رَفعُ الأَسْتَار المُسّبِلَةُ
عَنْ مَبَاحِثِ البَسّمَلَةِ
تأليف
محمَّدُ حَامِد محمَّدُ
جارٍ تحميل الكتاب…
رَفعُ الأَسْتَار المُسّبِلَةُ
عَنْ مَبَاحِثِ البَسّمَلَةِ
تأليف
محمَّدُ حَامِد محمَّدُ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله - سبحانه وتعالى -.?
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد ـ
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران/102.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) النساء/1.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) الأحزاب/70 -71.
الحمد لله الذي شرفنا بحفظ كتابه، ووفقنا لفهم منطوقه ومفهوم خطابه ووعدنا على تبيين معانيه وإعرابه بجزيل مواهبه وعظيم ثوابه وهدانا بنبيه المصطفى ورسوله المجتبى خير مبعوث بآياته وباهر بالقرآن، وهو أعظم معجزاته، كتابٌ مجيد (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت/42، أذلت بلاغته أعناق أرباب الكلام وأعجزت فصاحته ألسنة فصحاء الأنام فبسط المؤمنون يد
الإذعان والتسليم وأطلقوا ألسنتهم بالقول الصحيح السليم (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) الحاقة/40، وقبض الكافرون يد الإنصاف، وقيدوا ألسنتهم بالخلاف فخرجوا عن طريق الهدايات، وحصلوا في شرك الضلالات (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) البقرة/257، فلما وقعوا في داهية دهياء، أجابوا بفطنة عمياء، فقالوا بلسان الكلال والحصر: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) المدثر/24، أقعدتهم براعته، ودهمتهم فصاحته، فأجابوا بلسان الباطل والمخبون وقالوا: (أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) الصافات/36 أفحمتهم جزالة آياته ورمتهم سهام مغيباته، فتاهوا في ظلمة معاندٍ أو راعنٍ، وقالوا: هو كاهن، فيا عجبًا كيف كلَّت سيوف فصاحتها، وعثرت فرسان بلاغتها، حتى نطقوا بكلام غير معقول، ولا يرشدها ولا يهديها عقول وأي عقول ولكن كادها باريها.
فالحمد لله على نعمة الهداية، وله الشكر على السلامة من الضلالة والغواية.
وبعد فهذه تأملات، في معاني البسملة، لغويًا، وفقهيًا، وحديثيًا، وأدبيًا، قد منّ الله - سبحانه وتعالى - بها عليّ منذ سنوات، فأحببت أن ينتفع بها غيري، وأن تكون لي ذُخرًا يوم الحساب، وأن أنال بها ثوابها بعد انقطاع الأجل، وقد سمّيتها (رفع الأستار المسبلة عن مباحث البسملة) والتي أسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجعلها خالصة لوجه الكريم هو ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتب
محمد حامد محمد
الفصل الأول
في معاني الباء
تؤدي الباء التي هي للجر أربعة عشر معنى، وهي:
1- الإلصاق:
جعل سيبويه الإلصاق المعنى الأصلي للباء وسماه الإلزاق والاختلاط، ومثّل له بقوله: خرجتُ بزيد، ودخلتُ به، وضربتُ بالسوط، ألزقت ضربك إياه بالسوط فما اتسع الكلام فهو أصله (¬1) . وذكر المبرد أنها للإلصاق (¬2) ، وتابعه ابن السّراج (¬3) ، وجعلها ابن جني للإلصاق والاستعانة (¬4) .
وجعل الزبيدي الإلصاق المعنى الأساسي للباء (¬5) .
وعدَّها للإلصاق أيضًا الزمخشري وتابعه ابن يعيش (¬6) وذكره ابن الجوزي (¬7) والحيدرة (¬8) ، والشلوبين (¬9) ، وابن فارس (¬10) ، وابن عصفور (¬11) ، وابن منظور نقلًا عن الجوهري الذي قال: وهي لإلصاق الفعل به (¬12) .
¬
(¬1) الكتاب 4/217
(¬2) المقتضب 1/39
(¬3) الأصول في النحو 1/503
(¬4) سر صناعة الإعراب 1/135 - 138
(¬5) الواضح في علم العربية ص 301
(¬6) شرح المفصل 8/22
(¬7) منتخب قرة العيون ص 80
(¬8) كشف المشكل ص 233
(¬9) التوطئة ص 200
(¬10) الصاحبي ص 132
(¬11) المغرب 1/ 203
(¬12) لسان العرب 1/ 196
وقسّم المالقي الإلصاق إلى: إلصاق لفظي، وإلصاق معنوي.
فالإلصاق المعنوي: كما في قوله تعالى (ليَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ) الروم/34، وقوله تعالى (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ) سبأ/53.
والإلصاق اللفظي كما في قوله تعالى (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) المطففين/30 ورفض المالقي جعل الإلصاق معنى أصليًا للباء، وصحّ عنده تعدد معانيها (¬1) وذكر لها معنى الإلصاق الرضى (¬2) ، وأكد ذلك أبوحيان (¬3) ، وذكر محقق الكوكب الدُّري أن الإلصاق هو المعنى الأول للباء، وعدد معانيها (¬4) .
وذكر ابن هشام، أن الإلصاق معنى لا يفارق الباء، ولهذا اقتصر عليه سيبويه وقسم الإلصاق إلى حقيقي، كأمسكتُ بزيد، ومجازي كمررتُ بزيد (¬5) .
وذكره ابن عقيل والأشموني والصبان (¬6) .
وذكر الأربلي أن للباء معانٍ كثيرة، لكن الإلصاق ملاحظ فيها (¬7) ، ونقل هذا المعنى السيوطي عن أبي حيان وابن جني (¬8) ، وجعل التنوخي هذا المعنى لا يفارقها أبدًا (¬9) .
وفي قوله تعالى (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) المائدة/6، جعلها الزمخشري للإلصاق، وقال: المراد إلصاق المسح بالرأس (¬10) ، وذكر الزركشي أنها للإلصاق وهو أصلها ومعناه: اختلاط الشئ بالشئ، ويكون حقيقة وهو الأكثر نحو-به داء -، ومجازًا نحو-
¬
(¬1) رصف المباني ص143.
(¬2) شرح الكافية 2/324.
(¬3) البحر المحيط 3/436.
(¬4) الكوكب الدري ص315.
(¬5) مغني اللبيب 1/118.
(¬6) حاشية الصبان 2/221.
(¬7) جواهر الأدب ص18.
(¬8) الهمع 2/20.
(¬9) الأقصى القريب ص13.
(¬10) الكشاف 1/325.
مررت به - إذ معناه: جعلت مروري ملصقًا بمكان قريب منه لا به، فهو وارد على الاتساع (¬1) .
2- التعدية:
وهي التي بواسطتها يتعدى الفعل اللازم إلى المفعول , فهي بذلك تؤدي وظيفة همزة التعدية، وجمهور النحاة على أن باء التعدية بمعنى همزة التعدية؛ وإنما لا يقتضي ذلك مشاركة الفاعل للمفعول.
وذكر المرادي: أن المبرد والسهيلي خالفا ذلك وعندهما أنها تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول (¬2) ، وأطلق ابن هشام عليها باء النقل، قال وهي المعاقبة للهمزة في تصير الفاعل مفعولًا، وأكثر ما يعدي الفعل القاصر، وتقول في: ذهب زيد، ذهبتُ بزيد، وأذهبته، ومنه قوله تعالى: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) البقرة/17 وقُرئ أذهب الله نورهم، ومنه قوله تعالى (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) البقرة/251والمعنى دفع الناس بعضهم بعضًا، وقولنا صحككت الحجر بالحجر، والأصل: صك الحجر الحجر (¬3) .
وجعلها ابن فارس للتعدية في قوله تعالى (أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) الإسراء/ 1. ونصّ البغدادي على أن الباء للتعدية في قوله تعالى (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) البقرة/ 166 أي قطعتهم الأسباب، ومثله قوله: تفرقت بهم الطرق؛ أي فرقتهم، وأسند ذلك إلى السّمين (¬4) ، وجعلها الرازي للتعدية في قوله تعالى (مِنْ نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) النساء/23، وبذلك قال الزمخشري، وشاهده قوله تعالى (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)
¬
(¬1) البرهان 4/252.
(¬2) الجنى الداني ص38.
(¬3) مغني اللبيب 1/120.
(¬4) الخزانة 1/86
ق/19، قال الزمخشري: والباء للتعدية؛ يعني وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الذي انطق الله به كتبه ورسله (¬1) ، وجعلها الزركشي للتعدية أيضًا في قوله تعالى (وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) البقرة/20، وجعلها للتعدية أيضًا في قوله تعالى (مِنْ نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) النساء/23.
3-الاستعانة:
وضع المرادي ضابطها بقوله: وهي الداخلة على آلة الفعل، نحو: كتبتُ بالقلم، وضربتُ بالسيف، ومنه في أشهر الوجهين في (بسم الله الرحمن الرحيم) .وذكر المرادي أن ابن مالك لم يذكر باء الاستعانة في التسهيل؛ وأدرجها في باء السببية.
وصرّح المرادي بأن الباء التي في الأفعال المنسوبة إلى الله - سبحانه وتعالى - لا يجوز أن تكون فيها الباء للاستعانة، ويجوز أن تكون الباء للسببية (¬2) .
وللتفرقة بين باء الاستعانة، وباء السبب، ننظر فيما أدخلت عليه، فإن كان آلة يستخدمها الفاعل لأداء الفعل كانت الباء للاستعانة، وإن كان سببًا أو علة لحدوثه كانت الباء فيها للسبب.
وذكر المبرد باء الاستعانة (¬3) ، وصرّح به الرماني ومثّل لها بـ (كتبتُ بالقلم وقطعتُ بالمدية) (¬4) ، وقال الزمخشري: ويدخل باء الاستعانة في نحو: كتبتُ بالقلم،
¬
(¬1) الكشاف 4/21.
(¬2) الجنى الداني ص38
(¬3) المقتضب 1/39
(¬4) معاني الحروف ص36
ونجّرتُ بالقدوم، وشرح ابن يعيش ذلك بقوله: استعنتُ بهذه الأشياء على هذه الأفعال (¬1) .
وذكر لها الاستعانة أيضًا ابن الجوزي (¬2) ، وابن جني (¬3) ، والمالقي (¬4) .
وعدّها ابن هشام للاستعانة في البسملة، وقال: لا يأتي على الوجه الأكمل إلا بها (¬5) وذكر لها معنى الاستعانة ابن مالك أيضًا (¬6) ، وجعلها المجاشعي للاستعانة في قولك: كتبتُ بالقلم، وقطعتُ بالمُدية (¬7) .
وأسند لها ابن منظور معنى الاستعانة إلى الجوهري في نحو: كتبتُ بالقلم (¬8) .
وجعلها الزركشي للاستعانة في البسملة (¬9) وذكرها أيضًا فيها السيوطي (¬10) .
4 - السببية أو التعليل:
بالسببية عبّر ابن هشام ووجعلها في قوله تعالى (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) البقرة/54، وقوله تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) العنكبوت/40. وفي قول الشاعر:
قَدْ سُقِتَتْ آبَالُهُمْ بِالنَّارِ... وَالْنَّارُ قَدْ تَشْفِي مِنَ الأُوَارِ (¬11)
¬
(¬1) شرح المفصل 8/22
(¬2) منتخب قرة العيون ص90
(¬3) سرّ صناعة الإعراب 1/138
(¬4) رصف المباني 143
(¬5) مغني اللبيب 1/120
(¬6) الكافية الشافية ص45
(¬7) شرح عيون الإعراب ص182
(¬8) لسان العرب 1/197
(¬9) البرهان 4/256
(¬10) معترك الأقران 1/635
(¬11) مغني اللبيب 1/120
وبالتعليل عبّر المرادي ووضع ضابطها نقلًا عن ابن مالك بقوله: هي التي تصلح غالبًا في موضعها اللام، شاهده قوله تعالى (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) البقرة/54، وقوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ) النساء/160، واحترز بقوله: غالبًا من قول العرب: غضبتُ لفلان؛ إذا غضبت من أجله وهو حي، وغضبت بفلان إذا غضبت من أجله وهو ميت.
وأكثر النحاة لم يذكروا باء التعليل استغناءً بباء السبب؛ لأن التعليل والسبب عندهم واحد، ولذلك مثلوا بهذه المُثل التي مثل بها ابن مالك للتعليل (¬1) .
وقال ابن قتيبة: الباء تكون مكان اللام في قوله تعالى (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) الدخان/39، وقدّر المعنى بـ للحق (¬2) ، وسمّاها السيوطي باء السببية (¬3) ، وذكر الزركشي لها معنى التعليل في قوله تعالى (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) البقرة/54 وقال: هي بمنزلة اللام (¬4) .
وفي قوله تعالى (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) البقرة/54 جعلها الألوسي للسببية (¬5) وهو ما ذهب إليه أبو حيان في نفس الآية (¬6) .
وفي قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ) النساء/160، جعلها الإسنوي للسببية (¬7) .
وفرّق الأشموني بين باء السبب وباء التعليل، وذكر قوله تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ) العنكبوت/40 وجعل الباء فيه للسببية، وذكر قوله تعالى (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
¬
(¬1) الجنى الداني ص39
(¬2) تأويل مشكل القرآن ص578
(¬3) معترك الأقران 1/635
(¬4) البرهان 4/256
(¬5) روح المعاني 1/357
(¬6) البحر المحيط 3/36
(¬7) الكوكب الدري ص315
عَلَيْهِمْ) النساء/160، وجعله للتعليل؛ لكن الصبان أسقط التعليل وقال: لأن التعليل والسبب شئ واحد، واعتمد في ذلك على ما ذكره ابن هشام، وأبو حيان، والسيوطي وذكر أن الشيخ يحي فرّق بين العلة والسبب، فالعلة متأخرة في الوجود متقدمة في الذهن، وهي الغاية أو الغرض، وأما السبب فهو متقدم ذهنًا وخارجًا؛ لكن يمنع من توجيه صنيع الشارح هذا تمثيله بنحو حفرت البئر بالماء (¬1) .
وجعلها الثعالبي بمعنى السببية في قوله تعالى (وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) الروم/13، وقدّر المعنى: بـ من أجل شركائهم (¬2) .
وذكره ابن منظور في قول لبيد:
غُلْب تَشَذَّرُ بِالْدُّخُولِ كَأَنَّهَا... جِنُّ الْبّدِيَّ رَوَاسِيَا أَقْدَامُهَا (¬3)
5- باء المصاحبة أو الحال:
وضع المرادي ضابطها وهو أن يحسن في موضعها (مع) ، وأن يغني عنها وعن مصحوبها الحال. وشاهده لها قوله تعالى (قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ) النساء/170 أي: مع الحق أو محقًا، وقوله تعالى (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ) هود/48 أي: مع سلام، أو مسلمًا عليك.
قال المرادي: ولصلاحية وقوع الحال موقعها سمّاها كثير من النحويين باء الحال (¬4) وذكر هذا الضابط أيضًا الزركشي، وشاهده قوله تعالى (قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ) النساء/170 (¬5) .
¬
(¬1) حاشية الصبان 2/220
(¬2) فقه اللغة ص516
(¬3) لسان العرب 1/197.
(¬4) الجنى الداني ص40
(¬5) البرهان 4/256
وذكر الضابط أيضًا الزمخشري. وجعل منه قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ) التوبة/25، وقوله تعالى (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) التوبة/25، وقدّر المعنى في الآية الأولى بجهالة في موضع الحال، بما رحبت؛ أي مع رحبها (¬1) .
وجعلها أبو حيان للحال في الآية السابقة، وقدّر المعنى: ضاقت بكم الأرض مع كونها رحبًا لشدة الحال وصعوبتها، كأنهم لا يجدون مكانًا يستصلحونه للهرب والنجاة لفرط ما لحقهم من الرعب، وجعل منه قوله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ) هود/41، فهي عنده في موضع الحال (¬2) .
وفي قوله تعالى (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) النصر/3، جعلها أبو حيان للمصاحبة (¬3) وكذلك جعلها الزجاج (¬4) .
وذهب ابن القيم أن الباء في قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) الإسراء/1، أنها تفيد المصاحبة، وذكر ما يفيد مصاحبته في مسراه (¬5) . وذكر العلوي في أحد وجهين: أن الباء للحال في كل الأحوال، لا يخرجن عنه ساعةً واحدة ولا يملن
¬
(¬1) الكشاف 1/256، 2/146
(¬2) البحر المحيط 5/224
(¬3) البحر المحيط 1/143
(¬4) إعراب القرآن 1/269
(¬5) بدائع الفوائد 3/202
عن الانقياد طرفة عين (¬1) . وذكر الثعالبي قوله تعالى (وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ) المائدة/61، شاهدًا على أن الباء بمعنى (مع) (¬2) ؛ وبذلك قال ابن هشام (¬3) .
وذكر الرماني أن الباء في هذه الآية للحال، وقال: لا يريد أنهم دخول يحملون شيئًا، وخرجوا يحملونه؛ إنما أراد أنهم دخول كافرين وخرجوا كافرين وجعلها للمصاحبة في قول الشاعر:
وَمُسْتَنَّةٍ كَاسْتِنَانِ الخَرو... فِ قَدْ قَطَعَ الحَبْلَ بِالْمرْودِ
أراد: مع المرود (¬4) .
6- الظرفية:
وضع المرادي ضابطها، وهو: أن يصلح في موضعها (في) نحو قوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) آل عمران/123، وقوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ) الصافات/137-138، وقال المرادي: وهو كثير في الكلام (¬5) .
وجعلها الإسنوي بمعنى (في) في قوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ) الصافات/137-138، وقدّر المعنى بـ (وفي الليل) (¬6)
وذكر لها الرماني معنى الظرفية، وذلك في قول الشّماخ:
وَهُنَّ وُقُوفٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ... بِضَاحِي غَداةٍ أمْرُهُ وهُوَ ضَامِرُ (¬7)
¬
(¬1) الطراز 1/150
(¬2) فقه اللغة ص516
(¬3) مغني اللبيب 1/120
(¬4) معاني الحروف ص39
(¬5) الجنى الداني ص40
(¬6) الكوكب الدري ص315
(¬7) معاني الحروف ص36
وعدّها المجاشعي للوعاء بمعنى (في) وشاهده قوله تعالى (بِبَطْنِ مَكَّةَ) الفتح/24 (¬1) ، وذكر ابن هشام قوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) آل عمران/ 123 شاهدًا للباء على الظرفية وكذلك قوله تعالى (نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ) القمر/34 (¬2) . وقال الأربلي: هو أن يحسن في موضعها (في) وهي الداخلة على الاسم من ظروف الزمان أو من ظروف المكان (¬3) ، وفي قوله تعالى (السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ) المزمل/18 جعلها للظرفية، والباء في (به) بمعنى (في) ومنه قول الشاعر:
إِنَّ الرَّزِيَّة لَا رَزِّيَّةَ مِثْلُهَا... أَخَوَاي إِذْ قُتِلَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ
أي: في يوم واحد (¬4) .
وجعلها الحيدرة بمعنى (في) في قوله تعالى (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) النور/36، وقدّر المعنى بـ (في الغدو) (¬5) .
وذكر المالقي أن الباء بمعنى (في) في قوله تعالى (أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً) يونس/87 ومنه قول زهير:
بِهَا العِينُ وَالاَرَامُ يَمْشِينَ خَلْفَهُ... وَأَطْلاَؤهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
وقدّر بها بـ (فيها) (¬6) .
وذكر الفراء لها هذا المعنى وقال: سمعتُ من العرب من يقول: أدخلك الله بالجنة؛ أي فيها (¬7) .
¬
(¬1) شرح عيون الإعراب ص182
(¬2) المغني 1/121
(¬3) جواهر الأدب ص19
(¬4) الأزهية ص296
(¬5) كشف المشكل ص233
(¬6) رصف المباني ص145
(¬7) معاني القرآن 2/70
وفي قوله تعالى (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) آل عمران/26 قال ابن الجوزي: الباء بمعنى في (¬1) .
وذكر السيوطي أنها للظرفية في قوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) آل عمران/ 123، وقوله تعالى (نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ) القمر/34، والمعنى: في يوم بدر وفي سحر (¬2) .
7- البدل:
علامتها عند المرادي أن يحسن في موضعها كلمة (بدل) كما في قول قريط ابن أنيف:
فَلَيْتَ لي بِهِم قوْمَا، إِذَا رَكِبُوا... شَنُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانَا وَرُكْبَانًا
وفي الحديث: «مَا يَسُرُّنِى أَنَّ لِى بِهَا حُمْرَ النَّعَمِ» (¬3) ، والشاهد في قوله (بها) أي: بدلها.
وذكر لها هذا المعنى كلٌ من ابن هشام (¬4) ، والسيوطي ووضع علامتها كالمرادي (¬5) وابن مالك كما في الخلاصة والتسهيل (¬6) .
8- العوض:
ذكره المالقي وشاهده قوله تعالى (وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ) سبأ/16، ومنه قول الشافعي:
¬
(¬1) منتخب قرة العيون ص82
(¬2) معترك الأقران 1 /635
(¬3) الجنى الداني ص40، والحديث أخرجه أحمد (819)
(¬4) مغني اللبيب 1/121
(¬5) الهمع 1/21
(¬6) التسهيل ص145
فَأَصْبَحُوا وَلِسَانُ الحالِ يُنْشدُهُمُ... هَذَا بِذَاكَ وَلَا عَتْبٌ عَلَى الزَّمَنِ
وقدّر المعنى في الآية: عوض جنتيهم، وفي البيت: عوض ذلك (¬1) .
ووضع الدكتور عباس حسن الفرق بين باء البدل، وباء العوض: وهو أن البدل اختيار أحد الشيئين، وتفضله على الآخر من غير مقابلة بين الجانبين، والعوض هو دفع شئ في مقابل الآخر. وجعل الحكم في هذا للقرينة فهي تعين المراد وتوجه الذهن إليه (¬2) .
ويبدو أن النحاة استغنوا عن هذا المعنى بالمقابلة، كما يظهر ذلك عند الحديث عن باء المقابلة.
9- المقابلة:
وضع المرادي ضابطها بأنها الداخلة على الأثمان والأعواض، غير أن المرادي أدخلها في باء السبب (¬3) ، وجعلها السيوطي للأعواض وأدخلها في باء البدل (¬4) ، وسمّاها النضر بن شميل باء الثمن، ومثّل له بقوله:: أشتريتُ بدرهم (¬5) ، وقال ابن الجوزي: وتصحب الأثمان كقولك: أشتريتُ بدرهم، وبعتُ بدينار (¬6) ، وجعلها السيوطي للمقابلة في قوله تعالى (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل/32، ورفض السيوطي جعلها للسببية في هذه الآية (¬7) .
¬
(¬1) رصف المباني ص146
(¬2) النحو الوافي 2 /492
(¬3) الجنى الداني ص41
(¬4) الهمع 2 /20
(¬5) البلغة في شذور اللغة ص161
(¬6) قرة العيون ص80
(¬7) معترك الأقران 1/636
وجعلها الفراء التي تدخل في المبيع والمشتري؛ فإن ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين لا يكونان ثمنًا معلومًا، مثل الدنانير والدراهم، فمن ذلك اشتريت ثوبًا بكساء، أيهما شئت تجعله ثمنًا لصاحبه؛ لأن هذا ليس من الأثمان.
وما كان ليس من الأثمان مثل الرقيق والدور وجميع العروض فهو على هذا، فإن جئت إلى الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن.
قال تعالى (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ) يوسف/20، وقال تعالى (اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) التوبة/9، وفي قوله تعالى (اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ) البقرة/86، وقوله تعالى (اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ) البقرة/175، فأدخل أي هذين شئت، ومتى تصير إلى الدراهم والدنانير، فإنك تدخل الباء فيهن مع العروض، في أيهما شئت إذا اشتريت أحدهما بصاحبه (¬1) .
وجعلها ابن هشام للمقابلة في قوله تعالى (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل/32، مخالفًا لقول المعتزلة، ودلل بالحديث الشريف «لاَ يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» ؛ لأن المعطى بعوض قد يعطى مجانًا، أما المسبب فلا يوجد بدون العمل وقد تبين أنه لا تعارض بين الآية والحديث لاختلاف محمل البائين جميعًا في الأدلة (¬2) .
وكلام ابن هشام يفيد أن الباء في الآية جاءت بمعنى المقابلة وهي غير السبب، فكان دخول الجنة تعويضًا منه - سبحانه وتعالى - عمّا عمله المؤمنون من أعمال طيبة، والباء في الحديث جاءت للسبب، وفيه نفي دخول المؤمن الجنة بسبب عمله، لأنه مهما قدم من أعمال صالحة لا تكون هذه الأعمال سببًا في دخوله الجنة، لأنها أكثر من ذلك وباختلاف معنى البائين في الآية والحديث زال الخلاف بينهما وبطل العجب، والله اعلم.
¬
(¬1) معاني القرآن 1/30
(¬2) مغني اللبيب 1/121، والحديث أخرجه أحمد (7688)
10- المجاوزة:
وضابطها أن توافق (عن) ، وجعلها ابن قتيبة للمجاوزة في قوله تعالى (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) الفرقان/59، وفي قول علقمة:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ... فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بَأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
الشاهد فيه: قوله (بالنساء) أي: عن النساء.
وقول ابن أحمر:
تَسَائَلْ بِابنِ أَحْمَرَ مَنْ... رَأَهُ أَعَارَتْ عَيْنَه أَمْ لَمْ تَعَارَا (¬1)
وأجازه الزجاج في قوله تعالى (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) المعارج/1 وقدّر الباء فيها بمعنى (عن) (¬2) ، وقدّره الزركشي في الآيتين السابقتين، وأضاف آيتين، قوله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) الفرقان/25 وقدّر المعنى عن الغمام؛ وقوله تعالى (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) التحريم/8؛ أي: وعن أيمانهم (¬3) . وذهب السيوطي إلى أنها بمعنى (عن) في قوله تعالى (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) المعارج/1؛ وقدّر المعنى: عن عذاب (¬4) .
وذكر لها الفراء هذا المعنى في قوله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) الفرقان/25؛ أي: عن الغمام، وفي قول العرب: رميت بالقوس، أي عنها (¬5) .
وجعلها الهروي بمعنى (عن) في قوله تعالى (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) المعارج/1؛ أي: عن عذاب واقع، وفي قول عنترة:
¬
(¬1) تأويل مشكل القرآن ص568، والشاهد في قوله: بابن أحمر؛ أي: عنه.
(¬2) إعراب القرآن 2/424
(¬3) البرهان 4/257
(¬4) معترك الأقران 1 /635
(¬5) معاني القرآن2/267
هَلَّا سَأَلْتِ الْخَيْلَ يَا بْنَةَ مَالِكٍ... إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي
وأراد الشاعر: عمَّا تعلمي. ومنه قول الجعدي:
سَأَلتني بِأُنَاسٍ هَلَكُوا... شَرِبَ الدَّهرُ عَلَيهِم وَأَكَلْ
أي: عن أناس (¬1) .
وذكر لها هذا المعنى ابن فارس (¬2) والحيدرة (¬3) وابن منظور فيما أسنده لابن الأعرابي وأبي عبيدة (¬4) ، وذكره أيضًا المالقي (¬5) ، وذكر المرادي لها معنى المجاوزة، وعبّر عنه بعضهم بموافقتها (عن) وذلك كثير بعد السؤال، نحو قوله تعالى (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) المعارج/1؛ وقليل بعد غيره نحو قوله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) الفرقان/25؛ وأسند ذلك للأخفش وذكر المرادي: أنها بمعنى عن بعد السؤال منقول عن الكوفيين، وعند الشلوبين باء السبب (¬6) .
وذكر ابن هشام لها هذا المعنى، وبيّن أنه قيل تختص بالسؤال، نحو قوله تعالى (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) الفرقان/59، بدليل يسألون عن أنبائكم، وقيل: لا تختص بدليل قوله تعالى (بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) التحريم/8 وقوله تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ) الفرقان/25 (¬7) .
¬
(¬1) الأزهية ص295
(¬2) الصاحبي ص133
(¬3) كشف المشكل ص133
(¬4) لسان العرب1/197
(¬5) رصف المباني ص144
(¬6) الجنى الداني ص41
(¬7) مغني اللبيب 1/ 122
وذهب ابن الجوزي إلى أنها بمعنى (عن) قوله تعالى (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ) البقرة/166 (¬1) .
11- الاستعلاء:
ضابطها أنها توافق (على) ، وذكر هذا المعنى الزركشي، وشاهده قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ) آل عمران/75، أي على قنطار؛ ومنه قوله تعالى (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) المطففين/30؛ أي عليهم (¬2) .
وجعل الفراء الباء بمعنى (على) في قوله تعالى (حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ) الأعراف/105، بدليل قراءة عبد الله (بأن لا أقول) (¬3) فتكون الباء بمعنى على بقراءة عبد الله هذه بدليل القراءة المتواترة.
وفي قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ) آل عمران/75، جعلها الآمدي بمعنى (على) (¬4) ، وذكره أيضًا السيوطي وشاهده الآية السابقة (¬5) بدليل قوله تعالى (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ) يوسف/64، وزاد في الهمع قول راشد السلمي:
أَرَبُّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأَسِهِ... لَقَدْ هَانَ مَنْ بَالَتْ عَلَيهِ الثَّعَالِبُ (¬6) .
وذكره ابن جني وشاهده قول العرب: رميت بالقوس؛ أي عليها (¬7) .
¬
(¬1) منتخب قرة العيون ص80
(¬2) البرهان 4/257
(¬3) معاني القرآن 1/386
(¬4) الأحكام ص85
(¬5) معترك الأقران 1/625
(¬6) همع الهوامع 2/22
(¬7) الخصائص 2/308
وجعل ابن الجوزي الباء بمعنى على في قوله تعالى (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ) النساء/42؛ أي: عليهم (¬1) .
12- التبعيض:
ضابطها أنه يحسن في موضعها (من) ، ذكر لها هذا المعنى ابن قتيبة وشاهده قوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) المطففين/28، وقوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه) الإنسان/6، وقوله تعالى (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ) هود/14، وقدّر المعنى: يشرب منها، ومن علم الله.
ومنه قول أبي ذويب:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَعَتْ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَ نَئِيجُ
وقول عنترة:
شَرِبَتْ بِمَاءٍ الدُّحْرَضِينِ فَأَصْبَحَتْ... زُوْرًا تَنفِرُ عَنْ حِيَاضِ الْدَّيْلَمِ
والمعنى: شربن من ماء في البيتين (¬2) .
وذهب ابن القيم إلى أنها بمعنى (من) في قوله تعالى (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ) المائدة/6 (¬3) .
وقدّر لها معنى التبعيض السيوطي أيضًا في قوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) المطففين/28 (¬4) ، وذهب القاضي عياض إلى ذلك أيضًا (¬5) ، وقدّره ابن
¬
(¬1) قرة العيون ص83
(¬2) تأويل مشكل القرآن ص575
(¬3) بدائع الفوائد 4/208
(¬4) معترك الأقران 1/636
(¬5) مشارق الأنوار 1/72
الجوزي في قوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) المطففين/28، (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّه) الإنسان/6 (¬1) .
وذكر المالقي أن أصحاب مالك قالوا: الباء في آية الوضوء تبعيضية، فقالوا: المسح في الوضوء ببعض الرأس؛ غير أنه في رأي الصحيح أن الباء فيها للإلصاق أما التبعيض فمجاز فيها (¬2) .
ويتضح لنا في هذه المسألة مدى تأثر المعنى بتقدير معنى الجار.
ونسب المرادي معنى التبعيض في الباء إلى الأصمعي، وابن قتيبة، والفارسي، وابن مالك وذكر الشواهد القرآنية السابقة، وعدّها تبعيضية في قول عمر بن أبي ربيعة:
فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذَا بِقُرُونِهَا... شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الْحَشْرَجِ
ورفض كونها للتبعيض في آية الوضوء (¬3) .
13- القسم:
ذكر المرادي أنها أصل حروف القسم، لأنه لا يجب حذف الفعل معها، وتدخل على المضمر، وتستعمل في الطلب وغيره، وهي جارة في القسم وغيره (¬4) .
وذكر ذلك ابن هشام وزاد دخولها على القسم الاستعطافي، ومثاله: بالله هل قام زيد؟؛ أي: أسألك بالله مستحلفًا (¬5) .
وأشار السيوطي إلى هذا المعنى، وأسنده إلى ابن جني الذي قال: الباء أصل حروف القسم (¬6) ، وذكر لها معنى القسم الزركشي وجعلها للقسم في قوله تعالى (
¬
(¬1) منتخب قرة العيون ص80
(¬2) رصف المباني ص 146
(¬3) الجنى الداني ص44
(¬4) الجنى الداني ص45
(¬5) مغني اللبيب 1/123
(¬6) البرهان 3/43
وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) النحل/38، وقوله تعالى (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ) التوبة/62 وذكر أن الفعل واجب الإتيان معها، وقد تجئ والفعل محذوفًا في قوله تعالى (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) لقمان/13وقدّرالمعنى بـ (يابني) لا تشرك، ثم ابتدأ فقال: بالله لا تشرك. وحذف لا تشرك للدلالة عليه، وقوله تعالى (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) المائدة/116، فتقف على (لي) وتبتدئ (بحق) فتجعله قسمًا (¬1) .
14- الزائد:
أشار سيبويه إلى زيادتها في خبر ليس، ورأى أنها دخلت على شئ لو لم تدخل عليه لم يخل بالمعنى، ولم يحتج إليها، ومثل لها بقوله: ليس زيد بجبان ولا بخيلًا (¬2) . وذكر أنها مزيدة في قوله تعالى (كَفَى بِاللهِ) (¬3) ، وجعلها بمنزلة (من) للتوكيد ومثل لذلك بقوله: كفى بالشيب، قال: لو ألقى الباء لاستقام الكلام (¬4) .
وذكر أن الخليل زعم أن (به) في قولك: مررت برجل حسبك به من رجل بمنزلة (هو) لكن الباء دخلت هنا للتوكيد، كما قال: كفى بالشيب والإسلام، وكفى بالشيب والإسلام (¬5) .
فيكون سيبويه قد ذكر زيادة الباء , في خبر ليس، وفاعل حسب وكفى. وذكر الفراء أن أهل الحجاز لا يكادون ينطقون إلا بالباء في خبر (ما) وكل ما في القرآن أتى بالباء، إلا قوله تعالى (مَا هَذَا بَشَراً) يوسف/31 وقوله تعالى (مَّا
¬
(¬1) نفسه.
(¬2) الكتاب 1/66
(¬3) نفسه 1/41
(¬4) نفسه 4/225
(¬5) نفسه2/26
هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) المجادلة/2، وأما أهل نجد فيتكلمون بالباء وبغير الباء، فإذا أسقطوها رفعوا وهو أقوى الوجهين في العربية، قال وأنشدني بعضهم:
لشَتَّان مَا أَنْوِي وَيَنْوِي بَنُو أَبِي... جَمِيعَا فَمَا هَذَانِ مُسْتَوِيَانِ
وقال: وأنشدوني:
وَيِزْعُمُ حِسْلٌ أَنَّهُ فَرْعُ قَوْمِهِ... وَمَا أَنْتَ فَرْعُ يا حُسَيلُ وَلا أَصْلُ
وذكر أن الباء لم تستعمل ولم تدخل؛ ألا ترى أنه قبيح أن تقول: ما بقائم أخوك، لأنها تقع في المنفي إذا سبق الاسم، فلما لم يكن في (ما) ضمير الاسم قبل دخول الباء وحسن ذلك في ليس أن تقول: ليس بقائم أخوك.
لأن ليس فعل يقبل المضمر، ولم يكن ذلك في (ما) ، وأجاز دخولها في (لا) لأنها أشبه بليس من (ما) (¬1) .
وذكر ابن منظور أن الأزهري أسند إلى المبرد القول بزيادة الكاف والباء واللام (¬2) . وعدّها الزجاج مزيدة في خبر (ما) وبيّن أنها مؤكدة للنفي في قوله تعالى (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) البقرة/8 (¬3) ، وأسند إلى الأخفش زيادة الباء في خبرالمبتدأ كما في قوله تعالى (جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) يونس/27 (¬4) .
وذكر المجاشعي زيادتها مع الفاعل، ومع المفعول، ومع المبتدأ، ومع الخبر. قال: فمن زيادتها مع الفاعل قوله تعالى (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) النساء/79، أي: كفى الله، وهذا من المستعمل. ومن زيادتها مع المفعول قوله تعالى (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة/195، ومن زيادتها مع المبتدأ، قول الأشعر الرقيان:
¬
(¬1) معاني القرآن 2/42
(¬2) لسان العرب 4/ 3431
(¬3) معاني القرآن 1/50
(¬4) إعراب القرآن 2/668
بِحَسْبِكَ فِي الْقُومِ أَنْ يَعْلَمُوا... بِأَنَّكَ فِيْهِم غَنِئُّ مُضَرِ
ومن زيادتها مع الخبر قوله تعالى (جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) يونس/27 (¬1) .
وذكر الرماني مواضع زيادتها بقوله: وهي التي تدخل على الفاعل في قوله تعالى (وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً) النساء/79، ولكنه نسب إلى ابن السراج عدم زيادتها هنا وقدّر المعنى: كفى والاكتفاء بالله؛ غير أنه ردّ ذلك بأن هذا التأويل فيه بعد القبح حذف الفاعل، وذكر شاهدًا آخر وهو قول قيس بن زهير العبسي:
أَلَمْ يَأَتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي... بِمَا لَا قَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
وأن تدخل على المبتدأ، كما في قوله تعالى (جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) يونس/27
وتدخل على المفعول، كقول الشاعر:
نَحْنُ بَنُوضُبَّةٍ أَصْحَابُ الفَلَج... نَضْرِبُ بِالسيفِ وَنَدْعُو بِالفرجِ
وقوله تعالى (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة/195، وتزاد مع حرف النفي كقولك: ما زيدٌ بقائم، وليس عبدالله بخارج (¬2) .
وذكر ابن خالويه أنها مزيدة في قوله تعالى (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) التين/7، وقوله تعالى (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين/8، فهي مزيدة عنده في خبر ما وخبر ليس (¬3) .
وباستقراء آراء العلماء في نوع الباء في البسملة، فإنها لا تخرج عن معنى من ثلاث:
¬
(¬1) شرح عيون الإعراب ص182
(¬2) معاني الحروف ص36
(¬3) إعراب ثلاثين سورة ص131
الأول: وهو رأي الرازي، أن تكون بمعنى الإلصاق. وهي متعلقة بمحذوف، فيحتمل أن يكون اسمًا، أو أن يكون فعلًا، وعلى التقديرين: فيجوز متقدمًا، ومتأخرًا. فهذه أقسام أربعة.
أما إذا كان متقدمًا وكان فعلًا، فكقولك: أبدأُ باسم الله، وأما إذا كان متقدمًا وكان اسمًا، فكقولك: ابتدأ الكلام باسم الله، وأما إذا كان متأخرًا وكان فعلًا، فكقولك: باسم الله أبدأ، وأما إذا كان متأخرًا وكان اسمًا، فكقولك: باسم الله ابتدائي (¬1) .
الثاني: وهو رأي البيضاوي، أن تكون للمصاحبة، والمعنى: متبركًا باسم الله تعالى اقرأ، وهذا وما بعده إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا كيف يتبرك باسمه ويحمد على نِعمه ويُسأل من فضله (¬2) .
الثالث: وهو رأي الألوسي، أن تكون بمعنى الاستعانة، وهي أولى. بل يكاد أن تكون متعينة إذ فيها من الأدب والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة، ولأن فيها تلميحًا من أول وَهلة إلى إسقاط الحَوْل والقوة، ونفي استقلال قُدِر العباد وتأثيرها وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لاحول ولا قوة إلا بالله (¬3) .
والخلاصة:
أن الباء أصلية على المشهور، ومعناها الاستعانة أو المصاحبة على وجه التبرك واستؤنس لهذا كما في تفسير البلقيني بحديث «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ
¬
(¬1) تفسير الفخر الرازي 1/138
(¬2) تفسير البيضاوي 1/32
(¬3) روح المعاني 1/117
وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرُّهُ شَىْءٌ» (¬1) .
وكل جار ومجرور لابدّ له من متعلق، كما قال الراجز:
لا بدَّ للجار من متعلِّق... بفعل أو معناه نحو مُرتقى
واستثن كلَّ زائدٍ له عملٌ... كالباء ومن والكاف أيضًا ولعل
ويَحْسُن جعل المقدر- المتعلق- متأخرًا، لأن (اسم) أحق بالتقديم ولأن الجار والمجرور يفيد اختصاص الاسم الكريم بكونه متبركًا، لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات وباسم العزى، فوجب أن يقصد الموحِد معنى اختصاص اسم الله - عز وجل - بالابتداء.
فاسم: مرفوع بالإبتداء تقديرًا لا محلًا، والخبر محذوف- اسم اوفعل- والتقدير: اسم الله مبدوءٌ به أو أبدأ به.
قال الزمخشري:
" فإن قلت لم قدرت المحذوف متأخرًا؟ قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلّق به هو المتعلّق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات باسم العزى فوجب أن يقصد الموحِد معنى اختصاص اسم الله - عز وجل - ابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حيث صرَّح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص، والدليل عليه قوله (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) هود/41 فإن قلت فقد قال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) العلق/1 فقدم الفعل؟ قلت هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم، فإن قلت ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم على معنى أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدًا به في الشرع واقعًا على السنة حتى يصدّر بذكر اسم الله
¬
(¬1) رواه الترمذي (3716)
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ كَلاَمٍ أَوْ أَمْرٍ ذِى بَالٍ لاَ يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ قَالَ أَقْطَعُ» (¬1) .وإلا كان فعلًا كلا فعل جعل فعله مفعولًا باسم الله كما يفعل الكتب بالقلم.
والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ) المؤمنون/20 على معنى: متبركًا بسم الله أقرأ وكذلك قول الداعي للمعرس بالرفاة والبنين معناه أعرست ملتبسًا بالرفاة والبنين وهذا الوجه أعرب وأحسن. فإن قلت فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركًا باسم الله أقرأ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره. اهـ
ولحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة:
* منها أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله، فلو ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضاً للمقصود. فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدؤ به اسم الله كما نقول في الصلاة: الله أكبر ومعناه من كل شيء ولكن لا نقول هذا المقدر ليكون اللفظ مطابقاً لمقصود الجنان وهو أن لا يكون في القلب إلا الله وحده، فكما تجرد ذكره في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه.
* ومنها أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة، وليس فعل أولى بها من فعل. فكان الحذف أعمّ من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعمّ منه.
* ومنها أن الحذف أبلغ، لأن المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل فكأنه لا حاجة إلى النطق به، لأن المشاهدة والحال دالّة على أن هذا وكل فعل فإنّما هو باسمه تبارك وتعالى.
¬
(¬1) رواه أحمد (8946)
والحوالة على شاهد الحال أبلغ من الحوالة على شاهد النطق كما قيل:
ومن عجب قول العواذل من به وهل غير من أهوى يحب ويعشق (¬1) .
ولكن لماذا بُنيتْ الباء على الكسر؟
قال الرماني: وهي مكسورة، وإنما كسرت لتكون على حركة معمولها، وحركة معمولها الكسر (¬2) .
وعلل الحريري ذلك بقوله: وإنما خصت الباء بالكسرة لأنها في كل مواقعها تجر، فجعلت حركتها من جنس عملها (¬3) .
¬
(¬1) بدائع الفوائد 1/25
(¬2) معاني الحروف1/36
(¬3) ملحة الإعراب 1/92
الفصل الثاني
المبحث الأول
تعريف الاسم وإثباته لله - سبحانه وتعالى - (¬1)
المطلب الأول: اشتقاق الاسم
اختلف البصريون والكوفيون في اشتقاق الاسم، فقال البصريون: إن الاسم مشتق من السُّمُو، والسُّمُو من الرفعة، والأصل فيه (سَمَو) على وزن (جَمَل) ، وجمعه (أسْمَاء) ، مثل (قنو وأقْنَاء) ، و (حَنو وأحْنَاء) .
وحذفت الواو تخفيفًا لكثرة الاستعمال ولتعاقب الحركات، وسكن السين وحرك الميم.
وقال الكوفيون: إن الاسم مشتق من (الوَسمَ) ، و (السِمة) وهى العلامة، وكأنه علامة على معناه وعلامة على المسمى.
حذفت الألف أيضًا عند الأخفش والكسائي، وقال الفراء لا تحذف إلا في بسم الله فقط (¬2) .
والراجح من حيث اللفظ ومقاييس العربية: هو قول البصريين لأن العرب لا تعرف شيئًا دخلته ألف الوصل وحذفت فاء فعله.
¬
(¬1) هذا الفصل مستفاد من كتاب (أسماء الله الحسنى) لعبد الله الغصن، بشئ من التصرف.
(¬2) مشكل إعراب القرآن ص 65
ونحو قولك (عِدة) و (زِنة) ، فلو كان أصل الاسم (وَسَمَ) لكان تصغيره إذا حذفت منه ألف الوصل (وُسَيم) وفي الجمع (أوسَام) كما أن تصغير (عِدة وصِلَة) (عِدة ووُصيَلة) ، ولا يقدر أحد أن يري في العربية ألف الوصل فيما حذفت فاؤه من الأسماء.
وكلام البصريين والكوفيين من جهة صلة اشتقاق الاسم بالمعنى متقارب. قال ابن يعيش بعد أن ذكر الخلاف بين البصريين والكوفيين في هذه المسألة: "وكلاهما حسن من جهة المعنى إلا أن اللفظ يشهد مع البصريين" (¬1) .
وحذفت الألف من الخط في بسم الله لكثرة الاستعمال وقيل حذفت لتحرك السين في الأصل لأن أصل السين الحركة وسكونها لعلة دخلتها وقيل للزوم الباء هذا الاسم فإن كتبت بسم الرحمن أو بسم الخالق.
فإن قيل: لِمَ حذفوا ألف اسم هنا، وأثبتوه في (اقرأ باسم ربك) ؟
فالإجابة عند الرازي-: - حيث قال: والفرق من وجهين:-
الأول: أن كلمة بسم الله مذكورة في أكثر الأوقات عند أكثر الأفعال فلأجل التخفيف حذفوا الألف بخلاف سائر المواضع فإن ذكرها قليل.
الثاني: قال الخليل إنما حذفت الألف في قوله بسم الله لأنها إنما دخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن، فلمَّا دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف فسقطت في الخط وإنما لم تسقط في قوله اقرأ باسم ربك لأن الباء لا تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في بسم الله لأنه يمكن حذف الباء من اقرأ باسم ربك مع بقاء
¬
(¬1) شرح المفصل 1/23
المعنى صحيحًا، فإنك لو قلت اقرأ اسم ربك صحّ المعنى، أما لو حذفت الباء من بسم الله لم يصح المعنى فظهر الفرق (¬1) .
¬
(¬1) التفسير الكبير 1/ 144
المطلب الثاني: تعريف الاسم
الكلمة: اسم، وفعل، وحرف ولقد عرف النحاة القدماء من أقسام الكلمة: الفعل، والحرف ولم يعرفوا الاسم، ذلك لوضوحه عندهم؛ ولذلك اكتفي سيبويه عن تعريف الاسم - بعد تعريف الفعل والحرف- بقوله:" الاسم: رجل، وفرس وحائط " (¬1) .
ويتنوع استعمال النحاة للاسم وإطلاقهم له: فتارة يطلق الاسم ويراد به ما يقابل الفعل والحرف، وهذا أوسع إطلاق للاسم، وله علامات خمس تميزه هى:
دخول الجر عليه، والتنوين، والنداء، و (أل) ، والإسناد إليه (¬2) .
وتارة يطلق ويراد به الجامد - أي غير المشتق -، ويكون المراد بالمشتق الصفة. والاسم في مقياس الصناعة النحوية ما ذكره الزجاجى حيث قال:" الاسم في كلام العرب ما كان فاعلًا أو مفعولًا، أو واقعًا في حيز الفاعل والمفعول به " (¬3) .
وأما من جهة معناه: فيذكر السهيلي أنه:" اللفظ الذى وضع دلالة على المعنى (¬4) .
وقال الزمخشري:
" الاسم: ما دلّ على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الاقتران" (¬5) .
¬
(¬1) الكتاب 1/12
(¬2) انظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك 1/13
(¬3) الإيضاح في علل النحو ص48
(¬4) نتائج الفكر ص39
(¬5) شرح المفصل 1/22
والمعنى هو الشئ الموجود في الأعيان إن كان من المحسوسات كزيد وعمرو، وفي الأذهان إن كان من المعقولات كالعلم والإرادة.
المطلب الثالث: إثبات الاسم لله - سبحانه وتعالى -.
ورد إثبات لفظ الاسم ونسبته إلي الله، وورد إثبات أسماء لله - سبحانه وتعالى - على وجه التفصيل.
فأما إثبات لفظ (الاسم) ونسبته إلى الله:
فقد ورد في نصوص عديدة منها قوله تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) الأعراف/180، وقوله (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى) الآيات الدالة على إثبات لفظ الاسم لله - عز وجل -.
ومن الأحاديث: ما رواه البخاري ومسلم من أن النبي< كان إذا أوى إلي فراشه قال: «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» (¬1) ومن الأحاديث أيضًا قول الرسول<: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِى صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِى لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَىْءٌ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرُّهُ شَىْءٌ» (¬2) .
وأما الإثبات المفصل لأسماء الله - سبحانه وتعالى - فهو كثير في القرآن الكريم والسنة النبوية، فمما ورد في القرآن الكريم قول الحق - سبحانه وتعالى -: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) الحشر/23.
¬
(¬1) البخاري (6312) ومسلم (7062)
(¬2) رواه الترمذي (3716)
فبيّن الحق في هذه الآية بعض أسمائه، وهى الله الملك، القدوس السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر.
ويختم الله - سبحانه وتعالى - في كتابه العزيز كثيرًا من الآيات بأسمائه الحسنى مثل قوله تعالى (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) البقرة/37 وقوله (وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) البقرة/263.
ومن السنة قول المصطفي - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (¬1) . وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ» (¬2) .
ومما سبق يتبين لنا أنه قد ورد بالدليل الصحيح إثبات الاسم لله - سبحانه وتعالى - من حيث صحة نسبة الاسم لله، ومن حيث ورود أسماء كثيرة ثابتة لله - سبحانه وتعالى -.
¬
(¬1) رواه مسلم (275)
(¬2) رواه البخاري (831)
المبحث الثاني
كراهة الخوض في الاسم والمسمّي
كَره السّلف الخوض في مسألة الاسم: هل هو عين المسمّي أم لا. ذلك أنها مسألة حادثة، قليلة الفائدة، لم يرد فيها أثر من كتاب أو سنة ولا من أقوال السلف، وهذه المسألة نشأت نتيجة الخلاف مع المعتزلة في عهد الإمام أحمد بن حنبل-:.
وقد كان الخلاف في كلام الله (القرآن) هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟
فقالت المعتزلة: الاسم غير المسمّي، فردّ السّلف عليهم، وقد كان أول من رد عليهم الإمام أحمد -:-؛ ولذلك يذكر الطبري -:- أن أول من أثر عنه الحديث ردًا على المبتدعة وبيانًا للحق في مسألة الاسم والمسمّي، ممن يُعتدّ بقوله هو: الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل-"- ومع ذلك فقد كان يشق على الإمام أحمد ويعظم عليه الكلام في الاسم والمسمّي ابتداءً مسألة حادثة.
قال الإمام الطبري-:-:" وأما القول في الاسم أهو المسمّي أم غير المسمّي؟ فإنه من الحماقات الحادثة، التي لا أثر فيها فيتبع ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شَين، والصمت عنه زين " (¬1) .
وقال في موضع آخر:
¬
(¬1) صريح السنة ص25 -26
" حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء، ونوكي (¬1) الأمة، والرعاع يتعب إحصاؤها، ويملّ تعدادها، فيها القول في اسم الشئ أهو هو، أم هو غيره " (¬2) .
ويرى أبو حامد الغزالي أن مسألة الاسم والمسمّي: طويلة الذيل قليلة النيل، قليلة الجدوي (¬3) .
وقد ناقشه السهيلي في هذه المقولة، وبين أن الأمر عنده ليس كما ذكره الغزالي، فنيلها كثير لمن نظر واستبصر (¬4) .
والحق في هذه المسألة مع الغزالي-:- إذ التحقيق - عند من علَّمه الله علمًا نافعًا - أن البحث عن أمثال تلك المباحث من باب الخوض فيما لا يعني، وقد قال رسول الله < «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ» (¬5) . وقد حكى الله - سبحانه وتعالى - عن حال أهل النار قولهم (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) المدثر/45.
ولم ير المسلمون في آية من آيات الكتاب العزيز، أو حديث من أحاديث النبي< ذكر الاسم وكونه هو المسمّى أو غيره، وأن الصفات زائدة على الذات أم لا؟، ولذا كان السلف الصالح في غفلة من هذا، بل في عافية تامة من ذلك، ثم جرى إبليس من بني آدم مجري الدم في هذه المسألة، ولبّس على الكثير من المتكلمين والصوفية فخاضوا في هذه الخرافات، وحسبوا أنهم أحسنوا صنعًا ولم يعلموا أن هذا الصنيع عن مقاصد الدين بمعزل، فرحم الله
¬
(¬1) الأنوك: أي الأحمق
(¬2) صريح السنة ص17
(¬3) المقصد الأسنى ص31
(¬4) نتائج الفكر ص38
(¬5) رواه الترمذي (2487)
أمرأً اقتصر على ظاهر الكتاب والسنة الصحيحة ولم يخض في تلك الموبقات والمهلكات التي لا تأتي بفائدة ولا تعود بفائدة.
المبحث الثالث
أقوال الناس في الاسم والمسمّى
اختلف الناس في الاسم، هل هو عين المسمّي، أم غيره؟ على أقوال:
القول الأول: أن الاسم هو المسمّي: وهو قول بعض المنتسبين إلي السنة، كالإمام البغوي والإمام اللالكائي وكذلك أبو عبيدة معمر بن المثني. والقرطبي وهو أحد قولي الأشاعرة، اختاره أبو بكر ابن فورك (¬1) .
القول الثاني: أن الاسم غير المسمّي، وهو قول الجهمية، والمعتزلة وممن قال بهذا القول: ابن جنى، وابن حزم، والسهيلي والغزالي، والرازي وهو اختيار ابن حجر العسقلاني على اختلاف بين بعضهم في تخريجه لقوله (¬2) .
القول الثالث: الاسم للمسمّي، وهو دليل وعلم عليه، ولا يطلق القول في الاسم هل هو عين المسمّي أو غيره؟ إنما يستفصل، لأن الكلام عن هذه المسألة عام مجمل يحتاج إلي تخصيص وتقييد، وهذا القول هو قول أكثر أهل السنة وفي مقدمتهم، إمام أهل السنة الإمام أحمد ابن حنبل وتبعه الطبري، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهم الله (¬3) .
وهذا القول الأخير هو القول الصحيح، لموافقته الكتاب والسنة الصحيحة من جهة: ولإمكان الرد على الأقوال المخالفة من جهة أخرى.
¬
(¬1) شرح السنة للبغوي 5 /30، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/240، مجاز القرآن 1 / 16، الجامع لأحكام القرآن1/101.
(¬2) الخصائص3/24، الفصل في الملل والنحل5/27، نتائج الفكر ص39، المقصد الأسنى في شرح معاني الأسماء الحسنى ص24، لوامع البينات شرح أسماء الله الحسنى ص21، فتح الباري11/225.
(¬3) صريح السنة ص25، درء تعارض العقل والنقل 8/530، بدائع الفوائد 1/16.
أما موافقته الكتاب والسنة فيدل عليه قوله تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، وقوله تعالى (قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الإسراء/110، وغيرها من الآيات، ولقول الرسول< «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . [سيأتي تخريجه باستفاضة] .
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّى وَالْحَاشِرُ وَنَبِىُّ التَّوْبَةِ وَنَبِىُّ الرَّحْمَةِ» (¬1) . فهذه النصوص تدل على أن الاسم للمسمّى ويدل عليه.
وهذا القول أيضًا موافق لمنهج أهل السنة والجماعة في عدم إطلاق الألفاظ التي لم يرد في الكتاب والسنة، التي هي محتملة لمعنيين صحيح وباطل، فإذا سئل أهل هذا القول عن الاسم أهو المسمّى أم غيره؟ أجابوا بجوابين:
الأول: أن هذه المسألة حادثة لم ترد في الكتاب والسنة، ولم ترد عن السلف الصالح.
والثاني: أن هذا السؤال فيه إجمال، فلا يجاب بإطلاق، إنما يفصل ذلك ويقال: "الاسم يراد به المسمّى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله: اسم عربي، والرحمن: اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك.
فالاسم هنا للمسمّى ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال فإذا أريد أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له،
¬
(¬1) رواه مسلم (6254)
حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سمّاه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى " (¬1) .
وأما من جهة إمكان الرد على الأقوال الأخرى، فهو ميسور - بحمد الله وتوفيقه - ويتضح خطأ هذه الأقوال بسرد أشهر الأدلة، ثم مناقشتها.
بيان القول بأن، الاسم هو المسمّى، وأشهر أدلته، ومناقشتها.
1- يرى أصحاب هذا القول أن اللفظ هو التسمية، وأن الاسم هو المراد باللفظ، فإذا قلت: يا زيد، فليس مرادك دعاء اللفظ، وإنما دعاء المسمّى باللفظ، فصار المراد بالاسم هو المسمي، كما يقول البغوي - رحمه الله: "الاسم هو المسمّى وعينه وذاته " (¬2) .
2- ويستدل أصحاب هذا القول ببعض الآيات التى منها قوله تعالى {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} مريم/7، ثم نادى الاسم فقال: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} مريم/12 فنادى الاسم وهو المسمّى.
3- ومنها قوله تعالى {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم} يوسف/40، وأراد الأشخاص المعبودة، فهم عبدوا المسمّيات لا الأقوال التى هى أعراض لا تعبد.
4- واستدل أصحاب هذا القول بقول لبيد:
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْم السَّلام عَلَيْكُمَا... وَمَنْ يَبْك حَوْلًا كَاملًا فَقَدْ اعْتَذَر
قالوا: والمعنى: ثم السلام عليكما، فإن اسم السلام هو السلام.
¬
(¬1) شرح العقيدة الطحاوية 1/102
(¬2) معالم التنزيل 1/38
5- ومما يختص بالله - - سبحانه وتعالى - - منها قوله تعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/1، فإن المسبح هو المسمّى، وهو الله.
هذه أشهر أدلة القائلين بأن الاسم هو المسمّى، ولكن قبل البدء بمناقشة القول وأدلته لابد من بيان أن القائلين بهذا القول لم يريدوا به أن اللفظ المؤلف من الحروف هو نفس الشخص المسمي به: فإن هذا لا يقوله عاقل ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمي هو: أن الله وحده هو الخالق وما سواه مخلوق، فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة، وللزوم أن لا يكون له اسم في الأزل، فمرادهم أن الله غير مخلوق ردًا على الجهمية والمعتزلة.
وهذا مما لا يتنازع فيه الجهمية والمعتزلة، فإن أولئك كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-: - ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء هي التسميات فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ، وقد عرف أنه إذا أطلق الاسم في الكلام المنظوم فالمراد به المسمى فلهذا يقال: ما اسم هذا؟ فيقال: زيد، فيجاب باللفظ، ولا يقال: ما هذا؟ فيقال: هو هو.
فأما دليلهم الأول الذى استدلوا به: وهو أن الاسم هو المراد باللفظ، وأن اللفظ هو التسمية، فهو باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم، وقد أنكره عليهم جمهور الناس من أهل السنة ومن غيرهم.
مثل دعواهم أن لفظ (اس م) معناه ذات الشئ ونفسه، وأن الأسماء مثل زيد وعمرو هي التسميات ليست هي أسماء المسميات.
فلم يقل نحوي قط، ولا عربي: إن الاسم هو المسمّى، ويقولون: أجلّ مسمّى، ولا يقولون: أجلّ اسم، ويقولون: هذا الرجل مسمى بزيد، ولا يقولون: هذا الرجل اسم زيد، ويقولون بسم الله، ولا يقولون: بمسمى الله......... إلخ.
وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمّى فبقي ها هنا التسمية، وهى عبارة عن فعل المسمِّى ووضعه الاسم للمسمَّى، كما أن التحلية عبارة عن فعل المحلي ووضعه الحلية على المحلَّى فهنا ثلاث حقائق، اسم ومسمّى وتسمية (كحِلْيَة ومُحَلّى وتَحلِيَة) ، و (عَلاَمة ومعَلَّم وتَعْلِيم) ، ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمّى، بطل واحد من هذه الحقائق الثلاثة ولابد (¬1) .
وأما دليلهم الثاني: وهو قوله تعالى {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} مريم/7، فالاسم الذى هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من (ياء وحاء وياء) هذا هو اسمه، ليس اسمه هو ذاته، ثم لما ناداه فقال {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} مريم/12، فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمّى لم يقصد نداء اللفظ، لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه، فيعرف حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمّى.
وأما دليلهم الثالث: وهو قوله تعالى {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم} يوسف/40، فاستدلالهم به غير صحيح، وهو - أي الدليل- حجة عليهم: لأن المراد في الآية أنهم سموها آلهة، واعتقدوا ثبوت الإلهية فيها، وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء، لا حقيقة المسمّى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها، وهذا - كما يذكر ابن القيم - كمن سمى قشور البصل لحمًا وأكلها، فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسمّاه (¬2) .
وأما دليلهم الرابع وهو استدلالهم ببيت لبيد، فقد أجيب عنه بعدة أجوبة منها:
¬
(¬1) تفسير الطبري 1/39
(¬2) بدائع الفوائد 1/19
1- أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، والسلام عبارة عن التحية فإن أراد الأول فلا إشكال، فكأنه قال: ثم اسم السلام عليكما أي بركة اسمه، وإن أراد الثاني: فإنه أضافه إلى الله لشرفه، ولأنه أبلغ في التحية كأنه يقول: لو وجدت سلامًا أشرف من هذا لحييتكم به، ولكن لا أجده لأنه اسم السلام.
2- أن لبيدًا لم يرد إيقاع التسليم عليهم لحينه، وإنما أراده بعد الحول ولو قال: ثم السلام عليكما لكان مسلِّمًا في وقته الذي نطق فيه بالبيت، فلذلك ذكر الاسم الذي هو عبارة عن اللفظ أي إنما اللفظ بالتسليم بعد الحول، وذلك أن السلام دعاء، فلا يتقيد بالزمان المستقبل، وإنما هو لحينه.
قال ابن القيم -: -:" وفيه نكتة حسنة: كأنه أراد ثم هذا اللفظ باق عليكما، جار لا ينقطع مني، بل أنا مراعيه دائما " (¬1) .
3- أن مراد لبيد: ثم النطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود، كأنه قال: ثم سلامٌ عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما بدون أن ينطق به ناطق، ويذكره لم يحصل (¬2) .
وأما دليلهم الخامس: وهو قوله تعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/1، فاستدلالهم بهذه الآية حجة عليهم، لأن النبي < امتثل هذا الأمر، وقال سبحان ربي الأعلى، ولو كان الأمر كما زعموا لقال: سبحان اسم ربي الأعلى، ثم إن الأمة كلهم لا يجوز لأحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي، ولا سجدت لاسم ربي، لأنه إذا أطلق الاسم في الكلام المنتظم فالمراد به المسمّى.
وللناس في (الاسم) المذكور في هذه الآية وما شابهها قولان معروفان، كلاهما حجة على من استدل بها في أن الاسم عين المسمّى:
¬
(¬1) بدائع الفوائد 1/21
(¬2) تفسير الطبري 1/40
فمنهم من قال: (الاسم) صلة، والمراد: سبح ربك، وإذا قيل صلة فهو زائد لا معنى له، فيبطل قولهم أن مدلول لفظ اسم: (ألف، سين، ميم) هو المسمى.
ومن قال: إنه ليس بصلة، بل المراد تسبيح الاسم نفسه، فهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة.
والتحقيق: أنه ليس بصلة، بل أمر الله بتسبيح اسمه، كما أمر بذكر اسمه والمقصود بتسبيحه وذكره هو تسبيح المسمّى وذكره، فإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه، ويذكر اسمه بقوله: سبحان ربي الأعلى، فهو نطق بلفظ (ربي الأعلى) فتسبيحه إنما وقع على الاسم، لكن مراده هو المسمّى، فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمّى والمراد المسمى، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو (ألف، سين، ميم) المراد به المسمّى (¬1) .
بيان القول بأن الاسم غير المسمّي، وأشهر أدلته ومناقشتها:
يرى أشهر القائلين بأن الاسم غير المسمّى: أن أسماء الله تعالى حروف حادثة مخلوقة، تدل على الذات المقدسة، وهى غيرها لحدوثها، فأسماء الله غيره، لأنها مخلوقة وأصحاب هذه الشبهة هم الجهمية، والمعتزلة ومن وافقهم من متأخري الشيعة.
ومرادهم في قولهم بأن الاسم غير المسمّى: أن أسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، فأسماء الله مخلوقة عندهم (¬2) .
المناقشة:
¬
(¬1) بدائع الفوائد 1/18
(¬2) شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص542
اشتد إنكار السلف على الجهمية القائلين بأن (الاسم غير المسمّى، لأن أسماء الله غيره، فأسماء الله مخلوقة) ، ومما ورد في إنكار السلف عليهم ما يلي:
قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد ذكر له رجل أن رجلًا قال: إن أسماء الله مخلوقة، والقرآن مخلوق. قال أحمد: كفرٌ بيِّن (¬1) .
وقال الإمام الشافعي -: -: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمّى، فاشهد عليه بالزندقة (¬2) .
وروي اللالكائي بسنده عن الأصمعي أنه قال:" إذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمّى فاحكم أو قال: فاشهد - عليه بالزندقة، لفظهما سواء" (¬3) .
وأسماء الله لا يقال عنها إنها غير الله، وأنها مستعارة مخلوقة، ابتدعها الخلق فأعاروها خالقهم، لأن في هذا نسبة العجز والوهن إلى الله تعالى ونسبة الضرورة والحاجة إلى الخلق، لأن المستعير محتاج مضطر، والمعير أعلى وأغنى، ولو كان الاسم مخلوقًا مستعارًا غير الله، لم يأمر الله أن يسبح مخلوقًا غيره، فقال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/1.
ثم ذكر الآلهة التي تعبد من دون الله بأسمائها المخلوقة المستعارة، فقال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم) النجم/23 يعني أن أسماء الله لم تزل، كما لم يزل الله، وأنه بخلاف هذه الأسماء المخلوقة التي أعاروها الأصنام، فإن لم تكن أسماء الله بخلافها فأي توبيخ لأسماء الآلهة المخلوقة، إذا كانت أسماؤها وأسماء الله مخلوقة مستعارة؟ !
¬
(¬1) ملحق في الجهمية، ضمن عقائد السلف: جمع النشار والطالبي. ص104
(¬2) مناقب الشافعي 1/405
(¬3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/212
ويناقش الإمام الدرامي -: - الجهمية القائلين بأن أسماء الله مخلوقة، وأنها من ابتداع البشر، نقاشًا عقليًا، فيقول:
" أرأيتم قولكم: إن أسماء الله مخلوقة، فمن خلقها؟ أو كيف خلقها؟ أجعلها أجسامًا وصورًا تشغل أعيانها أمكنة دونه من الأرض والسماء؟ أم موضعًا دونه في الهواء؟
فإن قلتم لها أجسام دونه، فهذا ما تنقمه عقول العقلاء وإن قلتم خلقها على ألسنة العباد، فدعوه بها، وأعاروه إياها، فهو ما ادعينا عليكم: أن الله كان بزعمكم مجهولًا لا اسم له حتى أحدث الخلق، وأحدثوا له اسمًا من مخلوق كلامهم، فهذا هو الإلحاد بالله وأسمائه والتكذيب بها....، ومن أين علم الخلق بأسماء الخالق قبل تعليمه إياهم، فإنه لم يعلم آدم ولا الملائكة أسماء المخلوقين، حتى علّمهم الله من عنده، وكان بدء علمها منه..... (¬1)
ثم قال: " وأي تأويل أوحش مما يدعي رجل أن الله كان ولا اسم له؟ ما يدعي هذا مؤمن، ولن يدخل الإيمان قلب رجل حتى يعلم أن الله لم يزل إلهًا واحدًا بجميع أسمائه وجميع صفاته، لم يحدث له منها شئ، كما لم تزل وحدانيته (¬2) .
وأسماء الله لا تقاس بأسماء الخلق، لأن أسماء الخلق مخلوقة مستعارة وليست أسماؤهم نفس صفاتهم، بل مخالفة لصفاتهم ولا شئ من صفاته مخالف لأسمائه.
ثم إن القائلين بأن الاسم غير المسمّى يلزمون بعدة لوازم، منها:
¬
(¬1) الرد على بشر المريسي ص10
(¬2) السابق ص13
أ - أن من أعظم الشرك أن يقال في قول الله تعالى (وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً) النساء/36، أن العبادة للاسم، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق.
ب- قال تعالى (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) الحج/36، فأمر الله أن يذكر اسمه على البُدْن حين نحرها تقربًا إليه، وعلى مذهب المبتدعة: لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه، لأن هذه الأسماء مخلوقة كما أن أسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة.
ج) وأجمع المسلمون أن المؤذن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فإنه قد أتى بالتوحيد، وأقر بالنبوة إلا المعتزلة فإنه يلزمهم أن يقولوا: أشهد أن الذى اسمه الله لا إله إلا هو وأشهد أن الذى اسمه محمد رسول الله، وهذا خلاف ما وردت به الشريعة وخلاف ما عليه المسلمون.
د) ويلزم الجهمية والمعتزلة على مذهبهم أن الإيمان بالله تبارك وتعالى كلها يجب أن تكون مخلوقة، والناس يحلفون بالمخلوق دون الخالق، لأن الاسم غير المسمّى، والاسم مخلوق عندهم.
وبهذا يتضح بطلان إطلاق القول بأن الاسم هو المسمّى، أو أن الاسم غير المسمي.
والله أعلم بالصواب.
المبحث الرابع
سياق ما فسر من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله وورد من لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد وأنه هو هو لا غير (¬1)
قال الله تبارك وتعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) الأعلى/1-2.
وقال تبارك وتعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180.
وقال تبارك وتعالى (قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الإسراء/110.
وقال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ) غافر/60.
وقال تعالى (َادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) غافر/65.
وقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) قريش/3.
ولم يقل احد من العقلاء: من اسمه رب هذا البيت؟ ولا قال أحد: ادعو الذي اسمه الله.
وقال تبارك وتعالى (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) العنكبوت/56.
وقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً) النساء/36.
ومن أعظم الشرك أن يقال إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق!!
وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلالة.
¬
(¬1) اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/204 وما بعده
وقال تبارك وتعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الإخلاص/1.
وقد أجمع المسلمون على أن هو إشارة إليه، لا أن اسمه هو.
وقال تباكر وتعالى (اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) الحج/36، فأمر الله تبارك وتعالى أن يذكر اسمه على البُدْن حين نحرها للتقرب إليه.
وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزئه لأن هذه الأسماء مخلوقة، وأسماء الله عز وجل عندهم مخلوقة.
وقال في آية أخرى (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/118.
وفي موضع آخر (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/121.
وقال تبارك وتعالى (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) الرحمن/78.
وقال في أخرى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) غافر/64.
وقال تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) الأحزاب/41 -42.
وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) الأحزاب/56.
وأجمع المسلمون أن المؤذن إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فإنه قد أتى بالتوحيد، وأقر بالنبوة، إلا المعتزلة فإنه يلزمهم أن يقولوا أشهد أن الذي اسمه لا إله إلا الله هو، وأشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله!!
وهذا خلاف ما وردت به الشريعة وخلاف ما عليه المسلمون.
وكذلك هذه الأيمان التي بالله تبارك وتعالى كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة، والناس يحلفون بالمخلوق دون الخالق لأن الاسم غير المسمى والاسم مخلوق عندهم.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا» (¬1) .
وكان يستشفي للمرضى بقوله" أعيذك بكلمات الله التامة ".
وكان يعوذ بها حسنًا وحسينًا. وجبريل حين اشتكى رسول الله < عوّذه بها.
ثم قول الناس في الأدعية: اللَّهم اغفر لي وارحمني، معناه عندهم: من اسمه اللَّهم الذي هو مخلوق اغفر لي!!
وهذا كفر بالله، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع المسلمين ولغة العرب والعرف والعادة.
فأما لغة العرب: فعن الأصمعي، وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى: إذا رأيت الرجل يقول الاسم غير المسمّى فأشهد عليه بالزندقة.
وعن خلف بن هشام البزار المقرئ أنه قال: من قال إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس.
ومن الأئمة الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ونعيم بن حماد ومحمد بن أسلم الطوسي ومحمد بن جرير الطبري.
335- أخبرنا أحمد بن عبيد الواسطي قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن مبشر قال حدثنا أحمد بن سنان قال حدثنا وكيع بن الجراح قال حدثنا سفيان:/ ح /.
336- وأخبرنا أحمد قال: حدثنا علي قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ «بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» . وَإِذَا قَامَ قَالَ «
¬
(¬1) رواه البخاري (6324)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» . أخرجه البخاري ومسلم ولفظهما سواء (¬1) .
337- أخبرنا عبيد الله بن أحمد قال: أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن منصور، عن المنهال، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ» . أخرجه البخاري (¬2) .
338 - أخبرنا محمد بن علي بن النضر قال: أخبرنا الحسين بن اسماعيل قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله <: «أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِى أَهْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِى الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِى ذَلِكَ، أَوْ قُضِىَ وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا» أخرجه البخاري ومسلم (¬3) .
339 - أخبرنا أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني قال: أخبرنا عبد الله بن محمد ابن زياد قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب وأبيه الحارث بن يعقوب حدثاه عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن القعقاع بن حكيم عن ذكوان عن أبي هريرة أنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - <- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِى الْبَارِحَةَ قَالَ «أَمَا
¬
(¬1) رواه البخاري (6312) وهو عند مسلم من حديث البراء (2711) .
(¬2) رواه البخاري (3371) .
(¬3) رواه البخاري (5165) ومسلم (1434) .
لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرُّكَ» أخرجه مسلم (¬1) .
340 - أخبرنا أحمد بن محمد بن عروة قال حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد قال حدثنا عبد الله بن عمران العابدي قال حدثنا عبد العزيز بن محمد الدار وردي عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة: أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ إِذَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ -<- رَقَاهُ جِبْرِيلُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ يُبْرِيكَ وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ وَشَرِّ كُلِّ ذِى عَيْنٍ. أخرجه مسلم (¬2) .
341 - أخبرنا محمد بن عبد الله الجعفي قال: أخبرنا محمد بن علي بن رحيم قال: حدثنا أحمد بن حازم قال: حدثنا مسدد، وأبو معمر قالا: حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي فقال: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ فَقَالَ «نَعَمْ» . قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. أخرجه مسلم (¬3) .
342 - ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبو زرعة يعني الرازي قال حدثني إبراهيم بن زياد ولقبه سبلان قال: حدثنا عباد بن عباد قال حدثنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -<- «لَتَضْرِبَنَّ مُضَرُ عِبَادَ اللَّهِ حَتَّى لاَ يُعْبَدُ للَّهِ اسْمٌ» (¬4) .
343- أخبرنا علي بن محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال حدثنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر في أول لقية لقيته في مسجد الجامع، فسألته عن هذه الحكاية وذلك أني كنت كتبتها عن أبي بكر بن القاسم عنه قبل خروجي إلى
¬
(¬1) رواه مسلم (2709) .
(¬2) رواه مسلم (2185) .
(¬3) رواه أحمد (3/86) وفيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.
(¬4) رواه مسلم (2186) .
مصر، فحدثني الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة لأنه مخلوق وذلك غير مخلوق.
344- وأخبرنا عبيد الله بن محمد بن أحمد قال: أخبرنا علي بن إبراهيم بن عيسى المستملي قال: حدثنا أبو نعيم الجرجاني قال: حدثنا الربيع قال: قال الشافعي من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فعليه الكفارة.
345- أخبرنا الحسين بن أحمد بن إبراهيم الطبري قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد الميلي قال: حدثنا محمد بن يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن طريف قال: حدثنا أبو حاتم يحيى بن زكريا الأموي قال: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال: حدثني بعض أصحابنا قال اختصم رجلان مسلم ويهودي إلى عيسى بن أبان - وكان قاضي البصرة وكان يرى رأي القوم - فصارت اليمين على المسلم فقال له اليهودي حلِّفه.
فقال: احلف بالله الذي لا إله إلا هو.
قال اليهودي للقاضي: إنك تزعم أن القرآن مخلوق، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن، فحلِّفه لي بالخالق لا بالمخلوق.
فتحيّر عيسى عنده وقال قوما حتى انظر في أمركما.
346- أخبرنا محمد بن الحسين الفارسي قال حدثنا حبشون بن موسى قال حدثنا حفص بن عمر قال سمعت أبا سعيد الأصمعي: / ح /.
347- وأخبرنا علي بن محمد بن إبراهيم الجوهري قال: حدثنا الحسين بن إدريس القافلاني قال: حدثنا حفص بن عمر السياري قال: سمعت أبا سعيد الأصمعي يقول: إذا سمعته يقول: الاسم غير المسمّى فاحكم - أو قال فاشهد عليه بالزندقة لفظهما سواء.
348- أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال من زعم أن الاسم غير المسمّى فقد زعم أن الله غير الله، وأبطل في ذلك لأن الاسم غير المسمّى في المخلوقين؛ لأن الرجل يسمى محمودًا، وهو مذموم ويسمى قاسمًا ولم يقسم شيئًا قط. وإنما الله جل ثناؤه واسمه منه- ولا نقول اسمه هو، بل نقول اسمه منه.
فإن قال قائل إن اسمه ليس منه فإنه قال إن الله مجهول!!
فإن قال إن له اسمًا وليس منه فقال: إن مع الله ثان!!
349- ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: ذكر الفضل بن شاذان المقرئ الرازي قال: حدثنا الحسن بن محمد الكندي قال: قرأت على أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري قال: بسم الله إنما هو الله، لأن اسم الشيء هو الشيء.
قال لبيد:
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْم السَّلام عَلَيْكُمَا... وَمَنْ يَبْك حَوْلًا كَاملًا فَقَدْ اعْتَذَر
350 - أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله قال: حدثنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن عبد الوهاب قال: حدثني أبو بكر بن حماد قال: سمعت خلف بن هشام فيمن قال: الاسم غير المسمّى، وهو ينكر ذلك أشد النكرة ويقول: لو أن رجلًا شتم رجلًا - على قول من قال هذه المقالة - لم يلزمه شيء يقول إنما شتمت الاسم.
ولو أن رجلًا حلف بالله على مال رجل لم يلزمه في كلامه حنث - على قول من قال هذه المقالة- ويقول إنما حلفت بالاسم فلم أحلف بالمسمى.
ورأيت يدور أمر الإسلام على هذا الاسم. قال رسول الله < «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» (¬1) .
¬
(¬1) رواه البخاري (1399) ومسلم (20) .
أرأيت الوضوء حين يبدأ فيه الانسان يقول" بسم الله " فإذا فرغ قال" سبحانك اللهم " ورأيت الأذان أوله: الله أكبر ولا يزال يردد أشهد أن لا إله إلا الله.
ثم رأيت الصلاة حين يفتتح بقوله "الله أكبر "لا يزال في ذلك حتى يختم بقوله "السلام عليكم ورحمة الله " فأولها وآخرها الله.
ورأيت الحج:" لبيك اللهم لبيك ".
ورأيت الذبيحة:" بسم الله ".
ورأيت أمر الإسلام يدور على هذا الاسم فمن زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر وكفره عندي أوضح من هذا الشمس.
351 - أخبرنا أحمد بن محمد قال: أخبرنا عمر بن أحمد المروزي قال: حدثنا أحمد ابن محمد بن محمد الباغندي قال: حدثنا إبراهيم بن هانىء قال: سمعت أحمد بن حنبل وهو مختفٍ عندي فسألته عن القرآن فقال: من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر.
352 - ذكره عبد الرحمن حدثنا أحمد بن سلمة قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أفضوا إلى أن قالوا أسماء الله مخلوقة، لأنه كان ولا اسم، وهذا الكفر المحض لأن لله الأسماء الحسنى، فمن فرّق بين الله وبين أسمائه وبين علمه ومشيئته فجعل ذلك مخلوقًا كله والله خالقها، فقد كفر.
ولله عز وجل تسعة وتسعون اسمًا صحَّ ذلك عن النبي< أنه قاله.
ولقد تكلم بعض من ينسب إلى جهم بالأمر العظيم فقال: لو قلت إن للرب تسعة وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا! حتى إنه قال: إني لا أعبد الله الواحد الصمد. إنما أعبد المراد به.
فأي كلام أشد فرية وأعظم من هذا أن ينطق الرجل أن يقول لا اعبد الله.
353- ذكره عبد الرحمن قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال سمعت إسحاق بن داود الشعراني يذكر أنه عرض على محمد بن أسلم كلام رجل تكلم في القرآن فقال محمد بن أسلم: أما أسماء الله التي قد ذكرها فإنها كلها أسماؤه، فإذا قال الإنسان: نعبد الله فإنما يعنى الاسم والمعنى شيء واحد فهو موحد.
المبحث الخامس
قاعدة في الاسم والمسمّى
لشيخ الإسلام ابن تيمية:
(وهي خلاصة المسألة)
قال شيخ الإسلام: - أحمد بن تيمية رحمه الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
فصل: في الاسم والمسمّى هل هو هو أو غيره؟ أو لا يقال هو هو ولا يقال هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؟. فإن الناس قد تنازعوا في ذلك والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة بعد أحمد وغيره والذي كان معروفًا عند أئمة السنة أحمد وغيره: الإنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة.
فيقولون: الاسم غير المسمّى وأسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق؛ وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق؛ بل هو المتكلم به وهو المسمي لنفسه بما فيه من الأسماء.
والجهمية يقولون: كلامه مخلوق وأسماؤه مخلوقة؛ وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمّى نفسه باسم هو المتكلم به؛ بل قد يقولون: إنه تكلم به وسمّى نفسه بهذه الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره؛ لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به. فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه.
والذين وافقوا السلف على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة يقولون: الكلام والأسماء من صفات ذاته؛ لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته. ويسمي نفسه بمشيئته
وقدرته؟ هذا فيه قولان: النفي هو قول ابن كلّاب ومن وافقه. والإثبات قول أئمة أهل الحديث والسنة وكثير من طوائف أهل الكلام كالهشامية والكرامية وغيرهم كما قد بسط هذا في مواضع.
والمقصود هنا أن المعروف عن أئمة السنة إنكارهم على من قال أسماء الله مخلوقة وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمّى هذا مرادهم؛ فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول:
الاسم غير المسمّى فاشهد عليه بالزندقة؛ ولم يعرف أيضًا عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمّى؛ بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة وأنكره أكثر أهل السنة عليهم. ثم منهم من أمسك عن القول في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا؛ إذ كان كل من الإطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره؛ وكما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سمّاه (صريح السنة) ذكر مذهب أهل السنة المشهور في القرآن والرؤية والإيمان والقدر والصحابة وغير ذلك. وذكر أن مسألة اللفظ ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام؛ كما قال لم نجد فيها كلامًا عن صحابي مضى ولا عن تابعي قفا إلا عمَّن في كلامه الشفاء والغناء ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى أبو عبد الله أحمد بن حنبل فإنه كان يقول: اللفظية جهمية. ويقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وذكر أن القول في الاسم والمسمّى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد من الأئمة وأن حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، وهذا هو القول بأن الاسم للمسمّى. وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره. والذين قالوا الاسم هو المسمّى كثير من المنتسبين إلى السنة: مثل أبي بكر عبد العزيز وأبي القاسم الطبري واللالكائي وأبي محمد البغوي صاحب (شرح السنة) وغيرهم؛ وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري اختاره أبو بكر بن فورك وغيره.
والقول الثاني: وهو المشهور عن أبي الحسن أن الأسماء ثلاثة أقسام تارة يكون الاسم هو المسمّى كاسم الموجود. وتارة يكون غير المسمّى كاسم الخالق. وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير.
وهؤلاء الذين قالوا: إن الاسم هو المسمّى لم يريدوا بذلك أن اللفظ المؤلَّف من الحروف هو نفس الشخص المسمَّى به؛ فإن هذا لا يقوله عاقل. ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمّى لكان من قال: نار. احترق لسانه. ومن الناس من يظن أن هذا مرادهم ويشنّع عليهم وهذا غلط عليهم؛ بل هؤلاء يقولون: اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ؛ بل هو المراد باللفظ؛ فإنك إذا قلت: يا زيد! يا عمر! فليس مرادك دعاء اللفظ؛ بل مرادك دعاء المسمّى باللفظ وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمّى. وهذا لا ريب فيه إذا أخبر عن الأشياء فذكرت أسماؤها فقيل: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ) الفتح/29، (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) الأحزاب/40 (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً) النساء/164، فليس المراد أن هذا اللفظ هو الرسول وهو الذي كلمه الله.
وكذلك إذا قيل: جاء زيد، وأشهد على عمرو، وفلان عدل ونحو ذلك فإنما تذكر الأسماء والمراد بها المسمّيات وهذا هو مقصود الكلام. فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام المؤلَّف فإنما المقصود هو المسميات: قال هؤلاء: " الاسم هو المسمّى " وجعلوا اللفظ الذي هو الاسم عند الناس هو التسمية كما قال البغوي: والاسم هو المسمّى وعينه وذاته. قال الله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) مريم/7 أخبر أن اسمه يحيى. ثم نادى الاسم فقال (يَا يَحْيَى) مريم/12وقال: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا) يوسف/40 وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسميات. وقال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/1 و (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) الرحمن/78.
قال: ثم يقال: للتسمية أيضًا اسم. واستعماله في التسمية أكثر من المسمّى. وقال أبو بكر بن فورك: اختلف الناس في حقيقة الاسم ولأهل اللغة في ذلك كلام ولأهل الحقائق فيه بيان وبين المتكلمين فيه خلاف.
فأما أهل اللغة فيقولون: الاسم حروف منظومة دالة على معنى مفرد ومنهم من يقول إنه قول يدل على مذكور يضاف إليه؛ يعني الحديث والخبر. قال: وأما أهل الحقائق فقد اختلفوا أيضًا في معنى ذلك فمنهم من قال: اسم الشيء هو ذاته وعينه والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه فيسمى اسمًا توسعًا. وقالت الجهمية والمعتزلة: الأسماء والصفات هي الأقوال الدالة على المسمّيات وهو قريب مما قاله بعض أهل اللغة.
والثالث: لا هو هو ولا هو غيره؛ كالعلم والعالم ومنهم من قال اسم الشيء هو صفته ووصفه. قال: والذي هو الحق عندنا قول من قال: اسم الشيء هو عينه وذاته واسم الله هو الله وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل أي بالله أفعل وإن اسمه هو هو. قال: وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام. واستدل بقول لبيد.
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْم السَّلام عَلَيْكُمَا... وَمَنْ يَبْك حَوْلًا كَاملًا فَقَدْ اعْتَذَر
والمعنى ثم السلام عليكما؛ فإن اسم السلام هو السلام.
قال: واحتج أصحابنا في ذلك بقوله تبارك وتعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/78، وهذا هو صفة للمسمى لا صفة لما هو قول وكلام وبقوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) الأعلى/1، فإن المسبح هو المسمى وهو الله وبقوله سبحانه: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) مريم/7 ثم قال: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) مريم/12، فنادى الاسم وهو المسمّى. وبأن الفقهاء أجمعوا على أن الحالف باسم الله كالحالف بالله في بيان أنه تنعقد اليمين بكل واحد منهما؛ فلو كان اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه؛ فلما انعقد ولزم بالحنث فيها كفارة دل على أن اسمه هو. ويدل عليه أن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ قلنا الله. فإذا قال: وما معبودكم؟ قلنا الله فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود؛ فدل على أن اسم المعبود هو المعبود لا غير. وبقوله (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا) يوسف/40، وإنما عبدوا المسميات لا الأقوال التي هي أعراض لا تعبد. قال: فإن قيل: أليس يقال: الله إله واحد وله أسماء كثيرة فكيف يكون الواحد كثيرًا؟ قيل إذا أطلق (أسماء) فالمراد به مسميات
المسمين والشيء قد يسمى باسم دلالته كما يسمى المقدور قدرة. قال: فعلى هذا يكون معنى قوله: باسم الله: أي بالله والباء معناها الاستعانة وإظهار الحاجة وتقديره: بك أستعين وإليك أحتاج وقيل تقدير الكلمة: أبتدئ أو أبدأ باسمك فيما أقول وأفعل. قلت: لو اقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات - كما ذكروه في قوله (يَا يَحْيَى) ونحو ذلك - لكان ذلك معنى واضحًا لا ينازعه فيه من فهمه لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم؛ لما في قولهم من الأمور الباطلة مثل دعواهم أن لفظ اسم الذي هو (اس م) معناه ذات الشيء ونفسه وأن الأسماء - التي هي الأسماء - مثل زيد وعمرو هي التسميات؛ ليست هي أسماء المسميات وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره هي مصدر سميته تسمية إذا جعلت له اسمًا و (الاسم) هو القول الدال على المسمى ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمّى؛ بل قد يُراد به المسمّى؛ لأنه حكم عليه ودليل عليه.
وأيضًا: فهم تكلفوا هذا التكليف؛ ليقولوا إن اسم الله غير مخلوق ومرادهم أن الله غير مخلوق وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة؛ فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء هي التسميات فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى ووافقوا أهل السنة في اللفظ. ولكن أرادوا به ما لم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو (ألف سين ميم) معناه إذا أطلق هو الذات المسمَّاة؛ بل معنى هذا اللفظ هي الأقوال التي هي أسماء الأشياء مثل زيد وعمرو وعالم وجاهل. فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هي مسمَّاه. ثم قد عرف أنه إذا أطلق الاسم في الكلام المنظوم فالمراد به المسمّى؛ فلهذا يقال: ما اسم هذا؟ فيقال: زيد. فيجاب باللفظ ولا يقال: ما اسم هذا فيقال هو هو؛ وما ذكروه من الشواهد حجة عليهم. أما قوله: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) مريم/7 ثم قال (يَا يَحْيَى) فالاسم الذي هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من (ياء، حاء، ياء) هذا هو اسمه ليس اسمه هو ذاته؛ بل هذا مكابرة. ثم
لما ناداه فقال: (يَا يَحْيَى) فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمّى؛ لم يقصد نداء اللفظ لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى إلا بذكر اسمه وندائه؛ فيعرف حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمّى وهذا من فائدة اللغات وقد يدعى بالإشارة وليست الحركة هي ذاته ولكن هي دليل على ذاته.
وأما قوله (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/78، ففيها قراءتان: الأكثرون يقرءون (ذِي الْجَلَالِ) فالرب المسمَّى: هو ذو الجلال والإكرام. وقرأ ابن عامر (ذو الجلال والإكرام) وكذلك هي في المصحف الشامي؛ وفي مصاحف أهل الحجاز والعراق هي بالياء. وأما قوله (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/27، فهي بالواو باتفاقهم قال ابن الأنباري وغيره "تبارك" تفاعل من البركة والمعنى أن البركة تكتسب وتنال بذكر اسمه؛ فلو كان لفظ الاسم معناه المسمّى لكان يكفي قوله تبارك ربك فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب؛ فكان هذا تكريرًا. وقد قال بعض الناس: إن ذكر الاسم هنا صلة والمراد تبارك ربك؛ ليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك؛ وهذا غلط فإنه على هذا يكون قول المصلي تبارك اسمك أي تباركت أنت ونفس أسماء الرب لا بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة وبركتها من جهة دلالتها على المسمى. ولهذا فرقت الشريعة بين ما يذكر اسم الله عليه وما لا يذكر اسم الله عليه في مثل قوله (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/118، وقوله (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/119، وقوله (وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) المائدة/4، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ» . قُلْتُ أُرْسِلُ كَلْبِى فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ قَالَ «فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ» (¬1) .
وأما قوله تعالى (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا) يوسف/40، فليس المراد كما ذكروه: أنكم تعبدون الأوثان المسماة فإن هذا هم معترفون به. والرب تعالى
¬
(¬1) رواه البخاري (175) .
نفى ما كانوا يعتقدونه وأثبت ضده ولكن المراد أنهم سموها آلهة واعتقدوا ثبوت الإلهية فيها؛ وليس فيها شيء من الإلهية فإذا عبدوها معتقدين إلهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا إلا أسماء ابتدعوها هم ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة كما قال (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) الزخرف/45، فتكون عبادتهم لما تصوروه في أنفسهم من معنى الإلهية وعبروا عنه بألسنتهم وذلك أمر موجود في أذهانهم وألسنتهم لا حقيقة له في الخارج؛ فما عبدوا إلا هذه الأسماء التي تصوروها في أذهانهم وعبروا عن معانيها بألسنتهم؛ وهم لم يقصدوا عبادة الصنم إلا لكونه إلهًا عندهم وإلهيته هي في أنفسهم؛ لا في الخارج فما عبدوا في الحقيقة إلا ذلك الخيال الفاسد الذي عبر عنه. ولهذا قال في الآية الأخرى: (وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ) الرعد/33، يقول: سموهم بالأسماء التي يستحقونها هل هي خالقة رازقة محيية مميتة أم هي مخلوقة لا تملك ضرًا ولا نفعًا؟ فإذا سمّوها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم. قال تعالى (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ) وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له ولو كان موجودًا لعلمه موجودًا (أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ) أم بقول ظاهر باللسان لا حقيقة له في القلب؛ بل هو كذب وبهتان.
وأما قولهم: إن الاسم يراد به التسمية , وهو القول: فهذا الذي جعلوه هم تسمية هو الاسم عند الناس جميعهم والتسمية جعله اسمًا والإخبار بأنه اسم ونحو ذلك وقد سلموا أن لفظ الاسم أكثر ما يراد به ذلك وادّعوا أن لفظ الاسم الذي هو (ألف سين ميم) : هو في الأصل ذات الشيء ولكن التسمية سميت اسمًا لدلالتها على ذات الشيء: تسمية للدال باسم المدلول ومثّلوه بلفظ القدرة؛ وليس الأمر كذلك؛ بل التسمية مصدر سمى يسمي تسمية والتسمية نطق بالاسم وتكلّم به ليست هي الاسم نفسه، وأسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها ليست هي أعيان الأشياء. وتسمية المقدور قدرة هو من باب تسمية المفعول باسم المصدر وهذا كثير شائع في اللغة كقولهم
للمخلوق خلق وقولهم درهم ضرب الأمير أي مضروب الأمير ونظائره كثيرة. وابن عطية سلك مسلك هؤلاء وقال: الاسم الذي هو (ألف وسين وميم) يأتي في مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمّى ويأتي في مواضع يراد به التسمية نحو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وغير ذلك ومتى أريد به المسمّى فإنما هو صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية: سبح ربك الأعلى أي نزهه. قال: وإذا كان الاسم واحد الأسماء كزيد وعمرو فيجيء في الكلام على ما قلت لك. تقول: زيد قائم تريد المسمّى وتقول: زيد ثلاثة أحرف تريد التسمية نفسها على معنى نزّه اسم ربك عن أن يسمى به صنم أو وثن فيقا ل له (إله أو رب) . قلت: هذا الذي ذكروه لا يعرف له شاهد لا من كلام فصيح ولا غير ذلك ولا يعرف أن لفظ اسم (ألف سين ميم) يراد به المسمّى بل المراد به الاسم الذي يقولون هو التسمية. وأما قوله: تقول زيد قائم زيد المسمّى. فزيد ليس هو (ألف سين ميم) بل زيد مسمّى هذا اللفظ فزيد يراد به المسمّى ويراد به اللفظ. وكذلك اسم (ألف سين ميم) يراد به هذا اللفظ؛ ويراد به معناه وهو لفظ زيد وعمرو وبكر؛ فتلك هي الأسماء التي تراد بلفظ اسم؛ لا يراد بلفظ اسم نفس الأشخاص؛ فهذا ما أعرف له شاهدًا صحيحًا فضلًا عن أن يكون هو الأصل كما ادّعاه هؤلاء. قال تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ) الأعراف/180، فأسماؤه الحسنى مثل: الرحمن الرحيم والغفور الرحيم فهذه الأقوال هي أسماؤه الحسنى وهي إذا ذكرت في الدعاء والخبر يراد بها المسمّى. إذا قال (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) الشعراء/217، فالمراد المسمّى ليس المراد أنه يتوكل على الأسماء التي هي أقوال؛ كما في سائر الكلام: كلام الخالق وكلام المخلوقين. وما ذكروه من أن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ قلنا: الله. فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود؛ فدل على أن اسم المعبود هو المعبود: حجة باطلة وهي عليهم لا لهم. فإن القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ فقلنا: الله. فالمراد أن اسمه هو هذا القول ليس المراد أن اسمه هو ذاته وعينه الذي خلق السموات والأرض فإنه إنما سأل عن اسمه لم يسأل عن نفسه؛ فكان الجواب بذكر اسمه. وإذا قال: ما معبودكم؟ فقلنا الله: فالمراد هناك المسمّى؛ ليس المراد أن المعبود هو
القول، فلما اختلف السؤال في الموضعين اختلف المقصود بالجواب وإن كان في الموضعين قال الله لكنه في أحدهما أريد هذا القول الذي هو من الكلام وفي الآخر أريد به المسمّى بهذا القول. كما إذا قيل: ما اسم فلان؟ فقيل: زيد أو عمر فالمراد هو القول. وإذا قال: من أميركم أو من أنكحت؟ فقيل زيد أو عمرو فالمراد به الشخص فكيف يجعل المقصود في الموضعين واحدا. ولهذا قال تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، كان المراد أنه نفسه له الأسماء الحسنى. ومنها اسمه الله. كما قال (ُقلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأسراء/110، فالذي له الأسماء الحسنى هو المسمى بها؛ ولهذا كان في كلام الإمام أحمد أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى؛ وتارة يقول الأسماء الحسنى له أي المسمى ليس من الأسماء؛ ولهذا في قوله (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، لم يقصد أن هذا الاسم له الأسماء الحسنى؛ بل قصد أن المسمّى له الأسماء الحسنى. وفي حديث أنس الصحيح (¬1) : أن رسول الله < كان نقش خاتمه: محمد رسول الله، محمد سطر ورسول سطر والله سطر. ويراد الخط المكتوب الذي كتب به ذلك؛ فالخط الذي كتب به محمد سطر، والخط الذي كتب به رسول سطر، والخط الذي كتب به الله سطر. ولما قال النبي < «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا مَعَ عَبْدِى إِذَا هُوَ ذَكَرَنِى وَتَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ» (¬2) ، فمعلوم أن المراد تحرك شفتاه بذكر اسم الله وهو القول ليس المراد أن الشفتين تتحرك بنفسه تعالى. وأما احتجاجهم بقوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) الأعلى/1 وأن المراد سبح ربك الأعلى وكذلك قوله: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/78، وما أشبه ذلك فهذا للناس فيه قولان معروفان وكلاهما حجة عليهم. منهم من قال: الاسم هنا صلة والمراد سبح ربك وتبارك ربك. وإذا قيل: هو صلة فهو زائد لا معنى له؛ فيبطل
¬
(¬1) عند البخاري (5877) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقَشَ فِيهِ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَقَالَ «إِنِّى اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ، وَنَقَشْتُ فِيهِ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَلاَ يَنْقُشَنَّ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِهِ» .
(¬2) رواه أحمد (11259)
قولهم إن مدلول لفظ اسم (ألف سين ميم) هو المسمّى فإنه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة. ومن قال إنه هو المسمّى وأنه صلة كما قاله ابن عطية؛ فقد تناقض فإن الذي يقول هو صلة لا يجعل له معنى؛ كما يقوله من يقول ذلك في الحروف الزائدة التي تجيء للتوكيد كقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ) آل عمران/159، و (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) المؤمنون/40، ونحو ذلك. ومن قال: إنه ليس بصلة بل المراد تسبيح الاسم نفسه فهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة.
والتحقيق: أنه ليس بصلة بل أمر الله بتسبيح اسمه كما أمر بذكر اسمه. والمقصود بتسبيحه وذكره هو تسبيح المسمّى وذكره فإن المسبِّح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه؛ فيقول: سبحان ربي الأعلى فهو نطق بلفظ ربي الأعلى والمراد هو المسمّى بهذا اللفظ فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمّى. ومن جعله تسبيحًا للاسم يقول المعنى أنك لا تسم به غير الله ولا تلحد في أسمائه فهذا مما يستحقه اسم الله لكن هذا تابع للمراد بالآية ليس هو المقصود بها القصد الأول.
وقد ذكر الأقوال الثلاثة غير واحد من المفسرين كالبغوي قال: قوله (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) الأعلى/1؛ أي قل سبحان ربي الأعلى. وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة وذكر حديث ابن عباس أن النبي< قرأ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) الأعلى/1. فقال: سبحان ربي الأعلى. قلت: في ذلك حديث عقبة بن عامر عن النبي< أنه لما نزل (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الواقعة/74، قال اجعلوها في ركوعكم ولما نزل (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) الأعلى/1 قال: اجعلوها في سجودكم (¬1) .
والمراد بذلك أن يقولوا في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى كما ثبت في الصحيح (¬2) عن حذيفة عن النبي< أنه "قام بالبقرة والنساء وآل
¬
(¬1) رواه أبو داود (869) .
(¬2) رواه مسلم (1850) ولفظه: عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ يُصَلِّى بِهَا فِى رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ» . فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» . ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى» . فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ.
عمران ثم ركع نحوًا من قيامه يقول: سبحان ربي العظيم وسجد نحوًا من ركوعه يقول: سبحان ربي الأعل. وفي السنن عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" إذا قال العبد في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا قال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه. (¬1) . وقد أخذ بهذا جمهور العلماء.
قال البغوي: وقال قوم معناه نزّه ربك الأعلى عمّا يصفه به الملحدون. وجعلوا الاسم صلة. قال: ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمّى واحدًا؛ لأن أحدًا لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا إنما يقولون: سبحان الله وسبحان ربنا. وكان معنى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ) الأعلى/1، سبح ربك.
قلت: قد تقدم الكلام على هذا والذي: يقول سبحان الله وسبحان ربنا إنما نطق بالاسم الذي هو الله والذي هو ربنا: فتسبيحه إنما وقع على الاسم لكن مراده هو المسمّى فهذا يبين أنه ينطق باسم المسمّى والمراد المسمّى.
وهذا لا ريب فيه لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو (ألف سين ميم) المراد به المسمّى. لكن يدل على أن أسماء الله؛_مثل الله وربنا وربي الأعلى ونحو ذلك يراد بها المسمّى مع أنها هي في نفسها ليست هي المسمّى لكن يراد بها المسمّى فأما اسم هذه الأسماء (ألف سين ميم) فلا هو المسمّى الذي هو الذات ولا يراد به المسمّى الذي هو الذات؛ ولكن يراد به مسماه الذي هو الأسماء كأسماء الله الحسنى
¬
(¬1) رواه أبو داود (886) ولفظه: «إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَإِذَا سَجَدَ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى ثَلاَثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ» . قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا مُرْسَلٌ عَوْنٌ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ.
في قوله (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، فلها هذه الأسماء الحسنى التي جعلها هؤلاء هي التسميات وجعلوا التعبير عنها بالأسماء توسعًا؛ فخالفوا إجماع الأمم كلهم من العرب وغيرهم وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول. والذين شاركوهم في هذا الأصل وقالوا: الأسماء ثلاثة قد تكون هي المسمّى وقد تكون غيره وقد تكون لا هي هو ولا غيره وجعلوا الخالق والرازق ونحوهما غير المسمّى وجعلوا العليم والحكيم ونحوهما للمسمّى: غلطوا من وجه آخر فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو (ألف سين ميم) هو مسمّى الأسماء؛ فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه واسمه العليم هو الرب العليم الذي العلم صفة له فليس العلم هو المسمّى؛ بل المسمّى هو العليم؛ فكان الواجب أن يقال على أصلهم: الاسم هنا هو المسمّى وصفته. وفي الخالق الاسم هو المسمّى وفعله؛ ثم قولهم إن الخلق هو المخلوق وليس الخلق فعلًا قائمًا بذاته قول ضعيف مخالف لقول جمهور المسلمين. كما قد بسط في موضعه.
فتبيّن أن هؤلاء الذين قالوا: الاسم هو المسمّى إنما يسلم لهم أن أسماء الأشياء إذا ذكرت في الكلام أريد به المسمّى وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء؛ لا أن لفظ اسم. (ألف سين ميم) يراد به الشخص.
وما ذكروه من قول لبيد:
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسْم السَّلام عَلَيْكُمَا... وَمَنْ يَبْك حَوْلًا كَاملًا فَقَدْ اعْتَذَر
فمراده ثم النطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود؛ كأنه قال ثم سلام عليكم ليس مراده أن السلام يحصل عليهما بدون أن ينطق به ويذكر اسمه. فإن نفس السلام قول فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل.
وقد احتج بعضهم بقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبني لما مضى ولما لم يكن بعد وهذا لا حجة فيه؛ لأن سيبويه مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الألفاظ. وهذا اصطلاح النحويين سمّوا الألفاظ بأسماء معانيها؛ فسمّوا قام ويقوم وقم فعلًا؛ والفعل هو نفس الحركة؛ فسمّوا اللفظ الدال عليها باسمها. وكذلك إذا قالوا: اسم معرب ومبني فمقصودهم اللفظ ليس مقصودهم المسمّى وإذا قالوا هذا الاسم فاعل فمرادهم أنه فاعل في اللفظ؛ أي أسند إليه الفعل ولم يرد سيبويه بلفظ الأسماء المسمّيات كما زعموا؛ ولو أراد ذلك فسدت صناعته.
فصل: وأما الذين قالوا: إن الاسم غير المسمّى فهم إذا أرادوا أن الأسماء التي هي أقوال ليست نفسها هي المسمّيات فهذا أيضًا لا ينازع فيه أحد من العقلاء. وأرباب القول الأول لا ينازعون في هذا؛ بل عبّروا عن الأسماء هنا بالتسميات وهم أيضًا لا يمكنهم النزاع في أن الأسماء المذكورة في الكلام مثل قوله يا آدم! يا نوح! يا إبراهيم! إنما أريد بها نداء المسمين بهذه الأسماء. وإذا قيل: خلق الله السموات والأرض فالمراد خلق المسمى بهذه الألفاظ؛ لم يقصد أنه خلق لفظ السماء ولفظ الأرض والناس لا يفهمون من ذلك إلا المعنى المراد به ولا يخطر بقلب أحد إرادة الألفاظ؛ لما قد استقر في نفوسهم من أن هذه الألفاظ والأسماء يراد بها المعاني والمسمّيات؛ فإذا تكلم
بها فهذا هو المراد؛ لكن لا يعلم أنه المراد إن لم ينطق بالألفاظ والأسماء المبينة للمراد الدالة عليه. وهذا من البيان الذي أنعم الله به على بني آدم في قوله (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) الرحمن/3-4 وقد علَّم آدم الأسماء كلها سبحانه وتعالى.
ولكن هؤلاء الذين أطلقوا من الجهمية والمعتزلة أن الاسم غير المسمّى مقصودهم أن أسماء الله غيره؛ وما كان غيره فهو مخلوق.
ولهذا قالت الطائفة الثالثة: لا نقول هي المسمّى ولا غير المسمّى. فيقال لهم: قولكم إن أسماءه غيره مثل قولكم إن كلامه غيره وإن إرادته غيره ونحو ذلك وهذا قول الجهمية نفاة الصفات وقد عرفت شبههم وفسادها في غير هذا الموضع وهم متناقضون من وجوه كما قد بسط في مواضع.
فإنهم يقولون: لا نثبت قديمًا غير الله؛ أو قديمًا ليس هو الله حتى كفروا أهل الإثبات وإن كانوا متأولين كما قال أبو الهذيل: إن كل متأول كان تأويله تشبيهًا له بخلقه وتجويزًا له في فعله وتكذيبًا لخبره فهو كافر؛ وكل من أثبت شيئًا قديمًا لا يقال له الله فهو كافر ومقصوده تكفير مثبتة الصفات والقدر ومن يقول إن أهل القبلة يخرجون من النار ولا يخلدون فيها. فمما يقال لهؤلاء: إن هذا القول ينعكس عليكم فأنتم أولى بالتشبيه والتجويز والتكذيب؛ وإثبات قديم لا يقال له الله فإنكم تشبهونه بالجمادات، بل بالمعدومات، بل بالممتنعات وتقولون إنه يحبط الحسنات العظيمة بالذنب الواحد؛ ويخلد عليه في النار وتكذبون بما أخبر به من مغفرته ورحمته وإخراجه أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وإنه من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.
وأنتم تثبتون قديمًا لا يقال له الله فإنكم تثبتون ذاتًا مجردة عن الصفات ومعلوم أنه ما ليس بحي ولا عليم ولا قدير؛ فليس هو الله فمن أثبت ذاتًا مجردة فقد أثبت قديمًا ليس هو الله وإن قال أنا أقول إنه لم يزل حيًا عليمًا قديرًا فهو قول مثبتة الصفات؛ فنفس كونه حيًّا ليس هو كونه عالمًاونفس كونه عالمًا ليس هو كونه قادرًا ونفس ذلك ليس هو كونه ذاتًا متصفة بهذه الصفات فهذه معان متميزة في العقل ليس هذا هو هذا.
فإن قلتم هي قديمة فقد أثبتم معاني قديمة؛ وإن قلتم هي شيء واحد جعلتم كل صفة هي الأخرى والصفة هي الموصوف فجعلتم كونه حيًا هو كونه عالمًا وجعلتم ذلك هو نفس الذات ومعلوم أن هذا مكابرة وهذه المعاني هي معاني أسمائه الحسنى وهو سبحانه لم يزل متكلمًا إذا شاء.
فهو المسمي نفسه بأسمائه الحسنى كما رواه البخاري (¬1) في صحيحه عن ابن عباس أنه لما سئل عن قوله: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) فقال هو سمّى نفسه بذلك وهو لم يزل كذلك؛ فأثبت قدم معاني أسمائه الحسنى وأنه هو الذي سمّى نفسه بها. فإذا قلتم إن أسماءه أو كلامه غيره فلفظ (الغير) مجمل؛ إن أردتم أن ذلك شيء بائنٍ عنه فهذا باطل؛ وإن أردتم أنه يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر فقد يذكر الإنسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معاني أسمائه بل ولا يخطر له حينئذ أنه عزيز وأنه حكيم فقد أمكن العلم بهذا دون هذا؛ وإذا أريد بالغير هذا فإنما يفيد المباينة في ذهن الإنسان
¬
(¬1) برقم (41) ولفظه: قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنِّى أَجِدُ فِى الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَىَّ قَالَ (فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ) . (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) . (وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) . (رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فَقَدْ كَتَمُوا فِى هَذِهِ الآيَةِ، وَقَالَ (أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) إِلَى قَوْلِهِ (دَحَاهَا) فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ) إِلَى (طَائِعِينَ) فَذَكَرَ فِى هَذِهِ خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَقَالَ (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) عَزِيزًا حَكِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا، فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى. فَقَالَ (فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) فِى النَّفْخَةِ الأُولَى ثُمَّ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ، فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ، فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِى النَّفْخَةِ الآخِرَةِ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ (مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) . (وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ) فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلاَصِ ذُنُوبَهُمْ وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ. فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لاَ يُكْتَمُ حَدِيثًا وَعِنْدَهُ (يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآيَةَ، وَخَلَقَ الأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، فَسَوَّاهُنَّ فِى يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ، وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ (دَحَاهَا) ، وَقَوْلُهُ (خَلَقَ الأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ) فَجُعِلَتِ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَىْءٍ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِى يَوْمَيْنِ. (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ، أَىْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابَ بِهِ الَّذِى أَرَادَ، فَلاَ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
؛ لكونه قد يعلم هذا دون هذا وذلك لا ينفي التلازم في نفس الأمر فهي معانٍ متلازمة لا يمكن وجود الذات دون هذه المعاني ولا وجود هذه المعاني دون وجود الذات.
واسم (الله) إذا قيل الحمد لله أو قيل بسم الله يتناول ذاته وصفاته لا يتناول ذاتًا مجردة عن الصفات ولا صفات مجردة عن الذات وقد نص أئمة السنة - كأحمد وغيره - على أن صفاته داخلة في مسمّى أسمائه فلا يقال: إن علم الله وقدرته زائدة عليه؛ لكن من أهل الإثبات من قال: إنها زائدة على الذات.
وهذا إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة فهو صحيح فإن أولئك قصروا في الإثبات فزاد هذا عليهم وقال الرب له صفات زائدة على ما علمتموه. وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة في نفس الأمر فهو كلام متناقض؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال إن الصفات زائدة عليها بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتا من الصفات ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل. وأما الذين يقولون: إن (الاسم للمسمّى) كما يقوله أكثر أهل السنة فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول قال الله تعالى (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، وقال: (أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الإسراء/110،. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّى وَالْحَاشِرُ وَنَبِىُّ التَّوْبَةِ وَنَبِىُّ الرَّحْمَةِ» وكلاهما في الصحيحين (¬1) .
وإذا قيل لهم: أهو المسمى أم غيره؟ فصلوا؛ فقالوا: ليس هو نفس المسمى ولكن يراد به المسمى؛ وإذا قيل إنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا له فهذا باطل؛ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه فكيف بالخالق وأسماؤه من كلامه؛ وليس كلامه بائنًا عنه ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنًا مثل أن يسمي
¬
(¬1) سبق تخريجه.
الرجل غيره باسم أو يتكلم باسمه. فهذا الاسم نفسه ليس قائمًا بالمسمّى؛ لكن المقصود به المسمّى فإن الاسم مقصوده إظهار المسمّى وبيانه.
وهو مشتق من (السمو) وهو العلو كما قال النحاة البصريون وقال النحاة الكوفيون هو مشتق من (السمة) وهي العلامة وهذا صحيح في (الاشتقاق الأوسط) وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما فإنه في كليهما (السين والميم والواو) والمعنى صحيح فإن السمة والسيما العلامة. ومنه يقال: وسمته أسمه كقوله (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) القلم/16، ومنه التوسم كقوله (لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ) الحجر/75، لكن اشتقاقه من (السمو) هو الاشتقاق الخاص الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف وترتيبها ومعناه أخص وأتم فإنهم يقولون في تصريفه سميت ولا يقولون وسمت وفي جمعه أسماء لا أوسام وفي تصغيره سمي لا وسيم. ويقال لصاحبه مسمّى لا يقال موسوم وهذا المعنى أخص.
فإن العلو مقارن للظهور, كلما كان الشيء أعلى كان أظهر وكل واحد من العلو والظهور يتضمن المعنى الآخر ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (¬1) (وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَىْءٌ) ولم يقل فليس أظهر منك شيء؛ لأن الظهور يتضمن العلو والفوقية؛ فقال: (فليس فوقك شيء) . ومنه قوله (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ) الكهف/97، أي يعلوا عليه.
ويقال ظهر الخطيب على المنبر إذا علا عليه. ويقال للجبل العظيم عَلَم؛ لأنه لعلوه وظهوره يعلم ويعلم به غيره. قال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) الشورى/32، وكذلك (الراية العالية) التي يعلم بها مكان الأمير والجيوش يقال لها علم وكذلك العلم في الثوب لظهوره كما يقال لعرف الديك وللجبال العالية أعراف لأنها لعلوها تعرف فالاسم يظهر به المسمّى ويعلو؛ فيقال للمسمّى: سمه: أي أظهره وأعله أي أعل ذكره بالاسم الذي يذكر به؛ لكن يذكر تارة بما يحمد به ويذكر تارة بما
¬
(¬1) رواه مسلم (7064) .
يذم به كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً) مريم/50، وقال (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) الشرح/4، وقال (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) الصافات/78-79، وقال في النوع المذموم (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) القصص/42، وقال تعالى (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ) القصص/3. فكلاهما ظهر ذكره؛ لكن هذا إمام في الخير وهذا إمام في الشر. وبعض النحاة يقول: سمي اسما لأنه علا على المسمّى؛ أو لأنه علا على قسيميه الفعل والحرف وليس المراد بالاسم هذا، بل لأنه يعلى المسمى فيظهر؛ ولهذا يقال سميته أي أعليته وأظهرته فتجعل المعلى المظهر هو المسمّى وهذا إنما يحصل بالاسم.
ووزنه فعل، وفعل وجمعه أسماء كقنو وأقناء وعضو وأعضاء. وقد يقال فيه سم وسم بحذف اللام. ويقال: سمى كما قال: والله أسماك سما مباركا. وما ليس له اسم فإنه لا يذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره؛ بل هو كالشيء الخفي الذي لا يعرف ولهذا يقال: الاسم دليل على المسمّى وعلم على المسمى ونحو ذلك.
ولهذا كان أهل الإسلام والسنة الذين يذكرون أسماء الله يعرفونه ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه ويظهرون ذكره. والملاحدة: الذين ينكرون أسماءه وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره حتى ينسوا ذكره (نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ) التوبة/67 (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) الحشر/19، (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) الأعراف/205.
والاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب وقد يراد به مجرد اللفظ وقد يراد به مجرد المعنى فإنه من الكلام؛ (والكلام) اسم للفظ والمعنى وقد يراد به أحدهما؛ ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره لكن ذكره بهما أتم. والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه وأمر بالتسبيح باسمه كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى؛ فيدعى بأسمائه الحسنى ويسبح اسمه وتسبيح اسمه هو تسبيح له؛ إذ المقصود بالاسم المسمّى؛ كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى. قال تعالى (قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا
تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الإسراء/110. والله تعالى يأمر بذكره تارة وبذكر اسمه تارة؛ كما يأمر بتسبيحه تارة وتسبيح اسمه تارة؛ فقال: (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) الأحزاب/41، (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ) الأعراف/205 وهذا كثير. وقال: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) المزمل/8، كما قال: (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/118، (وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/121، (فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) المائدة/4.
لكن هنا يقال: بسم الله؛ فيذكر نفس الاسم الذي هو (ألف سين ميم) وأما في قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) الإنسان/25؛ فيقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله. وهذا أيضًا مما يبين فساد قول من جعل الاسم هو المسمّى. وقوله في الذبيحة (فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/118 كقوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) العلق/1 وقوله (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا) هود/41، فقوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) العلق/1 هو قراءة بسم الله في أول السور. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبيّن أن هذه الآية تدل على أن القارئ مأمور أن يقرأ بسم الله وأنها ليست كسائر القرآن؛ بل هي تابعة لغيرها وهنا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم كما كتب سليمان وكما جاءت به السنة المتواترة وأجمع المسلمون عليه؛ فينطق بنفس الاسم الذي هو اسم مسمى لا يقول بالله الرحمن الرحيم؛ كما في قوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) العلق/1، فإنه يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ونحو ذلك وهنا قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) العلق/1، لم يقل: اقرأ اسم ربك وقوله (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) الإنسان/25، يقتضي أن يذكره بلسانه. وأما قوله (وَاذْكُر رَّبَّكَ) الأعراف/205 فقد يتناول ذكر القلب. وقوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) العلق/1، هو كقول الآكل باسم الله. والذابح باسم الله كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ» (¬1) .
¬
(¬1) رواه البخاري (5500) ولفظه: - عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِىِّ قَالَ ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُضْحِيَّةً ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا أُنَاسٌ قَدْ ذَبَحُوا ضَحَايَاهُمْ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ رَآهُمُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمْ قَدْ ذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَقَالَ «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ» .
وأما التسبيح فقد قال: (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) الأحزاب/42، وقال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى/1، وقال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الحاقة/52. وفي الدعاء: (قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الإسراء/110، فقوله (أَيّاً مَّا تَدْعُواْ) يقتضي تعدد المدعو لقوله: (أَيّاً مَّا) وقوله (فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) يقتضي أن المدعو واحد له الأسماء الحسنى وقوله (ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ) - ولم يقل ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن - يتضمن أن المدعو هو الرب الواحد بذلك الاسم. فقد جعل الاسم تارة مدعوًا وتارة مدعوًا به في قوله: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) الأعراف/180، فهو مدعو به باعتبار أن المدعو هو المسمّى وإنما يدعى باسمه. وجعل الاسم مدعوًا باعتبار أن المقصود به هو المسمى وإن كان في اللفظ هو المدعو المنادى كما قال (قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ) أي ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم والمراد إذا دعوته هو المسمى؛ أي الاسمين دعوت ومرادك هو المسمى: (فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى) .
فمن تدبّر هذه المعاني اللطيفة تبين له بعض حكم القرآن وأسراره فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده فإنه كتاب مبارك تنزيل من حكيم حميد لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء من ابتغى الهدى في غيره أضله الله ومن تركه من جبار قصمه الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو قرآن عجب يهدي إلى الرشد أنزله الله هدى ورحمة وشفاء وبيانًا وبصائر وتذكرة. فالحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. آخره ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الفصل الثالث
لفظ الجلالة الله (¬1)
الله لفظ الجلالة هو العَلَم الحقُّ على الإله الحقِّ، المعبود بحق - سبحانه وتعالى -. كان، ولم يكن شئ معه، ثم خلق كل شئ بعلمه وإرادته وقدرته - - سبحانه وتعالى - - ما شاء أن يكون كان، وما لم يشأ أن يكون لم يكن، {ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن} ، يعلم ما كان وما هو كائن، وما سوف يكون - - سبحانه وتعالى - -.
قدّر كل شئ قبل أن يوجده، وأوجد كل شئ على مقتضى ما قدرة - - سبحانه وتعالى - - (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر/49، أوجد وأفنى، وأمات وأحيا، الملكُ ملكُه، والوجودُ خَلْقُه، والأمور تدبيره، والبدء منه، والمصير إليه حسابُه عدل، وجزاؤه بميزان، وعقابه عدل، وثوابه تفضُّل وإحسان، لا يخرج شئ عن ملكه، ولا يعزب مثقال ذرة عن علمه، وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال - - سبحانه وتعالى - -.
ولأن هذا اللفظ الأقدس له فى القلوب والعقول أسمى السمو، وأعظم التعظيم، وأجل الإجلال، وأقدس التقديس، فقد تعددت المباحث حوله فى أمور شتى نشير إلى أهمها فى هذا الفصل.
¬
(¬1) انظر: رسالة شيخنا العلامة محمود مزروعة (لفظ الجلالة الله) .
المبحث الأول
معنى لفظ الجلالة الله من حيث اللغة
اختلف العلماء حول جواز البحث فيما يتصل بلفظ الجلالة الله - سبحانه وتعالى - والقول فيه اجتهادًا 0
أو حرمة ذلك ووجوب الإمساك عن كل ما يتصل بالاسم الأقدس تخشعًا وتورعًا.
فقال جماعة من العلماء: بوجوب الإمساك ورعًا وخشيةً وهيبةً وتقديسًا وإجلالًا للاسم الأعظم وتحوطًا من الخطأ فى شئ من الأبحاث التى تدور حوله، فإن البحوث اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب وما دام احتمال الخطأ واردًا فقد وجب التوقف عن البحث حوله والإمساك عن القول فيه فإن القول فيه مع احتمال الخطأ في الرأي فيه إجازة للخطأ في بعض ما يتصل بالاسم الأشرف والعلم الأقدس، وهذا ما ينبغي التحرز عنه، والاستغفار منه.
وإلي الرأي الأول: وهو إجازة البحث - ذهب جمهرة العلماء، فأجازوا البحث حول الاسم الأقدس {الله} - سبحانه وتعالى -؛ إذ إن ذلك من دلائل الاهتمام وزيادة العلم به والعرفان، بل إن ذلك من أوجب الواجبات، إذ كيف نهمل البحث حول الاسم الأقدس، ونحن نبذل الجهد في البحث حول الأسماء العادية، والألفاظ المتداولة التى لا شأن لها بجانب لفظ الجلالة.
* لفظ الجلالة لفظ عربي:
كما اختلفوا حول الاسم الأقدس لفظ الجلالة {الله} - سبحانه وتعالى - عربيًّا أو أعجميًّا فذهب بعضهم إلي: أنه معرب عن السريانية، أو العبرانية، وأن أصله (ل اهـ ا) فحذف الألف من آخره، فأصبحت اللفظة: (لاه) ثم عوض عن الألف المحذوفة بأداة التعريف (أل) فصارت {الله} وهو العلم الحق على الإله الحق - سبحانه وتعالى -، أو عوض
عن الألف المحذوفة ألفًا في أول الكلمة، فصارت: (إله) وهى لفظة تطلق على كل إله معبود حقًا كان أو باطلًا.
والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء من: أن الاسم الأشرف لفظ الجلالة {الله} - سبحانه وتعالى - - عربي، وأن كلمة: (لاها) التى أشاروا إلي أنها الأصل السرياني للاسم الأقدس لم يُسمع بأن أحدًا أخذها عنهم اسمًا لله - سبحانه وتعالى -.
ولو كان ذلك واقعًا لوجدناه في لغات أخرى هي أقرب إلي الأخذ عن (السريانية) من العربية.
فالمستقر والثابت أن لفظ الجلالة عربي (¬1) .
* لفظ الجلالة جامد أو مشتق:
كما اختلفوا - أيضًا - حول لفظ الجلالة: هل هو عَلَم مرتجل غير مشتق، أم أنه اسم مشتق من مادة سابقة؟ وإلي الرأي الأول ذهب علماء الأمة الأئمة من اللغويين كالخليل، وسيبويه، ومن الأصوليين وعلماء الكلام، كالشافعي، والخطابي، وإمام الحرمين، والرازي، فقد اجتمعت كلمتهم على أن الاسم الأعظم {الله} - سبحانه وتعالى - علم غير مشتق ولهم على ذلك أدلة كثيرة، أهمها:
أن المشتق معناه كلِّي لا يمنع مفهو مه من وقوع الشركة فيه، أي أنه -بحسب وضعه - يحتمل أن يصدق على كثيرين وهذا محال بالنسبة إلي لفظ الجلالة {الله} - سبحانه وتعالى - فهو الواحد الأحد الفرد الصمد، ولأنه لو وقعت الشركة في لفظ الجلالة، أو جاز وقوعها لانتفت كلمة التوحيد، وما كان لقولنا: (لا إله إلا الله) معنى. ولعل هذا بعض ما تشير إليه الآية الكريمة: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) مريم / 65، فالسؤال إنكاري، أي لا يوجد له سمي، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الاسم علما لا يصدق على أحد سوي {الله} الواحد المعبود بحق - سبحانه وتعالى -
¬
(¬1) انظر: روح المعاني (1/138) .
وخالف في ذلك بعض العلماء، حيث ذهبوا إلي أن لفظ الجلالة {الله} - سبحانه وتعالى - اسم مشتق محتجين بأمور أظهرها:
أن الاسم العَلَم في حقيقته إشارة دالة على ذات يُشار به إليها ويُدَل به عليها. وذلك يتطلَّب كون الذات معلومة قبلًا، حتى يوضع العلم دالًا عليها ومشيرًا إليها، وذلك ممتنع بالنسبة إلي الذات الأقدس - سبحانه وتعالى - من حيث إن الإشارة أمر حسى تقتضي مشارًا إليه حسيًّا.
ولا يخفي ما في ذلك من تعنت وتكلفًا، فإن الأعلام وضعت لتدل على ذواتها دون اعتبار كونها مشتملة على إشارات حسية أم لا.
والذين قالوا بأن لفظ الجلالة مشتق اختلفوا حول أصل الاشتقاق إلي آراء، أهمها:
من قال: إن الاسم الأقدس من (لَاَهَ يَليهُ) : بمعنى: (احتجب) وذلك لاحتجابه - - سبحانه وتعالى - - عن العقل والحس، فلا تراه عين ولا يحيط بذاته - تعالى - عقل، أو من (لاه يليه) ، بمعنى: (ارتفع) وذلك لرفعته - تعالى - وتساميه عن المِثْل والشيبه.
قال الشاعر:
لاهِ ابنُ عَمِّك لا أفْضَلتَ في حسب... عني ولا أنتَ دَيَّاني فَتَخْزُوني
وقيل: بل من (لاه يلوه) ، بمعنى: (اضطرب) وذلك لاضطراب الإفهام والعقول في معرفة ذاته - - سبحانه وتعالى - - وصفاته وأفعاله، أو من (لاه يلوه) ، بمعنى: (أضاء ولمع) من قولهم: (لاه البرق) إذا لمع وأضاء وذلك لإضاءة القلوب بذكره - سبحانه وتعالى - وحين تتفكر في آلائه.
وقيل: بل مادته (أُلِهَ يأْلَهُ) بمعنى: اللجوء والركون، من قولهم: (أله إليه) إذا فزع إليه والتجأ إلى حماه، وذلك لأن الخلق يفزعون إليه - سبحانه وتعالى - في كل ما يهمهم ويعجزهم، أو بمعنى: (سكن) لأن القلوب والعقول تسكن إليه - - سبحانه وتعالى - وتطمئن لذكره. أو بمعنى: (تحيّر) ، لأن القلوب والعقول تتحير في إدراك كماله وجلاله وعظمته سبحانه.