أنوار الحُجَج
في
أسرار الحِجَج
للإمام العلامة علي بن سلطان محمد القاري الهروي المكي المتوفى سنة 1014 هـ
حققه وعلق عليه
أ.د. أحمد الحجي الكردي
-41-
جارٍ تحميل الكتاب…
أنوار الحُجَج
في
أسرار الحِجَج
للإمام العلامة علي بن سلطان محمد القاري الهروي المكي المتوفى سنة 1014 هـ
حققه وعلق عليه
أ.د. أحمد الحجي الكردي
-41-
***
التعريف بالكتاب:
تقدمت الإشارة في مقدمة الطبعة الأولى إلى أن الكتاب المذكور أخذ عن نسخة مخطوطة، محفوظة في (مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي). وقد علمتُ أن هذه النسخة مصورة عن نسخة مخطوطة موجودة في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب، فسافرت إلى حلب بحثا عن النسخة الأصلية لمقابلة الصورة السابقة عليها، إلا إنني علمت من مدير مكتبة الأوقاف بحلب - وهي المكتبة التي أصبحت تضم مخطوطات سائر المدارس العلمية العريقة بحلب، بما فيها مكتبة المدرسة الأحمدية المشار إليها - أن مخطوطات هذه المكتبة نقلت كلها إلى مكتبة الأسد الوطنية بدمشق، فعدت إلى دمشق، وزرت مكتبة الأسد الوطنية، وأطلعت على المخطوطة الأصلية، وهي في المكتبة تحت رقم (ه 3 ه13)، فقابلت الصورة عليها، وعَدلتُ بعض كلمات كانت غير واضحة تماماً في الصورة وفقا لها.
التعريف بالمخطوطة:
المخطوطة المشار إليها، موجودة ضمن مجموعة رسائل عددها (6 ه) رسالة، كلها للمؤلف (منلا علي القاري) وهذه المجموعة متسلسلة الأرقام، مجلدة بجلد طبيعي، بني اللون، نظيف ومتين، وتتألف من (341) ورقة، متسلسلة الأرقام، وكل ورقة تتألف من صفحتين، أشير إلى الأولى التي على اليمين بحرف (أ)، وإلى الثانية التي على اليسار بحرف (ب)، وقد وُضع رقم الورقة على رأس الصفحة (ب) على اليسار، وأوراق المجموعة
-42-
***
أوراق ناعمة، صفراء، رقيقة، إلا أن صفرتها ليست واحدة، فنصفها الأول شديد الصفرة، ونصفها الثاني صفرته أقل من الأول بعض الشيء، ومنه ما هو مائل للبياض، أما طول الصفحة الواحدة فهو (.2) سم وعرضها (14,5) سم، وفي كل صفحة (19) سطراً، وفي كل سطر(ه 1) كلمة وسطياً.
هذا، وقد كتبت المخطوطة باللون الأسود، وبخط رقعي جيد، ويبدو لي أن المجموعة كلها من كتابة كاتب واحد، لتشابه الخط فيها، إلا انه لم يُشر فيها إلى اسم الكاتب ولا إلى تاريخ الكتابة، ولا إلى النسخة التي أخذت منها، وكلما أراد الكاتب أن يلغي كلمة لتكرارها مثلاً، أو لزيادتها، وضع فوقها مجموعة نقط منتظمة باللون الأحمر، كما فصل الكاتب بين الجمل بفواصل هي نقط حمراء كبيرة بعض الشيء.
إلا انه قد كُتب على الصفحة الأولى من المجموعة هذه الجملة: (استصحبه الفقير عبد الرحيم القاضي بعسكر أبا طولي عفي عنه)، وتحته ختمه. كما كتب على الصفحة نفسها بعض جمل باللغة الفارسية في سبعة أسطر. وكُتب على الصفحات الثانية والثالثة والرابعة، فهرس للرسائل الموجودة في المجموعة، مبين فيه، اسم كل منها والورقة التي تبدأ بها.
والرسالة التي نقدم لها تحمل الرقم (38)، من بين رسائل المجموعة المذكورة، وعدد أوراقها فيها، ثماني أوراق، وربع الورقة، تبدأ من الرقم (197/ب) وتنتهي في الرقم (ه.2 /ب).
التعريف بموضوع الكتاب ومضمونه:
الكتاب كما جاء في عنوانه تماماً، يدور حول بيان أسرار الحج ومعانيه وحِكَمه، وما يدعو إليه من التأمل في النفس والكون، والتبصر في العاقبة التي ينتهي إليها الإنسان، مما يحرك الإيمان في نفسه، فيجده بين
-43-
***
يديه قوة دافعة للالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه، ومانعاً له من الخطأ والزلل، والاغترار بالدنيا وترهاتها.
وقد اتبع المؤلف في تقرير معانيه تلك، أسلوباً عملياً يعتمد ذكر القصص والأحداث، التي بلغته عن الصالحين من الحجاج، من صحابة وتابعين وغيرهم، وعرضها بأسلوب سهل شيق مبين، يحمل الإنسان على الإقتداء والتأسي بأولئك الصالحين من الحجاج من غير أي عناء، ويجلي القارىء الحج في أبهى حلله التي تشف عن معانيه وأسراره التي شرع من أجلها، من ترك لنعيم الدنيا، والتفات عن شهواتها، وترهاتها، وغرورها، وانصراف إلي التذلل إلى الخالق البارئ جل وعلا، انصراف المحبوب إلى حبيبه، والطفل الرضيع إلى أمه، بلذة عارمة واندفاع فطري ظاهر.
وقد أعتمد المؤلف فيما أورده من أحداث، قصصاً شاعت، وعمت، وتناقلها الناس، فلم تعد بحاجة إلى سند يقويها ويثبتها، ولم يجنح مطلقاً إلى الشذوذات أو المنكرات من الأخبار، وهو وان كان قد ذكر بعض الأحاديث الشريفة التي لم تبلغ درجة الصحة عند المحدثين، إلا أنها لا تخرج عن التوجيه إلى صالح الأعمال، الموافقة لنصوص الكتاب، والسنة الثابتة، ولم تدخل في باب الوضع، وهو مما يجيز عامة العلماء روايته ومتابعته.
وهذا الكتاب، في نظري، قليل المثال، كثير الفائدة، وحَرِى بكل مسلم أن يقرأه، بل أن يعود لقراءته بين الفينة والفينة. فإنه مروّض للقلب، محرّض للإيمان، مذكَر بأسرار الكون وبحكمة تشريع الله تعالى، ومحبب بالإحسان إلى الناس والصفح عنهم، وتجاهل إساءاتهم، وتقليل الارتباط بالدنيا، والسعي حثيثاً نحو الآخرة، وهو مما يحتاجه الإنسان الغارق في حياته اليومية ومتاعبها، مما يقسّي القلب، ويلهي النفس عن ذكر الله تعالى، ويضعف الإيمان، ويدفع إلى الاغترار بالدنيا وما فيها من عرض زائل.
-44-
***
التعريف بمؤلف الكتاب (1)
أ - الاسم والمولد والوفاة:
هو الشيخ علي بن سلطان، وقد ورد في بعض المراجع أن سلطاناً والده اسمه محمد نور الدين، وفي مراجع أخرى أن محمد نور الدين هو والد سلطان وليس نفسه، وفي بعضها أن سلطاناً هو ابن محمد بن نور الدين، فنور الدين على هذا هو والد محمد، ومحمد والد سلطان، وسلطان والد الشيخ منلا علي القاري صاحب هذا الكتاب، ومثل هذا الاختلاف بين الروايات كثير في أسماء الأعاجم، حيث يسمون أبناءهم بأسماء مركبة مضافة إلى اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تبركاً وتيمناً به، ويلقبونهم بألقاب مضافة إلى الدين مثل بدر الدين ونور الدين... فيختلط على البعض، فيظنها نسباً متسلسلاً لا اسماً واحداً، ومثل هذا موجود في العرب أيضاً، ولعل ما حصل للشيخ علىِ ووالده سلطان - من الاختلاف - ضرب من ذلك.
هذا، ولم يهتم علماء التراجم بذكر تاريخ ولادته، ولكنهم ذكروا تاريخ وفاته، فقد ذكر خير الدين الزركلي في الأعلام أنه توفي في شوال من عام (1014) ه الموافق ل (1606) م. وقد وافقه في ذلكَ صاحب
(1) ولخليل إبراهيم قوتلاي كتاب: (الإمام علي القاري وأثره في علم الحديث)، رسالة ماجستير من جامعة أم القرى، تكلم فيها بتوسع على ترجمة هذا الإمام وشيوخه ومؤلفاته، نشرت في دار البشائر الإسلامية، ببيروت عام / 1987.
-45-
***
معجم المؤلفين، وغيره. إلا أنهم ذكروا - ودون أي خلاف بينهم - أن ولادته كانت بهراة، وأنه رحل منها إلي مكة المكرمة، وأنه توفي فيها، وقد دفن في العلاة، ولما بلغ خبر وفاته علماء مصر، صلوا عليه بجامع الأزهر صلاة الغائب في مجمع حافل زاد على أربعة آلاف.
هذا، وقد وُصف الشيخ علي بأنه فقيه حنفي ومُحَدِّث، وأنه من صدور العلم في عصره، قال عنه المحبي في خلاصة الأثر: (علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بالقاري الحنفي، نزيل مكة، وأحد صدور العلم، فريد عصره، الباهر السمت في التحقيق وتنقيح العبارات، وشهرته كافية عن الإطراء في وصفه) (1).
وقال اللكنوي في الفوائد، بعد ما بين بعض مؤلفاته: (وغير ذلك من رسائل لا تعد ولا تحصى وكلها مفيدة، بلغت إلى مرتبة المجددية على رأس الألف) (2).
وقال الشوكاني نقلاً عن العصامي في وصفه: (الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام) (3).
و إنني أود أن أشير هنا، إلى أن الشيخ القاري هذا عمدة الحنفية في أحكام الحج، فأكثر من كتب من المتأخرين منهم في أحكام الحج، رجع إليه، ونقل منه، واعتمد عليه، ومنهم العلامة ابن عابدين في حاشيته المسماة (رد المحتار على الدرر المختار).
(1) خلاصة الأثر: 3/185.
(2) الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص 80.
(3) البدر الطالع: 1 / 445. ط. مطبعة السعادة.
-46-
***
ب - شيوخه:
لقد أخذ الشيخ علي في مكة المكرمة العلم عن مجموعة من الشيوخ الأكابر، منهم: الشيخ أبو الحسن البكري، والشيخ زكريا الحسيني، والشهاب أحمد بن حجر الهيثمي، والشيخ أحمد المصري تلميذ القاضي زكريا، والشيخ عبد اللّه السندي، والعلامة قطب الدين المكي، وغيرهم.
ج - مؤلفاته:
لقد كان الشيخ علي - رحمه الله تعالى - غزير الإنتاج والتأليف في كثير من العلوم الإسلامية، وقد ترك لنا مكتبة ضخمة من المؤلفات النافعة المفيدة الهامة ناهزت المائة والخمسين مصنفاً، وقد طبع البعض منها والحمد لله تعالى، إلا أن أكثرها لم يطبع بعد، وكثير منه محفوظ، وكم أتمنى أن تلحظه عيون العلماء بالاهتمام والإخراج، لينتفع الناس به، وسوف أورد أسماء بعض هذه المؤلفات المتعلقة بالحج وأحكامه، مشيراً إلى المطبوع منها والمخطوط وهذه المؤلفات هي:
1 - الاصطِناع في الاضطباع، مخطوط.
2 - أنوار الحُجج في أسرار الحِجج، مخطوط.
3 - بداية السالك في نهاية المسالك، مخطوط.
4 - بيان فعل الخير إذا دخل مكة من حج عن الغير، مطبوع.
ه - الحظ الأوفر في الحج الأكبر، مطبوع.
6 - رسالة في بيان التمتع في أشهر الحج للمقيم بمكة من عام، مخطوط.
7 - الصنيعة في تحقيق البقعة المنيعة، مخطوط.
8 - العفاف عن وضع اليد في الطواف، مخطوط.
9 - لُمي لباب المناسك وحُب عباب المسالك، مخطوط.
10 - المسلك المتقسط في المنسك المتوسط، مطبوع.
-47-
***
11 - الوقوف بالتحقيق على موقف الصدَيق، مخطوط.
12 - الدرة المضيئة في الزيارة المصطفوية الرضية، مطبوع.
د - شبهة مردودة:
لقد أورد المحبي، في خلاصة الأثر، في أثناء ترجمته للشيخ علي القاري، قوله: (لكنه امتحن بالاعتراض على الأئمة، لا سيما الشافعي وأصحابه - رحمهم الله تعالى - واعترض على الإمام مالك في إرسال اليد في الصلاة، وألف في ذلك رسالة، فانتدب لجوابه الشيخ محمد مكين، وألف رسالة جواباً في جميع ما قاله، ورد عليه اعتراضاته، وأعجب من ذلك ما نقله عنه السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني في كتابه: (سداد الدين وسداد الدين في إثبات النجاة في الدرجات للوالدين)، أنه شرح الفقه الأكبر المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وتعدى فيه طوره في الإساءة في حق الوالدين، ثم إنه ما كفاه ذلك، حتى ألف فيه رسالة، وقال في شرحه للشفاء متبجحاً ومفتخراً بذلك: (إني ألفت في كفرهما رسالة)، فليته إن لم يراع حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث آذاه بذلك، كان استحيا من ذكر ذلك في شرح الشفا الموضوع لبيان شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد عاب الناس على صاحب الشفا، ذكره فيه عدم فرضية الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، وادعى تفرد الشافعي، ذلك بأن هذه المسألة ليست من موضوع كتابه، وقد قيض الله تعالى الإمام عبد القادر الطبري للرد على القاري، فألف رسالة أغلظ فيها الرد عليه، وبالجملة، فقد صدر منه أمثال لما ذكر، كان غنياً عن أن تصدر منه، ولولاها لاشتهرت مؤلفاته بحيث ملأت الدنيا لكثرة فائدتها وحسن انسجامها.. أه.
وقد نقل هذه الشبهة أيضاً الشوكاني في البدر الطالع، عن العصامي، إلا انه ردها بعد ذلك رداً قوياً، مهذباً، ذكياً، مما بَرَّأَ ساحة الشيخ القاري من هذه الشبهة، وأحله محله اللائق به، فقال: (وأقول،
-48-
***
هذا دليل على علو منزلته، فإن المجتهد شأنه أن يبين ما يخالف الأدلة الصحيحة ويعترضه، سواء كان قائله عظيما أو حقيراً، تلك شكاة ظاهر عنك عارها). أه.
هذه الشبهة، لا أعتقد أنها تحتاج إلى رد آخر بعد أن ردها الشوكاني - رحمه الله تعالى - بالرد المفحم، ومثل هذه الشبهة يثار حول العلماء الأفذاذ في كل زمان ومكان، أولئك العلماء الذين يملكون بصائر حاذقة وعقولا ناضجة، تأبى عليهم أن يقبلوا كل ما يسمعونه ويقرؤونه إن لم يسغ لهم دليله ويتضح برهانه، من أي إنسان كان، إلا أن يكون من المعصوم محمد بن عبد اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره.
ولا يثير تلك الشبهات في العادة إلا جامدو الفكر، محدودو النظر مع سلامة نية، وحسن طوية، أو سيئو الأخلاق، المعادون لكل نضج أو تقدم فكري، أَوَ نَسِيَ هؤلاء وأمثالهم، اختلاف الصحابة فيما بينهم في كثير من الأحكام التي لم يرد فيها نص من القرآن والسنة ومعارضتهم بعضهم لبعض في كثير من ذلك؟ أو تناسوا اختلاف الأئمة الكبار فيما بينهم في كثير من المسائل حتى أصبح لكل منهم مذهبا مستقلاً عن الآخر، دون أن يعيب عليهم أحد ذلك؟ أو نسوا قول الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - عندما سُئل عن المسائل التي اختلف فيها الصحابة - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم جميعاً - فقال آخذ منهم أو أخالفهم فهم رجال وأنا رجل؟؟. أم نسوا قول الحباب بن المنذر الأنصاري رضي الله عنه، للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، بأدب وحياء، يوم بدر بعد أن نزل بهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في أدنى ماءٍ من بدر: (أهذا منزل أنزلك اللّه إياه، ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل هو الرأي والحرب والمكيدة)، فقال الحباب عند ذلك: (ليس لك هذا بمنزل، ثم أشار عليه بغيره، فاستجاب النبي صلى الله عليه وسلم له وغيّر المكان؟؟.
-49-
***
أيريد هؤلاء أن يكون العلماء أحجاراً صماء، وآذاناً صاغية حافظة لكل ما يقال دون أن يسمح لهم بتفهمه، وتفحصه، ومخر عبابه، وإبداء الرأي فيه؟؟.
وهل جَمدَ العلوم الإسلامية في السنين الأخيرة إلا مثل هذه المقالة الخاطئة؟؟.
وهل أوقف التجديد والاستمرار في الاجتهاد، إلا مثل هذا الاتجاه المغلوط؟؟؟.
أنا لا أدعوا للاجتهاد من لم يتأهل له، بل إنني أحرمه عليه، ولكنني لا أقول بإغلاق باب الاجتهاد أمام من تأهل له، بل إنني أجعله عليه واجبا إن احتاج الناس إليه.
هذه سيرة علماء السلف وتوجيهاتهم ألتي استقوها من معين النبوة، من أمثال قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما أرسله إلى اليمن بعد أن سأله عما يفعل إذا لم يجد نصاً في القرآن والسنة، فقال معاذ: أجهد رأيي ولا آلو -: (الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي الله ورسوله).
وقد ثبت عن الإمام مالك - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: (ما منا إلا من رَدَ ورُدَ عليه إلا صاحب هذا القبر). مشيراً إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
-50-
***
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي أظهر كمال جماله في مرآة بيته القديم، وأبرز يد قدرته في وضعِ الركن العظيم، وأشرف قدم خليله النبيّ الكريم، حيث كان قائماَ بالدين القويم، وواقفاً على الصراط المستقيم.
والصلاة والتسليم عليه، وعلى أعلى ذرّيته، بُدىء به في عالم الأرواح، وخُتم به في عالم الأشباح، من بين الأنبياء والرُّسل الكرام، وعلى آله وأصحابه الذين اقتدى بهم الأنام، في معرفة أحكام الإسلام.
أما بعد، فيقول الملتجئ إلى أذيال كرم حرم ربه الباري، علي بن سلطان محمّد القاري: إنّ هذه الرسالة، نبذة من المقالة، في الدقائق المتعلقة بالحج وأسراره، التي هي تذكرة لمن يتذكر، وأنواره التي هي عبرة لمن اعتبر، فقيل: الحجّ حرفان، فالحاء: حِلم الحق، والجيم: جُرم الخلق. والإشارة في تشديد الجيم مع نقطته: إلى أن الحق يغفر أنواع جرم الخلق مع كثرته. وإيماء أن رحمته سبقت غضبه في مرتبة أزلية، لكن بشرط أن يكون الحجّ مبروراً، [ 198 أ ] وسعيه مشكوراً، بأن يكون سيره بتحسين النيّة، وتزيين الطويَّة، والخروج عن المعاصي بالكليَة، وأن يكون زاهداً في الدنيا، وراغباً في العقبى، وطالباً لمرضاة المولى، مخلصاً في طاعته، عن ملاحظة
-51-
***
ريائه وسمعته، فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: (يأتي على الناس زمان يحج أغنياء أمتي للتنزه، وأوساطهم للتجارة، وقُرَّاؤهم للرياء والسمعة، وفقراءهم للمسألة)(1) ذكره ابن جماعة(2)، وسيأتي.
وعن بعض السلف أن رجلاً جاءه، فقال: أريد الحج، فقال: كم معك؟ قال: ألفا درهم، قال: أما حججت؟ قال: بلى، قال: فأنا أدلك على أفضل من الحج؛ اقض دين مدين، فّرِّج عن مكروب، فسكتَ، قال: مالك؟ قال: ما أريد إلا الحج، قال: إنما تريد أن تركب وتجيء، ويقال حج فلان.
ويروى أن بعض أهل الصلاح رأى فيما يرى النائم: أعمال الحج تعرض على الله، فقيل: فلان، فقال: يكتب حاجاً، فقيل: فلان؟ فقال: يكتب تاجراً، حتى بلغ إليه، فقال: يكتب تاجراً، قال:
(1) قال في كشف الخفا 2/ 41 ه: رواه الخطيب والديلمي عن أنس رضي الله عنه. وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1/262: أخرجه الخطيب من حديث أنس بإسناد مجهول.
(2) ابن جماعة: (694 - 767 ه، 1294 - 1366 م). هو عبد العزيز بن محمد ابن إبراهيم بن جماعة، الكناني، الحموي الأصل، الدمشقي المولد، ثم المصري، عزالدين، الحافظ قاضي القضاة، ولي قضاء الديار المصرية سنة 739 ه، وجاور بالحجاز، فمات بمكة. من كتبه: (هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك - خ) و(المناسك الصغرى) و(تخريج أحاديث الرافعي) و(مختصر في السيرة النبوية - خ) و(التساعيات - خ) في الحديث.
-52-
***
فقلت: ولم ولست بتاجر. فقال: بلى حملتَ كُتبة (1) غزل تبيعها على أهل مكة.
وفي الجملة ساق الشوق في محبة اللّه سبحانه إلى حرمه، رجاء جوده وكرمه، بحسب ما قرر كل أحد في قضاء اللّه وقدره، فقيل إن سبب هذا الشوق والغرام دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: {فَاُجعَل أَفئِدةً من الناسِ تهوِي إلَيهم} (2). قال جمع من المفسرين، أي: تميل إليهم، وتحنُ عليهم، وتقف لديهم، ولو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي: جميعهم، ثم عبر عنهم بالأفئدة إيماء إلى أنهم خلاصة الخلق، وزبدة طلبة الحق، كما يومئ إليه قوله سبحانه: {يُجبىَ إِليْهِ ثَمَراتُ كُل شَيءٍ رِزقًا منِ لَدُنَّا} (3).
وروي أن الله سبحانه يلحظ الكعبة المشرّفة في كل عام لحظة من ليلة نصف شعبان، فعند ذلك تحن إليه قلوب أهل الإيمان.
وروي أن الله تعالى أخذ الميثاق من بني آدم ببطن نعمان، وهي عرفة(4) وما حولها/ من المكان، فاستخرجهم هناك من صلب [ 198 ب ]
(1) الكُتبة: الخرزة، جمعها كُتَب.
(2) سورة إبراهيم: الآية 37.
(3) سورة القصص: الآية 7 ه.
(4) عَرَفَة: وتسمى عَرَفات، وهي سهل قريب من مكة، يقف فيه الحاج على سبيل الفرض بعد ظهر التاسع من ذي الحجة إلى ما بعد غروب شمس ذلك اليوم، وحَدُّها من الجبل المشرف على بطن عرنة، إلى الجبال المقابلة، إلى ما يلي حوائط بني =
-53-
***
أبيهم ونثرهم بين يديه، كهيئة الذر، ثم كلّمهم فقال: {أَلستُ بِرَبكم قَالوُاْ بَلَى} (1)، فكتب إقرارهم في رق، وأشهد فيه بعضهم على بعض، ثم ألقمه الحجر الأسود.
ومن أجل ذلك استحب لموافيه أن يقول: اللهم إيماناً بك، وتصديقا بكتابك، ووفاءً بعهدك، وهذا يشير إلى أن حب الأوطان من الإيمان، فإنه دلّ على أن ذلك المكان أول وطن في عالم الإمكان، ونِعم من قال:
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى /وحنينه أبداً لأوّل منزل
وقيل لذي النون المصري (2): أين أنت من قوله: {أَلستُ بِرَبكم} (1)، قال: كأنه بأذني.
= عامر، وجبل الرحمة منها وفي وسطها، أما مسجد نمرة فليس منها ولكنه في طرفها، ويخطئ بعض الحجاج فيقفون في مسجد نمرة على أنه من عرفات، فلا يصح حجهم، فليتنبه لذلك، فإنه هام جداً، إلا إن مسجد نمرة جرى توسيعه أخيرا وأصبح جزء منه في عرفات، وعليه فلا بأس بالوقوف في هذا الجزء منه، وله علامات مميزة يعرف بها هناك.
(1) سورة الأعراف: الآية 172.
(2) ذو النون المصري: (... - 245 ه،... - 859 م). هو ثوبان بن إبراهيم الإخميمي المصري، أبو الفيّاض، أو أبو الفيض، أحد الزهاد العباد المشهورين، من أهل مصر، نوبيّ الأصل من الموالي، كانت له فصاحة وحكمة وشعر، وهو أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عبد اللّه بن عبد الحكم، واتهمه المتوكل العباسي بالزندقة فاستحضره إليه وسمع كلامه، ثم أطلقه فعاد إلى مصر، وتوفي بجيزتها.
-54-
***
ويروى أن الله تعالى أوحى إلى الكعبة عند بنائها، وظهور صفائها، وبهائها، إني خالق بشراً يحنون إليكِ حنين الحمام إلى بيضته، ويدفون إليك دفيف (1) النسر إلى فرخه، يعني: ويؤوبون إليك رجوع الطفل إلى حجر أُمِّه، كما يشير إليه قوله تعالى: {أُمَ اَلقُرَى} (2)، فإنها تؤم للقرى.
قال العز بن جماعة: غلب عليّ الشوق إلى الحج والزيارة والمجاورة بمكة، والإقامة هنالك، وعزمت على ذلك وأنا في منصب القضاء بمصر، فأشار عليّ بعض أحبّاء لي بعدم السفر، شفقةً منه ومخافةً عليّ ممن يخشى أذاه بمكة المشرَفة إليّ، فأنشدت لبعضهم:
قالوا توق رجال الحي إن لم/عيناً عليكَ إذا ما نمت لم تنم
إن كان سفكُ دمي أقصى مرادهم/فما غلت نظرة منهم بسفك دمي
والله لو علمت نفسي بمن هديت/ سارت على رأسها فضلاً عن القدم
وخرجت أم أيمن امرأة الشيخ أبىِ علي الرُّوذبَاري (3) من مصر وقت خروج الحاج إلى الصحراء، والجِمالُ تمر بها في بدء البيداء،
(1) الدفيف: من دف الطائر يدف، من باب قتل، دفيفاً: حرك جناحيه لطيرانه.
(2) سورة الشورى: الآية 7.
(3) أبو علي الروذباري: (... - 322 ه،... - 934 م). هو محمد بن أحمد ابن القاسم، أبو علي الروذباري، فاضل من كبار الصوفية، سكن مصر وكان من أهل الفضل والفهم، أصله بغدادي كان من أبناء الرؤساء والوزراء، لزم الجنيد وصحبه وصار أحد أئمة الزمان، كان فقيهاً محدثاً نحوياً، وله شعر حسن رقيق، له تصانيف حسان في التصوف نُقلتْ عنه. وامرأته أم أيمن: هي عزيزة بنت محمد بن عمرو بن فارس.
-55-
***
وهي تبكي وتقول: واضعفاه؛ واعجزاه، واحسرتاه، وتقول: هذه حسرة من انقطع عن البيت، فكيف يكون حسرة من انقطع عن رب [ 199 أ ] البيت /.
واعلم بأن الباعث على الشوق الخالص إلى ثواب الله تعالى ومرضاته، على قدر الفهم والتحقق بمشاهدة آياته وبيناته، حيث جعله سبحانه مثابة للعالمين، وأمناً للخائفين، وملجأ للعائذين (1)، ومنجا للائذين (3)، وأودع فيه ما شهدت به ألسنة الوجود، من أرباب الشهود، وأمر خليله (3) بتطهيره للعابدين والعارفين. وشرَّفه بإضافته إلى نفسه، وقال: {وَطَهِّر بيتي للطَّائِفين والقَائمِيِن} (4)، وكفاه بذلك شرفاً وفخراً، وبه على سائر البقاع عظمة وقدراً.
كفى شرفاً أني مضاف إليكم …وأني بكم أدعى وأعرف
فالواجب على من يدوس عتبة باب الملوك، وبساط انبساطهم لنيل المطالب، وتحصيل المواهب، وتيسر المناصب، أن يتحمل أنواع المشاق والمتاعب، ويتأدب بمحاسن المناقب، ومجامل المراتب، بالإقبال على الله تعالى في الحركات والسكنات والتجرد
(1) العائذون: المعتصمون، يقال: استعاذ بالله تعالى معاذاً وعياذا إذا اعتصم به.
(2) اللائذون: الملتجئون، يقال: لاذ الرجل بالجبل يلوذ لِواذاً، بكسر اللام وحكي التثليث، وهو الالتجاء.
(3) خليله: المراد به هنا سيدنا إبراهيم خليل الرحمن.
(4) سورة الحج: الآية 26. وفي الأصل: (والعاكفين) وهي من الآية 125 من سورة البقرة وهي قوله تعالى: {أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين}.
-56-
***
ظاهراً وباطناً عن المخلوقات، والانقطاع عن العلائق، والتخلص عن المواثق، ومهما(1) ذكر المعصية جدد التوبة وكرر الأوبة؛ لأنه من حصول الذنب على معرفة، ومن الخروج عن عقوبته على شك وشبهة. ويكون بين الخوف والرجاء في كل حاله (2)، فلا ييأس، من رحمته وكرمه، ولا يأمن مِن سخطه بسبب حلمه، إذ لا يجوز للمرء أن يغتر بعلمه ولا بعمله، بل يعتمد على جود ربه وفضله.
قال ابن جماعة: ويغلط كثير من الناس فيحجون بيت الله طالبين لرحمته، بما قد يكون جالباً لنقمته، فيصرون على ارتكاب السيئات، ويبالغون في التباهي بالمحرمات، والتزين بالمكروهات، حتى ألبسوا الجمال الحرير والذهب، ونحو هذا من المنكرات، وما هكذا أمر الله أن يحج بيته الكريم، {فليحذر الَّذِينَ يُخَالفُونَ عَن أَمرهِ أن تُصِيبهُم فْتنة أو يُصِيبهُم عذابٌ أليم} (3).
ولقد خرج بعض الصالحين في عصرنا من مصرنا إلى الحج مع القافلة، فلما وصل إلى البِركة: (4) وهي المرحلة، رجع لما/ رأى من [ 199 ب ]
(1) مهما: معناها هنا (كلما)، ويستعملها الفقهاء كذلك كثيراً.
(2) ويكون بين الخوف والرجاء..: هذه حكمة بليغة لا ينبغي أن تغيب عن ذهن مسلم أبداً.
(3) سورة النور: الآية 63.
(4) البِركة: لعلها بركة الحبش، وهي أرض في وهدة من الأرض واسعة، طولها نحو ميل مشرفة على نيل مصر، خلف القرافة، تزرع فتكون نزهة خضراء من أجلّ متنزهات مصر، قال فيها الشاعر:
لله يومي ببركة الحبش / والأفق بين الضيا والغبش
-57-
***
الأمور المنكرة، والأفعال المزخرفة، والأحوال المزورة. ولعمري إنه لمعذور في هذا الباب، لقوله تعالى: {وَاتقُواْ فتنة لا تصيبن الذين ظَلَمُواْ مِنكم خَاصّةً وَاعلَمُواْ أَن اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} (1).
ومن أهم ما يُهتم به إخلاصه لله تعالى وحده في جميع أمره، فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جمع الله الناس ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك أحداً في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك)(2).
ومن أتمّ ما يجب التحرز عنه في أمره: النفقة، بأن تكون من الحلال الخالص من الشبهة، بقدر الوسع والطاقة، ففي صحيح مسلم: (أنه عليه السلام، ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك)(3). أي: فكيف يستجاب لذلك الرجل هنالك.
وما أغبن (4) من بذل نفسه وماله، وبدل حاله وجماله، فيرجع
(1) سورة الأنفال: الآية 25.
(2) رواه أحمد 4 / 215 والترمذي (ح 3154) وابن ماجه (ح 4203) كلهم من حديث أبي سعيد بن أبي فُضالة الأنصاري. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن بكر.
(3) صحيح مسلم (ح 1015) من حديث أبي هريرة، وأوله: (يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً...).
(4) أغبن: من الغبن، ومعناه هنا: ما أشد خسارة هذا.
-58-
***
بالحرمان، وغضب الرحمن، وفي الحديث: (إذا حجّ الرجل بالمال الحرام، فقال لبيك اللهم لبيك، قال الله: لا لبيك ولا سعديك، حتى تردّ ما في يديك)(1). ذكره ابن جماعة تبعاً للغزالي (2)، لكن سكت عنه العراقي (3)، وفي رواية: « لا لبيك ولا سعديك، وحجّك مردود عليك ».
(1) أخرجه ابن عدي في الكامل والديلمي في مسند الفردوس (ح1172) من حديث عمر ابن الخطاب، ورمز السيوِطي في الجامع لضعفه، قال المناوي في الفيض 328/1: قال ابن الجوزي: حديث لا يصح وفيه وجيز بن ثابت، قال ابن مهدي: لا يعتدُّ به، وقال يحيى: ليس بشيء، النسائي: غير ثقة، أه. ولم أجده في الإحياء.
(2) الغزالي: (450- 505 هـ، 1058 - 1111 م). هو محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، حجة الإسلام، فيلسوف متصوف له نحو مائتي مصنف، مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس بخراسان). رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقول بتشديد الزاي) أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف. من كتبه: (إحياء علوم الدين - ط) أربع مجلدات، و(تهافت الفلاسفة - ط) و(الاقتصاد في الاعتقاد - ط) و(محك النظر - ط) و(معارج القدس في أحوال النفس - خ) و(الفرق بين الصالح وغير الصالح - خ) و(مقاصد الفلاسفة - ط) و(المنقذ من الضلال - ط).
(3) الحافظ العراقي: (725 - 806هـ، 1325 - 1404 م). هو عبدالرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل المعروف بالحافظ العراقي، بحَّاثة من كبار حفاظ الحديث، أصله من الكرد، ومولده في رازنان (من أعمال إربل)، تحول صغيراً مع أبيه إلى مصر فتعلم ونبغ فيها، وقام برحلة إلى الحجاز والشام وفلسطين، وعاد إلى مصر، فتوفي في =
-59-
***
وفي رواية: (من خرج يؤمُّ هذا البيت بكسب حرام، شَخَصَ في غير طاعة اللّه، فإذا بعث راحلته، وقال: لبيك اللّهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وراحلتك حرام، وثيابك حرام، وزادك حرام، ارجع مأزوراً غير مأجور، وأبشر بما يسوؤك.
وإذا خرج الرجل حاجّاً بمال حلال، وبعث راحلته وقال: لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: « لبيك وسعديك، أجبت بما تحب، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال، ارجع مبروراً غير [ 200 أ ] مأزور، وائتنف العمل ». أخرج هذه الرواية أبو ذرّ (1)/.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ردّ دانق (2) من حرام يعدل سبعين حجة » (3)
= القاهرة. من كتبه: (المغني عن حمل الأسفار في الأسفار - ط) في تخريج الإحياء، و(نكت منهاج البيضاوي) في الأصول، و(ذيل على الميزان) و(الألفية - ط) في مصطلح الحديث وشرحها.
(1) أبو ذر: (... - 434 هـ،... - 1043 م). عبد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن غفير، أبو ذر الأنصاري الهروي، عالم بالحديث من الحفاظ، من فقهاء المالكية، يقال له ابن السماك، أصله من هراة، نزل مكة ومات بها. له تصانيف منها: (تفسير القرآن) و(المستدرك على الصحيحين) و(السنة والصفات) و(معجمان) أحدهما فيمن روى عنهم الحديث والثاني فيمن لقيهم ولم يأخذ عنهم.
(2) الدانق: هو يوناني معرّب، وهو سدس درهم، ويعادل نصف غرام تقريباً.
(3) قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص 226: حديث: رد دانق على أهله خير من عبادة سبعين سنة، قاله يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الأندلسي الفقيه المالكي حين ليمَ على ارتحاله من القيروان إلى قرطبة ليرد =
-60-
***
ذكره ابن جماعة، وقال العسقلاني (1): ما عرفت أصله، ونسب إلى أحمد بن حنبل (2)، أنه قال:
إذا حججت بمال أصله سُحت / فما حججت ولكن حجتْ العير
لا يقبل الله إلا كلَ طيبةٍ / ما كل من حج بيت الله مبرور
= دانقا كان لبقال عليه، قال شيخنا - الحافظ ابن حجر -: وما عرفت أصله، أه.
(1) العسقلاني: (773 - 852 هـ، 1372 - 1449 م). هو أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ. أصله من عسقلان بفلسطين، ومولده ووفاته بالقاهرة. ولع بالأدب والشعر ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت له شهرة فقصده الناس للأخذ عنه وأصبح حافظ الإسلام في عصره، قال السخاوي: (انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر). وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفاً بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، صبيح الوجه، وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل، أما تصانيفه فكثيرة جليلة، منها: (فتح الباري شرح صحيح البخاري - ط) في 14 مجلدا، و(الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة - ط) ستة أجزاء، و(الإحكام لبيان ما في القرآن من الأحكام - خ) و(ديوان شعر - خ) و(ذيل الدرر الكامنة - خ) و(ألقاب الرواة - خ) وغير ذلك كثير.
(2) أحمد بن حنبل: (164 - 241 هـ ، 780 - 855 م). هو أحمد بن محمد حنبل، أبو عبد اللّه الشيباني الوائلي، إمام المذهب الحنبلي، وأحد الأئمة الأربعة، أصله من مرو، وكان والده والي سرخس، ولد ببغداد، فنشأ منكباً على طلب العلم، وسافر في سبيله أسفاراً كبيرة، إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والثغور، والمغرب، والجزائر، والعراقين، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف.
وصنف (المسند - ط) ستة مجلدات، يحتوي على ثلاثين ألف حديث، وله =
-61-
***
ويروى أنه لما مرض عبد اللّه بن عامر بن كُريز(1) مرضه الذي
= كتب في (التاريخ) و(الناسخ والمنسوخ) و(الرد على من ادّعى التناقض في القرآن) و(التفسير) و(فضائل الصحابة) و(المناسك) و(الزهد) و(الأشربة - خ) و(المسائل - خ) و(علل الحديث - خ). وكان أسمر اللون، حسن الوجه، طويل القامة، يلبس الأبيض، ويخضب رأسه ولحيته بالحناء، وفي أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن، ومات قبل أن يناظر ابن حنبل، وتولى المعتصم فسجن ابن حنبل ثمانية وعشرين شهراً لامتناعه عن القول بخلق القرآن، وأطلق سنة 220 هـ، ولم يصبه شر في زمن الواثق بالله - بعد المعتصم -، ولما توفي الواثق وولي أخوه المتوكل بن المعتصم أكرم الإمام ابن حنبل وقدمه، ومكث مدة لا يولي أحداً إلا بمشورته، وتوفي الإمام وهو في تقدمه عند المتوكل. ومما صُنف في سيرته: (مناقب الإمام أحمد - خ) لابن الجوزي، و(ابن حنبل - ط) لمحمد أبو زهرة من معاصرينا.
(1) عبد اللّه بن عامر: (4 - 59 هـ، 625 - 679 م). عبد اللّه بن عامر بن كُريز بن ربيعة الأموي، أبو عبد الرحمن، أمير فاتح، ولد بمكة، وولي البصرة في أيام عثمان (سنة 29 هـ) فوجه جيشاً إلى سجستان فافتتحها صلحاً، وافتتح الداور، وبلاداً من دار إبجرد، وهاجم مرو الروز فافتتحها، وبلغ سرخس فانقادت له، وفتح أبو شهر عنوة وطوس وطخارستان، ونيسابور، وأبيورد، وبلخ، والطالقان، والفارياب، وافتتحت له رساتيق هراة وآمل وبست وكابل، وقتل عثمان وهو على البصرة، وشهد وقعة الجمل مع عائشة، ولم يحضر وقعة صفين، وولاه معاوية البصرة ثلاث سنين بعد اجتماع الناس على خلافته، ثم صرفه عنها فأقام بالمدينة، ومات بمكة، ودفن بعرفات، كان شجاعاً سخياً وصولاً لقومه، رحيماً، محبا للعمران، اشترى كثيرا من دور البصرة وهدمها فجعلها شارعاً، وهو أول من اتخذ الحياض، بعرفة وأجرى إليها العين، وسقى الناس الماء، قال الإمام علي: ابن عامر سيد فتيان قريش، ولما بلغ نبأ وفاته معاوية قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن بمن نفاخر ونباهي!.
-62-
***
مات فيه، أرسل إلى ناس من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيهم عبد اللّه بن عمر(1) رضي الله عنهم، فقال: إنه قد نزل بي ما ترون؟ فقالوا: كنت تعطي السائل، وتصل الرحم، وحفرت الآبار في الفلوات لابن السبيل، وبنيت الحوض بعرفات، فما نشك في نجاتك، وعبد اللّه بن عمر ساكت، فلما أبطأ عليه، قال له: يا [ أبا ] عبد الرحمن ألا تتكلّم؟ فقال عبد الله: إذا طابت المكسبة زكت النفقة، وسترِدُ فتعلم.
ومما ينبغي له المشاورة والاستخارة في جميع أموره الدنيوية والأخروية، فقد ورد: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، وما عال من اقتصد) (2).
(1) عبد اللّه بن عمر: (10 ق هـ، 73 هـ، 613 - 692 م). عبد اللّه بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، صحابي من أعز بيوتات قريش في الجاهلية، كان جريئاً جهيراً، نشأ في الإسلام، وهاجر إلى المدينة مع أبيه وشهد فتح مكة، ومولده ووفاته فيها. أفتى الناس في الإسلام ستين سنة. ولما قتل عثمان عرض عليه نفر أن يبايعوه بالخلافة فأبى، وغزا إفريقية مرتين: الأولى مع ابن أبي سرح، والثانية مع معاوية بن جدع سنة 34 ه. وكُفّ بصره في آخر حياته، وهو آخر من توفي بمكة من الصحابة. له في كتب الحديث /2630 / حديثاً، وفي الإصابة: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل، وكان عمر في زمان له فيه نظراء وعاش ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير.
(2) المعجم الصغير 78/2 من حديث الحسن عن أنس بن مالك، قال الطبراني: لم يروه عن الحسن إلا عبد القدوس تفرد به ولده عنه. قال المناوي في الفيض هـ /443: قال ابن حجر في التخريج: وعبد القدوس ضعيف جداً، وقال في الفتح: أخرجه الطبراني في الفتح بسند واهٍ جداً، =
-63-
***
رواه الطبراني (1) في الصغير عن أنس (2) رضي اللّه تعالى عنه.
كان على هذا حج أهل الفضل والإحسان، ومرافقة أرباب الهمم العالية وأصحاب الامتنان، تغمدهم الله وإيانا بالرحمة والرضوان. وليتذكر الحاج بإعداد الرفيق إعداد أعماله الفاخرة، فإنها رفيقه أبداً في سفر الآخرة. وبتحفظه من رفيقه صحبة كتبته، فإنهم أحق بحسن صحبته. وبإعداد الزاد زاد المعاد، لقوله تعالى: {وَتزَوَّدُوا فإن خَير اَلزَّادِ التقوى} (3). وليكن متواضعاً في هذا الطريق غير متعاظم على الرفيق، وطالباً من الله حسن التوفيق.
= وقال الهيثمي 96/8: رواه في الأوسط والصغير من طريق عبد السلام بن عبد القدوس وكلاهما ضعيف جداً، أه.
(1) الطبراني: (260-360 هـ، 873 - 971 م). هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم، من كبار المحدثين، أصله من طبرية الشام، وإليها نسبته، ولد بعكا، ورحل إلى الحجاز، واليمن ومصر والعراق وفارس والجزيرة، وتوفي بأصبهان له ثلاثة معاجم في الحديث، منها (المعجم الصغير - ط) رتب فيه أسماء المشايخ على الحروف، وله كتب في التفسير والأوائل ودلائل النبوة، وغير ذلك.
(2) انس بن مالك: (10 ق هـ - 93 هـ، 612 - 712 م). هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري، أبو ثمامة أو أبو حمزة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، روى عنه البخاري ومسلم / 2286 / حديثاً، مولده بالمدينة، وأسلم صغيراً، وخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات فيها، وهو آخر من مات في البصرة من الصحابة.
(3) سورة البقرة: الآية 197.
-64-
***
وروي [ أن ] هارون الرشيد (1) حِج في زينة عظيمة، ومركب كبير، والناس يُصْرَفُوْنَ عن طريقه يميناً وشمالاً، فمر في طريقه على رجل من أولياء الله وهو يعظ الناس لعبادة مولاه، فتقدم الغِلمان إليه، وقالوا له: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين، فلما حاذاه الهودج / قال: [ 200 ب ]
(1) هارون الرشيد: (149 - 193 هـ، 766 - 809 م). هو هارون (الرشيد) بن محمد (المهدي) بن المنصور العباسي أبو جعفر، خامس خلفاء الدولة العباسية في العراق، وأشهرهم. ولد بالري لما كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان، ونشأ في دار الخلافة ببغداد، وولاه أبوه غزو الروم في القسطنطينية فصالحته الملكة (إيريني) وافتدت منه مملكتها بسبعين ألف دينار تبعث بها إلى خزانة الخليفة في كل عام. وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه. فقام بأعبائها، وازدهرت الدولة في أيامه، واتصلت المودة بينه وبين ملك فرنسة كارنوس الكبير الملقب ب (شارلمان) فكانا يتهاديان التحف، وكان الرشيد عالماً بالأدب وأخبار العرب والحديث والفقه، فصيحاً، له شعر، أورد صاحب (الدياريات) نماذج منه. وله محاضرات مع علماء عصره، شجاعاً، كثير الغزوات، يلقب بجبار بني العباس، حازماً كريماً متواضعاً، يحج سنة ويغزو سنة، لم ير خليفة أجود منه، ولم يجتمع على باب خليفة ما اجتمع على بابه من العلماء والشعراء والكتّاب والندماء، وكان يطوف أكثر الليالي متنكراً، قال ابن دحية: وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه وزيارته العلماء في ديارهم، ولهو أول خليفة لعب بالكرة والصولجان، له وقائع كثيرة مع ملوك الروم، ولم تزل جزيتهم تُحمل إليه من القسطنطينية طول حياته، وهو صاحب وقعة البرامكة، وهم من أصل فارسي، وكانوا قد استولوا على شؤون الدولة، فقلق من تحكمهم فأوقع بهم في ليلة واحدة، وأخباره كثيرة جدا، ولايته استمرت /23/ سنة وشهرين وأياما. توفي في (سناباذ) من قرى طوس
وبها قبره.
-65-
***
يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نابل (1)، قال: حدثني قدامة بن عبد اللّه (2)، قال: « رأيت رسول اللّه صلى الله تعالى عليه وسلم بمنى(3) على جمل وتحته رحل رثّ، ولم يكن ثَمّ ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك » (4)، فقيل: يا أمير المؤمنين إنه بُهلول (5) المجنون، فقال الرشيد: عرفته، قل يا بهلول، فقال:
هب أنك قد ملكت الأرض طرّاً / وَدَان لك البلاد فكان ماذا؟
أليس غداً مصيرك جوف قبر /ويحثوا التراب هذا ثم هذا
فقال الرشيد: أجدتَ يا بهلول فَغَيْره، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، من رزقه الله جَمالاً ومالاً، فَعَفَ في جَماله، وواسى في
(1) أيمن بن نابل: أبو عمران، ويقال أبو عمرو الحبشي المكي، نزيل عسقلان، صدوق يهم، من الخامسة.
(2) قدامة بن عبد اللّه: بن عمار العامري الكلابي، يكنى أبا عبد اللّه، صحابي أسلم قديماً وسكن مكة ولم يهاجر، وشهد حجة الوداع، وسكن نجداً، كان قليل الحديث.
(3) مِنى بكسر الميم: في درج الوادي الذي ينزله الحاج ويرمي فيه الجمار، وسمي بذلك لما يمنى فيه من الدعاء أي يراق، وحَدُّها من مهبط العقبة جهة مكة، إلى وادي محسر جهة مزدلفة، وهي داخل الحرم، ومسجدها هو مسجد الخيف.
(4) رواه الترمذي (ح 903) والنسائي (ح 3061) وابن ماجه (ح 3035) من حديث قدامة بن عبد اللّه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(ه) بُهلول المجنون: (... -190 هـ،... - 806 م). هو بُهلول بن عمرو الصيرفي، أبو وهيب، من عقلاء المجانين، له أخبار ونوادر وشعر، ولد ونشأ في الكوفة، واستقدمه الرشيد وغيره من الخلفاء لسماع كلامه، كان في منشأه من المتأدبين ثم وسوس فعرف بالمجنون.
-66-
***
ماله، كتب في ديوان الأبرار. فظن الرشيد أنه عَرًض بذلك يريد شيئاً، فقال: قد أمرنا بقضاء دينك يا بُهلول، فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا تقضي ديناً بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك من نفسك. قال: إنا قد أمرنا أن يُجرى عليك. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يعطيك الله وينساني، فقد أجرى علي الذي أجرى عليك، لا حاجة لي بجرايتك.
ويروى أن الرشيد حج ماشياً من المدينة إلى مكة الأمينة، ففرش له في الطريق اللُبُود والمِرْعِزَّى (1)، فاستند يوماً إلى ميل ليستريح وقد تعب، فإذا هو بسعدان المجنون (2) عارضه وهو يقول:
هب الدنيا تواتيكا …أليس الموت يأتيكا
فما تصنع بالدنيا ……وظل الميل يكفيكا
ألا يا طالب الدنيا …دع الدنيا لشانيكا
كما أضحكك الدهر …كذاك الدهر يبكيكا
فشهق الرشيد شهقة خر مغشياً عليه.
(1) اللبود: واحده اللَّبْد، نوع من البسط يلصق بالأرض. والمِرْعِزَّى: بكسر الميم والعين وتشديد الزاء مقصور، الزغب الذي تحت شعر العنز.
(2) سعدان المجنون: لعله المسمى بسعدون ترجمه ابن كثير في البداية والنهاية10/203 فيمن توفي سنة تسعين ومائة فقال: سعدون المجنون: صام ستين سنة فخف دماغه فسماه الناس مجنوناً، وقف يوما على حلقة ذي النون المصري فسمع كلامه فصرخ ثم أنشأ يقول:
ولا خيرَ في شكوى إلى غير مشتكى/…ولا بد من شكوى إذا لم يكنْ صبرُ
-67-
***
وكان ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما إذا رأى ما أحدث الناس من الزينة والمحامل (1): يقول: الحاج قليل والركب كثير. ثم نظر إلى رجل مسكين رث الهيئة تحت جُوَالق (2)، فقال: هذا نَعَمْ، نِعْمَ الحاج.
وقال له مجاهد(3)، وقد دخلت القوافل: ما أكثر الحاج! فقال: [201 آ ] ما أقلّهم ولكن / قُل ما أكثر الركب.
ولله در القائل:
ألا إن ركاب الفيافي، إلى الحمى /كثيرٌ وأما الواصلون قليلٌ
وينبغي أن يأخذ نفسه بالرحمة، ولا يؤذي الناس بالزحمة، لا
(1) المحامل جمع مفرده مَحْمِل كَمْجلس، ويجوز بوزن مِقْوَد، وهو الهودج يضعه المسافر فوق البعير للركوب.
(2) الجُوالق بضم الجيم فارسي معرب، وهو وعاء منسوج توضع فيه الحبوب والأمتعة وغيرها جمعه (جَوالق) بفتح الجيم، ويجمع على (جَواليق) و(جَوالقات)، وهو عند العامة: شُوال.
(3) مجاهد: (21 - 104 هـ، 642 - 722 م). هو مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، مولى بني مخزوم، تابعي مفسر من أهل مكة، قال الذهبي: شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، قرأه عليه ثلاث مرات، يقف عند كل آية يسأله، فيم نزلت وكيف كانت؟ وتنقل في الأسفار، واستقر في الكوفة، وكان لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنطر إليها، ذهب إلى (بئر برهوت) بحضرموت، وذهب إلى (بابل) يبحث عن هاروت وماروت، أما كتابه في التفسير فيتقيه المفسرون، وسئل الأعمش عن ذلك فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب، يعني النصارى واليهود، و(قال: إنه مات وهو) ساجد.
-68-
***
سيما في ضيق الطريق وموارد الماء، ولا يكسر قلوب الفقراء، ولا ينهر في وجوه الضعفاء، وليُبِر بهم ولو بالقليل، أو يصرفهم بالرد الجميل، وليحذر من تحميل الدابة فوق طاقتها أو إجاعتها، فليس ذلك جزاء إطاعتها؛ ولأن الدواب مراكيب الأحباب إلى ذلك الجناب. وقد قيل في هذا الباب:
وإن جمالاً قد علاها جَمالكم /…وإن قطعت أكبادنا بحبائب
وخليق بمن كان سبباً في التبليغ إلى محل التأميل، أن يلاحظ بعين التبجيل، كما يشير إليه قوله سبحانه: {وَتحمِلُ أَثقالكم إِلى بلَد لم تَكَوُنوُا بالِغِيهِ إلا بشق الأنفس} (1)، وقد فسر البلد بالبلد الأنفس، ولله در القائل:
وإذا المطىِّ بنا بلغن محمداً / فظهورهن عن الرحال حرام
قرَّبننا من خير من وطئ الثرى / فلها علينا حرمة وذمام
وقال: قال عليه الصلاة والسلام للمرأة التي نذرت أن تنحر الناقة التي سلمها الله عليها: (بئس ما جزيتيها)(2).
(1) سورة النحل: الآية 7.
(2) جزء من حديث طويل رواه مسلم (ح 1641)، وأبو داود (ح 3316)، وأحمد 29/44، 430 من حديث عمران بن حصين. وفيه قصة العضباء وهي ناقة نجيبة كانت لرجل من بني عقيل ثم انتقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قصة المرأة الأنصارية، وهذا لفظ مسلم قال: أسرت امرأة منِ الأنصار، وأصيبت العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم يُريحون نعَمَهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتى تنتهي إلى العضباء فلم =
-69-
***
وقال أبو الدرداء (1) رضي الله عنه للبعير الذي له: أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك، فإني لم أكن أُحَمِّلك فوق طاقتك. وكان بعض السلف لا يَطْعم إذا نزل منزلاً حتى يعلف الدابة أوّلاً.
والحاصل: أن السالك في هذه المسالك، ينبغي أن يكون متصفا بالشكر والصبر، ولا يتأثّر فيه ضيق الصدر، وما يتعلق به من الضجر. فقد قال بعض أهل الشعر:
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله / لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَّبِرا
وعند الصباح تحمد القوم السُّرَى.
= ترغ، قال: وهي ناقة مُنوَّقة - أي مذللة -، فقعدت في عُجْزِها ثم زجرتها فانطلقت، ونذروا بها - أي علموا بهربها - فطلبوها فأعجزتهم، قال: ونذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها.
فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له. فقال: (سبحان الله! بئسما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد). قال أبو داود: والمرأة هذه امرأة أبي ذر.
(1) أبو الدرداء: (... - 32 هـ،... - 652 م). هو عويمر بن مالك بن قيس ابن أمية الأنصاري الخزرجي، أبو الدرداء، صحابي من الحكماء الفرسان القضاة، كان قبل البعثة تاجراً في المدينة، ثم انقطع للعبادة، ولما ظهر الإسلام اشتهر بالشجاعة والنسك، وفي الحديث: (عويمر حكيم أمتي) و(نِعم الفارس عويمر). وولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، وهو أول قاض بها، قال ابن الجزري: كان من العلماء الحكماء، وهو أحد الذين جمعوا القرآن حفظاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. مات بالشام، وروى عنه أهل الحديث 179 حديثاً.
-70-
***
ونعم ما قال بعض الشعراء:
لولا المشقة ساد الناس كلهم /…الجود يفقر والإقدام قتّال
وعن بعض الأولياء: العجب ممن يقطع المفاوز في البيداء، ليصل إلى بيت الله وحَرَمه، ويرى آثار النبوة/ وأنوار جوده وكرمه، كيف لا يقطع نفسه وهواه في حبه، ليصلَ إلى حضور قلبه، فيرى آثار أنوار ربه، وأزهار أسرار لبه.
فينبغي كون سير الظاهر إلى بيت ربه، وسير الباطن إلى تصفية قلبه، وتزكية حبه، فانه هو المقصود والموجود، والمعبود في نطر أرباب الشهود. ونعم ما قال بعض أرباب الحال:
سكنتم رُبَىَ الوادي فأضحت لأجلكم / زيارته فرضاً على كل مسلم
بكم أصبح الوادي يُعَظَّم شأنه / ولولاكم قد كان غير معظم
ولمجنون بني عامر (1):
أمُرُّ على الديار ديار ليلى …أُقبِّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبُّ الديار شغفن قلبي …ولكن حبُّ من سكن الديارا
[ 201 ب ]
(1) مجنون بني عامر: (... - 68 هـ،... - 688 م). هو قيس بن الملوح بن مزاحم العامري، شاعر غزل، من المتيمين من أهل نجد، لم يكن مجنوناً وإنما لقب به لهيامه في حب (ليلى بنت سعد)، قيل في قصته: نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها فهام على وجهه ينشد الأشعار، ويؤنس الوحوش، فيُرى حيناً في الشام، وحيناً في نجد، وحيناً في الحجاز، إلى أن وجد ملقى بين الأحجار وهو ميت، فحمل إلى أهله. وقد جمع بعض شعره في ديوان مطبوع، وكان الأصمعي ينكر وجوده، ويراه =
-71-
***
ويروى أن رجلاً قال للفضيل بن عياض (1) رحمه اللّه تعالى: إني أريد الخروج إلى مكة فأوصني، فقال له: شمّر إزارك في الطلب، وانظر إلى أين تذهب، وإلى من تذهب، فخرّ الفضيل مغشياً، وسقط الرجل من ساعته ميتاً.
وليتذكر الحاج بوصوله إلى الميقات (2): أن اللّه تعالى قد أهَلَه للقدوم عليه، والقرب إليه، والوقوف لديه، فليلزم الأدب معه، ليصلح لإقباله وإدراك نواله.
وليتذكر عند تجرده عن المخيط للإحرام: تجريده لغسل الموت حال الاختتام. ولينو عند تجردّه عن محظورات الإحرام: أنه تجرّد عن جميع المحرمات في أحكام الإسلام. وعند غسله أنه اغتسل: من
= اسماً بلا مسمى، والجاحظ يقول: ما ترك الناس شعراً مجهول القائل فيه ذكر ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ويقول ابن الكلبي: حُدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له.
(1) الفضيل بن عيّاض: (105 - 187 هـ، 723 - 803 م). هو الفضيل بن عيّاض ابن مسعود التميمي اليربوعي، أبو علي، شيخ الحرم المكي، من أكابر العباد الصلحاء، كان ثقة في الحديث، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي، ولد في سمرقند، ونشأ بأبيورد، ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله منها، ثم سكن مكة وتوفي بها، من كلامه: من عرف الناس استراح.
(2) الميقات: هو المكان الذي لا يجوز تخطيه بدون إحرام لمن كان قاصداً النسك (حجاً أو عمرة) وهو مختلف باختلاف الجهة التي يعبر منها الناسك إلى الحرم.
-72-
***
الخطايا والآثام. وقد قال بعض المشايخ الأخيار: موتوا قبل أن تموتوا، أي: موتوا بالاختيار قبل أن تموتوا بالاضطرار.
وليتذكر عند لبس إزاره وردائه لفه في أكفانه حال فنائه. وعند تطيبه حال حنوطه، وعند صلاة سنة الإحرام الصلاة عليه في فرض المقام.
وليتذكر حال تلبيته بعد تصحيح نيته وتزيين طويته: أنه يجيِب الباري في دعوته إلى بيته، الذي هو مهبط أنوار نبيه، ومعدن أسرار وحْي صفيِّه، وهو واقف بين الرد والقول في مقام الحصول /. فإن [ 202 أ ] التلبية بداء الأمر، وموضع الخطر، فإن أقبل على الله بقلبه، أقبل عليه الرب من فضله، وإن أعرض أعرض عنه بمقتضى عدله.
وقد روى مصعب (1) بن عبد اللّه بن مصعب بن ثابتَ بن عبد اللّه بن الزبير عن مالك (2) أنه قال: اختلفتُ إلى جعفر بن محمد(3)
(1) مصعب بن عبد اللّه: (156 - 236 هـ، 773 - 851 م). هو مصعب بن عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير، أبو عبد اللّه، علاَمة بالأنساب، غزير المعرفة بالتاريخ، كان أوجه قريش مروءة وعلماً وشرفاً، وكان ثقة في الحديث، شاعراً، ولد بالمدينة، وسكن بغداد، وتوفى بها، له كتاب (نسب قريش - ط) و(النسب الكبير).
(2) الإمام مالك: (93 - 179 هـ، 712 - 795 م). هو عند الإطلاق مالك بن أنس الأصبحي الحميري، أبو عبد اللّه، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، واليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة، كان صلباً في دينه، بعيداً عن الأمراء والملوك، وشي به إلى جعفر عم المنصور العباسي فضربه سياطاً انخلعت لها كتفه، ووجه إليه =
-73-
***
وما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مُصلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث عن رسول اللّه صلى الله تعالى عليه وسلم إلا على طهارة، وكان من العلماء العباد الزهاد الذين يخشون اللّه.
ولقد حججت معه سنة، فلما أتى الشجرة وأراد أن يهلّ كاد يغشى عليه. فكلمته في ذلك، وكان يكرمني وينبسط إليّ، فقال: يا ابن أبي عامر، إني أخشى أن أقول لبيك اللهم لبيك، فيقول: لا
= الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه، فقال: العلم يُؤتى، فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار، فقال مالك: يا أمير المؤمنين من إجلال رسول اللّه إجلال العلم، فجلس بين يديه فحدثه، وسأله المنصور أن يضع كتاباً للناس يحملهم على العمل به، فصنف (الموطأ - ط) وله رسالة في (الوعظ - ط) وكتاب في (المسائل - خ)، ورسالة في (الرد على القدرية) وكتاب في (النجوم) و(تفسير غريب القرآن) وأخبار كثيرة، ولمحمد أبي زهرة كتاب (مالك بن أنس: حياته عصره - ط) ولأمين الخولي (ترجمة محررة لمالك بن أنس - ط).
(3) جعفر بن محمد: (80 - 148 هـ، 699 - 765 م). هو جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط الهاشمي القرشي، أبو عبد اللّه، الملقّب بالصادق، سادس الأئمة الإثني عشرية عند الإمامية، كان من أجلاء التابعين، وله منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه جماعة، منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك، ولقب بالصادق لأنه لمِ يعرف عنه الكذب قط، له أخبار مع الخلفاء من بني العباس، وكان جريئاَ عليهم، صدّاعاً بالحق، له رسائل مجموعة في كتاب ورد ذكرها في كشف الظنون، يقال: إن جابر بن حيان قام بجمعها، مولده ووفاته بالمدينة.
-74-
***
لبيك ولا سعديك. قال مالك: ولقد أحرم جدّه عليّ بن الحسين (1)، فلما أراد أن يقول: لبيك اللهم لبيك، أو قالها غُشي عليه وسقط عن ناقته، فهشم وجهه رضي اللّه عنه.
وقال أحمد بن أبي الحواري (2): كنت مع أبي سليمان الداراني (3) حين أراد أن يحرم فلم يُلبِّ حتى سرنا ميلاً، ثم غُشي
(1) علي بن الحسين: (38 - 94 هـ، 658 - 712 م). هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي، أبو الحسن، الملقب بزين العابدين، رابع الأئمة الإثني عشرية عند الإمامية، وأحد من كان يُضرب بهم المثل في الحلم والورع، يقال له: (علي الأصغر) للتمييز بينه وبين أخيه (علي الأكبر) الذي قتل مع والده الحسين في كربلاء. مولده ووفاته بالمدينة أحصي بعد موته عدد من كان يقوتهم سراً فكانوا نحو مئة بيت، قال بعض أهل المدينة: ما فقدنا صدقة السر إلا بعد موت زين العابدين. وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين معايشهم ومأكلهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ليلا إلى منازلهم، وليس للحسين السبط عقب إلا منه.
(2) أحمد بن أبي الحواري: (64 - 246 هـ، 780 -860 م). هو أحمد بن عبد اللّه بن ميمون بن العباس بن الحارث التغلبي، أبو الحسن بن أبي الحواريِ، الدمشقي الغطفاني، الزاهد كوفي الأصل، قال ابن معين: أظن أهل الشام يسقيهم الله به الغيث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يحسن الثناء عليه ويطنب في مدحه، قال أبو داود: ما رأيت أحداً أعلم بأخبار النساك منه.
(3) أبو سليمان الداراني: (... - 215 هـ،... -830 م). عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي المذحجي، أبو سليمان، زاهد مشهور من أهل دار (بغوطة دمشق)، رحل إلى بغداد وأقام بها مدة، ثم عاد إلى الشام، وتوفي في بلده، كان من كبار المتصوفين، له أخبار في الزهد، من كلامه: خير السخاء ما وافق الحاجة.
-75-
***
عليه فأفاق، وقال: يا أحمد أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: مُرْ ظَلَمة بني إسرائيل أن لا يذكروني، فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة، وْيحَكَ يا أحمد بلغني أن من حج من حل (1) ثم لبّى، قال الله: (لا لبيك ولا سعديك)، فما نأمن أن يقال لنا ذلك.
وعن بعض السلف، قال: كنت بذي الحُليفة (2)، وشاب يريد أن يحرم فكان يقول: يا رب أريد أن أقول لبيك، وأخشى أن تجيبني: بلا لبيك ولا سعديك، وجعل يردد ذلك مراراً، ثم قال: لبيك اللهم لبيك، مد بها صوته وخرجت روحه رحمه الله.
وقال مالك (3) بن دينار: خرجت إلى مكة، فبينا أنا أسير إذا أنا بشاب وهو ساكت لا يذكر الله فيما يرى، حتى إذا جنّه الليل رفع رأسه إلى السماء، وهو يقول: يا من تسره الطاعة، ولا تضره المعصية، [ 2.2 ب ] هب لي / ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك، قال: ثم رأيته بذي الحليفة وقد لبس إحرامه، والناس يلبون وهو لا يلبي، فقلت: جاهل، فدنوت منه فقلت: يا فتى؟ فقال: لبيك، قلت: لم لا تلبي؟ فقال لي: يا
(1) الحِل: هو المنطقة بين الحرم والميقات، وهو دائرة كبيرة حول الحرم يحدها من أطرافها المواقيت، ولعل في العبارة تصحيفاً والصحيح: (من غير حل) أي مال غير حلال، وهو الأوضح في المعنى.
(2) ذو الحُليفة: هو ميقات أهل المدينة، وهو قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة أميال، وهي من مياه بني جُشم.
(3) مالك بن دينار: (... - 131 ه،... - 748 م). هو مالك بن دينار البصري، أبو يحيى، من رواة الحديث، كان ورعاً، يأكل من كسبه، ويكتب المصاحف بالأجرة، توفي بالبصرة.
-76-
***
شيخ أخاف أن أقول لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعديك، لا أسمع كلامك ولا أنظر إليك، فقلت له: لا يفعل فإنه كريم، إِذا غضب رضي، وإذا رضي لم يغضب، وإذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا. فقال لي: يا شيخ أتشير عليَّ بالتلبية؟ فقلت: نعم. فبادر إلى الأرض واضطجع، وجعل خده على الأرض، وأخذ حجرا فجعله على خده الآخر، وأسبل دموعه، وأقبل يقول: لبيك اللهم لبيك، قد خضعتُ إليك، وهذا مصرعي بين يديك، فأقام كذلك ساعة، ثم قام ومضى.
وحج بعض شعراء السلف ولبى فقال:
إلهنا إلهنا ما أعدلك
***…مَليكَ كل من مَلَك
لبيك قد لبيتُ لك
*** لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
*** ما خاب عبد أَمَّلك
أنت له حيث سلك
*** لولاك يا رب هلك
يا مخطئاً ما أعقلك
*** عجِّل وبادر أجلك
واختم بخير عملك
*** لبيك إن الملك لك
والحمد والنعمة لك
***…والعز لا شريك لك
وليتذكر عند انتشار المُحرمين رافعي أصواتهم بالتلبية حالَ القيام من القبور، وإجابتهم عند النفخة {يَومَ يَدعِ اَلدَّاع إِلى شيء نكرٍ، خشَّعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مهطِعِينَ إِلى الدَاع يَقوُلُ الكَافرونَ هذا يَوم عَسر} (1).
(1) سورة القمر: الآية 6 - 8.
-77-
***
ثم اعلم بأنه لما كان المقصود من لبس إزاره وردائه استمطار سحب آلاء اللّه ونعمائه، والتذلل في الوقوف بكريم فنائه، ألزم فيه العبد المخالفة في هيئته المعروفة، وأمر بمجانبة الرفاهية، ومباينة الملاذ المألوفة، ونطر إلى أشرف أعضائه وألطف أجزائه، فخوطب بامتهانه وكشفه، ليعد إلى باب الله طالباً للطفه، ومن تعرى لله في الدنيا يكسى الحلل في العقبى.
يروى أن امرأة عابدة حجَت، فلما دخلت مكة/[203 أ ] وجعلت تقول: أين بيت ربي أين بيت ربي؟ فقيل لها: هذا بيت ربك، فاشتدت نحوه تسعى، حيث ألصقت جبينها بحائط البيت، فما رفعت إلاّ ميّتة.
وقال سعيد بن جبير(1): رأيت امرأة جاءت، فقامت في الملتزم، فجعلت تدعو وتبكي حتى ماتت.
(1) سعيد بن جبير: (45 - 95 هـ، 665 - 714 م). هو سعيد بن جبير الأسدي بالولاء، الكوفي، أبو عبد اللّه، تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، من موالي بني والبة بن الحارث، من بني أسد، أخذ العلم عن عبد اللّه بن عباس، وابن عمر، ثم كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه قال: أتسألونني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيداً. ولما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على عبد الملك بن مروان كان سعيد معه إلى أن قتل عبد الرحمن فذهب سعيد إلى مكة فقبض عليه واليها (خالد القسري) وأرسله إلى الحجاج فقتله بواسط.
قال الإمام أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيداً وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه.
-78-
***
وحج الشبلي (1) رحمه الله، فلما دخل إلى مكة وحصل وصاله، وعظم عنده قدر ما ناله، أنشد طرباً مستعظماً حاله:
أبطحان مكة هذا الذي/…أراه عياناً وهذا أنا
ثم لم يزل يكررها حتى غشي عليه في إثرها.
ولما دخل أبو الفضل الجوهري (2) الحرم، ونظر إلى البيت المعظّم، وقد داخله الطرب الأتمّ، قال: هذه أنوار ديار المحبوب، فأين المحبوب!، هذه آثار أسرار القلوب، فأين المشتاقون! هذه ساعة الإطلاع على الدموع، فأين البكاؤون. ثم شهق شهقة وأنشد:
هذه دارهم وأنت محب
*** ما بقاء الدموع في الآماق
ثم بادر إلى البيت باكياً وهو ينادي: لبيك لبيك ساعياً، وللجواب خائفاً راجياً.
ثم انوِ عند استلام الحجر أنكَ بايعت الله على لزوم طاعته،
(1) الشبلي: (247 - 334 هـ، 861 - 946 م). هو أبو بكر، دُلَف بن جحدر الشبلي، ناسك كان في مبدأ أمره والياً في (ديناوند) من نواحي رستاق الري. وولي الحجابة للموفق العباسي، وكان أبوه حاحب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة فاشتهر بالصلاح، له شعر جيد سلك به مسالك المتصوفة، أصله من خراسان، ونسبته إلى قرية (شبلة) من قرى ما وراء النهر، ومولده (سُرَّ من رأى)، ووفاته ببغداد، اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه ونسبه، فقيل (دُلَف بن جعفر) وقيل (جحدر بن دلف) و(دلف بن جِعترة) و(دلف بن جعونة) و(جعفر بن يونس).
(2) الجوهري: كثيرون ذكروا في كتب التراجم بهذا الاسم.
-79-
***
ودوام الوفاء ببيعته، فإنه عليه السلام قال: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه)(1). وهذا على طريق ضرب المثل في فحواه، ونظيره قوله سبحانه: {إِنَّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليهُ الله فسيؤتيه أجراً عظيما} (2).
وإذا رملتَ في الطواف فانوِ أنك هارب من ذنوبك، وإذا مشيتَ فترجَّ من ربك الأمن من عذاب ما هربت منه بقبول توبتك. وتذكر عند تعلُّقكَ بالأستار تشبث الجناة بأذيال الكرام الأبرار.
وسئل عليّ بن الحسين زين العابدين عن ابتداء الطواف؟
(1) أورده السيوطي في الجامع الصغير، ونسبه للخطيب في تاريخ بغداد وابن عساكر في تاريخ دمشق عن جابر بن عبد اللّه، ورمز السيوطي لضعفه. كما أورد في كشف الخفا 1 /417 شطره الأول وقال: رواه الطبراني في معجمه وأبو عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه. ثم قال: وأخرجه الأزرقي في تاريخه عن ابن عباس قال: الركن يمين اللُه في الأرض يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه. ورواه القضاعي أيضاً عن ابن عباس موقوفاً عليه، لكنه صحيح، ومثله مما لا مجال للرأي فيه، وله شواهد، فالحديث حسن وان كان ضعيفاً بحسب أصله، أه. وأورد بعض شواهده وقال: ومعناه كما قال المحب الطبري: أن كل مَلِك إذا قُدمَ عليه قُبِّلت يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر يسن لهما تقبيله نُزَل منزلة يمين الملِك على سبيل التمثيل، ولله المثل الأعلى، ولذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما أن الملك يعطي العهد بالمصافحة.
(2) سورة الفتح: الآية 10.
-80-
***
فقال: لما قال الله / تعالى للملائكة: {إني جَاعلُ فيُ الأرض خليفَةً [ 203 ب ] قَالوُا أتجعل فِيهَا مَن يُفسد فِيهَا وَيسفك الدِّمَاءَ}، وقال الله تعالى: {إني أَعلَمُ مَا لا تعلمَونَ} (1) ظنت الملائكة أن ما قالوه رد على ربهم فلاذوا بالعرش، فطافوا به إشفاقا من الغضب عليهم، فوضِع لهم البيت المعمور، فطافوا به، ثم بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتاً في الأرض تمثاله، وأمر الله خلقه أن يطوفوا بالبيت المذكور، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
وليحذر من الإساءة حال طوافه، ووقت اعتكافه، وليحفظ جميع جوارحه تأدباً مع ربه في مقام قربه. فقد روي أن رجلاً طاف بالبيت، فبرق له ساعد امرأة، فوضع ساعده على ساعدها، يتلذذ به، فلصق ساعداهما، فقال له بعض الصالحين: ارجع إلى المكان الذي فعلت فيه تلك المعصية، وعاهد رب البيت أن لا تعود إلى مثل تلك القضية، بالإخلاص وصدق النية، ففعل فتخلص عن البلية.
ويروى أن امرأة عاذت من ظالم، فجاءها ومد يده إليها، فيبست يده عند مدّها.
وعن بعض السلف أنه دخل الحِجْر في الليل وصلَى تحت الميزاب، وأنه سمع وهو ساجد كلاما بين أستار الكعبة والحجارة وهو يشكو إلى الله تعالى ما يفعل هؤلاء الطائفون حولي من إساءتهم، قال: فأوَلت أن البيت تشكى.
(1) سورة البقرة: الآية 30.
-81-
***
ويروى عن أبي يعقوب النَهْرجوري (1)، قال: رأيت في الطواف رجلاً له عين واحدة، وهو يقول في طوافه: أعوذ بك منك، فقلت له: ما هذا الدعاء؟ فقال: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يوماً فاستحسنته فإذا لطمة وقعت على عيني، فسالت عيني على خدي، فقلت: آه، فقال قائل: هبناك لطمة بنظرة، ولو زدت زدناك.
ويروى عن إبراهيم الخوَاص (2)، قال: رأيت شاباً في الطواف [ 204 ا ] متزراً بعباءة، متوشحاً بأخرى كثير الطواف والصلاة/ مشغولاً بالله، لا يلتفت إلى ما سواه، فوقعت في قلبي محبته، فَفتِح عليّ بأربعمائة درهم، فجئت بها إليه، وهو جالس خلف المقام، فوضعتها على طرف عباءته، فقلت له: يا أخي اصرف هذه القطيعات في بعض الحويجات، فقام وبددها في الحصى، وقال يا إبراهيم: اشتريت من الله تعالى هذه الجلسة بسبعين ألف دينار، أتريد أن تخدعني
(1) أبو يعقوب النهرجوري: (000-330 هـ، 000- 941 م) هو إسحاق بن محمد النهرجوري، أبو يعقوب، من علماء الصوفية، نسبته إلى نهرجور (قرية بالقرب من الأهواز)، رحل إلى الحجاز وأقام مجاوراً بالحرم سنين كثيرة، ومات بمكة، من كلامه: الصدق موافقة الحق في السر والعلانية، وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة، وقال في مجلس وعظ: أعرف الناس بالله أشدهم تحيراً فيه.
(2) إبراهيم الخواص: (000 - 291 هـ،000 - 904 م). هو إبراهيم بن أحمد ابن إسماعيل، أبو إسحاق الخواص، صوفي، كان أوحد المشايخ في وقته من أقران الجنيد، ولد في (سُرَّ من رأى)، ومات في جامع الرَي، قال الخطيب البغدادي: له كتب مصنفة. والخواص بائع الخوص.
-82-
***
عن اللّه بهذا الوسخ! قال إبراهيم: فما رأيت أذل من نفسي، وأنا أجمعها من بين الحصى، وما رأيت أعز منه وهو ينظر إليّ، ثم ذهب. ويروى أن الجنيد (1) طاف بالبيت في جوف الليل، فسمع جارية تطوف وهي تقول:
أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته…فأصبح عندي قد أناخ وطنّبا
إذا اشتد شوقي هام يوماً بذكره …وإن رمت قرباً من حبيبي تقربا
فقلت لها: يا جارية: أما تتقين الله تتكلمين في مثل هذا المقام بمثل هذا الكلام! فالتفتت إليّ وقالت: يا جنيد، لولا التقى لم ترني أهجر طيب الوسن، إن التقى شرّدني، كما ترى عن وطني، أفرّ من وجدي به فحبه هيّمني، ثم قالت: يا جنيد، أتطوف بالبيت، أم رب البيت؟ قلت: أطوف بالبيت، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت:
(1) الجنيد: (... - 297 هـ،... -910 م). هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز، أبو القاسم، صوفي، من العلماء بالدين، مولده ومنشأه ووفاته ببغداد، أصل أبيه من نهاوند، وكان يُعرف بالقواريري نسبة لعمل القوارير، وعرف الجنيد بالخزاز لأنه كان يعمل الخز، قال أحد معاصريه: ما رأت عيناي مثله، الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه، وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد، وقال ابن الأثير في وصفه: إمام الدنيا في زمانه، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصوناَ من العقائد الذميمة، محمي الأساس من شبه الغلاة، سالماً من كل ما يوجب اعتراض الشرع، من كلامه: طريقنا مضبوط بالكتاب والسنّة، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يُقتدى به.
-83-
***
سبحانك ما أعظم مشيئتك في خلقك، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار، ثم أنشأت تقول:
يطوفون بالأحجار يبغون قربة……إليك وهم أقسى قلوباً من الصخر
قال الجنيد: فغشي عليّ من قولها، فلما أفقت لم أرها.
وقال أبو يزيد البِسْطَامي (1): حججت ثلاث حجج: ففي الحجة الأولى رأيت البيت ولم أر رب البيت، وفي الثانية: رأيت البيت ورب البيت، وفي الثالثة: رأيت رب البيت ولم أر البيت.
قلت: المرتبة الأولى: هي حال أهل التفرقة، والأخرى: حال أهل الخدمة في طريق المولى، والوسطى: حال أهل جمع الجمع. [ 204 ب ] في الحضرة الأعلى/ وهي الفضلى والأولى كما لا يخفى.
وعن مالك بن دينار قال: بينا أنا أطوف ذات ليلة، إذا أنا بجويرية متعلقة بأستار الكعبة، وهي تقول: يا رب ذهبت اللذات، وبقيت التبعات، يا رب كم من شهوة ساعة من الزمان قليلاً قد أورثت صاحبها حزناً طويلاً، يا رب أمالك عقوبة ذلك في دار القرار إلا النار. فما زال قولها حتى طلع الفجر، فوضع مالك يده على رأسه
(1) أبو يزيد البسطامي: (188 - 261 هـ، 804 - 875 م). هو طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد، ويقال بايزيد، زاهد مشهور، له أخبار كثيرة، كان ابن عربي يسميه أبا يزيد الأكبر، نسبته إلى بسطام (بلدة بين خراسان والعراق) أصله منها ووفاته فيها. قال المناوي: وقد أفردت ترجمته بتصانيف حافلة، ويعرف أتباعه بالطيفورية أو البسطامية.
-84-
***
صارخاً، يبكي يقول: ثكلت مالكاً أمه وعدمته، جويرية منذ الليلة قد بطلته، وعن حاله عطلته.
وقد تعلق رجل بأستار الكعبة، وأنشد:
ستور بيتك ذيل الأمن منك/وقد علقتها مستجيراً أيها الباري
وما أظنك لما أن عَلقتُ بها/خوفاً من النار تدنيني مِن النارِ
وها أنا جار بيت أنت قلت لنا/حجوا إليه وقد أوصيتَ بالجارِ
وعن صالح المُرّي (1) أنه كان يطوف بالبيت، فسمع أعرابياً يقول، وهو متعلق بأستار الكعبة: إلهي إن استغفاري إياك على كثرة ذنوبي للوم ظاهر، وإن ترك استغفاري على سعة رحمتك لعجز باهر، إلهي كم تتقرّب إليّ بالنعم مع غناك عني وعن عملي، وكم أتباعد عنك بالمعاصي مع فقري إليك في أملي. فيا من إذا وعد وفى، وإذا أوعد تجاوز وعفا، أدخِل عظيم جرمي في سعة رحمتك من هذا الباب، إنك أنت الوهّاب.
(1) صالح المري: (... - 172هـ،... - 788 م). صالح بن بشير بن وادع، أبو بشر البصري، القاصُّ المعروف بالمري الزاهد، ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير عن قوم ثقات، وكان رجلاً صالحاً، وكان شديد الخوف من الله كثير البكاء، قال عنه ابن حبان في الضعفاء: كان من عُبَّاد أهل البصرة وقرائهم، وهو الذي يقال له صالح بن بشير المري الناجي، وكان من أحزن أهل البصرة صوتاً وأرقهم قراءة، غلب عليه حتى غفل عن الإتقان في الحفظ، وكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت والحسن ونحو هؤلاء على التوهم فيجعله عن أنس، فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها عن الأثبات فاستحق الترك عن الاحتجاج، أه.
-85-
***
قال صالح: فوالله ما سمعت في حجي ذلك أبلغ من كلام الأعرابي هنالك.
وقال إلى الشيخ ابن الموفق (1): طفت بالبيت ليلة وصليت ركعتين بالحِجْر، واستندت إلى جوار الحجر أبكي، وأقول: كم أحضر هذا البيت الشريف ولا أزداد في نفسي خيراً، فبينا أنا بين النائم واليقظان، إذ هتف بي هاتف، يا علي: سمعنا مقالتك، أو تدعو أنت إلى بيتك من لا تحبه!
وقال الأوزاعي (2): رأيت رجلاً متعلقاً بأستار الكعبة، وهو
(1) الشيخ ابن الموفق: (... - 626 ه،... - 1229 م). محمد بن الحسن بن علي بن موفق، أبو عبد اللّه الأندلسي الميورقي، ويقال له ابن الشَّكاز، عالم بالقراءات، ولي الخطابة في بلده (ميورقة) مدة قصيرة، له كتب منها (الميَسَّر) في القراءات، مات قبل الكائنة العظمى من الروم على ميورقة بنحو ستة أشهر.
(2) الأوزاعي: (88 – 175هـ، 707 - 774 م). هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد الأوزاعي، من قبيلة الأوزاع، أبو عمرو، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد،. وأحد الكتاب المسترسلين، ولد في بعلبك، ونشأ في البقاع، وسكن بيروت وتوفي بها، وعرض عليه القضاء فامتنع، قال صالح بن يحيى في تاريخ بيروت: (كان الأوزاعي عظيم الشأن بالشام، وكان أمره أعز من أمر السلطان، وقد جعلت له كتاباً يتضمن ترجمته). له كتاب (السنن) في الفقه، و(المسائل). ويقدر ما سئل عنه بسبعين ألف مسألة أجاب عليها كلها، وكانت الفتيا تدور بالأندلس على رأيه (مذهبه) إلى زمن الحكم ابن هشام، ولأحمد بن محمد الحنبلي المعروف بابن زيد والمتوفى سنة 870 ه كتاب (محاسن المساعي في مناقب أبي عمرو الأوزاعي) مطبوع نشره الأمير شكيب أرسلان.
-86-
***
يقول: يا رب إني فقير كما ترى، وصبيتي قد عَرُوا كما ترى، وناقتي قد عجفت كما ترى، وبردتي قد بليت كما ترى، فما ترى فيما ترى، يا من يَرى ولا يُرى.
فإذا بصوت من خلفه: يا عصم يا عصم / الحق عمَك قد هلك [ 205 ا ] بالطائف، وخلَف ألف نعجة، وثلاث مائة ناقة، وأربعمائة دينار، وأربعة أعبد، وثلاثة أسياف يمانية، فامض فخذها فليس له وارث غيرك.
قال الأوزاعي، فقلت: يا عاصم إن الذي دعوته لقد كان منك قريباً، فقال: يا هذا أما سمعت قوله تعالى: {وإذا سَأَلك عبادي عَني فَاِني قَرِيب} (1)0
وإذا سعيت فتذكر تردد العبد في فناء دار السيد إظهاراً لمحبته، وإشعاراً لخدمته، ورجاء ملاحظته بعين جوده ورحمته. وكن كمن دخل دار مَلِك وحرَمه، وخرج منها مع خدمه وحشمه، ولم يعلم هل قبله المولى أم لا، فهو تردد في فنائها مرة بعد أخرى، طمعا في القبول، ورجاء إلى الوصول.
ومثِّل الصفا والمروة (2) بكفتي الميزان، ناظراً إلى الرجحان والنقصان، متردداً بين خوف النيران، ورجاء الغفران.
(1) سورة البقرة: الآية 186.
(2) الصفا والمروة: هضبتان صغيرتان بجانب المسجد الحرام بمكة من الجانب الشرقي، يسعى بينهما الحاج والمعتمر وجوباً.
-87-
***
وإذا وقفت بعرفة، فتذكر حال وقوفك بين يدي الله سبحانه يوم القيامة مع سائر الأمة، وما هم فيه من شدائد الأهوال، ومشقات الأحوال، مُنتظرين ما يقضى عليهم من دار جنة أو نار. فكذلك أهل عرفة منتظرون ما قُسِم لهم من قبول مع الأبرار، أو ردّ مع الفجار.
وتذكر اختلاف أحوال الناس في موقف عرفة: وهم بين راكب من أهل القوة والثروة، وماش وعاجز في القدرة، حالهم يوم القيامة: فمنهم من يحشر راكباً على النجائب، ومنهم من يحشر ماشياً، ومنهم من يحشر على وجهه، على قدر المناقب والمناصب والمتاعب. وكن بين الخوف والرجاء في جميع المراتب.
وروي أن الفضيل بن عياض وقف بعرفة والناس يدعون فبكى بكاء الثكلى المحترقة، فلما كادت الشمس أن تسقط قبض لحيته ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: واسوأتاه وإن عفوت.
وقال بعض السلف: رأيت شابا في الموقف مطرقاً برأسه إلى الأرض منذ وقف الناس إلى أن سقط القرص، فقلت يا هذا: ابسط يدك للدعاء، فقال: لي ثمة وجه! قلت له: هذا يوم العفو عن الذنوب، فبسط يده، ففي بسط يده وقع ميتاً.
…[ 205 ب ] وقيل لبعض السلف وقد ضحى للشمس بعرفة في يوم شديد/ الحر، لو أخذت بالتوسعة، فأنشد:
ضحيت له كي أستظل بظله…… إذا الظل أضحى في القيامة خالصاً
فيا أسفي إن كان سعيي باطلا………ويا حسرتا إن كان حظي ناقصاً
-88-
***
وتذكر بانتظار غروب الشمس، وإفاضة الخلق، انتظار أهل المحشر فصل القضاء، بشفاعة سيد الأنبياء عليه التحية والثناء. وروي أنه قيل ليونس بن عبيد (1)، وقد انصرف من عرفات: كيف كان الناس؟ فقال: لم أشك في الرحمة، لولا أني كنت معهم، يقول: لعلهم حرِموا بسببي.
وقال بعض السلف: كنت بالمزدلفة (2) وأنا أحيي الليلة، فإذا بامرأة تصلي حتى الصباح ومعها شيخ، فسمعت وهو يقول: اللهم إنا جئنا من حيث تعلم مكاننا، وحججنا كما أمرتنا، ووقفنا كما دللتنا، وقد رأينا أهل الدنيا: إذا شاب المملوك في خدمتهم تذمموا أن يبيعوه، وقد شبنا في ملكك، فارحمنا بلطفك، وأعتقنا بجودك.
(1) يونس بن عُبيد: (... - 139 هـ،... - 756 م). هو يونس بن عبيد بن دينار العبدي بالولاء، البصري، أبو عبد اللّه، أو أبو عبيد، من حفاظ الحديث الثقات، من أصحاب الحسن البصري، كان من أهل البصرة يبيع بها الخز، ونعته الذهبي بأحد أعلام الهدى، قال أحد الغزاة: والله إنا نكون في نحر العدو فإذا اشتد علينا الأمر قلنا: اللهم رب يونس فرج عنا فيفرج عنا، ولما مات حمله بنو العباس على أعناقهم. له نحو مئتي حديث.
(2) المزدلفة: وتسمى (جَمع) هي أرض واسعة بين جبال دون عرفة إلى مكة، وفيها المشعر الحرام، وهو جبل صغير في وسطها، وعليه اليوم مسجد، وحدها من جهة مكة وادي محسر يفصلها عن منى وهو ليس منها، ومن جهة عرفة مأزمي عرفة وهو ليس منها أيضاً. والوقوف بمزدلفة واجب على الحاج عند أكثر الفقهاء، وان كانوا اختلفوا في بعض أحكام الوقوف، وبعض الجهال يقفون في وادي محسر أو في منى بدلاً من مزدلفة فلا يكون وقوفهم صحيحاً، وبعضهم لا يقف مطلقاً وهو خطأ فادح ينبغي التنبه له.
-89-
***
فهذا طريق العلماء الأبرار، والمشايخ الأخيار، في اجتنابهم من الآثام والأوزار، خوف المحاسبة في دار القرار، والمعاقبة بالنار في دار البوار.
وقيل: إن من أعظم الذنوب: أن يحضر عرفات، ويظن أن الله تعالي لم يغفر له، ذلك لأنه يأسٌ من رحمته، وقنوط من مغفرته، وسوء ظن بربه في حالته.
وهذا لا ينافي كونه بين الخوف من غضبه، والرجاء في لطفه وكرمه، لأن المدار على خاتمة أمره، ويقينه في آخر عمره، فينبغي أن يداوم على الدعاء، ويواظب على ثبوت القدم في مقام الرجاء، ويواظب على كثرة الحمد والثناء في السَّرَّاء والضَّرَّاء، ويرضى بما قدر الله عليه في عالم القضاء، قائلا: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، وأدخلنا الجنة آمنين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
أ.د. أحمد الحجي الكردي
خبير في الموسوعة الفقهية وعضو هيئة الفتوى
في دولة الكويت
-90-
***
انتهى