رسائل الأركان
لملك العلماء عبد العلي اللكنوي الحنفي
توفي سنة (1225هـ)
مصفوفة عن الطبعة الحجرية، ولم تصحح.
اعتنى به:
الدكتور صلاح أبو الحاج
الناشر:
مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات
جارٍ تحميل الكتاب…
رسائل الأركان
لملك العلماء عبد العلي اللكنوي الحنفي
توفي سنة (1225هـ)
مصفوفة عن الطبعة الحجرية، ولم تصحح.
اعتنى به:
الدكتور صلاح أبو الحاج
الناشر:
مركز أنوار العلماء الدولي للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق َالإنسان من أطوار ٍمختلفة، ٍجعله مظهر َالعجائب مؤتلفة، فتبارك الله أحسن الخالقين، وفضلَّه على العالمين، بجعله مخاطباً بكلامه المبين، فبعث إليهم الأنبياء والمرسلين؛ ليبيِّنوا ما فيه سعادة حياته الدنيوية والأخروية، وخصَّنا بإرسال من هو رحمة للعالمين، سيد ولد آدم الذي كان نبياً وآدم أبو البشر بين الماء والطين، وبإبقاء خلفائه لإقامة الدين المتين من أولياء الله المجتهدين؛ ليظهروا أحكامه المتعلقة بالأفعال المتجدِّدة للمكلفين بآرائهم المتنوِّرة بنور الله الذي لا ينطفئ بإطفاء المطفئين، فجعل ما رأوا شرعاً مقرراً إلى يوم الدين.
اللَّهم صلِّ على ذلك النبيِّ الذي اصطفاه من بين العالمين وجعله للمرسلين إماماً وختاماً، وعلى آله وأصحابه الذين حازوا قصبات السبق في العرفان وإقامة الدين، وأفضِ علينا من بركاتهم واسلك بنا مسالك اجتازوها بكراماتهم، أما بعد، فيقول العبد الضعيف المفتقر إلى رحمة الله ربِّ العالمين عبد العلي محمد بن نظام الدين محمد الأنصاري، غفر الله لهما يوم الدين: أنَّ سعادةَ الإنسان تكميلُ القُّوة النظرية والعملية ليهتدي به إلى سبيل العرفان ومعاملة الرحمن يوم الحساب بإحسان، وذا لا يتأتَّى إلا بالتزويد للسفر إلى المعاد وذلك بالتخلق بالأخلاق على طبق الشريعة الغراء الحنفيَّة السَّمحة البيضاء التي جاء بها المصطفى سيِّد الأوَّلين والآخرين، وإلى ما اصطفاه الله ديناً من الإسلام وجعل له أركاناً أربعة من الأعمال تقوم منها الإسلام.
كما ورد في الخبر الصحيح بُنيَ الإسلامُ على خمس: شهادة أنَّ لا إله إلى الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان. رواه الشيخان وغيرهما. وقال رسول اللَّه صلَّى الله عليه وسلم، حين قال جبرئيل: يا محمد خبرني عن الإسلام. قال: الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. رواه مسلم وغيره. وأتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دُلَّني إلى عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والذي نفسي بيده ولا أزيدُ على هذا ولا أنقصُ منه. فلما تولَّى قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: من سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهل الجنة، فلينظرَ إلى هذا. رواه الشيخان.
فمنَ الضروريّ للإنسان الطالب للسعادة في دار الجزاء أن لا يتهاونَ في أداء هذه الأركان وتعلُّم أحكامها، فحداني ذلك أن أكتبَ فيها كتابا ً وجيزاً جامعاً لمسائلها وحاوياً لدلالئلها ليسهلَ على الطالب. وكسرته على أربعة رسائل، وسمَّيته برسائل الأركان، والمسؤول من الله الرحمن أن يجعلَه فخراً ووسيلةً في يوم الدين إلى إفاضة زُلال الرحمة بالغفران وأن ينتفع به المنتفعون ويأخذوه بالوداد، والمأمول منهم أن لا ينسوني فيذكروني بالدعاء.
الرسالة الأولى في الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللَّهم ربَّنا لكَ الحمدُ على ما أغرقتنا في بحار أفضالك وجودك، وأفضت َعلينا نعماء كرائم من نوالك، وصلِّ على خاتمِ رسلك المَرضيين الذي هو رحمةٌ للعالمين، وعلى آله الكرام وأصحابه الذين هم خير من تبعه من الأنام وأهل بيته ذوي الاحترام، اعلم أنَّ الصلاة َأعظمُ أركان الدين، فضائلُها شهيرةٌ منافعُها جليلةٌ فرضٌ على المكلفين بأجمعهم لا تسقط بحال.
روى مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين العبد وبين الكفر تركُ الصلاة. وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن بُريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركَها فقد كفر. وروى الإمام أحمد والدارمي والبُهيقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم: أنه ذكرَ الصلاة يوماً، فقال: من حافظَ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاتاً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاتاً، وكان يوم القيامة مع قارونَ وفرعونَ وهامان؟؟؟ خلف
وروى الترمذيَُ عن عبد الله بن شقيق، قال: كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَرونَ شيئاً من الأعمال تركهُ كفراً غير الصلاة. وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي أن لا تشركَ بالله شيئاً، وإن قطعتَ أو حرقتَ ولا ترك صلاة مكتوبة معتمداًً، ومن تركها فقد برِئت منه الذمة، ولا تشرب خمراً فإنه مفتاحُ كلِّ شر. فانظر إلى هذه الوعيدات. وقد قال الإمام الشافعيُّ رحمهُ الله تعالى: إن تاركَ الصلاة يُستتابُ فإن تابَ وإلَّا يقتل لأنه برئت عنه الذمة بالنص، وأنَّا عندنا فإن كان له منعةٌ يقاتل على ترك الصلاة حتى يتولوا وإن لم يكن له منعةٌ يُحبس ويُستتاب ويوجَّع ويعذَّب حتى يتوب، فإن تابَ ويظهر منه المواظبة على الصلاة، يُخرج من الحبس، وإلا لا يُحبسُ أبداً حتى يتوب ويظهر من المواظبة.
ثُمَّ للصلاة شروطٌ، أعظمُها الطهارة عن الحدَثين والأنجاس، فلنُبيِّن أحكامَ الطهارة ثُمَّ نُبيِّن الشرائط الأُخر، ثُمَّ صفتها وباقي أحكامها في فصول، فنقول مستعيناً بالله وهو وليُّ الإعانة: فصلٌ في الوضوء الذي هو طهارةٌ من الحدَثِ الأصغر وهو شرطٌ للصلاة قال الله تعالى:" وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسِلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين." ففروضُ الوضوء أربعةٌ: الفرضُ الأول: غسلُ الوجه، وهو من قصاص الشعر، أعني مُنتهى الجبهة إلى الرأس إلى أسفل الذقن وما بين شحمتي الأذنين، لأنه يقع بهذه المقدار المواجة وما بين الأذن إلى اللِّحية من؟؟ في الوجه، يفترض غسله كما عند الإمامين أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى والإمام أبي يوسف في الصحيح من؟؟ يروى عنه سقوط غسله، وأما اللِّحيةُ فإن كانت خفيفةً بحيث يرى البشرة ويكون الشعر منتشراً فيجب إيصال الماء إلى البشرة، ولا يجب إبلال الشعر وإذا كانت كثيفة، بحيث يكون الشعر ساتراً للبشرة فيُفترض غسل ظاهر اللِّحية لأنَّ اللِّحية قامت مقامَ البشرة في وقوع المواجهة بها فهي داخلةٌ في الوجه الذي أمرَ الله بغسله.
قال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير: قد أشار الإمام محمد في الأصل إلى أنه يجب غسل كل اللِّحية وقيل هو الأصح، وفي الفتاوى الظهيرية وعليه الفتوى، وقد روى عن الإمام أبي حنيفة روايات أخر، من أنه يجب مسح ربع اللِّحية، وعنه مسح ما يلاقي البشرة، وعنه أن يسقط عنه الغسل والمسح. وهذه الروايات كلُّها لا توافق الأصول. أمَّا هذه الروايةُ الأخيرةُ فلأنهُ يعمُّ سقوط الغسل لكن غسل البشرة وأمَّا غسل ما يقعُ به المواجهة فسقوطه كلَّا.
وأمَّا رواياتُ المسح، ففيها نصبُ الإبدال وذا لا يجوزُ بلا نص قال في فتح القدير. وعن أبي شجاع في البدائع أنَّهم رجعوا عمَّا سوى القول بالغسل، وقال في البحر الرائق: أن العجبَ من أصحاب المتون كصاحب الكنز أنَّهم ذكروا روايةً ضعيفةً وتركوا روايةً مفتى بها، فالمختار وجوب الغسل، والله أعلم بأحكامه.
الفرضُ الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين. والمرفقان داخلان عندنا في غسل اليَدين وكذا عند الإمام الشافعي والإمام أحمد والإمام مالك، وقال زفر: المرفقان غير داخلين، زعماً منه أنَّ الغايةَ لا يدخل تحت المُغيا، وما روى الإمام محمد: أنه صلى الله عليه وسلم أدارَ الماء على المرفقين، فقال الشيخ ابن الهمام: أن الفعلَ لا يكون موجباً، فيجوز كون غسل المرفقين ستة كسائر الزيادات.
وأمَّا عندنا فالغاية إذا كانت بحيث لو لم يؤتَ بها لدخلت في حكم المُغيا. فالغايةُ تدخل في حكم المُغيا، وفائدة إيراد الغياة على هذا إسقاط ما وراء الغاية ولهذا تسمى بغاية الإسقاط وإذا كانت بحث لو لم يؤتَ بها لم تدخل فلا تدخل، وفائدة الغاية حينئذ هذا الحكم، وهذه تسمَّى غاية المَّد والغاية ههنا من القبيلة الأولى، فتدخلُ في حكم الغسل وههنا الكلام طويل قد استوفى في أصول الفقه وقد بينا هذا منه في شرح المسلم.
الفرضُ الثالث: مسح الرأس، وهو الإصابة قد اختلفوا فذهب الإمام مالك إلى افتراض مسح كلِّ الرأس زعماً منه أن الباء للصِّلة أو زائدة، فالفعل متعدٍّ إلى الرأس، فيستوعب. وذهب الإمام الشافعيُّ إلى افتراض مسح بعضِ الرأس زعماً منه أن الباء للتبعيض وظاهر كون الباء للتبعيض، تدل على أنَّ لو مسح كل الرأس لكان مسح البعض وقع فرضاً والباقي نفلاً. وذهب الإمام أحمد فيما هو المختار عن عامة أتباعه أن الفرضَ ما يُطلق عليه اسم مسح الرأس سواء كان قليلاً أوكثيراً، فلو مسح كلَّ الرأس يقع فرضاً وعلى هذا معتبروا أصحاب الشافعيَّة، لكن حينئذٍ لا يصح البناء على كون الباء للتبعيض فإن المراد بالتبعيض ما ينافي الاستيعاب كما يقال من للتبعيض، ثم الأشبه بالصواب هوهذا المذهب؛ لأن الباء للإلصاق فوجوب إلصاق المسح بالرأس منطوق الآية، وهو كما يصدق عند استيعاب تمام الرأس يصدق عند المسح بجزء منه ولو كان قدر ثلاث شعرات.
وأمَّا كون الباء للتبعيض فقد أنكره محققوا أهل العربية حتى قال ابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض، فقد أتى على العرب بما لا يعرفونه، وذهب أئمتنا والإمام أحمد في رواية أن المفروض قدر ربع الرأس أو قدر ثلاثة أصابع. وفي فتح القدير أنَّ هذا قول الإمام محمد. وللحنفيَّة في إثبات مذهبهم طريقان: الأول أنَّ الآية مُجملة في المقدر لأنَّ الباء إذا دخلت على المحل لا يوجب الاستيعاب، فلا يُراد مسح كلّ الرأس، ولا يراد البعض أيَّ بعضٍ كان وإلَّا لتأدَّى المسح بغسل الوجه لأنَّ غسلَ الوجه لا يخلو عادةً عن وصول البلَل على الرأس بل البعض معين وهو مجهول، فصارت الآية مجملة. وقد التحق فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود عن أنس، رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يتوضَّأ وعليه عمامةٌُ قُطريةٌ، فأدخل يدَه تحت العمامةِ فمسح مقدم رأسِه على ناصيته وبذلك يدل على مسح صلَّى الله عليه وسلم، تمام مقدَّم رأسه، لأن الفعلَ متعدٍّ إليه بنفسه ومقدَّم الرأس ربعٌ من الرأس والمشهور في الاستدلال حديث المُغيرة أنَّه صلَّى الله عليه وسلم مسحَ على ناصيته، وهذا لا يدل على مسح تمام الناصية حتى يلزم منه مسح ربع الرأس لكونه بياناً للآية، بل لقائل أن يقول أنَّه روى مسلمٌ حديثُ المغيرة بهذا اللفظ أنه توضأ فمسح بناصيته والخفين.
والباء ههنا داخلةٌ على الناصية فلا يقتضي مسح تمام الناصية كما قلتم في الآية أن الباء داخلةٌ على المحل فلا يقتضي استيعاب الرأس، ثم في هذا الطريق نظرٌ ظاهرٌ لأنَّنا لا نسلمُ أنَّ الآية مجملةٌ وأنَّ الملراد بعضٌ معينٌ، فكيفَ ولو كانت مجملة لتوقُّف السَّلف من الصحابة والتابعين في الاستدلال بها، واحتاجوا عند الاستدال بها إلى ملاحظة البيان، ولم ينقل التوقف ولم يحتاجوا إلى البيان، وما قالوا لو كان البعضُ مطلقاً لتأدَّى الفرضُ بغسل الوجه، ففيه أنه إنَّما لا يتأدى الفرضُ عند الخصم لأنَّ الترتيب فرضٌ عنده لا لأن البعضَ متعينٌ ومن لم يرَ الترتيب فرضاً فله أن يقول يتأدَّى فرضُ المسح بغسل الوجه.
والحقُّ أنَّ غايةَ ما لَزِم من عدمِ تأدِّي الفرض فرضَ المسح بغسل الوجه أن يؤدِّي المسحُ على حدة لا في ضمن غسل عضوٍ من الأعضاء المفروضة؛ لأنه فرضٌ مستقلٌ فلا يتأدَّى بتبعيَّته فرضٌ آخر، ولا يلزم منه تعيّن البعضِ في المسح حتى يلزم الإجمال فافهَم.
الطريق الثاني: أنّ المسحَ فعلٌ متعدٍّ بنفسه قد يتعدَّى إلى المحلّ بنفسه فيستوعبه كما يقال: مسحتُ الوجه بالمنديل يضمُّ استيعاب الوجه، وقد يتعدَّى إلى الآلة، فيستوعبُ الآلة كما يقال: مسحتُ اليدَ بالحائطِ بفهم لصوق تمام اليد بالحائط.
والمسح في الآية متعدٍّ بالباء إلى المحلِّ فلا بدَّ من هناك من معقول يتعدَّى إليه بنفسه، وهو الآلة، فيكون المعنى: امسحوا أيديكم بالرأس، فيلزم منه استيعاب اليد، واليد قدر ربع الرأس؛ لأن مقدارَ رأس كلّ أحد أربعة أمثال يده.
ويقال لمحمد رحمه الله تعالى: إنّ الآلةَ أصابع اليد فيكتفى بقدر ثلاثة أصابع؛ لأن للأكثر حكم الكلّ، فيكون الفرض بقدر ثلاثة أصابع، ولا يجوز المسح بأصبع أو أصبعين، كما هو الصحيح عند أصحابنا.
وهذا الطريق وإذا كان أحسن من الطريق الأول، لكن بقي فيه خدشته في القلب؛ لأنه يجوز أن يكون المسح نازلاً منزلة اللازم، كما هو المذهب أن الفعل إذا لم يُذكر مفعوله، ولا تدلّ القرنية على تقدير مفعول معيّن يكون نازلاً منزلة اللازم، كما بُيِّنَ في أصول الفقه.
ويتفرّع عليه مسألة: لا آكل، فإذا نُزِّلَ المسح منزلة اللازم لا يقدّر له مفعول، ويكون معنى [الآية] الكريمة: ألصقوا وأوصلوا المسح بالرأس، فلا يلزم استيعاب الآلة، وإنّما يفهم الآلة اقتضاء فلا يعم، ويتقدّر بما يصحّ به إطلاق اسم المسح فصارت الآلة مطلقة في حقّ الآلة أيضاً. والله أعلم بأحكامه.
الفرضُ الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين بغير المتخفِّف أوالمسح على الخفين للمتخفِّف والمراد بالكعب العظم الناتي عند ملتقى الرجل والساق، والكعبان داخلان في الغسل خلافاً لزفر، وقد عُرفت في المرافق متمسكُ الفريقين، فتُذكر أنَّ افتراض غسل الرجلين لغير المتخفِّف فلأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال: ويلٌ للأعقاب من النار، قاله لمن قصَّر في غسل الرجلين حتى صار الغسل مسحاً، ولم يسل الماءُ على الأعقاب، وهذا الحديث قد رُوي في الصحيحين والسنن والمسانيد بطرق مختلفة كثيرة، ورواةُ الحديث قد بلغ كثرة يفيد العلم وقد عدَّ السيوطي رواتَه من الصحابة، فبلغ أزيد من عشرة وقد رووا القصة بألفاظ مختلفة متحدَّة المقصود، ولكن اتفقوا على نقل هذا القول بلفظ فبلحوق هذا الوعيد على من لم يسل الماء على الأعقاب يعلم علماً قطعياً بافتراض غسل الرجلين بلا شبهةً.
وأيضاً قد توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً مرةً وغسل الرجلين مرةً وقال هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلا به وهذا حديث مشهور بين المحدثين مروي في الصحاح وهذا يدل دلالة واضحة على أن الصلاةَ لا تقبل بدون غسل الرجلين.
وأيضاً قد تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في الوضوء.
ورواة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، اتفقوا على رواية غسل الرجلين عنه صلى الله عليه وسلم ولم يُروَ عنه صلى الله عليه وسلم قطٌّ مسح الرجلين لا في الحضر ولا في السفر، لا في البرد ولا في الحرِّ، والرواة عن أمير المؤمنين علي كثيرةٌ، منهم الإمامُ الحسين رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه بطول الكلام بذكر روايتهم، إلَّا أن نذكرَ رواية الإمام الحسين رضي الله عنه فقد روى النسائيُّ عن الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه، قال دعاني أبي على الوضوء فقرَّبته إلى أن قال: فغسلَ رجله اليمنى إلى الكعبتين ثم اليسرى.
وأمَّا ما رُويَ أنَّ أميرَ المؤمنين علياً صلَّى الظهرَ ثم قعدَ للناس على كرسيِّه ثم أتى بماء فمسحَ بوجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه وشرب فضلته قائماً، ثم قال: إنَّ ناساً يزعمون أنَّ هذا يُكره، وأنِّي رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعُ مثل ما صنعتُ، وهذا وضوء من لم يحدث، فبعد ثبوته لا يدل على مشروعية المسح على الرجل في الوضوء ولو دلَّ لدلَّ على مشروعية المسح على الوجه واليد في الوضوء بل صُنع للتبريد، ولذا قال هذا وضوء من لم يحدث، يعني ليس هذا وضوء الصلاة بل وضوء التبريد وإنما قال ذلك لئلا يلتبس على العامي وأنَّ الوضوء بهذا الوجه يكفي لإزالة الحدث، وقولُه أنَّ ناساً يزعمون أنَّ هذا يُكره إشارة إلى شرب الماء قائماً لا إلى هذا النحو من الوضوء، فإنَّ الناس يزعمونه باطلاً لا يُكره وكيف لم يذهب أحدٌ ألى كفاية مسح الوجه واليد في الوضوء.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمسح قط على الوجه و اليد في الوضوء، وأمَّا الوضوء بهذا الوجه للتبريد فلا يراه أحدٌ مكروهاً، فقد ظهر ممَّا ذكرنا أنَّ المفروض في الوضوء غسل الرجلين ولا مشروعيَّةٌ لمسحهما أصلاً، ولو كان مشروعاً لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً، إبانة للجواز كماهو؟؟؟ الشريف، ثمَّ إنَّ مسح الرجلين لم ينقل من واحد من الصحابة، وإن كانت الليالي شديدة البرد وقد روى الطحاويُّ عن عبد الملك بن سليمان، أنه قال: قلتُ بعطاء أبلغكَ من أحدٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على القدمين، فقال: لا.
وأمَّا ما يروى عن ابن عباس أنَّ الوضوءَ غسلان ومسحان، والسنةُ غسل الرجلين، فلم يثبت بسندٍ صحيح، بل هو باطلٌ لأن عطاء كان من كبار أصحاب ابن عباس رضي الله عنه وقد نفى بلوغ المسح عن واحد من الصحابة ولو كان هذا قول ابن عباس لما خُفي عليه، إنمَّا حكى هذا القول الإمام الرازي في تفسيره بلا سند، فروى من روى عنه، ولا اعتدادَ برواية الإمام الرازي على سبيل الإرسال؛ لأنه لم يكن من علماء هذا الشان وإن فرض ثبوته عنه، فقوله هذا كقوله في بيع الصرف بحلِّ التفاضلِ وقوله بحلِّ المتعةِ، فقد ظهر لك أنَّ فرضيَّة غسل الرجلين لغير المتخفِّف متحققٌ ثابت في الدين المحمدي بلا شبهة.
فبهذا العلمُ القطعيُّ، عُلم قطعاً أن لفظ أرجلكم في الآية داخل تحت المغسول بلا شبهة.
هذا على قرائة النصب واضح.
وأمَّا احتمال كون الواو بمعنى مع فباطل لما عُرفت في ثبوت غسل الرجلين في الشرع المحمدي بلا شبهة، ولأنَّ النحاة اتفقوا على أنَّ الواوَ بمعنى مع إنما، يكون إذا كان معين بحسب الزمان أو المكان، والواو الداخل على المفعول معه إنمَّا تدلُّ على المعية الزمانية والمكانية، وهذا لا يصح في الآية لأنَّ معيَّة مسح الرأس بمسح الرجل غير مفترض عند الكل.
وأمَّا على قراءة الجرِّ فأيضاً معطوف على أيديكم داخل تحت الغسل ويحمل الجرِّ على الجوارِ والحركة الجواريِّة شائعةٌ في العربية الفصيحة، وقد جاء في القرآن أيضاً في مواضعَ في بعض القراءات كما وقع قراءة أبي جعفر وقراءته من القراءات المتواترة، وأبو جعفر من القراء العشرة في قوله تعالى:"وإذ قلنا للملائكةُ اسجدوا" بضم تاء الملائكة اتباعاً بضم جيم اسجُدوا في سورة البقرة وبني إسرائيل، وحيث وقع.
وقال الشيخ عبد الحق الديلويِّ وقد وضع النحاة باباً للحركة الجواريَّة، وما قيل أنَّ الحركة الجواريَّة لم يجىء في فصيح الكلام: فقول من لا مذاق له في العربية.
وقال ابن الحاجب رحمه الله من دأب العرب أنَّ الفعلين الَّلذين يكون غايتهما واحدة إذا توجَّها إلى شيئين يُذكر أحدهما ويُنسب إلى أحد الشيئين ويعطف الشيء الآخر في اللفظ عليه ويحذف فعله ويقصد انتسابه إليه كما يُقال: علفتَهُ تبناً وماءً، والمقصودُ سقيته لأنَّ المقصودَ من العلف والسقي إبقاءُ الحياة، هكذا هنا عطفُ أرجلِكم على رؤوسكم بحسب اللفظ، والمقصودُ غسل الرجل؛ لأن المقصودَ من الغسل والمسح واحدٌ وهو إزالة الحدث والقرينة، على هذا ما ذُكر من كون غسل الرجل ثابتاً متقرراً في الشرع المحمدي بلا شبهة.
نُقلَ عن الإمام الشافعيِّ رحمه الله أنه حمل قراءة الجرِّ على المسح على الخفَين للمتخفِّف وقراءة النصب على الغسل بغيره، واختاره الإمام فخرُ الإسلام، وعلى هذا قوله تعالى:" إلى الكعبين لأرجلكم" متعلقٌ بمحذوف لا للمسح والمعنى وامسحوا بأرجلكم حال كونكم متخفَّفين إلى الكعبين والرجل الذي إلى الكعبين حتى لا يجوز المسح للمتخفِّف على العقب ولا تحت الرجل، وهذا التأويل أولى لأنَّ غسل رجل غير المتخفِّف ومسح المتخفِّف كلاهما ثابتان في الشرع المحمدي، فحملُ القرائتين على كلا الحكمين أولى وهذا شأن البليغ من الكلام لاشتماله على تبيُّن وضوء المتخفِّف وغير المتخفِّف واشتمال أحد القرَّاء من على فائدة والأخرى على فائدة أخرى وما قيلَ أنَّه لا يُقال للمسح على الخفِّ مسحٌ على الرجل، فليس بشيءٍ لأنه يقال إذا مُسح الشيء الملفوف بشيء غير متجافٍ مسحتَ ذلك الشيء، ويُقال مسحت العَضد وإن كان العضد في حكم. وهذا إطلاقٌ لا ينكره إلَّا من له غفلةٌ عظيمةٌ، ولذا مُنعوا مسَّ المُحدث القرآن الملفوف بغلاف غيرِ متجافٍ، لأنه يصدُق عليه مسُّ القرآن، وقد قال تعالى:" لا يمسُّه إلا المطهرون" فافهم ولا تكن من الجاهلين.
ثُمَّ شُرِّع غسل الوجه ومسح الرجل في غاية البعد من الحكيم؛ لأن الرجلَ محلُّ التلوث والوجه لا احتمال فيه للتلوث، وما كان محلُّ التلوث أولى بشرع الغسل، ثم الغسل أحوط لأنه يتضمن المسح، والمسح لا يتضمن الغسل فافهم ولا تكن في ريب.
وأمَّا مسح الخُفين للمتخفِّف فثابتٌ بالمتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شبهة.
قال الإمامُ تاجُ العارفين الشيخُ الحسن البصري: قد سمعتُ عن سبعين من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: أنَّه صلَّى الله عليه وسلم مسح على الخفين وجمع بعض المحدِّثين رواة المسح على الخفين فجاوز الثمانين. والصحاح والسنن والمسانيد مشحونةٌ بأسانيد حديث المسح على الخفين وإن كانت ألفاظ كلُّ روايةٍ منقولة ًآحاداً برواية الثقات العدول، لكن القدرَ المشترك المتفق فيها متواترٌ وهو بثبوت المسح.
قال الإمام أبو حنيفة: ما قلتُ بالمسح على الخفين حتى جاء به آثار مثل ضَوء الشمس.
وقال الإمامُ أبو يوسف: يجوز به نسخ الكتاب. وقال الإمام الشيخ ابو الحسن الكرخيِّ: أخاف الكفرَ على من لم يرَ المسح على الخفين لأنَّ الآثار التي جاءت به في حيِّز التواتر.
وقال الإمام عبد الله بن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندي خلاف، وأنَّه جائز وأنَّ الرجلَ ليسألني عن المسح على الخفين، فأرتابُ أن يكونَ صاحبُ هوى.
ورواة المسح على الخفين كثيرةٌ، ومنهم أبو بكر وعمر وعلي، أمراء المؤمنين وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعيد والمغيرة وأبوموسى الأشعري وعمرو بن العاص وابو أيوب وأبو أمامة وسُهَيب بن سعد وجابر بن عبد الله وأبو معبد وبلال وصفوان بن غسان وعبد الله بن الحارث وسلمان وثوبان وعبادة بن الصامت ويُعلى بنُ مرَّة وأسامة بن زيد وعمر بن زيد وعمر بن أمية الضُّميري وأبو هريرة وبريرة وأم المؤمنين عائشة رضوان الله عليهم أجمعين، كذا في فتح القدير وليس المقصود، وحصر الرواة فيهم بل ذكرُ هذا الجم الغفير من عدول الصحابة، وفيهم الأكابر الذين تفيد روايتهم العلم القطعي، ثم لم يُروَ من واحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين كما قال ابن عبد البر ولا عن أحد من الفقهاء إنكارُ ذلك وما عن الإمام مالك أنه كان لا يرى المسح على الخفين للمقيم فلا يقبله أصحابه وأتباعه وعامة أصحابه على جواز مسح الخف للمقيم والمسافر. وقال الإمام محمد في الموطَّأ: قال مالك: لا يجوز المسح للمقيم، وعامة هذه الآثار التي رواه مالك في المقيم.
قال في فتح الباري: الروايات الصحيحة عن مالك مصرَّحة بجوازه مطلقاً وقيل كان توقُّف مالك في المسح حال الإقامة في حقِّ نفسه، وكان فتواه على الجواز، وهذا يشير إلى أفضلية الغسل على المسح، وهذا بحث آخر.
وقيل للمالك: قولان في حقِّ المقيم والصحيح منهما، الجواز وبالجملة إنكارُ مسح الخف لم يصحُّ عن أحدٍ مطلقاً ولو صحَّ عن الإمام مالك في المقيم فهو مخالفٌ للإجماع السابق فافهم.
ثُمَّ شرطُ المسح على الخف أن يكون الرجلَ كلَّه مستورٌ بالخف؛ لأنه لو كان شيءٌ من الرجل مكشوفاً لوجب غسله فيجب غسل الكل لأن الجمعَ بين الغسل والمسح غير مشروع إلا أن الخرقَ القليلَ غيرُ مانعٍ لأنَّ شرطَ الخلوِّ عنه يُفضي إلى الحرَج، وحدِّ الكثير أن يبدو بقدر ثلاثة أصابع الرجل أصغرُها عند المشي، ولا يجوز المسح إلا إذا كان الخفان ملبوسين على طهرٍ تام وليسَ الطهُر التام شرطاً عند إدخال الرجل في الخف بل يكفي تحقق الطهر التام بعد اللبس عند الحدث، حتى لو غسل الرجلين، ثم لبس الخف، ثم غسل باقي الأعضاء ومسح، يجوز له المسح وفيه خلاف الإمام الشافعيِّ؛ لاشتراط الترتيب، وكذا يجوز المسح إذا توضَّأ مرتباً وغسل إحدى الرجلين ثم لبس الخف ثم غسل رجله الأخرى فلبس خفاً آخر وفيه أيضاً
خلاف الإمام الشافعيِّ.
والحاصل أن الطهر قبل اللبس شرط عنده وكذا عند الإمام مالك والإمام أحمد في رواية، وعندنا وعند الإمام أحمد في رواية عند الحدث بعد اللِّبس شرط. وجَّه قولنا أن الخفَّ وُضعَ شرعاً مانعاً عن سراية الحدث إلى القدمين، فيعتبر الطهرُ التام عند المنع ولا حاجة إلى اشتراط الطهر قبله؛ لأن القدمين طاهران قبله.
وتمسَّكوا بحديث أبي بكرة أنَّه صلَّى الله عليه وسلم رخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما في المشكاة. قال الخطابي: هذا الحديثُ صحيحُ الإسناد. هذا إنما يصح حجَّة لو كان التطهر بمعنى الوضوء وهو بعيد لأنَّ التطهر الاغتسال والمعنى والله أعلم أن رخصة المسح ليست إلا لمن اغتسل ثم لبس الخف لا للجنب، فلا تدل على ما تمسكوا أصلاً.
ومحلُّ المسح ظاهر الخف، لقول أمير المؤمنين علي رضي الله عليه لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه. رواه أبو داود.
وصفة المسح أن يضعَ أصابع يده اليمنى على ظاهر خف رجله اليمنى وأصابع اليد اليسرى على خف رجله اليسرى ويمدها إلى الساق بحيث يبدو خطوط. قالوا هذا سنة المسح؛ لأنَّ مسحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كذلك. والقدر الفرض المسح بقدر ثلث أصابع اليد.
ومدَّة المسح للمقيم يومٌ وليلة، وللمسافر ثلاثةُ أيام ولياليها، ثُمَّ بعد مضي المدة يجب نزع الخف وغسل الرجلين عن شريح، قال: سألت علي ابن أبي طالب عن المسح على الخفين قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم رواه مسلم. ويجوز المسح على الجرموقين إذا كانا من الأديم والجرموق: خفٌّ يُلبس فوق الخفِّ. وعند الإمام الشافعيِّ لا يجوز المسح على الجرموق، ولنا ما روى بلال: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يخرجُ فيقضي حاجته فآتيه الماء فيمسح على عمامته وجرموقيه. رواه أبو داود. والمسح على العمامة قد وقع في هذا الحديث مجملاً، لكنَّ رواية أخرى مفصلة كاشفة عن إجماله، أنَّه صلى الله عليه وسلم مسح على مقدِّم رأسه ومدَّ على العمامة، ولا يكفي المسح على العمامة فقط بالإجماع.
وأمَّا إذا كان الجرموقُ من الكرباس، فلا يجوز المسح عليه إلا إذا كان رقيقاً بحيث يصل البلةُ على الخف، والحديثُ حكاية حال فلا تعمُّ بل تختصُّ بالجرموق والصالح للمسح.
ويجوز المسح على الجورَبين الثخينين، بحيث يمكن قطع المسافة معه دون شد على الساق والجورب: لفافة الرجل، كذا في القاموس وهو غير الجرموق. وشرط الإمام أبو حنيفة أن يكونا مجلدين أو منعلَين، وقالا يجوز المسح عليه مطلقاً، والفتوى على قوليهما لما عن المغيرة، قال: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الجوربين والنعلين. رواه التَّرميذي وأبو داود.
وقالوا المراد بالنعلين: النعلان الملزقان بالجورب. والحاصل أنَّه صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين كنعلين والله أعلم.
وقد تكلم في هذا الحديث ونقل تضعيفه عن الإمام أحمد وابن حُدي ومسلم كذا في فتح القدير وفي جامع الأصول، قال أبو داود: ومسح على الجوربين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهيل بن سعد وعمر بن الحويرث، وفيه أيضاً وروى ذلك عن أمير المؤمنين عمر وابن عباس فنقول: كفى بهذه الآثار قدوة.
ثمَّ نقولُ الخفَّ الشرعيَّ: ما يستر الرجل مع الكعب وتدفع أذيّة البرد عند الجلوس والقيام، وقطع المنازل وتصون به الرجل عن الشوك. وبهذا المعنى توجد في الجورب الثخين، فلا معنى لشرط التنعيل والتجليد فلأشبه ما قالاه، ولذا فتوا به، ثم مسح الخف إنما يشرع للمحدث وتقوم مقام غسل الرجل في الوضوء ولا يجوز للجنب.
وقد روى صفوان بن غسال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزعَ خفافنا ثلاثةَ أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن عن غائط وبول؟؟؟. رواه الترمذي والنسائي.
ثُمَّ اعلم أنَّ المسحَ على الخفين ليسَ خليفةً عن غسل الرجل بمعنى أن يكون الوظيفة حالَ التخفُّف الغسل، ويكون المسح ثابتاً عنه كما في التيمُّم والوضوء، بل الفرض على المتخفف مسح الخف ابتداءً، فمسح الخف رخصة إسقاط وهذا لأنَّ الخف اعتبر شرعاً مانعاً عن سراية الحدث إلى القدمين. والحدث إنَّما سرى الخفُّ فصار الخفُّ بمنزلة الجلد، فالوظيفة المتعلقة بإزالة الحدث إنما تعلقت بالخفَِّ دون القدم هذا؟؟؟ الصحيح كما بُيّن في أصول الفقه، وحينئذٍ لو خاض المتخفف في النهر بنية غسل الرجل يُأثم.
وقال في؟؟؟ وغيره أنَّه يقع عن الغسل ويبطل المسح فلا يجب الغسل بمضي المدة ولا يجب نزع الخفِّ عند المضيِّ، بل تعتبر المدة من وقت الخوض الصحيح المطابق للأصول ما قال الشيخ ابن الهمام: أنَّ هذه الروايات غير صحيحة ولا تُبطل المسح بالخوض ولا تقع عن غسل الرجل، كيف وهذا الغسل إَّنما هو كغسل باطن البدن لعدم سراية الحدث إلى القدم، فيلغوا ولا تبطل المسح ويجب النزع والغسل عند مضي المدة ولا تعتبر المدة من وقت الخوض هذا والله أعلم بحقيقة الحال، هذا كلُّه تمام الكلام في بيان فرائض الوضوء.
[مقابل] وأما النية في الوضوء فهي شرط لكون الوضوء قربة مناطاً لترتيب الثواب الموعود إجماعاً لقوله تعلى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وأما في كون الوضوء طهارة متفاحاً للصلاة فليست النية شرطاً فيه لأن الله تعالى نما أمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس فشرط النية زيادة عليه من دون حجة فلو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس للتبرد يزول عنه الحدث عندنا ولا يترتب عليه الثواب كما في غسل الثوب للتنظيف لا لأنه مأمور الشارع وأنه شرط الصلاة وقال الأئمة الثلاثة النية في شرط صيرورة الوضوء طهارة ومزيلاً للحدث واستدلوا بالحديث المشهور إنما الأعمال بالنيات قالوا تقديره صحة الأعمال بالنيات وعندنا تقديره ثواب الأعمال بالنيات والحق ما ذهب إليه مشايخنا لأن مورد نزول الحديث الهجرة فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه فلا يجوز تخصيص الهجرة عن هذا الحديث ولم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هاجر للنكاح أو لطلب التجارة تجديد الهجرة مع أن الهجرة كانت فرض عين فعلم أن هجرتهما صحت والثواب لم يترتب فالتقدير تقدير الثواب لا تقدير الصحة فلا تدل الحديث على مطلوبهم هذا أما عندي في هذا المقام وأما تحقيق الكلية أن المقدار في أمثال إنما الأعمال بالنيات الثواب في أمثال رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الإثم فموضعه أصول الفقه وقد أشبعنا الكلام في المسألتين في فواتح الرحموت شرح المسلم وأما الترتيب والموالاة فليسا بفرضين عندنا وقال الشافعي الترتيب فرض وقال مالك الموالاة فرض وجه قولنا أن الله تعالى عطف أعضاء الوضوء بالواو وهو المطلق الجمع أعم من الترتيب والتوالي فالأمر في الكريمة بغسل الأعضاء والثلاثة ومسح الرأس أعم من أن يكون متوالياً ومتفرقاً وأعم من أن يكون مرتباً أو غير مرتب فشرط الترتيب أوالتوالي مبطل للإطلاق
المنصوص في الكتاب وأما حجتهما فلم أطلع على شيء صالح للذكر وأما التسمية قبل الوضوء فليست فرضاً أيضاً عندنا لأن الحكم بفرضيتهما زيادة على الكتاب بلا حجة فالكتاب ناطق بإيجاب غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس لا غير وقال الإمام أحمد التسمية فرض ونسبته افتراض التسمية إلى الإمام الشافعي غلط وخطأ وصرح به الشيخ ابن الهمام واستدل بما رواه نفسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله وجوابه أولاً أن هذا الحديث قد روي بطرق كلها ضعيفة وقد بينا في فتح القدير الطرق كلها وبين ضعف رواة كل طريق لكن قال الضعيف فيها ليس للفسق فيرتقي بكثرة الطرق إلى درجة الحسن واختار هو لهذا وجوب التسمية دون الفرضية لئلا يلزم الزيادة على الكتاب بخبر الواحد لكن الكلام في أن الكثرة بهذا القدر يكفي في الارتقاء إلى درجة الحسن فتأمل حسن التأمل وثانياً أن المعنى نفي الكمال كما ورد من حديث كل امر ذي بال لم يبدء بحمد الله فهو أقطع والوضوء أمر ذو بال لو لم يحمل على نفي الكمال لعارض هذا الحديث الخاص والعام
9
عندنا يتعارضان كما بين في الأصول وثبوته أضعف من هذا الحديث لأن هذا الحديث خال عن التكلم في ثبوته فافهم وثالثاً بمعارضته بما روى أبو داود والترمذي عن أبي بيردة والدارقطني عنه وعن ابن مسعود وابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال من توضأ فذكر اسم الله كان طهور الجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهور الأعضاء وضوئه فإن سياق هذا الحديث في إثبات الكمال وهذا إمارة السنية والاستحباب كذا قال الشيخ عبد الحق الدهلوي وإذا قد بلغ كلامنا هذا النصاب في تبيان ما هو فرض في الوضوء وما ليس بفرض فلنوجه عنان الكلام إلى ذكر الوضوء المسنون فاعلم أولاً أن المسنون للمستيقظ أن يغسل يديه قبل الإدخال في الإناء واستدلوا بما روى الشيخان عن أبي بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم م المنام فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلهما ثلثاً فإنه لا يدري أين باتت يده فإن قلت قد بينوا في الأصول أن خبر الواحد فيما يعم به البلوى لا يقبل ومثلوا بهذا الحديث ورووا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فما تصنع بالمهراس وقالوا المهراس لا يمكن أخذ الماء منه إلا بإدخال اليد قلت لا يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى على خلاف عملهم أو يقع الحرج العظيم لأن انفراد واحد فيما بين الجماعة مع حاجة الكل إليه مريب في ثبوت الحديث وهذا الحديث ليس من ذلك القبيل إلا إذا كان النهي التحريم غمس اليد في الإناء ونحن لا نقول به كيف والتعليل المذكور في الحديث أيضاً ينافي نهي التحريم لأن الاحتمال لا يوجب تحريم الغعمس والتمثيل الواقع في الأصول بهذا الحديث بالمعنى الذي فهمه أبو هريرة من التحريم وروا أم المؤمنين أيضاً يتوجه إلى مزعوم أبي هريرة وأما إذا كان النهي للتنزيه ويكون غسل اليدين قبل الغمس مندوباً فلا ولذا قلنا أن غسل اليدين قبل الغمس مندوب في حكم السنة هذا إذا أمكن وإن لم يمكن كما في المهراس والإناء الكبير الآخر ولم
يكن معه إناء صغير فقد قالوا يدخل أصابع اليد اليسرى ويأخذ منه الماء ويغسل اليد اليمنى ثم يدخل اليد اليمنى كيف شاء ويغسل اليسرى وهذا مجرد الاستحباب وإن أدخل اليد قبل الغسل فلا يفسد الماء وإن كان الإناء صغيراً هكذا ينبغي أن يفهم فإذا أرادوا الوضوء ينبغي أن ينوي الطهارة وفي الحوادث يتوضأ بالخضوع والخشوع ويسمي الله تعالى والمشهور بين الفقهاء أن يقول باسم الله تعالى العلي العظيم وإن قال بسم الله الرحمن الرحيم كفى ثم يغسل اليدين إلى الرسغين وهذا غير غسل المستيقظ ثم يمضمض بثلاث غرفات ثم يستاك لقوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وبتأخير العشاء رواه الشيخان ثم يستنشق بثلاث غرفات ويستنثر بيده اليسرى لما عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيضه اليسرى وقال هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم رواه النسائي وروى الترمذي والنسائي عن سلمة بن قيس إذا توضأت فاستنثروا وإذا استجمرت فأوتر وقال الإمام الشافعي يصل بين المضمضة والاستنشاق بأن يتمضمض ويستشق بغرفة واحدة ثم وثم لما روى الترمذي عن عبد الله بن زيد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق بكف واحد ولنا ما روى أبو داود عن طلحة بن مطرف عن جده قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته فرايته يفصل بين المضمضة والاستنشاق قال يحيى بن معين اسم جده عمر بن كعب وله صحبة عند المحدثين وكذا قال عبد الرحمن بن مهدي كذا قال البيهقي وكفى بهما قدوة قال في فتح القدير بعد اعتراف أهل الشأن بالصحبته لا أعتد بخلاف من خالفهم وقد نقل الشيخ عبد الحق الديلوي عن الشمني أن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت على الوجهين واختار أئمتنا الفصل لأن الفصم والأنف عضوان مستقلان فلا يجمع بينهما كسائر الأعضاء وقال أيضاً ناقلاً عن الظاهرية أن الخلاف في الأفضلية
ويجوز الوصل عند الإمام أبي حنيفة والفصل عند الإمام الشافعي أيضاً يجوز فعل هذا يتأدى السنة بأيهما فعل والله أعلم ثم يغسل وجهه
10
مع لحيته لما مر ثلاثاً وتخلل لحليته وهو سنة عند الإمام أبي يوسف وفضيلة عن الطرفين والأصح قول أبي يوسف وكيفيته أن يأخذ الماء ويبل من تحت ذقنه ويدخل الأصابع البالة من تحت لحيته إلى فوقها بحيث ينتشر البلة في اللحية وقد روى الترمذي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول هكذا أمرني ربي وقوله أمرني ربي وإن اقتضى الوجوب وهو الظاهر من قول الإمام أحمد حيث قال إن تركه عامداً أعاد الوضوء وإن ساهياً فلا وجعل النسيان عذراً لكنا لم نقل بالوجوب ونحمل الامر على الندب لأن الوضوء مما يعم به البلوى فلا يقبل فيه خبر الواحد الموجب لامر زائد قد خفى على الأكثر بل يأول بالاستحباب كما تقرر في أصول الفقه ثم يغسل يده اليمنى ثلاثاً ثم اليسى ثلاثاً ثم يخلل أصابع اليد فتخليل أصابع اليد وكذا تخليل أصابع الرجل عند غسل الرجل سنة عندنا وكذا عند الإمام الشافعي وعندالإمام أحمد تخليل أصابع الرجل سنة وفي أصابع اليد روايتان عنه الأشهر أنه سنة أيضاً وفي رواية لا وقد روى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك ولم يحمل الأمر على الوجوب لما بينا ثم يأخل بللأ جديداً أو يكتفي بما بقي من غسل اليد ويمسح راسه كله يقبل ويدبر مرة واحدة ويمسح أذنيه بماء الرأس بالسبابة وكيفيته مسح الرأس أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم الرأس ثم يمده إلى قفاه على وجه يستوعب الرأس ثم يدبر من قفاه إلى المقدم ثم يمسح بالمسبحة الإبهام الأذن ولا يصير الماء مستعملاً لأن الرأس والأذن عضو واحد طريق آخر هو أن يضع من كل من
اليدين ثلاثة أصابع غير السبابة والإبهام على مقدم رأسه ويجاف كفيه ويمد إلى مؤخر الرأس ثم يضع كفيه على مؤخر الرأس ويمده إلى مقدم الراس ثم يمسح بالسبابة والإبهام الأذنين وهذا الطريق مذكور في المحيد وهذا التكلف لئلا يصير الماء مستعملاً في الإدبار ومسح الأذن لا يحتاج إليه لأن الرأس والأذن عضو واحد فاستيعاب الرأس بالمسح سنة مرة تثليث المسح بماء جديد بدعة وأما بماء واحد فلا بأس في رواية الحسن وفي ظاهر الرواية لا يثلث أصلاً لنا ما روى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال رأيت علياً يتوضأ فغسل وجهه ثلاثاً وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه مرة واحدة ثم قال هكذا توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام الشافعي يثلث مسح الراس بمياه جديدة وقد روى في بعض الأخبار تثليث المسح وحكم أهل الحديث بضعفها قال في سفر السعادة لم يصح حديث في تثليث المسح ولو سلم فيحمل على التثليث بماء واحد على ما في رواية الحسن ويستدل له بما ورد في الحديث الصحيح أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً وجوابه أن المراد بتثليث الأعضاء المغسولة وبالقياس على الأعضاء المغسولة يجامع الركنية وهو قياس طرد والعلة المؤثرة في الأصل إكمال الفرض في محله وتدل عليه الأمر بإشباع الوضوء والإكمال في الغسل بالتكرار وفي المسح بالاستيعاب ثم تثليث المسح بمياه جديدة بما يؤدي إلى الغسل فيعود المسح غسلاً فيكون بدعة وأما مسح الأذنين فسنة عندنا وعند الإمام أحمد بماء الراس وعند الإمام الشافعي بماء جديد وكذا عن الإمام مالك لنا ما روى الترمذي وأبو داود عن أبي أمامة توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وقال الأذنان من الرأس قال البيهقي وكان حماد يشك في رفعه وقال لا أدري أقوله الأذنان من الرأس من قول أبي () من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر في هذا سهل لأن الإمام أبا حنيفة رواه بسند متصل عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم الأذنان من الرأس وإن كان من قول أبي أمامة فقوله هذا مثل الحديث بعدم استقلال الرأي في مثله واستدل الشافعي بما رواه الحاكم عن حبان بن واسع
11
أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه ورواه البيهقي في سننه وقال حديث صحيح ويجاب بجملة على فعله أحياناً كما إذا لم يبق في يده بلة لقوة حديث الأذنان من الرأس قال الشيخ عبد الحق لو رجحنا فما رويناه كثير وأشهر فقد روى من حديث أبي أمامة وأبن عباس وعبد الله بن زيد وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وأنس رضوان الله تعالى عليهم وذكر الشيخ عبد الحق عن شرح كتاب الجرحى في مذهب أحمد أن غالب من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح راسه وأذنيه بماء واحد والله أعلم بأحكامه وأما مسح الرقة فاختلف فيه المشائخ الحنفية فعند البعض ليس بشيء وعند البعض مندوب ومن جعله مندوباً قال يمسح بالطرف الآخر من اليد وقد ورد في مسح الرقبة حديث حكم المحدثون بضعفه قال في سفر السعادة لم يصح حديث في مسح الرقبة والله تعالى أعلم بأحكامه وإذا فرغ من مسح الراس مع الأذن غسل رجله اليمنى ثلاثاً ثم رجله اليسرى إن لم يكن متخففا ويخلل الأصابع بخنصر اليد واليسرى ويبتدء بخنصر رجله اليمنى وينتهي إلى إبهامهما ثم يبتدئ بإبهام الرجل اليسرى وينتهي إلى خنصره وقد روى الترمذي وأبو داود عن المستورد بن شدلااد قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك أصابع جليه بخنصره وإن كان متخففا يمسح على الخفين بالكيفية التي بينت من قبل واختلفوا ففيه الهدياة الغسل أفضل للمتخفف بنزع الخف وإسقاط وسبب الرخصة ولا يظهر وجه إلا أن الغسل أشق على النفس وجمع على أن لا ينزع خفيه بل يمسح ولا فضيلته في النزع للغسل قال في سفر السعادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يتكلف بل إن كان متخففا يمسح وإن كان مجرد عن الخف
يغسل الرجلين وهو الأشبه بالصواب والمطابق للأصول وتثليث غسل الأعضاء المغسولة والترتيب المذكور والموالاة سنة قال في سفر السعادة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك قط الترتيب والموالاة وقد روى الترمذي والنسائي عن أبي () قال رايت علياً توضأ فغسل كفيه حتى أنقا بماء ثم مضمض ثلاثاً فاستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه مرة ثم غسل قدميه إلى الكعبين وروى النسائي عن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً وقال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم لعل المراد تعدى السنة وظلمها ثم إن كان عضو من أعضاء المتوضئ () بحيث يضره إسالة الماء عليه أو كان منكسر فشد الجبائر عليه أو كان فصد فعصب أو كان دنبل وجرح فألزقه دواء أو شد عصابة عليهما وضر الحل فالمختار أن يمسح عليه وعلى الجبائر والعصائب وهذا المسح في حكم الغسل غير مؤت بوقت وإنما ينتقض بالبرء لأن هذا العذر فوق عذر نزع الخف فيكون الشرح المسح أولى كذا في الهداية وفي فتح القدير قال المنذري وصح عن ابن عمر موقوفاً المسح على العصابة وساق بسنده عن ابن عمر أنه توضأ وكفه معصوبة فمسح عليها وعلى العصابة وغسل سوى ذلك وقال فيه قال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين هو عن ابن عمر صحيح انتهى وإذا صح عن ابن عمر كفى به قدوة وفي فتح القدير الموقوف في هذا كالمرفوع لأن الأبدال لا ينصب بالرأي فإن قلت لعل حكم ابن عمر بدلالة نص المسح على الخف مع قيام هذا الاحتمال لا يكون كالمرفوع قلت هذا لا يضر لأن قسم ابن عمر هذه الدلالة يفيد قوة الدلالة للنص عليه فما أفهم مرفوع () ثم قد روى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الجبائر وروى ابن ماجه عن زيد بن علي عن أبيه عن جده الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب قال انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأمرني
12
أن مسح على الجبائر قال في فتح القدير سند كليهما ضعيف ففي الأول أبو عمارة محمد بن أحمد بن مهدي وهو ضعيف وفي الثاني عمرو بن خالد الواسطي وهو منكر ونقل عن النووي اتفقوا على ضعف الحديث الثاوني لكن فعل ابن عمر يقوي الحديث الأول والله أعلم بالصواب ثم أنكر أن هذا المسح فرض كمسح الخف لأنه قائم مقام الغسل فأخذ حكمه فلا يجوز الوضوء مع تركه وهو قولهما وعن الإمام أبي حنيفة أنه واجب لا يفوت الوضوء بفواته لكن التارك آثم وقيل واجب عندهما ومندوب عنده لأنه بالعذر سقط الغسل فلا ينوب غيره مقامه إلا بنص وقال في فتح القدير أن تعليل الهداية يشير إلى كونه فرضاً والله أعلم وأما نواقض الوضوء فمنهما ما خرج من أحد السبيلين غير الريح الخارج من الذكر من بول وغائط وندى وقيح وورد ودودة وريح خارج من دبر معتاد كان أو غير معتاد ولقول ابن عباس الوضوء مما خرج رواه البيهقي وقد يروى مرفوعاً عنه صلى الله عليه وسلم رواه الدارقطني وضعفه ثم هذا اللفظ عموماً لم يصح إلا موقوفاً على ابن عباس لكن الحكم العام يثبت بمجموع ما ورد من نصوص خاصته واردة في خصوص خصوص خارج خارج فنقول قال الله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط والمجيء من الغائط أريد به قضاء الحاجة البشرية من الدبر والحاجة البشرية تعم ما كان معتاد أو كان لمرض فيشمل كلما يخرج من الدبر ويحتاج إلى قضائه من وهم أو دود أو قيح أو بلغم أو غير ذلك وأما الريح الخارج من الدبر فنقضه علم بالنص وهو ما روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى سمع صوتاً أو يجد ريحاً والمقصود حصول التيقن بخرج الريح فعلم منه أن خروج الريح من الدبر ناقض وعلم أن الشك لا يزول به ما كان قبل شرعاً ونهذا أصل عظيم يتفرع عليه مباحث كثيرة من الفقه وروى الترمذي عن أبي هريرة لا وضوء إلا من صوت أو ريح
والمستثنى منه المقدر الشيء الذي يجد في البطن أي لا وضوء من شيء يجد في البطن إلا من صوت أو ريح ليس استثناء من عموم الأحوال وإلا لما كان البول والغائط من النواقض والحديث دال على أن قرقرة البطن من دون خروج ريح لا ينقض الوضوء كما هو مذهبنا خلافاً لما يروى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن القرقرة مطلقاً ناقض وروى الترمذي وأبو داود وعن علي بن طلق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فسا أحدكم فليتوضأ ولا تأتوا النساء في أعجازهن فقد علم مما ذكر أن كلما خرج من الدبر معتاد أو غير معتاد ناقض وقد ورد في الأحاديث الصحاح بل بال فتوضأ فعلم أن البول ناقض والبول هو ماء يخرج من الذكر وله لون معتاد وقد يكون لونه أحمر كما إذا عرض لكليته مرض فشمل أقسام البول وقد أمرت المستحاضة بالوضوء مع أنه دم خارج من انفجار العرق وهو نوع من الجرح فعلم أن ما يخرج من جرح من سبيل القبل ناقض والقبل للنساء كالذكر للرجال فالدم الخارج من المثانة والرحم والإحليل أو الفرج ناقض وقد روى الترمذي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عليه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي فقال من المذي الوضوء ومن المني الغسل فدل هذا النصل على أن المذي ناقض والودي في معناه فقد لزم من هذه النصوص أن ما خرج من الذكر والفرج ناقض إلا الريح والدود فقد لزم كلية أن ما خرج من أحد السبيلين ناقض ما خلا الريح الخارج من الذكر والدود الخارج منه ولا يحتاج في إثبتها إلى حديث رواه الدارقطني وضعفه وإنما لا ينقض الريح والدود الخارجان من الذكر لأنهما لا يخرجان عن موضع النجاسة فافهم والله أعلم بأحكامه ومن النواقض خروج الدم والقيح إذا كانا سألين إلى موضع يلحقه حكم التطهير وأما إذا لم يسيل فلا ينقض وقال زفر ينقض في الوجهين أما الماء الذي يسيل من القرح قيل ينقض وقيل لا ينقض وفي البحر الرائق الرواية الثانية أرفق بأصحاب الحرب في الهداية أن قشر نقطة فسال
منها ماء أو صديد أو غيره إن سال ينقض فقد اختار الرواية الأولى ومن النواقض القيء ملأ الفم وإن كان قليلاً لا يملأ الفم لا ينقض وقال زفر ينقض في الوجهين ثم القيء بأنواعه ناقض طعاماً كان أو مرة أو علقة
13
أو دماً بالغاً على البزاق إلا البلغم فانه لا ينقض عند الطرفين وقال ابو يوسف ينقض واستدل في البداية ان البلغ لزج لا يدخله النجاسة فلم يتحقق خروج النجاسة وما عل ظاهره قليل والقليل لا ينقض في غير السبيلين وفيه تامل سيظهر انشاء الله تعالى وهب بعض المشائخ اذا اكل طعاماً فتقيأ من فوره لا ينتقض طهارته لانه لم يصر يخبا لعد التضيروتاجاوه من النجاسة قليل لان اعلى المعدة فليس محلا للنجاسه ومن المشاخ من فرق في الدم والقيح والصديد بين الخارج بنفسه فجعلوه ناقضا والمخرج بالعصر فلم يجعلوه قضا في البدايه وهذا شيء عجاب لان الادله المقامة غير فارقة بين الخرج والمخرج فالحق ذهب اليه المشائخ الاخرون الانتقاض بالخارج المخرج جميعاً وفي فتح القدير اختاره شمس الائمة عندنا وذهب الائمة عندنا وذهب الائمة الثلاثة على ان الخارج من غير السبيلين لا ينقض اصلاً الا ان الامام احمد ذهب الى ان البول والغائط اذا خرجا من غير السبيلين ينقضان ولنا في اثبات نقض الخارج من غير السبيلين طريقان الطريق الاول الاستدلال بالحديث فقد روى الدار قطنى عمر بن عبد العزيز عن نميم الداري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء من كل دم سائل وقال الدارقطنى عمر بن عبد العزيز لم يسمع النميم الداري كذا في المشكوه وهذا ليس بشيء لان المرسل مقبول عندنا مطلقا وعند الامام الشافعي اذا تعاضد بمعاضد وعد منه روايته ولو بسند ضعيف وهذا قدوري سند وقال الدارقطني في رواية يزيد بن خالد ويزيد بن ممد وهما مجهولان اجابه عنه الشيخ عبد الحق وقال ابا يزيد بن خالد ويزيد بن محمد فقد اختلف فيه وثقوه حينئذ لا كلام في السند اصلا وفي فتح القدير رواه ابن عدي في
اتكال عن زيد بن ثابت وقال لا نعلمه الا من حديث احمد بن فروح وهو ممن لا يحتج بحديثه ولكنه يكتب فان الناس مع ضعفه احتملوا حديثه وقال في فت القدير لكن قال ابن ابي حاتم في كتاب العلل فقد كتبنا عنه ومحله عندنا الصدق واذا عرفت هذا فلا يبقى لك شبهة في ان الحديث مما يحتج به وقد روى ابن باجة عن ابن عباس عن ابن جريج عن ابن ابي بليكة عن ام المؤمنين عائشة الصديقة قال النبي عليه الصلاة والسلام من اصابه قيء او رعاف او ندى فلينصرف ولتوضأ ثم يبين على صلوته مالم يتكلم وهو في ذلك لا يتكلم قال في فتد وقد تكلم في ابن عياش وجملة الحاصل ان يحتج به في حديث الشاميين والحجاريين ولم يفه بعد فانه اذا كان ثقة تقبل روايته الثقة مطلقة فلا معنى للتخصيص ثم نقل عن البيهقي انه روى من جهة الدارقطني عن ابن جدريد عن ابي مرسلاً وقال هذا هو الصحيح فقد ظهر مما تلو عليك صحة هذا الحديث مرسلاً باعتراف علماء هذا الشأن وهو كاف لنا لان المرسل جة خصوصً اذا عاضده مسند وهذا الحديث سند ايضاً قابل للاحتجاج وقد روى الترندى وابو داؤد عن الحسين المعلم بسنده الى معدان بن ابي طلحة عن ابي الدرداء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء وكان صائماً فتوضأ ثوبان في مسجد دمشق فسألته فقال صدق وانا صببت له وضوء قالت الشافعية له طرق فيه اضطرب ونقل الشيخ ابن العامر عن ابن الجوزي قال قال الأشرم قلت لاحمد قد اضطربوا في هذا الحديث قال قد جوده حسن المعلم يعنى انه لا اضطراب في هذا السند ان كان السند الاخر مضطرباً ف يضر فقد ثبت بهذه الاحاديث ان النجاسة الخارجة من غير السبيلين ناقض لوضوء وبم مطلوبنا قال الشافعية هذه اخبار احاد فيما يعم بالبلوى بها وانتم لا تقبلون الاحاد فيه قلنا انها ليست هذه العوارض مما يعمم بالبلوى لان هذه العوارض انما توجد بالمرض وهو في غية الندرة فتأمل فيه فان فيه تاملان لان خروج واحد واحد من المذكورات بانفراده وان كان نادر
لكن خروج شيء من الدم ونظائره ليس بنادر بل قليل ينجو الانسان عنه ومسلم ان هذه الامور انما يكون من لكن ابتلاء كل في مكان يوجب الدم والقيح او بمرض توجب خروج القيء اكثر فهذا مما يعمم البلوى واستدلت الشافعية وآخر بهم بما روى الشيخان عن ابي هريرة قال قال رسول الله
14
صلى الله عليه وسلم لا يقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ فقال رجل من حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة فقال فساء أو ضراط وهذا لا حجة فيه لأن الحدث ما ينقض الوضوء وإن تشبثوى بتفسير أبي هريرة فتأويل الصحابي العموم إلى الخصوص ليس حجة عندنا ثم نقول إنما ذكر أبو هريرة الفساء تمثيلاً لأن الحكم شامل للبول والغائط والمذي بالاتفاق فلا حجة فيه أصلاً واستدلوا أيضاً بما روى الحاكم والبخاري معلقاً عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة الرقاع فرمى رجل بسهم فرقى الدم فركع وسجد ومضى في صلاته ورواه أبو داود بما هو أطول من هذا قال الشيخ عبد الحق هذا إنما ينتهض حجة إذا ثبت اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة ذلك الرجل ويثبت تقريره عليها ولم يثبت ونقل عن الخطابي ولست أدري كيف تصح الاستدلال به والدم إذا سال اصاب بدنه ومع إصابة شيء من ذلك لا تصح صلاته وانطوائه إنما لم يقطع الصلاة لأنه كان في ذوق ذكر الله فكره ترك ذكر الله لما كان يجد الذوق وكان غير مختار في هذا الصنع لتوجه إلى مشاهدة من مشاهدته ننسى كل شيء سواه ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود وحين قيل له سبحانه الله لا تنهى أول ما رمى قال كنت في سورة اقرؤها فلم أحب أن أقطعها هذا والله أعلم بأحوال خاصة عباده الطريق الثاني طريق القياس والمشهور في تقريره أن خروج النجاسة مؤشر في زوال الطهارة في نقض ما خرج من أحد السبيلين وقد ظهر تأثيره في عين الحكم فيما خرج من أحدهما وفي جنس الحكم حيث وجب تطهير ما أصابه فمتى وجد خروج النجاسة تنتقض الطهارة وتحقق الحد وبتحقق الحدث توجه أمر الوضوء ضرورة
وحينئذٍ سقط ما قال الشافعية أن تطهير الوضوء () وخروج شيء من أحد السبيلين يوجب غسل الأعضاء المخصوصة مخالف للقياس لأن خروج النجاسة من موضع وإيجاب غسل موضع آخر مما لا سبيل للعقل إلى إدراكه لأنا لا نقيس وجوب غسل الأعضاء المخصوصة من الدم مثلاً على غسلها من البول بل زوال الطهارة من خروج الدم على زوارها من البول وهذا معنى معقول وأما وجوب غسل الأعضاء المخصوصة فبالنص المتوجه إلى المحدث لا بالقياس ثم قالوا في الفرق بين السائل وغير السائل أن السائل يتحقق فيه الخروج وغير السائل باد بزوال القشرة وليس بخارج وأما في الخارج من السبيلين فلا يتحقق () بالخروج فلا يرد أنكم غيرتم حكم الأصل فإن السائل وغيره سواء في الانتقاض في الأصل وليسا سواء في الفرع وقد تورد عليه أن القيح الخارج من الدنبل إذا خرج وسكن في رأس الجرح لا ينتقض به الوضوء عندكم ثم إذا أخذ بخرقة فقد تحقق الخروج مع أنكم لا تقولون بانتقاض الطهارة وجوابه أنه لم يكن عند البدو ناقضاً فلا يعود عند الانفصال ناقضاً وفي الأصل لما كان عند البدو لا تستلزمه الخروج ناقضاً فكذا عند الانفصال وليس بالانفصال ناقضاً فلم يتغير حكم الأصل فتأمل فيه هذا هو التقرير المشهور والأولى في تقرير القياس قد ورد الأمر () بالوضوء وعلل الشارع بكونه خارجاً من العرق فقد روى أبو داود والنسائي عن عروة عن فاطمة بنت () أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود تعرف فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي هو دم عرق ومثله في الصحيحين فخروج الدم من العرق علته منصوصة في انتقاض طهارة المستحاضة ومتى وجدا العلة المنصوصة وجد الحكم والدم السائل من الجرح والفصد أيضاً دم عرق فينتقض الطهارة بخلاف الدم الغير السائل والقيح والصديد أيضاً دم متغير فحكمهما حكم الدم فينتقض بسيلان القيح والصديد أيضاً الطهارة فقد ظهر الفرق بين السائل وغير
السائل فلا إشكال حتى تكليف للجوابثم إذا حققنا مناط العلة وجدنا كون السائل خصوص دم لغوا ولا يبقى المؤثر إلا كون الخارج نجساً فقد لزم الحكم في كل خارج نجس فسرى الحكم في القيء بقى الفرق بين القيء الكثير والقليل فنقول القيء الكثير يخرج من قعر المعدة وهو محل النجاسة فيلزم خروج الجاسة والقيء القليل من فم المعدة وليس موضع النجاسة فلا يلزم خروج النجاسة وكذا فيما تقيء البلغم وإن كان ملأ الفم عند الإمام أبي حنيفة
15
والإمام محمد لأن البلغم ليس نجس ولا يداخله النجاسة وأما ما مر من الهداية بأن النجاسة القليلة في غير السبيلين لا توجب الانتقاض ففيه تغير حكم الأصل في الفرع هذا غاية الكلام في هذا المقام وقد بقي خبايا والله الهادي إلى الصواب ثم إذا ثبت أن علة انتقاض الطهارة خروج فكلما خرج من النجاسة ينقض الطهارة فما لا ينقض الطهارة لا يكون نجساً فما ليس حدثاً ليس نجساً وهذا اللفظ هو المروي عن الإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى فإذا أصاب الدم القيح الغير السائلين البدن أو الثوب وهو أكثر من الدرهم بل أكثر الثوب لا يمنع جواز الصلاة وكذا القيئ القليل وإذا خرج القيح من رأس الجرح ولم يتجاوزه الجرح لا ينقض الطهارة ولا يكون نجساً وإن قشرت نقطة في العين فخرج الصديد والماء وتلاشى في العين ولم يتجاوزه لا ينتقض به الطهارة ولا يكون نجساً وعلى هذا ينبغي أن تصبح الخارج من جرح الأذن المتلاشي فيه ولم يتجاوز حجر الأذن لا يكون ناقضاً ولا نجساً ثم أن () بعد ذلك في القطن المدخل لا ينتقض ولا ينجس القطن المدخل هذا والله أعلم بأحكامه ولهذه المسألة فروع مذكورة في المطولات ومن له عذر () من استطلاق بطن وانفلات ريح أو سلس بول أو رعاف أو جرح سائل أو كانت امرأة استحاضة وكان بحيث لا تمضي وقت صلاة الأولى هذا الحديث يتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي مع هذا العذر والأصل فيه حديث المستحاضة وحكم الباقين يعرف بدلالته وهو ما روى ابن ماجه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت جاءت فاطمة بنت جحش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت امرأة استحاض أطهر فادع الصلاة فقال عليه السلام لا اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة ثم صلي وإن قصر الدم () ومن البين أن عذر الاستحاضة وسائر الأعذار القائمة سواء فالحكم في الكل سواء ثم الإمام الشافعي يقول يتوضأ لكل صلاة فلا يصح وأيهم صلاتين بوضوء واحد في وقت واحد فلا يجوز قضاء الفجر وراء الظهر
بوضوء واحد ويستدل بظاهر هذا فإن الأمر فيه بالوضوء لكل صلاة وعندنا يتوضأ لوقت كل صلاة فيجوز أداء فرضين بوضوء واحد في وقت صلاة واحدة لقوله صلى الله عليه وسلم المستحاضة يتوضأ لوقت كل صلاة قال الشيخ ابن الهمام ذكر سبط ابن الجوزي أن الإمام أبا حنيفة رواه لا شك أنه مفسر والحديث المذكور للشافعي محتمل لاحتمال أن الأهم الموقت والمحتمل كل على المفسر كما تقرر في أصول الفقه على أنه روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت جحش توضي لوقت كل صلاة ففي الحديث روايتان فيحمل أحدهما المحتمل على الأخرى الفسرة فيه كذا قال في فتح القدير ناقلاً عن شرح مختصر الطحاوي وفيه أيضاً ذكره الإمام محمد في الأصل قال في الهداية وضوء صاحب العذر ينتقض بخروج الوقت بهذا الحدث عن الإمام أبي حنيفة والإمام محمد ويدخل الوقت عند زفر بأيهما كان عند أبي يوسف فإذا صلى المعذور بعد طلوع الشمس بوضوء الفجر لم يجز خلافاً لزفر وإن صلى الظهر بوضوء الضحى جاز عندهما خلافاً لأبي يوسف وزفر ونقل في فتح القدير عن الإمام مخر الإسلام أنه لا خلاف () بهذا الوجه وأما جواز صلاة الضحى بوضوء الفجر عند زفر فلأن قيام الوقت جعل وزرا بعد طلوع الشمس قد نفيت شبهة الوقت فصلحت بقاء حكم العذر تحقيقاً فكأنه صلى نوافل ما قبل الزوال تابعا للفرض وإذا لا يجوز الظهر بوضوء الضحى عند أبي يوسف لأن طهارة المعذور ضرورية والضرورة قبل الوقت لا لأن طهارته انتقضت قال في فتح القدير هذا يفيد أن طهارة المعذور قبل الوقت لم يصح لأ أنها صحت ثم انتقضت واستدل في الهداية لزفر أن اعتبار طهارة المعذور للحاجة ولا حاجة قبل الوقت
16
ولأبي يوسف أن الحاجة مقصورة على الوقت فلا يصح قبل الوقت ولا بعده واعترض الشيخ ابن الهمام بأنه يلزم من هذا أن لا يصح طهارة المعذور قبل الوقت عند زفر بعدم الحاجة ولا يصح قبل الوقت وبعده عند أبي يوسف لا أن طهارته صحت ثم بطلت فهذا موافق لفخر الإسلام رحمه الله ونحن نقول نفي الحاجة للمعذور مطلقاً قبل الوقت أو قبله وبعده وغير ظاهر لأن الصلاة خير موضوع فلو أراد المعذور أداء صلاة النفل قبل الزوال كصلاة الضحى لا بد أن يكون له طهارة معتبرة عنده فكيف يصح قول هذا البحر الهمام أن لا تصح طهارة المعذور أصلاً وعلى هذا فمعنى قول صاحب الهداية أن طهارة المعذور لأداء الفرض إنما هي للحاجة إلى أداء الفرض ولا حاجة قبل الوقت لأداء الفرض فطهارته لأداء النفل قد انتقضت بدهخول وقت المكتوبة لتجدد حاجة جديدة ولأبي يوسف أن حاجة أدجاء المكتوبة مقتصرة في الوقت ففي كل وقت يحدث حاجة جديدة فجب في كل وقت طهرة متجددة والطهارة السابقة على الوقت انتقضت لتجدد حاجة والطهارة في الوقت انتقضت بخروج الوقت بانعدام هذه الحاجة فافهم استدل في الهداية للطرفين بأن الطهارة لا بد من تقديمها على الوقت لأن له شغل كل الوقت بالصلاة وبخروج الوقت زال الحاجة فينتقض به الطهارة ولقائل أن يقول لو كان له شغل كل الوقت لزم أن لا يبطل طهارته بخروج الوقت فيما عدا الفجر أو شغل جميع وقت العصر لا يتصور إلا بالطهارة الموجودة قبل وقته وهذا فيما بعدها من الصلاة والحل أن ليس للمعذور بشرط العذر شغل كل الوقت بالصلاة بل له شغل الوقت بالطهارة ثم بالصلاة وإن كان بالنظر إلى ذاته وبالنظر إلى الوقت يمكن شغل كل الوقت بالصلاة بأن يزول العذر فيشغله وهذا طاهر جداً فيما عدا الفجر فلأبي يوسف أنم يقول أن الفجر كذلك ومن نواقض الوضوء النوم مضطجعاً ومتكئاً ومستند بحث لو أزيل الاستناد لوقع على الأرض وأما النوم قاعداً أو قائماً أو راكعاً أو ساجداً في الصلاة أو خارجها
فليس بناقض إلا إذا كان السجود خارج الصلاة مع إلزاق البطن بالفخذ كذا في فتح القدير والقاعد إذا كان متوركاً بحيث يكون مقعده مجافياً عن الأرض ينتقض وضوءه وأما التورك الذي جعله الشافعي مسنوناً في الصلاة لا ينتقض النوم معه الوضوء ومن نام واضعاً إليتيه على عقبيه وملزقاً بطنه فخذه لا ينتقض وضوءه كذا في فتح القدير ناقلاً عن الذخيرة ومن نام قاعداً فسقط وانتبه قبل أن يصيب إلى الأرض أو عند الإصابة فعن الإمام أبي حنيفة أنه لم ينتقض ظهارته وعن الإمام أبي يوسف أنه ينتقض وعن الإمام محمد أنه لم ينتقض إن انتبه قبل الإصابة إلى الأرض وإن انتبه بعدها ينتقض وفي فتح القدير الفتوى على رواية أبي حنيفة الإمام وإن نام جالساً يتمائل ربما يزول مقعده عن الأرض وربما لا ففي ظاهر المذهب لا ينتقض طهارته وفي فتح القدير ويشهد له ما روى أبو داود وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصلاة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون ومن الدلائل على نقض النوم بالوجه المذكور قول أمير المؤمنين عمر إذا نام أحدكم مضطجعاً فليتوضأ رواه الإمام مالك والأصل في الباب ما روى الدارمي عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما العينان وكاء () فإذا بات العين استطلق الوكاء استطلاق الوكاء إنما يكون في النوم مضطجعاً ومتكئا ومستنداً لإجابة بأحد هذه الوجوه والاسترخاء الموجب بخروج الريح من الدبر والمشهور في الاستدلال قوله صلى الله عليه وسلم لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبيه فإذا اضطجع استرخت مفاصله قال في فتح القدير رواه البيهقي وقال في إسناده يزيد الدالاني وبما روى ابن عباس أن
17
الوضوء على من نام مضطجعاً فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله رواه الترمذي وأبو داود وهو طرف من الحديث وفي فتح القدير قال أبو داود وهذا الحديث منكر لأن فيه يزيد الدالاني قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به كثير الخطأ وقال غيره صدوق لكنه متهم وقال ابن عدي في حديث لين لكن مع لينه يكتب الحديث عنه وقد تابعه مهدي بن بلال بن مهدي ثم أسند ابن عدي عنه إلى عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على من نام قائماً أو قاعداً وضوء حتى يضطجع جنبه إلى الأرض ثم قال في فتح القدير بعد ذكر حديث آخر وتضعيفه وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث له عن درجة الحسن والله أعلم بحقيقة الحال وقد تذكر في كتب الحديث روى البزار بإسناد صحيح كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة وقال في فتح القدير يجب حمله على النعاس وقال الحلواني الظاهر أن النعاس ليس بحديث لأنه قليل انتهى والسر أن النعاس لا يسترخي في المفاصل اعلم أن النوم ليس في ذاته حدثاً إنما هو يزيل المكنة فيخرج الريح من الدبر غالباً وفي النوم غفلة ففيه مظنة أنه خرج الريح ولم يكن له شعور فالنوم المرخي ناقض وأما من حاله أنه ينام عينه ولا ينام قلبه كرسول الله صلى الله عليه وسلم فنومه ليس حدثاً فقد صح عن ابن عباس في الصحيحين وغيرهما طرفاً من الحديث الطويل فتاممت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشر ركعة ثم اضطجع فنام حتى نفخ فأتاه بلال فأذنه بالصلاة فقام فصلى ولم يتوضأ وجعلوا عدم انتقاض الوضوء بالنوم من خصائصه صلى الله عليه وسلم والسر فيه ما ذكرنا لكن إن قلل أحد إن كان في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بلغ رتبته لا يغفل في نومه بقلبه إنما يفغل عيناه بيمن اتباعه كالشيخ الإمام محي الدين عبد القادر الجيلاني قدس سره وغيره ممن وصل إلى هذه الرتبة وإن لم يصل مرتبته
رضي الله عنه لم يكن قوله بعيد عن الصواب فافهم ومن النواقض للوضوء الإغماء وهو فوق النوم في الاسترخاء والغفلة فهو ناقض في الأحوال كذا في الهداية وأصول فخر الإسلام ولا خلاف لأحد من مشائخنا في هذا ولعل مرادهم بالإغماء ما لم يبق معه شعور أصلاً وأما الإغماء الذي يبقى معه شعور () لا ينتقض الوضوء فقد روى الشيخان في حديث طويل في حديث الكسوف عن أسماء بنت أفضل الصديقين رضي الله عنها قمت حتى تجلاني الغشى وجعلت أصب فوق رأسي ماء قال عروة ولم تتوضأ ومن النواقض السكر والجنون وهما ناقضان على الإطلاق لانسلاب العقل بالكلية ففيه مظنة خروج الريح مع عدم إدراكم ثم ليس لصاحب السكر احتياط فلعله خرج ولم يبال به ولا يلتفت إليه فينسى فالسكر ناقض وإن بقي معه شيء من الشعور ومن النواقض قهقهة المصلي البالغ في صلاة ذات ركون وسجود ولقوله صلى الله عليه وسلم من قهقه فليعد الصلاة والوضوء قال في فتح القدير حديث القهقهة روى مرسلاً كفياة لأن المرسل حجة عندنا خصوصاً إذا تعاضد بمرسل فإنه حجة عند الشافعي أيضاً لكن صح سنده متصلاً أيضاً فقد روى الإمام أبو حنيفة عن منصور بن زادان الواسطي عن معبد بن معبد الخزاعي عنه عليه الصلاة والسلام بينما هو في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة فوقع في ريبته فاستضحك القوم فقهقهوا فلما انصرف قال من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة قيل معبد هذا لا صحبة له وتعقب عليه الشيخ ابن الهمام بأن معبد الذي لا صحبة له () وهو الذي قال فيه تاج العرفاء الحسن البصري إياك ومعبد فإنه ضال ومضل ومعبد هذا خزاعي كما هو مصرح في رواية
18
الإمام أبي حنيفة ولا شك في صحبته ذكره ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة ثم قال الشيخ ابن الهمام وأما روايته مسند فقد جاء عن عدة من الصحابة أبي موسى الأشعري وأبي هريرة وابن عمر وأنس وعمر أن ابن حصين وجابر رضوان الله تعالى عليهم واسلمها حديث لاابن عمر رواه ابن عدي في الكامل من حديث عطية بن بقية حدثنا أبي حدثنا عمرو بن قيس السكوني عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك في الصلاة قهقهة فليعد الوضوء والصلاة وما طعن فيه أن بقية مدلس فلعله سمع من بعض الضعفاء فحذف اسمه فأجاب عنه الشيخ ابن الهمام بأن بقية صرح فيه بالتحديث والمدلس إذا صرح بالتحديث بعد ما كان صدوقاً زالت تهمة التدليس وإذا سمعت ما تلونا عليك سقط ما قال بعض الشافعة كشارح المختصر العضدي أن خبر الواحد فيما تكرر البلوى لا يثبت الوجوب عندكم فكيف تقبلون خبر القهقهة وذكل لأن هذا الخبر بلغ الشهرة أيضاً القهقهة في الصلاة من الأمور النادرة لا توجد في الوف الوف من الإنسان من واحد إلا نادراً فافهم ثم النص إنما ورد في صلاة مطلقة وهو ما كانت ذات ركوع وسجود ومخالفاً للقياس فلا يتعدى إلى غيرها ولذا شرطنا ذلك من قبل فلا ينتقض القهقهة في صلاة الجنازة ولا في سجدة التلاوة الوضوء ومن النواقض المباشرة الفاحشة عند الشيخين وعند الإمام محمد لا ينقض بعدم الموجب للنقض وهي أن يتجرد الرجل والمرأة ويتلاقى الفرجان من غير أن يدخل الذكر في الفرج وإنما حكما بنقض الطهارة منها لأن هذه المباشرة لا يخلو عادة عن خروج شيء من الماء فهي منطقة الخروج فأقيمت مقام الخروج لأن الغالب كالمتحقق وما سوى ذلك من ملاعبة الرجل بالمرأة من تقبيل ومماسة الذكر موضعاً آخر من بدن المرأة واللمس بشهوة أو بغير شهوة لا ينقض الوضوء أصلاً عند أئمتنا وخالفنا في الأئمة الثلاثة فذهب الإمام الشافعي إلى أن مس المرأة مطلقاً ناقض إذا كانا كبيرين وذهب الإمام
مالك إلى أن مسها ناقض إذا كان بشهوة وقول الإمام أحمد كقول الإمام مالك إلا أنه شرط في رواية كون المرأة أجنبية لنا على الشافعي ما روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها أنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلات في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتها ولنا على الكل ما روى أبو داود والترمذي والنسائي عن أم المؤمنين عائشة الصديقة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ قال الترمذي لا يصح عند أصحابنا إسناد حبيب عن عروة عن عائشة لأن حبيباً لم يسمع عن عروة وقد روى هذا الحديث بإسناد إبراهيم التميمي الذي كان واحد من الزهاد والثقات فقال لا يصح هذا أيضاً وقال أبو داود هذا مرسل وإبراهم التيمي لم يسمع عن عائشة وهذا الطعن ليس بشيء لأن غايته الانقطاع والإرسال والمنقطع والمرسل حجة عندنا مطلقاً بعد ما كان المرسل ثقة وعند الشافعي أيضاً إذا تعاضد بإرسال آخر مع أنه قال الشيخ ابن الهمام رواه البزار بسند حسن واستدلوا بما ورد في آية التيمم في بعض القراءات أو لامستم النساء وعندنا اللمس في الآية بمعنى الجماع ويعضده قراءة أو لامستم والحمل على الجماع مأثور عن عدة من الصحابة منهم أبو موسى الأشعري احتج به على ابن مسعود في جواز تيمم الجنب وقد قرر ذلك ابن مسعود وقال إنما أمنع التيمم له لئلا يتهاون الناس عن الغسل كما هو مذكور في صحيح البخاري ولا ينتقض مس الذكر الوضوء عندنا وقال الإمام الشافعي أن مس بلا حائل ينقض وكذا عند الإمام مالك وقال الإمام أحمد في رواية ينتقض مس الرجل ذكره ووبره ومس المرأة فرجها ووبرها وفي رواية أخرى لا ينتقض بل يستحب الوضوء بعده في مذهب الإمام مالك اختلاف في المرأة فرجها وحجتهم ما روى الإمام الشافعي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
19
إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليسه بينه وبينها حجاب فيتوضأ قال في فتح القدير إسناده مضعف وبما روى النسائي عن سبرة بنت صفوان أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مس ذكره فليتوضأ ونقض حال هذا الحديث قال مشائخنا في أصول الفقه أن مس الذكر بما يتكرر به البلوى ويبتلى به كل أحد من الرجال ولم يطلع عليه أحد من الرجال مع حاجتهم إلى معرفة حكم مس الذكر واطلعت عليه امرأة غير محتاجة إلى معرفة حكم مس الذكر وهذا في غاية البعد وقا قال الطحاوي ولا نعلم أحداً من الصحابة أفتى بوجوب الوضوء من مس الذكر إلا ابن عمر ولم يتمك هو أيضاً بهذا الحديث وقال في فتح القدير وقد ثبت عن أمير المؤمنين علي وعمار وابن مسعود وبان عباس وحذيفة وعمران ابن الحصين أبي الدرداء وسعد بن وقاص رضواان الله عليهم أنهم لا يرون النقض منه ولو كان هذا الحديث ثابتاً لكان لم معرفة بذلك والقائلون بنقض الوضوء من مس الذكر لم يستدلوا بذلك الحديث ولم يقل أحد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم روى من روى عن بسرة ويبعد كل البعد أن يلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماً إلى من لا يحتاج إليه ولا يلقي إلى من يحتاج إليه فعلم أن فيه انقطاعاً فاطنا والحديث غير صحيح ثم ننظر في سنده فروى الإمام مالك في الموطأ عن محمد بن عمرو بن حزم قال سمعت عروة يقول دخلت على مروان فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان من مس الذكر فليتوضأ فقال عروة ما علمت هذا فقال أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وأخرج أبو داود والترمذي رواية الموطأ والنسائي نحوه فيه وقال عروة ولم أزل أماري مروان حتى وعى رجلاً من حرسه فأرسل إلى بسرة سألها عما حدثت من ذلك فأرسلت إليه بسرة مثل الذي حدثني عنها مروان كذا في جامع الأصول فق4د علم من ذلك أن عروة لم يسمع عن بسرة إنما سمع من شرطي مروان ومن مروان والشرطي مجهول لا
تقوم روايته حجة وأما مروان وإن قبله جماعة من المحدثين وكتبوا روايته في صحاحهم ومسانيدهم لكن مروان في الإنصاف لم يكن قابلاً بقبول شهادته وروايته وقد تواتر عنه أفعال أعاذنا الله منها وجميع المسلمين وأنه قد احتال حيلاً ومكراً عظيماً في خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه غير شاعر حتى الخبر إلى أن الأشقياء قتلوه رضي الله عنه فقتل شهيداً مظلوماً ثم هو كان شريكاً للذين جاؤوا لتخريب المدينة في زمان يزيد الشقي حتى أعانهم وغدر () المدينة وفعلوا ما فعلوا () بذكره فإن كان عنده هذا الصنع حراماً كما هو في الواقع فهو فاسق معلن فلا تقبل روايته بل أن يكتب حديث وإن كان يزعم هذا الصنع مباحاً لشبهة عرضت له كشبهة الخوارج فهو من أهل الأهواء ثم كان هو داعياً إلى هذا الصنع فهو مبتدع داع إلى بدعته ورواية المبتدع الداعي إلى بدعته غير مقبول ولا صالح للكتابة بالإجماع ثم ملاحظة هذه القصة في التواريخ المعتبرة يحكم أنه قد استركب كذباً والمبتدع الكاذب وإن كان مستحلاً لكذب لا تقبل روايته بالإجماع ثم كان هو سب أمير المؤمنين علياً في المجالس بل على المنبر والمبتدع المظهر سب السلف مردود الشهادة والرواية باتفاق الأئمة بخلاف الكاتم فإنه تقبل شهادته عندنا إن كان مجتنباً عن الكبائر في زعمه وعن الكذب وتقبل روايته أيضاً عن أكثر أهل الحديث بذلك الشرط وعند محققي مشائخنا لا تقبل روايته أصلاً وهو الحق وقد بينا في فواتح الرحموت شرحنا للمسلم وإذا قد علمت هذا الحديث المروي عن بسرة غير صحيح البتة وحديث أبي هريرة أيضاً ضعيف لم يدل دليل على نقض مس الذكر فيبقى على أصله غير ناقض كمس سائر الأعضاء ثم ههنا حديث آخر موجب لعدم النقض نبينه وهو ما روى أبو داود والترمذي والنسائي
20
عن طلق بن علي بن طلق قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ قال هل هو إلا بضعة منه والعجب ما قال محي السنة هذا الحديث منسوخ بحديث أبي هريرة لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق لأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع في غزوة خيبر وقدوم طلق كان أو سنة الهجرة وقت بناء المسجد الشريف وهذا شيء عجاب لأنه قد تقرر في أصول الفقه أن تأخير إسلام الراوي لا توجب تأخير المروي لجواز سماع متقدم الإسلام بعده ثم قد عرفت أن حديث أبي هريرة ضعيف لا يصلح بمعارضته هذا الحديث ثم أن أبا هريرة لم يصرح بالسماع بل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز سماعه عن مروان فلا يقوم حجة فضلاً عن أن يكون ناسخاً ثم في حديث طلق قد الحكم مع العلة وقد تقرر في علم الأصول أن الخبر المشتمل على حكم معلل أقوى مما ليس كذلك فيعمل به ويترك الآخر عند التعارض وعلى التنزل فحديث أبي هريرة يحتمل فيه أن يكون مس الذكر كناية عن خروج شيء كما أن المجيء من الغائط كناية عن خروج الفضلة لأن مس الذكر غالباً إنما يكون لذلك وحديث طلق نص مفسر لا تقبل التأويل فحمل المحتمل على المفسر كما تقرر في علم الأصول والله أعلم بأحكامه فصل في الغسل وهو طهارة من الحدث الأكبر وشرط للصلاة وهو ركن واحد غسل البدن كله والمضمضة والاستنشاق في الغسل فرضان عندنا ولو كان في أسنانه كوي يبقى فيه الطعام لا يخبر به حتى يخرجه يسيل الماء في فتح القدير ذكره الحاكم الشهيد وفي فتاوى الفقيه خلاف ذلك والاحتياط أن يخرج ويسيل الماء والدرن اليابس في الأنف يجب إخراجه ولا يجء بدونه ولو شرب الجنب الماء يجئه عن المضمضة وعن أبي يوسف لا لا أن يمجه ويجوز أن يذكر اسم الله ويأكل ويشرب إذا تمضمض وهذا بناء على الغسل يجزئ فإذا تمضمض فقد صار الفم ظاهر وقال الإمام الشافعي المضمضة والاستنشاق ليسا بفرضين ومتمسكه بما روى مسلم عن أم المؤمنين الصديقة قالت قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الإظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء قال مصعب بن شيبة ونسيت العاشرة إلا أن يكون المضمضة والمراد بانتقاص الماء الاستنجاء بالماء بعد الإحجاء ولا حجة فيه لأن الفطرة أعم من الفض والسنة أو لم يسمع الإسلام من الفطرة وأيضاً عدا إعفاء اللحية قرينة على العموم لأن إعفاء اللحية واحب () ولنا أن الأمر وقع بالتطهر وهو المبالغة في التطهير بأن يغسل جميع ظاهر بدنه إلا ما فيه حرج كالعينين وداخل حجر الأذن وداخل الأقلف والفم والأنف أيضاً ظاهران ولا حرج في غسلهما فجب ليتناول الأمر إياه غسل جميع ظاهر البدن فرض حتى يجب تحريك القرط والخاتم الضيقين ليدخل الماء ولو لم يكن في الثقب قرط فدخل الماء الثقب أجزأه كالسرة كذا في فتح القدير وفيه أيضاً الأصح أنه يستحب إدخال الماء داخل القلفة للأقلف وتغسيل المرأة فرجها الخارج لأنها كالفم ولا يجب إدخال الأصابع وبه يفتي كذا في فتح القدير ويفترض على الرجل نقض الظفيرة إن كان له ظفيرة وإيصال الماء على البشرة تحت الشعر بل الشعر أيضاً بحيث لا يبقى شعر لم يمر عليه الماء وهذا عام في كل شعر شعر الرأس كان أو شعر اللحية أو غيرها لا يجتزء غسله بدون ذلك لما روى أبو داود والإمام أحمد عن أمير المؤمنين علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك موضع شعرة من جنابة فعل بها كذا وكذا من النار فمن ثمة عاديت رأسي فمن ثمة عاديت رأسي ثلاثاً ولما روى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر واتقوا البشرة وليس على المرأة نقض الظفيرة بل يكفي إمرار الماء على أصول الشعر وأن يبقى الشعر ياباساً وإن كانت الظفيرة منقوضة فهل يجب إيصال الماء فعن الفقيه أبي جعفر يجب كذا في فتح القدير إنما لا ينقض المرأة الظفيرة لما روى مسلم عن أم المؤمنين أم
سلمة قالت قلت يا رسول الله إنني أشد ظفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة فقال لا إنما يكفيك أن تجثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليك الماء
21
والحثية الكفين وصفة الغسل المسنون أن يغسل يديه إلى الرسغين ثم يغسل فرجه ويزيل نجساً عن البد إن كان ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا الرجلين وفي ظاهر الرواية يمسح الرأس وفي رواية لا يمسح الرأس ثم يغسل رأسه وسائر بدنه ثم يغسل قدميه كذا في الهداية ولم يتبين كيفية غسل البدن وقال بعض الفقهاء يبدأ بعد الوضوء بالمضمضة ثلاثاً ثم بالاستنشاق ثلاثاً ثم يبدأ بالمنكب الأيمن فيفيض الماء عليه ثلاثاً ثم يفيض الماء على منكبه الأيسر ثلاثاً ثم يفيض الماء على الرأس بحيث يبتل سائر جسده ثلاثاً ثم غسل قدميه وقال في الهداية إن لم يكن قدماه في مجمع الماء كما إذا كان على لوح أو حجر يتم الوضوء ويغسل القدمين ثم يغسل رأسه وسائر بدنه واستدل في الهداية بحديث أم المؤمنين ميمونة قالت وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلاً فسترته بثوبه وصب على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً ثم صب يمينه على شماله فغسل فرجه فضرب بيده الأرض فمسها ثم غسلها فمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم صب على رأسه وأفاض على جسده فغسل قدميه فناولته ثوباً فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض بدنه رواه البخاري وهذا لفظه ومثله رواه مسلم وأصحاب السنن وليس في هذا ذكر مسح الرأس وهو يؤيد رواية الحسن وعن أم المؤمنين عائشة الصديقة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه قبل أن يدخلها الإناء ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله رواه مسلم وهذا الحديث يل على أنه صلى الله عليه وسلم غسل القدمين حين الوضوء وفي حديث ميمونة أنه غسلهما بعد الغسل () أنه كان يفعل تارة كذا وتارة كذا وصاحب
الهداية رجح تأخير غسل القدمين إذا كان القدمان في مجمع الماء وتقديم غسلهما إذا لم يكونا فيه ثم لم ير في حديث ما أنه صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق سوى ما في الوضوء فاكتفى بمضمضة وضوءه واستنشاقه عن مضمضة الغسل واستنشاقه فدعوى سنية تقديم المضمضة والاستنشاق بعد الوضوء على غسل البدن مما لا وجه له وأيضاً لم ينقل التثليث في إفاضته الماء على البدن وأيضاً هو بعيد لأن غسله صلى الله عليه وسلم كان بصاع من الماء فسنية الكيفية المنقولة عن هؤلاء البعض محال تأمل والحق ما في الهداية والله أعلم بأحكامه وأما المعاني الموجبة للغسل فمنها إنزال مني ذي دفق وشهوة فليس بصحيح وما استدل به من قول أم المؤمنين عائشة الصديقة فأما المذي فالرجل يلاعب امرأته فيظهر على ذكره الشيء فيغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل وأما الودي فإنه يكون بعد البول يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل وأما المني فانه الماء الأعظم الذي منه الشهوة فيه الغسل فلعل المراد منه الماء الأعظم الذي يكون في جنسه منه الشهوة وفي جنسه الغسل إذا خرج بشهوة وإلا فهذا الماء الأعظم لمرض بلا شهوة لا شبهة فيه وقال الإمام الشافعي وجيب الغسل في خروج المني ولو بلا شهوة ويثبت بما روى مسلم عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء وجوابه أن اللام من الماء للعهد أي الماء المعهود وهو الذي يخرج بشهوة لأنه الغالب المعهود وأما الخروج بلا شهوة فغير معهود بل إنما يكون لمرض ولنافي اشتراط الشهوة أن الله تعالى علق الغسل بالجنابة وهو قضاء الشهوة بخروج المني فلا يجب الغسل دون الجنابة ثم إنما يجب الغسل بعد خروج المني بالاتفاق لكن مشروط بالشهوة والدفق عند الانفصال عن مكانه سواء خرج بالشهوة والدفق أم لا عند الإمام أبي حنيفة والإمام محمد بوجود معنى الجنابة وقال الإمام أبو يوسف لا بد من الشهوة عند الانفصال والخروج جميعاً التعلق الغسل بالخروج فلا
بد من الشهوة عنده فيه أنه نعم الغسل متعلق بالخروج لكن صدق معنى الجنابة لا يتوقف على الشهوة عند الخروج بل يكفي فيه الشهوة عند الانفصال ومن فروع هذا الخلاف أنه لو احتلم أو جامع في غر الفرج وانفصل المني
22
بالدفق والشهوة ثم انتبه فأخذ رأس الذكر فلم يخرج ثم خرج بعد ذلك بما دفق يجب الغسل عندهما لا عند أبي يوسف وكذا لو جامع أو احتلم ولم يبل ثم اغتسل ثم خرج قطرات منالمني بلا شهوة وجب الغسل عندهما لا عنده وأما إذا بال واغعتسل ثم خرج شيء من المني بلا شهوة لا يجب الغسل لأن هذا المني ليس من المني الدافع بالجماع والاحتلام وإلا لخرج مع البول بخلاف إذا لم يبل لأن الظن أن الخارج من بقية الجماع والاحتلام وإن صلى هذا المغتسل ثم خرج المني بعد الصلاة لا يجب عليه إعادة الصلاة لأنه وجب الغسل بعد الصلاة بخروج المني وكذا إذا انفصل المني بشهوة لكن لم يخرج وتوضأ وصلى ثم خرج بعد الصلاة لا يجب إعادة اصلاة وجب الغسل بالخروج عندهما ومن موجبات الغسل دخول الحشفة في الفرج والدبر أنزل ولم ينزل الماء عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل أنزل أو لم ينزل رواه الشيخان ويعارضه ظاهر حديث الماء من الماء وأجاب عنه محي السنة بأن هذا الحديث منسوخ وهو جواب صحيح فقد روى الترمذي وأبو داود وعن أبي بن كعب قال إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهى عنها ثم هذا النسخ ليس نسخ كل الحديث إنما هو نسخ لبعض أفراد والعام لأن بعض أفراد الماء لم يبق متعلقاً بالماء بالتقاء الختانين فبقي الحديث فيما بقي حجة كما في الاحتلام وهذا مراد ابن عباس بقوله حديث الماء من الماء في الاحتلام لا أنه خصص الحديث بالاحتلام كيف وهذا لا يصح لأن تخصيص السبب لا يصح أصلاً وقد روى مسلم عن أبي سعيد قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كنا في بني سالم
وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عتبان فصرح به فخرج يجر إزاره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعجلنا الرجل فقال عتبان أرايت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ما زال عليه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الماء من الماء ثم القول بالنسخ صحيح في الواقع وصحيح عندنا لكن يرد على محي السنة أن الشافعية أصروا على أن الخاص والعام إذا تعارضا لا يصح انتساخ الخاص بالعام ولا انتساخ العام بل الخاص مخصص في الحالين كما بينوا في أسفارهم في علم الأصول فههنا لا يصح نسخ حديث أبي هريرة بحديث إنما الماء من الماء فإن فيه تعارض العام والخاص بل يكون مخصصا على أصلهم فيلزم تخصيص بسبب عليهم فتدير ومن موجبات الغسل وجد أن المستيقظ البلل سواء كان منياً أو مذياً وسواء تذكر الاحتلام أم لا عند الإمام أبي حنيفة والإمام محمد وقال أبو يوسف لا لأن الغسل لا يجب بالاحتمال وأما أن تذكر الاحتلام ولم يجد البلل فلا يجب الغسل وكما روى الترمذي وأبو داود عن أم المؤمنين عائشة الصديقة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً قال ليغتسل وعن الرجل الذي يرى أنه قد احتلم ولا يجد بللاً قال لا غسل عليه قالت أم سليم على المرأة ترى ذلك غسل قال أن النساء شقائق الرجال ثم المعنى في وجوب الغسل على المستيقظ الواجد البلل أن النوم حالة غفلة ويتوجه إلى دفع الفضلات ويكون الذكر صلباً () للجماع ولذا يكثر في النوم الاحتلام وخرج المني يكون بشهوة غالباً بخلاف حالة اليقظة فإنه ينذر فيه خروج المني بلا تحريك فإذا وجد المستيقظ البلل فالغالب أنه مني دفعه الطبيعة بشهوة وإن كان البلل رقيقاً مثل المذي فالغالب فيه أنه رق بحرارة البدن فأوجب الشارع في البلل الغسل مطلقاً لأنه مظنة الخروج بالشهوة فافهم وإن نام الرجل والمرأة على الفراش الواحد ثم رأيا البلل ولا يعلم أنه بلل الرجل والرأة يميز باللون فإن كان أبيض
فهو مني الرجل وعليه الغسل وإن كان أصفر فمني المرأة وعليها الغسل () يتميز وأشكل الأمر وجب الغسل عليهما احتياطاً والله أعلم بأحكامه فصل في المياه الأصل فيه قوله تعالى ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً أو ل على أنه ينتقل الحكم من الوضوء إلى التيمم عند فقدان ما يسمى ماء ويطلق عليه اسم الماء ويجوز التوضئ والغسل بماء السماء والبحار والأودية والسيل والحياض والآبار
23
ونحو ذلك فإنه نطلق واختلفوا في الماء الذي سال من الكرم ونحوه بنفسه ففي الهداية يجوز به التوضئ وفي الكافي وفتاوى قاضي خان لا يجوز لأنه ليس ماء وإنما هو شبيه بالماء ويطلق عليه الماء مجازاً قال في البحر الرائق وهو الأوجه ونقل عن شرح نيته المصلى لإبراهيم الحلبي وهو الأحوط وهذا ظاهر ولا يجوز التوضئ والغسل بماء الورد ولا بسائر العروق اللتي تسبك بالقرع () من عرق باديان () ونحوها لأنها ليس ماء ولا يطلق عليها اسم الماء إلا مجازاً ولا يعلم فيه خلاف ولا يجوز التوضئ بماء اعتصر من ثمر كماء القثاء ولا بماء يخرج من الثماء بعد قطعها كماء البطيخ ولا بماء اعتصر من شجر كعصير قصب السكر ولا بشيء من الأشربة ولا بغيرها من المائعات ولا بماء الملح لأن هذه المياه لا يطلق عليه اسم الماء إلا مجازاً وإذا ألقى في الماء المطلق طاهر غير مائع كالزعفران والزروج والعصفر فإن لم يكن غالباً يجوز بالترضي وإن غلب لا يجوز وقال الإمام الشافعي لا يجوز به التوضئ إلا لماء المختلط بالتراب وعلى هذا الخلاف ماء تغير بكثرة الأوراق وهو يزعم أن الماء خرج عن كونه ماء مطلقاً باختلاط غيره ألا ترى يقال ماء الزعفران وهذا غير ظاهر وإضافة الماء إلى الزعفران لا يمنع أن يقال له ماء حقيقة ألا ترى المسافر إذا رأى ماء مجتمعاً متغيراً لوقوع الأوراق يقول أبصرت ماء فأذهب لأشرب وأتوضأ كذا في فتح القدير يروجه قولنا ما روى النسائي عن أم هانئ اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وميمونة في قصعة فيها أثر العجين فقد ظهر أن اختلاط العظيم القليل لم يخرج الماء عن المائية ولا عن ارتفاع الجنابة بالاغتسال بالماء المخلوط معه ثم في الهداية أن المعتبر الغلبة بالإجراء قال في فتح القدير هذا قول أبي يوسف وعند الإمام محمد الغلبة غلبة اللون وصح الخلاف على هذا الوجه والغلبة بالإجراء بأن تذهب رقة الماء على ما كان الماء عليها فلا يجوز التوضؤ بماء الزعفران
والعصر والزروج إذا كان بحيث يلون البدن والثوب لأنه ذهب عنه اسم الماء حقيقة وأ/ا إذا صار بليد فليس ماء مطلقاً ولأناء مقيد ولا يطلق عليه الماء لا حقيقة ولا مجاز والماء المطلق إذا خالطه مائع وغلب عليه لا يجوز التوضئ به ولا يجوز ويعرف الغلبة بأن ينظر إن كان المائع مخالفا في اللون كاللبن وماء الزعفران وماء العصفر يعتبر الغلبة في اللون وإن كان موافقاً له في اللون ومخالفا له في الطعم كماء الورد وعصير العنب الأبيض يعتبر الغلبة في الطعم ون كان لا يخالفه أصلاً كالماء يعتبر الغلبة بالكثرة كذا في فتح القدير نقلاً عن بعض شروح الكنز ولم أر اعتبار الغلبة بالريح في كتاب وإن وقع في الماء المطلق زاج أو عفص فإن صار الماء بحيث ينتقش عند النقش لا يجوز التوضي به وإلا يجوز قال في فتح القدير هذا مبني على اعتبار الغلبة بالإجزاء وعلى هذا فينبغي أن يكون عند الإمام محمد أن صار الماء أسود ولا يجوز به التوضي ولا يجوز التوضي بنبيذ من الأنبذة أصلاً لأنها خرجت عن انطلاق اسم الماء عليها حقيقة وصارت مسماة باسم آخر ولو سئل عن نبيذ الزبيب ما في الإناء وقيل ماء نسب إلى ما يكره إلا بنبيذ التمر عند عدم وجود ماء آخر عند الإمام أبي حنيفة في ظاهر الرواية وبه قال سفيان الثوري وعنده في رواية أخرى وعند الإمام أبي يوسف والإمام الشافعي والإمام أحمد لا يجوز التوضي به أصلاً ويلزم التيمم إن لم يجد الماء سواه قال عبد الحق ويحكي رجوع الإمام إلى هذا القول وجهه أنه خرج عن اسم الماء ويطلق عيه اسم آخر فالفاقد لماء آخر إذا وجد نبيذ التمير يصدق عليه إن لم يجد فتيمم وقال الإمام محمد يتوضأ به أولاً للحديث الآتي ثم تيمم للاحتياط ليرتفع الحدث يقيناً وإذا وجد الماء المكروه ونبيذ التمر لا يجوز التوضي بالنبيذ بالاتفاق كذا قال الشيخ عبد الحق ناقلاً عن الطحاوي وفي الغسل عن نبيذ التمر في () الإمام قولان وجه العلم ما عن ابن عباس قال الوضوء
بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء قال الشيخ عبد الحق أورده في جمع الجوامع عن الدارقطني والمشهور في الاستدلال ما عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن ما في أدواتك
24
قال قلت بنبيذ قال تمرة طيبة وماء صور فتوضأ منه رواه الإمام أحمد والترمذي ورواه أبو داود وإلى وماء طهور تكلم عليه الترمذي بأن أبا زيد مجهول قال الشيخ عبد الحق ذكره البخاري في الضعفاء وقال الحاكم رجل مجهول وقالوا أبو فرازة راوي هذا الحديث عن أبي زيد أيضاً مجهول ووقع الشيخ ابن الهمام جهالة ابي زيد بأنه قال الشيخ القاضي أبو بكر بن العربي في شرح جامع الترمذي أبو زيد مولى عمر بن حريث روى عنه راشد بن كيسان الكوفي وأبو روفا وهذا يخرجه عن الجهالة ودفع الجهالة أبي فرازة بأنه قال الشيخ تقي الدينالسبطي في تجهيل أبي فرازة نظر لأنه قد روى هذا الحديث عن أبي فرازة جماعة مثل سفيان وشريك وخراج بن بلح وقيس بن الربيع وقال ابن عدي أبو فرازة راوي هذا الحديث مشهورة واسمه راشد بن كيسان وفي الكاشف راشد بن كيسان الكوفي العبسي روى عن أنس وابن أبي ليلى وعنه سفيان وحماد بن زيد ثقة انتهى فإذن هذا الحديث صحيح قال في المصابيح قد صح عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشيخ عبد الحق رحمه الله الحق أنه قد ثبت بطرق كثيرة أن ابن مسعود وكان معه صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وخط رسول الله صلى الله عليهوسلم حوله وقال لا يخرج منه وهذه القصة طويلة مذكورة في كتب السير والحديث وكذر أبو نعيم في الحلية فالمراد بعدم كونه معه عدم حضوره معه وقت المكالمة والمفاوضة مع الجن لأنه كان بعيداً في الخط انتهى وهذا حق وقد روى ابن أبي شيبة أن ابن مسعود كان معه كذا ابن شاهين كذا في فتح القدير وأيضاً ليالي الجن متعددة فجوز أن يكون ابن مسعود حاضر في البعض دون البعض فلا تنافي بين رواية
علقمة وهذا الرواية فافهم وإذا تيقنت ما بينا لم يكن مرتاباً في إن الحديث صحيح والتكلم عليه كالتكلم في بعض إسناد البخاري فلا يضر وقد أجاب الشافعية بأن ليلة الجن كانت بمكة وآية التيمم مدنية فيكون ناسخاً لها وهذا ليس بشيء فإن قوله صلى الله عليه وسلم تمرة طيبة وماء طهور يفيدان أن النبيذ لم يخرج عن كونه ماء بوقوع التمر فواجد النبيذ لا يصدق عليه أنه لم يجد ماء فلا تعارضه آية التيمم حتى يكون ناسخاً هذا ما عندي فتأمل وأجاب في الهداية بأن ليالي الجن كانت متعددة فصل الشيخ ابن الهمام أن وفادة الجن كانت ست مرات واحدة كانمت في بقيع الغرقد حضرها ابن مسعود ومرتين منها كانت بمكة ومرة رابعة كانت خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام وإذا كان الأمر كذلك لم يقطع بالنسخ وهذا القدر غير وافٍ بعد اعتراف المعارضة بين الحديث والآية لأنه لو كان وفادة الجن وحضور ابن مسعود ومعه بعد نزول آية التيمم لما أفاد أيضاً لأن الحديث خبر الواحد فلا يجوز به الزيادة على الكتاب وانتساخ الكتاب به ولا تصلح مخصصاً أيضاً يعام الكتاب به ولا تصلح مخصصاً أيضاً بعام الكتاب فامتنع العمل بهذا الحديث وما قال في الهداية أن الخبر مشهور يزاد به على الكتاب ففيه أنه يعم أن وفادة الجن مشهور بل يكاد يكون متواتر لكن التوضي بنبيذ التمر غير مشهور بل الكلام في الصحة وثبت لكلفة كما عرفت فالصواب ما ذكرنا والله أعلم بحقيقة الحال والماء الذي استعمل في إزالة النجاسات الحقيقة نجس عندنا وعند الإمام مالك لأنه ماء قليل خالطه النجاسة وقال الإمام الشافعي ليس نجسناً إلا إذا تغير أحد أوصافه لأن الماء المزال به النجاسة لو لم يكن طاهر لما حصل به التطهير أصلاً لأن الماء قد تنجس بملاقاة الثوب النجس فلا بد من إزالته وهكذا قلنا الضرورة إنما هي في الحكم بالطهارة ما دام في الثوب والشرع لم يعتبره طاهراً إلا لضرورة حصول الطهارة في الثوب والضرورة تقدر بقدرها فلا
يظهر في الماء المنفصل من الثوب وأما المستعمل المتوضئ والغسل لا يعطى له حكم الاستعمال إلا إذا استعمل من جهة () بأن يتوضأ أو يغتسل بالنية لينال ثواب الوضوء أو الغسل عند الإمام محمد فلا يصير الماء في الوضوء والغسل الغير () مستعملاً عنده وإن ارتفع الحدث وحصل الطهارة المبيحة للصلاة لأن الوضوء إذا وجد قربة ينزل الماء حامل () ثوبه فيعطى حكم الاستعمال
25
وقد روى الشيخان عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطايات من جسده حتى يخرج من تحت إظفاره وقال الإمام زفر لا يكون مستعملاً لا بإزالة الحدث لأن الماء المزال به الحدث يسري إليه خبث الحدث إما في الوضوء بعد الوضوء فالماء الطاهر يلاقي العضو الطاهر وقال الإمام أبو يوسف يثبت الاستعمال بالقربة وإزالة الحدث لأنه بالقربة يسري إليه خبث الذنوب وبإزالة الحدث يسري إليه خبث الحدث ثم إنما يعطى حكم الاستعمال إذا انفصل من العضو وإلا لم يحصل التطهير وعن الإمام محمد إذا استقر في مكان واتفقوا على أن الجنب إذا اغتسل وبقي موضع من بدنه يابساً وأخذ الماء من عضو آخر وأمر عليه حصل الغسل لأن تمام البدن في حق الغسل عضو واحد حكماً ولا يجوز ذلك في الوضوء لأن كل عضو مستقل في حق الوضوء فافهم ثم الجنب والمحدث إن غمس يده في الإناء لا بنية غسل اليد بل لأخذ الماء لا يصير الماء مستعملاً عنهما أيضاً للضرورة بخلاف ما إذا أدخل إلى المرفق فإنه لا ضرورة فيه إلا إذا وقع فيه شيء فيدخل إلى المرفق لإخراجه فإنه لا يصير مستعملاً لوجود الضرورة ثم حكم الماء المستعمل عدم طهوريته فلا يكون مطهراً ولا يجوز التوضي به ولا الغسل لحمله خبث الآثام وخبث الحدث والخبيث لا يزيل الخبيث ثم الماء طاهر عند الإمام محمد وإن كان غير مطهر وعليه الفتوى لما لم يلاقه النجاسة وقد صح أن الصحابة كانوا يأخذون غسالة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمسحون به وجوههم فعلم أن الماء المستعمل ظاهر والحق أن بدنه الشريف مطهر وطهار من كل وجه وغسالته إنما ينفصل حاملاً للتبركات والكرامات ولم يكن هناك خطايا حتى يكون حاملة لها هذا هو الصواب وعلى هذا ينبغي أن يكون غسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطهراً أيضاً وقال الشيخان الماء المستعمل نجس قياساً على المستعمل في إزالة النجاسة الخفيفة بتنقيح المناط
لأنه إنما صار الخبث لإزالة النجاسة وإذا حقق حقيقة النجاسة فليست إلا جسماً اعتبر الشارع مقاربتها سبب عدم جواز الصلاة ولا دخل للجسمية بل اعتبار الشارع عدم جواز الصلاة معه والحدث شريك فيه فكما ينجس الماء بإزالة جسم يمنع جواز الصلاة كذلك ينجس بإزالة حدث يمنع جواز الصاة والجواب أن الموجب في المقيس عليه اختلاط الماء بأمر مانع عن جواز الصلاة فيكون هذا الماء أيضاً مانعاً وإما غسالة الوضوء والغسل فلم يختلط به شيء مانع من جواز الصلاة وإن أزال أمراً حكمياً هو عدم جواز صلاة المحدث ثم اختلفا في صفة النجاسة فقال الإمام أبو حنيفة نجاسة غليظة لأن حكم الأصل كذلك وقال الإمام أبو يوسف نجساة خفيفة للضرورة والجنب إذا دخل البئر لطلب الدلو مثلاً فلارجل طاهر والماء طاهر ومطهر عند الإمام محمد رحمه الله لمرور الماء على بدنه كله والنية غير شرط في زوال الجنابة والماء لم يصر مستعملاً لعدم وجود القربة والشائع أفتوا بقول الإمام محمد لمكان الضرورة وقال الإمام أبو يوسف الرجل جنب كما كان لاشتراط الصب عنده في الغسل إلا في الماء الجاري والماء طاهر لعدم إزالة الحدث وكلاهما نجسان عند الإمام أبي حنيفة أن الماء فلإزالته الحدث وأما الرجل فقد اختلف في تعليل نجاسة فقيل هو جنب لأن الماء قد ينجس بأول الملاقاة فلا يحصل به إزالة النجاسة وقيل يتنجس بدنه بملاقاة الماء النجس المزيل للنجاسة وعلى هذا فيجو له قراءة القرآن وفي الوجهين نظر ظاهر لأن الماء إنما يصير مستعملاً بعد مزائلة بدنه فلا يتنجس إلا بعد خروجه من الماء فلا يكون الحكم بعدم إزالة الحدث ولا بأنه يتنجس بدنه بملاقاة الماء صحيحاً قد يقال إنما حكم الإمام ببقاء الجنابة لعدم وجود المضمضة وعلى هذا لو مضمض بعد الخروج يزول جنابته ولا بد للإمام محمد القول بهذا فلا خلاف في طهارة الوالج على هذا الوجه فتأمل والماء الجاري طاهر يتوضأ منه وليغتسل ويغسل الثياب ولا يتنجس بوقوع
النجاسة فيه أصلا إلا إذا غير أحداً وصافه الثلاثة وهذا إجماع من يعتد بإجماعهم ثم اختلفوا في حد الجاري فقيل ما لا يتكرر واستعماله وقيل ما يعده الناس جارياً وهذا ()
26
بأقوال الإمام أبي حنيفة من عدم التقرير في أمثال هذا وقيل ما يذهب () وعليه الفتوى ويتوضأ في الماء الجاري صفوفاً ويتوضأ في موضع بال في أو استنجى وإن سد عرض النهر كلب بحيث يمر الماء عليه يتوضأ في أسفله ما لم يتغير أوصافه وعليه الفتوى وإن كان على السطح مذرات فنزل المطر وسال الماء ماراً على العذرات من الميزاب فهو طاهر إن وقع على الثوب لا ينجسه وإن توضأ أو اغتسل جاز الوضوء والغسل إلا إذا تغير أحد أوصافه وإن أصاب الثوب على السطح لا يتنجس هذا كله ما دام المطر نازلاً وأما إذا أمسك فالماء الباقي على السطح نجس كذا قالوا ولو كان الحوض صغيراً يؤخذ الماء من الأواني متتالية ويدخله الماء من جانب آخر فهو ايضاً في حكم الماء الجاري والماء القليل الذي وقعت فيه النجاسة نجس لا يجوز به التضي ولا الغسل ولا غسل الثياب وغيرها بإجماع من يعتد بإجماعهم ولا يضر فيه خلاف أصحاب الظاهر عملاً بظاهر حديث الماء طهور لا ينجسه شيء والجمهور أن المراد به الماء الكثير ثم اختلفوا في حد الكثير فذهب الإمام مالك أن الفاصل بين القليل والكثير تغير أحد الأوصاف الثلاثة فالقليل ما تغير به أحد أوصافه بالنجاسة والكثير ما لم يتغير فجعل تغير الأوصاف مؤثراً في نجاسة الماء وعدم التغير مؤثراً في الطهارة واستدل بما روى أبو سعيد الخدري قال قيل أنتوضأ من بئر بضاعة وهو بئر يلقى فيه الحيض ولحوم الكلام والنتن فقال الماء طهور لا ينجسه شيء رواه أحمد الإمام والترمذي والنسائي الحيض كبكسر الحاء وفتح التحتانية جمع حيضة بالكسر والمرأ الكرسف المراد بالنتن خرقة يغير نتنها بالنجاسة والمتغير الأوصاف خارج بالإجماع وقد روى أبو أمامة عنه صلى الله عليه وسلم الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب
على ريحه ولونه وطعمه رواه ابن ماجه وروى الدارقطني بلفظ إلا ما غير طعمه وريحه ولونه في كون الاستثناء داخلاً في الحديث كلام عند المحدثين واستوفى في فتح القدير والحديث بدون الاستثناء صحيح لم يتكلم عليه أجاب عنه صاحب الهداية بأن بئر بضاعة كان ماءها جراياً في البساتين فقد روى الطحاوي عن الواقدي قال كانت بئر بضاعة طريقاً للماء إلى البساتين ال في فتح القدير أن وثق الواقدي وقيل المرسل فهو حجة عندنا والخصم لا يراه ثقة ولا تقبل مراسيله وقال الإمام الشافعي قدر القلتين كثير لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه وما قل منه فهو قليل وقدر الإمام حجة الإسلام بخمس مائة رطل برطل العراق قال الشيخ عبد الحق الرطل العراقي مائة وثمان وعشرون () وقال الإمام أحمد بمثل قول الإمام الشافعي إلا أنه قال إن كانت النجاسة غير مائعة مثل البول والراز الرقيق استدلوا بما عن ابن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون في الفلاة ما ينوبه من الدواب والسباع فقال إذا كان قلتين لم يحتمل الخبث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وأوله أصحاب الهداية أنه لضعفه بصيرورته نجساً لا يطيق حمل النجاسة ويروه ما وقع في رواية أبي داود فإنه لا ينجس ثم في التأويل المذكور خلل آخر هو أنه إن كان له مفهوم أن ما زاد على القلتين ليس ضعيفاً عن حمل النجاسة بل يتنجس وهو خلاف مذهب الكل وإن لم يكن له مفهوم لم يعلم حكم ما زاد وكان السائل سأل عما زاد على القلتين فلم يطابق الجواب السؤال وقال في الهداية قد تكل عليه أبو داود وقال في سفر السعادة جمع صححوه وجمع حكموا بالضعف وبعضهم حكموا بالاضطراب والشيخ ابن الهمام أثبت الاضطراب في متن الحديث ففي بعض الروايات لفظ القلتين وفي بعضها قلتين وثلاث قلال وفي بعضها أربعين قلة وفي بعضها أربعين غربا وهذا الاضطراب يقعد الحديث عن الحجية وقال لم يعلم معنى القلتين فالقلة يقال على الجرة وعلى القربة
ورأس الحبل وإذا لم يتعين المراد في الحديث لا يعمل قال الإمام الشافعي أخبرين مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج بإسناد ولا يحضرني أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً وقال في الحديث بقلال هجر قال ابن جريج رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين فشيئاً قال الإمام الشافعي فالاحتياط أن يجعل قربتين ونصفاً فإذا كان خمس قرب كبار كقرب الحجاز لم ينجس إلا أن يغير وقد ذكرنا تقدير خمس قرب قال الشيخ ابن الهمام
27
منقطع للجهالة وذكر ابن عدي هذا الحديث قوله في متنه من قلال هجر غير محفوظ ثم قال الشيخ ابن الهمام إذا كان حال متن الحديث كذلك فقد لزم القول بعدم الصحة وعند الإمام أبي حنيفة وصاحبيه إذا كان الغدير عظيماً بحيث لا تصل من جانب إلى آخر فهو كثير يتوضأ منه وقد يستدل لهم بما روى الشيخان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات والإناء عام لا يسع قدر قلتين ولا يتغير أحد الأوصاف الثلاثة بوقوع الكلب فإن قلت الإمام مالك لا يرى نجاسة سؤر الكلب ويقول الأمر بغسل الإناء تعبدي لا للنجاسة فلا تقوم عليه الحديث حجة قلت قد وقع في رواية مسلم لفظ ظهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب بغسله سبع مرات والثامن بالتراب والطهور فرع التنجس وقد يستدل بما مر من حديث المستيقظ وقد مر أن النهي فيه ليس للتحريم وبما روى الشيخان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه وقد تعقب عليه الشيخ ابن الهمام بأن الحديث ليس على عمومه بالاتفاق بل لا بد من تخصيص الكثير فكل يخص على حسب مذهبه واستدلوا أيضاً بالإجماع السكوتي لأن ابن عباس فيما روى الدارقطني وابن الزبير فيما روى الطحاوي أفتيا بنزح ماء زمزم عند وقوع زنجي وموته فيه وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكره أحد ومن البين أن ماز زمزم كان أكثر من القلتين وكان لم يتغير الأوصاف وما نقل عن ابن عيينة أنه قال أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيراً أو كبيراً يعرف حديث الزنجي فاستعاد في غير موضعه لأن عدم معرفة ابن عيينة مع رواية العدول لا يضر قال الشيخ عبد الحق لما لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في تقدير الماء وتحديده رجع أصحابنا إلى الدلائل الحسة وجعلوا معيار القلة الكثرة على غطم الغدير بحيث لا يصل من جانب إلى آخر وصغر الغدر هذا غياة الكلام في هذا لمقام وإلا شبه عندي نظراً
إلى الدليل قول الإمام مالك لأن حديث الماء طهور لا ينجسه شيء صحيح ثابت بلا شبهة ولا يضر جريان ماء بئر بصناعة لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما تقرر في أصول الفقه وحديث القلتين بعد تسليم صحته غير معارض له لأن إفراد فسره من العام بحكمه لا يخصص العموم إلا باعتبار المفهوم والمفهوم إن سلم فضعيف لا يعارض للمنطوق وأما حديث ولوغ الكلب بغير معمول عندنا معشر الحنفية ولا يوجبون غسل الإناء سبع مرات بل يقولون هذا كان في بدء الإسلام تشديد في تبعيد الكلم فليجز أن يكون نجاسة الماء لذلك ثم الكلام يقع على الجيف المنتن غالباً فإذا ولغ من فوره يتغير الريح فما قالوا أنه لا يتغير أحد الأوصاف بولوغ الكلم محل تأمل ثم بعد هذا كله نقول على التنزل غاية ما لزم معارضة حديث ولوغ الكلب لذلك الحديث في بعض أفراده نفي الباقي الخالي عن المعارضة يعمل بالعام ويطلب فيما فيه لمعارضته الترجيح فيعمل بالراجح وأما حديث المستيقظ في بعض أفراده نفي الباقي الخالي عن المعارضة يعمل بالعام يوطلب فيما فيه المعارضة الترجيح فيعمل بالراجح وأما حديث المستيقظ فقد عرفت أن النهي للكراهية ونحن نقول بكراهيته غمس اليد وكذا بإلقاء النجاسة طلباً للنظافة وأما حديث النهي عن البول والاغتسال في الماء الدائم فقد عرفت ما فيه على أنه ليس فيه ما يدل على النجيس لجواز كون النهي لتنظيف الماء والبدن والتنظيف أيضاً قد يكون مطلوب الشارع طلباً للخلق الكريم وأما ما ادعوا من الإجماع ففي غاية السقوط لأنه موقوف على أن جميع الصحابة ومجتهدي ذلك العصر كانوا حاضرين عند الفتوى وهو ممنوع بل الظن على عدم الحضور ثم فتواهم بنزح ماء زمزم لعلماء كانت لتعظيم الكعبة والمسجد الحرام زمزم لا لنجاسة الماء وليس في الرواية ما يدل على فتواهم بنجاسة الماء فافهم والله أعلم بأحكامه ثم اختلف الروايات في تحديد الغدير العظيم ففي ظاهر الرواية عن الإمام أبي حنيفة عدم
التقدير بل التفويض إلى رأي المبتلى به كما هو دأبه الشريف في امتثال هذا فإن غلب على ظن المتوضئ أنه لا يصل يتوضأ وإلا لا وفي الروايات الأخر يعتبر التحريك فإذا لم يتحرك بتحريك ()
28
جانبه الآخر فهو غدير عظيم يتوضأ فيه من جانب إذا كنت النجاسة في جانب آخر قال في الهداية هذا يشير إلى أنه ينجس موضع وقوع النجاسة ثم المعتبر التحريك في الغسل في رواية الإمام أبي يوسف عنه لأن الحاجة إلى الحياض بالاغتسال أكثر بالوضوء في رواية الإمام محمد لأنه وسط وبالاعتراف من دون وضوء واغتسال للتوسعة وقدره المتأخرون بالمساحة ونقل عن الإمام محمد أنه سئل عنه فقال إن كان مثل مسجدي هذا فكبير فقيس حين قام وكان إثنا عشر في مثلها وثمة تقديرات كثيرة لكن الذي اختاره المتأخرون العشرة في العشرة وأفتوا به ووسعوا في ذلك حتى جوزا الوضوء للناس معاً صفوفاً وفي موضع وقوع النجاسة إن لم ير أثره وأما في المدور فيعتبر ثمانية وأربعون مساحة دوره وقيل أربع وأربعون وقيل ستة وثلاثون قال الشيخ عبد الحق الأول أحفظ والأخير أوفق بقواعد الحساب والله أعلم وعلى هذا الخلاف المذكور يتفرع تنجيس البئر فعند الأئمة الثلاثة لا يتنجس إلا بتغير أحد الأوصاف الثلاثة لأنه ماء زائد على القلتين وعندنا يتنجس فبوقوع النجاسة ينزح الماء ثم في مسائل البئر الفصيل عندنا ومسائل البئر عندنا خارج عن القياس إنما المتتبع فيه الآثار فنقول إن ماتت نحو الفارة وأخرجت من فوره قبل أن ينفسخ ينزح عشرون ولو إلى ثلاثين لأثر أنس رضي الله عنه فإنه قال في الفأرة ينزح عشرون وفي نحو دجاجة وسنور ينزح أربعون إلى خمسين لأثر أبي سعيد فإنه قال في الدجاجة ينزح أربعون والمعتبر في كل بئر دلوها قال في فتح القدير الأثران المذكوران ذكرهما مشائخنا ولم يوجد في كتب الأحاديث وأسند الطحاوي عن أمير المؤمنين علي قال في بئر وقعت فيها فأرة فماتت ينزح الماء وهذا الظاهر يوجب نزح كل الماء ثم نقل
عن الطحاوي بسنده إلى إبراهيم النخعي أنه قال في الجراد والسنور بدلو أربعين دلواً وهذا عجيب لأن الجراد طاهر حلال ميتته ثم نقل عنه وعن الشعبي أقوال في نحو السنور أربعون دلواً وسبعون وفي كل ما روى لا حجة ثم إن ألقى في بئر طاهر ولو () من ماء هذا البئر فيجب في إخراج هذا الدلوا فما بقي بعد إخراج هذا الدلو فإن ألقى الخامس إخرج هذا الدلوا وخمسة عشر دلواً وإن ألقى في بئر مثله نزح أكثر مما وجب في البئر المثل ومما بقي من هذا فإن ألقى الدلو الخامس في البئر الساقط فيه الفأرة يجب نزح عشرون لا غير كذا قالوا وإن مات نحو شاة إو إنسان في البئر وإن لم يكن على ظاهر بدنه ونجاسة نزح الماء كله لحديث الزنجي وكذا إذا انفسخ أو انتفخ حيوان من الفأرة وما زاد عليها في الجثة وكذا إذا وقع نجاسة أخرى بنزح الماء كله لكن قالوا في قليل من أبعار الإبل والغنم أنه عفو لأن الآبار في الفلوات لا يخلو عن قليل من الأبعار ففيه ضرورة في الهداية المنكسر وغير المنكسر سواء والروث والختي والرطب واليابس سواء لأن الضرورة يشمل الكل وقاس المشائخ عليها عليها وأفتوا أن بعرة إذا وقع في المحلب يلقى البعر ويشر اللبن لمكان الضرورة والكثير من الأبعار لا يعفى لعدم الضرورة وحد الكثير ما يستكثره الناظر وهو أوفق بدأب الإمام والمتأخرون قالوا يعفى العرتان وما زاد فكثير وإن وقع في البئر حيوان لا يعلم في بدنه نجاسة يخرج حياً فإن كان نجس العين ينزح الماء كله وإلا فإن كان حيوان سؤره نجسن فإن وقع الفم في الماء ينزح الكل وإلا فلا ينزح وإن كان سؤره طاهر فلا ينزح وإن كان مكروهاً كالهرة لا ينزح أيضاً ويعفى الكراهية وإن كان مشكوكاً فالماء طاهر غير مطهر فينزح ليصير مطهراً وإن وقع شارة وغيرها من الدواب ولم يعلم على بدنه نجاسته لكن الغالب أنه لا يخلوا من اختلاف بول أو روث بحكم بطهارته ولا عبرة للغلبة كذا في فتح القدير هم أو أخرج الماء من البئر على ما
وجب يطهر الدلو والبئر بالمجر وانفصاله من الماء أو بعد إخراجه على خلاف من المشائخ ثم البئر الذي انتفخ فيه حيوان يحكم بنجاسته من مدة ثلاثة أيام فيقضى صلاة تلك الأيام ويغسل البدن والثياب استعمل فيها الماء في تلك المدة وهذا لأن
29
الانتفاخ () التقدم وأقله ثلاثة أيام ظاهر وإن لم ينتفخ يحكم بالنجاسة من مدة يوم وليلة لأن عدم الانتفاخ يدل على قربه فقدرنا باليوم والليلة لأن ما دونه ساعات وقالا لا يحكم بالنجاسة إلا من وقت العلم لأنه عسى أن يوقعه الطير في هذه الساعة فلا قطع بالتقدم وقولهما أرفق وبه أفى بعض المشائع ولا ينجس الماء القليل بوقوع جزء طائر مأكول اللحم عندنا وهو طائر ونقل عن الإمام الشافعي نجاسته ولنا الإجماع العملي وهو اقتناء الحمامات في المساجد كما في المسجد الحرام من عصر الصحابة والتابعين إلى هذا الآن من غير نكير مع وجوب تعظيم المساجد وتطهيرها حتى منع عن إلقاء النخامة والبزاق ولا يتنجس الماء القليل من موت حيوان لا دم فيه وميتتة طائرة لما روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء فدل الحديث على عدم نجاسة الذباب الميت وعم حكمه كل ما ليس له دم بالقياس مع أنه قد روى الدارقطني عن سلمان عنه صلى الله عليه وسلم قال يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه والوضوء منه قال الدارقطني لم يرفعه إلا بقية عن سعيد بن أبي سعيد وهو ضعيف واعلمه ابن عدي بجهالة سعيد وأجاب الشيخ ابن الهمام بأن بقية هذا ابن الوليد روى عنه الأئمة مثل الحمادين وبان المبارك ويزيد بن هارون وبان عيينة ووكيع والأوزاعي وغسحاق ابن راهويه وشعبة () شعبة واحتياطه قال يحيى كان شعبة مبجلاً لبقية حين قدم بغداد وقد روى الجماعة إلا البخاري وأما سعيد ابن ابي سعيد فذكره الخطيب واسمه عبد
الجبار وكان ثقة فانتفت الجهارة ومع هذا لا ينزل عن الحسن انتهى وموت ما () لا ينجس الماء ولا أثر لا دم له وشعر الميتتة وعظمها طاهر لا ينجس الماء القليل بوقوعها وقال الإمام الشافعي ينجس لنا ما روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس إنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك لحمها فأما الجلد والشعر والصوف فلا يأمن وأعله الدارقطني بتضعيف عبد الجبار بن مسلم وهو من رواه الحديث ودفعه الشيخ ابن الهمام بأنه ذكره ابن حبان في الثقات فلا ينزل الحديث عن الحسن وبو ما يؤكل لحمه نجس بنجس الماء القليل عند الشيخين وقال الإمام محمد طهار بقصة العرنين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بشرب أبواب الإبل ولهما ما روى الحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه وهذا حديث صحيح والمعارضة بين الحديثين من صور معارضة العام والخاص في بعض إفراد العام وهي أبوال الإبل بل هي مستعملة للتداوي ويبقى الحديث فيما وراء المعارض حجة فلا حجة فيه للإمام محمد ثم الإمام أبو يوسف خصص هذا الحديث بحديث العرنيين في صورة التداوي وحكم بجواز التداوي ببول الإبل بل بابوال ما يؤكل لحمه بل روى عنه جواز التداوي بالمحرم مطلقاً للضرورة وأما الإمام أبو حنيفة فيقول لا يجوز التداوي بأبوال الإبل ولا بسائر المحرمات لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شفاء في المحرم وأما العرنيون فقد علم شفاءهم فيه بالوحي فكان شفاءهم مقطوعاً عنده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز التداوي بها بظن وتخمين فافهم الأسوار ما خالط به اللعاب فما كان لعابه بجساً فسؤره نجس وإلا لا والتفصيل فيه أن سؤر نجس العين نجس اتفاقاً والكلب نجس العين في رواية الحسن عن أبي حنيفة وبه قال الإمام الشافعي وسؤر سائر السباع ومنها الكلب في ظاهر الرواية نجس عندنا وعند الإمام أحمد وقد مر النص في الكلب وقال الإمام الشافعي سؤر
السباع سوى الكلب طاهر مع حرمة لحمه وقال الإمام مالك طاهر زعماً منه حل لحمه ولنا أن اللعاب متولد من اللحم وحرمة لحمه آية النجاسة لأن الأصل في الحرمة إنه إذا لم يكن للكراهة فهو للنجاسة والشافعي يقول أن حرمته ليست للنجاسة بل لئلا يسري شرارته إلى الإنسان وهذا التعليل
30
قد أقر به صاحب الهداية في باب الذبائح لكن هذا الاحتمال لا يضر طهور كون الحرمة للنجاسة فتأمل ووقع في حديث القلتين قد سأل السائل عن الماء الذي يرد عليه السباع ويفهم منه أن سؤر السباع نجس ولم يقل صلى الله عليه وسلم في جوابه أن سؤره طاهر بل أحال على بلوغ الماء قلتين وهذا حجة إلزامية على الإمام الشافعي بما روى رزين عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها ما أخذت بطونا وما بقي فهو لنا طهور وبما روى محي السنة في شرح السنة عن جابر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ بماء أفضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع كلما قال الشيخ عبد الحق الحديث الأول في الحياض وهو ماء كثير وكذا الثاني مخصص بالماء الكثير وإلا لزم كون سؤر الكلاب أيضاً طاهر انتهى ويلزم كون سؤر الخنزير أيضاً طاهراً لأنه من السباع ولا يمكن تخصيص الكلب والخنزير من عموم الحديث لأن التأكيد لكل يجعل العام محكماً في العموم فلا يقبل التخصيص وأما قوله صلى الله عليه وسلم بماء أفضلت فيقبل التخصيص لعدم المانع منه فيخص بالماء الكثير فافهم وسؤرة الهرة وسائر سواكن البيوت طاهر والأصل فيه ما عن كبشة بنت كعب أن ابا قتادة دخل عليها فجاءت هرة تشرب منه فأصفى لها الإناء قالت كبشة فرآني أنظر إليه قال أتعجبين يا ابنة أخي قالت فقلت نعم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي وأبو داود والنسائي فقد نص على أن العلة الطواف وسواكن البيوت يوجد فيه هذه العلة
فيسري الحكم إليها ثم سؤرة الهرة ونحوها مكروه عند الإمام أبي حنيفة وعند الإمام محمد واستدل لما في الهداية بقوله صلى الله عليه وسلم السنور سبع والمراد بيان الحم إلا أنه سقطت النجاسة لعلة الطواف فبقيت الكراهة وفيه نظر لأن الشبه لا يحبب أن يكون من جميع الوجوه وقصة نزول الحديث يدل على أنه ليس وجه الشبه النجاسة فقد روى الدارقطني عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي دار قوم من الأنصار ودونهم دار فشق ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتي دار فلان ولا تأتي دارنا فقال لأن في دارك كلباً قالوا فإن في دارهم سنور فقال عليه السلام السنور سبع وظاهر أن المقصود أن في داركم كلباً وهو نجس وشيطان وفي دارهم سنور وهو سبع غير نجس وقال الإمام أبو يوسف لا كراهة في سؤر الهرة اصلاً وهو الأشبه بالصواب لما روى أبو داود ومن صالح عن أمه أن مولاتها أرسلت بهريسة إلى عائشة قالت فوجدتها تصلي فأشارت إلى وضعها فجاءت هرة فأكلت منها فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة فقالت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم رواه أبو داود وسؤر الإنسان طاهر ولو جنباً أو حائضاً أو كافراً ونقل صاحب الهداية عن الإمام الشافعي أن الكافر نجس بالنص وهو قوله تعالى إنما المشركون نجس والبيضاوي وصاحب معالم التنزيل والقسطلاني صرحوا بأن المراد النجاسة في الاعتقاد دون البدن وهم شافعيون وقد روى البخاري عن ابن عمر قال كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه وظاهر أن العسل مائع فلو كان المشرك نجساً فينجس العسل بملاقاة بدنه وسؤر سباع الطير طاهر مكروه أما الطهارة فللضرورة لأنها طائر يقع على الأواني والاحتراز عنه قلما يمكن ولأنها تشرب بمنقارها وهو عظم طائر وملاقاة الطاهر بالطاهر لا توجب التنجس وما على المنقار عند أكل الميتتة يزيله بالدلك و/ا الكراهية فلحرمتها واحتمال
وقوع اللعاب وسؤر ما يؤكل لحمه طاهر لأن لعابه المتولد من اللحم الطاهر طاهر وكذا لحم الفرس لأن كراهة لحمه للكرامة فلا يكون آية النجاسة والكراهية وأما عندهما فهو مأكول اللحم وعليه الفتوى وسؤر الحمار والبغل طاهر مشكوك الطهورية وليس السك في الطهارة فإن لم يجد إلا سؤر الحمار والبغل يتوضأ ويتيمم لأن الآثار قد تعارضت في النجاسة
31
والطهارة فإنه قد ثبت في صحيح مسلم في حديث تحريمه أنه ركس وإباحة الركوب عليه توجب الطهارة فقد وقع الشك في الطهارة والنجاسة ولا يمكن إلحاقه بالسباع بجامع حرمة اللحم لأن السباع لا تخالط الإنسان والحمار والبغل يخالطه الإنسان ففيهمما نوع ضرورة ولا إلحاقه بالهرة لأنه ليس فهما ضرورة مثل الضرورة فيها فبقي الشك في الطهارة والنجاسة كما كان فجب تقرير الأصول والاصل في الماء الطهارة فيبقى بعد اختلاف لعابهما طاهراً لأن الاصل لا يزول بالشك فإذا وجد المحدث يجب استعماله في الوضوء وبعد استعماله وقع الشك في ارتفاع الحدث وكان قبل الاستعمال محدثاً فبقي على الأصل فوجب عليه التيمم وقد وقع في هذه المسالة زيادة في فواتح الرحموت شرحاً للمسلم وما ذكر غاية ما حصل لي بعد التفتيش البالغ ثم أيهما قدم جاز لأن الماء إن كان صالحاً لإزالة الحدث فيلغوا التيمم ويحصل الطهارة بالوضوء وإلا فبالتيمم قدم أو أخر وإلا الذي توجد في الفلوات ويظن ورود السباع عليه وكذا ماء الآبار التي لا يحتاط فيها النازعون وكان بحيث يكون أقدامهم نجسة وبظن وقوع الماء السائل من الدلو على القدمين طاهر يتوضا ولا يسأل عن أحوال ماء الفلوات ولا تعتبر احتمال بلوغ الماء النجس إلى ماء البئر ما لم يعلم نجاسته ماء الفلوات ويقطع ببلوغ الماء النجس لأن الاحتمال لا يزول به العمل باليقين وقد روى يحيى بن عبد الرحمن عن أمير المؤمنين عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى ورد أحوضاً فقال عمرو يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع ويرد علينا فهذا يدل على أن السؤال غير لازم وإن كانت الواقعة في الماء الكثير ( ..... )
فصل في التيمم قال الله تعالى فإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغئط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، فيجوز التيمم للمسافر الفاقد الماء بهذا النص وقدره أئمتنا ببعد الماء قدر الميل وهو أربعة آلاف ذراع أو أربعة آلاف أقدام البعير ولم يعتبروا خوف فوت الوقت بأن يكون الماء قريباً من هذا القدر لكن لو ذهب إليه يخاف فوت الوقت خلافاً لزفر رحمه الله هو يقول أنه غير واحد للماء في الوقت أجاب المشائخ بأن التقصير من قبله حيث أخر الصلاة وهذا إنما يرد ولو كان التأخير باختياره بلا عذر وإن كان بلا اختياره كما إذا نام وانتبه الوقت قصير ونحو ذلك فلا تقصير من قبله ويجوز التيمم له عند خوف سبع أو عدو على النفس أو على المال وإن كان الماء قريباً لأنه غير واجد للماء وحكماً لأن الشرع رفع الحرج وكذا يجوز التيمم لمن كان على البئر لكنه فاقد آلة ينزح بها الماء لأنه غير واحد للماء وإن كان عند رفيقه دلو لا يجب عليه السؤال وإن سأل وقال الرفيق انتظر يستحب له الانتظار ولا يجب لأن الشخص لا يعد قادراً بقدرة الغير كذا قالوا وإن كان عنده ماء يكفي للشرب أولعجن العجين وإن توضأ أو اغتسل ابتلى بالعطش يباح له التيمم لأن ضرر العطش والجوع مثل ضرر المرض وكذا إذا لا يجد ماء إلا بالشراء بغبن فاحش يباح له التيمم وإن كان الماء منه قريباً لكن يخاف التخلف عن القافلة لو ذهب يباح له التيمم لأن التخلف من القافلة يخاف منه ما لا يخاف من المرض وإن كان مريضاً مرض يخاف اشتداده باستعمال الماء يباح له التيمم بالنص والمرض مقيد بما قلنا ونسب في الهداية إلى الإمام الشافعي التقيد بخوف التلف لا اشتداد المرض والذي في كتب الشافعية يوافق مذهبنا ثم أنه كما يجوز التيمم للمحدث عند هذه الأعذار يجوز للجنب وقوله تعالى أو لامستم النساء مراد
32
به الجماع عندنا وقد وقع الخلاف فيه بين الصحابة ثم وقع الاتفاق بعد انقراضهم ولا يعلم فيه خلاف وقد روى عمر أن قال كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس فلما انقلب إذ هو برجل معتزل لم يصل مع القوم فقال ما منعك يا فلان تصلي مع القوم قال أصابتني جنابة ولا ماء قال عليك بالصعيد فإنه يكفيك أخرجه الشيخان وسيجيء في حديث عمار ما يفيد التيمم للجنب ولا يجمع عندنا ما بين التراب والماء خلافاً للإمام الشافعي لأن شرط العمل بالفرع عدم القدرة على الأصل مثلاً جنب أكثر بدنه مجروح يتيمم فقط ولا يستعمل الماء في العضو الصحيح ويتيمم للباقي وإن كان أكثر بدنه صحيحاً ولا يضره استعمال الماء غسل الصحيح ويمسح المجروح إن لم يضره وإلا يمسح على الخرقة بعد لفها الجراحة وإن ضره غسل الصحيح يتيمم وكذا الحكم في مرض بعض الأعضاؤ وإن كان المجروح والصحيح سواء فقال الشيخ ابن الهمام لا رواية فيه وبعض المشائخ على التيمم وبعضهم على الغسل والمسح والأول أشبه بالفقه واختلفوا في حد الكثرة فعند البعض باعتبار عدد الأعضاء وعند البعض باعتبار كل عضو وقد روى جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه فسال أصحابه هل تجدون في رخصته في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء الغي في السؤال إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسد رواه أبو داود ومعناه له أن يتيمم إن خاف الضرر في استعمال الماء والمسح على الجراحة باليد البتلة هو هو المسح حقيقة وغسل باقي جسده إن لم يضره استعمال الماء فذكر صلى الله عليه وسلم الأمرين الذين له في الحالين فلا حجة فيه للشافعي كما زعم وحمل المسح على المسح بالتراب بعيد غاية البعد لأن المتبادر من مطلق المسح الإصابة باليد المبتلة بل هو الحقيقة
لأنه لا حاجة إلى التعصيب ولا معنى لقوله يكفيه أن يتيمم فافهم ويباح للصحيح الموجود معه الماء إذا خاف البرد الشديد في الحضر والسفر إن خاف التلف أو حدوث المرض وقالا لا يجوز في الحضر زعماً منهما أن هذه الحالة نادرة في المصر لوجود الماء الحار ووجود ما يتزمل به تحت السقف والدثار الذي به يندفع البرد وله ما في صحيح البخاري معلقاً ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف ولأن حقيقة العجز ثابتة وإن كان نادراً فأشبه المرض وقد يفرق بين الجنابة والحدث فيباح التيمم للجنابة جون الحدث لأن الوضوء لا فضي غالباً إلى المرض وأما الغسل فقد يفضي إليه وهذا غير بعيد ويجوز التيمم لخوف فوت صلاة الجنازة والعيدين للصحيح المقيم مع وجود الماء لأنه غير واجد للماء لهذه الصلاة وإن شرع في العيدين متوضئاً ثم سبقه الحدث يتيمم ويبني عنده لأنه يوم الزحام فعسى أن يعرض عارض مفسد للصلاة فيفوت وبه سقط ما قالا لا يتيمم لأنه لا يفوت الصلاة حينئذ وإن شرع تيمما فسبقه الحدث فيتيمم بالاتفاق أما عنده فظاهر وأما عندهما فلأنه لو وجب عليه الوضوء زال العجز الحكمي فصار واجد الماء في أثناء صلواته ويبطل التيمم الذي صلى بعض الصلاة عن أصله وركن التيمم مسح الوجه بضبة له ومسح اليدين إلى المرفقين بضربة أخرى ويشترط الاستيعاب في ظاهر الرواية خلافاً لما يرويه الحسن عن الإمام أنه يكفي الأكثر وهذه الرواية رفق بالناس وبها قال الإمام مالك ويمثل ظاهر الرواية قال الإمام الشافعي في قوله الجديد وعند أكثر المحدثين والإمام أحمد في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين واستدلوا بظاهر الرواية ولمذهب من وافقونا بما روى الطبراني والدرقطني والحاكم عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين
قال الشيخ ابن الهمام قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه قال الدارقطني رجاله كلهم ثقات واستدلوا
33
أيضاً بالقياس على الوضوء فإن غسل اليد فيه إلى المرافق فكذا في التيمم وهو خلفه واستدل الإمام أحمد وأتباعه بما روى الشيخان وغيرهما عن عمار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يكفيك هكذا فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه وفي رواية لمسلم إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك قال أهل الحديث هذا أصح الأحاديث المروية في باب التيمم وقد بالغ صاحب سفر السعادة وقال أنه لم يصح حديث الضربتين وأجاب الحنفية من بينهم بأن حديث عمار غير قابل للاحتجاج لرد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إياه فقد روى البخاري عن شقيق قال كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى الأشعري فقال أبو موسى لو أن رجلاً جنب فلم يجد الماء شهراً أما كان تيمم ويصلي قال فقال عبد الله لا يتيمم وإن كان لم يجد فقال له أبو موسى فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فقال عبد الله لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن تيمموا الصعيد قلت وإنما كرهتم هذا لذا قال نعم فقال أبو موسى ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرع الدابة فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضهما ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه فقال عبد الله ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار وروى مسلم عن عند الرحمن بن ابزي أن رجلاً أتى عمر فقال إنني أجنبت فلم أجد ماء فقال لا تصل فقال عمار أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت فقال
النبي صلى الله عليه وسلم إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم ينفخ ثم يمسح وجهك وكفيك فقال عمر اتقي الله يا عمار ثم ذكر بسند آخر وزاد فيه فقال عمر نوليك ما توليت فقال الحنفية كان أمير المؤمنين عمر شريكاً لعمار في الحادثة ولو كان الأمر كما ذكر عمار لحفظه أمير المؤمنين لكون هذا مما يحتاج إليه كثيراً فلما أنكر علم أن فيه وهما فيقعد ما رواه عن الحجية هذا أو قد أطنب شراحأصول الإمام فخر الإسلام في تبيان هذا الحرام والملخص لا يزيد على ما ذكروا ان اشتهيت فاطلب منها وأجابوا جميعاً بما قال النووي أن مقصوده صلى الله عليه وسلم بيان صورة التيمم وأن ليس عليك التمعك لا بيان صفة التيمم بجميع أركانه وليس في حديث عمار نص على كون الضربة واحدة وإنما فيه ضرب بالأرض والذي في رواية البخاري مسح بوجهه وكفيه ضربة واحدة معناه مسحة واحدة وقد يقال المراد بالكف اليد كما يراد باليد الكف هكذا وقع القيل والقال والأشبه عندي ما قال الإمام أحمد بوجهين أحدهما حديث عمار وما قال الحنفية أنه غير قابل للاحتجاج فجوابه أن عدالة أمير المؤمنين وعدالة عمار كلاهما مقطوعتان لا محل للريبة والارتياب لأن الأحاديث المتواترة المعنى والإجماع القاطع ولا عليها ثم اختلفا في هذه الواقعة ما أن وقع نسان من أمير المؤمنين المواقعة أو وقع وهم بعمار بظن ما لم يكن واقعاً وإلا لا سبيل للافتراء من الجانبين لمقطوعية العدالة ووهم ما ليس واقعاً بعيد غاية البعد لأنه خلاف العادة لا يقع في العادة أصلاً وأما النسيان الواقع فيقع كثيراً ثم حفظ الواقعة التي وقعت لم يكن مهما فلا بعد في نسيانه وأما ما ذكرنا عمار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمه التيمم وإن كان حفظهما أمراً مهماً لكن لعله لم يكن بحضرة أمير المؤمنين مجلسه الشريف وقت سؤال عمار وليس في رواية عمار أنه وقع بحضرته إنما كان عمار ذكر الواقعة وتعلم طريق التيمم وحفظه لأن حفظه كان أهم فتعين
نسيان أمير المؤمنين وحفظ عمار فيكون روايته لزمته للعمل وراجحة على رواية الدارقطني بقوة سنده وأما ما أجابوا به من قول النووي ففي غاية السقوط لأن عمار قد كان أخطأ
34
في صفة التيمم وكان جاهلاً ببها فيلزم على النبي صلى الله عليه وسلم تنبيه وسوق الحديث أيضاً شاهد به وأما قوله ليس في الحديث تصريح بوحدة الضربة ففه أن الفعل إذا وقع غير مقترن بعدد فهو نص في الواحد وذكر العدد وبعده مغير للفعل عن معناه كما تقرر في الأصول ولذا قال الإمام محمد لو قال الزوج لزوجته طلقتك ثلاثاً وماتت قبل ذكر العدد فلا يقع شيء هذا كله مبين في علم الأصول ثم وقع في رواية أبي داود وفي هذا الحديث فقال يا عمار إنما كان يكفيك هكذا ثم ضرب بيده الأرض ثم ضرب أحدهما على الأخرى ثم مشح وجهه والذراعين على نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين وهو متمسك رواية الحسن لكن هذا من وهم بعض الرواة لاجتماع الثقات من رواة هذا الحديث عن عمار على مسح الكفين الوجه الثاني قوله تعلى فامسحوا بوجوهكم وإيدكم منه وليس فيه إلا مسح الوجه واليد منه وهو مطلق من أن يكون بضربة أو ضربتين فدل النص على كفاية الضربة الواحدة وروايات الضربتين اخبار آحاد لا يصلح لأن يكون مغير لإطلاق الكتاب ولا لأن يكون ناسخة له نسخ الزيادة كما تقرر في أصول الفقيه ثم ليس في النص إلا مسح الأيدي فشرط المسح إلى المرفق زيادة عليه ولا يجوز الزيادة بخبر الواحد فإن قلت اليد عبارة من الأصابع إلى الإبط وليس الكل مراد بالإجماع ولا ما يطلق عليه مسح اليد وإن كان قليلاً وإلا لزم كفاية مسح الذراعين فقط من دون مسح الكفين وهو خلاف الإجماع فالمراد باليد قدر معين وهو مجهول فيكون رواية الذراعين بياناً له قلت هذا غاية التوجيه في هذا المقام وكان يختلج في صدري لكن الحق أن اليد عبارة مما من الأصابع إلى الرسغ سواء كان مع الذراع أو مع الذراع والكتف ولا يطلق على الكتف فقط ولا على الذراع فقط هو ظاهر
فاليد عبارة عن القدر المشترك بين الكف إلى الرسغ وبيه إلى المرفق وبينه إلا الإبط فإن كان اليد في الآية الكريمة مطلقة فقد وجب في التيمم مسح الكف مطلقاً أما وحده أو معالذراع أو معه ومع الكتف وكونه إلى المرفق بخصوصه غير واجب لكن في المد مخير وهذا غير بعيد وينطبق عليه روايات مد المسح إلى المرفق وإلى الإبط ورواية عمار لا ينافي هذا لأنها ناطقة بكفاية مسح الكف لا غير ثم إنا سلمنا أن الآية مجملة لكن البيان هو حديث العمار لأنه أقل ما يروى في الباب هذا ويحتمل أن يكون مد المسح إلى المرفق أو إلى الإبط من قبيل تطويل الغرة في الوضوء كما صح في رواية ابي هريرة وهذا الاحتمال غير بعيد وقد وقع الاطناب في هذا المقام لما كان من مواضع زلت في الأقدام والنية شرط في التيمم والنية أن يقصد به حصول الطهارة أو استباحة عبادة مقصودة لا يحل إلا برفع الحدث فلا يجوز الصلاة بالتيمم لقراءة القرآن ولا لصلاة الجنازة ولا لمس المصحف وقد روى أو () قال مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي السلام حتى قام إلى جدار فحثه لعصا كانت معه ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي رواه محي السنة في شرح السنة وقال حديث حسن وقد تورد هذا دليلاً على أن التيمم يجوز من دون نية أداء عبادة لا يجوز معه الحدث وهذا إنما يتم لو كان صلى الله عليه وسلم صلى بهذا التيمم ونحن لا ننكر جواز التيمم لعابدة يستحف فيها الطهارة لكن ذلك النية لا يكفي في التيمم لأداء الصلاة وأجاب الشيخ ابن الهمام بأنه يجوز إن كان نوى أداء عبادة مقصود لا يجوز مع الحدث وأدى بذلك التيمم الصلاة وهذا بعيد لأن الحادثة كانت في المدينة وكان صلى الله عليه وسلم صحيح البدن وقال زفر لا يشترط النية للتيمم قياساً على الوضوء وهذا قياس فاسد لما تقرر في أصول الفقه أن شرط القياس أن لا يكون الأصل مقدما على الفرع والوضوء كان مشروعاً قبل التيمم إلا أن
يكون
35
المقصود وإلا لزام وطلب تبيان الفرق فنقول الفرق أن الماء مطهر بطبعه كما قال تعالى لطهركم وليس التراب كذلك فتأمل واستدل في الهداية للمختار أن التيمم تبنى عن القصد وقد ينقض بأن آية الوضوء أيضاً المراد منه قصد الصلاة فيلزم اشتراط النية فيه أيضاً الجواب أن المراد فيه القصد لقوله إذا قمتم إلى الصلاة والغسل مطلق فلا يلزم اشتراط النية ههنا التيمم يعتبر فيه الفقصد والتيمم مأمور به فالمعنى أقصد أو الصعيد الطيب للصلاة فالقصد فرض والقصد هو النية قال الشيخ ابن الهمام ما خلافة أن غاية ما لزم قصد الصعيد ولا يلزم منه النية بالمعنى الذي قلتم وهو ارتفاع الحدث واستباحة ما لا يجوز به فتأمل فيه وغن تيمم الكافر للدخول في الإسلام ثم أسلم لا يكون متيممما وقال الإمام أبو يوسف هو تيمم لأنه نوى قربة مقصودة واستدل لهما في الهداية بأن شرع التيمم ليس إلا بضرورة أداء عبادة لا تصح بدون الطهارة وإلا فالتراب ملوث فلا بد من أداء قربة مقصودة لا يجوز بدون الطهارة وإسلام يجوز بدونها ولا يشترطك في تيمم الجنب نية إزالة الجنابة في الصحيح من المذهب لأن زوال الحدث أو استباحة الصلاة يكفيان لزوال الجنابة وفي بعض الروايات يجب نية زوال الجنابة والسنة في التيمم أن ينفذ يديه بعد الضرب بالأرض لئلا يكون مثله ومر في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفض يديه بعد الضرة وصفة التيمم المسنون على ما قال مشائخنا أن يضرب اليدين بالأرض وينفض التراب عنهما ثم يمسح بهما الوجه بحيث يستوعبه ثم يضرب بالأرض ضربة أخرى فيمسح بأصابع اليد اليسرى ظهر اليد اليمنى فيبدء بظهر أصابع اليد اليمنى ويمد المسح على ظهرها إلى مرفقها ثم يمسح باطن اليد اليمنى بكفق اليسرى فيبدأ من المرفق ويمد على بطن الذراع إلى الرسغ وهكذا يفعل في مسح اليد اليسرى بيدهخ اليمنى ثم يخلل ومن أصابعه إن لم يبق من أثر الضربة لا بد من ضربة ثالثة ولا بد من نزع الخاتم عن