بأن يجمعَ بين كلِّ كلمتين.
(ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصَّلاة والفلاح حَوَّل وجهَه) فيهما (يَميناً) بالصّلاة، (وشمالاً) بالفلاح، من غيرِ أَن يُحَوِّل قدميه؛ لأنّ فيه مناجاة ومناداة، فيتوجّه في المناجاةِ إلى القبلة، وفي المناداةِ إلى مَن عن يمينِهِ وشمالِه، ويستديرُ في الصومعةِ إذا لم يتمّ الإعلام بمجردِ تحويلِ الوجه؛ ليحصل تمام الإعلام.
الجزء 1 · صفحة 57
(ويؤذن) الرُّجل (للفائتة ويقيم)؛ لأنها بمنزلة الحاضرة، (فإن فاتته صلوات) متعدّدة وأراد قضاءهن في مجلس واحد (أَذّن للأُولى وأَقام، وكان مُخيّراً في الباقية) بعدها (إن شاء أَذَّن وأَقام)؛ لكلّ واحدة كالأُولى، وهو أَولى، (وإن شاء اقتصر) فيما بعد الأُولى (على الإقامة)، وإن قضاهنّ في مجالس، فإن صَلَّى في مجلسِ أكثر من واحدة فكما مَرّ، وإلاّ أَذَّنَ وأَقَام لها.
(وينبغي) للمؤذِّن (أَن يُؤذِّنَ ويُقيمَ على طهر)؛ ليكون متهيئاً لإجابة ما يدعو إليه، (فإن أَذَّنَ على غيرِ وضوءِ جاز)؛ لأنه ذكرٌ وليس بصلاة، فكان الوضوء استحباباً، ((هداية)).
(ويُكره أن يقيمَ على غير وضوء)؛ لما فيه من الفصل بين الإقامة والصَّلاة، (أو يؤذّن) أو يقيم بالأَوْلَى (وهو جنب) رواية واحدة، ((هداية))، ويُعاد أَذانه.
(ولا يؤذِّن لصلاة قبل دخول وقتِها)، فإن فعلَ أَعادَ في الوقت؛ لأَنّ الأَذانَ للإعلام، وهو قبل دخول الوقت تجهيل.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: يجوز للفجر في النِّصف الأَخير من الليل؛ لتوارث أهل الحرمين، ((هداية)).
باب شروط الصّلاة التي تتقدّمها
الشُّروط: جمع شرط.
وهو لغة: العلامة، ومنه أَشراط السَّاعة: أي علاماتُها.
وشرعاً: ما يتوقَّفُ عليه وجود الشيء، ويكون خارجاً عن ماهيته، ولا يكون مؤثِّراً في وجوده، واحترز بقوله: (التي تتقدّمُها) عن التي لا تتقدَّمُها: كالمقارنة والمتأخرة عنها: وهي التي تأتي في باب صفة الصّلاة: كالتحريمة، وترتيب الأركان، والخروج بصنعة، كما سيأتي.
والشروطُ التي تتقدَّمُها ـ على ما ذكره المصنّف - رضي الله عنه - ـ ستّة، ذكرَ منها خمسة، وتقدَّم ذكر الوقت أوّل كتاب الصّلاة، قال الشُّرُنْبلالي: وكان ينبغي ذكره هنا ليتنبّه المتعلم؛ لكونه من الشُّروط، كما في ((مقدمة أبي الليث)) و ((مُنية المصلِّي)).
الجزء 1 · صفحة 58
الأول والثاني من الشروط ما عَبَّر عنهما بقوله: (يجب على المصلِّي): أي يلزمه (أن يُقَدِّمَ الطهارةَ من الأحداثِ والأنجاسِ على ما): أي الوجه الذي (قدمناه) في الطَّهارة.
والثالثُ قوله: (ويسترُ عورته) ولو خالياً أو في بيتٍ مظلم ولو بما لا يَحِلُّ لبسُه كثوبِ حريرٍ وإن أثمّ بلا عذر.
(والعورةُ من الرَّجل ما تحت السُّرّة إلى الرَّكبة): أي معها كما صًرَّح بذلك بقوله: (والرُّكبة من العورة) قال في ((التصحيح)): والأصحُّ أنّها من الفخذ، اهـ.
(وبدنُ المرأة الحُرّة كلُّه عورة إلاّ وجهَها وكفيها) باطنُهما وظاهرُهما على الأَصحّ، كما في ((شرح المنية)).
وفي ((الهداية)): وهذا تنصيصٌ على أن القدمَ عورة، ويُرْوَى أنها ليست بعورة، وهو الأصحّ، اهـ. وقال في ((الجوهرة)): وقيل: الصحيح أنّها عورة في حقّ النظر والمسّ، وليست بعورة في حَقّ الصلاة، ومثله في ((الاختيار))، ومشى عليه في ((التنوير))، وقال العلائي: عليه المعتمد، لكن في ((التصحيح)) خلافه حيث قال: قلت: تنصيص الكتاب أَولى بالصواب؛ لقول محمّد - رضي الله عنه - في كتاب الاستحسان: وما سوى ذلك عورة، وقال قاضي خان - رضي الله عنه -: وفي قدميها روايتان، والصحيحُ أَنّ انكشافَ ربع القدم يمنع الصَّلاة، وكذا في ((نصاب الفقهاء)) وتمامه فيه، فتنبّه.
(وما كان عورةً من الرَّجلِ فهو عورةٌ من الأَمة) ولو مُدَبّرة، أو مكاتَبة، أو أُمَّ ولد، (وبطنها وظهرها عورة) أَيضاً، وجانبهما تبعٌ لهما، (وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورة)، وكشف ربع عضو من أَعضاء العورة: كبطن، وفخذ، وشعر نزل من رأسها، ودبر، وذكر، وأُنثيين، وفرج، يمنع صحّة الصلاة إن استمرّ مقدار أداء ركن، وإلاّ لا.
الجزء 1 · صفحة 59
(وَمَن لم يجد ما يزيل به النَّجاسة صَلَّى معها ولم يُعد الصَّلاة)، ثمّ إن كان ربعُ الثوب أو أَكثره طاهراً يُصلِّي فيه لزوماً، فلو صَلَّى عرياناً لا يجزئه، وإن كان الطَّاهرُ أَقلّ من الرُّبع يتخيَّرُ بين أَن يُصلِّي عُرياناً، والصَّلاة فيه أفضل؛ لعدم اختصاص الستر بالصّلاة، واختصاص الطهارة بها.
(ومَن لم يجد ثوباً) ولو بإباحة على الأصحّ، (صلَّى عرياناً قاعداً) مادّاً رجليه إلى القبلة؛ لكونه أستر، وقيل: كالمتشهد، (يومئ إيماءً بالركوع والسجود، فإن صلَّى قائماً) يركع ويسجد، أو قاعداً كذلك (أَجزأَه)؛ لأنَّ في القعودِ ستر العورة الغليظة، وفي القيامِ أَداء هذه الأركان، فيميل إلى أَيهما شاء، (و) لكنّ (الأوّل أفضل)؛ لأنّ السترَّ وَجِبَ لِحَقَ الصلاة وحقّ النَّاس، ولا خلف له، والإيماءُ خلفٌ عن الأَركان.
والرّابع من الشُّروط قوله: (وينوي الصّلاة التي يدخل فيها بنيّةٍ لا يفصل بينها وبين التحريمةِ بعمل) أَجنبي عن الصَّلاة: وهو ما يَمْنَعُ البناء.
ويُنْدَبُ اقترانها خروجاً من الخلاف.
قال في ((التصحيح)): قلت: ولا يتأخر عنها في الصحيح، قال الاسبيجاني: لا يصحُّ تأخير النيّة عن وقتِ الشُّروع في ظاهر الرّواية، اهـ.
ثمّ إن كانت الصَّلاةُ نفلاً يكفيه مطلق النيّة، وكذلك إن كانت سنّة في الصحيح، ((هداية))، اهـ. والتعيين أَفضل وأَحوط.
ولا بُدّ من التعيينِ في الفرضِ كظهرٍ وعصرٍ مثلاً، وإن لم يقرنه باليوم أو الوقت لو أداءً، فلو قضاء لزم التعيين، وسيجيء.
ومثلُه الواجب: كوتر، ونذر، وسجود تلاوة.
ولا يلزم تعيين عدد الركعات لحصولها ضِمناً، فلا يضرّ الخطأ في عددها.
والمعتبرُ في النيّةِ عملُ القلب؛ لأنّها الإرادة السَّابقة للعمل اللاحق، فلا عبرة للذكر باللسان، إلاّ إذا عجز عن إحضار القلب؛ لهموم أَصابته فيكفيه اللِّسان، ((مجتبى)).
وعمل القلب أن يعلم بداهةً من غير تأمّل أي صلاة يُصلِّي.
الجزء 1 · صفحة 60
والتَّلفُّظُ بها مستحبٌّ إعانةً للقلب.
والخامسُ من الشروط قوله: (ويستقبل القبلة).
ثمّ إن كان بمكّة ففرضه إصابةُ عينها، وإن كان غائباً ففرضُه إصابةُ جهتها، هو الصحيح؛ لأنّ التكليفَ بحسب الوسع، ((هداية))، وفي ((معراج الدراية)): ومَن كان بمكّة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة: كالأبنية، فالأصحُّ أن حكمَه حكم الغائب، اهـ.
اعلم أنّه لا يجوز لأحدٍ أداء فريضة ولا نافلة ولا سجدة تلاوة ولا صلاة جنازة إلا متوجهاً إلى القبلة، فإن صلَّى إلى غير جهةِ القبلةِ متعمِّداً من غيرِ عذرٍ كَفَر، ثُمَّ مَن كان بمَكّة ففرضُه إصابة عينها، ومَن كان غائباً عنها ففرضُه إصابة جهتها، هو الصحيح، ((جوهرة)).
(إلاّ أن يكون خائفاً) من عدو أو سَبُع أو كان على خشبةٍ في البحرِ يخاف الغرق إن انحرف، أو مريضاً لا يَجِد مَن يُحوِّله أو يَجد إلاّ أنه يتضرَّر.
(فيُصلِّي إلى أَي جهةٍ قَدِر)؛ لتحقُّق العذر، (فإن اشتبهتَ عليه القبلة وليس بحضرتِهِ مَن يسأله عنها اجتهد وصَلَّى) إلى جهةِ اجتهاده.
والاجتهادُ: بذلُ المجهود لنيل المقصود.
قيد: بما إذا لم يكن بحضرته مَن يسأله؛ لأنه إذا وُجِد مَن يسألُه وَجَبَ عليه سؤالَه، والأخذَ بقوله، ولو خالف رأيه إذا كان المخبرُ من أهل الموضع، ومقبول الشَّهادة.
وقيد: بالحضرة؛ لأنه لا يجب عليه طلب مَن يسأله، ولو سأل قوماً بحضرته فلم يخبروه حتى صَلَّى بالتحرّي، ثمّ أَخبروه بعد فراغه أنّه لم يُصَلّ إلى القبلةِ فلا إعادة عليه، ((جوهرة)).
(فإن علم أنّه أخطأ بإخبار) أو تبدّل اجتهاده (بعدما صَلَّى فلا إعادة عليه)؛ لإتيانه بما في وسعه، (وإن عَلِمَ ذلك وهو في الصّلاة استدارَ إلى القبلة، وبَنَى عليها): أي على الصّلاة.
وكذلك إذا تحوَّل رأيه إلى جهة أُخرى توجَّه إليها؛ لوجوب العمل بالاجتهاد فيما يستقبل من غير نقضِ المؤدَّى قبلَه.
الجزء 1 · صفحة 61
ومَن أمَّ قوماً في ليلة مظلمة فتحرَّى القبلة، وصلَّى إلى المشرق، وتحرَّى مَن خلفه، وصَلَّى كلُّ واحد منهم إلى جهة، وكلُّهم خلف الإمام ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم؛ لوجود التوجّه إلى جهة التحرّي، وهذه المخالفةُ غيرُ مانعة، كما في جوف الكعبة.
ومَن عَلِم منهم بحال إمامه تفسدُ صلاتُه؛ لأنّه اعتقدَ إمامَه على الخطأ، وكذا لو كان متقدِّماً عليه؛ لتركه فرض المقام، ((هداية)).
بابُ صفةِ الصَّلاة
شروعٌ في المشروطِ بعد بيانِ الشَّرْط.
(فرائض) نفس (الصّلاة ستّة):
الأوّل: (التحريمة) قائماً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير))، وهي شرطٌ عندهما، وفرضٌ عند محمّد - رضي الله عنه -.
وفائدتُه: فيما إذا فسدت الفريضة تنقلب نفلاً عندهما، وعنده: لا. وفيما إذا شرع في الظهر قبل الزوال فلما فرغ من التحريمة زالت الشمس، فعندهما يجوز، وعنده: لا، ((جوهرة)).
وعدَّها من فرائضها؛ لأنها منها بمنزلة الباب للدار، فإن الباب، وإن كان غيرها، فهو يعدّ منها.
وسميت تحريمة؛ لأنّها تُحَرِّم الأشياءَ المباحة قبلها المباينة للصّلاة.
(و) الثاني: (القيام) بحيث لو مَدَّ يديه لا ينال ركبتيه، وذلك في فرض وملحق به لقادرٍ عليه وعلى السُّجود، فلو قَدِرَ عليه دون السُّجود نُدِب إيماؤه قاعداً، كما في ((الدرّ)).
(و) الثالث: (القراءة) لقادر عليها، كما سيأتي.
(و) الرابع: (الرُّكوع) بحيث لو مَدَّ يديه نال ركبتيه.
(و) الخامس: (السُّجود) بوضع الجبهة، وإحدى اليدين، وإحدى الرُّكبتين، وشيء من أطراف أصابع إحدى القدمين على ما يجد حجمه، وإلاّ لم تتحقَّق السجدة.
وكمالُه بوضع جميع اليدين، والرُّكبتين، والقدمين، والجبهة مع الأنف، كما ذكره المحقِّقُ ابنُ الهُمام وغيره.
ومَن اقتصر على بعض عبارت أئمتنا ممّا فيه مخالفة لما قاله الفقيه أبو الليث والمحقُّقون، فقد قَصَّر، وتمامُه في ((الإمداد)).
الجزء 1 · صفحة 62
(و) السَّادسُ: (القعدةُ الأخيرة مقدار التشهُّد) إلى قوله: عبدِه ورسولِه؛ هو الصحيحُ حتى لو فَرَغَ المقتدي قبل فراغ الإمام، فتكلَّم أو أَكل فصلاتُه تامّة، ((جوهرة)).
(وما زاد على ذلك) المذكور (فهو سنة)، قال في ((الهداية)): أَطلق اسم السنّة وفيها واجبات: كقراءة الفاتحة، وضمّ السورة إليها، ومراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال، والقعدة الأُولى، وقراءة التشهد في الأخيرة، والقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين، والجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة فيما يخافت فيه؛ ولهذا يجب سجدتا السهو بتركها، هو الصحيح؛ لما أَنّه ثَبَتَ وجوبُها بالسنة، اهـ.
(فإذا دَخَلَ الرَّجلُ): أي أَراد الدخول (في الصّلاةِ كَبَّرَ): أي قال وجوباً: اللهُ أَكبر، (ورفع يديه مع التكبير حتى يُحاذي) ويمسُّ (بإبهاميه شحمتي أُذنيه)؛ لأنه من تمامِ المحاذاة، ويستقبل بكفيه القبلة، وقيل: خديه، قال في ((الهداية)): الأَصحّ أنه يرفع أَوّلاً، ثُمّ يُكبِّر، وقال الزَّاهديُّ: وعليه عامّة المشايخ.
(فإن قال بدلاً من التكبير: الله أَجل، أو أعظم، أو الرَّحمن أَكبر) أو أَجلّ، أو أَعظم، أو لا إله إلاّ الله، أو غير ذلك من كلِّ ذكر خالص لله تعالى (أجزأه) مع كراهة التحريم، وذلك (عند أبي حنيفة ومحمّد - رضي الله عنهم -.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -): إن كان يحسن التكبير (لا يجزئه) الشروع، (إلاّ بلفظ التكبير): كأكبر وكبير معرفاً ومُنكراً، مُقدّماً ومُؤخراً.
قال في ((التصحيح)): قال الاسبيجاني: والصحيحُ قولُهما، وقال الزَّاهديُّ: هو الصحيحُ، واعتمده البُرهانيُّ والنَّسفيُّ، اهـ.
(ويَعتمدُ) الرَّجلُ (بيدِه اليُمنى على اليُسرى) آخذاً رسغَها بخنصرِه وإبهامِه باسطاً أصابعه الثلاث على المعصم، (ويضعهما) بعدما فرغ من التكبير (تحت سرّته)، وتضع المرأة الكفَّ على الكفِّ تحت الثدي.
الجزء 1 · صفحة 63
قال في ((الهداية)): ثمُّ الاعتمادُ سنةُ القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، حتى لا يُرسل حالةَ الثناء، والأصلُ أَنّ كلَّ قيام فيه ذكرٌ مسنونٌ يعتمد فيه، وما لا فلا، هو الصحيح، فيعتمد في حالة القنوت، وصلاة الجنازة، ويُرسل في القومة، وبين تكبيرات الأعياد، اهـ.
(ثمّ يقول) بعدما كَبَّر: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرُك و) بعدما فرغ من الاستفتاح (يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم)، قال في ((الهداية)): والأَوْلَى أن يقول: أستعيذ بالله؛ ليوافق القرآن، ويقرب منه: أعوذ.
ثُمّ التعوّذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لما تلونا، حتى يأتي به المسبوق دون المقتدى، اهـ.
(و) بعدما فَرَغَ (يقرأُ بسمِ الله الرَّحمن الرحيم، ويسرُّ بهما): أي الاستعاذة والبسملة ولو الصَّلاة جهريّة.
(ثمّ) بعدما سَمّى (يَقرأ) وجوباً (فاتحة الكتاب وسورة معها): أَي مضمومة إليها كائنة بعدها، (أو ثلاث آيات من أَي سورةٍ شاء)، فقراءةُ الفاتحة لا تتعيَّن ركناً عندنا، وكذا ضَمُّ السُّورة إليها، ((هداية)).
(وإذا قال الإمامُ: ولا الضَّالين، قال) بعدها: (آمين) بمَدِّ أو قَصر، (ويَقولها المؤتمُّ) أَيضاً معه، (ويُخفونها) سواء كانت سريّة أو جهريّة.
(ثمّ) بعدما فَرَغ من القراءة (يُكبر ويركع)، وفي ((الجامع الصغير)): ويُكبر مع الانحطاط؛ لأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: ((كان يُكبِّر عند كلِّ خفض ورفع))، ويَحْذِفُ المَدَّ في التكبير حذفاً؛ لأنّ المدَّ في أوله خطأ من حيث الدين؛ لكونه استفهاماً، وفي آخره لحن من حيث اللغة، ((هداية)).
(ويعتمد بيديه على ركبتيه ويُفرجُ أَصابعه)، ولا يُندبُ إلى التفريج إلاّ في هذه الحالة؛ ليكون أَمكن من الأَخذ، ولا إلى الضمِّ إلا في حالةِ السجود، وفيما وراء ذلك يترك على العادة.
الجزء 1 · صفحة 64
(ويبسطُ ظهرَه) ويُسوي رَأَسَه بعجزه (ولا يَرْفَعُ رأسَه) عن ظهره، (ولا يُنكسُه) عنه، (ويقول في ركوعِه: سبحان ربي العظيم) ويُكررها (ثلاثاً، وذلك أَدناه): أي أَدنى كمال السنة.
قال في ((المنية)): أَدناه ثلاث، والأَوسطُ خمس، والأَكمل سبع، اهـ.
(ثمّ يرفع رأسه، ويقول) مع الرّفع: (سمع الله لمَن حمده)، ويكتفي به الإمامُ عند الإمام - رضي الله عنه -، وعند الإمامين - رضي الله عنهم -: يضمّ التحميد سرّاً، ((هداية))، وهو روايةٌ عن الإمام - رضي الله عنه - أيضاً، وإليه مالَ الفضليّ والطحاويّ وجماعةٌ من المتأخرين، ((معراج)) عن ((الظَّهيرية))، ومشى عليه في ((نور الإيضاح))، لكن المتون على خلافه.
(ويقول المؤتمّ: ربَّنا لك الحمد)، ويكتفي به، وأيضاً له: ((اللهم ربّنا ولك الحمد))، ثمّ حُذِف الواو، ثمّ حُذِف ((اللهم)) فقط، والمنفردُ يجمع بينهما في الأصحّ، ((هداية)) و ((ملتقى)).
(فإذا استوى قائماً كَبَّر) مع الخرور (وسَجَد) واضعاً رُكبتيه أَوّلاً، (واعتمد بيديه على الأَرض) بعدهما، (ووضع وجهه بين كفيه) اعتباراً لآخر الرَّكعة بأولها، ويُوجِّه أَصابع يديه نحو: القبلة.
(وسَجَدَ) وجوباً (على أَنفه وجبهتِه فإن اقتصر على أَحدهما جاز عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -)، فإن كان على الأَنفِ كُره، وإن كان على الجبهةِ لا يُكره، كما في ((الفتح)) عن ((التحفة)) و ((البدائع)).
(وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: لا يجوز الاقتصارُ على الأنف إلا من عذر)، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وعليه الفتوى، ((جوهرة))، وفي ((التصحيح)) نقلاً عن ((العيون)): ورُوِي عنه مثل قولهما، وعليه الفتوى، واعتمده المحبوبيُّ وصدرُ الشريعة.
(وإن سَجَدَ على كَورِ عِمامته) إذا كان على جبهتِهِ (أو فاضلِ): أي طرفِ (ثوبه جاز)، ويُكره إلاّ من عذرٍ.
الجزء 1 · صفحة 65
(ويُبدي ضَبعيه)، تثنية ضبع ـ بالسكون ـ العضد: أي السّاعد، وهو من المرفق إلى الكتف: أي يُظْهرهُما، وذلك في غيرِ زحمة.
(ويُجافي): أي يُباعد (بطنَه عن فخذيه، ويُوجِّهُ أَصابعَ رجليه نحو القبلة)، والمرأةُ تنخفضُ وتلزقُ بطنَها بفخذيها؛ لأَنّ ذلك أَستر لها (¬1)، ((هداية)).
(ويقول في سجودِه: سبحان ربِّي الأَعلى)، ويُكررها (ثلاثاً، وذلك أَدناه): أي أَدنى كمال السنّة، كما مَرّ.
(ثمّ يرفع رأَسَه ويُكبِّرُ) مع الرَّفع إلى أن يستوي جالساً، ولو لم يستوِ جالساً، وسجد أُخرى أَجزأه عند أَبي حنيفة ومُحمّد - رضي الله عنهم -، وتكلّموا في مقدارِ الرَّفع، والأَصحُّ أنه إذا كان إلى السُّجود أَقرب لا يجوز؛ لأنه يُعدُّ ساجداً، وإن كان إلى الجلوس أَقرب جاز؛ لأنه يُعدُّ جالساً فتتحقَّق الثانية، ((هداية)).
¬
(¬1) فعن يزيد بن أبي حبيب - رضي الله عنه -: (إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإنّ المرأةَ ليست في ذلك كالرَّجل) في مراسيل أبي داود ص118، وقال الأرنؤوط: رجاله ثقات. وسنن البيهقي الكبير 2: 223، وغيرها. وعن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: ((إذا سجدت المرأة فلتحتفر ولتضمّ فخذيها)) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 241، وهو صحيح كما في صحيح صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص182، وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهم - أنه سئل عن صلاة المرأة: فقال: ((تجتمع وتحتفر)) في مصنف ابن أبي شيبة 1: 241، وغيره، ورجاله رجال البخاري ومسلم كما في صحيح صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ص182، وعن ابن عمر - رضي الله عنهم - قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سجدت المرأةُ أَلْصَقَت بطنَها بفخذها، كأستر ما يكون لها) في سنن البيهقي الكبير2: 222.
الجزء 1 · صفحة 66
(فإذا اطمأن): أي سكن (جالساً) كجلسة المتشهّد (كَبَّرَ) مع عودِه (وسَجَدَ) سجدةً ثانية كالأُولى، (فإذا اطمأن ساجداً كَبَّرَ) مع النُّهوض، (واستوى قائماً على صدورِ قدميه)، وذلك بأن يقومَ وأَصابع القدمين على هيئتِها في السُّجود.
(ولا يقعد) للاستراحة، (ولا يعتمد بيديه على الأَرض)، ويُكره فعلُهما تنزيهاً لمَن ليس به عذر، ((حَلْبة))، (ويفعلُ في الرَّكعة الثَّانية مثل ما فعل في) الرَّكعة (الأُولى)؛ لأنه تكرارُ الأَركان، (إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوّذ)؛ لأنهما لم يشرعا إلا مَرّة.
(ولا يرفع يديه إلاّ في التكبيرةِ الأُولى) فقط.
(فإذا رَفَعَ رأَسَه من السجدةِ الثانيةِ في الرَّكعةِ الثانيةِ افترش) الرَّجلُ (رجلَه اليُسرى فجَلَسَ عليها): أي على قدمِها، بأن يَجعلَها تحت إليته، (ونَصَبَ) قدمَه (اليُمنى نصباً، ووجَّه أَصابعَه نحو القبلة) ندباً.
والمرأةُ تجلسُ على إليتها اليُسرى، وتخرج رجلَها اليُسرى من تحت اليُمنى؛ لأنه أَستر لها.
(ووضع يديه على فخذيه وبسط أَصابعَه) مفرجةً قليلاً جاعلاً أَطرافَها عند ركبته، (وتَشَهَّد): أَي قرأَ تَشَهَّد ابن مسعود - رضي الله عنه -، بلا إشارةٍ بسبابتِهِ عند الشّهادةِ في ظاهرِ الرِّواية.
وعن أبي يوسف - رضي الله عنه - في ((الأمالي)): أنّه يعقد الخنصر والبنصر ويُحلق الوسطى والإبهام ويشير بالسبابة، ونُقِل مثلُه عن محمّد والإمام - رضي الله عنهم -، واعتمده المتأخرون؛ لثبوته عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالأحاديث الصحيحة؛ ولصحّة نقله عن أئمتنا الثلاثة؛ ولذا قال في ((الفتح)): إن الأوّلَ خلاف الدراية والرواية.
ولشيخنا رسالة في التشهّد حَرَّر فيها صحّة هذين القولين، ونفى ما عداهما حيث قال: إنه ليس لنا ما سوى قولين:
الأوّل: ـ وهو المشهورُ في المذهب ـ بسط الأصابع بدون إشارة.
الجزء 1 · صفحة 67
الثّاني: بسطُ الأَصابع إلى حين الشهادة، فيعقد عندها، ويرفعُ السبابة عند النفي، ويضعها عند الإثبات، وهذا ما اعتمده المتأخرون.
وأمّا ما عليه النّاس من الإشارة مع البسط بدون عقد فلم أر أحداً قال به، اهـ.
ثمّ ذيل رسالته بأُخرى حَقَّقَ فيها صحّةَ الرِّواية بما عليه النَّاس، فمَن رام استيفاء الكلام، فليرجع إليهما يظفر بالمرام.
(والتشهدُ أن يقول: التحياتُ لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسولُه)، وهذا تشهّد ابن مسعود - رضي الله عنه -، فإنّه قال: ((أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي وعلَّمني التشهّد كما كان يعلمني سورة من القرآن وقال: قل: التحيات لله ... )) إلخ، ((هداية)).
ويقصد بأَلفاظ التشهّد معانيها مرادةً له على وجه الإنشاء: كأنّه يحيي الله تعالى، ويُسلِّم على نبيِّه، وعلى نفسِه وأَوليائه، ((در)).
(ولا يزيدُ على هذا في القعدةِ الأُولى)، فإنّ زاد عامداً كُرِه، وإن كان ساهياً سجد للسّهو إن كانت الزِّيادة بمقدار (اللهم صلِّي على مُحمّد) على المذهب، ((تنوير)).
(ويقرأ في الرَّكعتين الأُخريين الفاتحة خاصّة)، وهذا بيانُ الأَفضل، وهو الصحيح، ((هداية))، فلو سَبَّحَ ثلاثاً أو وَقَفَ ساكتاً بقدرها صَحّ، ولا بأس به على المذهب، ((تنوير)).
(فإن جَلَسَ في آخرِ الصَّلاة جَلَسَ) مُفترشاً أَيضاً، (كما) جَلَسَ (في) القعدة (الأُولى وتشهّد) أَيضاً، (وصَلّى على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -) ولو مسبوقاً، كما رَجَّحه في ((المبسوط))، لكن رَجَّح قاضي خان - رضي الله عنه - أنه يَتَرَسّل في التشهّد، قال في ((البحر)): وينبغي الإفتاء به، اهـ، وسُئِل الإمام مُحمّد - رضي الله عنه - عن كيفيتها فقال يقول: ((اللهمّ صَلِّي على مُحمّد)) إلى آخر الصَّلاة المشهورة.
الجزء 1 · صفحة 68
(ودعا بما شاء ممَّا يشبه أَلفاظ القرآن) لفظاً ومعنىً بكونه فيه نحو: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة} وليس منه؛ لأنه إنّما أَراد به الدُّعاء لا القراءة، ((نهر))، (والأَدعيةَ) بالنصب عطفاً على أَلفاظ، والجرُّ عطفاً على القرآن (المأثورة): أي المروية نحو ما في مسلم ((اللهم إنّي أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال)).
ومنها: ما رُوِي أنّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - سأل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعَلِّمَه دعاءً يدعو به في صلاته، فقال: ((قل اللهم إنّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنّك أنت الغفور الرَّحيم)).
(ولا يدعو بما يشبه كلام النّاس) تحرُّزاً عن الفساد، وقد اضطرب فيه كلامهم، والمختار كما قاله الحلبيّ - رضي الله عنه -: أنّ ما في القرآن والحديث لا يفسدُ مطلقاً، وما ليس في أحدِهما إن استحالَ طلبُه من الخلق لا يُفسد، وإلاّ أَفْسَدَ لو قبل القعود قدر التشهّد، وإلاّ خرج به من الصَّلاة مع كراهيةِ التحريم.
(ثمُّ يُسلِّمُ عن يمينِهِ حتى يُرى بياضَ خده فيقول: السّلام عليكم ورحمة الله) ولا يقول: ((وبركاته))؛ لعدم توارثه، وصَرَّح الحداديُّ - رضي الله عنه - بكراهته.
(و) يُسلِّمُ بعدها (عن يسارِه مثل ذلك) السَّلام المذكور، ويُسَنُّ خفضُه عن الأَوّل، ويَنوي مَن عن يمينه من الرِّجال والنِّساء والحَفظة، وكذلك في الثانية؛ لأنّ الأَعمال بالنيّات، ((هداية)).
وفي ((التصحيح)): واختلفوا في تسليم المقتدي فعن أَبي يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: يُسلِّمُ بعد الإمام، وعن أَبي حنيفة - رضي الله عنه - فيه روايتان، قال الفقيه أبو جعفر - رضي الله عنه -: المختارُ أن ينتظرَ إذا سَلَّم الإمامُ عن يمينِهِ يُسلِّمُ المقتدي عن يمينِه، وإذا فَرَغَ عن يساره يُسَلِّم عن يساره، اهـ.
الجزء 1 · صفحة 69
(ويَجهرُ) المُصلِّي وجوباً بحسب الجماعة وإن زاد أَساء (بالقراءةِ في) ركعتي (الفجر والرَّكعتين الأوليين من المغرب والعشاء) أداءً وقضاءً، وجمعةً وعيدين، وتراويح ووتر في رمضان (إن كان) المصلِّي (إماماً، ويُخفي القراءة فيما بعد الأوليين) هذا هو المتوارث، اهـ.
قال في ((التصحيح)): والمخافتةُ تصحيحُ الحروف، وهذا هو مختارُ الكرخيّ وأبي بكر البلخيّ - رضي الله عنهم -.
وعن الشيخ أبي القاسم الصفّار وأبي جعفر الهندواني ومحمد ابن الفضل البُخاري: أن أدنى المخافتةَ أن يسمعَ نفسَه إلا لمانع، وفي ((زاد الفقهاء)): هو الصحيح، وقال الحلواني - رضي الله عنه -: لا يجزئه إلاّ أن يُسْمَعَ نفسه، ومَن بقربه.
وفي ((البدائع)): ما قاله الكرخيّ - رضي الله عنه - أقيس وأصحّ، وفي ((كتاب الصّلاة)) إشارةٌ إليه فإنّه قال: إن شاء قرأ في نفسه سرّاً، وإن شاء جهر وأسمع نفسه، وقد صرَّح في ((الآثار)) بذلك، وتمامه فيه.
(وإن كان) المُصلّي (مُنفرداً فهو مُخيَّر: إن شاء جَهَر وأسمع نفسه)؛ لأنه إمام نفسه، (وإن شاء خافت)؛ لأنه ليس خلفه مَن يُسْمِعُه، والأفضل هو الجهر؛ ليكون الأَداءُ على هيئةِ الجماعة، ((هداية)).
الجزء 1 · صفحة 70
(ويُخفي الإمامُ)، وكذا المنفردُ، (القراءة) وجوباً (في) جميعِ ركعات (الظهر والعصر)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلاة النهار عجماء)) (¬1): أي ليس فيها قراءة مسموعة، ((هداية)).
(والوترُ) واجبٌ عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وهذا آخرُ أَقواله، وهو الظاهرُ من مذهبِهِ، وهو الأَصحّ.
وعنه: أنه سُنّة، وبه أَخذ أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -.
¬
(¬1) قال الشيخ محمد عوامة في أثر الحديث ص150: استدلال بعضهم على أن صلاة فريضة الظهر والعصر تكون سراً لا يجهر فيها بالقراءة استدلالهم على هذا بصلاة النهار عجماء، مع أنه باطل لا أصل له في المرفوع، إنما هو كلام بعض التابعين: مجاهد وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، كما نقله الحافظ الزيلعي، والسخاوي في المقاصد ص265، وانظره في مصنف عبد الرزاق2: 493 من كلام الحسن البصري أيضاً، غير أن هذا لا يفيد بطلان هذا الحكم الفقهي، فنبيح لأنفسنا الجهر في صلاة النهار؛ إذا إن هذا الحكم ثابت من حديث البخاري عن خباب بن الأرتّ أنه سئل هل كان رسول الله صل يقرأ في الظهر والعصر، قال نعم، قلنا: بم كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته - صلى الله عليه وسلم -. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: حزرنا قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدْرَ قراءة آلم السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك ... فإفادةُ هذين الحديثين، وهما في الصحيحين هذا الحكم مضموم إليهما توارث المسلمين له واستفاضته بينهم من غير نكير: كل هذا يفيد القطع ولا ريبَ، فهو إذا حكم مبنيٌّ على مقطوعٍ بصحَّتِهِ لا على حديث مقطوع من كلام بعض السلف ممن لا يجب اتباعهم ولا الأخذ بقولهم، ومَن يستدل بهذه الأحاديث الضعيفة في ذاتها القوية بشواهدها الخارجية إنّما يستدلُّ بها لصراحتها في الدلالةِ على الحكمِ لا لقوَّتِها الذاتية.
الجزء 1 · صفحة 71
وعنه: أنه فريضة، وبه أَخذ زفر - رضي الله عنه -.
وقيل بالتوفيق: فرض: أي عملاً، وواجب: أي اعتقاداً، وسُنّة: أي ثبوتاً.
وأَجمعوا على أنه لا يَكفرُ جاحدُه، وأنّه لا يجوز بدون نيّة الوتر، وأنّ القراءةَ تجبُ في كلِّ ركعاته، وأنه لا يجوز أداؤه قاعداً أو على الدابّة بلا عذر، كما في ((المحيط))، ((نهر)).
وهو (ثلاثُ ركعاتٍ لا يَفْصِلُ بينهنّ بسلام): كصلاة المغرب، حتى لو نَسي القعود لا يعود إليه، ولو عاد ينبغي الفَسَاد، كما في ((الدرّ)).
(ويقنت في الثالثةِ قبل الرُّكوع في جميعِ السَّنة) أداءً وقضاءً، (ويقرأ) وجوباً (في كلِّ ركعةٍ من الوترِ فاتحة الكتاب وسورة معها) أو ثلاث آيات، (فإذا أراد أن يقنت كَبَّرَ ورفع يديه) كرفعه عند الافتتاح، (ثُمّ قَنَتَ)، ويُسنُّ الدُّعاء المشهور، وهو: ((اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكَّل عليك، ونُثني عليك الخير كلَّه، نشكرُك ولا نكفرُك، ونخلع ونترك مَن يفجرك، اللهم إيّاك نعبد، ولك نصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجدّ بالكفّار ملحق)).
قال في ((النهر)): ونحفِد؛ بدال مهملة: أي نُسْرِعُ، ولو أَتَى بها معجمةً فَسَدَت، كما في ((الخانيّة)).
قيل: ولا يقول الجدّ، لكنّه ثبت في ((مراسيل أبي داود)).
وملحِق: بكسر الحاء وفتحها والكسر أَفصح، كذا في ((الدراية)).
ويُصلِّي فيه على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: لا؛ استغناءً بما في آخر التشهّد، وبالأَوْل يُفتي.
واختلف فيمَن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه: هل يقول: يا رب، أو اللهم اغفر لي ثلاثاً، أو ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، والخلاف في الأفضلية، والأخيرةُ أفضل، اهـ، باختصار.
الجزء 1 · صفحة 72
وسكت عن صفتِه من الجهر والإخفاء؛ لأنّه لم يذكر في ظاهر الرِّواية، وقد قال ابنُ الفضل: يُخفيه الإمامُ والمقتدي، وفي ((الهداية)) تبعاً للسَّرَخسيّ - رضي الله عنه -: أنه المختار.
(ولا يقنت في صلاةٍ غيرها) إلا لنازلة في الجهرية، وقيل: في الكلّ.
(وليس في شيءٍ من الصَّلوات قراءةُ سورةٍ بعينها) على طريقِ الفرضية بحيث (لا يجزئ غيرها)، وإنّما تتعيَّن الفاتحةُ على طريقِ الوجوب.
(ويُكره) للمُصلِّي (أن يتخذَ سورةً) غير الفاتحة (لصلاةٍ بعينها) بحيث (لا يقرأ غيرها)؛ لما فيه من هجران الباقي، وإيهام التفضيل، وذلك كقراءةِ سورة السجدة، وهل أَتى للفجر كلَّ جمعة، وهذا إذا رأى ذلك حتماً واجباً لا يجوز غيرُه.
أَمّا إذا عَلِمَ أنّه يجوز أي سورة قرأها، ولكن يقرأ هاتين السُّورتين تبرّكاً بقراءة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلا يُكره بل يُندب، لكن بشرط أن يقرأ غيرهما أَحياناً كي لا يظنّ جاهلٌ أنه لا يجوز غيرهما.
(وأَدنى ما يجزئ من القراءة في الصّلاة ما يَتَناولُه اسم القرآن)، ولو دون الآية (عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -) واختاره المصنِّفُ ورجَّحها في ((البدائع))، وفي ظاهر الرواية: آيةٌ تامّةٌ طويلةٌ كانت أو قصيرة، واختارها المحبوبيُّ والنَّسفيُّ وصدرُ الشريعة - رضي الله عنهم -، كذا في ((التصحيح)).
(وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: لا يجزئ أَقلّ من ثلاثِ آيات قصار أَو آية طويلة)، قال في ((الجوهرة)): وقولُهما في القراءة احتياط، والاحتياط في العبادات أمر حسن، اهـ.
(ولا يقرأُ المؤتمُّ خلفَ الإمام) مُطلقاً، وما نُسب إلى مُحمّد - رضي الله عنه - ضعيفٌ، كما بسطه الكمالُ والعلامةُ قاسم في ((التصحيح)) فإن قرأ كُرِه تحريماً، وتصحُّ في الأَصحّ، ((در)).
(ومَن أَراد الدُّخول في صلاةِ غيرِه يحتاج إلى نيّتين: نيّةُ) نفس (الصلاة ونيّةُ المتابعة) للإمام.
الجزء 1 · صفحة 73
وكيفيةُ نيّتِهِ كما في ((المحيط)): أن ينوي فرضَ الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروعَ في صلاةِ الإمام، أو ينوي الاقتداءَ بالإمام في صلاته، ولو نوى الاقتداء به لا غير قيل: لا يجزئه، والأصحُّ أنه يجزئه؛ لأنه جعل نفسه تبعاً للإمام مُطلقاً، والتبعيةُ من كلِّ وجه إنّما تتحقّق إذا صار مُصلياً ما صلاّه الإمام، كذا في ((الدراية)).
(والجماعةُ) للرِّجال (سُنّةٌ مؤكّدة) (¬1)، وقيل: واجبةٌ، وعليه العامّة، ((تنوير)): أي عامّة مشايخنا، وبه جزم في ((التحفة)) وغيرها، قال في ((البحر)): وهو الرّاجحُ عند أَهل المذهب، اهـ، ((در)).
وأقلُّها اثنان، واحدُ مع الإمام ولو مميزاً في مسجدٍ أو غيرِه.
ويُكره تكرارُها بأَذان وإقامة في مسجد محلّة لا في مسجد طريق أو في مسجد لا إمام له ولا مؤذن، ((در)). وفي ((شرح المنية)): إذا لم تكن الجماعة على الهيئة الأُولى لا تُكره وإلا تكره، وهو الصحيح، وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة، كذا في ((البَزَّازيّة))، اهـ.
¬
(¬1) واختاره صاحب الوقاية2: 130، والهداية1: 55، والإيضاح ق16/ب، والمختار1: 78، والكنز ص13، والملتقى1: 15، والدرر1: 84، والتنوير1: 371.
والثاني: أنها واجبة، ورجَّحه صاحب البحر1: 365، واختاره صاحب التحفة1: 227 وقال: وقد سماها بعض أصحابنا سنة مؤكدة وكلاهما واحدة. وفي المسألة أقوال أخر ذكرها الشرنبلالي في حاشيته على الدرر1: 84.
الجزء 1 · صفحة 74
(وأَولى النّاس بالإمامة) إذا لم يكن صاحب منزل، ولا ذو سلطان، (أَعلمهم بالسنة): أي الشّريعة، والمراد أحكام الصّلاة صحّة وفَساداً، (فإن تساووا) علماً (فأقرؤهم)؛ لكتابِ الله - جل جلاله -: أي أَحسنهم تلاوة، (فإن تساووا أَورعهم): أي أكثرهم اتقاء للشبهات، (فإن تساووا فأسنُّهم): أي أَكبرهم سِنّاً؛ لأنه أكثرُ خشوعاً، ثمّ الأَحسن خُلقاً، ثمّ الأَحسن وجهاً، ثمّ الأَشرف نسباً، ثم الأَنظف ثوباً، فإن استووا يقرع بينهما، أو الخيار إلى القوم، وإن اختلفوا اعتبر الأكثر.
وفي ((الإمداد)): وأمّا إذا اجتمعوا فالسُّلطان مُقدَّم، ثمّ الأَمير، ثمّ القاضي، ثمّ صاحبُ المنزل ولو مستأجِراً، وكذا يقدَّمُ القاضي على إمام المسجد، اهـ.
(ويُكره) تنزيهاً:
1. (تقديم العبد)؛ لغلبة جهله؛ لأنه لا يتفرَّغ للتعلّم.
2. (والأعرابيّ): وهو مَن يسكن البوادي؛ لأنّ الجهلَ فيهم غالب قال - جل جلاله -: {وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله}.
3. (والفاسق)؛ لأنه يتهم بأمر دينه.
4. (والأعمى)؛ لأنه لا يتوقَّى النَّجاسة.
5. (وولد الزّنا)؛ لأنه لا أَب له يفقهه، فيغلب عليه الجهل؛ ولأنّ في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة فيُكره، ((هداية)).
(فإن تقدَّموا جاز)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلُّوا خلف كلّ برّ وفاجر)).
(وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصّلاة) عن القدر المسنون قراءةً وأَذكاراً، قال في ((الفتح)): وقد بحثنا أنّ الطويلَ هو الزيّادة عن القراءةِ المسنونة، فإنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وقراءته هي المسنونة، فلا بُدّ من كون ما نَهَى عنه غير ما كان دأَبه إلا لضرورة، اهـ.
(ويُكره للنِّساء) تحريماً، ((فتح))، (أن يصلين وحدهنّ) يعني بغيرِ الرِّجال (جماعة)، وسواء في ذلك الفرائض والنَّوافل إلاّ صلاة الجنازة، (فإن فعلن وَقَفَت) المرأةُ الإمام (وسطهنّ)، فلو تقدَّمت صَحَّت وأَثمت إثماً آخر.
الجزء 1 · صفحة 75
(وَمَن صَلَّى مع واحدٍ) ولو صَبيّاً (أَقامه عن يمينِهِ) مُحاذياً له، وعن مُحمّد - رضي الله عنه -: يضع أَصابعه عند عقبِ الإمام، والأَوَّلُ هو الظَّاهرُ، وإن كان وقوفه مساوياً للإمام وبسجوده يتقدَّم عليه لا يضرّ؛ لأن العبرةَ بموضع القيام.
ولو صلَّى خلفَه أو على يساره جاز إلاّ أنّه يكون مسيئاً، ((جوهرة)).
(فإن كانا اثنين تَقَدَّمَ عليهما)، وعن أبي يوسف - رضي الله عنه -: يتوسّطهما، ((هداية))، ويتقدَّم الأكثر اتفاقاً، فلو قاموا بجنبه أو قام واحد بجنبه وخلفه صفّ كُرِه إجماعاً، ((درّ)).
(ولا يجوز للرِّجال أن يقتدوا بامرأةٍ) أو خنثى (أو صبيٍّ) مُطلقاً، ولو في جنازة أو نفل في الأَصحّ.
(ويصفّ) الإمامُ (الرَّجال ثمّ الصبيان) إن تعددوا، فلو واحد دَخَلَ في الصفّ، ولا يقوم وحده، ثمّ الخناثى ولو منفردة، ثُمّ (النِّساء) كذلك، قال الشُّمنيّ - رضي الله عنه -: وينبغي للإمام أن يأمرَهم بأن يتراصّوا ويسدوا الخلل، ويسووا مناكبَهم ويقف وسطاً، اهـ.
(فإن قامت امرأةٌ) مشتهاةٌ ولو ماضياً، أو أمة، أو زوجة، أو محرماً (إلى جنب رجل) رُكناً كاملاً، (وهما مشتركان في صلاة واحدة) ذات ركوع وسجود، ولا حائل بينهما ولم يشر إليها؛ لتتأخر عنه، ونوى الإمامُ إمامتَها (فسدت صلاتُه) لا صلاتها، وإن أَشارَ إليها فلم تتأخّر أو لم ينو الإمام إمامتها فسدت صلاتُها لا صلاتُه.
وإن لم تدم المحاذاة ركناً كاملاً، أو لم يكونا في صلاة واحدة، أو في صلاة غيرِ ذات ركوع وسجود، أو بينهما حائل مثل مؤخرة الرَّحل في الطول والإصبع في الغلط لم تضرّهما المحاذاة، والفرجةُ تقومُ مقامَ الحائل، وأدناها قدر ما يقوم فيه المصلّي، وتمامه في القُهُستانيّ.
(ويُكره للنِّساء) الشوابّ (حضورُ الجماعة) مُطلقاً؛ لما فيه من خوف الفتنة، (ولا بأس بأن تخرجَ العجوزُ في الفجر والمغرب والعشاء)، وهذا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
الجزء 1 · صفحة 76
أمّا عندهما فتخرج في الصَّلوات كلِّها؛ لأنه لا فتنة لقلّةِ الرغبةِ فيهنّ.
وله: أَنّ فَرْطَ الشَّبَق حاملٌ فتقع الفتنة غيرَ أنّ الفُسّاق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة، أَمّا في الفجر والعشاء فإنّهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشتغلون، ((هداية)).
وفي ((الجوهرة)): والفتوى اليوم على الكراهة في الصَّلوات كلِّها لظهور الفسق في هذا الزَّمان، اهـ.
(ولا يُصلِّي الطَّاهرُ خَلْفَ مَن به سلسُ البول، ولا الطاهراتُ خلفَ المستحاضة)؛ لما فيه من بناء القويِّ على الضَّعيف، ويُصلِّي مَن به سَلَس البول خلف مثله، وخلف مَن عذره أَخفّ من عذرِه.
(و) كذا (لا) يُصلِّي (القارئ): وهو مَن يحفظُ من القرآنِ ما تصحُّ به الصّلاة (خلفَ الأُمي) وهو عكس القارئ، (ولا المكتسي خلف العريان)؛ لقوّة حالهما.
(ويجوز أن يؤمَ المتيمِّمُ المتوضئين)؛ لأنه طهارةٌ مُطلقة؛ ولهذا لا يَتَقَدَّرُ بقدرِ الحاجة.
(والماسحُ على الخُفّين الغاسلين)؛ لأنّ الخفَّ مانعٌ سرايةَ الحدث إلى القدم، وما حَلَّ بالخفِّ يزيله المسح.
(ويُصلِّي القائم خلف القاعد)، وقال محمّد - رضي الله عنه -: لا يجوز، وهو القياس؛ لقوّة حال القائم، ونحن تركناه بالنصّ، وهو ما رُوِي أنه - صلى الله عليه وسلم - ((صلَّى آخر صلاته قاعداً والقوم خلفه قيام))، ((هداية)).
(ولا يُصلِّي الذي يركع ويسجد خلف المومئ)؛ لأنّ حال المقتدي أقوى، (ولا يُصلِّي المفترض خلف المتنفِّل)؛ لأنّ الاقتداءَ بناء، ووصف الفرضية معدومٌ في حقِّ الإمام، فلا يتحقَّق البناء على المعدوم.
(ولا مَن يُصلِّي فرضاً خلف مَن يُصلِّي فرضاً آخر)؛ لأنّ الاقتداءَ شركةٌ وموافقة، فلا بُدّ من الاتحاد، ومتى فسد الاقتداء؛ لفقد شرط كطاهر بمعذور لم تنعقد أصلاً، وإن لاختلاف الصَّلاتين تنعقد نفلاً غير مضمون، كذا في الزَّيلعيّ - رضي الله عنه -، وثمرتُه: الانتقاضُ بالقهقهة إذا انعقدت وإلاّ لا.
الجزء 1 · صفحة 77
(ويُصلِّي المتنفّلُ خلفَ المفترض)؛ لأنّ فيه بناء الضَّعيف على القوي، وهو جائز.
(وَمَن اقتدى بإمامٍ ثُمّ عَلِمَ): أي المقتدي (أَنّه): أي الإمام (على غيرِ وضوءٍ) في زعمِهما (أَعاد الصّلاة) اتفاقاً؛ (لظهور بطلانها)، وكذا لو كانت صحيحة في زعم الإمام فاسدة في زَعم المقتدي؛ لبنائه على الفاسد في زعمِه فلا يصحّ، وفيه خلاف، وصُحِّح كلٌّ.
أَمّا لو فسدت في زعمِ الإمام، وهو لا يعلم به، وعلمه المقتدي صحَّت في قول الأَكثر، وهو الأصحّ؛ لأنّ المقتدي يرى جوازَ صلاةَ إمامه، والمعتبرُ في حَقِّه رأي نفسه، فوجَبَ القول بجوازها، كذا في حاشية شيخ مشايخنا الرّحمتي.
(ويُكره للمُصلِّي أن يَعْبَثَ بثوبِهِ أو بجسدِه)، والعبثُ: عملُ ما لا فائدة فيه، ((مصباح))، والمرادُ هنا فعلُ ما ليس من أََفعال الصَّلاة؛ لأنه يُنافي الصَّلاة.
(ولا يُقَلِّبُ الحَصَى)؛ لأنه نوعُ عبث، (إلاّ أن لا يُمكنه السجود) عليه إلا بمشقّة (فيسويه مَرّة واحدة)، وتركُه أَفضل؛ لأنه أَقرب للخشوع.
(ولا يُفرقعُ أَصابعَه) بغمزِها أو مَدِّها حتى تصوِّت.
(ولا يتخصَّرُ): وهو أن يضعَ يدَه على خاصرتِه، قال ابنُ سرين: وهو أَشهر تأويلاته؛ لما فيه من تفويت سنة أَخذ اليدين؛ ولأنه من فعل الجبابرة، وقيل: أن يتكئ على المِخْصَرة (¬1).
(ولا يسدل ثوبه) تكبّراً أو تهاوناً: وهو أَن يَجْعَلَ الثوبَ على رأَسه وكتفيه، ويُرسلَ جوانبَه من غير أن يَضمَّها، قال صدرُ الشريعة - رضي الله عنه -: هذا في الطيلسانِ، أَمّا في القباء ونحوه، فهو أن يلقيه على كتفيه من غير أن يدخل يديه في كميه، اهـ.
¬
(¬1) الاتكاء على المِخْصَرة: أي العصا والعكازة، وقيل: هو قراءة آية أو آيتين من آخر السورة. كما في طلبة الطلبة ص5.
الجزء 1 · صفحة 78
(ولا يعقصُ شعرُه): وهو أَن يجمعَه ويعقدَه في مؤخرةِ رأسِه، والسُّنةُ أن يضعَه على حاله ليسجد معه (¬1).
(ولا يَكفُّ ثوبَه): وهو رفعُه من بين يديه، أو من خلفِه إذا أَراد السجود، وقيل: أن يَجمعَ ثوبَه ويشدَّه في وسطه؛ لما فيه من التجبُّر المنافي لوضع الصّلاة، وهو الخشوع.
(ولا يَلتفت): أي بعنقِهِ بحيث يخرج وجهه عن القبلة، فأمّا النظرُ بطرف عينه من غير أن يلويَ عنقَه فخلاف الأولى.
(ولا يُقعي) كالكلب: وهو أن ينصبَ ركبتيه، ولا يضعُ يديه على الأَرض.
(ولا يَردُّ السَّلام بلسانه)؛ لأنه مفسدٌ صلاته، (ولا بيدِه)؛ لأنه سلام معنى حتى لو صافح بنيّة التسليم تفسد صلاته.
(ولا يَتربّعُ إلاّ من عذر)؛ لأنّ فيه تركُ سنّة القعود.
(ولا يأكل ولا يشرب)؛ لأنه ليس من أَعمال الصَّلاة، فإن فَعَلَ شيئاً من ذلك بَطَلت صلاتُه، سواء كان عامداً أو ناسياً.
(فإن سبقه الحدث) في صلاته (انصرف) من ساعته من غيرِ مُهْلة، حتى لو وَقَفَ قَدْرَ أَداء رُكن بطلت صلاتُه، ويُباحُ له المشي، والاغتراف من الإناء، والانحراف عن القبلة، وغسل النجاسة، واستنجاء إذا أمكنه من غير كشف عورته، وإن تجاوز الماءَ القريبَ إلى غيره تفسد صلاته؛ لمشيه من غير حاجة، (فإن كان إماماً استخلف) بأن يَجرَّه بثوبِهِ إلى المحراب، وذهب المسبوق (وتوضّأ وبَنَى على صلاته).
ثمّ إن كان منفرداً، فهو بالخيار: إن شاءَ عادَ إلى مصلاّه وأَتمّ صلاتَه، وهو الأَفضل؛ ليكون مؤدّياً صلاته في مكان واحد، وإن شاء أَتمّ في موضع وضوئه؛ لما فيه من تقليلِ المشي.
وإن كان مُقتدياً، فإنّه يعود إلى مكانه إلاّ أن يكون إمامُه قد فَرَغَ من صلاتِهِ فيُخَيَّرُ كالمُنفرد.
¬
(¬1) والعبارة في الجوهرة 1: 65: وهو أن يجمعه ويعقده في مؤخر رأسه، وهو مكروه، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه مرّ برجل ساجد عاقص شعره فحله حلاً عنيفاً وقال: إذا طول أحدكم شعره فليرسله ليسجد معه.
الجزء 1 · صفحة 79
وإن كان إماماً عاد أَيضاً إلى مُصلاّه وصار مأموماً إلاّ أن يكون الخليفةُ قد فَرَغَ من صلاتِهِ فيُخيَّرُ أيضاً.
(والاستئنافُ) في حَقِّ الكلِّ (أَفضل) خروجاً من الخلاف، وقيل: إن المنفردَ يستقبل، والإمام والمقتدي يبني صيانةً لفضيلة الجماعة.
فإن نامَ المصلِّي في صلاته (فاحتلم أو جُنّ أو أُغمي عليه أو قهقه استأنف الوضوء والصَّلاة) جميعاً؛ لأنه يندرُ وجود هذه العوارض، فلم يكن في معنى ما ورد به النصّ، ((هداية)).
وإن تكلَّمَ المُصَلِّي (في الصَّلاة) كلاماً يُعْرَف في تفاهمِ النّاس، ولو من غيرِ حروف: كالذي يُستاق به الحِمار (عامداً أو ساهياً بطلت صلاتُه)، وكذا لو أَنَّ أو تأوَّه أو ارتفع بكاؤه من وجع أو مصيبة، فإن كانت من ذكر جَنّة أو نار لا تبطل؛ لدلالتها على زيادة الخشوع.
(وإن سبقَه الحدثُ بعد التشهُّد توضّأ وسَلَّم)؛ لأَنّ التسليمَ واجبٌ فلا بُدّ من التوضؤ ليأتي به، (وإن تَعَمَّدَ الحدثُ في هذِهِ الحالة) يعني بعد التشهّد، (أَو تكلَّم أَو عَمِل عَمَلاً يُنافي الصَّلاة تمَّت صلاتُه)؛ لتعذُّر البناء بوجودِ القاطع ولم يبق عليه شيءٌ من الأركان.
(وإن رأَى المتيمِّمُ الماءَ) الكافي (في صلاتِهِ) قبل القعود الأخير قدرَ التشهّد (بطلت صلاته) اتفاقاً، (وإن رآه): أي الماء (بعدما قَعَدَ قَدْرَ التشهّد.
أو كان ماسحاً) على الخُفّين (فانقضت مُدّةُ مسحِه.
أو خَلَعَ خُفّيه بعملٍ رفيق): أي قليل فلو بعمل كثير تَمَّت صلاتُه اتفاقاً.
(أو كان أُميّاً فتَعَلَّمَ سورةً) بتذكرٍ أو عملٍ قليل، (بأن قُرِئ) عنده آية فحفظها.
(أو) كان يُصلِّي (عرياناً)؛ لفقد الساتر، (فوَجَدَ ثوباً.
أو) كان يُصلِّي (مومئاً)؛ لعجزه عن الرُّكوع والسُّجود (فقدر على الرُّكوعِ والسُّجود.
أو تَذَكَّرَ أَنّ عليه صلاةً قَبْلَ هذه الصَّلاة) وكان ذا ترتيب، وفي الوقتِ سَعة.
الجزء 1 · صفحة 80
(أو أحدث الإمامُ القارئ فاستخلف أُمياً، أو طَلَعَت الشَّمسُ في صلاةِ الفجر، أو دَخَلَ وقتُ العصر في) صلاةِ (الجمعة.
أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برئ.
أو كان صاحبَ عذر فانقطع عذرُه): كالمستحاضة، ومَن هو بمعناها بأن توضَّأت مع السَّيلان، وشَرَعَت في الظُّهر، وقَعَدَت قدرَ التشهّد فانقطع الدم، ودام الانقطاع إلى غروب الشمس، فإنّها تعيد الظهر عنده، كما لو انقطع في خلال الصّلاة (بطلت صلاته في قولِ أبي حنيفة - رضي الله عنه -)؛ وذلك لأنّ الخروجَ بصنعه فرضٌ عنده، فاعتراض هذه الأشياء في هذه الحالة كاعتراضها في خلالِ الصّلاة.
(وقال أبو يوسف ومحمّد - رضي الله عنهم -: تمَّت صلاته)؛ لأنّ الخروجَ بصنعه ليس بفرض، فاعتراض هذه الأشياء كاعتراضها بعد السَّلام، قال في ((التصحيح)): ورُجُّح دليلُه في الشروح، وعامّة المصنّفات، واعتمده النَّسفيُّ وغيره، اهـ.
باب قضاء الفوائت
لَمَّا فَرَغَ من بيان أحكام الأداء وما يتعلَّقُ به الذي هو الأَصل، شَرَعَ في بيانِ أَحكام القضاء الذي هو خَلَفُه، وعَبَّرَ بالفوائت دون المتروكات تحسيناً للظنّ؛ لأنّ الظّاهرَ من حال المسلم أن لا يتركَ الصَّلاةَ عمداً.
ولذا قال: (ومَن فاتته الصّلاة) يعني عن غفلة، أو نوم، أو نسيان، (قضاها إذا ذكرها)، وكذا إذا تركها عمداً، لكن للمسلمِ عقلٌ ودينٌ يمنعان عن التفويت قصداً، (وقَدَّمها لزوماً على صَلاة الوقت)، فلو عَكَسَ لم تجز الوقتية، ولزمه إعادتُها (إلاّ أن) ينسى الفائتة ولم يذكرها حتى صَلَّى الوقتية أو يكون ما عليه من الفوائت أَكثر من ستّ صلوات، أو يضيق وقت الحاضرة، و (يخاف فوات صلاة الوقت) إن اشتغل بقضاء الفائتة، (فيقدِّمُ صلاةَ الوقت) حينئذٍ (ثمّ يقضيها) يعني الفائتة.