الجزء 1
فضائل أبي حنيفة وأخباره ومناقبه
ويشتمل على أحد مسانيد الإمام أبي حنيفة الهامة برواية المؤلف
تأليف
أبي القاسم عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الحارث السعدي
المعروف بابن أبي العوام
المتوفى (335 هـ)
اعتناء
فضيلة العلامة المحدث المحقق الشيخ لطيف الرحمن البهرائجي القاسمي
المكتبة الإمدادية
مكة المكرمة
الطبعة الأولى
1431 هـ - 2010 م
الجزء 1 · صفحة 35
#35#
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
أخبرنا الشيخان العادلان القاضيان أبو عبد الله محمد، وأبو الفضل أحمد ابنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن محمد بن الفضل بن منصور بن #36# أحمد بن يونس بن عبد الرحمن بن الليث بن عبد الرحمن بن المغيث بن عبد الرحمن بن العلاء بن الحضرمي، عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين قراءة عليهما وأنا أسمع في صفر سنة سبع وسبعين وخمس مائة قالا: أخبرنا الشيخ الأجل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي فيما أجاز لنا قال: أنبأ القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي بمصر قال: أنبأ القاضي أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى بن الحارث السعدي المعروف بابن أبي العوام قال: حدثني #37# أبي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثني أبي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أحمد بجميع هذا الكتاب قال:
الجزء 1 · صفحة 38
#38#
مولد أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله
1 - حدثني أبو بكر محمد بن جعفر بن أعين البغدادي قال: ثنا إسحاق ابن أبي إسرائيل قال: قال فضل بن دكين أبو نعيم: حدثناه عن أبي حنيفة: أنه ولد سنة ثمانين ومات سنة خمسين ومائة، وكان له سبعون سنة.
2 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني أبو بشر محمد بن أحمد ابن حماد بن سعد الأنصاري المعروف بالدولابي قال: سمعت أحمد بن محمد بن عيسى البرتي القاضي يقول: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: ولد أبو حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمانين ومات سنة خمسين ومائة، عاش سبعين سنة.
الجزء 1 · صفحة 39
#39#
3 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين قال: سمعت يعقوب بن شيبة بن الصلت يقول: سمعت إبراهيم بن هاشم: يحكي عن محمد بن عمر الواقدي قال: مات أبو حنيفة وهو ابن سبعين سنة في شعبان، سنة خمسين ومائة في خلافة أبي جعفر المنصور.
معرفة أبي حنيفة رحمه الله
4 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن جعفر بن أعين قال: سمعت يعقوب بن شيبة بن الصلت يقول: أبو حنيفة النعمان بن ثابت #40# مولى لبني تيم الله بن ثعلبة بن بكر بن وائل.
الجزء 1 · صفحة 40
5 - حدثني أبي، قال: حدثني أبي قال: وسمعت أبا جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة بن سلمة الأزدي يقول: سمعت أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي يقول: سألت ابن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة فقلت: لمن ولاؤكم؟ فقال: سبي ثابت أبو أبي حنيفة من كابل شاه، فاشترته امرأة من بني تيم الله بن #41# ثعلبة، فمنت عليه بالعتاق فولاؤنا لها.
الجزء 1 · صفحة 41
6 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين قال: سمعت يعقوب بن شيبة بن الصلت يحكي عن إبراهيم الحزامي، عن أبي عبد الرحمن المقرئ قال: قال لي أبو حنيفة: ممن أنت؟ قلت: من أهل دَوْرَق، قال: فما يمنعك أن تعتزي إلى بعض أحياء العرب؟ فهكذا كنت أنا حتى اعتزيت إلى هذا الحي من بكر بن وائل فوجدتهم حي صدقٍ.
7 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد قال: سمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت علي بن صالح يقول: #42# سمعت القاسم بن معن قال: قال لي سفيان الثوري غير مرة يعاتبني في إتياني أبا حنيفة، فلقيته يوماً فوقفته فقلت له: ما تنقم على أبي حنيفة؟ فسكت لا يدري ما يقول، ثم قال لي: رجل مثلك من ولد عبد الله بن مسعود يختلف إلى رجل من الموالي.
الجزء 1 · صفحة 43
#43#
8 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: ثنا بشر بن الوليد قال: سمعت صالح بن الحسن العابد يقول: حسدت العرب أبا حنيفة لأنه لم يكن منهم، وحسدته الموالي إذ لم يكن منهم، فقيل له: يا أبا الفضل فممن كان؟ #44# قال: أسمعه رجل يوماً فقال له: من أنت من ولدك؟ فقال: أنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن منّ الله عز وجل عليّ وعلى أحد أبويّ بالإسلام أنت في حل.
الجزء 1 · صفحة 45
#45#
صفة أبي حنيفة وصفة لباسه
9 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: سمعت أحمد بن محمد بن عيسى البرتي القاضي يقول: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: كان أبو حنيفة حسن الوجه حسن اللحية حسن الثياب.
10 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني أحمد بن محمد بن سلامة قال: سمعت محمد بن العباس اللؤلؤي يقول: حدثنا العباس بن طالب قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: قدمت الكوفة فرأيت أبا حنيفة عليه طويلة سوداء.
11 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني أحمد بن محمد بن #46# سلامة قال: ثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة قال: سمعت أبي يقول: بعثني عمي حمزة بن المغيرة في حاجة نحو المسجد الأعظم بالكوفة، فرأيت شيخاً في المسجد يُفتي الناس عليه قلنسوة سوداء طويلة، فقلت: من هذا؟ فقالوا: أبو حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 46
12 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو أحمد إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: ثنا القاسم بن غسان القاضي قال: ثنا أبي قال: أخبرني جدي أبو غسان أيوب بن يونس قال: سمعت النضر بن محمد يقول: كان أبو حنيفة جميل الوجه سري الثوب عطراً، ولقد أتيته يوماً في حاجة أعجلته فيها بغلس، فصليت معه الصبح، وأهل الكوفة يغلسون بها، وعليّ كساء قومسي اشتريته من قومس، وتتوقت فيه، فأمر بإسراج بغلته، فلما قضى الصلاة قدم إليه البغل فقال لي: يا نضر أعطني كساءك هذا لأركب في حاجتك، وخذ كسائي إلى أن أرجع، ففعلت، فلما رجع قال لي: يا نضر! لقد أخجلتني بكسائك هذا اليوم، فقلت: وما أنكرت منه -رحمك الله-؟ قال: هو غليظ، قال النضر: ورصدته بعد هذا وقد ركب، فرأيت عليه كساء قومسياً قومته بثلاثين ديناراً، وكنت اشتريت كسائي بخمسة دنانير وأنا به معجب.
الجزء 1 · صفحة 47
#47#
صفة أخلاق أبي حنيفة وإكرامه لمجالسيه
13 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت أبي يقول: كنت عند أمير المؤمنين هارون الرشيد، إذ دخل عليه أبو يوسف، فقال له هارون: يا أبا يوسف! صف لنا أخلاق أبي حنيفة، فقال: يا أمير المؤمنين، قال الله عز وجل: {ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ} وهو عند لسان كل قائل، كان والله أبو حنيفة علمي فيه شديد الذبّ عن حرام الله عز وجل أن يوقع فيه، مجانباً لأهل الدنيا في دنياهم، طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهذاراً ولا ثرثاراً، إن سئل عن مسألة كان عنده منها علم أجاب فيها على ما سمع، أو ما يتبينه قياساً في نحو معناها قال به، ما علمته يا أمير المؤمنين إلا صائناً لنفسه ودينه، مشتغلاً بنفسه عن الناس، لا يذكر أحداً إلا بخير. فقال هارون الرشيد: هذه أخلاق الصالحين.
14 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: ثنا القاسم بن غسان قال: سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل يقول: ذكر قوم يوماً أبا حنيفة بين يدي سفيان بن عيينة، فتنقصه #48# بعضهم، فقال سفيان: مَهْ، كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاة، وأعظمهم أمانة، وأحسنهم مروءةً.
الجزء 1 · صفحة 48
15 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني حجر بن عبد الجبار الحضرمي قال: ما رأى الناس أحداً أكرم مجالسةً من أبي حنيفة، ولا أشد إكراماً لأصحابه منه.
16 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن جعفر بن أعين قال: حدثنا يعقوب بن شيبة قال: حدثني سليم بن منصور قال: حدثني حجر بن عبد الجبار مثله.
17 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: حدثني إبراهيم بن نوح الموصلي، حدثنا الهيثم بن جميل قال: سمعت شريك بن عبد الله النخعي يقول: كان أبو حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، كبير العقل، قليل محادثة الناس.
18 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني محمد بن أحمد بن حماد #49# قال: حدثني محمد بن حماد قال: سمعت الحسن بن إسماعيل بن مجالد يقول: سمعت وكيعاً يقول: قال الحسن بن صالح بن حيي: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل، هائباً للحرام أن يستحل.
الجزء 1 · صفحة 49
19 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: ثنا القاسم بن غسان قال: أخبرني أبي قال: أنبأ بشر بن يحيى قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ما رأيت رجلاً عالماً ولا غير عالم أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتاً وحلماً من أبي حنيفة، ولقد كنا عنده يوماً في المسجد الجامع، فما شعرنا إذ وقعت حية من السقف في حجره، فما زاد على أن نفض حجره فألقاها، وما منا أحد إلا هرب، قيل له: فأنت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كنت أشدهم هرباً، ثم أقبل يصف أبا حنيفة ويصف أخلاقه، ويعجبنا منها، انتهى. وفي غير هذه الرواية: فقلت له: يا أبا حنيفة أما خفت منها؟ قال: ما كنت أخاف شيئاً غير الله عز وجل.
20 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: ثنا المثنى بن رجاء قال: جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف بالله عز وجل #50# صادقاً في عرض حديثه: تصدق بدرهم، فحلف، فجعل على نفسه إن حلف بالله صادقاً في عرض حديثه، تصدق بربع دينار، فحلف، فجعل على نفسه إن حلف بالله في عرض حديثه: تصدق بنصف دينارٍ، فحلف، فجعل على نفسه إن حلف: تصدق بدينار، فكان إذا حلف بالله عز وجل صادقاً في عرض حديثه: تصدق بدينارٍ، قال: وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان إذا اكتسى ثوباً جديداً، كسى بقدر ثمنه الشيوخ من أهل العلم، وكان إذا وضع الطعام بين يديه، أخذ من عنده فوضعه على الخبز نحواً مما يأكل، فأطعمه الفقراء.
الجزء 1 · صفحة 50
21 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: حدثني القاسم بن غسان قاضي الكوفة قال: ثنا محمد بن شجاع قال: ثنا الحسن -يعني ابن زياد اللؤلؤي- قال: حكي لي عن خارجة بن مصعب قال: خرجت إلى الحج، وخلفت جارية لي عند أبي حنيفة، فمكثت بمكة وبناحية اليمن وبناحية مصر أربعة أشهر، ثم رجعت إلى الكوفة، فقلت لأبي حنيفة: كيف وجدت الجارية في خدمتها؟ قال: سبحان الله! أو توهمت أني أستحل خدمتها؟ والله ما رأيتها ولا أخذتها عيني منذ خرجت إلى أن رجعت، قال خارجة: واستخبرت الجارية عنه وعن أخلاقه في منزله؟ فقالت: والله ما رأيت في الدنيا ولا سمعت بمثله، والله لقد رصدته فما اطلعت على أنه اغتسل من جنابة طول ما كنت في منزله، ولقد قالت لي حرته: إنه لا يستحل #51# أن يقرب النساء من أجلك، خشية أن تحنين إلى مثل ذلك من الرجال.
الجزء 1 · صفحة 51
22 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: حدثني إبراهيم بن نوح قال: سمعت الهيثم بن جميل يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: نعمان بن ثابت أبو حنيفة لقي من الناس عتباً لقلة مخالطته الناس، فكانوا يرونه من زهو فيه، وإنما كان ذلك منه غريزة فيه.
23 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن المبارك قال: حدثني الحسين بن إبراهيم قال: سمعت ابن فضيل يقول: كان أبو حنيفة معروفاً بالفضل، وقلة الكلام.
24 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد قال: ثنا جبارة بن المغلس قال: سمعت قيس بن الربيع يقول: كان أبو حنيفة ورعاً تقياً، وكان مفضلاً على إخوانه.
25 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد #52# قال حدثني محمد بن حماد مولى بني هاشم قال: ثنا الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت حجاج بن محمد يقول: سمعت ابن جريج يقول: بلغني عن كوفيكم النعمان بن ثابت، أنه خائف لله عز وجل.
الجزء 1 · صفحة 52
26 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: ثنا محمد بن جعفر بن الإمام قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أتينا سعيد بن أبي عروبة فقال: إنه قد أتتنا هدايا من أبي حنيفة، ومن قوم كانوا يهدون إلينا من الكوفة، فلو أصبتم منها.
27 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد قال: ثنا محمد بن سليمان بن حبيب قال: سمعت محمد بن جابر يقول: كان أبو حنيفة قليل الكلام إلا عما يُسأل عنه، قليل الضحك، كثير الفكر، دائم القطوب كأنه حديث عهد بمصيبة.
28 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع قال: سمعت يزيد بن كميت يقول: كان أبو حنيفة يتفقد أحوال إخوانه في منازلهم، فكان يقرض الرجل الخمسين الدينار أو الأكثر والأقل على قدر مئونته، وهو لا يعلم فيشتري له بها الخز الخام، ويقصره ويجعلها كالبضاعة #53# فيدبرها، ثم يشتري له الكسوة ولعياله، ثم يقول له: أي أخي هذا ربحك فاحمد الله، إني لم أعطك من مالي شيئاً، وإنما هو رزق مولاك على يدي فاحمده.
الجزء 1 · صفحة 53
29 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أحمد بن محمد بن سلامة قال: حدثني أبو خازم القاضي قال: سمعت زيد بن أخزم يقول: سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول: كنا عند أبي حنيفة، فقال له رجل: إني وضعت كتاباً على خطك إلى فلان، فوهب لي أربعة آلاف درهم، فقال أبو حنيفة: إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوه.
رؤيا أبي حنيفة التي رآها
30 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: سمعت محمد بن شجاع يقول: سمعت الحسن بن أبي مالك يقول: عن أبي يوسف قال: رأى أبو حنيفة في النوم: كأنه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأخذ عظامه فجعل يجمعها ويؤلفها، قال: فهالته تلك الرؤيا، قال: فخرج صديق له إلى البصرة فقال له أبو حنيفة: إني رأيت رؤيا فأحب إذا قدمت البصرة، أن تلقى محمد بن سيرين فتسأله عنها، وتستر من صاحبها، فقدم الرجل البصرة فلقي ابن سيرين فسأله عن الرؤيا، فقال له ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا ببلدنا؟ فلا أدري ما ذكر، ثم قال له: هذا رجل يجمع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويحييها.
الجزء 1 · صفحة 54
#54#
31 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أبو بكر شعيب بن أيوب القاضي قال: ثنا أبو يحيى الحماني قال: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأني نبشت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لمن سأل ابن سيرين، فقال: هذا رجل ينبش علم النبوة.
32 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني محمد بن إسماعيل أبو جعفر قال: ثنا علي بن عاصم قال: سمعت أبا حنيفة يقول: رأيت فيما يرى النائم، كأني نبشت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فداخلني من ذلك جزع شديد، وخفت أن تكون ردة عن الإسلام، فجهزت رجلاً إلى البصرة إلى ابن سيرين يقص عليه الرؤيا، فقال: إن صدقت رؤيا هذا الرجل فإنه يرث علم نبيّ.
في ورع أبي حنيفة وشهادة العلماء بذلك له
33 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: حدثني القاسم بن غسان القاضي قال: حدثني أبي قال: #55# ثنا بشر بن يحيى قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: دخلت الكوفة فسألت عن أورع أهلها فقالوا: أبو حنيفة.
الجزء 1 · صفحة 55
34 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد قال: ثنا جبارة بن المغلس قال: سمعت قيس بن الربيع يقول: كان أبو حنيفة ورعاً تقياً.
35 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: كان النضر ابن محمد من أغير الناس، فقال: لو أصبت رجلاً صالحاً، كنت لا أغار على جاريتي، فقلت له: من ذلك الرجل؟ قال: أبو حنيفة، قال ابن أبي رزمة: وأخبرني أبي عن النضر بن محمد قال: كان أبو حنيفة رجلاً ورعاً.
36 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: حدثني القاسم بن غسان قال: حدثني أبي قال: ثنا بشر بن يحيى قال: ثنا النضر بن محمد قال: ما رأيت رجلاً أورع من أبي حنيفة، وكان إذا حدث عنه يقول: حدثني الورع العفيف.
37 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد قال: حدثنا محمد بن مليح قال: ثنا يزيد بن كميت #56# قال: أودع دهّان أبا حنيفة مائة ألف درهم وسبعين ألفاً، ومات عن غير وصية، ولا أعلم بها أحداً من أهله، وترك صبية صغاراً، فلما كبروا وأونس منهم الرشد: دفع إليهم المال ولم يشهد عليهم، وقال: لا أحب أن يعلم بها أحدٌ.
الجزء 1 · صفحة 56
38 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: ثنا القاسم بن غسان قال: سمعت إبراهيم بن عبد الله الهروي يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: أدركت ألف رجل من الفقهاء وكتبت عن أكثرهم، ما رأيت فيهم أفقه ولا أورع ولا أحلم من خمسة: أولهم أبو حنيفة.
39 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أحمد بن محمد بن سلامة قال: حدثني مضر بن محمد بن مضر قال: ثنا عثمان بن أبي شيبة قال: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول: وذكر أبا حنيفة فقال: كان والله عظيم الأمانة.
40 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني حيان بن بشر قال: ثنا جرير بن عبد الحميد قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة فأخّر الصلاة إلى قرب العصر، فرأيت الناس يخرجون ورأيت أبا حنيفة خرج .. ..
الجزء 1 · صفحة 57
#57#
ذكر زهد أبي حنيفة رحمه الله وعبادته
41 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي البخاري قال: ثنا أبو عمرو حريث بن أبي ورقاء قال: سمعت علي بن إسحاق السمرقندي يقول: سمعت أبا يوسف يقول: كان أبو حنيفة رحمه الله يختم القرآن في كل ليلة في ركعة. قال لي أبو عبد الله: ثم قدمت سمرقند فسألت يوسف بن علي مستملي على بن إسحاق عن هذه الحكاية؟ فحدثني بها عن علي بن إسحاق، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وزاد: ويخفي كلمة: ويكون ذلك وتره.
42 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني أبو بكر بن حميد قال: ثنا حيان بن بشر قال: ثنا حكام بن سلم الرازي، عن أبي سنان قال: كنا نختلف إلى عمرو بن مرة، فكان أبو حنيفة يصلي العشاء والفجر بطهور واحد.
43 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن #58# سهل الترمذي قال: ثنا القاسم بن غسان القاضي قال: ثنا أبي قال: ثنا يحيى ابن عبد الحميد قال: سمعت أبي يقول وقد ذكر عنده أبو حنيفة يوماً بسوءٍ فقال: ما أدري ما يقول هؤلاء، صحبت أبا حنيفة ستة أشهر، فما رأيته صلى صلاة الغداة إلا بوضوء عشاء الآخرة، وكان يختم القرآن في كل ليلة عند السحر، قال: وحدثنا أبي قال: بلغني أنه كان ينام في كل ليلة صدر الليل، حتى مرّ يوماً بقومٍ فسمع أحدهم يقول: ترون هذا لا ينام الليل كله، فقال أبو حنيفة: يا نفس توصَفين بما ليس فيكِ؟ فما رُئي بعدها نائماً بالليل حتى فارق الدنيا.
الجزء 1 · صفحة 58
44 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: أخبرني أبي قال: أخبرني المتوكل من أهل الكوفة قال: جاورت أبا حنيفة أربع سنين، فكان إذا صلى العشاء رجع يحدث أصحابه ساعة، ثم ينام فما هو إلا قدر ما اضطجع، فانتبه فإذا أنا بقراءة أبي حنيفة حتى الصباح.
45 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد مولى بني هاشم قال: ثنا إبراهيم بن سعيد قال: ثنا المثنى بن رجاء، عن أم حميد حاضنة ولد أبي حنيفة قالت: قالت لي أم ولد أبي حنيفة: ما توسد أبو حنيفة فراشاً بليل مذ عرفته، وإنما كان نومه بين الظهر والعصر في الصيف، وبالليل في مسجده أول الليل في الشتاء.
الجزء 1 · صفحة 59
#59#
46 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة يقول: سمعت أبا عبد الرحمن العمري من ولد عمرو بن العاص يقول: سمعت أبا عبد الرحمن المقرئ يقول وذكر رجل عنده أبا حنيفة فقال: هل رأيته؟ قال: لا، قال: أما والله لو رأيته يصلي علمت أن الصلاة من همه.
47 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: ثنا محمد بن حماد قال: ثنا محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: سمعت أبا نعيم ضرار بن صرد يقول: سمعت يزيد بن كميت يقول: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل، وكان جارنا، ومصلانا في مسجد واحد، قال يزيد بن كميت: فقال لي علي بن الحسن المؤذن وكان صالحاً فاضلاً-: قرأ بنا الإمام ليلة في عشاء الآخرة {إذا زلزلت الأرض زلزالها} فلما قضينا الصلاة وخرج الناس بصرت بأبي حنيفة وهو جالس فقلت: ألا تقوم؟ فقال: لا تشتغل فيّ وامض لشأنك، فقمت فخرجت وتركت القنديل يَقِد، وقمت خارج المسجد أنظر من الشرجب، فإذا هو قد قام وأخذ بلحيته وهو يقول: ((يا من يجزى بمثقال ذرة خيرٍ خيراً ويا من يجزى بمثقال ذرة شرٍ شراً، تغمد النعمان بعفوك واجعل زلَلَه في سعة رحمتك يا أرحم الراحمين «، قال: فلم يزل يرددها حتى ملَلْت فمضيت، ثم جئت المسجد في الفجر، فإذا هو قائم على تلك الحال، فلما رآني قعد وهو يبكي، فقلت: ألا تتهيأ للصلاة؟ قال: امض #60# لشأنك، فأراه لم ينم ليلته.
الجزء 1 · صفحة 60
48 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد قال: ثنا جبارة بن المغلس قال: سمعت حسين بن علي الجعفي وسأله رجل: أكان أبو حنيفة يؤمن بالبعث؟ فقال حسين: أخبرني من شهده في مسجد حيه وهو يردد هذه الآية: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} وهو يبكي ويقول: ((اللهم منّ علينا، وقنا عذاب الجحيم، اللهم منّ علينا، وقنا عذاب السموم يا رحيم)).
49 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن المبارك قال: ثنا الحسين بن علي الجعفي قال: سمعت أبا داود الحفري يقول: لو قيل لأبي حنيفة: إنك تموت إلى خمسة أيام لم يكن عنده ما يزيد في عمله، وما سمعت سفيان الثوري ذكره إلا ترحّم عليه.
50 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين قال: حدثني يعقوب بن شيبة قال: حدثني عبد الله بن الحسن بن المبارك قال: ثنا أبو يحيى الحماني قال: ثنا سلم بن سالم الخراساني عن #61# أبي الجويرية قال: صحبت حماد بن أبي سليمان وعلقمة بن مرثد ومحارب بن دثار وعون بن عبد الله بن عتبة، وصحبت أبا حنيفة ستة أشهر، فما رأيته ليلة واحدة وضع جنبه.
الجزء 1 · صفحة 61
51 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: ثنا أحمد بن محمد بن سلامة قال: ثنا أحمد بن أبي عمران قال: ثنا محمد بن شجاع، عن الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة قال: ربما قرأت في ركعتي الفجر حزبي من القرآن.
52 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين البغدادي قال: حدثني يعقوب بن شيبة قال: حدثني بكر قال: سمعت أبا عاصم النبيل يقول: كان أبو حنيفة يسمى الوتد، لكثرة صلاته، قال أبو بكر بن أعين: ومما قلت لإبراهيم بن الجنيد: أروه عنك؟ فقال لي: نعم.
53 - حدثنا سعيد بن حماد قال: ثنا بكر العابد قال: قال أبو حنيفة: ((رب ارحمني وأنا صريع بين أهل الدنيا أعالج نفسي)).
في شدة خشيته من ربه عز وجل
54 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد #62# قال: حدثني محمد بن حماد قال: حدثني الحسن بن إسماعيل بن مجالد قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: قال الحسن بن صالح بن حيي: كان أبو حنيفة شديد الخوف لله عز وجل.
الجزء 1 · صفحة 62
55 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: ثنا يزيد بن كميت قال: سمعت رجلاً يقول لأبي حنيفة: اتق الله، قال: فانتفض أبو حنيفة انتفاضة رجلٍ كأنه قد صرع واصفر لونه وطأطأ رأسه، وقال: يا أخي! نعم جزاك الله خيراً، فهكذا قل لي، ما أحوج الناس إلى من يقول لهم في كل وقت مثل هذا.
56 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع بن الجراح قال: ثنا يزيد بن كميت قال: فتح غلام لأبي حنيفة يوماً رزمة الخز، فإذا الأخضر والأصفر والأحمر، فقال الغلام: نسأل الله الجنة، فبكى أبو حنيفة حتى اختلج صدغاه ومنكباه وأمر بغلق الدكان، وقام مغطّى الرأس مسرعاً في مشيته، فلما كان الغد جلست إليه وقد اصفر، فأطرق طويلاً وكان قليل الكلام، ثم التفت إلي وقال: يا أخي! ما أجرأنا، يقول أحدنا: نسأل الله #63# الجنة، إنما يسأل الله الجنة من رضي نفسه، يعني لها، إنما يريد مثلنا أن يسأل الله العفو.
الجزء 1 · صفحة 63
57 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن المبارك المصيصي قال: ثنا الحسين بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن فضيل يقول: كان أبو حنيفة إذا سئل عن المسألة قال: رب سلم رب سلم.
58 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد بن المبارك قال: ثنا إبراهيم بن سعيد قال: ثنا علي ابن الحسن بن شقيق قال: سمعت إسحاق بن الحسن أو الحسين الكوفي -الشك من أبي بشر- قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الحرج ما أفتيت الناس - وأخوف ما أخاف من الفتوى.
59 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أسامة بن أحمد بن أسامة التجيبي قال: حدثني أبو عمير الأنسي -من ولد أنس بن مالك- قال: حدثني هلال بن يحيى قال: سمعت أبا يوسف يقول: سمعت أبا حنيفة يتمثل:
كفى حَزَناً ألا حياة هنيئة ... ولا عمل يرضي به الله صالح
الجزء 1 · صفحة 64
#64#
حلمه واحتماله
60 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين وأبو بكر محمد بن جعفر بن الإمام وأبو بشر محمد بن أحمد بن حماد قال: ثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: سمعت عبد الرزاق بن همام يقول: زاد ابن الإمام: ما رأيت أحداً أحلم من أبي حنيفة، ثم قالوا: كنا جلوساً مع أبي حنيفة في مسجد الخيف، فجاء رجل، فسأله عن مسألة، فأفتاه فيها، فقال له الرجل: قال فيها الحسن البصري: كذا وكذا، فقال أبو حنيفة: أخطأ الحسن، قال عبد الرزاق: فجاء رجل مغطّى الوجه فقال لأبي حنيفة: يا ابن الفاعلة لا تكنى، أنت تقول: أخطأ الحسن؟ وقام الناس ليأخذوا الرجل، فنظرت إلى أبي حنيفة وقد أطرق ملياً، ثم رفع رأسه فقال: أقول: أخطأ الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود، قال: وجعل عبد الرزاق يصف حلمه.
61 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني محمد بن حماد مولى بني هاشم قال: حدثني محمد بن مليح بن وكيع قال: ثنا يزيد بن كميت قال: سمعت أبا حنيفة وشتمه رجل، واستطال عليه، وقال له: يا كافر، يا زنديق، فقال أبو حنيفة: غفر الله لك هو يعلم مني #65# خلاف ما تقول، ما عدلت به أحداً مذ عرفته، ولا رجوت قط إلا عفوه، ولا خشيت إلا عقابه، ثم بكى عند ذكر العقاب حتى اختلج صدغاه وتحرك منكباه، فقام إليه الرجل فقال: اجعلني في حل -رحمك الله-، قال: نعم، أنت في حل وسعة، وكل من نسبني إلى ما تقول، يا أخي ما أضر الشهرة، يا أخي ما أضر الشهرة.
الجزء 1 · صفحة 65
62 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بشر الدولابي قال: حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: قال عبد العزيز بن خالد: تطاول بعض موالي أبي حنيفة عليه وآذاه بلسانه، فقال له أبو حنيفة: أتمن علي بولائك.
63 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: حدثني القاسم بن غسان قال: سمعت إبراهيم بن عبد الله الهروي يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول: ما رأيت أحلم من أبي حنيفة.
64 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني إبراهيم بن أحمد قال: حدثني القاسم بن غسان قال: حدثنا أبي قال: أنبأ بشر بن يحيى قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ما رأيت رجلاً أحلم من أبي حنيفة ولا أحسن سمتاً، رحمة الله عليه.
الجزء 1 · صفحة 66
#66#
فيما ابتلي به أبو حنيفة من الضرب والحبس على ولاية القضاء وصبره على ذلك
65 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين قال: حدثني يعقوب بن شيبة بن الصلت قال: حدثني عبد الله بن الحسن بن المبارك، عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: مررت مع أبي بالكناسة فبكى، فقلت له: يا أبه ما يبكيك؟ قال: يا بنيّ في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة جدك عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواطٍ، على أن يلي له القضاء، فلم يفعل.
66 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثنيه أبو بشر قال: ثنا أحمد ابن القاسم البرتي قال: ثنا يعقوب بن شيبة مثله.
67 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: وحدثني محمد بن جعفر بن أعين قال: حدثني يعقوب بن شيبة قال: حدثني إبراهيم بن هاشم قال: ثنا محمد بن عمر الواقدي قال: ثنا القاسم بن معن قال: أخذ ابن هبيرة أبا حنيفة، فأراده على ولاية القضاء فأبى، فحبسه، فقيل لأبي حنيفة: إنه قد حلف أن لا يخرجك حتى تلي له، وإنه يريد بناءً، فتول له عدد اللبن، فقال: لو سألني أن أعدّ له أبواب المسجد لم أفعل.
الجزء 1 · صفحة 67
#67#
68 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة قال: ثنا إبراهيم بن أبي داود قال: ثنا علي بن معبد بن شداد قال: ثنا عبيد الله بن عمر الرقي قال: ضرب ابن هبيرة أبا حنيفة على أن يلي له القضاء، فأبى أن يفعل، فقال الناس: استتابه.
69 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي قال: ثنا القاسم بن غسان قاضي الكوفة قال: ثنا ابن شجاع قال: قال عبد الله بن المبارك: الرجال سواء ما لم تقع البلوى والمحن، لقد ابتلي أبو حنيفة بالضرب على رأسه بالسياط، على ما يناحر عليه غيره، وعرض عليه القضاء. فما أجاب، واحتمل ذلك في الله عز وجل وصبر عليه رحمه الله.
70 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: ثنا القاسم بن غسان قال: ثنا محمد بن شجاع قال: ثنا الحسن بن أبي مالك قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول وقد ذكر أبو حنيفة بين يديه: ماذا يقال في رجل عرضت عليه الدنيا والأموال العظيمة فنبذها، وضرب بالسياط فصبر عليها، ولم يدخل فيما كان غيره يستدعيه، إي والله ويناحر عليه حتى يتناوله، رحم الله أبا حنيفة، ما كان أشده، أو قال: أصرمه في دين الله عز وجل، كان مرة يقول كذا ومرة كذا.
الجزء 1 · صفحة 68
#68#
71 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: ثنا القاسم بن غسان قال: ثنا أبي قال: حدثني عبيد الله بن زياد قال: بلغني أنه لما ضرب أبو حنيفة على رأسه بالسياط دخل رجل المسجد الجامع وابن أبي ليلى وابن شبرمة جالسان في حلقتيهما، فقال لهما: أشعرتما أن أبا حنيفة ضرب على رأسه بالسياط؟ قالا: فبم ذلك؟ قال: لأن يتولى القضاء فلم يفعل، فأظهر ابن أبي ليلى الشماتة، فقال له ابن شبرمة: ما أدري ما تقول؟ هذا الرجل غداً يعني يوم القيامة أنبل مني ومنك.
72 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بشر قال: سمعت محمد بن شجاع يقول: حدثني حبان -رجل من أصحاب أبي حنيفة- قال: قال أبو حنيفة حين ضرب ليلي القضاء: ما أصابني في ضربي شيء أشد عليّ من غم والدتي، وكان بها براً.
73 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني إبراهيم بن أحمد بن سهل قال: حدثني عبد الواحد بن أحمد الرازي قال: سمعت أبا عبد الله وراق محمد بن مقاتل يقول: بلغني أن أبا حنيفة حبس في الشمس، وصبّ على رأسه الزيت، فمر به سفيان الثوري، فقال: قد علمت الآن أنك قد طلبت هذا الشأن لله عز وجل.
الجزء 1 · صفحة 69
#69#
74 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر ابن أعين قال: ثنا يعقوب بن شيبة بن الصلت قال: حدثني عبد الله بن الحسن ابن المبارك قال: سمعت بشر بن الوليد يقول: ح.
75 - وحدثني أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني يعقوب بن شيبة قال: ثنا عبد الله بن الحسن عن بشر بن الوليد قال: أشخص أبو جعفر المنصور أبا حنيفة إليه، فأراده على أن يوليه فأبى، فحلف عليه أبو جعفر ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فحلف أبو جعفر ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع لأبي حنيفة: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، فأبى أن يلي فأمر به إلى السجن، فمات فيه، ودفن في مقابر الخيزران.
زاد أبو بكر بن أعين: فلما أمر به إلى السجن، دفع إلى أبي العباس الطوسي وكان على الشرطة، فجعل أبو العباس يتغيظ عليه، ولم يجد عليه حجة.
76 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد #70# قال: حدثني يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن يعقوب بن شيبة قال: حدثني عبد الله بن الحسن، عن بشر بن الوليد قال: لما أمر أبو جعفر المنصور بأبي حنيفة إلى الحبس دفع إلى أبي العباس، فأراد أبو العباس أن يتكلم أبو حنيفة بشيء يكون عليه فيه حجة، فقال له: يا شيخ إن أمير المؤمنين يأمر بدفع الرجل إليّ، وقد أمر فيه بالأمر من الضرب أو القطع أو القتل، ولا علم لي بقصته، أفيجوز لي أن أنفذ ما أمر به أمير المؤمنين وأنا لا أعلم ما حاله؟ فقال له أبو حنيفة: أمير المؤمنين يأمر بضرب رجل لا يجب عليه الضرب أم يجب ذلك عليه ويستحقه؟ ويأمر بقطع من لا يجب عليه القطع؟ ويقتل من لا يجب عليه القتل أو من يجب عليه القتل؟ فقال أبو العباس: أمير المؤمنين أبرّ وأتقى من أن يضرب أو يقطع أو يقتل من لا يجب ذلك عليه، فقال له أبو حنيفة: فإذا ضربت وقتلت وقطعت من يجب ذلك عليه ويستحقه فأنت في ذلك مأجور، فلم يجد عليه أبو العباس حجة، فلم يزل في الحبس حتى توفي فيه رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 70
77 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي قال: حدثني ابن أبي رزمة قال: سمعت أبا الوزير محمد بن أعين قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: قرب أبو حنيفة للدنيا، وعرضت عليه خزائن الأرض فأبى، فطلب على القضاء حتى ضُرب أحد عشر أو اثني عشر سوطاً فأبى.
الجزء 1 · صفحة 71
#71#
في وصيته أصحابه ونهيه إياهم عن ولاية القضاء وأنه من ظهرت منه خربة أو ارتشاء لم يجز قضاؤه
78 - حدثني أبي قال: حدثني أبي قال: حدثني أحمد بن محمد النيسابوري قال: حدثني أبو بكر بن بنت أبي هشام الرفاعي قال: ثنا محمد ابن علي بن عفان قال: ثنا الوليد بن حماد اللؤلؤي، ثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي قال: سمعت أبا يوسف يقول: اجتمعنا عند أبي حنيفة في يوم مطير في نفر من أصحابه منهم: داود الطائي، والقاسم بن معن المسعودي، وعافية بن يزيد الأودي، وحفص بن غياث النخعي، ووكيع بن الجراح، ومالك بن مغول البجلي، وزفر بن الهذيل التميمي، قال: فأقبل علينا بوجهه فقال لنا: أنتم مسار قلبي، وجلاء حزني، وقد أسرجتُ لكم الفقه وألجمته، فإذا شئتم فاركبوا، وقد تركت الناس يطئون أعقابكم ويلتمسون ألفاظكم، ما منكم واحد إلا وهو يصلح للقضاء، ومنكم عشرة يصلحون أن يكونوا مؤدبي القضاة، فسألتكم بالله عز وجل، وبقدر ما وهب الله لكم من جلالة العلم لما صنتموه عن ذل الإستيجار، وإن يلي أحد منكم بالدخول في القضاء فعلم من نفسه خربة سترها الله عز وجل عن العباد لم يجز قضاؤه، ولم يطب له رزقه، وإن كانت سريرته مثل علانيته جاز قضاؤه وطاب له رزقه، فإن دفعته ضرورة إلى الدخول فيه فلا يجعلن بينه وبين الناس حجاباً، وليصلي الصلوات الخمس في مسجده، وينادي عند كل صلاة: من له حاجة؟ فإذا صلى صلاة عشاء الآخرة #72# نادى ثلاثة أصوات: من له حاجة؟ ثم دخل إلى منزله، فإن مرض مرضاً لا يستطيع الجلوس معه أسقط من رزقه بقدر مرضه، وأيما إمام غلّ فيئاً أو جار في حكم بطلت إمامته، ولم يجز حكمه، وإن أذنب ذنباً بينه وبين ربه عز وجل يستوجب به الحد درئ عنه الحد، لأنه ولي إقامته، وإن كان شيئاً بينه وبين الناس أقامه عليه أقرب القضاة إليه.