الجزء 1 · صفحة 1
مقدمة التحقيق
الحمدُ لله الذي دلّت بدائعُه على حِكمته، وشهدت صنائعُه بعِزَّته وعَظَمته، فكلّ مفطور شاهدٌ بوحدانيَّته، وكلّ مخلوق دالّ على إلاهيَّته وربوبيَّته، سبحانه هو المتوحِّدُ بصفات العلوِّ والتوحيد والتعظيم في أزله، المنفردُ بأسمائه الحسنى في قُدُسه، المُقدَّسُ عن الحاجات، المُبَرَّأ عن العاهات، المُنزَّهُ عن وجوه النقص والآفات، المتعالي عن أن يوصف بالجوارح والآلات، والحدود والغايات، والسُّكون والحركات، والدواعي والخَطَرات، الموجودُ بلا حدّ، الموصوفُ بلا كيف، المذكورُ بلا أين، المعبودُ بلا شَبَه، لا تتصوَّرُه الأوهام، ولا تَقدُرُه الأفهام، ولا يحيطُ بكُنه عَظَمته الدلائلُ والأعلام (1)، والصَّلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيِّد الخلق أجمعين، سيِّدنا محمَّدٍ المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله الطاهرين المطهَّرين، وصحبه الغرِّ الميامين، أما بعد:
فهذا شرح العلامة الفقيه الأصوليّ المتكلِّم النَّظَّار الإمام أكمَلِ الدِّين محمَّد ابن محمَّد البابرتيِّ الحنفيِّ، المتوفى سنة 786، رحمه الله تعالى، على «وصيَّة» الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، وهو شرحٌ مفيدٌ مختصرٌ في بيانِ بعضِ عقائد أهل السُّنَّة، ففي «الوصية» اثنتا عشرة مسألة من مسائل العقيدة، هي:
1. تعريف الإيمان وزيادته ونقصانه والاستثناء فيه وحكم مرتكب الكبيرة.
2. الأعمالُ فرائضُ وفضائلُ ومعاصٍ.
3. الاستواء حق من غير أن تكون لله حاجةٌ له واستقرارٌ عليه.
4. القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوق.
5. أفضلُ الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
6. خلق أفعال العباد.
7. الرزق.
8. استطاعةُ العبد على الفِعلِ معه لا قبلَه ولا بعدَه.
(1) هذه الخطبة مقتبسة من الخطبة التي بدأ بها الإمام أبو بكر ابن فورك رحمه الله تعالى كتابه «مشكل الحديث وبيانه» بتصرف يسير.
الجزء 1 · صفحة 2
9. المسحُ على الخُفَّين ثابتٌ والقَصرُ والإفطارُ في السفر رخصةٌ.
10. القلم حق.
11. عذاب القبر والجنة والنار والميزان وقراءة الكتب حق.
12. البعث والرؤية والشفاعة وبراءة السيِّدة عائشة رضي الله عنها وخلود أهل الجنة والنار حق.
وقد طبعت «الوصية» مرات، وطُبِعَ شرح ملا حسين إسكندر الرومي المتوفى نحو سنة 1084 عليها المسمى «الجوهرة المنيفة» في الهند ثم في قطر، وعُمدتُه فيه شرح البابرتي هذا كما صرَّح في مقدمته، ولا نعلم شرحَ البابرتي مطبوعاً من قبل، فرأينا نشرَه إسهاماً منَّا في إعادة نَشرِ عقائدِ أهل السُّنَّة، خصوصاً السادة الماتريديَّة أعلى اللهُ منارَهم، فإنَّ لهم كتباً عظيمةً فريدةً في التوحيد والعقائد وعلم الكلام، لم يُنشَر منها إلا القليل، وما نُشِرَ منها لم يُصادف العنايةَ التي تليق به.
وهذا ــ أعني نشرَ عقائد أهل السنة ــ واجبٌ لا يَلتَفِتُ إليه كثيرٌ من أهل العلم في عصرنا، ظنَّاً منهم أنَّ مِثلَ هذه الكتبِ تُفرِّق بين المسلمين، وتَبذُرُ الخِلافَ بينهم، ونسيَ أولئك أنه قد كَثُرَ تبديعُ أهل الحق وتفسيقُهم وتضليلُهم في كتبِ خُصُومِهم، وقد طُبِعَت تلك الكتب مرَّاتٍ، وما زالت تُطبَعُ، وأكثرها يُوزَّعُ مجَّاناً، حتى صار الحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً، وصار الانتسابُ إلى الأشاعرة أو الماتريديَّة تُهمةً عند بعض المُبتَدِئِين، حتى رأينا كبارَ أهلِ العلم من الفقهاء والمحدِّثين والمفسِّرين يُحاكَمون في عقائدهم من قِبَلِ طلبة الدراسات العليا بميزانِ كتب ابن تيمية وابن القيم، ويُرمَون بالتجهُّم والتعطيل لمخالفة ما عليه ابن تيمية بلا حياء ولا خجل، ويجري هذا وأمثاله تحت شِعارِ نشرِ العقيدةِ الصحيحةِ عقيدةِ السَّلَفِ وأهلِ الحديث.
الجزء 1 · صفحة 3
ومن الملاحظ بعد قراءة هذا الشرح ومقارنته بكتب مَن تقدَّم البابرتي من الماتريدية أنه قد استفاد في كثير من مباحثه من كتاب «تبصرة الأدلة» للإمام أبي المعين النسفي رحمه الله تعالى، بل كان أحياناً ينقل عبارته بحرفها، وكتاب «تبصرة الأدلة» هذا لا يستغني عنه باحثٌ في العقائد، وفيه من الفوائد ما لا تجده في غيره، واستفاد البابرتي أيضاً من كتاب «التوحيد» لإمام الهدى أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه.
واللهَ سبحانه نسأل أن يتقبَّل منَّا هذا العمل، وأن يرزقَنا الإخلاصَ في القول والعمل، ويُجنِّبَنا الخطأَ والغلطَ والوَهَمَ والزَّلَل.
الجزء 1 · صفحة 4
ترجمة المصنف
هو العلامة المحقق المدقق المتبحِّر الفقيه الأصولي المحدِّث المتكلِّم الإمام أكملُ الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد (1) بن محمود بن أحمد البَابِرْتيُّ الرُّوميُّ الحنفيُّ، وُلِدَ سنة بضع عشرة وسبع مئة، وحصَّل مباني العلوم في بلاده، وتفقَّه على قوام الدين محمد بن محمد الكاكي، ثم رحل إلى حلب، فأنزله القاضي ناصر الدين بن العديم بالمدرسة السادحية، فأقام بها مدَّة وأخذ عن علمائها، ثم رحل إلى القاهرة بعد سنة 740، فأخذ عن أبي حيَّان الأندلسيِّ، وأبي الثناء شمس الدين الأصفهانيِّ شارح «مختصر ابن الحاجب» في الأصول، وسمع من ابن عبد الهادي والدلاصي، وفوَّض إليه شيخون أمور الخانقاه (2)، وقرَّره شيخاً بها، فباشَرَها أحسَنَ مباشرة، وعَظُمَ عنده جدّاً، ثمَّ عند مَن بعده إلى أن زادت عَظَمَتُه عند الظاهر برقوق بحيث كان يجيء إلى
(1) بتكرار اسم محمد، وذكره بعضُ مَن ترجم له: محمد بن محمود بن أحمد، وكذا سيأتي في أول هذا الشرح، وكذا ذكره الحافظ ابن حجر وقال: ويقال: محمد بن محمد بن محمود، وعلَّق الأستاذ أحمد عبيد على «الأعلام» للزركلي فقال: الذي رأيتُه بخط المترجم رحمه الله: محمد بن محمد.
(2) الخانقاه: كلمة فارسية معناها البيت، ثم أطلِقَت على المكان الذي يتخلَّى فيه الصوفية للعبادة، وهذه الخانقاه ــ وهي من أكبر الخوانق في القاهرة ــ أنشأها الأمير سيف الدين شيخون العمري (ت758) بالقاهرة سنة 756، ورتَّب بها دروساً لفقهاء المذاهب الأربعة، ودرساً للحديث، ودرساً لإقراء القرآن بالروايات، ولا تزال موجودة إلى اليوم، إلا أنها مخصَّصةٌ للصلاة فقط باسم جامع شيخون القبلي تجاه جامعه البحري، وهما واقعان بشارع شيخون بالقاهرة، ومبنى الدور العلوي الذي كان مخصَّصاً لسكنى الطلبة لا يزال موجوداً أيضاً داخل الجامع المذكور إلا أنه غير مستعمل. انظر «خطط المقريزي» 2: 421، والتعليق على «النجوم الزاهرة» 7: 131.
الجزء 1 · صفحة 5
شُبَّاك الشيخونية فيُكلِّمُه وهو راكب، وينتظره حتى يخرج فيركب معه. وعُرِضَ عليه القضاءُ مِراراً فامتنع.
1. قوام الدين الكاكي: هو العلامة الفقيه محمد بن محمد بن أحمد السِّنجاري، قرأ «الهداية» على علاء الدين عبد العزيز البخاري، وأخذ عن حسام الدين السِّغناقي، من تصانيفه «معراج الدراية شرح الهداية»، توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة 749 (1).
2. أبو حيان الأندلسي: هو العلامة المفسِّر النحوي محمد بن يوسف بن علي الغرناطي المولد الجَيَّاني الأصل الأندلسي المالكي ثم الشافعي، ولد بغرناطة سنة 654، وقرأ بها القراءات والنحو واللغة، وخرج من الأندلس سنة 677 إلى المغرب ومصر والشام، وتوفي رحمه الله سنة 745 (2).
3. شمس الدين الأصفهاني: هو العلامة الأصولي محمود بن عبد الرحمن ابن أحمد الأصفهاني، ولد بأصفهان سنة 674، وقدم دمشق ثم القاهرة، قال الإسنوي: كان إماماً بارعاً في العقليات عارفاً بالأصلين فقيهاً صحيحَ الاعتقاد محبَّاً لأهل الخير والصلاح طارحاً للتكلّف مجموعاً على العلم، توفي رحمه الله تعالى بالطاعون العام شهيداً إن شاء الله سنة 749 (3).
4. ابن عبد الهادي: هو الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد المقدسي ثم الدمشقي الصالحي، ولد سنة 705، وأخذ عن ابن تيمية والمزي والذهبي، وهو صاحب «تنقيح التحقيق» و «الصارم المنكي» و «طبقات علماء الحديث» و «المحرَّر»، وكلها مطبوعة، توفي رحمه الله تعالى سنة 744 (4).
(1) «الفوائد البهية» للكنوي ص186، والسِّنجاري نسبة إلى سِنجار مدينة من نواحي الجزيرة بينها وبين الموصل ثلاثة أيام.
(2) له ترجمة في «طبقات الشافعية» للسبكي و «الدرر الكامنة» لابن حجر وغيرها، وله ترجمة موسَّعة في مقدمة تفسيره «البحر المحيط».
(3) «الدرر الكامنة» لابن حجر 4: 327، و «الفوائد البهية» ص198.
(4) «الدر الكامنة» 3: 331 ــ 332، و «شذرات الذهب» 6: 141.
الجزء 1 · صفحة 6
5. الدلاصي: هو ــ فيما يغلب على الظن ــ محمد بن أحمد بن أبي الربيع سليمان الدلاصي المصري، ولد بعد سنة760، وسمع من ابن خطيب المزة ومحمد بن عبد الخالق، وسمع منه العراقي وغيره، توفي رحمه الله سنة756 (1).
6. قطب الدين الشيرازي: هو العلامة محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي، قطب الدين الشيرازي الشافعي، ولد في شيراز سنة 634، وتعلَّم الطبَّ من والده، وأخذ العقليَّات عن النصير الطوسي، وولي قضاء سيواس ومليطة، قال ابن حجر: كان كثير المُخالَطة للملوك متحرِّزاً، وكان ظريفاً مزَّاحاً لا يحمل همَّاً، ولم يُغيِّر زيَّ الصُّوفيَّة، وكان يُجيدُ اللعب بالشِّطْرَنج ويُديمُه حتى في أوقات اعتكافه، وكان دَخلُه في العام ثلاثين ألفاً، فكان لا يدَّخرُ منها شيئاً، بل يٌنفِقُه على تلامذته، وكان إذا صنَّف كتاباً صام ولازم السَّهَرَ، ومُسوَّدته مُبيَّضة، وكان يخضعُ للفقراء، ويُلازِمُ الصَّلاة في الجماعة، وكان من بحور العلم ومن أفراد الذكاء، توفي رحمه الله في رمضان سنة710 (2).
(1) «الدرر الكامنة» 3: 318.
(2) «الدرر الكامنة» 4: 339 ــ 340. ولم يذكر مُتَرجِمو البابرتيِّ الشيرازيَّ في شيوخه، واستفدناه من كلام للبابرتي نفسه سيأتي تعليقاً عند الكلام على تصانيفه.
الجزء 1 · صفحة 7
تفقَّه على البابرتي جماعةٌ من أهل العلم، منهم السَّيِّد الشريف العلامة أبو الحسن علي بن محمد الجرجاني المولود سنة 704، والمتوفى سنة 792 (1)، والعلامة الكبير النِّحرير شمس الدين محمد بن حمزة الفناري المولود سنة 751، والمتوفى سنة 834 (2)، والشيخ البارع بدر الدين محمود بن إسرائيل الشهير بابن قاضي سماوة المتوفى سنة 818 تقريباً (3)، ومنهم العلامة الفقيه الإمام سراج الدين أبو حفص عمر بن علي الكناني المتوفى سنة 829، المعروف بقارئ «الهداية»، وقد ذكر السخاوي في «الضوء اللامع» (4) أنه لُقِّبَ بقارئ «الهداية» لأنه قرأها على البابرتي ستَّ عشرة مرة، رحمهم الله تعالى. ومنهم بدر الدين محمد بن خاص بك السبكي الحنفي المتوفى سنة 813، وشمس الدين محمد بن حمزة بن محمد الرومي الفناري الحنفي المتوفى سنة 834 (5).
قد أثنى على البابرتي جميعُ مَن ترجمه، ومن أقوالهم في ذلك:
(1) انظر ترجمته الموسعة في «الفوائد البهية» للإمام اللكنوي ص125 ــ 137.
(2) انظر ترجمته في «الفوائد البهية» ص166 ــ 167.
(3) انظر ترجمته في «الشقائق النعمانية» لطاشكبري زاده ص33 ــ 34.
(4) 6: 109.
(5) استفدنا كونهما من تلاميذ البابرتي من ترجمة الأول في «إنباء الغمر» 1: 379، و «شذرات الذهب» 7: 104، ومن ترجمة الثاني في «إنباء الغمر» 1: 581، و «شذرات الذهب» 7: 209، ولم يذكرهما مَن ترجَمَ البابرتي.
الجزء 1 · صفحة 8
قال ابن حجر في «إنباء الغمر»: كان حسنَ المعرفة بالفقه والعربيَّة والأصول. وقال في «الدرر الكامنة»: كان فاضلاً صاحبَ فنونٍ وافِرَ العقل. وقال ابن قُطْلُوبُغَا في «تاج التراجم» والسيوطي في «حسن المحاضرة» وابن الحنائي في «طبقات الحنفية»: علامة المتأخِّرين وخاتمة المُحقِّقين. وقال السيوطي في «بغية الوعاة»: كان علامةً فاضلاً ذا فنونٍ وافِرَ العقلِ قويَّ النفسِ عظيمَ الهيبة. ووصفه ابن تَغْري بَرْدي الأتابكي في «النجوم الزاهرة» بالعلامة إمام عصره ووحيد دهره وأعجوبة زمانه، وقال: كان واحدَ زمانه في المنقول والمعقول. ووصفه ابن إياس في «بدائع الزهور» بعظيم فقهاء الحنفيَّة العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره. وقال: كان إماماً فاضلاً بارعاً في العلوم وَرِعاً زاهداً صالحاً ديِّناً خيِّراً متنزِّهاً عن الدخول في المناصب الكبار، وكان ماهراً في الفقه والحديث والعربيَّة والنحو والأصول، مُشارِكاً عند المُباحثة في كل فنّ. وقال ابن العماد في «شذرات الذهب»: كان قويَّ النفس عظيمَ الهمَّة مهاباً عفيفاً، وكان حَسَنَ المعرفةِ بالفقه والعربيَّة والأصول، وكانت رسالته لا تُرَدُّ مع حُسنِ البشر والقيامِ مع مَن يَقصِدُه والإنصافِ والتواضُعِ والتلطُّفِ في المعاشرة والتنزُّه عن الدخول في المناصِبِ الكبار، وكان أربابُ المناصب على بابه قائمين بأوامره مُسرِعين إلى قضاء مآرِبِه. وقال اللكنوي في «الفوائد البهية»: لم تَرَ الأعيُنُ في وَقتِهِ مِثلَه، كان بارعاً في الحديث وعلومِهِ ذا عنايةٍ بالغةٍ باللغة والنحو والصَّرف والمعاني والبيان.
وقد أغرب الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله تعالى في قوله في «الدرر الكامنة»: ويُقال: إنه كان يعتقد مذهب الوحدة، ذكر ذلك عنه ابن خلدون. اهـ. وليس عندنا أيُّ إشارة من كلام البابرتي أو من كلام مُترجِميه تؤيِّد هذه الدعوى، وليُحرَّر أين ذكر ذلك ابنُ خلدون.
الجزء 1 · صفحة 9
يُعَدُّ البابرتي من المكثرين في التصنيف، وقد تنوَّعت مؤلَّفاته في العلوم، وهو تصديق ما جاء في ترجمته من وصفِهِ بأنه ذو فنون.
فله في التوحيد وعلم الكلام: «شرح الوصية» وهو هذا، و «الإرشاد» في شرح «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة، و «شرح تجريد الكلام» للنصير الطوسي (1)، و «المقصد في الكلام»، و «الكواشف البرهانية» شرح «المواقف»، أشار إليه في مقدمة «النقود والردود» الآتي ذكره، وله أيضاً «شرح العقيدة الطحاوية» وهو مطبوع.
وله في الفقه: «العناية شرح الهداية» وهو مطبوع على هامش «فتح القدير»، و «شرح الفرائض السِّراجيَّة»، و «مقدمة في الفرائض»، وشرح «تلخيص» الخلاطي «للجامع الكبير»، قال ابن قطلوبغا: قطعتان لم يكمل، وشرح «منشأ النظر في علم الخلاف» للإمام برهان الدين النسفي.
وله في أصول الفقه: «التقرير» شرح أصول البزدوي، و «الأنوار شرح المنار» وقد ذكر هذا الأخير في كتابنا هذا (2)، و «شرح مختصر ابن الحاجب» وسماه «النقود والردود»، وهو في ثلاثة مجلدات كما في «كشف الظنون».
(1) «تجريد العقائد» للطوسي مطبوع، وفي الطوسي كلام يُراجع في ترجمته، والمشهور عنه أنه متشيِّع، ويؤيِّده ما جاء من ذلك في المقصد السادس من «تجريده»، لكن قال البابرتي في أواخر شرحه المذكور ــ كما نقله عنه صاحب «أبجد العلوم» 2: 108 ــ: سمعت شيخي العلامةَ قطبَ الدين الشيرازيَّ قال: كان الناسُ مختلفين في أن هذا =
= الكتاب ــ يعني التجريد ــ لخواجه نصير الدين أو لا؟ فسأل عن ذلك ابنَه خواجه أصيل الدين فقال: كان والدي وضعه إلى باب الإمامة وتوفي، فكمَّله ابنُ المطهَّر الحِلِّيُّ وكان من الشيعة وهو زائغٌ زيغاً عظيماً. اهـ. وابن المطهَّر هذا هو الذي ردَّ عليه ابن تيمية في «منهاج السنة»، وقد تتلمذ على الطوسي كما في «البداية والنهاية» لابن كثير 14: 125. قلنا: ومن هذا النص استفدنا أن الشيرازي من شيوخ البابرتي، ولم يذكره مترجموه.
(2) ص128.
الجزء 1 · صفحة 10
وله في التفسير: «حاشية على الكشَّاف» إلى تمام سورة آل عمران، وذكر السيوطي أن له تفسيراً، وقال إنه أكمله، وذكره ابن العماد وقال إنه تفسيرٌ حَسَنٌ، وذكره أيضاً صاحب «كشف الظنون».
وله في الحديث: «تحفة الأبرار في شرح مشارق الأنوار»، وهو شرح «مشارق الأنوار النبوية مِن صِحاح الأخبار المصطفوية» للصغاني (1).
وله في النحو: «شرح ألفية ابن معطي»، قال في «كشف الظنون» (2): ألَّفه في شهرين ببلدة كاردين سنة 741، وسماه بـ «الصَّدَفَة المَلِيَّة بالدّرَّة الألفيَّة».
وله في الصَّرف: «شرح التصريف» ذكره في كتابه «شرح التلخيص» (3).
وله في علم المعاني والبيان: «شرح التلخيص» يعني «تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني، وقد سماه في مقدمته بـ «تلخيص التلخيص»، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور محمد مصطفى رمضان صوفيه في ليبيا، وأصله رسالة علمية.
وله في اللغة: ترتيب «تهذيب الأسماء واللغات» للإمام النووي.
(1) تقاسمه ستة من طلبة الدراسات العليا في جامعة دمشق لتحقيقه كرسائل جامعية بإشراف العلامة الأستاذ الدكتور نور الدين عتر حفظه الله، ولم يتم حتى الآن.
(2) 1: 155.
(3) ص672.
الجزء 1 · صفحة 11
وله أيضاً: «النكت الظريفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة» (1).
وكتابه «شرح الوصية» هذا ثابت النسبة إليه، نسبه إليه غيرُ واحدٍ من مُترجِميه، وكذا نسبه إليه الزَّبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (2)، وذكر اللكنوي في «الفوائد البهية» أنه طالَعَه، بل نقل محقِّقُ «إنباء الغمر» لابن حجر (3) عن هامش نسخة دار الكتب المصرية من «إنباء الغمر» قولَ ناسخها إن «شرح الوصية» عنده بخطِّ البابرتي نفسه, وقد ذكرَ البابرتيُّ في هذا الشرح كتابَه «شرح المنار» في الأصول.
توفي البابرتي بمصر ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان سنة 786، وقد جاوز السبعين، وحضر جِنازَتَه السلطان ــ وكان قد عاده في مرضه ــ، وهمَّ بحمل نعشِه غيرَ مرَّةٍ، فتحمَّله أكابر الأمراء عنه، وصلَّى عليه عزُّ الدين الرازي، ودفن بالخانقاه المذكورة سابقاً، رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه.
(1) ذكره صاحب «كشف الظنون»، وقد ردَّ عليه في رسالته هذه مُعاصِرُه شارحُ «الطحاوية» ابنُ أبي العزِّ المتوفى سنة 793 في رسالة سمَّاها «الاتباع»، وقد طُبِعت في لاهور سنة 1401، ثم في عمَّان سنة 1405، وفيها مناقشات، وفي تحقيقها مؤاخذات منها ــ على سبيل المثال ــ قوله في حاشية ص53: «ما عرفنا «المحيط» ولا صاحبه» مع أن «الفوائد البهية» من مراجعه، وقوله في حاشية ص55: «مذهب أهل السنة ... ، وذهب أبو حنيفة وكثير من أصحابه ... »، وترجمته للإمام الحسن بن زياد في حاشية ص78 بخمس كلمات فقط هي: «اللؤلؤي الكوفي كذَّبه غيرُ واحد توفي سنة 402 (صوابه204)» وكأنه لم يجد في ترجمته غير تكذيبه، وانظر سيرته العطرة في «الإمتاع» للكوثري.
(2) 2: 13.
(3) 2: 180، ولا نعلم عن هذه النسخة غير ما ذكرنا، فلعل غيرنا يطلع عليها فيفيدنا به.
الجزء 1 · صفحة 12
ورثاه الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة بأبيات ذكر منها ابن إياس في «بدائع الزهور» (1):
شيخٌ إلى سُبُلِ الرَّشادِ مسلك ... وسبيلُهُ في العِلمِ ما لا يُجهَلُ
شيخٌ تبحَّرَ في العُلُوم فمَن رأى ... بَحْراً يَسُوغُ لِوَارِدِيهِ المَنهَلُ
شيخٌ عليهِ مِنَ المَهابَةِ رَونَقٌ ... كالبَدرِ لكِنْ وجهُهُ مُتَهَلِّلُ
شيخٌ تَقَدَّمَ في العُلُومِ كأنَّهُ ... إن عُدَّ أربابُ الفضائلِ أوَّلُ
شيخٌ بِحُسْنِ بيانِهِ وشُرُوطِهِ ... ما بابُ بالمفتاحِ (2) بابٌ مُقفَلُ
ما قِيلَ هذا كامِلٌ في ذاتِهِ ... إلا وقُلتَ الشَّيخُ عندي أكمَلُ
(1) ابن أبي حجلة: هو أحمد بن يحيى التلمساني الحنفي، ترجمه الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» 1: 329 ــ 331، وفي «إنباء الغمر» 1: 27، وأرَّخ وفاته فيهما سنة 776. وهنا إشكال لأنه رثى البابرتي، والبابرتي توفي سنة 786! فإما أن تاريخ الوفاة خطأ، أو أن الأبيات ليست له، أو أنه قال هذه الأبيات في مدح البابرتي لا في رثائه.
(2) إشارة إلى «تلخيص المفتاح» للقزويني في البلاغة، وللبابرتي شرح عليه، ولو قال: «ما عادَ بالمفتاح بابٌ مُقفَلُ» لكان أجود.
الجزء 1 · صفحة 13
(تنبيه): قال الأستاذ الزركلي في «الأعلام» (1) تعليقاً على قوله: «نسبة إلى «بَابَرْتَى» من أعمال دُجيل ببغداد، أو «بَابِرْت» التابعة لأرزن الروم ــ أرضوم ــ بتركيا»، قال: أما نسبته إلى «بَابَرْتَى» التي هي من أعمال «دُجيل»، وقد تكون اندرست أو تغيَّر اسمُها، فلم أجد في المصادر مَن ذكرها قبل السيوطي في «لب اللباب»، وعنه نقل وليُّ الله الدهلوي في رسالته «الانتباه»، وعنهما أخذ صاحب «الفوائد البهية». ويظهر أن السيوطي اعتمد في النسبة إلى هذه البلدة على ما جاء في «معجم البلدان» (2) من وصف «بَابَرْتَى» بفتح الباء الثانية، مع أن «معجم البلدان» نفسه يذكر بلدة أخرى هي «بَابِرْت»، ويضبطُها بكسر الباء التي قبل الراء، و «بَابِرْت» هذه باقية ومعروفة إلى اليوم، ... ، وهي على بُعد 100كم من «أرضروم» في تركيا، ... ، وعندي أن نسبة صاحب الترجمة إلى هذه البلدة أرجح، لقول ابن قاضي شهبة وابن إياس إنه رومي. انتهى (3).
(1) 7: 42.
(2) 1: 307.
(3) مصادر ترجمة البابرتي:
«الدرر الكامنة» لابن حجر 4: 250 ــ 251، و «إنباء الغمر» له 2: 179 ــ 181، و «تاج التراجم» لابن قطلوبغا (رقم199)، و «بغية الوعاة» للسيوطي 1: 239، و «حسن المحاضرة» له، و «طبقات الحنفية» لابن الحنائي (ترجمة234)، و «النجوم الزاهرة» لابن تَغْري بَرْدي الأتابكي 11: 302 ــ 303، و «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لابن إياس 1: 2: 351 ــ 352، و «شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي 6: 293 ــ 294، و «الفوائد البهية» للكنوي ص195 ــ 199، و «الأعلام» للزركلي 7: 42، و «معجم المؤلفين» لعمر رضا كحالة 3: 691.
الجزء 1 · صفحة 14
نسبة «الوصية» إلى أبي حنيفة
قال العلامة السيِّد محمد مرتضى الزَّبيدي في «إتحاف السادة المتقين» (1) بعد أن ذكر أن الإمام الماتريدي رحمه الله تعالى بنى كتبه في العقائد على نصوص الإمام أبي حنيفة، وهي في خمسة كتب نُسِبَت إليه، وهي: «الفقه الأكبر» و «الفقه الأبسط» و «العالم والمتعلم» و «رسالة أبي حنيفة إلى البتي» و «الوصية»، قال رحمه الله: اختُلِفَ في ذلك كثيراً، فمنهم مَن يُنكِرُ عَزوَها إلى الإمام مطلقاً وأنها ليست مِن عَمَلِه. ومنهم مَن يَنسِبُها إلى محمد بن يوسف البخاري المكنى بأبي حنيفة، وهذا قولُ المعتزلة لِمَا فيها من إبطال نصوصهم الزائغة، وادِّعائهم كونَ الإمام منهم، كما في «المناقب الكردرية» (2)، وهذا كذبٌ منهم على الإمام، فإنه رضي الله عنهم وصاحباه أوَّلُ مَن تكلَّم في أصول الدِّين وأتقنَها بقواطع البراهين على رأس المئة الأولى، ففي «التبصرة البغدادية» (3): أول متكلِّمي أهل السنَّة من الفقهاء أبو حنيفة، ألَّف فيه «الفقه الأكبر» و «الرسالة» في نصرة أهل السنة، وقد ناظَرَ فرقةَ الخوارج والشيعة والقدرية والدهرية، وكانت دُعَاتُهم بالبصرة، فسافر إليها نيِّفاً وعشرين مرة، وفضَّهم بالأدلة الباهرة، وبلغ في الكلام إلى أنه كان المُشارَ إليه بين الأنام، واقتفى به تلامذته الأعلام. اهـ.
وفي «مناقب الكردري» عن خالد بن زيد العمري: أنه كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناسَ، أي: ألزموا المخالفين، وهم أئمة العلم (4).
وعن الإمام أبي عبد الله الصيمري: أن الإمام أبا حنيفة كان مُتكلِّمَ هذه الأمة في زمانه وفقيههم في الحلال والحرام.
(1) 2: 13 ــ 14.
(2) «مناقب أبي حنيفة» للكردري ص122، وانظر أيضاً ص160.
(3) يعني كتاب «أصول الدين» للأستاذ عبد القاهر البغدادي رحمه الله، وكلامه في ص162 منه بنحو ما هنا، وانظر أيضاً ص164 منه.
(4) انظر «مناقب أبي حنيفة» للموفق المكي ص100.
الجزء 1 · صفحة 15
وقد عُلِمَ مما تقدَّم أن هذه الكتب من تأليف الإمام نفسه، والصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه، كحماد، وأبي يوسف، وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وأبي مقاتل حفص ابن مسلم السمرقندي (1)، فهم الذين قاموا بجمعها، وتلقَّاها عنهم جماعةٌ من الأئمة، كإسماعيل بن حماد، ومحمد بن مقاتل الرازي، ومحمد بن سماعة، ونُصير ابن يحيى البلخي، وشداد بن الحكم، وغيرهم، إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي، فمَن عزاهنَّ إلى الإمام صحَّ لكون تلك المسائل من إملائه، ومَن عزاهنَّ إلى أبي مطيع البلخي أو غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صحَّ لكونها مِن جَمعِه، ونظيرُ ذلك «المسندُ» المنسوبُ للإمام الشافعي، فإنه من تخريج أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد ابن مطر النيسابوري لأبي العباس الأصم من أصول الشافعي.
ونحن نذكر لك مَن نقل مِن هذه الكتب واعتمد عليها، فمِن ذلك فخرُ الإسلام علي بن محمد البزدوي قد ذكر في أول «أصوله» جملة من «الفقه الأكبر» وكتاب «العالم» و «الرسالة» (2)، وذكرَ بعضَ مسائلِ الكتب المذكورة في كُلّ من شروح «الكافي» لحسام الدين السِّغناقي، و «الشامل» للقوام الإتقاني، و «الشافي» لجلال الدين الكولاني، و «بيان الأصول» للقوام الكاكي، و «البرهان» للبخاري، و «الكشف» (3) لعلاء الدين البخاري، و «التقرير» لأكمل الدين البابرتي.
(1) حماد بن أبي حنيفة هو راوي «الفقه الأكبر»، وأبو يوسف راوي «الرسالة» و «الوصية»، وأبو مطيع البلخي هو راوي «الفقه الأبسط»، وأبو مقاتل هو راوي «العالم والمتعلم»، والكتب الخمسة مطبوعة بتحقيق العلامة الكبير الشيخ الكوثري، وأسانيدها مثبتة هناك سوى «الوصية»، وسنذكر إسنادها قريباً.
(2) انظر «أصول البزدوي» 1: 35 ــ 36 مع «كشف الأسرار».
(3) يعني «كشف الأسرار عن أصول البزدوي»، وانظر منه 1: 35 ــ 38.
الجزء 1 · صفحة 16
وذُكِرَت «الرسالة» بتمامها في أواخر «خزانة الأكمل» للهمداني، وذكرها الإمام الناطفي في «الأجناس».
وذُكر كثيرٌ من مسائل كتاب «العالم» في «المناقب» للإمام نجم الدين النسفي وللخوارزمي، و «الكشف» لأبي محمد الحارثي الحافظ، وبعضها في نكاح أهل الكتاب في «المحيط البرهاني».
وذكر بعضَ مسائل «الفقه الأكبر» شيخُ الإسلام محمدُ بن إلياس في «فتاويه»، وابنُ الهمام في «المسايرة».
وذكر بعضَ مسائل «الفقه الأبسط» الإمامُ أبو المعين النسفي في «التبصرة» في فصل التقليد وغيره (1)، ونور الدين البخاري في «الكفاية» في فصل التنزيه، وحافظ الدين النسفي في «الاعتماد شرح العمدة» و «كشف المنار»، والناطفي في «الأجناس»، والقاضي أبو العلاء الصاعدي في كتاب «الاعتقاد»، وأبو شجاع الناصري في «البرهان الساطع» شرح عقائد الطحاوي، وأبو المحاسن محمود القونوي في شرحها أيضاً، وشرحه الفقيه عطاء بن علي الجوزجاني شرحاً نفيساً.
وذكر «الوصية» بتمامها الإمام صارم المصري في «نظم الجمان» (2)، ومن المتأخرين القاضي تقي الدين التميمي في «الطبقات السنية» (3)، والقاضي أبو الفضل محمد بن الشحنة الحلبي في أوائل «شرح الهداية»، وذكر بعضَ مسائلها ابن الهمام في «المسايرة» (4)، وشرحها الشيخ أكمل الدين البابرتي.
(1) نقل النسفي عن «الفقه الأكبر» و «العالم والمتعلم» في مواضع من «التبصرة»، منها 1: 25.
(2) وتمام اسمه «نظم الجمان في طبقات أصحاب إمامنا النعمان» للشيخ صارم الدين إبراهيم بن محمد بن دقماق الحنفي المتوفى سنة 809. كذا في «كشف الظنون».
(3) 1: 156 ــ 160، وقد قابلنا نص «الوصية» عليها، وأثبتنا الفروق في الحواشي.
(4) بل نقل ابن الهمام عن «الوصية» صراحة في «المسايرة» ص378.
الجزء 1 · صفحة 17
فقد ذكر جملاً من مسائل الكتب الخمسة منقولاً عنها في نحو ثلاثين كتاباً من كتب الأئمة، وهذا القدرُ كافٍ في تلقِّي الأمة لها بالقبول. والله أعلم. انتهى كلام السيد الزبيدي رحمه الله تعالى، وقد نقلناه بطوله لنفاسته، ويُضافُ إليه شروح الكتب المذكورة من قِبَل أئمة الحنفية وعلمائهم، وهو دليلٌ ظاهرٌ على قَبولِهم لِما فيها، وتصحيحِ نِسبَتِها إلى الإمام تأليفاً أو إملاءً.
فقد شرح «الفقه الأكبر» (1) جماعةٌ من الفضلاء، منهم العلامة أبو الليث السمرقندي المتوفى سنة 373 (2)، والعلامة البزدوي صاحب الكتاب المشهور في الأصول المتوفى سنة 482، والبابرتي مؤلف هذا الكتاب وسمَّاه «الإرشاد»، وإلياس بن إبراهيم السِّينوبي المتوفى سنة 891، وهو شرح مفيد، وأبو المنتهى أحمد بن محمد المغنيساوي المتوفى سنة 939، وسمَّاه «الحكمة النبوية»، ومحيي الدين محمد بن بهاء الدين بن لطف الله البَيرامي المتوفى سنة 956 شرحاً جمع فيه بين الكلام والتصوُّف، وأتقَنَ المسائلَ وأوضَحَها غايةَ الإيضاح، سمَّاه «القول الفصل»، والعلامة علي القاري المتوفى سنة 1014 في مجلد وسمَّاه «منح الروض الأزهر» (3).
واختصر «الحكمة النبوية» الحكيم إسحاق الرومي المتوفى سنة 950.
ونظمه أبو البقاء الأحمدي سنة 918، وسمَّاه «عقد الجوهر نظم نثر الفقه الأكبر»، ونظمه إبراهيم بن حسام الجِرمِياني المعروف بشريفي المتوفى سنة 1016.
وشرح «الفقه الأبسط» إبراهيم بن إسماعيل الملطي من القرن الخامس، وعطاء بن علي بن محمد الجُوزجاني من القرن السابع.
(1) غالب المذكور هنا مستفاد من «كشف الظنون» و «تاريخ التراث العربي» لسزكين.
(2) وهو مطبوع، ونسبته لأبي منصور الماتريدي خطأ نبَّه عليه العلامة الكوثري في مقدمة «العالم والمتعلم» ص4.
(3) وقد طُبِعَ غير مرة، وأفضلها الطبعة التي اعتنى بها العلامة الفقيه الشيخ وهبي سليمان غاوجي حفظه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 18
وشرح «الوصية» البابرتي ــ وهو كتابنا هذا ــ، وشرحها أيضاً علي القاري، وملا حسين بن إسكندر الرومي المتوفى حوالي سنة 1084، وشرحه مطبوع في الهند ثم في قطر، وعمدته فيه شرح البابرتي كما صرح في مقدمته، وشرحها الإمام الحُصُوني واسمه «ظهور العطية»، وشرحها نور الدين إبراهيم بن حسن أفندي الإشكُدْراي المتوفى سنة 1260، وهو مطبوع بإستنبول، ولها شرح مسمى بـ «خلاصة الأصول»، وآخر بـ «تلخيص خلاصة الأصول».
وشرح «العالم والمتعلم» أبو بكر محمد بن الحسن بن فُورَك (ت406).
وقال الكردري في «المناقب» (1)): رأيت بخط العلامة مولانا شمس الملة والدين الكردري البراتقيني العمادي هذين الكتابين ــ يعني «الفقه الأكبر» و «العالم والمتعلم» ــ وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة، وقد تواطَأَ على ذلك جماعةٌ كثيرةٌ من المشايخ.
وقال مولانا العلامة المحقِّق الناقد الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله في مقدمة «العالم والمتعلم» (2): تلك الرسائل هي العمدة عند أصحابنا في معرفة العقيدة الصحيحة التي كان عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الغُرُّ الميامينُ ومَن بعدهم من أهل السنة على توالي السنين، وإمام الهدى أبو منصور الماتريدي رضي الله عنه وعن سائر الأئمة بنى توضيح الدلائل، على مسائل تلك الرسائل، كما جرى على ذلك الإمام المجتهد أبو جعفر الطحاوي في كتابه «بيان عقائد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن» رضي الله عنهم المعروف بـ «عقيدة الطحاوي» (3)، فيتبيَّن من ذلك مبلغ أهمية تلك الرسائل عند الباحثين. اهـ.
(1) ص 122.
(2) ص3.
(3) وغالب مسائل هذه الرسائل متفقة مع «عقيدة الطحاوي»، بل بعض مسائلها متفقة معها باللفظ أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 19
قلت: وتلقِّي الحنفيَّة لهذه الرسائل بالقبول يغني عن البحث في الأسانيد، فقد صرَّح غيرُ واحدٍ من أهل العلم من المحدِّثين والأصوليين بأن الحديث النبوي إذا تلقَّته الأمةُ بالقبول وعملت به كان ذلك تصحيحاً له، وإن كان لا يصح من جهة الإسناد، منهم ابن عبد البر وأبو إسحاق الإسفراييني وابن القيم وابن حجر وابن الهمام والسخاوي والسيوطي (1)، فإذا كان هذا في الحديث النبوي، والأمر فيه شديد، فكيف بالكتب والرسائل التي لا يُعتنى بنقلها كما يُعتنى بنقل الأحاديث، بل إن بعض الكتب المشهورة التي تتوفر الدواعي على نقلها من طرق لم تصل إلينا إلا من طرق غريبة وروايات آحاد، كـ «مسند أحمد» و «مصنف عبد الرزاق». والله تعالى أعلم.
(1) انظر كلامهم والأمثلة على هذه القاعدة فيما كتبه العلامة المحقِّق المتفنِّن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى آخر «الأجوبة الفاضلة» للإمام اللكنوي رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 20
جاء إسناد «الوصية» في أول نسخة خطية محفوظة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنوَّرة بساكنها صلى الله عليه وسلم تحت رقم 234، وهو من رواية شيخ الإسلام مصطفى عاشر بإسناده إلى قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر الإتقاني المكنى بأبي حنيفة صاحب «غاية البيان» (1)، عن مفتي الأنام حسام الدين حسين بن علي بن الحجاج السِّغْناقي، عن الإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري، عن شمس الأئمة محمد بن عبد الستار بن محمد الكردري، عن الإمام الهمام برهان الدين أبي لحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني صاحب «الهداية»، عن الإمام ضياء الدين محمد بن الحسين النوسوخي، عن الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي، عن الإمام سيف الحق أبي المعين ميمون بن محمد بن محمد المكحولي النسفي، عن الإمام أبي طاهر محمد بن المهدي الحسيني، عن الإمام أبي يعقوب إسحاق ابن منصور السياري، عن الإمام أبي الفضل أحمد بن علي السليماني، عن الإمام أبي سعيد حاتم بن عقيل الجوهري، عن الإمام محمد بن سماعة التميمي، عن الإمام أبي يوسف يعقوب الأنصاري، عن الإمام الأعظم سيدي أبي حنيفة رضي الله عنه وعنهم أنه قال في إملاء وصيته: اعلموا أصحابي وفَّقكم الله تعالى أن مذهب أهل السنة والجماعة على اعتقاد اثنتي عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال فقد
(1) الفقيه الحنفي المتوفى سنة 758. انظر ترجمته في «الدرر الكامنة» 1: 414 ــ 416، و «الفوائد البهية» ص50 ــ 52، وهو في طبقة شيوخ البابرتي، وشيخه حسام الدين السِّغناقي هو شيخ قوام الدين الكاكي الذي هو شيخ البابرتي، فالظاهر أن رواية «الوصية» وقعت للبابرتي من طريق الكاكي عن السِّغناقي، ولذا ذكرنا الإسناد من عنده، لأن الذي يهمُّنا تراجم السِّغناقي فمن فوقه، أي تراجم رجال الإسناد إلى عصر البابرتي، فوصولها إلى البابرتي وشرحه لها يغني عن تتبُّع الإسناد إلى ما بعد عصره، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 21
هدي إلى صراط مستقيم، أولها: الإيمان ... إلخ.
وهذه تراجم رجال الإسناد:
1. حسام الدين السِّغناقي: هو الحسين بن علي بن الحجاج السِّغناقي، علامة فاضل فقيه جدلي نحوي، صاحب المصنفات الجليلة، مثل «شرح الهداية» و «شرح أصول البزدوي» و «شرح التمهيد» للنسفي وغيرها، توفي سنة 710، رحمه الله تعالى (1).
2. محمد بن محمد بن نصر البخاري: هو حافظ الدين أبو الفضل محمد بن محمد البخاري، الحافظ الثقة المتقن المُحقِّق المعروف بالرواية وجَودة السَّماع، تفقَّه على محمد بن عبد الستار الكردري وغيره، وأخذ عنه حسام الدين السِّغناقي وغيره، توفي سنة 693، رحمه الله تعالى (2).
3. محمد بن عبد الستار الكردري: هو شمس الأئمة محمد بن عبد الستار ابن محمد العمادي الكردري البراتقيني، الإمام البارع فقيه المشرق، تفقَّه على برهان الدين المرغيناني وقاضي خان وغيرهما، وتفقَّه عليه جماعةٌ منهم حافظ الدين البخاري، توفي سنة 642، رحمه الله تعالى (3).
(1) له ترجمة في «الجواهر المضية» لعبد القادر القرشي 2: 114 ــ 116، و «الدرر الكامنة» لابن حجر 2: 60 وهي فيه مما ألحقه السخاوي به، وقال: أهمله شيخُنا كعادته مع الحنفية، و «الفوائد البهية» للكنوي ص62.
(2) له ترجمة في «الجواهر المضية» 3: 337، و «الفوائد البهية» ص199 ــ 200.
(3) له ترجمة في «سير أعلام النبلاء» 23: 112 ــ 113، و «الجواهر المضية» 1: 627 ــ 629، و «الفوائد البهية» ص176 ــ 177.
الجزء 1 · صفحة 22
4. برهان الدين المَرْغِيناني: هو أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني الفرغاني المرغيناني، العلامة المحقق شيخ الإسلام صاحب «الهداية»، تفقَّه على جماعة منهم الإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي، وفاق شيوخه وأقرانه، وتفقَّه عليه الجمُّ الغفير، وممن انتفع به كثيراً وتخرَّج به وروى «الهداية» للناس عنه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، توفي سنة 593، رحمه الله تعالى ورضي عنه (1).
قلنا: وبهذا الإسناد يروي السِّغناقي «الهداية» عن مؤلفها، كما في «الجواهر المضية»، وبه من طريق السِّغناقي يرويها المتأخِّرون في أثباتهم.
5. محمد بن الحسين النوسوخي: هو ضياء الدين محمد بن الحسين بن ناصر بن عبد العزيز النوسوخي، تفقَّه على الإمام علاء الدين أبي بكر محمد ابن أحمد السمرقندي مصنف «تحفة الفقهاء» شيخ الكاساني صاحب «البدائع» وروى عنه، وتفقَّه عليه المرغيناني صاحب «الهداية»، قال المرغيناني في «مشيخته» ــ كما في «الجواهرالمضية» ــ: أجاز لي جميع مسموعاته مشافهةً بمروٍ، وكتب بخط يده سنة خمس وأربعين وخمس مئة، ومن مسموعاته كتاب «الصحيح» لمسلم، توفي سنة 545، رحمه لله تعالى (2).
6. أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي: هو علاء الدين محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي صاحب «تحفة الفقهاء»، الإمام العلامة الفاضل الجليل القدر، تفقَّه على أبي المُعين النَّسَفي، وتفقَّه عليه الكاساني صاحب «البدائع» (3).
(1) له ترجمة في «سير أعلام النبلاء» 21: 232، و «الجواهر المضية» 3: 228 ـ 230.
(2) له ترجمة في «الجواهر المضية» 3: 146 ــ 147، و «الفوائد البهية» ص166.
(3) له ترجمة في «الجواهر المضية» 3: 18، و «الفوائد البهية» ص158.
الجزء 1 · صفحة 23
7. أبو المعين ميمون بن محمد النسفي: هو ميمون بن محمد بن محمد بن معبد بن مكحول، الإمام المتكلم الأصولي الفقيه الحجَّة، ولد سنة 418، وتوفي سنة 508، رحمه الله تعالى (1).
8. أبو طاهر محمد بن المهدي الحسيني: كذا جاء هنا، والصواب: أبو طاهر المهدي بن محمد الحسيني، كما جاء في إسناد كتاب «العالم والمتعلم» لأبي حنيفة من طريق أبي المعين النسفي عن أبي طاهر هذا (2).
(1) «الجواهر المضية» 3: 527، والعجب من الدكتور محمد بن عبد الرحمن الخميس صاحب كتاب «أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة» ــ وهو رسالة الدكتوراة التي قدَّمها إلى جامعة الإمام محمد ابن سعود، وأجيزت مع مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع والتبادل بين الجامعات، وقد درس في كتابه هذا إسناد كتب أبي حنيفة ومنها «الوصية» ــ أن يقول في كل من الكاساني والسمرقندي وأبي المعين النسفي أن مترجميهم لم يذكروا فيهم جرحاً ولا تعديلاً. أفلا يعلم أن هؤلاء ليسوا من رواة الحديث ليتكلم فيهم أهل الجرح والتعديل! وأنّ طلبَ النص على توثيق وتعديل هؤلاء مثلُ طلبِ النص على توثيق ابن دقيق العيد والشاطبي وابن الصلاح والنووي والسبكي وأمثالهم!! وأنّ مَن ارتضاه الناس إماماً في الفقه وصار أحد أركان مذهب فقهي متَّبع لا يُسأل عن مثله.
(2) وهذا الإسناد يروي به الموفق المكي كتاب «العالم والمتعلم»، وقد ساقه في «مناقب أبي حنيفة» 1: 86، وقد رأيناه أيضاً أول نسخة خطية من «العالم والمتعلم» مصورة في مكتبة الجامعة الأردنية عن الأصل المحفوظ في مكتبة شستربتي، وهذا الإسناد يلتقي مع إسناد الوصية من النسفي إلى الجوهري.
الجزء 1 · صفحة 24
ولعله المهدي بن محمد الحسيني الموسوي، ولد بأصبهان سنة 483، ونشأ ببغداد، وسمع ابن طلحة النعالي وابن البطر (1)، قال السمعاني: كتبتُ عنه وخسف بجَنْزة (2) في سنة 534، فهلك فيها عالَمٌ لا يُحصَون من المسلمين منهم هذا الواعظ. ذكره الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام» وفي «سير أعلام النبلاء» (3) لكن كناه فيهما أبا البركات لا أبا طاهر.
9. أبو يعقوب إسحاق بن منصور السياري:
كذا جاء هنا، والصواب في اسمه: أبو يعقوب يوسف بن منصور السياري، ويوسف هذا ترجمه عبد القادر القرشي واللكنوي، وذكرا أنه تفقَّه على أبي إسحاق محمد بن منصور النوقدي (4)، وذكرا في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الأنصاري الوائلي المتوفى سنة 534 (5) أنه سمع كتاب «العالم والمتعلم» على أبي يعقوب السياري بقراءة والده، والظاهر أنه سمعه وهو صغير فوالده توفي سنة 461.
(1) ابن طلحة النعالي: هو الحسين بن أحمد بن محمد المتوفى سنة 493. له ترجمة في «السير» 19: 101. وابن البطر: هو أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر المتوفى سنة 494. له ترجمة في «السير» 19: 46.
(2) من بلاد أذربيجان. «معجم البلدان» لياقوت الحموي 2: 171.
(3) «السير» 20: 52، وذكره أيضاً ابن الجوزي في «المنتظم» 10: 88 وزاد في شيوخه: ثابت بن بندار وأبا الحسين بن الطيوري. ولم ينتبه الدكتور الخميس إلى القلب الواقع في اسمه فقال: لم أقف له على ترجمة!
(4) «الجواهر المضية» 3: 641، و «الفوائد البهية» ص233، ولم ينتبه الدكتور الخميس إلى تحريف «يوسف» إلى «إسحاق» فقال: لم أقف له على ترجمة.
(5) «الجواهر المضية» 1: 73 ــ 75، و «الفوائد البهية» ص9.
الجزء 1 · صفحة 25
قلت: ولم أقف على تاريخ ميلاده ولا وفاته، لكن سماعه من النوقدي (ت434) يشير إلى أن ميلاه كان في أواخر القرن الرابع، وسماع إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري الوائلي (ت534) منه ــ كما سلف قريباً ــ، وسماع المهدي بن محمد الحسيني (ت534) منه هنا، وتلمذة أبي اليسر البزدوي (ت493) عليه (1)، يشير إلى أن وفاته كانت في النصف الثاني من القرن الخامس. والله أعلم
وقد وُصِفَ في إسناد الموفق المكي الذي أشرنا إليه سابقاً بالحافظ.
10. أبو الفضل أحمد بن علي السليماني:
هو الإمام الحافظ المُعمَّر محدِّث ما وراء النهر أبو الفضل أحمد بن علي بن عمرو السُّليماني البِيكَندي البُخاري المولود سنة 311، وسمع محمد بن حمدويه بن سهل المروزي (ت327)، وعلي بن سختويه وعلي بن إبراهيم بن معاوية، ومحمد بن إسحاق الخزاعي، ومحمد بن صابر بن كاتب، وصالح بن زهير البخاريين، وعلي بن إسحاق المادرائي، وأبا وعبد الله بن جعفر بن فارس، قال الذهبي: حدَّث عنه جعفر بن محمد المستغفري، وولده أبو ذر محمد بن جعفر، وجماعةٌ لا نعرفهم بتلك الديار. وتوفي سنة 404، رحمه الله تعالى (2).
11. أبو سعيد حاتم بن عقيل الجوهري:
(1) كما في ترجمة أحمد بن علي الظهير البلخي من «الفوائد البهية» للكنوي ص27.
(2) ترجمته في «سير أعلام النبلاء» 17: 200، و «تذكرة الحفاظ» 3: 1036، و «العبر» للذهبي 3: 89، و «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي 4: 41، و «شذرات الذهب» 3: 172، وعنه نقولات كثيرة في كتب الجرح والتعديل المتأخرة كـ «تهذيب التهذيب»، ومع هذا قال الدكتور محمد الخميس: لم أقف له على ترجمة!!
الجزء 1 · صفحة 26
هو أبو سعيد حاتم بن عقيل بن المهتدي بن إسحاق المراري اللؤلؤي (1)، ذكره السمعاني في «الأنساب» (2)، وقال: يروي عن عبد الله بن حماد الآملي (ت269) والفتح بن أبي علوان (3) ويحيى بن إسماعيل، روى عنه القاسم بن محمد بن القاسم بن خليل، توفي في ذي القعدة سنة 333.
وذكره ابن ماكولا في «الإكمال» (4) وزاد في شيوخه: داود بن أبي العوام وعلي بن الحسين.
12. محمد بن سماعة التميمي: هو أبو عبد الله محمد بن سماعة بن عبد الله التميمي الكوفي، قاضٍ فاضلٌ ثقةٌ، روى عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن والليث بن سعد، وروى عنه الحسن بن محمد بن عنبر ومحمد بن عمران الضَّبِّيُّ، توفي سنة233 وقد جاوز المئة، رحمه الله تعالى (5).
13. أبو يوسف: هو القاضي الإمام الحافظ يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة 182 رضي الله عنه، وقد كُتبت عنه الكتب والدراسات والرسائل، وهو أشهر من أن يُعرَّف به هنا.
(1) فيكون نسبته «الجوهري» إلى صناعة الجواهر بقرينة نسبته «اللؤلؤي» هنا.
(2) 5: 248.
(3) وإسناد الموفق المكي إلى «العالم والمتعلم» الذي أشرنا إليه سابقاً هو من رواية أبي الفضل السليماني، عن أبي سعيد الجوهري، عن الفتح بن أبي علوان. ومحمد بن يزيد. فهذا يؤكد أنه هو.
(4) 7: 239، وقال الدكتور الخميس: لم أقف له على ترجمة!
(5) له ترجمة في «سير أعلام النبلاء» 10: 646 ــ 647، و «الجواهر المضية» 3: 168 ــ 170، و «لفوائد البهية» ص170 ــ 171، وهو مترجم تمييزاً في «تهذيب الكمال» و «تهذيب التهذيب» و «تقريب التهذيب» وفيه: صدوق، مع أن حقه أن يكون ثقة.
الجزء 1 · صفحة 27
والظاهر أن هذا الإسناد لا يصحُّ على منهج المحدِّثين لانقطاعه بين الجوهري وابن سماعة، ولعدم جزمنا بأن أبا طاهر الحسيني المترجم في «السير» هو نفسُه الذي في هذا الإسناد، لكن مثل هذا يُتسامح في عدم وقوفنا على ترجمته، فقد ضاعت تراجم كثيرين مثله لأنهم ليسوا من رواة الحديث، ولبُعدِ ديارِهم، وضياعِ كثير من كتب تواريخ تلك البلاد، وعدمِ اهتمام المشارقة بتراجم غير المحدِّثين من تلك الديار (1)، وتأخّر تدوين تراجم الحنفية، إضافةً إلى النظر في حال الأئمة الثقات الذين رووا هذه الرسالة بهذا الإسناد، ونقلهم إياها لِمَن بعدهم به، وتلقِّيهم لها بالقبول، بل تلقِّي الحنفيَّة جميعاً لها بالقبول ــ كما سلف نقلُه عن الزَّبيدي بتوسع ــ يغني عن البحث في الإسناد عند جماعة من أهل العلم، وهذه القرائن جميعها مع هذا الإسناد توثِّق نسبة هذه «الوصية» إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.
ثم يُقال لِمَن لم يقتنع بهذا إننا ننشر شرح هذه الرسالة كعقيدة للبابرتي الذي ارتضاها فشرحها، ثم ننشره كعقيدة للحنفية الذين تواردوا على قبول ما فيها، فما في هذا الكتاب يُمثِّل عقيدة البابرتي أولاً، وعقيدة الحنفية ثانياً، سواء صحَّت نسبةُ المتن إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة أم لم تصح. والله تعالى أعلم.
(1) وتذكَّر ما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله في «السير» في ترجمة الحافظ أحمد بن علي السليماني محدِّث ما وراء النهر: حدَّث عنه جماعةٌ لا نعرفهم بتلك الديار.
الجزء 1 · صفحة 28
وصف الأصول الخطية
كنا قد وقفنا على نسخة خطية مصوَّرة في مكتبة الجامعة الأردنية في عمَّان من هذا الشرح النفيس، فنظرنا فيه فوجدناه حريَّاً بالطبع والنشر لنفعِ أهل العلم وطلَّابه به، ولإظهار آثار الإمام البابرتي التي لم يُطبع منها إلا «العناية» و «شرح العقيدة الطحاوية» و «شرح التلخيص»، فتوجَّهت النيَّة إلى إخراجه إخراجاً يليق به، فسعينا في الحصول على نسخ أخرى منه، فتمكنَّا من الحصول على ثلاث نسخ أخرى منه، فصار عندنا أربع نسخ للشرح، وإليك وصفُها:
أولاً: النسخة المرموز إليها بـ (ص)، وهي المعتمدة أصلاً في الأغلب:
وهي نسخة مصوَّرة عن الأصل الخطي المحفوظ في مكتبة أيا صوفيا في إستانبول تحت رقم (2330)، وعدد أوراقها 46 ورقة، وفي كل صفحة منها 15 سطراً، وفي كل سطر منها 9 كلمات تقريباً، ويظهر على لوحة العنوان ختم وقف السلطان محمود خان الأول بن مصطفى الثاني المتوفى سنة 1168هـ (1)، وتحت العنوان نصُّ الوقف بتحرير أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف لحرمين الشريفين.
وفي الورقة الأخيرة منها ما نصه: «وكان الفراغ من تحريره على يد العبد الضعيف النحيف المحتاج إلى رحمة ربه اللطيف برهان بن علي بن إسحاق حامداً لله ومصلياً على نبيه محمد وآله في تاريخ سنة إحدى وخمسين وثمان مئة».
وهي نسخة مُتقنة جداً يَندُرُ وقوعُ الخطأ فيها، ويظهر أنها قوبلت على أصل جيِّد لوجود بعض التصحيحات على هوامشها، ولنفاسة هذه النسخة وقِدَمِها اعتمدناها أصلاً إلا إذا ترجَّح خلاف ما فيها.
ثانياً: النسخة المرموز إليها بـ (ف):
(1) وفي ترجمته في «تاريخ الدولة العلية» للأستاذ محمد فريد بك المحامي ص326 أن من آثاره الحسان تأسيس أربع كتبخانات ألحقها بجوامع آيا صوفيا ومحمد الفاتح والوالدة وغلطا سراي. اهـ. فتكون هذه النسخة مما وقفه في آيا صوفيا رحمه الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 29
وهي نسخة مصوَّرة عن الأصل الخطي المحفوظ في مكتبة أسعد أفندي في إستانبول تحت رقم (1210)، وعدد أوراقها 22 ورقة، في كل صفحة منها 23 سطراً، وفي كل سطر 12 كلمةً تقريباً.
وقد انتهت إلينا هذه النسخة ناقصةَ الورقة الأخيرة التي يُذكر فيها عادةً اسمُ الناسخ وتاريخُ النسخ، لكن ذكر الأستاذ فؤاد سزكين في «تاريخ التراث العربي» أنها من القرن الثاني عشر الهجري، ويُؤيِّدُه أنّ على أحد هوامشها فائدةً منقولةً عن «شرح الأمالي» للعلامة علي القاري المتوفى سنة 1014، فهي بعد الألف جزماً.
وعلى هوامش هذه النسخة تصحيحاتٌ تدل على أنها قُوبِلَت على أصلٍ جيِّد، وعليها بعضُ الفوائد التي تدل على أنها كانت بيد بعض أهل العلم.
ثالثاً: النسخة المرموز إليها بـ (ج):
وهي نسخة مصوَّرة عن الأصل الخطي المحفوظ في الولايات المتحدة في مكتبة برنستون مجموعة جاريت برقم (2082)، ومنها صورة ميكروفيلم في مكتبة الجامعة الأردنية في عمَّان في شريط رقم (196)، وعدد أوراقها 28 ورقة. وهي أول نسخة وقفنا عليها، وعليها بدأ العمل.
وهي نسخة جيِّدة إلى حدٍّ ما، مكتوبة بخط فارسيّ واضح، ويظهر أنها لم تُقابل بعد نسخها لوجود بعض التحريفات ووجود بعض السَّقْط فيها.
وفي آخر هذه النسخة ما نصُّه: «تمَّ بعون الله تعالى وحُسنِ توفيقِه شرحُ كتاب «وصيَّة الإمام الأعظم» للشيخ أكمل الدِّين رحمهما الله تعالى بحرمة سيِّد المرسلين، آمين، سنة 1056».
رابعاً: النسخة المرموز إليها بـ (ب):
وهي نسخة وقفنا عليها بعد نهاية عملنا عند بعض الأساتذة، ولم نتبيَّن مصدرها، وهي نسخةٌ مُتقنةٌ يَندُرُ وقوعُ الخطأ فيها، ولنفاستها عُدنا وقابلنا عَمَلَنا عليها، فأفادتنا بعضَ الفوائد، وعدد أوراقها 42 ورقة، في كل صفحة منها 21 سطراً، وفي كل سطر منها 7 كلمات تقريباً.
الجزء 1 · صفحة 30
وفي الصفحة الأخيرة منها ما نصه: «تمَّ الكتابُ المباركُ في يوم الجمعة رابع شهر ربيع الأول من شهور سنة إحدى وأربعين وألف ومئة (1141)، على يد أفقر العباد إلى رحمة ربه المُهيمن، السيد عبد الرحمن مُؤمِن، غفر اللهُ له ولوالديه ومشايخه ومُحبِّيه ولِمَن قرأ فيه ودعا له بالمغفرة» غفر الله لنا وله.
وهذه النسخة مليئة بالفوائد على هوامشها، مما يدلّ على أنها كانت بيد بعض أهل العلم، وكان المُحشِّي عليها يختم تعليقاتِه بمصدره غالباً، فنقل عن «شرح العمدة» و «شرح المسايرة» لابن أبي شريف و «شرح الأمالي» للقاري، و «شرح الجوهرة» لعبد السلام اللقاني، و «شرح الفقه الأكبر» للبابرتي، و «شرحه» لأبي المنتهى، و «شرح العقائد النسفية» لابن غرس، وغيرها. وقال في الورقة 33: «سُئل شيخُنا محمد العشماوي»، قلنا: هو العلامة الفقيه المحدث المُسنِد محمد بن أحمد بن يحيى العشماوي الأزهري الشافعي المتوفى سنة 1167 (1)، فيحتمل أن يكون المُحشِّي هو الناسِخَ نفسَه.
وقد نقلنا من هذه الفوائد مجموعة لا بأس بها ستراها معزوَّة إليها.
(1) كما في «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» للجبرتي 1: 280.
الجزء 1 · صفحة 31
قمنا ــ بعون الله تعالى وتوفيقه ــ بنسخ النصِّ وتفصيلِه وضَبطِه ومُقابلةِ منسوختنا بالنسخ الثلاث، ثم على النسخة الرابعة، وإثبات الفروق المهمة بينها، وما كان فرقاً يسيراً لم نُشِر إليه خشيةَ إثقال الحواشي بما لا فائدة منه، وميَّزنا المتن عن الشرح بوَضعِه بين قوسين وتسويده، وقابلنا المتن على طبعة الإمام الكوثري للوصية ورمزنا إليها بـ (ز)، وقابلناه أيضاً على «الطبقات السنية» للتقي التميمي رحمه الله، فإنه نقل نصَّ «الوصية» كاملاً، وقابلناه أيضاً على نسخة خطية منسوخة سنة 1103 محفوظة في مكتبة مكة المكرمة برقم (40 ــ فقه حنفي)، وإليها الإشارة بقولنا: النسخة المكية، واستفدنا أيضاً من النسخة الأزهرية للمتن، وعَزَونا الآيات إلى مواضعها، وخرَّجنا الأحاديث التي استشهد بها المؤلف من الكتب الستة إن كان فيها ــ وهو الغالب ــ، وإلا توسَّعنا في تخريجه حسب ما يقتضيه المقام، وما سكتنا عنه فهو صحيح أو حسن، وما فيه ضعفٌ بيَّناه، مُستَرشدين في ذلك كُلّه بأقوال أهل العلم، وعلّقنا على مواضع من الشرح ببعض التوضيحات والتفسيرات والفوائد اللطيفة مما يتمِّم مقاصد الكتاب، خاصة فييما تُثار حوله في هذا العصر إشكالات ونقدات، وربما أطلنا التعليق حسب ما يقتضيه المقام.
وهذا العمل المتواضع في خدمة عقيدة أهل السنة والجماعة أولاً، وفي خدمة الإمام البابرتي رحمه الله تعالى ثانياً، نضعه بين يدي أهل العلم وطلَّابه رجاء دعواتٍ صالحةٍ تلحقنا من المستفيدين منه.
واللهَ سبحانه نسأل أن يتقبَّل منَّا هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ويجعلَ ما أصبنا فيه في صحائف أعمالنا، ويتجاوزَ عما أخطأنا فيه أو زلَّ فيه القلم.
بعمَّان الأردن في شعبان سنة 1426هـ ... ... ... ... المحققان
وبه نستمدُّ ونستقيم
الجزء 1 · صفحة 32
الحمدُ لله المتوحِّدِ بوجوب الوجود والبقاء، المتفرِّدِ بالقدرة الكاملة والعِزِّ والكبرياء، مُبدِع نظامِ الموجودات على أحسنِ الترتيبِ والولاء، ومخصِّص نوعِ الإنسان بإدراك حقائق الأشياء، والصلاةُ والسلام على خير البريَّةِ محمدٍ أشرفِ الأنبياء، وعلى آله وأصحابه البَرَرة الأتقياء.
يقول العبدُ الفقير النحيف الحنيف، المرتجي من لطفِ ربِّه الخفي، محمد بن محمود بن أحمد المدعوُّ بالأكمَلِ الحنفي، يسَّرَ اللهُ أمنيَّتَه، وسهَّلَ عليه منيَّتَه: لمَّا رأيتُ كتابَ «الوصيَّة» المنسوبَ إلى الإمام الأعظمِ أقدمِ المجتهدين سراجِ الملَّة الحنفيَّة أبي حنيفة قدَّسَ اللهُ روحَه ونوَّر ضريحَه، وافياً لِمَا يُحتاجُ إليه في أصول الدين، كافياً لِمَا يَجِبُ الاعتقادُ به على المسلمين، جمعتُ له في كلام المشايخِ فوائدَ تُبيِّنُ ميامنَ فوائده، وتُعيِّنُ مكامِنَ فرائده، تُقرِّرُ ما أرادَ من معانيه، وتُحرِّرُ ما أفادَ من مبانيه، تُفصِحُ عن معاقِدِ القواعد، وتُوضحُ وجهَ الاستِدلال على العقائد، مُجيباً عمَّا يَرِدُ على ما فيه، مُشيراً إلى مذاهبِ مُخالفيه، وشَرَطتُ على نفسي أن لا أتجاوز المراد، ليكونَ سهلَ المأخَذِ سَلِسَ القِياد (1)
(1) القِياد ــ بكسر القاف ــ: الحبل الذي يوضع في عنق الدابة فتقاد به، ثم قيل: فلان سَلِسُ القياد وصعبُه على المثل. «لسان العرب» (قود).
وانفردت النسخة (ف) هنا بزيادة: «وجعلته تحفةً لحضرة الأمير الكبير الأجلّ العامل الكامل الفاضل البارع الورع التقي النقي، محبوبِ الملوك والسلاطين، المخصوصِ بعناية ربِّ العالمين، مَلاذِ الغُرباء والمساكين، وكهفِ الفُقراء والمظلومين، الذي لم تَزَل أنوارُ =
= شمائلِه زاهرة، وأمواجُ بحورِ فيضِ فضائلِه زاخرة، أميرِ سيف الدولة والدِّين، قرابغا الخاصك، لا زالت أعلامُ السِّيادة بدوام دولته منصوبة، وأبوابُ السعادة ببقاء وجهه الكريم مفتوحة، أيَّده اللهُ تعالى إلى انتهاء الأدوار، وإلى انطواء صحائف الأعمال، وسألتُ الله أن يجعله نافعاً للطلبة، إنه أعزُّ مسؤول وأكرمُ مأمول، والله حسبي ونعم الوكيل».
الجزء 1 · صفحة 33
، وسألتُ اللهَ تعالى أن يجعلَه لي ذُخراً لدارِ يوم القرار، ويحشُرُني به مع البَرَرة الأخيار، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبُنا ونِعمَ الوكيل.
[ماهية الإيمان وطريق وجوبه]
قال الإمام الأعظم رضي الله عنه: (الإيمانُ إقرارٌ باللسان وتصديقٌ بالجَنان) (1).
أقول: الكلام ها هنا في ماهيَّة الإيمان وطريق وجوبه:
(1) هكذا في (ز) و النسخ الخطية للشرح، وفي نسخة المتن المكية ونسخته الأزهرية و «الطبقات السنية» 1: 156 قبل هذا ما نصُّه: «اعلموا يا أصحابي وإخواني أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة على اثنتي عشرة خصلةً، فمَن كان يستقيمُ على هذه الخِصال لا يكونُ مُبتدِعاً، ولا صاحِبَ هوىً، فعليكم بهذه الخِصال حتى تكونوا في شفاعة سيِّدنا محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام: الأولى: الإيمان ... »، وهذه الزيادة ثابتة أيضاً في نسخة دار الكتب المصرية للمتن فيما ذكر الأستاذ عناية الله إبلاغ في كتابه «الإمام الأعظم أبو حنيفة المتكلِّم» ص 124.
الجزء 1 · صفحة 34
أما الأول فإنه في اللغة عبارة عن التصديق، قال الله تعالى خبراً عن إخوة يوسف عليه السلام: ?وَمَا أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا? [يوسف: 17]، أي: بمُصدِّق. وعند المتكلِّمين: هو تصديقُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله. فإنَّ فيه تصديقَ ما يجب التصديقُ به، كالإيمان بالله وملائكته وكُتُبه ورُسُله واليوم الآخر وغير ذلك ممَّا يجب الإيمانُ به على التفصيل، فمَن صدَّق الرسولَ فيما جاء به من عند الله فهو مؤمنٌ بينه وبين الله تعالى (1)، والإقرارُ شرطُ إجراءِ أحكام الإسلام عليه، هذا هو المرويُّ عن أبي حنيفة رحمه الله (2)، وإليه ذهب الشيخُ أبو منصور الماتريدي، وأبو الحسن الأشعري (3)
(1) وليس المرادُ بالتصديق هنا العلمَ بصدق الخبر أو المُخبِر من غير إذعان وقبول، وإلا لزم أن يكون كل عالم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، وليس الأمرُ كذلك، لأن كثيراً من الأحبار والرُّهبان وغيرهم كانوا يعلمون صدق نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لم يُذعِنوا ويُسلِّموا لِمَا جاء به من عند الله، فلم يؤمنوا، بل إن إبليس كان مُصدِّقاً، ومع ذلك فهو كافرٌ جزماً، فالإيمان مجموع أمرين: الأول: العلم بصدق الخبر أو المُخبر، والثاني: الإذعان والقبول للخبر أو المُخبِر، وعليه يكون الإيمان من باب العلم ومن باب الكيفيات النفسانية. وانظر «المسامرة بشرح المسايرة» لابن أبي شريف ص352 ــ 353.
(2) ذكر الإمام نحو هذا في «العالم والمتعلم» ص16، وذكر نحو ما في «الوصية» في «الفقه الأكبر» ص65، والأول ــ أي ما في «العالم والمتعلم» ــ مبين، والثاني ــ أي ما في «الوصية» و «الفقه الأكبر» ــ مُجمل، والمجمل محمول على المبين، ولذا اعتمده الماتريدية.
(3) واسمه علي بن إسماعيل بن إسحاق، ولد بالبصرة سنة 260هـ، ومن المشهور أنه بقي على مذهب المعتزلة إلى سن الأربعين، ثم رجع إلى مذهب أهل السنة ورد على المعتزلة حتى صار إماماً لأهل السنة، وعُرف أتباعه بالأشاعرة، توفي رضي الله عنه ببغداد سنة324 هـ. وما ينسب إليه من أنه تراجع في كتابه «الإبانة» في آخر حياته عن معتقده الذي سار عليه الأشاعرة من بعده هراءٌ لا قيمة له، لأسباب منها: أننا نكاد نجزم بأن كتاب «الإبانة» الذي صنفه الأشعري ليس مطابقاً للذي بين أيدينا كما بيَّنه العلامة الشيخ وهبي سليمان غاوجي في رسالته «نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة إلى الأشعري»، على =
= أنه مختلفٌ فيه أيضاً من حيث زمن تأليفه: هل كان أول رجوعه عن مذهب المعتزلة أم كان آخر حياته، والراجح عندنا أنه ألفه أول رجوعه عن مذهب المعتزلة عندما التقى بالبربهاري، وهو ما رجّحه الإمام الكوثري في مقدمة «تبيين كذب المفتري» وتابعته عليه الدكتورة فوقية حسين في تحقيقها للإبانة ص78.
ثم إنه ليس من المنهج العلمي الرصين أن نُغفِلَ ما اشتهر عن الأشعري واستفاض ونتعلق بكتاب لم تثبت مجموع رواياته على نص واحد، لأن المنهج العلمي في التعامل مع الروايات المختلفة عن أيّ إمام هو البحثُ عن المعتمد في مذهبه.
كما أن ما في «الإبانة» مخالف لما نقله الإمام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى عن الأشعري في كتابه «مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري»، ومعلوم أن ما نقله ابن فورك هو ما استقر عليه الأشعري لاطلاعه على جميع كتبه أولاً، ولتلقِّيه هذه الأقوال عن أبي الحسن الباهلي عن الأشعري ثانياً.
ومن الدليل على أن «الإبانة» ليست آخر مؤلفات الأشعري أن فيها تكفيراً لبعض المخالفين، وهو خلاف ما رواه البيهقي ــ كما في «سير أعلام النبلاء» 15: 88 ــ قال: سمعت أبا حازم العبدوي، قال: سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قَرُبَ حضورُ أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني فأتيتُه، فقال: اشهد علي أني لا أكفّر أحداً من أهل القبلة، لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلافُ العبارات.
الجزء 1 · صفحة 35
، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وأبو إسحاق الإسفرايني. وإن كان ظاهرُ كلامِه في هذا الكتاب يدلّ على أن الإيمانَ مجموعُ الجزأين: الإقرارِ والتصديق.
فإن قيل: على كلا التقديرين، شَطراً كان أو شَرطاً، لِمَ قدَّمَ الإقرارَ على التصديق، فإنَّ الإقرارَ وإن كان جزءاً لكنه يحتملُ السقوطَ بعُذرِ الإكراه، والتصديقُ لا يحتملُه؟
أجيبَ: بأن التصديقَ القلبيَّ لمَّا كان أمراً باطناً لا يُطَّلعُ عليه، وكان الإقرارُ باللسان دليلاً على ذلك كما سيجيء تقريرُه (1)، قُدِّمَ على التصديق، ويُمكِنُ أن يكون هذا مَحمَلَ قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمانُ بِضعٌ وسبعون شُعبةً، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق» (2)، لم يذكر التصديق وإن كان هو الأصل.
وأما وجوبُه فقد اختلفوا في طريقه، هل هو واجبٌ عَقلاً أو سَمعاً، فذهبت المعتزلةُ إلى الأول، والأشاعرةُ إلى الثاني.
واختلفوا أيضاً في أنه هل يُعرَفُ حُسنُ الإيمان وشُكرُ المُنعِم وقُبحُ الكفر عقلاً أو لا؟ فقالت الأشاعرةُ والمُشبِّهةُ والخوارجُ والملاحدةُ والرافضةُ: لا يجبُ بالعقل شيءٌ، ولا يُعرَفُ به حُسنُ الإيمان وقُبحُ الكفر، وإنما يُعرَفُ بالشرع (3)
(1) انظر ما سيأتي ص66 ــ 67.
(2) أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35)، وأبو داود (4676)، والترمذي (2614)، والنسائي 8: 110 (5004) و (5005)، وابن ماجه (57) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي بعض ألفاظه: «بضع وستون»، وفي بعضها: «بضع وستون أو سبعون» على الشك.
(3) يرى الأشاعرة أنه ليس للفعل نفسِه حُسنٌ وقُبحٌ ذاتيان، ولا لصفة تُوجِبهما، بل حُسنُ الفعل هو ورودُ الشَّرع بإطلاقه، أي الأذنُ لنا فيه، وقُبحُه ورودُ الشرع بمنعه.
والعقل عندهم ليس بحاكم بالأحكام التكليفية من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ?لِئَلّا يَكُونَ للنَّاسِ عَلى الله حُجَّةٌ =
= بَعْدَ الرُّسُلِ? [النساء: 165]،وجه الاستدلال: أنه لو كان العقلُ حُجَّةً على الناس في الأحكام لمَّا علّق الله الحجَّة على الرسل.
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حتَّى نَبعَثَ رَسُولاً? [الإسراء: 15]، وجه الاستدلال: أن العذاب لا يقع إلا على مَن بلغته دعوة الرسول، فلو وجب الإيمانُ بالعقل لوجب قبل البعثة وفي كل زمان وترتَّب عليه العقاب، لأنه لا معنى للوجوب إلا هذا، ولكن لا يترتب العقاب على من لم يؤمن قبل البعثة بنص الكتاب العزيز، فبطل الوجوب بالعقل، لأنه إذا بطل الوجوبُ العقليُّ في زمن، بطل في غيره، لأن ما كان واجباً عقلاً لا ينقلب ولا يتغير، وإلا انقلبَ الواجبُ ممكناً، وهو محال.
الجزء 1 · صفحة 36
وقالت المعتزلةُ: العقلُ يُوجِبُ الإيمانَ وشُكرَ المُنعِم وقُبحَ الكفر، ويَعرِفُ بذاته حُسنَ الأشياء، ويُثبِتُ الأحكام [حسب] (1) ما يقتضيه صلاحُ الخلق.
وقال أصحابُنا رحمهم الله تعالى: العقلُ آلةٌ يعرفُ حُسنَ بعضِ الأشياءِ وقُبحَه، ووجوبَ الإيمانِ وشكرِ المُنعِم (2)
(1) كلمة «حسب» ليست في الأصول الثلاثة، وأضفناها لتوضيح المعنى.
(2) قال العلامة قاسم بن قُطلُوبُغا رحمه الله تعالى في حاشيته على «المسايرة» ص176: مذهب الماتريدية يُخالف مذهب المعتزلة من وجوه: أحدها: أن المعتزلة قد قرروا أن العقل يُدرك الحسن أو القبح في الفعل، ويُدرِك الحكم المترتِّب على أحدهما من غير توقّف على الشرع، والماتريدية قالوا: العقل يُدرك الحسن أو القبح، ولا يقضي في شيء بمقتضى ما أدركه، بل ينتظر ورود الشرع بهذا القضاء، فالعقل عند المعتزلة حاكم، وعند الماتريدية آلة للبيان وسبب الحكم.
الوجه الثاني: أن الماتريدية لم يقولوا بما قال به المعتزلة مما استلزمه كلامهم (يعني =
= وجوب فعل الأصلح والرزق والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية على الله، وبيانه ــ كما في حاشية النسخة (ب) ــ: أن العقل عند المعتزلة إذا أدرك الحُسنَ والقُبحَ يُوجِبُ بنفسه على الله تعالى وعلى العباد مقتضاهما، وعند الحنفية الموجِبُ هو الله، والعقلُ آلةٌ يُعرَف به ذلك الحكمُ بواسطة إطلاعه على الحُسن والقُبح الكائنين في الفعل).
الوجه الثالث: أن العقل مُدرِكٌ للحسن والقبح في جميع الأفعال عند المعتزلة على الوجه الذي قررناه، وعند الماتريدية لا يُدرِكهما في جميع الأفعال، وإنما يُدرِكُهما في بعضها دون البعض.
وقال ص179: والفرق بين مذهبنا ومذهب الأشاعرة من وجهين: أنه قد يعرفُهما العقل بخلق الله تعالى العلمَ بعد توجُّهه بلا كسب أو معه، وإن لم يرد الشرع، ومن الواجب القول بذلك فيما يتوقف الشرع عليه كوجوب تصديق النبي، وإن كان في أول أقواله مثلاً، وحرمة تكذيبه، وإلا لزم الدور أو التسلسل. وأنه بعد ورود الشرع آلةٌ لمعرفة حُسنِ ما ورد به الشرعُ أو قُبحِه، لا فهم الخطاب وصدق الناقل فقط، فالعقل ليس بمعتبر كل الاعتبار في مواجب التكليف، لأن الأفعال مسندة إلى الله خلقاً، ولأن الوهم يُعارِضُه كثيراً، فلا يُكلَّف بالإيمان العاقل قبل البلوغ ولا من نشأ في شاهق جبل قبل إدراك الدعوة وزمان التجربة، فلا يُعذَّبان إن لم يعتقدا كفراً ولا إيماناً خلافاً للمعتزلة.
واقتصر العلامة ابن أبي شريف رحمه الله في «المسامرة في شرح المسايرة» ص 183 على الوجه الأول إلا أنه زاده توضيحاً فقال: والفرق بين الأشاعرة والماتريدية: أن الأشاعرة قائلون بأن العقل لا يعرف حكماً من الأحكام إلا بعد بعثة نبي، أما الماتريدية فيقولون إن العقل قد يعرف بعض الأحكام قبل البعثة بخلق الله تعالى العِلمَ به: إما بلا كسب كوجوب تصديق النبي وحرمة الكذب الضار، وإما مع كسب النظر وترتيب المقدمات، وقد لا يُعرف إلا بالكتاب والنبي كأكثر الأحكام.
الجزء 1 · صفحة 37
والفرق بين قولنا وقول المعتزلة أنهم يقولون: العقلُ موجِبٌ لذاته، لأنهم يقولون: إنّ العبدَ موجِدٌ لأفعاله. وعندنا العقلُ آلةٌ للمعرفة، والموجِبُ هو اللهُ تعالى لكن بواسطة العقل (1)، كما أن الرسول مُعرِّفٌ للوجوب، والموجِبُ هو اللهُ تعالى حقيقةً، لكنْ بواسطة الرسول.
(1) الباء في قوله: «بعقولهم» باء السببية، أي: معرفةُ الله واجبةٌ على الخلق بسبب عقولهم، والمُوجِبُ هو الله حقيقةً. والسبب عند الأشاعرة والماتريدية سبب عادي، لا مولِّد كما عند المعتزلة. أفاده العلامة المحقق ابن أبي شريف في «المسامرة» ص183.
الجزء 1 · صفحة 38
ووجوبُ الإيمان بالعقل مرويٌّ عن أبي حنيفة رحمه الله، فقد ذكر الحاكمُ الشهيدُ في «المنتقى» (1) أنَّ أبا حنيفة رحمه الله قال: لا عُذرَ لأحدٍ في الجهلِ بخالِقِه لِمَا يرى من خَلقِ السماواتِ وخَلقِ نفسِه وغيرِه. وروي أنه قال: لو لم يُبعَثْ رسولٌ لوَجَبَ على الخلقِ معرفتُه بعقولهم. وعليه مشايخنا (2).
(1) الحاكم الشهيد: هو محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد المجيد المروزي السلمي الوزير الشهيد، أبو الفضل البلخي، قاضي بخارى وإمام الحنفية في عصره، كان فقيهاً محدِّثاً، قال السمعاني: كان يحفظ ستين ألف حديث، وتصانيفه تدل على كمال فضله كـ «الكافي» و «المنتقى». وقال الحاكم في «تاريخ نيسابور»: ما رأيت في جملة مَن كتبتُ عنهم من أصحاب أبي حنيفة أحفظَ للحديث وأهدى إلى رسومه وأفهمَ له منه. قُتِلَ شهيداً سنة 334 رحمه الله تعالى. قال الكفوي (ت990) في «كتائب الأخيار»: «الكافي» و «المنتقى» أصلان من أصول المذهب بعد كتب محمد، ولا يوجد «المنتقى» في زماننا. له ترجمة في «الجواهر المضية» للقرشي 3: 313 ــ 315، و «الفوائد البهية» للكنوي ص185.
(2) أي: عامَّتُهم، وهو المشهور عن الإمام أبي حنيفة. قال الإمام ابن الهمام رحمه الله في «المسايرة» ص185: وقال أئمة بخارى: لا يجب إيمانٌ ولا يحرم كفرٌ قبل البعثة كقول الأشاعرة، وحملوا المرويَّ عن أبي حنيفة على ما بعد البعثة، وهو ممكنٌ في العبارة الأولى =
= دون الثانية. وقال في «التحرير في أصول الفقه»: وحينئذ فيجب حمل الوجوب في قوله: «لوجب على الخلق معرفته بعقولهم» على معنى: ينبغي، أي: الذي ينبغي أن يُفعَل.
الجزء 1 · صفحة 39
وقال الشيخ أبو منصور في الصبيِّ العاقل: إنه تجبُ عليه معرفةُ الله تعالى، وهو قول كثير من مشايخ العراق، لأن الوجوبَ على البالغ باعتبار العقل، فإذا كان الصبيُّ عاقلاً كان كالبالغ في وجوب الإيمان عليه، وإنما التفاوتُ بينهما في ضعف البِنية (1) وقوَّتِها، فلا جَرَمَ يفترقانِ في عمل الأركان فيما لا يتعلَّقُ بالجَنان.
وذهب كثيرٌ من مشايخنا إلى أنه لا يجبُ على الصبيِّ شيءٌ قبلَ البلوغ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ: عن الصبيِّ حتى يحتلم» (2) الحديث. وحمَلَهُ الشيخُ أبو منصور على الشرائع. ولا خِلافَ بين أصحابنا في صحةِ إيمان الصبيِّ العاقل (3)
(1) في (ج) وحدها: «البيِّنة»، والافترق في عمل الأركان مبنيٌّ على البِنية لا على البيِّنة.
(2) أخرجه أبو داود (4399 ــ 4403)، والترمذي (1423)، والنسائي في «السنن الكبرى» (7305 ــ 7307)، وابن ماجه (2042) من حديث علي كرَّم اللهُ وجهه. وقد روي مرفوعاً وموقوفاً، ورجَّح النسائي الموقوف.
وأخرجه أبو داود (4389)، والنسائي 6: 156 (3432)، وابن ماجه (2041) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) وبه قال المالكية والحنابلة، وعند الشافعية خلافٌ في صحَّة إسلام الصبيِّ محلّه بالنسبة إلى تعلّق أحكام الدنيا به، أما بالنسبة إلى أحكام الآخرة فلا خلاف في صحَّة =
= إسلامه، وهو المنقول عن الشيخين. انظر «روضة الطالبين» للإمام النووي 5: 429 و432 و434 و8: 281، و «المسامرة» للعلامة ابن أبي شريف ص193 ــ 194.
قلنا: لأن الصحة يتعلق بها أمران: الأول: اعتبار الشيء، والثاني: ترتّب الأحكام عليه، والخلاف في الثاني لا في الأول، لأن الإيمان هو التصديق المقطوع به، ومن قواعد الشريعة أنّ الأمرَ القطعيَّ لا يجوز إسقاطُه ولا إهمالُه، وعليه فلا يجوز عدم اعتبارُ صحة إسلام الصبيّ، وإنَّما الخلافُ في ترتّب أحكام الدنيا من توارُثٍ وغيره.
وبذلك يُعلم أن قول ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» 8: 286: «مذهب الشافعي أن إسلام الصبي غير مُخرِجٍ له من الكفر» ليس بصحيح، فضلاً عمَّا فيه من إساءة أدب مع سيدنا علي عليه السلام، وكون الرافضي المردود عليه أساء الأدب في حق الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم لا يُسوِّغ مقابلته بمثل صنيعه.
وعلى حاشية النسخة (ب) هنا فائدة وهي: «ارتدادُ الصبيِّ العاقل صحيحٌ كإسلامه عندهما، وقال أبو يوسف: ارتدادُه ليس بصحيح، ويُجبَر الصبيِّ على الإيمان، ولا يُقتَل إن أبى، والجبرُ أعمُّ من الحبس والتهديد ونحوه. ملخصاً من ملا مسكين. قوله: «لا يُقتَل» لأنه ليس مخاطباً بالفروع التي عُلِمَت بمجيء الرسول، وهذا يتمشَّى على قول مشايخ العراق بأن وجوب الإيمان بالعقل، ووجوب الفروع بالرسول. وعند مشايخ بخارى وجوب الإيمان مع الفروع بالشرع مطلقاً، والصبي ليس بمخاطب لحديث: «رُفِعَ القلم» فلا يُحكَم بكفره على قولهم». اهـ.
الجزء 1 · صفحة 40
احتجَّت المعتزلةُ على أن الإيمانَ حَسَنٌ عقلاً بوجوه، وأنا أُورِدُ ها هنا وجهين اختصاراً:
أحدهما: أنَّ شكرَ اللهِ واجبٌ عقلاً، ودَفْعَ الخوفِ عن نفسِه واجبٌ كذلك، وشُكرَ المُنعِم ودفعَ الخوف العقليَّين متوقِّفان على معرفة الله تعالى فتكون معرفةُ الله واجبةً بالعقل.
والثاني: لو ثبتَ الحُسنُ والقُبحُ شرعاً لَزِمَ انتفاؤُهما مطلقاً، لأنهما لو ثبتا بالشَّرع لم يحكم العقلُ بقُبحِ الكذب، فجاز وقوعُه من الشارع، فإذا حَكَمَ الشَّرعُ بقُبحِ شيءٍ لم يُجزَم بقُبحِه لجواز صدور الكذب حينئذ من الشارع، فلم يَثبُت الحُسنُ والقُبحُ أصلاً.
وقالت الأشاعرةُ: الحَسَنُ والقبيح يُطلقان على أمورٍ: منها ما يكون صفةَ كمالٍ أو صفةَ نقصٍ، يُمدَحُ بها أو يُذمُّ. ومنها ما يكون ملائماً للطَّبعِ أو مُنافِراً له. ومنها ما يَتعلَّقُ به في الآجِلِ ثوابٌ أو عقابٌ.
فإن كان المرادُ بالحَسَن ما يكون صفةَ كمالٍ، وبالقبيح ما يكون صفةَ نقصٍ، أو كان المرادُ بالحَسَن ما يكون ملائماً للطبع، وبالقبيح ما يكون مُنافِراً له، فلا خلاف في كونهما عقليَّين.
وإن كان المرادُ بالحَسَن والقبيح ما يُثابُ به في الآجِلِ أو يُعاقَبُ عليه، فالعقلُ لا مجال له في إدراك ذلك، لقوله تعالى: ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوْلَاً? [الإسراء: 15]، نَفَى التعذيبَ إلا ببعثة الرُّسُل، فلو كان الفِعلُ قبيحاً بالعقل لَزِمَ وقوعُ التعذيبِ وإن لم يُوجَد الرسلُ.
ولأن شكرَ المُنعِم لو وجَبَ لوجَبَ لفائدة، وإلا لكان عَبَثاً وهو قبيح. والفائدةُ إما أن تعودَ إلى الربِّ وهو منزَّهٌ عنها، أو إلى العبد، إما في الدنيا أو في العُقبى، والأولُ ممنوعٌ لأنه إتعابُ النفسِ بلا فائدة، وكذا الثاني لأنه لا مجال للعقل في دَرْكِ أحوالِ الآجِل، وكذا دفعُ الخوفِ عن نفسه.
الجزء 1 · صفحة 41
ولقائل أن يقول: احتمالُ العقابِ بعدم الشُّكرِ قائمٌ، ودفعُ الخوفِ عن ذلك من أجلّ الفوائد، لأن احتمال العقاب إما أن يكون واقعاً في نفس الأمر أو لا، فإن كان واقعاً فدَفْعُه من الفوائد، وإن لم يكن واقعاً لَزِمَ ورودُ الشرع على خلاف الواقع، وهو محال.
والجواب عما تَلَوا (1): أنه محمولٌ على عذاب الدنيا كما جرى للمتقدِّمين من مُكذِّبي الرسل، أو هو محمولٌ على الشرائع.
واعلم أن أصحابنا قد ذكروا أنا لا نعني بوجوب الإيمان بالعقل أنه يستحقُّ الثوابَ بفِعلِه والعقابَ بتَرْكِه، إذ هما يُعرَفان بالسَّمعِ، وإنما نعني به أن يثبتَ بالعقل نوعُ رجحانٍ للإتيان بالإيمان (2)
(1) أي عن استدلالهم بقوله تعالى: ? وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُوْلَاً ?.
(2) قوله: «نوع رجحان» أي: أن يترجَّح بالعقل وقوع الفعل على عدم وقوعه، أو أن يترجَّح عدم وقوعه على وقوعه، فالأول هو الحسن، والثاني هو القبيح، من غير أن يترتب بالعقل الثوابُ على الأول والعقابُ على الثاني.
ومعنى الوجوب هو رُجحان الوقوع على عدم الوقوع مع ترتُّب الثواب على الفعل والعقاب على عدمه، والندب هو نفسه مع عدم ترتّب العقاب على فعله، والحرمة رجحان عدم الوقوع على الوقوع مع ترتب العقاب على فعله والثواب على تركه امتثالاً، والكراهة نفسه مع عدم ترتب العقاب على فعله، فالرجحان مع هذه الترتبات لا يكون عند الأشاعرة والماتريدية إلا بالشرع.
أما حصول الرجحان بالعقل من غير الترتبات المذكورة ــ وهو ما سماه الشارح «نوعَ رجحان» ــ فقد يكون بالعقل أيضاً، كملائمة الشيء للطّباع أو منافرته لها، فليس هو رجحاناً مطلقاً، لأن الرجحان المطلق يستلزم هذه الترتبات. ... ... ... =
= فإن قيل: كيف يُدرِكُ العقلُ هذا الرجحانَ ولا يترتَّبُ الثوابُ والعقابُ عليه؟ قلنا: لأن هذا الرجحان ليس ذاتياً، وإنما هو رجحانٌ نسبيٌّ، فالحكم بوجوب وقوعها أو عدمه لا بد معه من طلاقة في الصفات، وهذا ما لا يتحقّق لمخلوق أبداً، ولذلك قال تعالى: ?إنِ الحُكمُ إلا لله? [الأنعام: 57]، فصار عندنا ثلاثة أمور: الأول: إدراك الشيء من حيث كونه صفة كمال أو نقص. والثاني: رجحان الوقوع أو عدم الوقوع. الثالث: ترتّب الثواب والعقاب. والعقل له حكم في الأول والثاني دون الثالث. والله تعالى أعلم.
الجزء 1 · صفحة 42
، بحيث لا يَحكُمُ العقلُ أنَّ التَّرْكَ والإتيانَ فيهما سيَّان، بل يحكم بأنَّ الإيمانَ يوجِبُ نوعَ مدحٍ، والامتناعَ عنه نوعَ ذمٍّ، فعلى هذا لا خلافَ بيننا وبين الأشاعرة في هذه المسألة.
قال: (والإقرارُ وحدَه لا يكونُ إيماناً، لأنه لو كان إيماناً لكانَ المنافقونَ كلّهم مُؤمِنين، وكذلك المعرفةُ وحدها لا تكونُ إيماناً، لأنها لو كانت إيماناً لكانَ أهلُ الكتابِ كلّهم مُؤمِنين، قال الله تعالى في حقِّ المنافقين: ?واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ? [المنافقون: 1]، وقال تعالى في حقِّ أهلِ الكتاب: ?الذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ? [البقرة: 146، الأنعام:20]).
أقول: إذا عُرِفَ أنَّ الإيمانَ عبارةٌ عن التصديق (1)، فمَن جعله عبارةً عن مجرَّد الإقرار كالكرَّاميَّة، أو عن الإقرار بشرط المعرفة والتصديق كعبد الله ابن سعيد القطان (2)
(1) في (ج): «عبارة عن إقرار باللسان وتصديق بالجنان»، والمثبت من (ص) و (ف) و (ب).
(2) هو عبد الله بن سعيد بن محمد بن كُلَّاب القطان البصري، أحد المتكلمين في أيام المأمون، قيل إنه أخو يحيى بن سعيد القطان كبير المحدثين، وغلّطه الحافظُ ابن حجر في =
= «اللسان» (رقم 4256 ــ بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة) وقال: إنه من توافُقِ الاسمين والنسبة. توفي بعد الأربعين ومئتين. قلنا: وهو معدود من متكلمي أهل السنة، وانظر عقيدته في «مقالات الإسلاميين» للإمام الأشعري ص169 وما بعدها. وقال التاج السبكي في «طبقات الشافعية» 2: 78: كان من كبار المتكلِّمين ومن أهل السنة، وبطريقته وطريقة الحارث المحاسبي اقتدى أبو الحسن الأشعري.
الجزء 1 · صفحة 43
، أو عن المعرفة وحدها كجهم بن صفوان والمعتزلة (1)، فقد صَرَفَ الاسمَ عن المفهوم اللغويِّ بلا ضرورةٍ، ولو جازَ ذلك لَجَازَ في كُلِّ اسمٍ لغويٍّ، وفيه إبطالُ اللغاتِ ورَفْعُ الوصولِ إلى الدلائل السمعيَّة، وأيضاً فإن الدلائلَ تدلُّ على ذلك.
أما على أن الإقرارَ ليس وحده بإيمانٍ، فيدلّ عليه قولُه تعالى في حقِّ المنافقين: ?واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ? [المنافقون: 1]، أثبتَ لهم الكذبَ، ولا شكَّ في قيام الإقرار بهم، وقولُه تعالى: ? إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ? [النحل: 106] فإنه يدلُّ على أن موضِعَ الإيمانِ القلبُ لا اللسانُ، وكذلك قوله تعالى: ?وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ في قُلُوبِكُمْ? [الحجرات: 14]، وقوله: ?أولئِكَ كَتَبَ اللهُ في قُلُوبِهُمُ الإيمَانَ? [المجادلة: 22].
وكأنَّ الكرَّاميَّةَ إنما قالوا ذلك لِمَا رَأَوْا من إجراءِ أحكام الإسلام على الذين شَهِدوا باللسان، ولا كلامَ فيه، وإنما الكلامُ في اعتباره في حقِّ أحكام الآخرة، وهم في أحكام الآخرة كفَّارٌ، لقوله تعالى: ?اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ? [التوبة: 80]، وقوله: ? إنَّ المُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ? [النساء: 145]، وقد قال تعالى في حقِّهم: ?مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ? [المائدة: 41]، ولو لم يكن بالقلب إيمانٌ لم يكن لهذا القول فائدةٌ، كمَن يقول لآخر: لم تُؤمِن يدك أو رجلك.
(1) المثبت من (ج)، وفي (ص) و (ف) و (ب): «من المعتزلة».
الجزء 1 · صفحة 44
وأما أنه ليس المعرفةُ وحدها، فيدلّ عليه قوله تعالى: ?الذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ? [البقرة: 146، الأنعام:20]، فإنَّ أهلَ الكتاب كانوا يعرفون النبيَّ صلى الله عليه وسلم بنَعتِه ومَبعَثِه واسمِه معرفةً جليَّةً يُميِّزون بينه وبين غيره بالوَصْفِ المعيّن المشخّص، كما يعرفون أبناءهم لا يَشتَبِهُ عليهم أبناءُهم مِن بين الصِّبيان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لمَّا قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، قال عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سَلَام: قد أنزل اللهُ عزَّ وجلَّ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: ?الذينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ? [البقرة: 146، الأنعام:20]، فكيف ــ يا عبدَ الله ــ هذه المعرفةُ؟ فقال عبدُ الله بنُ سلام: يا عمرُ، لقد عرفتُه حينَ رأيتُه كما أعرِفُ ابني إذا رأيتُه مع الصِّبيان يَلعَبُ، وأنا أشَدُّ معرفةً بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم منِّي بابني. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وكيف ذلك يا ابنَ سلام؟ قال: لأني أشهَدُ أن محمَّداً رسولُ الله حقَّاً ويقيناً، وأنا لا أشهَدُ بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدَثَ النِّساءُ، فلعلَّ والدتَه قد خانَتْ. فقبَّلَ عمرُ رضي الله تعالى عنه رأسَهُ، وقال: وفَّقَك اللهُ يا ابنَ سَلَام، فقد صَدَقتَ وأصَبْتَ (1)
(1) أخرجه الثعلبي ــ كما في «الدر المنثور» للسيوطي 1: 357 ــ من طريق السُّدِّيِّ الصغير، عن الكلبي، عن ابن عباس. قلنا: والسُّدِّيّ الصغير ــ واسمه محمد بن مروان ــ والكلبي ــ وهو محمد بن السائب ــ متهمان بالكذب، وبين الكلبي وابن عباس مفاوز.
وأخرج الطبري في «تفسيره» 7: 165 عن ابن جُريج قال: زعم أهلُ المدينة عن =
= أهل الكتاب ممَّن أسلم أنهم قالوا: والله لنحن أعرفُ به من أبنائنا من أجل الصِّفة والنَّعت الذي نجدُه في الكتاب، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدَثَ النِّساءُ.
الجزء 1 · صفحة 45
ومع ذلك ما كانوا مؤمنين حيثُ لم يُصدِّقوا. وقال تعالى: ?وَجَحَدْوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ? [النمل: 14]، وقال: ?فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ على الكَافِرِينَ? [البقرة: 89].
واعلم أنَّ تحقيقَ معنى قولِنا: «الإقرارُ شرطُ إجراءِ الأحكام» هو أن الله تعالى خلقَ الإنسانَ ضعيفاً لا يَستَقِلّ بأمْرِ مَعاشِه، محتاجاً إلى تعاضُدٍ وتعارُضٍ وتعاوُنٍ وتعاوُضٍ (1)، ولا يتيسَّرُ إلا بتعريف ما في نفسه من المقاصِدِ والحاجاتِ لصاحبه بطريقٍ، كإشاراتٍ أو أمثلةٍ أو كتابةٍ أو ألفاظٍ تكونُ علاماتٍ للمقاصد الباطنة، وكانت الألفاظُ أسهلَ، لأنها أصواتٌ مقطَّعةٌ هي كيفيَّاتٌ مسموعةٌ حادثةٌ من إخراجِ النَّفَسِ الضروريِّ المُمتدِّ من آلةِ التَّنَفّسِ دونَ تكلّفٍ اختياريٍّ يحدُثُ عند الحاجة ويَنعدِمُ عند عَدَمِها، وأفيَدَ لأنها يُعبَّرُ بها عن الموجود والمعدوم والمعقول والمحسوس والغائب والشاهد، بخلاف الإشارة والمثال، إذ لا تُمكِنُ الإشارةُ إلى المعدوم والمعقول والغائب، وليس لكلِّ شيءٍ مثالٌ. فأنعمَ اللهُ تعالى على العباد ولَطَفَ بهم بإحداثِ الموضوعاتِ اللغويَّةِ بأن وضعَ الألفاظَ بإزاءِ المعاني ووقَّفهم (2) عليها أو بإحداث قُدرتِهم عليها على اختلاف الرأيَينِ، ليتوصَّلوا بها إلى تحصيل مقاصدهم (3).
(1) التعاضد: إعانة البعض بعضاً وإعطاء القوة، والتعارض: طلب المعارضة وفعلها وهو ضد التسليم، والتعاون: المساعدة، والتعاوض: إعطاء العِوَض. اهـ من حاشية (ب).
(2) المثبت من (ص) و (ب)، وتحرَّفت في (ف) إلى: «ووفّقهم».
(3) وفيه أن اللغات ــ سواء كانت توقيفية أو وضعية ــ إنما يحتاج إليها المُتكلم =
= للتعبيرعما يُريد أن يتكلم به، وهذا من سمات الاحتياج وعلامات الضَّعف التي يجب أن يُنزَّه عنها الخالقُ سبحانه وتعالى.
الجزء 1 · صفحة 46
وكان حقيقةُ الإيمان ــ وهو التصديقُ القلبيُّ ــ أمراً باطناً لا يُطَّلَعُ عليه، وقد رتَّبَ اللهُ تعالى للعباد عليها مصالح، كالإرث والتزويج والابتداء بالتسليم وردِّه وحَقْنِ الدماء والأموال وغيرِ ذلك، فجُعِلَ الإقرارُ دليلاً على ما في الباطن ليُعلَمَ به وتترتَّب عليه المصالحُ المتعلِّقةُ بوجوده. وهذا ما وعدناه فيما تقدَّم من تقريره (1).
[زيادة الإيمان ونقصانه]
قال: (والإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقُصُ؛ لأنه لا يُتصوَّرُ نقصانُهُ إلا بزيادةِ الكُفرِ، ولا تُتصوَّرُ زيادتُهُ إلا بنُقصانِ الكُفرِ، وكيف يجوزُ أن يكونَ الشخصُ الواحدُ في حالةٍ واحدةٍ مؤمناً وكافراً؟!).
أقول: إذا ثبت أن الإيمانَ عبارةٌ عن تصديق العبد، وهو لا يتزايَدُ في نفسه، دلَّ أن الإيمانَ لا يزيدُ بانضمام الطاعات إليه، ولا ينقُصُ بارتكاب المعاصي، لأن التصديقَ قائمٌ في الحالَين كما كان قبلهما، واستدلّ الإمامُ رحمه الله على هذا بأن زيادةَ الإيمان لا تتصوَّر إلا بنقصان الكفر، ونقصانَه إلا بزيادة الكفر، واجتماعَهما في ذاتٍ واحدةٍ في حالةٍ واحدةٍ محالٌ، وهذا لأن الكفرَ ضدُّ الإيمان، وهو التكذيب والجحود، ولهذا قابَلَ اللهُ تعالى الكفرَ بالإيمان في قوله: ?فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ? [البقرة: 256]، والمرادُ بهما التصديقُ والتكذيبُ، واجتماعُ الضِّدَّينِ في محلّ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ محالٌ. وأشار إلى هذا بقوله: «وكيف يجوزُ أن يكون يكونَ الشخصُ الواحدُ مؤمناً وكافراً في حالةٍ واحدةٍ».
(1) قال في حاشية (ص) بياناً لقوله: «فيما تقدم تقريره» ــ وقال نحوه على حاشية (ب) أيضاً ــ: وهو قوله: «أجيب بأن التصديق القلبي لمّا كان أمراً باطناً لا يُطَّلعُ عليه، وكان الإقرار باللسان دليلاً على ذلك كما سيجيء تقريره قُدّم على التصديق». وقد سلفت هذه العبارة المحال إليها ص54.
الجزء 1 · صفحة 47
وذهب الشافعيَّةُ وأصحاب الظاهر (1) إلى أن الإيمانَ يزيدُ ويَنقُصُ، مستدلِّين بقوله تعالى: ?زَادَتْهُمْ إيمَاناً? [الأنفال: 2]، وقوله: ?لِيَزْدَادُوا إيمَاناً مَعَ إيمَانِهِم? [الفتح: 4] وأمثالِهما، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمانُ بِضعٌ وسبعون شُعبةً» (2) الحديث، قالوا: إنَّا نعلمُ بالضرورة أن التصديقَ وحده لم يكن كذلك، فدلَّ أن الإيمانَ يزيدُ ويتشعَّبُ بانضمام الطاعات (3).
والجوابُ: أن المرادَ من الزيادة في الآيتَينِ الزيادةُ بتجدُّدِ الأمثال، فإن بقاءَ الإيمان لا يُتصوَّر إلا بهذا الطريق، لأنه عَرَضٌ، وهو لا يبقى زمانَين، فكان بقاءُه بتجدُّدِ أمثالِه كسائر الأعراض (4).
(1) قوله: «وأهل الظاهر» أثبتناه من (ف) و (ب)، ولم يرد في (ص) و (ج). والظاهرية يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه.
(2) سلف تخريجه قريباً.
(3) الخلاف في هذه المسألة عند التحقيق خلافٌ لفظيٌّ، فمن قال بعدم زيادة الإيمان ونقصانه أراد أصل الإيمان وأساسه، وهو أقلّ قدرٍ يصير به المؤمن مؤمناً، وهو «مطلق الإيمان» الذي هو التصديق، ومن قال بزيادة الإيمان ونقصانه أراد كمال الإيمان، أي «الإيمان المطلق» الذي يدخل فيه العمل والإقرار، وهو الذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الزاني وشارب الخمر والسارق في قوله: «لا يزني الزاني وهو مؤمن» الحديث الذي أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57)، وعليه فالإيمان المطلق يمنع دخول النار، ومطلق الإيمان يمنع الخلود. وانظر «الكليات» لأبي البقاء لكفوي ص212، و «الإرشاد» لإمام الحرمين ص396، و «شرح العقائد النسفية» للسعد التفتازاني ص128، و «المسايرة» للكمال ابن الهمام ص367 مع شرح ابن أبي شريف وحاشية ابن قطلوبغا.
(4) وهو من الإدراكات الكُليَّة القلبيَّة وهي خمسة: التفكيرات والعلوم والاعتقادات والظنون والجهالات، والأولى أن يُطلَق على الإيمان أنه صفة كالعلم، وليس عَرَضاً.
الجزء 1 · صفحة 48
أو يكون المرادُ الزيادةَ من حيث ثمراتُ الإيمان وإشراقُ نورِهِ وضيائِهِ في القلوب بالأعمال الصالحة، إذ الإيمانُ له نورٌ وضياءٌ، قال الله تعالى: ?أفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلامِ فَهُوَ على نُورٍ مِنْ رَبِّهِ? [الزمر: 22] (1).
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنهم كانوا آمنوا في الجملة ثم يأتي فرضٌ بعد فرضٍ فيؤمنون بكلِّ فرضٍ خاصٍّ فزادهم إيماناً بالتفصيل مع إيمانهم في الجملة (2)
(1) زاد على حاشية (ص) ما نصُّه: وعنه صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل النور القلب انشَرَحَ وانفَسَحَ. قيل: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهُّب للموت قبل نزوله». اهـ. والحديث أخرجه ابن أبي شيبة 13: 221 بنحوه، والطبري في «تفسيره» 8: 27، والبيهقي في «الزهد الكبير» (974) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (315)، وابن أبي شيبة 13: 221، والطبري في «تفسيره» 8: 26 من حديث أبي جعفر رجل من بني هاشم وليس محمداً الباقر مرسلاً.
(2) أخرج الطبري في «تفسيره» 11: 85 ــ 86 عن ابن عباس في قوله تعالى: ?وإذا ما أنْزِلَتْ سُورةٌ فَمِنهُم مَنْ يَقُولُ أيُّكُمْ زادَتْهُ هذهِ إيماناً? [التوبة: 124] قال: كان إذا =
= نزلت سورةٌ آمنوا بها، فزادهم الله إيماناً وتصديقاً، وكانوا يَستَبشِرون.
وأخرج الطبري أيضاً 26: 84، والطبراني في «المعجم الكبير» (13028) عنه في قوله تعالى: ?لِيَزدادوا إيماناً مَعَ إيمانِهِم? [الفتح: 4] قال: إنَّ اللهَ بعث نبيَّه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدَّقوا بها زادهم الصَّلاةَ، فلما صدَّقوا بها زادهم الزَّكاةَ، فلما صدَّقوا بها زادهم الصِّيامَ، فلما صدَّقوا به زادهم الحجَّ، فلما صدَّقوا به زادهم الجهادَ، ثم أكمَلَ لهم دينَهم، فقال: ?اليومَ أكمَلتُ لكم دينَكم وأتمَمتُ عليكم نِعمَتي ورَضِيتُ لكمُ الإسلامَ دِيناً? [المائدة: 3]، قال ابن عباس: فأوثَقُ إيمانِ أهل السماء وأهل الأرض وأصدَقُه وأكمَلُه شهادةُ أن لا إله إلا الله. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» 7: 514 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في «دلائل النبوة».
الجزء 1 · صفحة 49
وأما الجوابُ عن الحديث فبأنَّ معنى الحديث: شُعَبُ الإيمان بِضعٌ وسبعون شُعبةً، لا أن الإيمان نفسَه بضعاً وسبعين شُعبة (1)، إذ لو كان الإيمانُ نفسُه بضعاً وسبعين شُعبةً لكانت إماطةُ الأذى من الطريق داخلةً فيه، وليس كذلك بالاتفاق (2).
واعلم أنَّ إيمانَنا مثلُ إيمان الملائكة والرُّسُل عليهم السلام، نصَّ عليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى في «العالم والمتعلِّم»، لأنَّا صدَّقنا وحدانيَّتَه وربوبيَّتَه وقُدرتَه كما صدَّقَ الأنبياءُ والرُّسُلُ عليهم السلام (3).
(1) من قوله: «لا أن ... » إلى هنا أثبتناه من (ف) و (ب)، وسقط من (ص) و (ج).
(2) قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على «الفقه الأبسط» ص47: مهما كان الإيمان هو العقد الجازم لا يُمكن فيه احتمالٌ للنقيض أصلاً، فيكون إيمانُ المؤمنين على حدٍّ سواء، فالتفاضلُ بينهم بالأعمال التي هي من كمال الإيمان، وأما من جعل العملَ ركناً من الإيمان فلا يُمكنُه التملّص مما وقع فيه الخوارج أو المعتزلة.
(3) انظر «العالم والمتعلِّم» ص18، وعلى حاشية النسخة (ب) هنا فائدة، وهي قوله: المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعضها، ... ، قال في «مختصر الحكمة النبوية»: وفي كتاب «الخلاصة»: قال محمد: أكره أن تقول: إيماني كإيمان الملائكة. قلت: يُحمَل قول محمد من جهة القوة والضياء والنور، فإن إيماننا لا يُساوي ذلك، ويُحمَل قول أبي حنيفة من جهة أن المُؤمَن به مُتَّحد كإيمانهم. اهـ.
الجزء 1 · صفحة 50
والإيمانُ مخلوقٌ، لأن العبدَ بجميع أفعاله مخلوقٌ، ولا يجوزُ أن يكونَ الإيمانُ اسماً للهداية أو التوفيق ــ وإن كان لا يُوجَدُ إلا بهما ــ كما زعم مَن قال إنه غيرُ مخلوق، لأنه مأمور به، والأمرُ إنما يكون بما هو داخلٌ تحتَ قدرتِهِ، وما كان كذلك كان مخلوقاً (1).
[الاستثناء في الإيمان]
قال: (والمؤمنُ مؤمنٌ حقَّاً، والكافرُ كافرٌ حقَّاً، وليسَ في الإيمانِ شكّ، كما أنه ليس في الكُفرِ شكّ، لقوله تعالى: ?أولئِكَ هُمُ المُؤمِنُونَ حقاً? [الأنفال: 4]، و?أولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حقاً? [النساء: 151]، والعاصون من أمةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم كلّهم مؤمنون وليسوا بكافرين).
(1) من قال بأن الإيمانَ مخلوقٌ أراد به فِعلَ العبد ولفظَه، وهو صريح كلام الإمام هنا، ونقله ابن الهمام في «المسايرة» ص376 عن مشايخ سمرقند من الحنفية، وابنُ أبي شريف في «المسامرة» ص380 عن المحاسبي وجعفر بن حرب وابن كُلّاب وعبد العزيز المكي. ومن قال بأنه غير مخلوق ــ وهو ما نقله ابن الهمام عن مشايخ بخارى وفرغانة من الحنفية، وابنُ أبي شريف عن أحمد وجماعة من أهل الحديث، واختاره الكفويُّ في «الكليات» ــ أراد به كلمة الشهادة، لأن الإيمان هو التصديق، أي الحكمُ بالصِّدق، وهو إيقاع نسبة الصِّدق إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالاختيار. وحقيقةُ الخلاف لفظيٌّ كما هو ظاهر. وقد احتج ابنُ الهمام على البخاريين بكلام الإمام في «الوصية»، فدلّ على أنها معتمدة عنده.
الجزء 1 · صفحة 51
أقول: لمَّا كان الإيمانُ أمراً حقيقياً معلومَ الحدِّ، وهو تصديقُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، والكفرُ على ضِدِّ ذلك، فمَن قامَ به التصديقُ فهو مؤمنٌ حقاً، ومَن قامَ به خِلافُه فهو كافرٌ حقاً، كالقعود والسواد والبياض، لمَّا كانت معاني معلومةَ الحدِّ كان الذاتُ بها قاعداً أسودَ أبيضَ إذا وُجِدَت بحقيقتها، قال الله تعالى: ?أولئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقَّاً? [الأنفال: 4]، أتى بالجملة الاسميَّة مُبتدِئاً باسم الإشارة مفصِّلاً بضمير الفَصْلِ معرِّفاً بالخبر مؤكِّداً بالمصدر، وقال: ?أولئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقَّاً? [النساء: 151]، وكلّ ذلك يدلّ على قيام الإيمان والكفر بهم حقيقةً على ما عُرِفَ في موضعِه.
قوله: (وليس في الإيمانِ شكّ) أي: لا يصحُّ أن يُقال: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ، وهذا لأن هذا الكلامَ إنما يُلحَق فيما يُشكّ ثبوتُه في الحال، أو في معدومٍ على خطر الوجود، لا فيما هو ثابتٌ في الحال قطعاً (1).
(1) وعبارة الإمام نجم الدين النسفي رحمه الله تعالى في «عقائده»: «ولا ينبغي أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله»، وهي أدقّ من عبارة الشارح هنا: «ولا يصح»، قال العلامة المحقق سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى في «شرح العقائد النسفية» ص131: لأنه إن كان للشك فهو كفرٌ لا محالة، وإن كان للتأدب وإحالة الأمور إلى مشيئة الله تعالى، أو للشك في العاقبة والمآل لا في الآن والحال، او للتبرُّك بذكر الله تعالى، أو التبرِّي عن تزكية نفسه والإعجاب بحاله، فالأولى تركُه لِمَا أنه يوهم الشك، ولهذا قال: «لا ينبغي» دون أن يقول: «لا يجوز»، لأنه إذا لم يكن للشك فلا معنى لنفي الجواز، كيف وقد ذهب إليه كثير من السلف حتى الصحابة والتابعين.
الجزء 1 · صفحة 52
وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ (1). وهو قول الشافعي رحمه الله، واستدلَّ بأنَّا لا نَحمِلُ هذا على الشكِّ، بل على التبرُّك، كقوله تعالى: ?لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إنْ شَاءَ اللهُ? [الفتح: 27]، ولم يُرِدْ به الشكَّ لأنه مستحيلٌ على الله تعالى، بل هو للتبرُّك والتعليم، أو يُحمَل على الشكِّ في المآلِ لا في الحال، لأن الإيمانَ المُنتَفَعَ به هو الباقي عند الموت، وكلّ أحدٍ شاكّ في ذلك، فنسأل اللهَ إبقاءَهُ عليه في تلك الحالة (2).
(1) أخرج عبد الله بن أحمد في «السنة» (711) و (721) من طريق مغيرة الضَّبِّيِّ قال: قال رجلٌ لأبي وائل: سمعتَ ابنَ مسعود يقول: مَن شهد أنه مُؤمِنٌ فليَشهَد أنه في الجنَّة؟ قال: نعم. وذكر الإمام أحمد أنه يذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان، كما في «السنة» للخلال (149) و (1056).
(2) قال الإمام أبو المعين النسفي رحمه الله تعالى في «تبصرة الأدلة» 2: 816: والذي يدلُ على صحة ما ذهبنا إليه أن الله تعالى شهد بالإيمان لِمَن آمَنَ بالله ورسله بقوله تعالى: ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ? [البقرة: 285]، ومدح بقطعِ القولِ الذين قالوا: ?رَبَّنَا إنَّنا سَمِعْنَا مُنَادِيَاً يُنَادِيْ لِلإِيْمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا? [آل عمران: 193] الآية، ولم يأمرهم بالاستثناء، وإن لم يكن لهم بالعاقبة علمٌ، وأمر أيضاً بالقول بذلك من غير الاستثناء بقوله تعالى: ?قُوْلُوْا آمَنَّا? [البقرة: 136].
الجزء 1 · صفحة 53
والحقُّ أنَّ هذا الاختلافَ بنائيٌّ، لأنّ الأعمالَ لمَّا كانت من الإيمان عند الشافعي رحمه الله (1)، كان حصولُ الشكِّ في العملِ يقتضي الشكَّ في حصول الإيمان. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه رحمهم الله تعالى لمَّا كان الإيمانُ عبارةً عن التصديق، لم يكن الشكّ في العملِ موجِباً لوقوع الشكِّ في الإيمان.
[حكم مرتكب الكبيرة]
قوله: (والعاصون من أمةِ محمدٍ عليه السلام كلّهم مؤمنون) اختلف الناسُ في مُقتَرِفِ الكبيرة عَمداً غيرَ مُستَحِلّ لها ولا مُستَخِفٍّ بمَن نهى عنها، هل يبقى مؤمناً أو لا؟
(1) جَعلُ الأعمال جزءاً من ماهية الإيمان هو قول الخوارج ولا تصح نسبته إلى الشافعي رضي الله عنه، وإنما يرى الشافعي أنها من كمال الإيمان كما سيأتي قريباً، والصحيح أن الاختلاف في مسألة الاستثناء مبني على تأثير الخاتمة في الحكم بالسعادة والشقاوة في الحال، فمن يستثني في الإيمان جهلاً بخاتمته يرى أن السعيد من سيُختم له =
= بالإيمان، والشقي من سيُختَم له بالكفر، ومن لا يستثني يرى أن الحكم بالسعادة والشقاوة الآن غير مرتبط بالخاتمة، ولذا قال النسفي في «عقائده» بعد مسألة الاستثناء مباشرة: «والسعيد قد يشقى، والشقي قد يسعد، والتغيير يكون على السعادة والشقاوة دون الإسعاد والإشقاء، وهما من صفات الله تعالى، ولا تغيُّر على الله تعالى ولا على صفاته» وقد أشار شارحها العلامة التفتازني إلى ارتباط المسألتين ببعضهما.
الجزء 1 · صفحة 54
فذهب أهلُ السنة إلى أنه لا يخرج من الإيمان لبقاء التصديق، والعاصي إذا مات بغير توبةٍ فهو في مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وأدخَلَه الجنَّةَ بفضلِه وكَرَمِه، أو ببركةِ ما معه من الإيمان والطاعات، أو بشفاعةِ بعض الأخيار، وإن شاءَ عذَّبَه بقدرِ ذنبِه صغيرةً كان أو كبيرةً، ثمَّ عاقبةُ أمرِهِ الجنَّةُ، ولا يُخلَّد في النار (1).
وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يُسمَّى مرجئاً لتأخيره أمرَ صاحب الكبيرة إلى مشيئة الله تعالى، والإرجاءُ هو التأخيرُ، وكان يقول: إني لأرجو لصاحب الذنب الصغير والكبير، وأخافُ عليهما (2).
(1) قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على «الفقه الأكبر» ص72: وعدُّ مَن جعل مرتكبَ الكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه بها، من أهل الضلال، لا يكون إلا من المعتزلة أو الخوارج أو مَن سارَ سيرَهم وهو غيرُ شاعر.
(2) انظر في الكلام على إرجاء أبي حنيفة وأنه محضُ السُّنَّة «تأنيب الخطيب» للعلامة الكوثري ص62 وما بعدها، و «الرفع والتكميل» للعلامة اللكنوي ص352 ــ 373 مع تعليق العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عليه، وتدبَّر كلمة الذهبي في ترجمة مسعر بن كدام من «الميزان»: الإرجاءُ مذهبٌ لعدَّةٍ من جِلّة العُلماء لا ينبغي التحامُلُ على قائله.
أما الإرجاء البِدعيُّ المذموم فهو الاعتقاد بأنه لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ كما لا تنفعُ مع الكفر طاعةٌ، والإمام أبو حنيفة وأصحابه بريئون من هذا.
الجزء 1 · صفحة 55
وذهب الخوارجُ إلى أن مَن عصى صغيرةً أو كبيرةً فهو كافرٌ مخلَّدٌ في النار، لقوله تعالى: ?وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فيها? [النساء: 14]، والذنوبُ كلّها في تحقيق اسم العِصيان واحدةٌ، وقال تعالى: ?وَاتَّقُوا النَّارً التي أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ? [آل عمران: 131]، فلمَّا كانت للكافرين فكُلّ مَن أُوعِدَها فهو كافرٌ، فثبتَ بمجموع الآيتَين أن العاصي كافرٌ، وحُكمُه الخلودُ في النار.
وقالت المعتزلةُ: إن كانت المعصيةُ كبيرةً فاسمُ مُقترفِها الفاسقُ لا المؤمن ولا الكافر، فيخرجُ بها عن الإيمان ولا يدخلُ في الكفر، فيكون له منزلةٌ بين منزلتَين، لأن الناس اختلفوا في تسميته، فالسُّنيَّةُ قالوا: إنه مؤمنٌ بما معه من التصديق فاسقٌ بما اكتسب من الذنب. والخوارج قالوا: إنه كافرٌ وهو فاسقٌ، والحسنُ البصريُّ قال: إنه منافقٌ لمخالفةِ فِعلِه قولَه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ من علاماتِ النِّفاق: إذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا وعدَ أخلَفَ، وإذا حدَّثَ كذبَ» (1)، وهو فاسق، فاتَّفق الكلّ على إطلاق اسم الفاسق، واختلفوا فيما وراء ذلك، فأخذنا بالمتَّفَقِ عليه، وتركنا المُختَلَفَ فيه، وحكمُه أنه يُخلَّدُ في النار إن مات بغير توبةٍ، لقوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤمِنَاً مُتَعَمِّدَاً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدَاً فِيهَا? [النساء: 39].
(1) أخرجه البخاري (33) و (2682) و (3749) و (6095)، ومسلم (59)، والترمذي (2631)، والنسائي 8: 116 (5021) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وأخرجه النسائي 8: 117 (5023) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري (34) و (2459) و (3178)، ومسلم (58)، وأبو داود (4688)، والترمذي (2633)، والنسائي 8: 116 (5020) من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: «أربع مَن كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً ... » وزاد: «وإذا خاصَمَ فَجَرَ».
الجزء 1 · صفحة 56
وإن كانت المعصيةُ صغيرةً واجتنبَ الكبائرَ لا يجوز التعذيبُ عليها، لقوله تعالى: ?إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمَاً? [النساء: 31].
والصحيحُ ما ذهبَ إليه أصحابُنا أهلُ السُّنَّة، لقوله تعالى: ?يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى? [البقرة: 178]، فسمَّى قاتلَ النفسِ عَمداً مؤمناً مع أنه كبيرة، وأبقى الأُخُوَّةَ الثابتةَ بالإيمان بقوله: ?فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ? [البقرة: 178]، وما أخرج من استئهال التخفيف والرحمة بقوله: ?ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ? [البقرة: 178]، والاستدلالُ بهذه الوجوه مرويٌّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
ولأن الله تعالى قال: ?يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحَاً عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ? [التحريم: 8]، وقال: ?وَتُوْبُوا إلى الله جَمِيعَاً? [النور: 31]، والأمرُ بالتوبةِ لِمَن لا ذنبَ له محالٌ، والصغائرُ مع اجتناب الكبائر مغفورةٌ عندهم، فدلّ أنها في أصحاب الكبائر.
الجزء 1 · صفحة 57
ولأن الإيمانَ هو التصديقُ، والكفرَ هو التكذيبُ، ومَن ارتكبَ كبيرةً كان التصديقُ معه باقياً، وما دام التصديقُ موجوداً كان التكذيبُ معدوماً لتضادِّهما، فبطلَ القولُ بكفرِه والتكذيبُ معدومٌ، أو بزوالِ الإيمان والتصديقُ موجودٌ، أو بثبوتِ النِّفاق والتصديقُ في القلب باقٍ، ولأنَّ الفِسقَ في اللغة الخروجُ، فمَن خرجَ عن ائتمارِ أمرٍ من أوامر الله تعالى يكون فاسقاً، والعِصيانُ مخالفةُ الأمرِ فِعلاً لا جُحوداً وتكذيباً، وليس من ضرورةِ مخالفة الأمر والخروجِ عن الائتمار التكذيبُ، فكان التصديقُ باقياً، فكان مؤمناً ضرورةً، والأخذُ بالمُتَّفق عليه وتَرْكُ المختلف فيه (1) خروجٌ عن جميع أقاويل السلف فكان باطلاً.
وإذا ثبت بقاءُ الإيمان فنقول: إنه يدخل الجنَّةَ لا محالةَ لقوله تعالى: ?إنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً? [الكهف: 107]، وصاحبُ الكبيرة مؤمنٌ وقد عَمِلَ الصالحات.
والجواب عمَّا تمسَّكوا به أنَّ الأصلَ عندنا أنَّ ما وردَ من الآيات في الوعيد مقروناً بذِكرِ الخلود فهو في المُستَحلِّين لذلك، لِمَا أنهم كفروا باستِحلالِهم ذلك فأُوعِدوا على كُفرِهم في الحقيقة. وقد قيل في قوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّدَاً? [النساء: 39] أي: متعمِّداً لإيمانه، أي: قصَدَ قتلَه لأجل أنه مُؤمِنٌ، ومَن هذا قَصْدُه يكون كافراً، فأما مَن لم يقصِد لإيمانه فحكمُه ما مرَّ في قوله تعالى: ?يَا أيُّهَا الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ في القَتْلَى? [البقرة: 178].
[العمل ليس جزءاً من الإيمان]
(1) تحرَّف في (ج) و (ب) إلى: «والأخذ بالمختلف فيه وترك المتفق عليه».
الجزء 1 · صفحة 58
قال: (العَمَلُ غيرُ الإيمانِ، والإيمانُ غيرُ العملِ، بدليلِ أنَّ كثيراً من الأوقاتِ يَرتَفِعُ العملُ عن المُؤمِنِ، ولا يجوزُ أن يُقال: ارتَفَعَ عنه الإيمانُ، فإنَّ الحائِضَ رَفَعَ (1) اللهُ سبحانه وتعالى عنها الصَّلاةَ، ولا يجوزُ أن يُقال: رفَعَ عنها الإيمانَ وأمَرَها بتَرْكِ الإيمانِ، وقد قالَ لها الشَّارعُ: دَعِي الصَّومَ ثمَّ اقضِيهِ، ولا يجوزُ أن يُقال: دَعِي الإيمانَ ثمَّ اقضِيهِ، ويجوزُ أن يُقال: ليس على الفقير الزكاة، ولا يجوزُ أن يُقال: ليس على الفقير الإيمانُ. وتقديرُ الخيرِ والشرِّ كلِّه من اللهِ تعالى؛ لأنه لو زعمَ أحدٌ أنَّ تقديرَ الخيرِ والشَّرِّ مِن غيرِه لصارَ كافراً بالله تعالى وبَطَلَ توحيدُهُ)
أقول: اختلف العلماءُ في أن الأعمال هل هي من الإيمان أم لا؟ فنفى ذلك الإمامُ رحمه الله، وذهب إليه أهلُ الحديث، ويُحكى ذلك عن مالكٍ والشافعيِّ والأوزاعيِّ وأهلِ الظاهر وأحمدَ بنِ حنبلٍ رحمهم الله، فإنهم قالوا: الإيمانُ هو التصديقُ بالجَنانِ والإقرارُ باللسانِ والعملُ بالأركانِ. ونُقِلَ أن المعتزلة جعلوا الإيمانَ اسماً للتصديقِ بالله وبرسوله وللكَفِّ عن المعاصي.
(1) في نسخ (ص) و (ف) و (ج) و (ز): «يرفع»، والمثبت من «الطبقات السنية» و (ب)، وهو الأحسن والأجود.
الجزء 1 · صفحة 59
ثم القائلون بأن الأعمالَ داخلةٌ تحت اسم الإيمان اختلفوا: فقال الشافعيُّ رحمه الله: الفِسقُ لا يُخرِجُ عن الإيمان، وهذا في غاية الصعوبة، لأنه إذا كان اسماً لمجموعِ أمورٍ فعند فَوَاتِ بعضِها يفوتُ ذلك المجموعُ، إذ المجموعُ ينتفي بانتفاءِ جُزئِهِ، فوجبَ أن ينتفيَ الإيمانُ (1).
وأما المعتزلة فأصلُهم مطَّرِدٌ لأنهم قالوا: إن الفاسقَ يخرجُ من الإيمان ولا يدخلُ في الكفر كما تقدَّم، وتشبَّثوا على مدَّعاهم بقوله تعالى: ?وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيْمَانَكُمْ? [البقرة: 143]، ووجهُ الاستدلال أنه لو لم يكن العملُ من مفهوم الإيمان لم يكن العملُ نفسَ مدلولِ الإيمان ولا جزءَ مدلولِهِ ولا لازِمَ مدلولِهِ، فلم يصحَّ إطلاقُ الإيمان عليه، لكن أطلَقَ اللهُ الإيمانَ عليه بقوله: ?وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيْمَانَكُمْ? [البقرة: 143] أي: صلاتَكم إلى بيت المَقدِسِ بالنَّقلِ عن المفسِّرين، فيكونُ العملُ إيماناً.
(1) لم يقل الشافعي رضي الله عنه بأن العملَ جزءٌ من ماهية الإيمان حتى يُلزَم بهذا، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في «فتح الباري» 1: 46: السلفُ قالوا: الإيمانُ اعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللسان وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك أنّ الأعمالَ شرطٌ في كماله. وقال العلامة علي القاري رحمه الله في «شرح بدء الأمالي» ص32 بعد أن نقل عن مالك والشافعي والأوزاعي أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، قال: والظاهر ــ كما قال بعضُ المحقِّقين ــ أن مُرادهم أنها داخلةٌ في الإيمان الكامل، لا أنه ينتفي الإيمان بانتفائها كما هو مذهب المعتزلة والخوارج.
قلنا: فاعتراض المصنف متَّجهٌ على الخوارج وعلى بعض أهل الحديث ممن لا عناية لهم بالفقه الذين يقولون بأن العمل جزءٌ من حقيقة الإيمان لا من كماله فحسب، ويُسمُّون مَن يقول بأن العمل ليس ركناً من الإيمان مُرجئاً.
الجزء 1 · صفحة 60
والجواب: أنّا لا نُسلِّمُ أنه أطلق الإيمانَ على الصَّلاة، بل معناه التصديقُ أيضاً، أي: ما كان اللهُ لِيُضيعَ إيمانَكم بالصَّلاة إلى بيت المَقدِسِ، فلم يُطلِقِ الإيمانَ على العمل.
وأيضاً هذا الدليلُ مقلوبٌ بأن يُقال: لو كان العملُ جزءَ مفهومِ الإيمان لم يصحَّ إطلاقُ الإيمان عليه، وقد أُطلِقَ. لا يُقال: لا نُسلِّمُ أنه لو كان العملُ جزءَ مفهومِ الإيمان لم يصحَّ إطلاقُه عليه، فإنه يصحُّ إطلاقُ اسمِ الكلّ على الجزء مجازاً، لأنا نقول حينئذ يكون حَمْلُ الإيمان على الصلاة وحدها بطريق المجاز، والأصلُ عدمُه، فالترجيحُ معنا لِمَا فيه من مراعاة معنى اللغة، لأنه في اللغة التصديقُ لا العبادةُ.
ولنا أن الأعمال عُطِفَت على الإيمان في غير موضعٍ، قال الله تعالى: ?الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ? [البقرة: 3]، وقال تعالى: ?إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ? [البقرة: 277]، وأمثالهما كثيرة، والمعطوفُ يُغايرُ المعطوفَ عليه.
فإن قيل: العملُ جزءٌ لمفهوم الإيمان، والجزءُ مغايرٌ للكلِّ، فلا يلزمُ من عطفِ العمل على الإيمان خروجُ العمل عن مفهوم الإيمان.
الجزء 1 · صفحة 61
أجيب: بأنا لا نُسلِّمُ أن الجزء مغايرٌ للكلّ، فلو سُلّم فلو لم يكن (1) العملُ خارجاً عن الإيمان لَزِمَ تكرارٌ بلا فائدة، ولأنه شرطٌ لصحَّةِ الأعمال، قال الله تعالى: ?وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ? [طه: 112]، والشرطُ يُغايرُ المشروطَ، وقد خاطبَ اللهُ تعالى باسم الإيمان ثمَّ أوجَبَ الأعمالَ فقال: ?يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُم? [البقرة: 178 و183]، وذا دليلُ التغايُرِ وقَصْرِ اسمِ الإيمان على التصديق، ولهذا فَزِعَ أعداءُ الله لَمَّا عايَنُوا العذابَ إلى التصديق دون غيره من الأعمال، نحو قول الله تعالى حكايةً عن فرعون حين أدرَكَهُ الغَرَقُ: ?آمَنْتُ أنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا الذي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ? [يونس:90]، وعن قوم يونُسَ: ?آمَنَّا باللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ? [غافر: 84].
وقد استدلَّ الإمامُ رحمه الله تعالى في المتن بجواز ارتفاعِ الأعمال عن المؤمن كارتفاع الصلاةِ عن الحائض والصومِ عنها، وسقوطِ الزكاة والحجِّ عن الفقير، والصلاةِ عن المريضِ العاجِزِ عن الإيماءِ، مع عدم ارتفاعِ الإيمان عنهم، فلو كان العملُ إيماناً لم يكن الفقراءُ كلُّهم مؤمنين، وهذا خَلْفٌ من القول.
(1) في (ص) و (ج) و (ب): «أجيب بأنه لو لم يكن ... »، والمثبت من (ف).
الجزء 1 · صفحة 62
(واعلم أن تقدير الخير والشرِّ كلِّه من الله تعالى) لأنه خالقُ جميع المُمكِنات، ومِن جُملَتِهِ الشرُّ، فيكونُ خالقاً له أيضاً، فمَن زعمَ أن الشرَّ لا يكونُ من الله تعالى يكونُ كافراً لإشراكه بالله تعالى، ولهذا قال الإمام رحمه الله تعالى: (لأنه لو زعمَ أحدٌ أن تقديرَ الخيرِ والشرِّ من عنده لصارَ كافراً بالله تعالى وبَطَلَ توحيدُه) وكيف ذلك وقد قال الله تعالى:?إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ? [القمر: 49]، وقال تعالى: ?قُلْ كُلّ مِن عِنْدِ الله? [النساء: 78]، وقال النبيُّ عليه السلام: «القَدَرُ خَيرُه وشَرُّه مِنَ الله تعالى» (1) وهو حديثٌ مشهورٌ، وتمامُ البحث في هذا يجيءُ مستوفىً في الفصل الذي يليه إن شاء اللهُ تعالى.
[الأعمال فرائض وفضائل ومعاصٍ]
قال: (والثاني: نُقِرُّ بأنَّ الأعمالَ ثلاثةٌ: فريضةٌ وفضيلةٌ ومعصيةٌ (2)).
(1) أخرجه الإمام أبو حنيفة في «الفقه الأبسط» ص42 عن علقمة بن مرثد، عن يحيى بن يَعمَرَ، عن ابن عمر، ضمن حديث مطوَّل بقصة قدوم جبريل في صورة أعرابي. وهذا إسناد صحيح. وأصله في «صحيح مسلم» (8) من حديث عمر رضي الله عنه.
وأخرجه أبونعيم في «مسند أبي حنيفة» ص152من طرق عن الإمام، به. ... =
= وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (13581) من طريق عطاء، عن ابن عمر.
وقد تابَعَ الشارحُ في القول بشُهرة هذا الحديث الإمامَ النسفيَّ في «تبصرة الأدلة» 2: 717، والظاهر أنهما إنما أرادا شُهرة معناه.
(2) ذِكرُ الإمام رضي الله عنه لهذه الأحكام الشرعية، مع أن كلامه في العقائد ليس ذكراً أصيلاً، وإنما هو تمهيدٌ ومقدمةٌ لبيان تعلقات مشيئته تعالى بها، وهذا لا يُعاب في العلوم، كما أنه سيذكر في آخر هذا المتن بعضَ القضايا الفقهية لا بالنظر إليها من جهة كونها أعمالاً، وإنما من جهة طريق ثبوتها.
الجزء 1 · صفحة 63
أقول: أراد بالأعمال ما يتعلّقُ بالآخرة يُثابُ به أو يُعاقَبُ عليه، وإلا فالأعمال ليست مُنحصِرةً في ثلاثة.
والفريضةُ مشتقَّةٌ من الفَرْضِ، وهو القَطعُ والتقديرُ، قال الله تعالى: ?سُوْرَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا? [النور: 1] أي: قدّرنا وقطعنا الأحكام فيها، وكلّ ما ثبتَ بدليلٍ قطعيٍّ لا شُبهةَ فيه يُسمَّى فَرْضاً وفريضةً، لأنه مقطوعٌ علينا، فيكفرُ جاحِدُه ويفسقُ تارِكُه.
والفضيلةُ من الفَضْلِ، وهو الزيادة، والمرادُ به السُّنَن والنوافل، والسُّنَّةُ نوعان: سنَّةُ الهُدى وتاركُها يستوجِبُ إساءةً، كالجماعة والأذان. وزوائدُ وتاركُها لا يستوجِبُ إساءةً، كسِيَرِ النبيِّ عليه السلام في لباسه وقيامه وقعوده.
والنَّفْلُ: ما يُثابُ على فِعلِه ولا يُعاقبُ على تَرْكِه.
فإن قيل: هذا التقسيمُ يُنبِئُ أنَّ المشروعاتِ عند الإمام أيضاً ثلاثةٌ، كما هي عند الشافعيِّ، لأنه ما ذكرَ الواجِبَ. أجيب: بأنه يُمكِنُ أن يكونَ الواجبُ داخلاً تحت الفريضة، لأنه فرضٌ عندَه عَمَلاً (1).
والمعصيةُ: فِعلٌ قبيحٌ مَنهيٌّ عنه يُعاقَبُ بإتيانه.
(1) قال العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى في «كشف الستر عن فرضية الوتر» ص5: والفرض على نوعين: فرضٌ عَمَليٌّ، وفرضٌ اعتقاديٌّ. والفرضُ العمليُّ لا يكفر جاحدُه، والفرضُ الاعتقاديُّ يكفر جاحدُه. ومعنى كونه فرضاً عَمَلياً أنه من جهة العمل فقط محكومٌ عليه بأنه فرضٌ لا من جهة الاعتقاد.
الجزء 1 · صفحة 64
قال: (فالفريضةُ بأمرِ الله ومشيئتِه ومحبَّتِه ورِضاه وقضائِه وقَدَرِه وتخليقِه وحُكمِه وعِلمِه وتوفيقِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ (1)، والفضيلةُ ليست بأمرِ الله تعالى، ولكن بمشيئتِه ومحبَّتِه ورضاه وقضائِه وقَدَرِه وحُكمِه وعِلمِه وتوفيقِه وتخليقِه وكتابتِه (2) في اللوح المحفوظ (3)).
أقول: اتفقَ المسلمون على أن الفرضَ إنما هو بأمرِ الله تعالى، لكنهم اختلفوا في مدلول الأمر، فذهبت المعتزلةُ إلى أن مدلولَ الأمرِ هو الإرادةُ، فكلّ ما أمرَ اللهُ به أرادَ وجودَه، وكلّ ما لم يُرِدْ لم يأمُرْ به.
وذهب أهلُ السنَّة إلى أن الأمرَ قد يَنفَكّ عن الإرادة، كالحاكم إذا قَتَلَ ابنُه رجلاً عَمداً فإنه يأمُرُ بقَتلِه ولا يكون مُريداً له، والمُنازِعُ مكابِرٌ مُقتضى الوجدان.
وعرَّفوه (4) بأنه قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: افعَلْ.
(1) سقطت من «الطبقات السنية» الألفاظ: ومحبته وقضائه وحكمه وعلمه وتوفيقه.
(2) سقطت من «الطبقات السنية» الألفاظ: وقضائه ورضاه حكمه وعلمه وتوفيقه.
(3) زاد في (ز) بعد هذا: وإلا لكانت فريضةً، لكنها بمشيئتِه ومحبَّتِه ورضاه وقدرِه وقضائِه وحكمِه وعلمِه وتوفيقِه بإعطاء سلامةِ الأسبابِ والاستطاعةِ المقارِنةِ وتخليقِه أي تكوينِه، لأن الله خالِقُ أفعال العباد كما سيجيء البحث في ذلك، وكتابتِه في اللوح المحفوظ. وستأتي هذه الفقرة في الشرح قريباً، وكونُها من الشرح لا من المتن ظاهرٌ.
(4) أي: الأمر.
الجزء 1 · صفحة 65
والمشيئةُ والإرادةُ واحدةٌ عند المتكلِّمين خلا الكرَّاميَّة (1) فإنهم قالوا: المشيئةُ: صفةٌ أزليَّةٌ واحدةٌ لله تعالى، وإرادتُه حادثةٌ في ذاتِه متعدِّدةٌ على عَدَدِ المُرادات، يُحدِثُ كلَّ إرادةٍ منها قبلَ حدوثِ ما هو المرادُ بها، ثم يُعقِبُها حدوثَ ما هو المرادُ بها، وهو باطلٌ، لأن الإرادة لو حدثت في ذات الباري لكان محلَّاً للحوادث، وهو يؤدِّي إلى القول بحدوث الباري، وهو باطلٌ بالاتفاق.
وذهبت المعتزلةُ إلى أن إرادتَه قائمةٌ بذاتها حادثةٌ لا في محلّ، وهو محالٌ، لأن وجودَ كلّ مُحدَثٍ موقوفٌ على تعلّقِ الإرادة به، فلو كانت الإرادةُ مُحدَثةً احتاجت إلى إرادةٍ أخرى ولَزِمَ التَّسلسُلُ. وأيضاً فإن الإرادةَ الحادثةَ صفةٌ، وقيامُ الصفة بنفسها غيرُ معقول.
وفسَّرَها الكَعْبيُّ (2) بأنه إذا وُصِفَ الله تعالى بالإرادة، فإنْ كانَ ذلك فِعْلَه فمعناه أنه فَعَلَ وهو غيرُ سَاهٍ ولا مُكرَهٍ ولا مُضْطَرٍ، وإن كان فِعْلَ غيرِ الله فمعناه أنه أمَرَ به. وهو مبنيٌّ على أن الإرادةَ مدلولُ الأمرِ، وقد مرَّ بطلانُه.
(1) في (ج) و (ب): «خلافاً للكرامية»، والمثبت من (ص) و (ف).
(2) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكَعبي (ت319)، وإليه تُنسَب الكَعبيَّة، قال الأستاذ عبد القاهر البغدادي في «الفرق بين الفِرَق» ص181: كان حاطِبَ ليلٍ، يدَّعي في أنواع العلوم على الخصوص والعموم، ولم يَحظَ في شيءٍ منها بأسراره، ولم يُحِط بظاهره فضلاً عن باطنه.
الجزء 1 · صفحة 66
وقال النجَّارُ (1): إنه غيرُ مغلوبٍ ولا مُستَكرَهٍ. وهو فاسدٌ، لأن الجمادَ غيرُ مغلوبٍ ولا مستكرَهٍ، مع أنه ليس بمُريد.
وعندنا هي صفةٌ توجِبُ تخصيصَ المفعولاتِ بوجهٍ دون وجهٍ ووقتٍ دون وقتٍ. إذ لولا الإرادة لوقعت المفعولاتُ كلّها في وقتٍ على صفةٍ واحدةٍ، لا سيَّما عند تجانُسِ المفعولات، ولَمَا كان وقتٌ لوجودِه أولى من وقتٍ، ولا كيفيَّةٌ ولا كميَّةٌ أولى مما سواهما، فإذا خَرَجَت على الترتيب والتوالي على حسب ما تقتضيه الحكمةُ البالغةُ كان ذلك دليلاً على اتِّصافِ الفاعل بالإرادة، قال الله تعالى: ?وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ? [إبراهيم: 37]، وقال: ?يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ? [المائدة: 1]، وقال: ?يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ? [البقرة: 185]، فيَبطُلُ به قولُ مُنكِرِها.
والرِّضا من الله: هو إرادةُ الثوابِ على الفِعل ِأو تَرْكُ الاعتراض. والمحبَّةُ قريبٌ منه.
والقضاءُ: عبارةٌ عن وجودِ جميعِ المخلوقات في الكتاب المبين واللوح المحفوظ مُجتمعةً ومُجمَلةً على سبيل الابتداع.
(1) هو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله النجَّار، من متكلمي المُجبِرة، وإليه تُنسَب النجَّارية، وهي فرقة وافقت المعتزلةَ في أصول، وأهلَ السنة في أصول، وانفردت بأصول، وهم فرق. انظر «الفرق بين الفِرَق» لعبد القاهر البغدادي ص 207 ــ 209.
الجزء 1 · صفحة 67
والقَدَرُ: عبارةٌ عن وجودها منزَّلةً في الأعيان بعدَ حصولِ شرائطِها مفصَّلةً واحداً بعد واحدٍ على سنن القضاء. وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ?وإنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ? [الحجر: 21] (1).
والتخليقُ: هو التكوينُ، وهو عندنا صفةٌ غيرُ القدرة، خلافاً للأشعريَّة (2)
(1) هذا قول السادة الماتريدية، وأما السادة الأشاعرة فالقدرُ عندهم: إيجادُ الله تعالى الأشياءَ على قدرٍ مخصوصٍ ووجهٍ معيَّنٍ أراده تعالى. فيرجع عندهم لصفة فعل، لأنه عبارة عن الإيجاد، وهو من صفات الأفعال. والقضاءُ عندهم: إرادةُ الله الأشياءَ في الأزل على ما هي عليه فيما لا يزال، فهو من صفات الذات عندهم. فالقدرُ حادثٌ والقضاءُ قديمٌ عند الأشاعرة. وانظر «تحفة المريد» للعلامة الباجوري 2: 17، ط مصر.
(2) صفة التكوين عند الماتريدية صفة حقيقية كالعلم والقدرة والإرادة، وعند الأشاعرة هي تعلقات صفة القدرة، قال التفتازاني في «شرح العقائد النسفية» ص90 في توضيح مذهبهم: الإيجادُ أمرٌ اعتباريٌّ يحصل في العقل من نسبة الفاعل إلى المفعول. اهـ.
وذكر العلامة ابن الهمام في «المسايرة» ص88 ــ 93 أن صفة التكوين قال بها الحنفية من عهد الماتريدي، وشكَّك في نسبة القول بها إلى أبي حنيفة وأصحابه، بل رأى أن في كلام أبي حنيفة ما يؤيد مذهب الأشاعرة، وناقشه في ذلك مناقشة علمية هادئة العلامة قاسم ابن قُطلُوبُغا في حاشيته على «المسايرة»، فراجع كلامهما ففيه فوائد جمة.
الجزء 1 · صفحة 68
، وقد استخرَجَه علماءُنا من قوله تعالى: ?إنَّما قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أنْ نَقُوْلَ لَهْ كُنْ فَيَكُوْنُ? [النحل: 40]، والحاصِلُ من مفهومه أن القدرةَ نِسبَتُها إلى جانب الوجودِ والعَدَمِ سواءٌ (1)، والتكوينُ إنما هو باعتبار النَّظَر إلى جانب الوجود.
وحُكمُه وعِلمُه وتوفيقُه كلّها صفاتٌ أزليَّةٌ ثابتةٌ لذاته تعالى وتقدَّسَ، والفريضةُ مستلزِمةٌ لها كلِّها.
والفضيلةُ ليست بأمرِ الله (2)، وإلا لكانت فريضةً، لكنها بمشيئتِه ومحبَّتِه ورضائِه وقضائِه وقدرِه وحكمِه وعلمِه وتوفيقِه بإعطاء سلامةِ الأسبابِ والاستطاعةِ المقارِنةِ وتخليقِه أي تكوينِه، لأن الله تعالى خالِقُ أفعال العباد كما سيجيء البحث في ذلك، وكتابتِه في اللوح المحفوظ.
قال: (والمعصيةُ ليست بأمْرِ اللهِ ولكنْ بمشيئتِه لا بمحبَّتِه، وبقضائِه لا برِضاه، وبتقديرِه لا بتوفيقِه، وبخُذلانِه وعِلمِه وكتابتِه في اللوح المحفوظ).
أقول: اختلفوا في أن المعصية هل هي بإرادة الله تعالى أو لا؟ فذهب أهلُ السُّنَّة إلى الأول، والمعتزلةُ إلى الثاني، ثم اختلفوا في المباحات، فمنهم مَن زَعَمَ أنه تعالى مريدٌ لها، ومنم مَن زعمَ أنه تعالى غيرُ مريدٍ لها، والحاصل أنَّ عند المعتزلة: كلّ ما أمرَ اللهُ تعالى به أرادَ وجودَه وإن علمَ أنه لا يُوجَد، وكلّ ما نهى عنه كَرِهَ وجودَه وأرادَ أن لا يُوجَد وإن علمَ أنه يوجد.
(1) صحيح أن نسبتها إلى الوجود والعدم على السواء، ولكن بالإرادة يتخصَّص أحد الجانبين ويترجَّح على الآخر.
(2) أي: على سبيل الوجوب، بل هي بأمر الله تعالى على سبيل الندب. اهـ من حاشية النسخة (ب).
الجزء 1 · صفحة 69
وعندنا كلّ ما عَلِمَ اللهُ تعالى أنه يوجَد أرادَ وجودَه، سواء أمرَ به أو لم يأمُرْ، وما عَلِمَ أنه لا يوجَدُ لم يُرِدْ وجودَه، سواء أمرَ به أو لم يأمُرْ، فاللهُ سبحانه أرادَ الكفرَ من الكافر كسباً له قبيحاً مذموماً، وكذا في غيره من المعاصي. وإليه ذهب الأشعري.
تمسَّك المعتزلة بقوله تعالى: ?وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمَاً لِلعِبَادِ? [غافر: 31]، فإنه نصٌّ في نفي إرادة الظلم، وعندكم هو مريدٌ للكلّ ظُلماً كان أو غيرَه، وبأنّ إرادةَ السَّفَه وما لا يرضى به والأمرَ بما لا يريدُ سَفَهٌ في الشاهد فكذا في الغائب.
ولنا قوله تعالى: ?فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقَاً حَرَجَاً? [الأنعام: 125]، أخبَرَ أنه يريدُ ضلالَ بعضٍ ويجعلُ ما به يحصُلُ ضلالُه، وهو ضيق القلب. وقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ?وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ? [هود: 34]، فإنه نصٌّ في إرادة الإغواء. وقوله تعالى: ?وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا? [الأنعام: 107]، ?وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعَاً? [يونس: 99]، فعندهم اللهُ شاءَ عدمَ شِركِهم ومع ذلك أشركوا، وشاء إيمانَ مَن في الأرض وما آمنوا، وهو تكذيبٌ لله تعالى في خَبَرِه، وهو كفرٌ.
الجزء 1 · صفحة 70
والجواب عما تمسَّكوا به من الآية أن أهلَ اللغة قالوا: إذا قيل: لا أريدُ ظُلمَك، فمعناه: لا أريدُ أن تُظلَمَ أنت من غير تعيين الفاعل، وإذا قيل: لا أريدُ ظُلماً لك، فمعناه لا أريد أن أظلِمَك، ونحن نقول: لا يريد اللهُ أن يظلمَ أحداً، فهذا اللفظ وإن احتمل المعنيين، فنحن نعيِّنُ أحدَهما، وهو أن المراد: لا أريدُ أن أظلِمَك، بما مرَّ من الدلائل، فيكون معنى الآية: وما اللهُ يريدُ أن يظلمَ عبادَه فيُعذِّبَهم بغير ذنبٍ، أو يزيدَ على قدرِ ما يستحقُّون من العذاب.
وعن المعقول أن إرادة السَّفَه وما لا يرضى به حكمةٌ إذا تعلَّقت به حميدةٌ، وهي تحقيقُ ما عَلِمَ على ما عَلِمَ، والأمرُ بما لا يريدُ ليتحقَّقَ به عِلمُه، وهو واقعٌ، فإن إبراهيم عليه السلام أُمِرَ بذَبْحِ الولدِ بدليل: ?يَا أبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَر? [الصافات: 102]، وإرادةُ الله تعالى أنْ لا يُوجَدَ ذبحُ ولدِه، بل ذبحُ الكبشِ. على أن السَّفَهَ عند الأشعريِّ ما نُهِيَ عنه، ولا نهيَ لأحدٍ على الله تعالى، فلا يُتصوَّرُ في فِعلِه السَّفَه.
روي أن جماعةً من القدريَّة دخلوا على أبي حنيفة رحمه الله تعالى شاهِرِين سُيوفَهم، فقالوا: أنت الذي يقول: إن اللهَ تعالى شاءَ الكُفرَ من عباده، ثم يُعاقبُهم على ذلك؟ فقال رحمه الله تعالى: أتُحارِبونَ بسيوفكم أم تُناظِرون بعقولكم؟ فقالوا: نُناظِرُ بعقولنا، وغَمَدُوا سيوفَهم، فقال: أخْبِرُوني، هل عَلِمَ اللهُ في الأزل ما يوجَدُ من هؤلاء أم لا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا عَلِمَ اللهُ منهم الكفرَ، فهل شاءَ أن يُحقِّقَ عِلمُه كما عَلِمَ أم شاءَ أن يصيرَ علمُه جَهلاً. فعرفوا صحَّةَ كلامِه وبُطلانَ مذهبِهم، فرجعوا عن ذلك وتابوا.
فإن قيل: لو كان الكُفرُ مُراداً لَوَجَبَ الرِّضا به، والرِّضا بالكُفرِ كُفرٌ، وأيضاً لو كان الكُفرُ مُراداً لكان الكافرُ مُطيعاً بكُفرِه، لأن الطاعةَ تحصيلُ مُرادِ المُطاع.
الجزء 1 · صفحة 71
فالجواب عن الأول: أن الرِّضا بالكفر من حيثُ هو قضاءُ الله طاعةٌ، والرِّضا بالكفر من هذه الحيثيَّة ليس بكفرٍ.
وعن الثاني: أن الطاعةَ موافَقَةُ الأمر، والأمرُ غيرُ الإرادة، فالطاعةُ تحصيلُ المأمور به لا تحصيلُ المراد.
قيل في بيان كيفيَّة وقوع الشرِّ في قضائه تعالى أن الأمورَ الممكنةَ في الوجود، منها أمورٌ يجوز أن يتعرَّى وجودُها عن الشرِّ أصلاً كالملائكة، ومنها أمورٌ لا يُمكِنُ أن تكون فاضلةً فضيلتَها اللائقةَ بها إلا وتكون بحيث يَعرِضُ منها شرٌّ عند ملاقاتها لِمَا يُخالِفُها، وذلك مثل النار، فإنها لا تفضلُ فضيلتها ولا تكمُلُ معاونتُها في تكميل الوجود، إلا أن تكونَ تؤذي وتُؤلِم ما يتَّفِقُ لها مُصادَمَتُه من أجسامٍ حيوانيَّةٍ، وتكون بحيث يَعرِضُ منها تفريقُ أجزاءِ بعضِ المركَّبات بالإحراق.
والأشياء باعتبار الشرِّ وعَدَمِه تنقسم إلى: ما لا شرَّ فيه، وإلى ما يغلبُ الخيرُ فيه على شرِّه ــ وهما قد ذكرناهما ــ، وإلى ما يكون شرَّاً على الإطلاق، وإلى ما يكون الشرُّ فيه غالباً، وإلى ما يتساوى فيه الخيرُ والشرُّ.
الجزء 1 · صفحة 72
وإذا كان الجودُ المحضُ الإلهيُّ مبدأً لفيضان الوجود الخيريّ الصواب، كان وجود القسم الأول واجباً فيضانُه، مثل وجود الجواهر العقلية، وكذا القسم الثاني يجب فيضانُه، فإنّ تركَ الخيرِ الكثير تحرُّزاً من شرٍّ قليلٍ شرٌّ كثيرٌ، وذلك مثل النار والأجسام الحيوانيَّة، فإنه لا يمكنُ أن تكون لها فضيلتُها إلا أن تكون بحيث يمكن أن تتأدَّى أحولها في حركاتها وسَكَناتها إلى اجتماعاتٍ ومصادماتٍ مؤذيةٍ، وأن تتأدِّى أحوالها وأحوال الأمور التي في العالم إلى أن يقعَ لها خطأُ عقدٍ ضارّ في المعاد أو في الحق أو فرطِ هيجانٍ غالبٍ عاجلٍ من شهوةٍ أو غضبٍ ضارٍّ في أمر المعاد، وتكون القوى المذكورة لا تغني غناها، إلا أن تكون بحيث لها عند التلاقي مثلُ هذه الأشياء، ويكون ذلك (1) في أشخاصٍ أقلَّ من أشخاص السالمين وأوقاتٍ أقلَّ من أوقات السلامة، ولأن هذا معلومٌ في العناية الأولى، فهو كالمقصود بالعَرَض، فالشرُّ داخلٌ في القدرة بالعَرَضِ، كأنه مرضيٌّ به بالعرض.
وفي الجملة الحاصِلُ في المذهب أن كلَّ حادثٍ كان بإرادة الله على أيِّ وصفٍ كان، إلا أن الطاعةَ بمشيئته وإرادتِه ورضاه ومحبَّتِه وأمرِه وقضائِه وقَدَرِه، والمعصيةَ بقضائِه وقدرتِه وإرادتِه ومشيئتِه، وليس بأمرِه ورضاه ومحبَّتِه، لأن محبَّتَه ورضاه يَرجِعان إلى كونِ الشيء مُستَحسناً، وذا يَليقُ بالطاعات دون المعاصي.
(1) قوله: «ويكون ذلك» متعلق بقوله: «فإن تركَ الخير الكثير تحرُّزاً من شرٍّ قليلٍ شرٌّ كثيرٌ» بدليل أن التصادم للأجسام القليلة في أوقات قليلة. اهـ من حاشية النسخة (ب).
الجزء 1 · صفحة 73
وعند الأشعريّ المحبَّةُ والرِّضا بمعنى الإرادة، فيَعُمَّان كلَّ موجودٍ كالإرادة (1)، وأوَّلَ قولَه تعالى: ?ولَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ? [الزمر: 7] بعباده المؤمنين بدليل الإضافة إليه. والحق ما ذكرناه.
(1) قال إمام الحرمين رحمه الله هذا القول في «الإرشاد» ص239: ومن حقّق من أئمتنا لم يَكِع عن تهويل المعتزلة، وقال: المحبة بمعنى الإرادة وكذلك الرضا، والرب تعالى يحبُّ الكفرَ ويرضاه كفراً معاقباً عليه. اهـ. ونقل معناه عنه ابنُ الهمام في «المسايرة» ص138، وقال: ونقله بعضهم عن الأشعري، ثم قال: وهذا خلافُ كلمة أكثر أهل السنة، وهو وإن كان لا يَلزمُهم به ضررٌ في الاعتقاد، إذ كان مناطُ العقاب مخالفةَ النهي وإن كان متعلقه محبوباً كما يتضح لك، لكنه خلاف النصوص التي سُمعت مثل قوله تعالى: ?ولا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ ? [الزمر: 7]. اهـ.
ونقل ابنُ فورك في «مجرد مقالات الأشعري» ص69 عن الأشعري قوله: للإرادة =
= أسماء وأوصاف، منها القصد والاختيار، ومنها الرضا والمحبة، ومنها الغضب والسخط، ومنها الرحمة، وكل ذلك مما يجري على الله عز وجل ويُوصَف به. اهـ.
وعلى هذا فإن الأشعري يعتبر أن الرضا والمحبة من أسماء الإرادة، وليس فيهما معنى زائدٌ على الإرادة، فالمحبة ليست شيئاً غير الإرادة، فمعنى قول إمام الحرمين: «إن الله يحبُّ الكفر» أي يريد وقوعه من الكافر فيخلقه له.
ولا يُعارض هذا قول الأشعري في «رسالة أهل الثغر» ص231: إن رضاه تعالى عن عباده الطائعين هو إرادته لنعيمهم، لأنه إذا أطلق المحبة والرضا على الفعل عنى بهما إرادة الوقوع، وإذا أطلقهما على الفاعل عنى بهما إرادة الثواب. فهو يقول بأن الله سبحانه يحبُّ الكفر ــ بمعنى يريد وقوعه ــ، ولا يحبُّ الكافر ــ بمعنى أنه لا يريد إثابته على كفره.
الجزء 1 · صفحة 74
[الاستواء على العرش]
قال: (والثالث: نُقِرُّ بأن الله تعالى على العَرشِ استوى (1)، من غيرِ أن تكونَ له حاجةٌ واستقرارٌ عليه (2)، وهو حافِظُ العَرشِ وغيرِ العرشِ من غير احتياج، فلو كان مُحتاجاً لَمَا قَدَِرَ على إيجادِ العالَمِ وتدبيرِه كالمخلوقين، ولو كان محتاجاً إلى الجلوس والقرار فقبلَ خَلْقِ العرشِ أين كان الله؟ تعالى اللهُ عن ذلك علوَّاً كبيراً).
(1) زاد في «الطبقات السنية»: «أي استولى»، وليس في شيء من نسخ المتن أو الشرح، فهي زيادة مقحمة، على أن الشارح مال إلى هذا التأويل في آخر كلامه، فراجِعه.
(2) في (ص) و (ف) و (ج) من نسخ الشرح وفي (ز): «واستقرَّ عليه»، والمثبت من (ب) و «الطبقات السنية» ونسخة المتن المكية ونسخة المتن الأزهرية والطبعة الهندية لشرح ملا حسين على «الوصية»، وكذا نقلها عن «الوصية» العلامة الشيخ عبد الغني الميداني رحمه الله تعالى في «شرح العقيدة الطحاوية» ص74، ويُرجِّحُ ما أثبتنا قوله: «ولو كان محتاجاً إلى الجلوس والقرار ... »، على أن تقدير ما في نسخ الشرح المذكورة و (ز): «من غير أن تكونَ له حاجةٌ، ومن غير أن يكونَ استقرَّ عليه» ليُناسِبَ ما بعده.
الجزء 1 · صفحة 75
أقول: اعلم أن العالَمَ ــ وهو ما سوى الله تعالى ــ مُحدَثٌ، لأنه مُتغيِّرُ، وكلّ متغيِّرٍ حادثٌ، وحينئذ يستحيلُ أن يكونَ الباري تعالى وتقدَّسَ متمكِّناً في مكانٍ، لأن العراءَ عن المكان ثابتٌ في الأزل، إذ هو غيرُ المُتمكِّن، وقد تبيَّنَ أن ما سوى الله حادثٌ، فلو تمكَّنَ بعد خَلْقِ المكان لتغيَّرَ عمَّا كان عليه، ولَحَدَثَ فيه مماسَّة، والتغيُّرُ وقبولُ الحوادث من أمارات الحَدَث، وهو على القديم محالٌ (1)، وإلى هذا أشار بقوله: «فقبلَ خَلْقِ العرشِ أين كان اللهُ؟» (2)
(1) هذا الكلامُ أصلٌ من أصول الاعتقاد عند أهل السنة، وذلك لأن «ما ثبتَ قِدَمُه استحالَ عَدَمُه» والحدوثُ يستلزمُ العَدَمَ السابقَ واللاحقَ في الذات أو في الصفات، وهو محالٌ على الله تعالى.
(2) طرحُ هذا السؤال مهمٌّ لفهم مسألة التنزيه، لأنه ينقُلُ الإنسانَ من حالة التخيُّل التي تؤدي إلى التجسيم إلى حالة التعقّل التي تؤدي إلى التنزيه، فيتحصَّلُ له بإدراك هذه المسألة أن كلّ ما سوى الله حادثٌ، وهذا يستلزمُ أن الله كان ولم يكن معه شيء من هذا العالم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري (3192): «كان الله ولم يكن شيء غيره»، فإذا أدرَكَ هذه القضيَّةَ وأدرَكَ أن الإله لا يتغيَّر ــ لأن التغيُّر من صفات الحوادث، وبه استدل سيدنا إبراهيم عليه السلام على أن الكوكب والقمر والشمس ليست آلهة ــ، فوجبَ في العقل أن يبقى الإله على ما هو عليه قبلَ خَلقِ العالم، فيسهُلُ على المُعتَقِدِ بذلك أن يُدرِكَ تنزُّهَه سبحانه عن كل ما حدث بعد خلق العالم كالمكان والزمان والحدّ والجهة وغيرها، فإذا أردت أن تسلك طريق التنزيه فما عليك إلا أن تتعقّلَ هذه =
= القضيَّةَ، وإياك والتخيَّل فإنه أصل التجسيم.
وإذا لم تُرِد هذا التفصيل فقل: كان اللهُ ولا مكان ولا جهة، ولمَّا خلقهما لم يتغيَّر عليه شيء، لأنه سبحانه لا يَكتَسِبُ صفاتِه من خَلقِه، كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في «عقيدته» المشهورة: «ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يَزدَدْ بكونِهم ــ أي بوجودهم وحدوثهم ــ شيئاً لم يكن قبلهم من صفاته». والله الهادي.
الجزء 1 · صفحة 76
وذهبت المشبِّهةُ والمجسِّمةُ والكرَّاميَّةُ إلى أنه تعالى متمكِّنٌ على العرش، واحتجُّوا بقوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى? [طه: 5]، وبأنه موجودٌ قائمٌ بنفسه، والعالَمُ موجودٌ قائمٌ بنفسه، ولن يُعقَلَ القائمان بأنفسهما من غير أن يكون أحدهما في جهةٍ من صاحبه.
والجواب: أن الآية من المتشابهات (1)
(1) كلام الشارح رحمه الله يُشير إلى الطريقة في التعامُلِ مع النصوص المُتشابهة، ويُمكن أن يزداد الأمرُ تفصيلاً ووضوحاً بأمور:
الأول: أن النصوص المُتشابهة لا تَصلُحُ أن تُتَّخَذَ أصولاً ثم يُبنى عليها ما يُعارِض محكمات الأدلة النقلية وقواطع الأدلة العقلية، فلا يجوز أن يُتَشَبَّثَ بظواهرها من غير ردِّها إلى الأصول الثابتة بالقواطع العقلية والنقلية (النصوص المُحكَمة).
الثاني: أن النصوص المُتشابهة يجب أن تفهم على أساس التنزيه، لأن التنزيه مفهومٌ كليٌّ يدخلُ في فهم كلِّ نصٍّ من النصوص الشرعية، وليس مفهوماً جزئياً يتمُّ إدخالُه في بعض النصوص دون بعض، بل هو جزءٌ من ماهيَّة النصِّ الذي لا يصحُّ فهمُ النصِّ بدونه
الثالث: أن التنزيه مُقدَّمٌ على الإثبات، لأنه الأصلُ، والناظرُ في النصوص الشرعية يجدُ هذا الكلام واضحاً، كما في قوله تعالى: ?ليسَ كمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ?، فقدَّم اللهُ سبحانه النفيَ الذي يُرادُ به التنزيهُ على الإثبات، وكذلك كلمة التوحيد المشرَّفة «لا إله إلا الله» قدَّم فيها النفيَ الذي يُراد به التنزيه على الإثبات، خلافاً لِمَا يفعلُه بعضهم من تقديم الإثبات على التنزيه مُدَّعين فهمَ السلف، وليتهم أثبتوا ونزَّهوا كما ادَّعَوا، بل أثبتوا وغالوا في الإثبات وتركوا التنزيه بحجَّة أنه باب إلى التعطيل، فوقعوا في التجسيم.
الرابع: التفويضُ والتأويلُ طريقان من طرق التنزيه، وليسا أصلاً من أصول الاعتقاد، بل الأصل كما ذكرنا هو التنزيه، فالتنزيه سابقٌ عليهما، لأنه مفهومٌ كليٌّ قطعيٌّ، والتأويلُ والتفويضُ طريقان للاجتهاد في فهم النصِّ، ودع عنك ما يُشاغب به بعضهم من خطر التأويل، فضلاً عمن يذكر المُؤوِّلة والمعطلة والملاحدة في سياق واحد، فإنه تهويلٌ لا قيمة له، لأن التنزيه في حقيقته هو نفيُ النقص عن الله، وهو المرحلة الأولى في فهم النص، فإذا فُهِمَ النصُّ على هذا الأساس يكون المرادُ من النصِّ معنىً كماليّاً حتماً، ثم يأتي في المرحلة الثانية الاجتهادُ في تحديد هذا المعنى الكماليّ المراد، فمن لم يُعيِّنه وأحال علمَه إلى الله فهو المفوِّض، ومن اجتهد في تحديد المعنى الكماليّ المراد فهو المؤوِّل، ومن هنا لم يكن في الخطأ في التأويل خطرٌ، لأنه اجتهادٌ في إطار الكمال، فلو أخطأ في نسبة أيِّ معنى كمالي إلى الله لا يضرُّ، لأن الكمالات جميعها يجوز نسبتُها إلى الله، ولكن على المجتهد أن يتحرَّى الأصوب والأقرب، وفي الجملة هو مأجور على اجتهاده. أما من يُخطيء فينسبُ النقص إلى الله مُدَّعياً الإثبات فإنه على خطر عظيم، لأنه يكون بذلك قد نقضَ أصلاً من أصول الاعتقاد وهو التنزيه.
وإذا تقرَّر عندك هذا علمتَ أن مَن يعترضُ على التأويل أو التفويض، إنما يعترض في واقع الأمر على التنزيه. فتدبَّر.
الجزء 1 · صفحة 77
، وما يكون كذلك لا يصلُحُ دليلاً على أمرٍ قطعيٍّ، والدلائلُ العقليَّةُ مُخالِفةٌ، على أن مذهب السلف الذين كانوا مُتجشِّمين بخَرْطِ القتاد وعَرَقِ القِرْبةِ (1)
(1) تحرَّف في (ج) إلى: «متجشِّمين بخيط العباد»، والمثبت من (س) و (ص) و (ب). قال حمزة غفر الله له: وأذكر هنا من باب نسبة الفضل إلى أهله أننا وقفنا أولاً على =
= النسخة (ج)، كما سلفت الإشارة إلى ذلك في المقدمة، وتأخّر حصولنا على النسخ الأخرى حوالي سبعة أشهر، وفي تلك الفترة وقفتُ على هذا التحريف الواقع في نسخة (ج)، ولم أهتدِ إلى تصويبه، فكتبتُ إلى فضيلة العلامة المحقِّق الأستاذ الشيخ محمَّد عوامة حفظه الله تعالى، فأجابني في رسالته المؤرَّخة بـ 10/ 6/1426: ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أنه محرَّفٌ عن «متجشِّمين خَرطَ القتادَ»، يريد رحمه الله الثناءَ على السلف الصالح رضي الله عنهم في شدة تمسُّكهم بالنصوص والوقوف عندها، والتزام الحقِّ الذي تدلّ عليه نصوصُ الكتاب والسنة. قال الثعالبي في «ثمار القلوب» ص595 (990): «من أمثال العرب في الأمر دونه مانعٌ، قولُهم: من دون ذلك خَرطُ القتاد، لأن شَوكَ القتاد مانعٌ من خرطِ وَرَقِه، وشوكُ القتاد مضروبٌ به المثلُ في الخشونة والشِّدَّة». انتهى كلامه جزاه الله عنا خيراً، و «خرط القتاد» وإن كان تركيباً مشهوراً فيما ذكر الثعالبي، فاستعماله في مثل سياق كلام الشارح هنا غريبٌ يصعُبُ تقديره، فكان لا بدَّ من التنويه بإفادة الشيخ حفظه الله.
وأما «عَرَق القِربة» فيقال: جَشِمتُ إليك عَرَقَ القِربة، وتجشَّمتُ لك عَرَقَها، بمعنى الشِّدَّة والتعب والتكلّف في الشيء. «لسان العرب» (عرق).
الجزء 1 · صفحة 78
في إظهار ما هو الحقُّ في أمر الدِّين في المتشابهات التصديقُ وتفويضُ تأويلها إلى الله تعالى، وما ذلك إلا لتعذّرِ إدراكها، وأما على مذهب الخلف فإنه لا تكون ثبتاً أيضاً، لأن الآية مُحتَمِلة، فإن الاستواء جاء بمعنى التمام، كما قال تعالى: ?وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى? [القصص: 14]، والاستيلاءِ كقول الشاعر:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِراقِ ... ... مِنْ غَيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ (1)
(1) البيت في مادة «سوا» من «الصحاح» للجوهري و «لسان العرب» لابن منظور غير منسوب، ونسبه العلامةُ السيِّدُ مرتضى الزبيدي رحمه الله في «تاج العروس» وغيرُه للأخطل، ونسبه ابنُ فورك في «مجرد مقالات الأشعري» للحطيئة، وبشر المذكور فيه هو بشر بن مروان بن الحكم الأموي، وهو يُرجِّحُ أن البيت للأخطل لأنه أموي، بخلاف =
= الحطيئة فقد أدرك الجاهلية والإسلام.
وقد أنكر بعضُهم الاستدلال في العقائد بقول شاعر نصراني، ولم يَدرِ المسكين أن الاستدلال به على معنى كلمة في اللغة لا على عقيدة، وغفل أو تغافل عن استدلاله هو وغيره بكلام عبدة الأوثان من أهل الجاهلية في اللغة. وفي الباب غيره أيضاً، قال الشاعر:
إذا ما غزا قَوماً أباحَ حَريمَهم ... وأضحَى على ما مَلَّكُوهُ قد استَوى
وبه استدلَّ به الإمام ابن الجوزي في «دفع شبه لتشبيه» ص18 من طبعة الكوثري، وص121 من طبعة السقاف، وقال آخر:
فلمَّا عَلَونا واستَوَينا عليهمُ ... جَعَلناهُمُ مَرعَىً لِنَسْرٍ وطائرِ
وبه استدل الإمام ابنُ الهمام في «المسايرة» ص35.
الجزء 1 · صفحة 79
والاستقرارِ كقوله تعالى: ?وَاسْتَوَتْ على الجُوْدِيِّ? [هود: 44]، ومع الاحتمال لا يكون حُجَّةً، لأن تأويلَ كلِّ مجتهدٍ لكونه ثابتاً بالرأي لا يكون حُجَّةً على غيره، على أن الترجيحَ للاستيلاء لأنه تعالى تمدَّحَ به، والاستواء للمدح فيما بينهم يُفهم منه الاستيلاء، وتخصيصُه باعتبار أعظم المخلوقات (1)
(1) من يقول بأن المرادَ بالاستواء الاستيلاءُ يقول بأنه استيلاءٌ مجرَّدٌ عن معنى المغالبة، كما في قوله تعالى: ?لِمَنِ المُلْكُ اليَومَ لله الواحِدِ القَهَّارِ? [غافر: 16]، والملك لله في ذلك اليوم وقبله، فلا يَرِدُ عليه أنه كان غيرَ مستولٍ ثم استولى. وقد قرَّر شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى في «السيف الصقيل» ص98 ــ 99 أن المرادَ الاستيلاءُ بحق وكمال، وهو المعبَّر عنه باستواء كمال الملك، ثم قال: والمُقدِمُ على هذا التأويل لم يرتكب محذوراً ولا وَصَفَ اللهَ تعالى بما لا يجوز عليه.
واعلم أن هذا التأويل ليس قولَ المعتزلة وحدهم كما يُشيعه بعضهم، فقد جوَّزه (نقول: جوَّزوه تجويزاً وإن اختار بعضهم غيره من المعاني التي يحتملها لفظ «استوى») =
= الماتريدي في «التأويلات» 3: 285، وابن الهمام في «المسايرة» ص34، وأقرَّه ابنُ أبي شريف في «شرحها». ونقله الإمام أبو المعين النسفي المتوفى سنة 508 في «تبصرة الأدلة» 1: 184 عن الماتريدية فقال: إن أصحابنا أوّلوا هذا التأويل ولم يختصَّ به المعتزلة. واختاره الغزالي في «الاقتصاد في الاعتقاد» ص38، وابنُ قطلوبغا في «حاشيته» على «المسايرة» ص34، وأبو السعود في «تفسيره» 5: 3، وغيرهم.
وقريبٌ منه جداً قول الإمام محمد بن جرير الطبري (ت310) رحمه الله تعالى في «تفسيره» 1: 192: «علا علوَّ مُلكٍ وسُلطان، لا علوَّ انتقال وزوال» وهو وإن قاله في تفسير قوله تعالى: ? ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ? [البقرة: 19]، فقد أحال عليه في تفسير قوله: ? ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ? [الأعراف: 54]، فتأمَّل.
الجزء 1 · صفحة 80
وقولهم: القائمان بالذات يكون كلّ واحدٍ منهما بجهة من صاحبه لا محالة. قلنا: مطلقاً أم بشرط تناهيهما؟ الأول ممنوعٌ، والثاني مُسلّمٌ، لكن التناهي على الباري محالٌ.
وكلام الإمام رحمه الله يشير إلى مذهب السلف، فإنه قال: «نُقِرُّ بأن اللهَ استوى على العرشِ مِن غيرِ أن يكونَ له حاجةٌ واستقرَّ عليه» أي: من غير أن استقرَّ عليه، فإنه أقرَّ بالمُحتَمِل (1) وصَدَّقَه واعتقدَ حَقِّيَّتَه فيما هو عند الله تعالى، وأنكرَ المُحتَمَلَ المُخالِفَ لدليل العقل (2)، ونفى في ضمن ذلك الاحتياجَ عن الباري تعالى، لأن الاحتياجَ يستلزمُ الاستكمال، وهو على الله محال.
(1) يعني الدليل النقليّ الذي يحتمل معانٍ منها ما يجوز في حق الله ومنها ما لا يجوز.
(2) أي أنكر المعنى الذي هو مُحتمَلٌ في اللفظ من جهة اللغة، لكنه مُخالِفٌ لدليل العقل، وهذا هو مذهب المفوِّضة من السلف: عدم تعيين المعنى المراد من اللفظ المتشابه الذي يحتمل عدَّة معانٍ، مع الجزم بنفي إرادة معناه الظاهر الذي لا يجوز على الله سبحانه. وهو المسمَّى بتفويض المعنى، وليس مذهبهم إثبات الحقيقة وتفويض الكيفية. وكونُ =
= التفويض في المعنى صريحٌ في كلامهم لمن تأمَّله بإنصاف، بل صريحٌ في كلام الذهبي، وانظر إن شئت «السير» 8: 105.
فأنت ترى أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله عن المعنى الظاهر الذي لا يليق به سبحانه، فالواجب التنزيه، ثم المكلّف بالخيار إن شاء فوَّض تعيين المعنى الكمالي المراد إلى الله سبحانه، وإن شاء حمل اللفظ على معنى كمالي مُحتَمَل يليق به سبحانه.