اللباب في شرح الكتاب، الإصدار 1.03
للشيخ عبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني
هذا الملف موافق لطبعة دار الكتاب العربي، بيروت (بدون تاريخ)
المحتويات: جميع الكتاب (الجزء الأول والثاني والثالث والرابع)ـ.
الكتاب غير مدقق
---
جارٍ تحميل الكتاب…
اللباب في شرح الكتاب، الإصدار 1.03
للشيخ عبد الغني الغنيمي الدمشقي الميداني
هذا الملف موافق لطبعة دار الكتاب العربي، بيروت (بدون تاريخ)
المحتويات: جميع الكتاب (الجزء الأول والثاني والثالث والرابع)ـ.
الكتاب غير مدقق
---
الجزء الأول
[مقدمات]
[غلاف الكتاب]
@- قررت إدارة الجامع الأزهر تدريس هذا الكتاب لطلاب السنة الثانية الابتدائية بالأزهر والمعاهد الدينية.
اللباب في شرح الكتاب
تأليف
الشيخ عبدالغني الغنيمي، الدمشقي، الميداني، الحنفي
أحد علماء القرن الثالث عشر
على المختصر المشتهر باسم "الكتاب" الذي صنفه الإمام أبو الحسين أحمد بن محمد، القدوري، البغدادي، الحنفي. المولود في عام 362، والمتوفى في عام 428 من الهجرة.
حققه، وضبطه، وعلق حواشيه
محمود أمين النواوي
المفتش بالأزهر
الجزء الأول [من مجموع أربعة أجزاء]
التقدمة
@- بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه القائل في كتابه الكريم: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} وحسبك بها آية على منزلة الفقه ومجادة الموفقين لدراسته والصلاة والسلام على رسوله القائل: "من يرد اللّه به خيراً يفقهه في الدين" وحسبك به دليلاً حافزاً على تلقي الفقه والمسارعة إلى تحصيل مباحثه، ولا غرو فإن كل متدين لا غنى به عن معرفة الحلال والحرام حتى يصح دينه وكل متعبد لا بد له من تصحيح عبادته حتى تسلم من الفساد وتحف بالرضوانن والقبول عند اللّه ولا عذر بالجهل في دار الإسلام فمن ثم كان طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
---
وإذا كان اللّه تعالى يقول في كتابه: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} فإن معناه كما قال حبر الأمة علموهم وفقهوهم. فإذا كان ذلك فمن لم يعلم الحلال والحرام فهو على شفا حفرة من النار. وعند اللّه العافية.
ولما كان كتاب (القدوري) من أجمع الكتب في فقه أبي حنيفة لما يلزم معرفته من الحلال والحرام وبيان خمسة الأحكام، فيما يلزم من الإسلام. وكان شرحه (اللباب) من أوضح الشراح وأسلسها، وأصحها نقلاً وأدقها، فقد تلقاهما المسلمون على مذهب الإمام أبي حنيفة بالقبول ومنحوهما أكبر قسط من العناية والتقدير.
وقد وشحتهما بتقريرات موجزة متفرقة في أخص ما يلزم معرفته بجانبهما للطالب المبتدىء من بعض ما وقع فيه الخلاف واختلفت فيه الأدلة وتعددت وجهات النظر وكثر فيه القيل والقال أحياناً بين مقلدي المذاهب فاحتاج إلى بعض البيان عن وجهة نظر المذهب أو غيره ومكانتها من التوفيق إن كانت، حتى يألف الطالب هذا النمط من الدراسة ثم يعنى به حق العناية فذلك أحرى أن يجعل المنفعة على بينة من الأمر.
وكل مذاهب الأئمة خير، ويزيد الناس إيماناً بها أن يتعرفوا أصولها، ومآخذ أحكامها وهذه كلمة نحن مضطرون إلى إيجازها على هذا النحو حتى لا يطول منا مجال الاسترسال فيما لا مجال للخوض فيه اليوم.
واللّه ولي التوفيق والرعاية
محمود النواوي
كتاب الطهارة
- قال اللّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين}.
ففرض الطهارة: غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل؛ والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية؛ لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم "أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه (1)".
وسنن الطهارة:
---
غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إذا استيقظ المتوضئ من نومه، وتسمية اللّه تعالى في ابتداء الوضوء والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين، وتخليل اللحية والأصابع، وتكرار الغسل إلى الثلاث. ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة، ويستوعب رأسه بالمسح، ويرتب الوضوء، فيبدأ بما بدأ اللّه تعالى بذكره وبالميامن.
--------------------------
(1) قال الكمال في الفتح؛ إن هذا الحديث مجموع من حديثين رواهما المغيرة، أحدهما ما رواه مسلم عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم توضأ ومسح بناصيته وعلى الخفين. والآخر رواه ابن ماجة عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً. والقدوري ليس مخطئاً، لأن كلا من الحديثين من رواية المغيرة. ولقائل أن يقول ولم لا يجوز أن تكون كل منهما واقعة غير الأخرى، وإن كان الاستدل صحيحاً وكان يمكن الإقتصار فيه على رواية مسلم فتأمل.
--------------------------
بسم اللّه الرحمن الرحيم
(الطهارة لغة) النظافة. وشرعاً: النظافة عن النجاسة: حقيقية كانت وهي الخبث، أو حكمية وهي الحدث. وتنقسم بالإعتبار الثاني إلى الكبرى واسمها الخاص الغسل، والموجب له الحدث الأكبر، وإلى الصغرى واسمها الخاص الوضوء، والموجب له الحدث الأصغر. وبقي نوع آخر - وهو التيمم - فإنه طهارة حكمية يخلفهما معا ويخلف كل منهما منفرداً عن الآخر.
وقدمت العبادات على غيرها اهتماماً بها؛ لأن الجن والإنس لم تخلق إلا لها، وقدمت الصلاة من بينها؛ لأنها عمادها، وقدمت الطهارة عليها لأنها مفتاحها وقدمت طهارة الوضوء لكثرة تكرارها.
قال اللّه تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين} افتتح رحمه اللّه تعالى كتابه بآية من القرآن على وجه البرهان استنزالاً لبركته وتيمناً بتلاوته، وإلا فذكر الدليل - خصوصاً على وجه التقديم - ليس من عادته.
---
(ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة) يعني الوجه واليدين والرجلين، وسماها ثلاثة وهي خمسة؛ لأن اليدين والرجلين جعلا في الحكم بمنزلة عضوين كما في الآية، جوهرة (ومسح الرأس) بهذا النص (1) هداية. والفرض لغة: التقدير، وشرعا ما ثبت لزومه بدليل قطعي لا شبهة فيه، كأصل الغسل والمسح في أعضاء الوضوء، وهو الفرض علماً وعملاً، ويسمى الفرض القطعي، ومنه قول المصنف: "فرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس" وكثيرا ما يطلق الفرض على ما يفوت الجواز بفوته كغسل ومسح مقدار معين فيها، وهو الفرض عملاً لا علماً ويسمى الفرض الإجتهادي، ومنه قوله: "والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية" وحد الوجه: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن طولاً وما بين شحمتي الأذنين عرضاً (والمرفقان) تثنية مرفق - بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسه - موصل الذراع في العضد (والكعبان) تثنية كعب، والمريد به هنا هو العظم الناتئ المتصل بعظم الساق، وهو الصحيح، هداية (يدخلان في الغسل) على سبيل الفرضية. والغسل: إسالة الماء: وحد الإسالة في الغسل: أن يتقاطر الماء ولو قطرة عندهما، وعند أبي يوسف يجزئ إذا سال على العضو وإن لم يقطر، فتح، وفي الفيض: أقله قطرتان في الأصح. اهـ، وفي دخول المرفقين والكعبين خلاف زفر. والبحث في ذلك وفي القراءتين في "أرجلكم" قال في البحر: لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع على ذلك (والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية) أي مقدم الرأس (وهو الربع) وذلك (لما روى المغيرة ابن شعبة) رضي اللّه تعالى عنه: (أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتى سباطة) بالضم: أي كناسة (قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه) والكتاب مجمل في حق المقدار، فالتحقق بيانا به؛ وفي بعض الروايات: قدره أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد؛ لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح هداية. قال في الفتح: وأما رواية جواز قدر الثلاثة الأصابع - وإن صححها بعض المشايخ، نظراً إلى أن الواجب
---
إلصاق اليد، والأصابع أصلها؛ ولذا يلزم بقطعها دية كل اليد، والثلاث أكثرها وللأكثر حكم الكل، وهو المذكور في الأصل - فيحمل على أنه قول محمد؛ لما ذكر الكرخي والطحاوي عن أصحابنا أنه مقدار الناصية، ورواه الحسن عن أبي حنيفة ويفيد أنها غير المنصور رواية قول المنصف - يعني صاحب الهداية - "وفي بعض الروايات"
(وسنن الطهارة) السنن. جمع سنة ، وهي لغة: الطريقة مرضية كانت أو غير مرضية (2) وفي الشريعة: ما واظب عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم مع الترك أحياناً. فتح واللام في "الطهارة" للعهد. أي الطهارة المذكورة، وتعقيبه الفرض بالسنن يفيد أنه لا واجب للوضوء، وإلا لقدمه (3) (غسل اليدين) إلى الرسغين؛ لوقوع الكفاية به في التنظيف، وقوله (قبل إدخالهما الإناء) قيد اتفاقي، وإلا فيسن غسلهما وإن لم يحتج إلى إدخالهما الإناء، وكذا قوله (إذا استيقظ المتوضئ من نومه) على ما هو المختار من عدم اختصاص سنية البداءة بالمستيقظ (4)، قال العلامة قاسم في تصحيحه: الأصح أنه سنة مطلقاً نص عليه في شرح الهداية، وفي الجوهرة هذا شرط وقع اتفاقاً؛ لأنه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء السنة غسل اليدين، وقال نجم الأئمة في الشرح؛ قال في المحيط والتحفة: وجميع الأئمة البخاريين أنه سنة على الإطلاق. اهـ. وفي الفتح: وهو الأولى؛ لأن من حكى وضوءه صلى اللّه عليه وسلم قدمه؛ وإنما يحكي ما كان دأبه وعادته، لا خصوص وضوئه الذي هو على نوم، بل الظاهر أن إطلاعهم على وضوئه عن غير النوم، نعم مع الاستيقاظ وتوهم النجاسة السنة آكدة. اهـ (وتسمية اللّه تعالى في بتداء الوضوء) ولفظها المنقول عن السلف - وقيل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم - (بسم اللّه العظيم ، والحمد للّه على دين الإسلام) وقيل: الأفضل {بسم اللّه الرحمن الرحيم} بعد التعوذ، وفي المجتبى يجمع بينهما، وفي المحيط: لو قال: (لا إله إلا اللّه) أو (الحمد للّه) أو (أشهد أن لا إله إلا اللّه) يصير
---
مقيماً للسنة، وهو بناء على أن لفظ (يسمى) أعم مما ذكرناه، فتح. وفي التصحيح: قال: في الهداية (الأصح أنها مستحبة) ويسمى قبل الاستنجاء وبعده، هو الصحيح. وقال الزاهدي: والأكثر على أن التسمية وغسل اليدين سنتان قبله وبعده. اهـ (والسواك) أي: الاستياك عند المضمضة، وقيل: قبلها، وهو للوضوء عندنا إلا إذا نسيه فيندب للصلاة، وفي التصحيح: قال في الهداية والمشكلات: والأصح أنه مستحب اهـ (والمضمضة) بمياه ثلاثاً (والاستنشاق) كذلك، فلو تمضمض ثلاثاً من غرفة واحدة لم يصر آتياً بالسنة. وقال: الصيرفي يكون آتياً بالسنة، قال: واختلفوا في الاستنشاق ثلاثاً من غرفة واحدة؛ قيل: لا يصير آتياً بالسنة، بخلاف المضمضة؛ لأن في الاستنشاق يعود بعض الماء المستعمل إلى الكف، وفي المضمضة لا يعود؛ لأنه يقدر على إمساكه، كذا في الجوهرة (ومسح الأذنين) وهو سنة بماء الرأس عندنا هداية: أي لا بماء جديد، عناية. ومثله في جميع شروح الهداية والحلية والتتارخانية وشرح المجمع وشرح الدرر للشيخ إسماعيل، ويؤيده تقييد سائر المتون بقولهم "بماء الرأس" قال في الفتح: وأن ما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم "أخذ لأذنيه ماء جديداً" فيجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب، توفيقا بينه وبين ما ذكرنا، وإذا انعدمت البلة لم يكن بد من الأخذ، كما لو انعدمت في بعض عضو واحد. اهـ. وإذا علمت ذلك ظهر لك أن ما مشى عليه العلائي في الدر والشرنبلالي وصاحب النهر والبحر تبعاً للخلاصة ومنلا مسكين - من أنه لو أخذ للأذنين ماء جديداً فهو حسن - مخالف للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب، وتمام ذلك في حاشية شيخنا رد المحتار رحمه اللّه تعالى. (وتخليل اللحية) وقيل: هو سنة عند أبي يوسف جائز عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن السنة إكمال الفرض في محله. والداخل ليس بمحل له، هداية. وفي التصحيح: وتخليل اللحية وهو قول أبي يوسف ورجحه في المبسوط
---
(والأصابع) لأنه إكمال الفرض في محله، وهذا إذا كان الماء واصلاً إلى خلالها بدون التخليل، وإلا فهو فرض (وتكرار الغسل) المستوعب في الأعضاء المغسولة (إلى الثلاث) مرات (5)؛ ولو زاد لطمأنينة القلب لا بأس به، قيدت بالمستوعب لأنه لو لم يستوعب في كل مرة لا يكون آتياً بسنة التثليث، وقيدت الأعضاء المغسولة لأن الممسوحة يكره تكرار مسحها.
(ويستحب للمتوضئ) المستحب لغة: هو الشيء المحبوب، وعرفاً قيل: هو ما فعله النبي صلى اللّه عليه وسلم مرة وتركه أخرى، والمندوب: ما فعله مرة أو مرتين، وقيل: هما سواء، وعليه الأصوليون، قال في التحرير: وما لم يواظب عليه مندوب ومستحب، وإن لم يفعله بعدما رغب فيه اهـ. (أن ينوي الطهارة) في ابتدائها (ويستوعب رأسه بالمسح) بمرة واحدة (ويرتب الوضوء فيبدأ بما بدأ اللّه تعالى به) ويختم بما ختم به، قال في التصحيح: قال نجم الأئمة في شرحه: وقد عد الثلاثة في المحيط والتحفة من جملة للسنن، وهو الأصح، وقال في الفتح: لا سند للقدوري في الرواية ولا في الدراية ولا في جعل النية والاستيعاب والترتيب مستحباً غير سنة، أما الدراية فنصوص المشايخ متضافرة على السنة، ولذا خالفه المصنف في الثلاثة وحكم بسنتيها بقوله "فالنية في الوضوء سنة" ونحوه في الأخيرين، وأما الدراية فسنذكره إن شاء اللّه تعالى، وقيل: أراد يستحب فعل هذه السنة للخروج من الخلاف؛ فإن الخروج عنه مستحب اهـ. وتمامه فيه (و) البداءة (بالميامن) فضيلة. هداية وجوهرة، أي مستحب.
--------------
(1) النص وهو الآية الكريمة وهي تفيد افتراض الغسل والمسح لهذه الأعضاء وإن كان تحديد المسح في الرأس يبينه حديث المغيرة الآتي على ما سيذكر المصنف والشارح.
---
(2) الدليل على أن لفظ السنة يطلق في اللغة العربية على الطريقة مطلقا سواء أكانت مرضية أم لم تكن - هو قوله صلوات اللّه وسلامه عليه. "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
(3) يريد أن يقول: إن مرتبة الفرض أولى المراتب وإن مرتبة الواجب تأتي بعقيب مرتبة الفرض، وإن نظام التأليف يقتضي أن يبدأ المؤلف بأولى المراتب، ثم بما يليها، وهكذا وقد بدأ المؤلف فعلاً بالفروض، ثم انتقل إلى بيان السنن، فعلمنا من هذا الصنيع أنه ليس للوضوء واجبات، إذ لو كان له واجبات للزم أن يذكرها عقيب الفروض حتى يتم النظام.
(4) اعلم أنه قد روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) وظاهر هذا الحديث أن غسل اليدين إنما يكون سنة في حق من تيقظ من النوم، فأما من يكون يقظان قبل إرادة الوضوء وقد تأكد من نظافة يديه فلا يسن له ذلك، وكذلك ظاهر الحديث أنه إنما يسن غسل اليدين لمن يكون ماء وضوئه في إناء فهو يريد أن يغترف منه، فأما من لا يكون ماؤه في إناء كمن يتوضأ من صنبور فلا يسن له ذلك. وقد بين المؤلف رحمه اللّه أن غسل اليدين سنة على كل حال: أي سواء أكان من يريد الوضوء قد استيقظ من منامه أم لم يكن، وسواء أكان يتوضأ من إناء أم لم يكن، وقد اعتذر عن قيد الاستيقاظ وقيد إدخال اليد في الإناء الواردين في الحديث بأنهما اتفاقيان لا يقصد بهما الإحتراز.
---
(5) أخرج البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: (توضأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرة مرة) وأخرج البخاري أيضاً (أن النبي صلى اللّه عليه وسلم توضأ مرتين مرتين) وتضافرت الروايات على أنه صلى اللّه عليه وسلم (توضأ ثلاثاً ثلاثاً) ومعنى هذا أنه صلوات اللّه عليه وسلامه توضأ في بعض الأحايين مرة مرة، يعني يغسل وجهه ويستوعبه مرة واحدة، ويغسل يديه ويستوعبهما مرة واحدة، وهكذا. وأنه توضأ في بعض الأحايين مرتين مرتين. يعني يغسل وجهه مرتين يستوعب غسله في كل مرة منهما، وهكذا، وأنه توضأ في أغلب الأحيان ثلاثاً ثلاثاً، على معنى أنه غسل وجهه ثلاث مرات يستوعب غسله في كل مرة منها وهكذا، وقوله ولو زاد لطمأنينة القلب لا بأس به محل نظر لأن الإتباع هو المطلوب.
--------------------------
[نواقض الوضوء]
- والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من السبيلين، والدم والقيح والصديد إذا خرج من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير (1)، والقيئ إذا كان ملء الفم، والنوم مضطجعاً أو متكأً أو مستنداً إلى شيءٍ لو أزيل عنه لسقط، والغلبة على العقل بالإغماء، والجنون، والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود.
وفرض الغسل:
المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن.
وسنة الغسل: أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه، ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا، ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه. وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر.
والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، من الرجل والمرأة، والتقاء الختانين من غير إنزال، والحيض والنفاس.
وسن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين والإحرام.
وليس في المذى والودي غسل، وفيهما الوضوء.
--------------------------
---
(1) يستدل الأحناف لمذهبهم في نقض الوضوء بالدم السائل ونحوه بحديث الوضوء من كل دم سائل.
قال في الفتح رواه الدارقطني من طريق ضعيف، ورواه ابن عدي في الكامل عن آخر وقال لا نعرفه إلا من حديث أحمد بن قروخ، وهو ممن لا يحتج به ولكنه أيده بأشياء، منها حديث السيدة فاطمة فراجعه واحتجوا للقيء والرعاف بحديث من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبين على صلاته ما لم يتكلم. وذكر طرفه صاحب الفتح بما تعيد صحة الاستدلال به، واللّه أعلم.
--------------------------
---
(والمعاني) جمع معنى، وهو الصورة الذهنية من حيث إنه وضع بإزائها اللفظ، فإن الصورة الحاصلة في العقل من حيث إنها تقصد باللفظ تسمى معنى كذا في تعريفات السيد (الناقضة للوضوء) أي المخرجة له عن إفادة المقصود به، لأن النقض في الأجسام إبطال تركيبها، وفي المعاني إخراجها عن إفادة ما هو المقصود بها (كل ما) أي: شيء (خرج من السبيلين) أي: مسلكي البول والغائط، أعم من أن يكون معتاداً أولاً، نجساً أولاً، إلا ريح القبل، لأنه اختلاج لا ريح، والمراد بالخروج من السبيلين مجرد الظهور، لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة، فيستدل بالظهور على الإنتقال، بخلاف الخروج في غيرهما فإنه مقيد بالسيلان، كما صرح به بقوله (والدم والقيح) وهو: دم نضج حتى ابيض وخثر (والصديد) وهو: قيح ازداد نضجا حتى رق (إذا خرج من البدن فتجاوز) عن موضعه (إلى موضع يلحقه حكم التطهير)، لأنه بزوال القشرة تظهر النجاسة في محلها، فتكون بادية لا خارجة، ثم المعتبر هو قوة السيلان، وهو: أن يكون الخارج بحيث يتحقق فيه قوة أن يسيل بنفسه عن المخرج إن لم يمنع منه مانع، سواء وجد السيلان بالفعل أو لم يوجد، كما إذا مسحه بخرقة كما خرج، ثم وثم. قيد بالدم والقيح احتزازاً من سقوط لحم من غير سيلان دم كالعرق المديني فإنه لا ينقض وأما الذي يسيل منه، إن كان ماء صافياً لا ينقض. قال في الينابيع: الماء الصافي إذا خرج من النفطة لا ينقض. وإن أدخل أصبعه في أنفه فدميت أصبعه: إن نزل الدم من قصبة الأنف نقض، وإلا لم ينقض. ولو عض شيئاً فوجد فيه أثر الدم - أو استاك فوجد في السواك أثر الدم لا ينقض مالم يتحقق السيلان. ولو تخلل بعود فخرج الدم على العود لا ينقض. إلا أن يسيل بعد ذلك بحيث يغلب على الريق اهـ. جوهرة (والقيئ) سواء كان طعاماً أو ماءً أو علفاً أو مرة بخلاف البلغم فإنه لا ينقض، خلافاً لأبي يوسف في الصاعد من الجوف، وأما النازل من الرأس فغير ناقض اتفاقا (إذا كان ملئ
---
الفم) قال في التصحيح: قال في الينابيع: وتكلموا في تقدير ملء الفم، والصحيح إذا كان لا يقدر على إمساكه. قال الزاهدي: والأصح ما لا يمكنه الإمساك إلا بكلمة اهـ. ولو قاء متفرقاً بحيث لو جمع يملأ الفم فعند أبي يوسف يعتبر اتحاد المجلس، وعند محمد اتحاد السبب: أي الغثيان، وهو الأصح، لأن الأحكام تضاف إلى أسبابها كما بسطه في الكافي.
ولما ذكر الناقض الحقيقي عقبه بالناقض الحكمي فقال: (والنوم) سواء كان النائم (مضطجعاً) وهو: وضع الجنب على الأرض (أو متكأً) وهو: الإعتماد على أحد وركيه (أو مستنداً إلى شيء) أي: معتمداً عليه لكنه بحيث (لو أزيل) ذلك الشيء المستند إليه (لسقط) النائم، لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الاستناد، غير أن السند يمنع من السقوط، بخلاف النوم حالة القيام والقعود والركوع والسجود في الصلاة وغيرها وهو الصحيح، لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط فلم يتم الاسترخاء، هداية. وفي الفتح: وتمكن المقعدة مع غاية الاسترخاء لا يمنع الخروج؛ إذ قد يكون الدافع قوياً خصوصاً في زمننا لكثرة الأكل فلا يمنعه إلا مسكة اليقظة اهـ. (والغلبة على العقل بالإغماء) وهو: آفة تعتري العقل وتغلبه (والجنون) وهو: آفة تعتري العقل وتسلبه، وهو مرفوع بالعطف على الغلبة، ولا يجوز خفضه بالعطف على الإغماء لأنه عكسه (والقهقهة) وهي: شدة الضحك بحيث يكون مسموعاً له ولجاره، سواء بدت أسنانه أو لا، إذا كانت من بالغ يقظان (في كل صلاة) فريضة أو نافلة، لكن (ذات ركوع وسجود (1)) بخلاف صلاة الجنازة وسجدة التلاوة، فإنه لا ينتقض وضوءه، وتبطل صلاته وسجدته، وكذا الصبي والنائم.
---
(وفرض الغسل) أراد بالفرض ما يعم العملى. والغسل - بالضم - تمام غسل الجلد كله، والمصدر الغسل - بالفتح - كما في التهذيب. وقال في السراج يقال: غسل الجمعة، وغسل الجنابة، بضم الغين، وغسل الميت، وغسل الثوب، بفتحها، ومنابطه أنك إذا أضفت إلى المغسول فتحت، وإلى غيره ضممت اهـ (المضمضة؛ والاستنشاق، وغسل سائر البدن) أي: باقية، مما يمكن غسله من غير حرج كأذن وسرة وشارب وحاجب وداخل لحية وشعر رأس وخارج فرج، لا ما فيه حرج كداخل عين وثقب انضم وكذا داخل قلفة، بل يندب على الأصح، قاله الكمال.
(وسنة الغسل: أن يبتدئ المغتسل) أي: مريد الإغتسال (فيغسل) أولاً (يديه) إلى الرسغين، كما تقدم في الوضوء (وفرجه) وإن لم يكن به خبث (ويزيل نجاسة) وفي بعض النسخ (النجاسة) بالتعريف، والأولى أولى (إن كانت على بدنه) لئلا تشيع (ثم يتوضأ وضوءه) أي: أي كوضوئه (للصلاة) فيمسح رأسه وأذنيه ورقبته (إلا رجليه) فلا يغسلهما، بل يؤخر غسلهما إلى تمام الغسل، وهذا إذا كان في مستنقع الماء أما إذا كان على لوح أو قبقاب أو حجر فلا يؤخر غسلهما، جوهرة، وفي التصحيح: الأصح أنه إذا لم يكن في مستنقع الماء يقدم غسل رجليه (2) اهـ
(ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا) مستوعبا في كل مرة، بادئا بعد الرأس بشقه الأيمن ثم الأيسر وقيل: يختم بالرأس. وفي المجتبى والدرر: وهو الصحيح، لكن نقل في البحر أن الأول هو الأصح وظاهر الرواية والأحاديث، قال: وبه يضعف تصحيح الدرر (ثم يتنحى عن ذلك المكان (3)) إذا كان في مستنقع الماء (فيغسل رجليه) من أثر الماء المستعمل وإلا فلا يسن إعادة غسلهما.
---
(وليس) يلازم (على المرأة أن تنقض) أي: أي تحل ضفر (ضفائرها في الغسل) حيث كانت مضفورة، وإن لم يبلغ الماء داخل الضفائر، قال في الينابيع: وهو الأصح ومثله في البدائع، وفي الهداية: وليس عليها بل ذوائبها، وهو الصحيح، وفي الجامع الحسامي: وهو المختار، وهذا (إذا بلغ الماء أصول الشعر) أي منابته، قيد بالمرأة لأن الرجل يلزمه نقض ضفائره، وإن وصل الماء إلى أصول الشعر. وبالضفائر لأن المنقوض يلزم غسل كله، وبما إذا بلغ الماء أصول الشعر لأنه إذا لم يبلغ يجب النقض.
(والمعاني الموجبة الغسل إنزال) أي: أي انفصال (المني) وهو ماء أبيض خاثر ينكسر منه الذكر عند خروجه تشبه رائحته رائحة الطلع رطبا ورائحة البيض يابسا (على وجه الدفق) أي: أي الدفع (والشهوة) أي: اللذة عند انفصاله عن مقره، وإن لم يخرج من الفرج كذلك، وشرطه أبو يوسف، فلو احتلم وانفصل منه بشهوة فلما قارب الظهور شد على ذكره حتى انكسرت شهوته ثم تركه فسال بغير شهوة: وجب الغسل عندهما، خلافاً له، وكذا إذا اغتسل المجامع قبل أن يبول أو ينام ثم خرج باقي منيه بعد الغسل وجب عليه إعادة الغسل عندهما، خلافاً له، وإن خرج بعد البول أو النوم لا يعيد إجماعاً (من الرجل والمرأة) حالة النوم واليقظة (والتقاء الختانين (4)) تثنية ختان، وهو موضع القطع من الذكر والفرج: أي محاذاتهما بغيبوبة الحشفة، قال في الجوهرة: ولو قال: "بغيبوبة الحشفة في قبل أو دبر" كما قال في الكنز؛ لكان أحسن وأعم، لأن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل، وليس ختانان يلتقيان، ولو كان مقطوع الحشفة يجب الغسل بإيلاج مقدارها من الذكر اهـ. ولو (من غير إنزال) لأنه: سبب للإنزال وهو متغيب عن البصر فقد يحفى عليه لقلته فبقام مقامه لكمال السببية (والحيض، والنفاس) أي: الخروج منهما، فما داما باقيين لا يصح الغسل.
---
(وسن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين، والإحرام) بحج أو عمرة، وكذا يوم عرفة للوقوف. قال في الهداية: وقيل هذه الأربعة مستحبة وقال: ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف، وهو الصحيح؛ لزيادة فضيلتها على الوقت واختصاص الطهارة بها، وفيه خلاف الحسن اهـ.
(وليس في المذي) وهو: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة، وفيه ثلاث لغات: الأولى سكون الذال، والثانية كسرها مع التثقيل، والثالثة الكسر مع التخفيف، ويعرب في الثالثة إعراب المنقوص. مصباح (والودي) وهو: ماء أصفر غليظ يخرج عقيب البول وقد يسبقه، يخفف ويثقل. مصباح (غسل و) لكن (فيهما الوضوء) كالبول.
---------------
(1) الدليل على انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة ما رواه أبو معبد الخزاعي قال: بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة فوقع في زبية، فاستضحك القوم، فقهقوا، فلما انصرف صلى اللّه عليه وسلم قال: (من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة) ولما كان القياس يقتضي ألا تنتقض الطهارة بالقهقهة، وكان هذا الحديث يترك القياس بمثله اقتصرنا على ما ورد الحديث فيه، وهو القهقة في صلاة ذات ركوع وسجود، لأن كل شيء ورد على خلاف ما يقتضيه القياس يقتصر به على ما ورد فيه ولا يتجاوزه.
---
(2) اعلم أنه لا خلاف بين علماء الشريعة في أنه يجوز للمغتسل أن يغسل رجليه في الوضوء الذي يندب تقديمه على الغسل، سواء أكان واقفا في مستنقع ماء أم لم يكن، ومستنقع الماء هو المكان الذي يجتمع فيه ماء الغسل. وإنما الخلاف بينهم في الأولى له، فذهب جماعة إلى أن الأولى أن يقدم غسل رجليه مع الوضوء مطلقاً، وبه أخذ الشافعي، وهو ظاهر إطلاق الكنز والدر وغيرهما، وهو أيضاً ظاهر حديث رواه البخاري في صفة غسله صلى اللّه عليه وسلم وفيه (فتوضأ وضوءه للصلاة) ومنهم من ذهب إلى أن الأولى أن يؤخر غسلهما مطلقاً، ومنهم من فصل كالمصنف فقال: إن كان المغتسل واقفاً في مكان يجتمع فيه الماء كالطشت يؤخر غسل رجليه وإلا قدمه، وجزم بهذا صاحبو الهداية والمبسوط والكافئ، أو هذا هو الأوفق؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة المختلفة الظاهر.
(3) يتنحى عن المكان: أي يبتعد عنه.
(4) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة وجب الغسل، رواه بن أبي شيبة بهذا اللفظ، ولا فصل فيه بين أن ينزل وألا ينزل، فكان دليلاً على وجوب الغسل بالتقائهما مطلقاً.
--------------------------
والطهارة من الأحداث:
جائزةٌ بماء السماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار.
ولا تجوز بما اعتصر من الشجر والثمر، ولا بماءٍ غلب عليه غيره وأخرجه عن طبع الماء، كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلا والمرق وماء الزردج.
وتجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهرٌ فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران.
وكل ماءٍ وقعت فيه نجاسةٌ لم يجز الوضوء به، قليلاً كان أو كثيراً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بحفظ الماء من النجاسة؛ فقال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة (1)". وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده".
---
وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ جاز الوضوء منه، إذا لم ير لها أثرٌ؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء. والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر.
إذا وقعت نجاسةٌ في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر؛ لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه.
وموت ما ليس له نفسٌ سائلةٌ في الماء لا ينجسه، كالبق والذباب والزنابير والعقارب وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان.
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث.
والمستعمل: كل ماءٍ أزيل به حدثٌ أو استعمل في البدن على وجه القربة.
وكل إهابٍ دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه، إلا جلد الخنزير والآدمي.
وشعر الميتة وعظمها وحافرها وعصبها وقرنها طاهر.
وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ نزحت، وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها، فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورةٌ أو صعوةٌ أو سودانيةٌ أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً، بحسب كبر الحيوان وصغره، وإن ماتت فيها حمامةٌ أو دجاجةٌ أو سنورٌ نزح منها ما بين أربعين دلواً إلى ستين.
وإن مات فيها كلبٌ أو شاةٌ أو آدميٌ نزح جميع ما فيها من الماء وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها من الماء صغر الحيوان أو كبر.
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان، فإن نزح منها بدلوٍ عظيمٍ قدر ما يسع عشرين دلواً من الدلو الوسط احتسب به.
(يتبع...)
@(تابع... 1): - والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من السبيلين، والدم والقيح... ...
وإن كانت البئر معيناً لا تنزح ووجب نزح ما فيها من الماء أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء. وقد روى عن محمد بن الحسن رحمة اللّه عليه أنه قال: ينزح منها مائتا دلوٍ إلى ثلاثمائة دلوٍ.
---
وإذا وجد في البئر فأرةٌ أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يومٍ وليلةٍ إذا كانوا توضئوا منها، وغسلوا كل شيءٍ أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيامٍ ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه اللّه، وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما اللّه: ليس عليهم إعادة شيءٍ حتى يتحققوا متى وقعت.
وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهرٌ.
وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجسٌ، وسؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة مكروهٌ، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما، فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم وبأيهما بدأ جاز.
--------------------------
(1) مذهب الإمام مالك أن الوضوء يجوز ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه لحديث الماء طهور الخ. قال في الفتح ولا يصح الاستدلال به علىالحصر وبيانه فيه. وقال الشافعي إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً كما هو نص الحديث فلا ينجس إذا كان قلتين والحديث رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر.
وأجيب بأن الحديث مضطرب في سنده وفي متنه فروى قلتين وروى قلتين أو ثلاثة وروى أربعين قلة والاضطراب يوجب الضعف. وكذا معنى القلة لأنه لفظ مشترك بين الجرة والقربة ورأس الجبل.
استدل الحنفية بحديث الصحيحين: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه وناقشهم الكمال في ذلك الاستدلال فراجعه.
--------------------------
---
(والطهارة من الأحداث) أل فيه للعهد؛ أي الأحداث التي سبق ذكرها من الأصغر والأكبر وكذا الأنجاس بالأولى، فقيد الأحداث اتفاقي، وليس للتخصيص، إلا أنه لما ذكر الطهارتين احتاج إلى بيان الآلة التي يحصلان بها (جائزة بماء السماء) من مطر وثلج وبرد مذابين (والأودية) جميع واد، وهو: كل منفرج بين جبال أو آكام يجتمع فيه السيل (والعيون) جمع عين، وهو لفظ مشترك بين حاسة البصر والينبوع وغيرهما، والمراد هنا الينبوع الجاري على وجه الأرض (والآبار) جمع بئر، وهو: الينبوع تحت الأرض (والبحار) جمع بحر، قال الصحاح: البحر خلاف البر، سمي بحراً لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم بحر. اهـ. ولعل المصنف جمعه ليشمل ذلك، ولكن إذا أطلق البحر يراد به البحر الملح.
(ولا تجوز) أي لا تصح الطهارة (بما اعتصر) بقصر "ما" على أنها موصولة، قال الأكمل: هذا المسموع (من الشجر والثمر) وفي تعبيره بالاعتصار إيماء بمفهومه إلى الجواز بالخارج من غير عصر كالمتقاطر من شجر العنب، وعليه جرى في الهداية، قال: لأنه خرج بغير علاج، ذكره في جوامع أبي يوسف. وفي الكتاب إشارة إليه حيث شرط الاعتصار اهـ. وأراد بالكتاب هذا المختصر، لكن صرح في المحيط بعدمه، وبه جزم قاضيخان: وصوبه في الكافي بعد ذكر الأول بقليل،
---
وقال الحلبي: إنه الأوجه وفي الشرنبلالية عن البرهان: وهو الأظهر. واعتمده القهستاني (ولا بماء) بالمد (غلب عليه غيره) من الجامدات الطاهرة (فأخرجه) ذلك المخالط (عن طبع الماء) وهو الرقة والسيلان، أو أحدث له اسماً على حدة، وإنما قيدت المخالط بالجامد؛ لأن المخالط إذا كان مائعا فالعبرة في الغلبة: إن كان موافقاً في أوصافه الثلاثة كالماء المستعمل فبالأجزاء، وإن كان مخالفاً فيها كالخل فبظهور أكثرها، أو في بعضها فبظهور وصف، كاللبن يخالف في اللون والطعم، فإن ظهر أو أحدهما منع، وإلا لا. وزدت "أو أحدث له اسماً على حدة" لإخراج نبيذ التمر ونحوه فإنه لا تجوز الطهارة به ولو كان رقيقا مع أن المخالط جامد، فاحرص على هذا الضابط فإنه يجمع ما تفرق من فروعهم. وقد مثل المصنف للأصلين اللذين ذكرهما على الترتيب فقال: (كالأشربة): أي المتخذة من الأشجار والثمار كشراب الريباس والرمان، وهو مثال لما اعتصر، وقوله (والخل) صالح للأصلين؛ لأنه إن كان خالصاً فهو مما اعتصر من الثمر، وإن كان مخلوطاً فهو مما غلب عليه غيره بحدوث اسم له على حدة (وماء الباقلاء) تشدد فتقصر وتخفف فتمد، وهي الفول: أي إذا طبخت بالماء حتى صار بحيث برد وثخن (والمرق) لحدوث اسم له على حدة (وماء الزردج) - بزاي معجمة وراء ودال مهملتين وجيم - وهو ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح ولا يصبغ به. مغرب. قال في التصحيح: والصحيح أنه بمنزلة ماء الزعفران، نص. عليه في الهداية، وهو اختيار الناطفي والسرخسي اهـ.
---
(وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء) جامد (طاهر فغير أحد أوصافه) الثلاثة ولم يخرجه عن طبع الماء، قال في الدراية: في قوله "فغير أحد أوصافه" إشارة إلى أنه إذا غير اثنين أو ثلاثة لا يجوز التوضؤ، وإن كان المغير طاهراً، لكن صحت الرواية بخلافه، كذا عن الكردي اهـ. وفي الجوهرة: فإن غير وصفين فعلى إشارة الشيخ لا يجوز الوضوء، لكن الصحيح أنه يجوز، كذا في المستصفى، وذلك (كماء المد): أي السيل، فإنه يختلط بالتراب، والأوراق والأشجار، فما دامت رقة الماء غالبة تجوز به الطهارة وإن تغيرت أوصافه كلها، وإن صار الطين غالباً لا تجوز (والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران) ما دام باقياً على رقته وسيلانه؛ لأن اسم الماء باق فيه، واختلاط هذه الأشياء لا يمكن الاحتراز عنه، فلو خرج عن طبعه أو حدث له اسم على حدة - كأن صار ماء الصابون أو الأشنان ثخيناً أو صار ماء الزعفران صبغاً - لا تجوز به الطهارة.
(وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به) لتنجسه (قليلا كان) الماء (أو كثيراً) تغيرت أوصافه أو لا، وهذا في غير الجاري وما في حكمه كالغدير العظيم؛ بدليل المقابل (لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر بحفظ الماء من النجاسة) بنهيه عن ضده؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده فقال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) يعني الساكن (ولا يغتسلن فيه من الجنابة) وقد استدل القائلون بنجاسة الماء المستعمل بهذا الحديث حيث قرن الاغتسال بالبول. وأجيب بأن الجنب لما كان يغلب عليه نجاسة المنى عادة جعل كالمتيقن (وقال صلى اللّه عليه وسلم) أيضا: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الماء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده) يعني لاقت محلاً طاهراً أو نجساً، ولولا أن الماء ينجسن بملاقاة لليد النجسة لم تظهر للنهي فائدة.
---
(وأما الماء الجاري) وهو: ما لا يتكرر استعماله، وقيل: ما يذهب بتبنة، هداية. وقيل: ما يعده الناس جارياً، قيل: هو الأصح فتح، وفيه: وألحقوا بالجاري حوض الحمام إذا كان الماء ينزل من أعلاه والناس يغترفون منه حتى لو أدخلت القصعة أو اليد النجسة فيه لا يبخس اهـ. (إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها): أي للنجاسة (أثر) من طعم أو لون أو ريح (لأنها لا تستقر مع جريان الماء) قال في الجوهرة: وهذا إذا كانت النجاسة مائعة، أما إذا كانت دابة ميتة: إن كان الماء يجري عليها أو على أكثرها أو نصفها لا يجوز استعماله، وإن كان يجري على أقلها وأكثره يجري على موضع طاهر وللماء قوة فإنه يجوز استعماله إذ لم يوجد للنجاسة أثر اهـ. (والغدير) قال في المختار: هو القطعة من الماء يغادرها السيل اهـ. ومثله الحوض (العظيم): أي الكبير، وهو (الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر) وهو قول العراقيين، وفي ظاهر الرواية: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، قال الزاهدي: وأصح حده، ما لا يخلص بعضه إلى بعض في رأى المبتلى واجتهاده ولا يناظر المجتهد فيه، وهو الأصح عند الكرخي وصاحب الغاية والينابيع وجماعة اهـ. وفي التصحيح: قال الحاكم في المختصر: قال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك بعشر، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال، لا أوقت فيه شيئاً؛ فظاهر الرواية أولى اهـ. ومثله في فتح القدير والبحر قائلا إنه المذهب، وبه يعمل، وإن التقدير بعشر لا يرجع إلى أصل يعتمد عليه، لكن في الهداية: وبعضهم قدر بالمساحة عشراً في عشر بذراع الكرباس توسعة للأمر على الناس، وعليه الفتوى اهـ. ومثله في فتاوى قاضيخان وفتاوى العتابي، وفي الجوهرة: وهو اختيار البخاريين، وفي التصحيح: وبه أخذ أبو سليمان، يعني الجوزجاني، قال في النهر، وأنت خبير بأت اعتبار العشر أضبط، ولاسيما في حق من لا رأى له من العوام، فلذا أفتى به المتأخرون الأعلام، اهـ. قال شيخنا
---
رحمه اللّه تعالى: ولا يخفى أن المتأخرون الأعلام اهـ. قال شيخنا رحمه اللّه تعالى: ولا يخفى أن المتأخرين الذين أفتوا بالعشر كصاحب الهداية وقاضيخان وغيرهما من أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منا؛ فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه كما لو أفتونا في حياتهم اهـ. وفي الهداية: والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف، وهو الصحيح اهـ.
(إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر) الذي لم تقع فيه النجاسة (لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه)، أي الجانب الآخر؛ لأن أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة، قال في التصحيح. وقوله جاز الوضوء من الجانب الآخر إشارة إلى أنه ينجس موضع الوقوع، وعن أبي يوسف لا ينجس إلا بظهور النجاسة فيه كالماء الجاري وقال الزاهدي: واختلفت الروايات والمشايخ في الوضوء من جانب الوقوع، والفتوى الجواز من جميع الجوانب اهـ.
(وموت ما ليس له نفس سائلة) أي دم سائل (في الماء) ومثله المائع، وكذا لو مات خارجه وألقى فيه (لا ينجسه) لأن المنجس اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت، حتى حل المذكى وطهر لانعدام الدم في، هداية، وذلك (كالبق والذباب والزنابير والعقارب) ونحوها (وموت ما) يولد و (يعيش في الماء فيه): أي الماء، وكذا المائع على الأصح، هداية وجوهرة، وكذا لو مات خارجه وألقى فيه في الأصح، درر (لا يفسده) وذلك (كالسمك، والضفدع) المائي، وقيل: مطلقا، هداية (السرطان) ونحوها، وقيدت ما يعيش في الماء بيولد لإخراج مائي المعاش دون المولد كالبط وغيره من الطيور، فإنها تفسده اتفاقاً.
---
(والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث) قيد بالأحداث للإشارة إلى جواز استعماله في طهارة الأنجاس كما هو الصحيح. قال المصنف في التقريب: روى محمد عن أبي حنيفة أن الماء المستعمل طاهر، وهو قوله، وهو الصحيح اهـ. وقال الصدر حسام الدين في الكبرى: وعليه الفتوى، وقال فخر الإسلام في شرح الجامع: إنه ظاهر الرواية وهو المختار، وفي الجوهرة: قد اختلف في صفته، فروى الحسن عن أبي حنيفة أنه نجس نجاسة غليظة، وهذا بعيد جداً، وروى أبو يوسف عنه أنه نجس نجاسة خفيفة، وبه أخذ مشايخ بلخ؛ وروى محمد عنه أنه طاهر غير مطهر للأحداث كالخل، وهو الصحيح، وبه أخذ مشايخ العراق. اهـ.
(والمستعمل: كل ماء أزيل به حدث) وإن لم يكن بنية القربة (أو استعمل في البدن) قيد به لأن غسالة الجامدات كالقدور والثياب لا تكون مستعملة (على وجه القربة) وإن لم يزل به حدث، قال في الهداية: هذا قول أبي يوسف، وقيل: هو قول أبي حنيفة أيضاً، وقال محمد: لا يصير مستعملاً إلا بإقامة القربة، لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام إليه، وإنما تزال بالقرب، وأبو يوسف يقول: إسقاط الفرض مؤثر أيضاً، فيثبت الفساد بالأمرين جميعاً اهـ. وقال أبو نصر الأقطع: وهذا الذي ذكره هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ومحمد، وفي الهداية: ومتى يصير مستعملاً؟ الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملاً. لأن سقوط الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده اهـ.
---
(وكل إهاب) وهو الجلد قبل الدباغة، فإذا دبغ صار أديما (دبغ) بما يمنع النتن والفساد ولو دباغة حكمية كالترتيب والتشميس لحصول المقصود بها (فقد طهر) وما يطهر بالدباغة يطهر بالذكاة، هداية (و) إذا طهر (جازت الصلاة) مستتراً (فيه) وكذا الصلاة عليه (والوضوء منه، إلا جلد الخنزير) فلا يطهر النجاسة العينية (و) جلد (الآدمي) للكرامة الإلهية، وألحقوا بهما ما لا يحتمل الدباغة كفأرة صغيرة، وأفاد كلامه طهارة جلد الكلب والفيل، وهو المعتمد.
(وشعر الميتة) المجزوز، وأراد غير الخنزير لنجاسة جميع أجزائه، ورخص في شعره للخزازين للضرورة، لأنه لا يقوم غيره مقامه عندهم، وعن أبي يوسف أنه كرهه لهم أيضاً (وعظمها وقرنها) الخالي عن الدسومة، وكذا كل ما لا تحله الحياة منها كحافرها وعصبها على المشهور (طاهر) وكذا شعر الإنسان وعظمه، هداية.
(وإذا وقعت في البئر) الصغيرة (نجاسة) مائعة مطلقاً، أو جامدة غليظة، بخلاف الخفيفة كالبعر والروث فقد جعل القليل منها عفواً للضرورة، فلا تفسد إلا إذا كثر، وهو: ما يستكثره الناظر في المروى عن أبي حنيفة، وعليه الاعتماد، ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر، لأن الضرورة تشمل الكل كما في الهداية (نزحت): أي البئر، والمراد ماؤها من ذكر المحل وإرادة الحال (وكان نزح ما فيها من الماء طهارة): أي مطهراً (لها) بإجماع السلف؛ ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس، هداية. وفي الجوهرة: وفي قوله "طهارة لها" إشارة إلا أنه يطهر الوحل والأحجار والدلو والرشاء "طهارة لها" إشارة إلى أنه يطهر الوحل والأحجار والدلو والرشاء ويد النازح. اهـ. وهذا إذا كانت النجاسة غير حيوان.
(يتبع...)
@(تابع... 2): - والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما خرج من السبيلين، والدم والقيح... ...
---
وأما حكم الحيوان فذكره بقوله: (فإن ماتت فيها) أو خارجها وألقيت فيها (فأرة أو عصفورة أو صعوة) كتمرة - عصفورة صغيرة حمراء الرأس. مصباح (أو سودانية) طويرة طويلة الذنب على قدر قبضة. مغرب (أو سام) بتشديد الميم (أبرص) أي الوزع، والعوام تقول له "أبو بريص" أو ما قاربها في الجثة (نزح منها) بعد إخراج الواقع فيها (ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين دلواً) العشرين بطريق الإيجاب، والثلاثين بطريق الاستحباب. هداية. وفي الجوهرة: وهذا إذا لم تكن الفأرة هاربة من الهرة ولا مجروحة، وإلا ينزح جميع الماء وإن خرجت حية، لأنها تبول إذا كانت هاربة، وكذا الهرة إذا كانت هاربة من الكلب، أو مجروحة، لأن البول والدم نجاسة مائعة. اهـ. باختصار، ثم قال: وحكم الفأرتين الثلاث والأربع كالواحدة؛ والخمس كالهرة إلى التسع، والعشر كالكلب، وهذا عند أبي يوسف، وقال محمد؛ الثلاث كالهرة، والست كالكلب. اهـ. (بحسب كبر الحيوان وصغره) الكبر والصغر - بضم الأول وإسكان الثاني - للجثة، وهو المراد هنا، وبكسر الأول وفتح الثاني: للسن، قال في الجوهرة: ومعنى المسألة إذا كان الواقع كبيراً والبئر كبيرة فالعشر مستحبة، وإن كانا صغيرين فالاستحباب دون ذلك، وإن كان أحدهما صغيراً والآخر كبيراً فخمس مستحبة وخمس دونها في الاستحباب اهـ.
(وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سنور) أي هرة (نزح منها) بعد إخراج الواقع (ما بين أربعين دلواً إلى ستين) دلواً، وفي الجامع الصغير: أربعون، أو خمسون، وهو الأظهر. هداية، وفي الجوهرة: وفي السنورين والدجاجتين والحمامتين ينزح الماء كله اهـ.
(وإن مات فيها كلب أو شاة أو آدمي نزح جميع ما فيها) قيد بموت الكلب لأنه إذا خرج حياً ولم يصب فمه الماء لا ينجس الماء، شرنبلالي، وإذا وصل لعاب الواقع إلى الماء أخذ حكمه: من نجاسة، وشك، وكراهة، وطهارة.
---
(وإن انتفخ الحيوان) الواقع (فيها أو تفسخ) ولو خارجها ثم وقع فيها، ذكره الواني، وكذا إذا تمعط شعره، جوهرة (نزح جميع ما فيها) من الماء (صغر الحيوان) الواقع (أو كبر) فلا فرق بينهما لانتشار البلة في أجزاء الماء هداية.
(وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط) وهو (المستعمل للآبار) أي؛ أكثرها (في) أكثر (البلدان) لأن الأخبار وردت مطلقة فيحمل على الأعم الأغلب،
ولكن قال في الهداية: ثم المعتبر في كل بئر دلوها التي يستقى بها منها، وقيل: دلو يسع صاعا اهـ. واختاره غير واحد.
(فإن نزح منها بدلو عظيم) مرة واحدة (قدر ما يسع عشرين دلوا) مثلا (من الدلو الوسط احتسب به) أي: بذلك القدر وقام مقامه لحصول المقصود مع قلة التقاطر.
(وإن كانت البئر معيناً) أي: ينبع الماء من أسفلها بحيث (لا تنزح) أي: لا يفنى ماؤها، بل كلما نزح من أعلاها نبع من أسفلها (و) قد (وجب نزح) جميع (ما فيها) بوجه من الوجوه المارة (أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء) وقت ابتداء النزح، نقله الحلبي عن الكافي، وطريق معرفته أن يحفر حفيرة بمثل موضع الماء في البئر ويصب فيها ما ينزح من البئر إلى أن تمتلئ، وله طرق أخرى، وهذا قول أبي يوسف (وقد روى عن محمد بن الحسن رحمه اللّه تعالى (أنه قال: ينزح منها مائتان دلو إلى ثلاثمائة) بذلك أفتى في آبار بغداد لكثرة مائها بمجاورتها لدجلة، كذا في السراج، وفي قوله "مائتا دلو إلى ثلاثمائة" إشارة إلى أن المائة الثالثة مندوبة، ويؤيده ما في المبسوط: وعن محمد في النوادر ينزح ثلاثمائمة دلو أو مائتا دلو. اهـ. وجعله في العناية رواية عن الإمام، وهو المختار والأيسر كما في الاختيار، وكان المشايخ إنما اختاروا قول محمد لانضباطه كالعشر تيسيراً. نهر باختصار.
---
(وإذا وجد في البئر فأرة أو غيرها) مما يفسد الماء (ولا يدرون) ولا غلب على ظنهم، قهستاني (متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها) عن حدث (وغسلوا) الثياب عن خبث، وإلا بأن توضئوا عن غير حدث أو غسلوا ثياب صلاتهم عن غير خبث غسلوا الثياب و (كل شيء أصابه ماؤها) ولا يلزمهم إعادة الصلاة إجماعا، جوهرة (وإن انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها) وذلك (في قول أبي حنيفة رحمه اللّه) لأن للموت سبباً ظاهراً، وهو الوقوع في الماء؛ فيحال عليه، إلا أن الانتفاخ دليل التقادم فيتقدر بالثلاث، وعدمه دليل قرب العهد فيقدر بيوم وليلة؛ لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها. هداية (وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما اللّه تعالى: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحققوا متى وقعت) لأن اليقين لا يزال بالشك، وصار كمن رأى في ثوبه نجاسة لا يدري متى أصابته هداية، وفي التصحيح: قال في فتاوى العتابي: قولهما هو المختار. قلت: ولم يوافق على ذلك؛ فقد اعتمد قول الإمام البرهاني والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، ورجح دليله في جميع المصنفات، وصرح في البدائع أن قولهما قياس وقوله هو الاستحسان وهو الأحوط في العبادات اهـ.
(وسؤر الآدمي): أي بقية شربه، يقال: إذا شربت فأستر: أي أبق شيئاً من الشراب (وما يؤكل لحمه طاهر) ومنه الفرس، قال في الهداية: وسؤر الفرس طاهر عندهما؛ لأن لحمه مأكول، وكذا عنده على الصحيح؛ لأن الكراهة لإظهار شرفه اهـ. ثم السؤر الطاهر بمنزلة الماء المطلق.
---
(وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم) وهي: كل ذي ناب يصاد به، ومنه الهرة البرية (نجس (1)) بخلاف الأهلية، لعلة الطواف كما نص عليه بقوله: (وسؤر الهرة) أي: الأهلية (والدجاجة المخلاة) لمخالطة منقارها النجاسة ومثله إبل وبقر جلالة (وسباع الطير) وهي؛ كل ذي مخلب يصيد به (وما يسكن البيوت مثل الحية والفأرة) طاهر مطهر، لكنه (مكروه) استعماله تنزيهاً في الأصح إن وجد غيره، وإلا لم يكره أصلا كأكله لفقير. در (وسؤر الحمار والبغل) الذي أمه حمارة (مشكوك فيهما) أي: في طهورية سؤرهما، لا في طهارته، في الأصح (2) هداية (فإن لم يجد غيرهما) يتوضأ به أو يغتسل (توضأ بهما) أو اغتسل (وتيمم، وبأيهما بدأ جاز) في الأصح.
--------------
(1) اختلف الأحناف أنفسهم في أن الكلب نجس العين فلا يطهر بالدباغ أو غير نجس العين فيطهر بها والأصح عندهم أنه ليس ينجس العين لأنه ينتفع به حراسة واصطياداً راجع الفتح والعناية.
(2) الأصح أن الشك في طهوريته أي في كونه مطهر لغيره مع كونه طاهرا قال في الهداية يروى نص محمد رحمه اللّه على طهارته وسبب الشط تعارض الأدلة في إباحته وحرمته ففي حديث خيبر حين طبخ بعض الصحابة بعض الحمر فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم منادياً ينادي بأكفاء القدر ورقائها رجس وقد رواه الطحاوي وغيره يفيد الحرمة وحديث غالب بن أجبر وكان لا يملك إلا الحمر الأهلية. فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم كل من سمين مالك يفيد الحل هذا مع اختلاف الصحابة فيه.
--------------------------
باب التيمم.
- ومن لم يجد الماء وهو مسافرٌ أو خارج المصر بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر، أو كان يجد الماء إلا أنه مريضٌ فخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد، أو يمرضه فإنه يتيمم بالصعيد.
والتيمم ضربتان: يمسح بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين؛ والتيمم من الجنابة والحدث سواءٌ.
---
ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمدٍ بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ.
وقال أبو يوسف رحمه اللّه: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصةً والنية فرضٌ في التيمم مستحبةٌ في الوضوء.
وينقض التيمم كل شيءٍ ينقض الوضوء، وينقضه أيضاً رؤية الماء إذا قدر على استعماله.
ولا يجوز التيمم إلا بصعيدٍ طاهرٍ.
ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد الماء توضأ به وصلى، وإلا تيمم.
ويصلى بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل.
ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازةٌ والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة فإنه يتيمم ويصي وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيدين فإنه يتيمم ويصلي؛ وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة الجمعة لم يتيمم ولكنه يتوضأ، فإن أدرك الجمعة صلاها، وإلا صلى الظهر أربعاً، وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمم، ولكنه يتوضأ ويصلي فائتةٍ.
والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء في الوقت لم يعد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمدٍ رحمهما اللّه. وقال أبو يوسف: ويعيدها.
وليس على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماءً أن يطلب الماء، فإن غلب على ظنه أن هناك ماءً لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه، وإن كان مع رفيقه ماءٌ طلبه منه قبل أن يتيمم، فإن منعه منه تيمم وصلى.
--------------------------
باب التيمم
هو لغة: القصد، وشرعاً: قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة.
ولما بين الطهارة الأصلية عقبها بخلفها، وهو التيمم، لأن الخلف أبدأ يقفو الأصل، فقال:
---
(ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو) كان (خارج المصر) و (بينه وبين المصر) الذي فيه الماء (نحو الميل ) هو المختار في المقدار، هداية واختيار. ومثله كان في المصر بينه وبين الماء هذا المقدار، لأن الشرط هو العدم، فأينما تحقق جاز التيمم بحر عن الأسرار، وإنما قال "خارج المصر"، لأن المصر لا يخلو عن الماء، والميل في اللغة: منتهى مد البصر، وقيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال، لأنها بنيت كذلك كما في الصحاح، والمراد هنا أربعة آلاف خطوة المعبر عنها بثلث فرسخ (قال بعضهم: أن يكون بحيث لا يسمع الآذان، وقيل: إن كان الماء أمامه فميلان، وإن كان خلفه أو يمينه أو يساره فميل، وقال زفر: إن كان بحال يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجوز له التيمم، وإلا فيجوز وإن قرب، وعن أبي يوسف: إن كان بحيث إذا ذهب إليه وتوضأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره يجوز له التيمم جوهرة وإنما قال (أو أكثر) لأن المسافة المذكورة إنما تعرف بالحزر والظن، فلو كان في ظنه نحو الميل أو أقل لا يجوز، وإن كان نحو الميل أو أكثر جاز، ولو تيقن أنه ميل جاز. جوهرة (أو كان يجد الماء إلا أنه مريض) يضره استعمال الماء (فخاف) بغلبة الظن أو قول حاذق مسلم (إن استعمل الماء اشتد) أو امتد (مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء) البارد (أن يقتله البرد أو يمرضه، فإنه يتيمم بالصعيد) قال في الجوهرة: هذا إذا كان خارج المصر إجماعا وكذا في المصر أيضاً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما وقيد بالغسل: لأن المحدث في المصر إذا خاف من التوضؤ الهلاك من البرد يجوز له التيمم إجماعاً على الصحيح كذا في المستصفى اهـ. والصعيد: اسم لوجه الأرض، سمى به لصعوده.
---
(والتيمم ضربان) وهما ركنان (يمسح بإحداهما) مستوعباً (وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين) أي: معهما، قال في الهداية: ولابد من استيعاب في ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء، ولهذا قالوا: يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتم المسح. اهـ. (والتيمم من الجنابة) والحيض والنفاس (والحدث سواء) فعلا ونية. جوهرة.
(ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللّه بكل ما كان من جنس الأرض) غير منطبع ولا مترمد (كالتراب) قدمه لأنه مجمع عليه (والرمل والحجر والجص) بكسر الجيم وفتحها - ما يبنى به، وهو معرب. صحاح: أي الكلس (والنورة) بضم النون - حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر. مصباح (والكحل والزرنيخ) ولا يشترط أن يكون عليها غبار، وكذا يجوز بالغبار مع القدرة على الصعيد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللّه تعالى هداية.
(وقال أبو يوسف رحمه اللّه تعالى: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة) وعنه لا يجوز إلا بالتراب فقط، وفي الجوهرة: والخلاف مع وجود التراب، أما إذا عدم فقوله كقولهما.
(والنية فرض في التيمم) لأن التراب ملوث؛ فلا يكون مطهراً إلا بالنية و (مستحبة في الوضوء) لأن الماء مطهر بنفسه؛ فلا يحتاج إلى نية التطهير.
(وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء) لأنه خلف عنه؛ فأخذ حكمه (وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله) لأن القدرة هي المراد بالوجود الذي هو غاية لطهورية التراب، وخائف العدو والسبع والعطش عاجز حكما، والنائم عند أبي حنيفة قادر تقديراً، حتى لو مر النائم المتيمم على الماء بطل تيممه، والمراد ماء يكفي للوضوء؛ لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء فكذا انتهاء. هداية.
(ولا يجوز التيمم إلا بالصعيد الطاهر) لأن الطيب أريد به الطاهر (1)، ولأنه آلة التطهير، فلابد من طهارته في نفسه كالماء. اهـ. هداية. ولا يستعمل التراب بالاستعمال، فلو تيمم واحد من موضع وتيمم آخر بعده منه جاز.
---
(ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت) المستحب على الصحيح (فإن وجد الماء توضأ به) ليقع الأداء بأكمل الطهارتين (وإلا تيمم) ولو لم يؤخر وتيمم وصلى جاز لو بينه وبين الماء ميل، وإلا لا، در. قال الإمام حافظ الدين: هذه المسألة تدل على أن الصلاة في أول الوقت عندنا أفضل، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة كتكثير الجماعة اهـ.
(ويصلى) المتيمم (بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل) لأنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما في شرطه (2).
--------------
(1) الطيب في النص الكريم وهو قوله سبحانه فتيمموا صعيداً طيباً المراد به الطاهر بالإجماع فلو تيمم بغبار ثوب نجس لا يجوز إلا إذا وقع عليه ذلك الغبار بعد جفافه فإنه لا يكون نجساً.
(2) أما الإمام الشافعي رحمه اللّه فيرى وجوب التيمم لكل فرض وعدم صحة صلاة فرضين بتيمم واحد لأن التيمم طهارة ضرورية وهو يجيز النوافل المتعددة بالتيمم الواحد تبعاً للفرض. وعند الحنيفة أنه طهارة مطلقة غير مقيدة وهو معنى قول الشارج إنه طهور حال عدم الماء فيعمل عمله ما بقي شرطه وهو عدم الماء ويستدلون على ذلك بأنه سبحانه شرع التيمم حال عدم الماء حيث قال فلم تجدوا ماء فتيمموا فتبقى الطهارة ببقائه ويؤيده إطلاقه قوله صلى اللّه عليه وسلم التراب طهور والمسلم ولو إلى عشر حجج مالم - يجد الماء. وقوله جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً والطهور هو المطهر فتبقى طهوريته إلى غايتها من وجود الماء أو ناقض آخر.
---
(ويجوز التيمم للصحيح) قيد به لأن المريض لا يتقيد بحضور الجنازة (في المصر) قيد به لأن الفلوات يغلب فيها عدم الماء؛ فلا يتقيد بحضور الجنازة (إذا حضرت جنازة والولي غيره) قيد به لأنه إذا كان الولي لا يجوز له على الصحيح؛ لأن له حق الإعادة فلا فوات في حقه كما في الهداية (فخلف إن اشتغل بالطهارة) بالماء (أن تفوته الصلاة فإنه يتيمم ويصلي)؛ لأنها لا تقضى (وكذلك من حضر) صلاة (العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيد فإنه يتيمم ويصلي)؛ لأنها لا تقضى أيضاً (وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة) بالماء (أن تفوته صلاة الجمعة لم يتيمم)؛ لأنها لها خلف (ولكنه يتوضأ فإن أدرك الجمعة صلاها وإلا): أي لم يدرك الجمعة (صلى الظهر أربعاً) قيد به لإزالة الشبهة حيث كانت الجمعة خلفاً عن الظهر عندنا، فربما ترد الشبهة على السامع أنه يصلي ركعتين (وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمم)؛ لأنه يقضي (ولكنه يتوضأ ويصلي) إن فات الوقت (فائتة) أي: قضاء.
---
(والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء) بعد ذلك (في الوقت) أو بعده، جوهرة (لم يعد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللّه)؛ لأنه لا قدرة بدون العلم، وهي المراد بالوجود، هداية (وقال أبو يوسف: يعيدها)؛ لأن رحل المسافر معدن الماء عادة فيفترض الطلب عليه، والخلاف فيما إذا وضعه بنفسه أو غيره بأمره، وإلا فلا إعادة اتفاقاً، قيد الذكر بما بعد الصلاة حيث قال "ثم ذكر الماء"؛ لأنه إذا ذكر وهو في الصلاة يقطع ويعيد إجماعاً، وقيد بالنسيان احترازاً مما إذا شك أو ظن أن ماءه فنى فصلى بالتيمم ثم وجده فإنه يعيد إجماعاً، وقيد بقوله "في رحله" لأنه لو كان على ظهره أو معلقاً في عنقه أو موضوعاً بين يديه فنسيه وتيمم لا يجوز إجماعاً؛ لأنه نسي ما لا ينسى فلا يعتبر نسيانه، وكذا لو كان في مؤخر الدابة وهو سائقها أو في مقدمها وهو قائدها أو راكبها لا يجوز إجماعاً، جوهرة.
---
(وليس) بلازم (على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء أن يطلب الماء) قال في الجوهرة: هذا في الفلوات أما في العمران فيجب الطلب؛ لأن العادة عدم الماء في الفلوات، وهذا القول يتضمن ما إذا شك وما إذا لم يشك، لكن يفترقان؛ فيما إذا شك يستحب له الطلب مقدار الفلوة، ومقدارها ما بين ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة، وإن لم يشك يتيمم اهـ. (فإن غلب على ظنه أن هناك ماء) بأمارة أو إخبار عدل (لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه) مقدار الغلوة، ولا يبلغ ميلا؛ كيلا ينقطع عن رفقته، هداية، ولو بعث من يطلبه كفاه عن الطلب بنفسه، وإن تيمم من غير طلب وصلى ثم طلبه فلم يجده وجب عليه الإعادة عندهما، خلافاً لأبي يوسف، جوهرة (وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمم) لعدم المنع غالباً (فإن منعه تيمم وصلى) لتحقق العجز، ولو تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير، وقالا: لا يجزئه؛ لأن الماء مبذول عادة، واختاره في الهداية، ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل وعنده ثمنه لا يجزئه التيمم؛ لتحقق القذرة، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش؛ لأن الضرر مسقط، هداية.
--------------------------
باب المسح على الخفين.
- المسح على الخفين جائزٌ بالسنة من كل حدثٍ موجبٍ للضوء إذا لبس الخفين على طهارةٍ كاملةٍ ثم أحدث.
فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلةً، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيامٍ ولياليها، وابتداؤها عقيب الحدث.
والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع، يبدأ من رؤس أصابع الرجل إلى الساق.
وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد.
ولا يجوز المسح على خف فيه خرقٌ كبيرٌ يبين منه مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل، وإن كان أقل من ذلك جاز.
ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل.
---
وينقض المسح ما ينقض الوضوء، وينقضه أيضاً نزع الخف، ومضي المدة، فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى، وليس عليه إعادة بقية الوضوء.
ومن ابتدأ المسح وهو مقيمٌ فسافر قبل تمام يومٍ وليلةٍ مسح ثلاثة أيامٍ ولياليها، ومن ابتدأ المسح وهو مسافرٌ ثم أقام، فإن كان مسح يوماً وليلةً أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه وإن كان مسح أقل من يومٍ وليلةٍ تمم مسح يومٍ وليلةٍ.
ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه.
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعلين. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء (1) ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة (2) والبرقع والقفازين.
ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوءٍ، فإن سقطت عن غير برءٍ لم يبطل المسح، وإن سقطت عن برءٍ بطل المسح.
--------------------------
(1) كثيرا ما تلجئ الضرورة إلى فعل الرخصة ويظهر الحاجة إلى بحثها وفحصها عند الضرورة الملجئة والمرض والبرد الشديد ضرورة قد تدعو إلى المسح على الجورب وروى الترمذي عن المغيرة أنه صلى اللّه عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والمنعلين والعطف للمغايرة وتخصيص الجواز بوجود النعل قصر للدليل وتخصيص بلا مخصص هذه وجهة نظر الصاحبين وقد رجع الإمام إلى قولهما فعلاً وقولاً فمسح على جوربيه وقال فعلت ما كنت أمنع الناس عنه فاستدل به الأحناف على رجوعه إلى قولهما.
(2) يروى عن الأوزاعي وأحمد وأهل الظاهر والشافعي في أحد قوليه جواز ذلك لما صح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه. وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه بعث سرية فأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ وهي العمائم والتساخين وهي الخفاف ومقتضى هذا لنقل الجوار وفيه يسر على الأمة وقول الحنفية إنه ثبت على خلاف القياس يمكن أن يعارض بأن هذا أيضا ثبت كذلك.
--------------------------
باب المسح على الخفين
---
عقبه للتيمم لأن كلا منهما مسح، ولأن كل منهما بدل عن الغسل، وقدم التيمم لأنه بدل عن الكل، وهذا بدل عن البعض.
(المسح على الخفين جائز بالسنة) والأخبار فيه مستفيضة (1) حتى قيل: إن من لم يره كان. مبتدعا. ولكن من رآه ثم لم يمسح آخذاً بالعزيمة كان مأجوراً، هداية، وفي قوله "بالسنة" إشارة إلى رد القول بأن ثبوته بالكتاب على قراءة الخفض، (من كل حدث موجب للوضوء) احترازاً عما موجبه الغسل، لأن الرخصة للحرج فيما يتكرر، ولا حرج في الجنابة ونحوها (إذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث): أي بعد إكمال الطهارة، وإن لم تكن كاملة عند اللبس - كأن غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة بعده بحيث لم يحدث إلا بعد إكمال الطهارة جاز له المسح.
فإن كان مقيماً مسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً مسح ثلاثة أيام ولياليها ابتداؤها عقيب الحدث) لأن الخف مانع سراية الحدث؛ فتعتبر المدة من وقت المنع.
(والمسح على الخفين) محله (على ظاهرهما)، فلا يجوز على باطن الخف وعقبه وساقه، لأنه معدول عن القياس، فيراعى فيه جمع ما ورد به الشرع، هداية، والسنة أن يكون المسح (خطوطاً بالأصابع) فلو مسح براحته جاز، و (يبدأ) بالمسح (من رءوس أصابع الرجل إلى) مبدأ (الساق) ولو عكس جاز.
(وفرض ذلك) المسح (مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد) طولاً وعرضاً، وقال الكرخي: من أصابع الرجل، والأول أصح اعتباراً لآلة المسح، هداية.
---
(ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير) بموحدة أو مثلثة - وهو (ما يبين منه مقدار ثلاث أصابع من) أصغر (أصابع الرجل) وهذا لو الخرق على غير أصابعه وعقبه، فلو على الأصابع اعتبر نفسها، ولو كباراً، ولو على العقب اعتبر بدو أكثره؛ ولو لم ير القدر المانع عند المشي لصلابته لم يمنع، وإن كثر، كما لو انفتقت الظهارة دون البطانة، در (وإن كان) الخرق (أقل من ذلك) القدر المذكور (جاز) المسح عليها، لأن الأخفاف لا تخلو عن قليل الخرق عادة، فيلحقهم الحرج في النزع، وتخلو عن الكثير فلا حرج، هداية.
(ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل) والمنفي لا يلزم تصويره، فالاشتغال به اشتغال بما لا يلزم تحصيله (2).
--------------
(1) قال بعضهم إن المسح على الخفين ثابت بالقرآن على قراءة الجر فقراءة النصب تحمل على الغسل حال تجرد الرجل وقراءة الجر تحمل على المسح حال استتار الرجل بالخف وهذا باطل لأن المسح على الخف لا يكون مسحاً على الرجل لا حقيقة ولا حكماً وإنما هو ثابت بالسنة القولية والعملية فالعملية حديث المغيرة السابق وغيره والقولية حديث مسلم يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أياماً بلياليها. والأخبار في المسح على الخفين مستفيضة قال أبو حنيفة ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين لأن الأخبار فيه من حيز التزاتر. وقال أبو يوسف خبر المسح يجوز نسخ الكتاب به لشهرته. وقال أحمد ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما رفعوا وما وقفوا وروى ابن المنذر في آخرين عن الحسن قال: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه عليه السلام مسح على الخفين وقد أطال صاحب الفتح وصاحب العناية في ذلك فارجع إليهما.
---
(2) المنفي هو المسح على الخفين للجنب وما دام غير جائز فلا داعي للبحث عنه وروى الترمذي والنسائي وقال حديث حسن صحيح عن صفوان بن عسال قال: (كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة. ولكن من غائط وبول ونوم).
(وينقض المسح) على الخفين (ما ينقض الوضوء)؛ لأنه بعضه (وينقضه أيضا نزع الخف) لسراية الحدث إلى القدم حيث زال المانع، وكذا نزع أحدهما لتعذر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة، (و) ينقضه أيضا (مضي المدة) المؤقتة له (فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه) فقط (وصلى، وليس عليه بقية الوضوء وكذا إذا نزع قبل المدة، لأنه عند النزع ومضى المدة يسري الحدث السابق إلى القدمين، فصار كأنه لم يغسلهما، وحكم النزع يثبت بخروج القدم إلى الساق، لأنه معتبر به في حق المسح، وكذا بأكثر القدم، هو الصحيح، هداية.
(ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل إتمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها)، لأنه حكم متعلق بالوقت فيعتبر فيه آخره، بخلاف ما إذا استكمل المدة ثم سافر لأن الحدث قد سرى إلى القدم، والخلف ليس بدافع، هداية (ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام) بأن دخل مصره أو نوى الإقامة في غيره (فإن كان) استكمل مدة الإقامة بأن كان (مسح يوماً وليلة أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه)، لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه (وإن كان) لم يستكمل مدة الإقامة بأن كان (مسح أقل من يوم وليلة تمم مسح يوم، وليلة) لأنها مدة الإقامة وهو مقيم.
(ومن لبس الجرموق) وهو ما يلبس فوق الخف، والجمع الجراميق، مثل عصفور وعصافير، مصباح، ويقال له: الموق (فرق الخف مسح عليه) بشرط لبسه على طهارة، وكونه لو انفرد جاز المسح عليه، بخلاف ما إذا لبسه بعد ما أحدث، أو كان من كرباس أو فيه خرق مانع فلا يصح.
---
(ولا يجوز المسح على الجوربين) رقيقن كانا أو ثخينين (عند أبي حنيفة) رضي اللّه عنه (إلا أن يكونا مجلدين) أي جعل الجلد على ما يستر القدم منهما إلى الكعب (أو منعلين) أي جعل الجلد على ما يلي الأرض منهما إلى الكعب (أو منعلين) أي جعل الجلد على ما يلي الأرض منهما خاصة، كالنعل للرجل (وقال أبو يوسف ومحمد) رحمهما اللّه (يجوز المسح على الجوربين) سواء كانا مجلدين أو منعلين أو لا (إذا كانا ثخينين) بحيث يستمسكان على الرجل من غير شد، و (لا يشفان الماء) إذا مسح عليهما: أي لا يجذبانه، وينفذانه إلى القدمين، وهو تأكيد للثخانة. قال في التصحيح؛ وعنه أنه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى، هداية اهـ.
وحاصله - كما في شرح الجامع لقاضيخان - ونصه: ولو مسح على الجوربين فإن كانا ثخينين منعلين جاز بالاتفاق، وإن لم يكونا ثخينين منعلين لا يجوز بالاتفاق، وإن كانا ثخينين غير منعلين لا يجوز في قول الإمام خلافا لصاحبيه، وروى أن الإمام رجع إلى قولهما في المرض الذي مات فيه اهـ.
(ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة) بفتح القاف وضم السين - وهي في الأصل ما يجعله الأعاجم على رءوسهم أكبر من الكوفيه، ثم أطلق على ما تدار عليه العمامة (والبرقع) ما تجعله المرأة على وجهها (والقفازين) تثنية قفاز - كعكاز - ما يجعله على اليدين له أزرار تزر على الذراعين يلبسان من شدة البرد ويتخذه الصياد من جلد أو لبد يغطي به الكف والأصابع اتقاء مخالب الصقر، وذلك لأن المسح على الخف ثبت بخلاف القياس فلا يلحق به غيره.
---
(ويجوز المسح على الجبائر) جمع جبيرة، وهي: عيدان تلف بخرق أو ورق وتربط على العضو المنكسر (وإن شدها على غير وضوء) أو جنباً، لأن في اشتراط الطهارة في تلك الحال حرجا وهو مدفوع، ولأن غسل ما تحتها قد سقط وانتقل إليها بخلاف الخف (فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح)، لأن العذر قائم والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقياً (وإن سقطت عن برء بطل المسح) لزوال العذر، وإن كان في الصلاة استقبل، لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، هداية.
--------------------------
باب الحيض.
- أقل الحيض ثلاثة أيامٍ ولياليها، وما نقص عن ذلك فليس بحيضٍ وهو استحاضةٌ. وأكثر الحيض عشرة أيامٍ ولياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ. وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيضٌ حتى ترى البياض الخالص.
والحيض يسقط عن الحائض الصلاة، ويحرم عليها الصوم، وتقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، ولا تدخل المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها.
ولا يجوز لحائضٍ ولا جنبٍ قراءة القرآن. ولا يجوز لمحدثٍ مس المصحف إلا أن يأخذه بغلافه.
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيامٍ لم يجز وطؤها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاةٍ كاملٌ، فإن انقطع دمها لعشرة أيامٍ جاز وطؤها قبل الغسل.
والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري.
وأقل الطهر خمسة عشر يوماً ولا غاية لأكثره.
ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيامٍ أو أكثر من عشرة أيامٍ؛ فحكمه حكم الرعاف الدائم: لا يمنع الصوم، ولا الصلاة، ولا الوطء،
وإذا زاد الدم على عشرة أيامٍ وللمرأة عادةٌ معروفةٌ ردت إلى أيامها عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ، وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضةً فحيضها عشرة أيامٍ من كل شهرٍ، والباقي استحاضةٌ.
---
والمستحاضة، ومن به سلس البول، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ - يتوضئون لوقت كل صلاةٍ؛ فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم، وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاةٍ أخرى.
والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، والدم الذي تراه الحامل وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج الولد استحاضةٌ، وأقل النفاس لا حد له، وأكثره أربعون يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ، وإذا تجاوز الدم الأربعين، وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادةٌ في النفاس ردت إلى أيام عادتها، وإن تكن لها عادةٌ فابتداء نفاسها أربعون يوماً، ومن ولدت ولدين في بطنٍ واحدٍ.
فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد وزفرٌ: نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثاني.
--------------------------
باب الحيض
لما ذكر الأحداث التي يكثر وقوعها عقبها بذكر ما يقل، وعنون بالحيض لكثرته وأصالته، وإلا فهي ثلاثة: حيض، ونفاس، واستحاضة.
فالحيض: لغة؛ السيلان، وشرعاً: دم من رحم امرأة سليمة عن داء.
(أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها) الثلاث؛ فالإضافة لبيان العدد المقدر بالساعات الفلكية لا للاختصاص؛ فلا يلزم كونها ليالي تلك الأيام، فلو رأته في أول النهار تكمل كل يوم بالليلة المستقبلة (وما نقص عن ذلك فليس بحيض، و) إنما (هو استحاضة) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: "أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام" (1)،
---
وعن أبي يوسف يومان وأكثر الثالث، إقامة للأكثر مقام الكل، قلنا: هذا نقص عن تقدير الشرع، هداية (وأكثره عشرة أيام و) عشر لياليها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة)؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به (وما تراه المرأة من الحمرة) والسواد، إجماعاً (والصفرة والكدرة) والتربية، على الأصح (في أيام الحيض فهو حيض حتى ترى البياض الخالص) قيل: هو شيء يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض. وقيل: هو القطن الذي تختبر المرأة نفسها إذا خرج أبيض فقد طهرت جوهرة.
(والحيض يسقط عن الحائض الصلاة) لأن في قضائها حرجا لتضاعفها (ويحرم عليها الصوم) لأنه ينافيه، ولا يسقطه؛ لعدم الحرج في قضائه، ولذا قال: (وتقضي) أي الحائض والنفساء (الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا تدخل) الحائض وكذا النفساء والجنب (المسجد، ولا تطوف بالبيت، ولا يأتيها زوجها) لحرمة ذلك كله (2).
(ولا يجوز لحائض) ولا نفساء (ولا جنب قراءة القرآن) وهو بإطلاقه يعم الآية وما دونها، وقال الطحاوي: يجوز لهم ما دون الآية، والأول أصح، قالوا: إلا أن لا يقصد بما دون الآية القراءة، مثل أن تقول: "الحمد للّه" يريد الشكر أو "بسم اللّه" عند الأكل أو غيره، فإنه لا بأس به؛ لأنهما لا يمنعان من ذكر اللّه، جوهرة، (و) كذا ( لا يجوز) لهم ولا (لمحدث مس المصحف) ولا حمله (إلا أن يأخذه بغلافه) المتجافي كالجراب والخريطة، بخلاف المتصل به كالجلد المشرز، هو الصحيح، وكذا لا يجوز له وضع الأصابع على الورق الكتوب فيه؛ لأنه تبع له، وكذا مس شيء مكتوب فيه شيء من القرآن من لوح أو درهم أو غير ذلك، إذا كان آية تامة، إلا بصرته، وأما كتب التفسير فلا يجوز له مس موضع القرآن منها، وله أن يمس غيره، بخلاف المصحف؛ لأن جميع ذلك تبع له، والكل من الجوهرة.
---
(وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام) ولو لتمام عادتها (لم يجز) أي لم يحل (وطؤها حتى تغتسل) أو تتيمم بشرطه، وإن لم تصل به الأصح، جوهرة (أو يمضي عليها وقت صلاة كامل) بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل ولبس الثياب والتحريمة وخرج الوقت ولم تصل؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها؛ فطهرت حكماً، ولو انقطع الدم لدون عادتها فوق الثلاث لم يقربها حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت؛ لأن العود في العادة غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب، هداية (فإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل)؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة إلا أنه لا يستحب قبل الغسل؛ للنهي في القراءة بالتشديد هداية.
(والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري) المتوالي، وهذا إحدى الروايات عن أبي حنيفة، ووجه استيعاب الدم مدة الحيض ليس بشرط بالإجماع؛ فيعتبر أوله وآخره كالنصاب في الزكاة، وعن أبي يوسف - وهو رواية عن أبي حنيفة، وقيل: هو آخر أقواله - أن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يوماً لا يفصل وهو كالدم المتوالي؛ لأنه طهر فاسد؛ فيكون بمنزلة الدم والأخذ بهذا القول أيسر هداية. قال في السراج: وكثير من المتأخرين أفتوا به، لأنه أسهل على المفتي والمستفتي، وفي الفتح وهو الأولى.
(وأقل الطهر) الفاصل بين الحيضتين أو النفاس والحيض (خمسة عشر يوماً) وخمس عشرة ليلة، وأما الفاصل بين النفاسين فهو نصف حول؛ فلو كان أقل من ذلك توأمين، والنفاس من الأول فقط (ولا غاية لأكثره) وإن استغرق العمر. قهستاني.
---
(ودم الاستحاضة) و (هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام) في الحيض، أو أكثر من أربعين في النفاس، وكذا ما زاد على العادة وجاوز أكثرهما كما يأتي بعده، وما تراه صغير وحامل وآيسة مخالفاً لعادتها قبل الإياس (فحكمه حكم الرعاف) الدائم (لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء) لحديث؛ "توضئ وصلي وإن قطر الدم على الخصير" وإذا عرف حكم الصلاة عرف حكم الصوم والوطء بالأولى؛ لأن الصلاة أحوج إلى الطهارة.
(وإذا زاد الدم على عشرة أيام وللمرأة عادة معروفة ردت إلى عادتها) المعروفة (وما زاد على ذلك فهو استحاضة) فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة.
قيد بالزيادة على العشرة لأنه إذا لم يتجاوز العشرة يكون المرئي كله حيضاً وتنتقل العادة إليه.
(وإن ابتدأت) المرأة (مع البلوغ مستحاضة) واستمر بها الدم (فحيضها عشرة أيام من كل شهر) من أول ما رأت (والباقي): أي عشرون يوماً (استحاضة) وهكذا دأبها: عشرة حيض، وعشرون استحاضة، وأربعون نفاس، حتى تطهر أو تموت، قال السرخسي في المبسوط: المبتدأة حيضها من أول ما رأت عشرة، وطهرها عشرون، إلى أن تموت أو تظهر. اهـ. ومثله في عامة المعتبرات، ونقل العلامة نوح أفندي الاتفاق عليه؛ فما نقله الشرنبلالي في شرح مختصره خلاف الصحيح، فتنبه، وإن كانت الممتدة الدم معتادة ردت لعادتها حيضا وطهراً؛ إلا إذا كانت عادتها في الطهر ستة أشهر فأكثر فتردد إلى ستة أشهر إلا ساعة؛ فرقاً بين الطهر والحبل، وإن نسيت عادتها فهي المحيرة، والكلام عليها مستوفى في المطولات، وقد استوفينا الكلام عليها في رسالتنا في الدماء المسماة بالمطالب المستطابة في الحيض والنفاس والاستحاضة، فمن رام استيفاء الكلام وشفاء الأوام فعليه بها فإنها وافية المرام.
---
(والمستحاضة ومن) بمعناها كمن (به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ) دمه: أي لا يسكن، واستطلاق البطن، وانفلات الريح، ودمع العين إذا كان يخرج عن علية، وكذا كل ما يخرج عن علة، ولو من أذن أو ثدي أو سرة (يتوضئون لوقت كل صلاة) مفروضة، حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلي الظهر به عندهما، وهو الصحيح هداية.
(فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض) والواجبات أداء وقضاء (والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم): أي ظهر الحدث السابق (وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى) ولا يبطل وضوءهم قبل خروج الوقت، إلا إذا طرأ حدث آخر مخالف لعذرهم، وإنما قلنا: "ظهر الحدث السابق" لأن خروج الوقت ليس بناقض، لكن لما كان الوقت مانعاً من ظهور الحدث دفعاً للحرج فإذا خرج زال المانع، فظهر الحدث السابق، حتى لو توضأ المعذور على انقطاع ودام إلى خروج الوقت لم يبطل؛ لعدم حدث سابق. ثم يشترط لثبوت العذر أن يستوعبه العذر. تمام وقت صلاة مفروضة، وذلك بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ ويصلي فيه خالياً عن العذر ولو بالاقتصار على المفروض، وهذا شرط ثبوت العذر في الابتداء، ويكفي في البقاء في كل وقت، ولو مرة، وفي الزوال يشترط استيعاب الانقطاع وقتاً كاملاً بأن لا يوجد في جزء منه أصلاً.
تنبيه - لا يجب على المعذور غسل الثوب ونحوه، إذا كان بحال لو غسله تنجس قبل الفراغ من الصلاة.
خاتمة - يجب رد عذر المعذور إن كان يرتد، وتقليه بقدر الإمكان إن كان لا يرتد، قال في البحر: ومتى قدر المعذور على رد السيلان برباط أو حشو أو كان لو جلس لا يسيل ولو قام سال - وجب رده، وخرج عن أن يكون صاحب عذر، ويجب عليه أن يصلي جالساً بالإيماء إن كان يسيل بالميلان؛ لأن ترك السجود أهون من الصلاة مع الحدث اهـ.
---
(والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة) ولو بخروج أكثر الولد، ولو متقطعاً عضواً عضواً (والدم الذي تراه) المرأة (الحامل وما تراه المرأة (في حال ولادتها قبل خروج الولد) أو أكثره (استحاضة) فتتوضأ إن قدرت أو تتيمم وتومئ بصلاة ولا تؤخر، فما عذر الصحيح القادر؟ در (وأقل النفاس لا حد له)؛ لأن تقدم الولد علامة الخروج من الرحم، فأغنى عن امتداد يجعل علماً عليه، بخلاف الحيض (وأكثره أربعون يوماً) لحديث الترمذي وغيره (3) (وما زاد على ذلك فهو استحاضة) لو مبتدأة وأما المعتادة فحكمها كما ذكره بقوله: (وإذا تجاوز الدم الأربعين وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها) فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة كما مر في الحيض (وإن لم تكن لها عادة) معروفة (فابتداء نفاسها أربعون يوماً)؛ لأنه ليس لها عادة ترد إليها فأخذ لها بالأكثر؛ لأنه المتيقن (ومن ولدت ولدين) أو أكثر (في بطن): أي حمل (واحد) وذلك بأن يكون بينهما أقل من ستة أشهر. ولو ولدت أولاداً بين كل ولدين أقل من ستة أشهر، وبين الأول والثالث أكثر - جعله بعضهم من بطن واحد، منهم أبو علي الدقاق. قهستاني؛ قال في الدر: وهو الأصح (فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف)؛ لأنه ظهر إنفتاح الرحم، فكان المرئي عقيبه نفاساً، ثم تراه عقيب الثاني إن كان قبل الأربعين فهو نفاس للأول لتمامها واستحاضة بعدها؛ فتغتسل وتصلي، وهو الصحيح. بحر عن النهاية. (وقال محمد وزفر) رحمهما اللّه (نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثاني)؛ لأن حكم النفاس عندهما تعلق بالولادة كانقضاء العدة، وهي بالأخير اتفاقاً؛ قال في التصحيح. والصحيح هو القول الأول، واعتمده الأئمة المصححون.
--------------
---
(1) ذكر في الفتح هذا الحديث وغيره بروايات عدة وحكم عليها بالضعف ولكنه قال إن تعدد طرق الضعيف برفعه إلى مرتبة الحسن وروى هذا المعنى عن بعض الصحابة ثم قال إن المقدرات الشرعية لا تدرك بالرأي فالحديث في حكم المرفوع وناقش غير الأحناف في اعتبار أكثره خمسة عشر فراجعه.
(2) روى الشيخان عن عائشة أنها سئلت من بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت كنا نؤمن بذلك ورد: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وإن حرمة الوطء ففي القرآن الكريم".
(3) روى أبو داود والترمذي وغيرهما عن أم سلمة قالت: كانت النفساء تقعد على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربعين يوماً. وروى ابن ماجة والدارقطني عن أنس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوماً، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
--------------------------
باب الأنجاس.
- تطهير النجاسة واجبٌ من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه.
ويجوز تطهير النجاسة بالماء، وبكل مائعٍ طاهرٍ يمكن إزالتها به كالحل وماء الورد.
وإذا أصابت الخف نجاسةٌ ولها جرمٌ فجفت فدلكه بالأرض جاز.
والمني نجسٌ يجب غسل رطبه، فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك.
والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما.
وإذا أصابت الأرض نجاسةٌ فجفت بالشمس وذهبت أثرها جازت الصلاة بمكانها، ولا يجوز التيمم منها.
ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والبول والغائط والخمر مقدار الدرهم فما دونه جازت الصلاة معه، فإن زاد لم تجز، وإن أصابته نجاسةٌ مخففةٌ كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه، ما لم يبلغ ربع الثوب.
وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عينٌ مرئيةٌ فطهارتها زوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته، وما ليس له عينٌ مرئيةٌ فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر.
---
والاستنجاء سنةٌ، يجزئ فيها الحجر وما يقوم مقامه يمسحه حتى ينقيه، وليس فيه عددٌ مسنونٌ، وغسله بالماء أفضل، فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء. ولا يستنجي بعظم ولا بروثٍ ولا بطعامٍ ولا بيمينه.
--------------------------
باب الأنجاس
لما فرغ من بيان النجاسة الحكمية والطهارة عنها، شرع في بيان الحقيقة، ومزيلها، وتقسيمها، ومقدار المعفو عنه منها، وكيفية تطهير محلها وقدمت الأولى لأنها أقوى. إذ بقاء القليل منها يمنع جواز الصلاة بالاتفاق.
والأنجاس: جمع نجس بكسر الجيم - كما ذكره تاج الشريعة، لا جمع نجس بفتحتين كما وقع لكثير؛ لأنه لا يجمع، قال في العباب: النجس ضد الطاهر، والنجاسة ضد الطهارة وقد نجس ينجس، كسمع يسمع، وكرم يكرم، وإذا قلت: رجل نجس - بكسر الجيم - ثنيت وجمعت، وبفتحها لم تثن ولم تجمع، وتقول: رجل ورجلان ورجال وامرأة ونساء نجس اهـ. وتمامه في شرح الهداية للعيني.
(تطهير النجاسة): أي محلها (واجب): أي لازم (من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه) لقوله تعالى: {وثيابك فطهر} وإذا وجب تطهير الثوب وجب في البدن والمكان، لأن استعمال في حال الصلاة يشمل الكل (1).
(ويجوز تطهير النجاسة بالماء، وبكل مانع) أي سائل (طاهر) قالع للنجاسة كما عبر عنه بقوله (يمكن إزالتها به) بأن ينعصر بالعصر، وذلك (كالخل وماء الورد) والماء المستعمل ونحو ذلك كالمستخرج من البقول، لأنه قالع ومزيل، والطهورية بالقلع والإزالة للنجاسة الجاورة، فإذا انتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهراً بخلاف نحو لبن وزيت، لأنه غير قالع.
---
(وإذا أصابت الخف) ونحوه كنعل (نجاسة لها جرم) بالكسر - الجسد، والمراد به كل ما يرى بعد الجفاف كالروث والعذرة والمنى، ولو من غيرها كخمر وبول أصابه تراب، به يفتي. در (فجفت) النجاسة (فدلكه): أي الخف ونحوه (بالأرض) ونحوها (جاز)، لأن الجلد لصلابته لا تتداخله أجزاء النجاسة إلا قليل ثم يحتذبه الجرم إذا جف، فإذا زال زال ما قام به. وفي الرطب لا يجوز حتى يغسله، لأن المسح بالأرض يكثر، ولا يطهره هداية.
(والمني نجس) نجاسة مغلظة (يجب غسل رطبه، وإذا جف على الثوب) ولو جديداً مبطناً، وكذا البدن في ظاهر الرواية (أجزأ فيه الفرك) لقوله صلى اللّه عليه وسلم لعائشة: "فاغسليه إن كان رطباً، وافركيه إن كان يابساً".
(والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما) بما يزول به أثرها ومثلهما كل ثقيل لا مسام له؛ كزجاج وعظم وآنية مدهونة وظفر، لأنه لا يداخله النجاسة؛ وما على ظاهره يزول بالمسح.
(وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس) أو نحوها؛ قال في الجوهرة: التقييد بالشمس ليس بشرط، بل لو جفت بالظل فالحكم كذلك. اهـ. (وذهب أثرها) الأثر: اللون والطعم والرائحة (جازت الصلاة على مكانها، و) لكن (لا يجوز التيمم منها)؛ لأن المشروط للصلاة الطهارة، وللتيمم الطهورية، وحكم آجر مفروش وشجر وكلاً قائمين في الأرض كذلك، فيطهر بالجفاف.
---
(ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والبول) من غير مأكول اللحم ولو من صغير لم يطعم (والغائط والخمر) وخرء الطير لا يزرق في الهواء كذجاج وبط وإوز (مقدار الدرهم فما دونه جازت الصلاة معه: لأن القليل لا يمكن التحرز عنه؛ فيجعل عفواً، وقدرناه بقدر الدرهم أخذاً عن موضع الاستنجاء (فإن زاد) عن الدرهم (لم تجز) الصلاة، ثم يروى اعتبار الدرهم من حيث المساحة، وهو قدر عرض الكف في الصحيح، ويروى من حيث الوزن، وهو الدرهم الكبير المثقال، وقيل في التوفيق بينهما: إن الأولى في الرقيق، والثانية في الكثيف، وفي الينابيع: وهذا القول أصح، وفي الزاهدي قيل: هو الأصح، واختاره جماعة، وهو أولى؛ لما فيه من إعمال الروايتين مع مناسبة التوزيع (وإن أصابته نجاسة مخففة كبول ما يؤكل لحمه) ومنه الفرس، وقيد بالبول لأن نجاسة البعر والروث والخشى غليظ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: خفيفة، قال الشرنبلالي: وهو الأظهر؛ لعموم البلوى بامتلاء الطرق بها، وطهرها محمد آخرا، وقال: لا يمنع الروث وإن فحش؛ لما رأى من بلوى الناس من امتلاء الطرق والخانات بها لما دخل الري مع الخليفة، وقاس المشايخ عليه طين بخارى؛ لأن ممشى الناس والدواب واحد. اهـ. (جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع) جميع (الثوب) يروى ذلك عن أبي حنيفة لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش، والربع ملحق بالكل في حق بعض الأحكام هداية. وصححه في المبسوط، وهو ظاهر ما مشى عليه أصحاب المتون، وقيل: ربع الموضع الذي أصابه كالذيل والكم والدخريص، إن كان المصاب ثوبا. وربع العضو المصاب كاليد والرجل، إن كان بدناً وصححه في التحفة والمحيط والمجتبى والسراج، وفي الحقائق: وعليه الفتوى، وقيل: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، قال الأقطع: وهذا أصح ما روى فيه اهـ. فقد اختلف التصحيح كما ترى، لكن ترجح الثاني بأن الفتوى عليه، وهو الأحوط، فتنبه، قال في الفتح: وقوله - يعني صاحب الهداية - لأن التقدير
---
فيه بالكثير الفاحش يفيد أن أصل المروي عن أبي حنيفة ذلك على ما هو دأبه في مثله من عدم التقدير؛ فما عد فاحشاً منع، وما لا فلا اهـ. وإنما عدلوا عن التعبير بالكثير الفاحش إلى التقدير بالربع تيسيراً على الناس، سيما من لا رأي له من العوام، كما مر على نظيره الكلام، وبه ظهر الجواب عما إذا أصاب الثوب أو البدن من النجس المخفف المتجسد مقدار كثير، إلا أنه لتراكمه لا يبلغ الربع، فهل يمنع؟ وما القدر المانع؟ ولا شك أنه إذا كان كثيراً فاحشاً يمنع وإن لم يبلغ الربع لتراكمه؛ لما علمت أنه أصل المروي عن الإمام، ويحد القدر المانع فيه تيسيراً بأنه إن كان بحيث لو كان مائعاً بلغ الربع منع، وإلا فلا.
(وتطهير) محل (النجاسة التي يجب غسلها على وجهين)، لأن النجاسة إما أن تكون لها عين مرئية أو لا (فما كان له منها عين مرئية) كالدم (فطهارتها) أي النجاسة، والمراد محلها (زوال عينها) ولو بمرة على الصحيح، وعن الفقيه أبي جعفر أنه يغسل مرتين بعد زوال العين، إلحاقاً لها بغير مرئية غسلت مرة (إلا أن يبقى من أثرها) كلون أو ريح (ما يشق إزالته) فلا يضر بقاؤه، ويغسل إلى أن يصفو الماء، على الراجح، والمشقة: أن يحتاج في إزالته إلى غير الماء القراح كحرض أو صابون أو ماء حار (وما ليس له عين مرئية) كالبول (فطهارتها أن يغسل): أي محل النجاسة (حتى يغلب على ظن الغاسل أنه) أي المحل (قد طهر) لأن الكرار لابد منه للاستخراج، ولا يقطع بزواله، فاعتبر غالب الظن، كما في أمر القبلة، وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده؛ فأقيم السبب الظاهر مقامه تيسيراً، ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لابد من الصر في كل مرة في ظاهر الرواية، لأنه هو المستخرج. هداية (2).
---
(والاستنجاء سنة) مؤكدة للرجال والنساء (يجزئ فيه) لإقامة السنة (الحجر وما قام مقامه) من كل عين طاهرة قالعة غير محترمة ولا متقومة كمدر (يمسحه) أي المخرج (حتى ينقيه) لأن المقصود هو الإنقاء؛ فيعتبر ما هو المقصود (وليس فيه) أي الاستنجاء (عدد مسنون) بل مستحب؛ فيستحب الثلاث إن حصل التنظيف بما دونها، وإلا جعلها وتراً (وغسله) أي المخرج (بالماء) بعد الإنقاء بالحجر أولاً (أفضل) إذا كان بلا كشف عورة عند من يراه، أما معه فيتركه؛ لأنه حرام يفسق به فلا يرتكبه لإقامة الفضيلة (فإن تجاوزت النجاسة مخرجها) وكان المتجاوز بانفراده لسقوط اعتبار ذلك الموضع أكثر من الدرهم (لم يجز فيه) أي في طهارته (إلا الماء) أو المائع، ولا يطهر بالحجر؛ لأنه من باب إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن (ولا يستنجي بعظم ولا بروث) لورود النهي عنه (ولا بطعام) لآدمي أو بهيمة؛ لأنه إتلاف وإهانة (ولا بيمينه) لورود النهي عنه أيضاً، إلا من عذر باليسرى يمنع الاستنجاء بها.
--------------
(1) المقرر في الفقه أن وجوب إزالة النجاسة بشروط بالأمكان أولاً، وبألا يستلزم ارتكاب محظور أشد. ثانياً: كما إذا لم يتمكن من إزالتها إلا بإبداء عورته للناس فإنه في هذه الحال يصلي بالنجاسة لأن كشف العورة أشد فلو أبدأها للإزالة فسق، راجع فتح القدير وهناك دليل من السنة لإزالة النجاسة على سبيل الوجوب وهو حديث صحيح أن امرأة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تسأله عن دم الحيض في ثوب المرأة فقال: "تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه" وفي رواية أبي داود حكيه بطلع واغسليه بماء وسدر.
(2) هذا في يعصر وقال أبو يوسف إزار الحمام إذا صب عليه ماء كثير وهو عليه يطهر بلا عصر حتى قال الحلواني لو كانت النجاسة دماً أو بولاً وصب عليه ماء كفاه على قياس قول أبي يوسف وقالوا في البساط النجس إذا جعل في نهر ليلة طهر.
--------------------------
كتاب الصلاة
---
- أول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض في الأفق، وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس، وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخر وقتها عند أبي حنيفة إذا صار ظل كل شيءٍ مثليه سوى فيء الزوال.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا صار ظل كل شيء مثله. وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين، وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس، وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، وهو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: هو الحمرة، وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر، وأول وقت الوتر بعد العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر.
ويستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف، وتقديمها في الشتاء، وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس، وتعجيل المغرب (1) وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل. ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل، فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم.
--------------------------
(1) وتأخيرها لصلاة ركعتين مكروهة في مذهب الحنفية وجوزه بعض الأئمة وأنكره كثير من السلف ومالك مستدلين بحديث ابن عمر عند أبي داود ما رأيت أحدا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصليهما وهو معارض لحديث صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء ويؤيد المنع إنكار كثير من السلف له.
--------------------------
كتاب الصلاة
شروع في المقصود بعد بيان الوسيلة. والصلاة لغة: الدعاء، قال اللّه تعالى {وصل عليهم} أي ادع لهم. وشرعاً: الأفعال المخصوصة المتفتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم. وهي فرض عين على كل مكلف، ولكن تؤمر بها الأولاد لسبع سنين، وتضرب عليها لعشر، بيد لا بخشبة، ويكفر جاحدها، وتاركها عمداً كسلاً يحبس ويضرب حتى يصلي.
---
(أول وقت الفجر) قدمه لعدم الخلاف في طرفيه، بخلاف غيره كما ستقف عليه (إذا طلع الفجر الثاني) المسمى بالصادق (وهو البياض المعترض في الأفق) بخلاف الأول المسمى بالكاذب؛ فإنه يخرج مستطيلاً في الأفق ثم تعقبه ظلمة، والأفق: واحد الآفاق، وهي أطراف السماء (وآخر وقتها مالم تطلع الشمس): أي قبيل طلوعها (وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس). عن كبد السماء (وآخر وقتها عند أبي حنيفة) رحمه اللّه (إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال)؛ أي الفيء الذي يكون وقت الزوال، هذا ظاهر الرواية عن الإمام نهاية وهي رواية محمد في الأصل، وهو الصحيح كما في الينابيع والبدائع والغاية والمنية والمحيط، واختاره برهان الشريعة المحبوبي، وعول عليه النسفي، ووافقه صدر الشريعة ورجح دليله، وفي الغيائية: وهو المختار، واختاره المتون، وارتضاه الشارحون وقد بسط دليله في معراج الدراية، ثم قال: والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أولى إذ هو وقت العصر بالاتفاق؛ فيكون أجود في الدين؛ لثبوت براءة الذمة بيقين؛ إذ تقديم الصلاة على الوقت لا يجوز بالإجماع، ويجوز التأخير، وإن وقعت قضاء. اهـ.
---
(وقال أبو يوسف ومحمد) رحمهما اللّه تعالى: آخر وقتها (إذا صار ظل الشيء مثله) سوى فيء الزوال؛ فإنه مستثنى على الروايتين جميعاً، وهو رواية عنه أيضاً، وبه قال زفر والأئمة الثلاثة. قال الطحاوي: وبه نأخذ، وفي غرر الأذكار: وهو المأخوذ به، وفي البرهان: وهو الأظهر؛ لبيان إمامة جبريل، وهو نص في الباب، وفي الفيض: وعليه عمل الناس اليوم، وبه يفتي. كذا في الدر، وتعقبه شيخنا في حاشيته فراجعه. قال شيخنا: والأحسن ما في السراج عن شيخ الإسلام أن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر إلى المثل، ولا يصلي العصر حتى يبلغ المثلين؛ ليكون مؤدياً للصلاتين في وقتهما بالإجماع. اهـ. (وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر (على) اختلاف (القولين) من المثلين أو المثل (وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس) أي قبيل غروبها (وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس؛ وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، وهو) أي الشفق الموقت به (البياض الذي) يستمر (في الأفق بعد) غيبة (الحمرة) بثلاث درج، كما بين البحرين، كما حققه العلامة الشيخ خليل الكاملي في حاشيته على رسالة الأسطرلاب، حيث قال: التفاوت بين الفجرين وكذا بين الشفقين الأحمر والأبيض إنما هو بثلاث درج، وهذا (عند أبي حنيفة) رحمه اللّه تعالى (وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحمرة) وهو رواية عنه أيضاً، وعليها الفتوى كما في الدراية ومجمع الروايات وشروح المجمع، وبه قالت الثلاثة، وفي شرح المنظومة: وقد جاء عن أبي حنيفة أنه رجع عن قوله وقال: إنه الحمرة؛ لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشفق على الحمرة، وعليه الفتوى. اهـ. وتبعه المحبوبي وصدر الشريعة، لكن تعقبه العلامة قاسم في تصحيحه وسبقه شيخه الكمال في الفتح فصححا قول الإمام، ومشى عليه في البحر. قال شيخنا: لكن تعامل الناس اليوم في عامة البلاد على قولهما، وقد أيده في النهر تبعا للنقاية والوقاية والدر والإصلاح ودرر البحار والإمداد والمواهب وشرح البرهان وغيرهم مصرحين بأن عليه
---
الفتوى. اهـ.
(وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر): أي قبيل طلوعه (وأول وقت الوتر بعد العشاء) عندهما، وعند الإمام وقته وقت العشاء إلا أن فعله مرتب على فعل العشاء فلا يقدم عليها عند التذكر، والاختلاف في وقتها فرع الاختلاف في صفتها. جوهرة (وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر) وفاقد وقتهما غير مكلب بهما، كما جزم به في الكنز والملتقى والدر، وبه أفتى البقالي وغيره.
(ويستحب الإسفار بالفجر) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". قال الترمذي: حديث صحيح، والإسفار: الإضاءة، يقال: أسفر الفجر، إذا أضاء، وأسفر الرجل بالصلاة: إذا صلاها في الإسفار، مصباح، وحد الإسفار المستحب: أن يكون بحيث يؤديها بترتيل نحو ستين أو أربعين آية ثم يعيدها بطهارة لو فسدت، وهذا في حق الرجال، وأما النساء فالأفضل لهن الغلس؛ لأنه أستر، وفي غير الفجر ينتظرن فراغ الرجال من الجماعة، كذا في المبتغى ومعراج الدراية (و) يستحب (الإبراد بالظهر في الصيف) بحيث يمشي في الظل؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه البخاري؛ وسواء فيه صلاته منفرداً أو بجماعة والبلاد الحارة وغيرها، في شدة الحر وغيره، كذا في معراج الدراية (و) يستحب (تقديمها في الشتاء) والربيع والخريف كما في الإمداد عن مجمع الروايات (و) يستحب (تأخير العصر) مطلقاً؛ توسعة للنوافل (ما لم تتغير الشمس) بذهاب ضوئها فلا يتحير فيها البصر، وهو الصحيح. هداية. (و) يستحب (تعجيل المغرب) مطلقا؛ فلا يفصل بين الآذان والإقامة إلا بقدر ثلاث آيات أو جلسة خفيفة (و) يستحب (تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل) الأول، في غير وقت الغيم: فيندب تعجيله فيه (ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل) ويثق بالانتباه (أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل) ليكون آخر صلاته فيه. (فإن لم يثق) من نفسه (بالانتباه أوتر قبل النوم) لقوله صلى اللّه
---
عليه وسلم: "من خاف ألا يقوم آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة" رواه مسلم.
--------------------------
باب الأذان.
- الأذان سنةٌ للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها.
وصفة الأذان أن يقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر - إلى آخره، ولا ترجيع فيه (1) ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خيرٌ من النوم، مرتين.
والإقامة مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، مرتين.
ويترسل في الأذان، ويحدر عن الإقامة، ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يميناً وشمالاً.
ويؤذن للفائتة ويقيم، فإن فاتته صلواتٌ أذن للأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية: إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة، وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهرٍ، فإن أذن على غير وضوءٍ جاز، ويكره أن يقيم على غير وضوءٍ أو يؤذن وهو جنبٌ، ولا يؤذن لصلاةٍ قبل دخول وقتها.
--------------------------
(1) أحاديث أبي محذورة رضي اللّه عنه في الترجيع مع صحتها متعارضة فتتساقط ويؤخذ بحديث غيره على الأصل وهو عدم الترجيع.
--------------------------
باب الأذان
هو لغة: الإعلام، وشرعاً: إعلام مخصوص على وجه مخصوص بألفاظ مخصوصة، وقدم ذكر الأوقات على الأذان لأنها أسباب، والسبب مقدم على المسبب.
(الأذان سنة) مؤكدة للرجال (للصلوات الخمس والجمعة) خصها بالذكر مع أنها داخلة في الخمس لدفع توهم أنها كالعبد من حيث الأذان أيضاً فلا يسن لها، أو لأن لها أذانين (دون ما سواهما) كالعيد والكسوف والوتر والتراويح وصلاة الجنازة، فلا يسن لها.
---
(وصفة الأذان) معروفة، وهي (أن يقول) المؤذن (اللّه أكبر اللّه أكبر - إلى آخره) أي: آخر ألفاظه المعروفة بتربيع تكبير أوله وتثنية باقي ألفاظه (ولا ترجيع فيه) وهو أن يرفع صوته بالشهادتين بعد ما خفض بهما، وهو مكروه، ملتقى (ويزيد في أذان الفجر بعد) قوله حي على (الفلاح) الثانية (الصلاة خير من النوم) ويقولها (مرتين) لأنه وقت نوم.
(والإقامة مثل الأذان) فيما مر من تربيع تكبير أوله وتثنية في باقي ألفاظه (إلا أنه يزيد فيها بعد) قوله (حي على الفلاح) الثانية (قد قامت الصلاة) ويقولها (مرتين).
(ويترسل) أي يتمهل ندبا (في الأذان) بسكتة بين كل كلمتين (ويحدر). أي يسرع في الإقامة، بأن يجمع بين كل كلمتين (ويستقبل بهما القبلة: فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه) فيهما (يميناً) بالصلاة (وشمالاً) بالفلاح، من غير أن يحول قدميه، لأن فيه مناجاة ومناداة، فيتوجه في المناجاة إلى القبلة، وفي المناداة إلى من عن يمينه وشماله، ويستدير في الصومعة إذا لم يتم الإعلام بمجرد تحويل الوجه، ليحصل تمام الإعلام.
(ويؤذن) الرجل (للفائتة ويقيم) لأنها بمنزلة الحاضرة (فإن فاتته صلوات) متعددة وأراد قضاءهن في مجلس واحد (أذن الأولى وأقام، وكان مخيراً في الباقية) بعدها (إن شاء أذن وأقام) لكل واحدة كالأولى، وهو أولى (وإن شاء اقتصر) فيما بعد الأولى (على الإقامة) وإن قضاهن في مجالس، فإن صلى في مجلس أكثر من واحدة فكما مر، وإلا أذن وأقام لها.
---
(وينبغي) للمؤذن (أن يؤذن ويقيم على طهر) ليكون متهيئاً لإجابة ما يدعو إليه (فإن أذن على غير وضوء جاز) لأنه ذكر وليس بصلاة، فكان الوضوء استحباباً، هداية (ويكره أن يقيم على غير وضوء) لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة (أو يؤذن) أو يقيم بالأولى (وهو جنب) رواية واحدة هداية. ويعاد أذانه (ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها) فإن فعل أعاد في الوقت؛ لأن الأذان للإعلام؛ وهو قبل دخول الوقت تجهيل، وقال أبو يوسف؛ يجوز للفجر في النصف الأخير من الميل، لتوارث أهل الحرمين. هداية.
--------------------------
باب شروط الصلاة التي تتقدمها.
- يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه، ويستر عورته، والعورة من الرجل: ما تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، وبدن المرأة الحرة كله عورةٌ إلا وجهها وكفيها وقدميها. وما كان عورةً من الرجل فهو عورةٌ من الأمة، وبطنها وظهرها عورةٌ، وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورةٍ.
ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة.
ومن لم يجد ثوباً صلى عرياناً قاعداً يومئ بالركوع والسجود؛ فإن صلى قائماً أجزأه؛ والأول أفضل، وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنيةٍ لا يفصل بينهما وبين التحريمة بعملٍ، ويستقبل القبلة.
إلا أن يكون خائفاً فيصلي إلى أي جهةٍ قدر؛ فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى، فإن علم أنه أخطأ بإخبارٍ بعد ما صلى فلا إعادة عليه، وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها.
--------------------------
باب شروط الصلاة
---
الشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة ومنه أشراط الساعة؛ أي علاماتها وشرعاً: ما يتوقف عليه وجود الشيء، ويكون خارجا عن ماهيته، ولا يكون مؤثراً في وجوده، واحترز بقوله (التي تتقدمها) عن التي لا تتقدمها كالمقارنة والمتأخرة عنها، وهي التي تأتي في باب صفة للصلاة؛ كالتحريمة، وترتيب الأركان والخروج بصنعة، كما سيأتي:
والشروط التي تتقدمها - على ما ذكره المصنف - ستة، ذكر منها خمسة، وتقدم ذكر الوقت أول كتاب الصلاة، قال الشرنبلالي: وكان ينبغي ذكره هنا ليتنبه المتعلم، لكونه من الشروط كما في مقدمة أبي الليث ومنية المصلى.
الأول والثاني من الشروط ما عبر عنهما بقوله (يجب على المصلى): أي يلزمه (أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما): أي الوجه الذي قدمناه) في الطهارة.
---
والثالث قوله: (ويستر عورته) ولو خالياً، أو في بيت مظلم، ولو بما لا يحل لبسه كثوب حرير وإن أثم بلا عذر (والعورة من الرجل ما تحت السرة إلى الركبة): أي معها، كما صرح بذلك بقوله (والركبة من العورة) قال في التصحيح: والأصح أنها من الفخذ. اهـ. (وبدن المرأة الحرة كله عورة إلا وجهها وكفيها) باطنهما وظاهرهما على الأصح، كما في شرح المنية، وفي الهداية: وهذا تنصيص على أن القدم عورة، ويروى أنها ليست بعورة، وهو الأصح اهـ. وقال في الجوهرة: وقيل: الصحيح أنها عورة في حق النظر والمس، وليست بعورة في حق الصلاة، ومثله في الاختيار، ومشى عليه في التنوير، وقال العلائي: على المعتمد، لكن في التصحيح خلافه حيث قال: قلت تنصيص الكتاب أولى بالصواب؛ لقول محمد في كتاب الاستحسان "وما سوى ذلك عورة" وقال قاضيخان: وفي قدميها روايتان، والصحيح أن انكشاف ربع القدم يمنع الصلاة، وكذا في نصاب الفقهاء، وتمامه فيه، فتنبه (وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة) ولو مديرة أو مكاتبة أو أم ولد (وبطنها وظهرها عورة) أيضاً، وجانبهما تبع لهما (وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورة) وكشف ربع عضو من أعضاء العورة - كبطن وفخذ وشعر نزل من رأسها ودبر وذكر وأنثيين وفرج - يمنع صحة الصلاة إن استمر مقدار أداء ركن وإلا لا.
(ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة) ثم إن كان ربع الثوب أو أكثر طاهراً يصلي فيه لزوماً، فلو صلى عرياناً لا يجزئه؛ وإن كان الطاهر أقل من الربع يتخير بين أن يصلي عرياناً والصلاة فيه، والصلاة فيه أفضل، لعدم اختصاص الستر بالصلاة، واختصاص الطهارة بها.
---
(ومن لم يجد ثوباً) ولو بإباحة على الأصح (صلى عرياناً قاعداً) ماداً رجليه إلى القبلة، لكونه أستر، وقيل: كالمتشهد (يومئ إيماء بالركوع والسجود، فإن صلى قائماً) يركع ويسجد، أو قاعدا كذلك (أجزأه) لأن في القعود ستر العورة الغليظة، وفي القيام أداء هذه الأركان؛ فيميل إلى أيهما شاء (و) لكن (الأول أفضل) لأن الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس ولا خلف له؛ والإيماء خلف عن الأركان.
والرابع من الشروط قوله: (وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة يعمل) أجنبي عن الصلاة، وهو ما يمنع البناء؛ ويندب اقترانها خروجاً من الخلاف، قال في التصحيح: قلت: ولا يتأخر عنها في الصحيح قال الإسبيجاني: لا يصح تأخير النية عن وقت الشروع في ظاهر الرواية اهـ.
ثم إن كانت الصلاة نفلاً يكفيه مطلق النية، وكذلك إن كانت سنة في الصحيح هداية اهـ. والتعيين أفضل وأحوط، ولابد من التعيين في الفرض كظهر وعصر مثلاً، وإن لم يقرنه باليوم أو الوقت، لو أداء، فلو قضاء لزم التعيين، وسيجئ ومثله الواجب كوتر ونذر وسجود تلاوة، ولا يلزم تعيين عدد الركعات، لحصولها ضمناً، فلا يضر الخطأ في عددها، والمعتبر في النية عمل القلب؛ لأنها الإرادة السابقة للعمل اللاحق. فلا عبرة للذكر باللسان. إلا إذا عجز عن إحضار القلب لهموم أصابته فيكفيه اللسان. مجتبى. وعمل القلب أن يعلم بداهة من غير تأمل أي صلاة يصلي، والتلفظ بها مستحب إعانة للقلب.
والخامس من الشروط قوله: (ويستقبل القبلة) ثم إن كان بمكة ففرضه إصابة عينها، وإن كان غائباً ففرضه إصابة جهتها، هو الصحيح؛ لأن التكليف بحسب الوسع. هداية. وفي معراج الدراية: ومن كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأنبياء فالأصح أن حكمه حكم الغائب. اهـ.
---
اعلم أنه لا يجوز لأحد أداء فريضة ولا نافلة ولا سجدة تلاوة ولا صلاة جنازة إلا متوجها إلى القبلة، فإن صلى إلى غير جهة القبلة متعمداً من غير عذر كفر، ثم من كان بمكة ففرضه إصابة عينها، ومن كان غائباً عنها ففرضه إصابة جهتها، هو الصحيح. جوهرة.
(إلا أن يكون خائفاً) من عدو أو سبع، أو كان على خشبة. في البحر يخاف الغرق إن انحرف، أو مريضاً لا يجد من يحوله، أو يجد إلا أنه يتضرر (فيصلي إلى أي جهة قدر) لتحقق العذر.
(فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى) إلى جهة اجتهاده. والاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود، قيد بما إذا لم يكن بحضرته من يسأله لأنه إذا وجد من يسأله وجب عليه سؤاله والأخذ بقوله، ولو خالف رأيه، إذا كان المخبر من أهل الموضع ومقبول الشهادة، وقيد بالحضرة لأنه لا يجب عليه طلب من يسأله، ولو سأل قوماً بحضرته فلم يخبروه حتى صلى بالتحري ثم أخبروه بعد فراغه أنه لم يصل إلى القبلة فلا إعادة عليه. جوهرة (فإن علم أنه أخطأ بإخبار) أو تبدل اجتهاده (بعدما صلى فلا إعادة عليه) لإتيانه بما في وسعه وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها): أي على الصلاة، وكذلك إذا تحول رأيه إلى جهة أخرى توجه إليها؛ لوجوب العمل بالاجتهاد فيما يستقبل من غير نفض المؤدي قبله، ومن أم قوماً في ليلة مظلمة فتحرى القبلة وصلى إلى المشرق، وتحرى من خلفه وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلف الإمام، ولا يعلمون ما صنع الإمام - أجزأهم؛ لوجود التوجه إلى جهة التحري وهذه المخالفة غير مانعة كما في جوف الكعبة، ومن علم منهم بحال إمامه تفسد صلاته؛ لأنه اعتقد إمامه على الخطأ، وكذا لو كان متقدماً عليه؛ لتركه فرض المقام. هداية.
--------------------------
باب صفة الصلاة.
---
- فرائض الصلاة سنةٌ: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة الأخيرة مقدار التشهد، وما زاد على ذلك فهو سنةٌ، فإذا دخل الرجل في الصلاة كبر، ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه (1)، فإن قال بدلاً من التكبير: اللّه أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر؛ أجزأه عند أبي حنيفة ومحمدٍ. وقال أبو يوسف: لا يجزئه إلا بلفظ التكبير، ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى، ويضعهما تحت سرته، ثم يقول: سبحانك اللّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك (2)، ويستعيذ من الشيطان الرجيم ويقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، ويسر بهما (3)، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها أو ثلاث آياتٍ من أي سورة شاء، وإذا قال الإمام "ولا الضالين" قال: آمين، ويقولها المؤتم ويخفونها (4)، ثم يكبر ويركع ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج أصابعه، ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويقول: سمع اللّه لمن حمده، ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد، فإذا استوى قائماً كبر وسجد، واعتمد بيديه على الأرض ووضع وجهه بين كفيه، وسجد على أنفه وجبهته؛ فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذرٍ، وإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز، ويبدي ضبعيه، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وذلك أدناه، ثم يرفع رأسه ويكبر، فإذا اطمأن جالساً كبر وسجد، فإذا اطمأن ساجداً كبر واستوى قائماً على صدور قدميه، ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض، ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ، ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى (5)، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصباً ووجه أصابعه نحو
---
القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد.
والتشهد أن يقول: التحيات للّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى، ويقرأ في الركعتين الأخريين فاتحة الكتاب خاصةً، فإذا جلس في آخر الصلاة جلس كما في الأولى، وتشهد، وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ودعا بما شاء بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ثم يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة اللّه، وعن يساره مثل ذلك.
ويجهر بالقراءة في الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين، وإن كان منفرداً فهو مخيرٌ: إن شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء خافت، ويخفي الإمام القراءة في الظهر والعصر. والوتر ثلاث ركعاتٍ لا يفصل بينهما بسلامٍ، ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة، ويقرأ في كل ركعةٍ من الوتر بفاتحة الكتاب وسورةٍ معها، فإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت. ولا يقنت في صلاةٍ غيرها.
وليس في شيء من الصلوات قراءة سورةٍ بعينها لا يجزئ غيرها؛ ويكره أن يتخذ سورةً بعينها لصلاةٍ لا يقرأ فيها غيرها.
وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجزئ أقل من ثلاث آياتٍ قصارٍ أو آيةٍ طويلةٍ.
ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام.
ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية الصلاة ونية المتابعة.
والجماعة سنةٌ موكدةٌ.
وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، فإن تساوو فأقرؤهم، فإن تساووا فأورعهم، فإن تساووا فأسنهم.
ويكره تقديم العبد والأعرابي والفاسق والأعمى وولد الزنا، فإن تقدموا جاز.
وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة.
---
ويكره للنساء أن يصلين وحدهن جماعةً، فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن.
ومن صلى مع واحدٍ أقامه عن يمينه، فإن كانا اثنين تقدم عليهما.
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأةٍ أو صبيٍ.
ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
فإن قامت امرأةٌ إلى جنب رجلٍ وهما مشتركان في صلاةٍ واحدةٍ فسدت صلاته (6).
ويكره للنساء حضور الجماعات، ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء.
ولا يصلي الطاهر خلف من به سلس البول، ولا الطاهرات خلف المستحاضة، ولا القارئ خلف الأمي، ولا المكتسي خلف العريان، ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين، والماسح على الخفين الغاسلين، ويصلي القائم خلف القاعد، ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ، ولا يصلي المفترض خلف المتنفل، ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر، ويصلي المتنفل خلف المفترض.
ومن اقتدى بإمامٍ، ثم علم أنه على غير وضوءٍ أعاد الصلاة.
ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده، ولا يقلب الحصى إلا أن لا يمكنه السجود فيسويه مرةً واحدةً، ولا يفرقع أصابعه، ولا يتخصر، ولا يسدل ثوبه، ولا يعقص شعره، ولا يكف ثوبه، ولا يلتفت، ولا يقعي، ولا يرد السلام بلسانه ولا بيده، ولا يتربع إلا من عذرٍ، ولا يأكل ولا يشرب.
فإن سبقه الحدث انصرف، فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبنى على صلاته، والاستئناف أفضل.
وإن نام فاحتلم أو جن أو أغمي عليه أو قهقه استأنف الوضوء والصلاة.
فإن تكلم في صلاته عامداً أو ساهياً بطلت صلاته.
وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم، وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته.
---
وإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته، وإن رآه بعدما قعد قدر التشهد، أو كان ماسحاً على الخفين فانقضت مدة مسحه، أو خلع خفيه بعملٍ رفيقٍ، أو كان أمياً فتعلم سورةً، أو عرياناً فوجد ثوباً، أو مومياً فقدر على الركوع والسجود، أو تذكر أن عليه صلاةً قبل هذه الصلاة، أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمياً، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر، أو دخل وقت العصر في الجمعة، أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برءٍ، أو كان صاحب عذرٍ فانقطع عذره - بطلت صلاته في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: تمت صلاته.
--------------------------
(1) ومذهب الشافعي رحمه اللّه والجمهور أنه يرفع إلى منكبيه وهذا الخلاف في تكبيرة القنوت والأعياد والجنازة واستدلوا بحديث أبي حميد المروي في البخاري وفيه قال أبو حميد: أنا أحفظكم لصلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره. الحديث ويحتج الحنفية بحديث مالك بن الحويرث (أنه كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه) رواه أحمد ومسلم، وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر أنه جمع بينهما فقال: حتى يحاذي بظهر كتفيه المنكبين وبأطراف أنامله الأذنين وتؤيده رواية أخرى عن واصل عند أبي داود بلفظ حتى كانت (حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه) فالخطب سهل.
(2) قال في الهداية: وعن أبي يوسف أنه يضم إليه قوله إني وجهت وجهي إلى آخره (لرواية عند أحمد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول ذلك).
---
قلت وقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي إلى المسلمين اللّهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك. ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لحسنها إلا أنت. واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك. ويا حبذا لو حرص المصلي على ذلك ولا سيما في صلاة النفل تيمنا بمتابعة النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما صح عنه.
(3) يروي ابن أبي شعبة عن إبراهيم النجفي عن ابن مسعود: أربع يخفيهن الإمام التعوذ والتسمية وآمين والتحميد وعن أبي وائل عن عبد اللّه أنه كان يخفي بسم اللّه الرحمن الرحيم والاستعاذة وربنا لك الحمد.
(4) يستدل الحنفية على ذلك بحديث ابن مسعود السابق بالهامش وروى أحمد وأبو يعلى والطبراني والدارقطني والحاكم في المستدرك عن وائل أنه صلى مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فلما بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: آمين وأخفى بها صوته ورواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
(5) يرى الشافعي رفع اليدين عند الركوع والرفع منه لأحاديث وأثار وردت في ذلك وللحنفية أحاديث وآثار تدل على عدم ذلك.
فهما متعارضان في الدلالة ويرحج الحنفية المنح بدليل أنه كانت أقوال مباحة في الصلاة وأفعال من جنس هذا الرفع وقد علم نسخها فلا يبعد أن يكون هذا منها قالوا وقد ثبت معارضه ثبوتاً لا مرد له. قال أبو حنيفة ليس وائل أحفظ من عبد اللّه بن مسعود وقد حدثني من لا أحصى عن عبد اللّه أنه رفع يديه في بدء الصلاة فقط وحكاه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو عالم بشرائع الإسلام وحدوده متفقد لأحوال النبي صلى اللّه عليه وسلم ملازم له في إقامته وأسفاره فالأخذ به عند التعارض أولى. وهو كلام موفق سديد.
---
(6) القياس عدم فسادها وهو قول الشافعية ويستدل الحنفية بحديث في آخر وهن من حيث آخرهن 31، ويدعي صاحب الهداية أنه من المشاهير والتحقيق أنه موقوف على ابن مسعود؛ وإن صح فإنه يفيد الأثم لا فساد الصلاة وليبحث المقام.
--------------------------
باب صفة الصلاة
شروع في المشروط بعد بيان الشرط.
(فرائض) نفس (الصلاة ستة):
الأول: (التحريمة) قائما؛ لقوله عليه السلام: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير)
وهي شرط عندهما، وفرض عند محمد، وفائدته فيما إذا فسدت الفريضة: تنقلب نفلاً عندهما، وعنده لا، وفيما إذا شرع في الظهر قبل الزوال، فلما فرغ من التحريمة زالت الشمس، فعندهما يجوز، وعنده لا. جوهرة وعدها من فرائضها لأنها منها بمنزلة الباب للدار: فإن الباب - وإن كان غيرها - فهو يعد منها، وسميت تحريمة لأنها تحرم الأشياء المباحة قبلها المباينة للصلاة.
(و) الثاني: (القيام) بحيث لو مد يديه لا ينال ركبتيه، وذلك في فرض وملحق به لقادر عليه وعلى السجود، فلو قدر عليه دون السجود ندب إيماؤه قاعداً كما في الدر.
(و) الثالث: (القراءة) لقادر عليها، كما سيأتي.
(و) الرابع: (الركوع) بحيث لو مد يديه نال ركبتيه.
(و) الخامس: (السجود) بوضع الجبهة وإحدى اليدين وإحدى الركبتين وشيء من أطراف أصابع إحدى القدمين على ما يجد حجمه، وإلا لم تتحقق السجدة وكماله بوضع جميع اليدين والركبتين والقدمين والجبهة مع الأنف، كما ذكره المحقق ابن الهمام وغيره، ومن اقتصر على بعض عبارت أئمتنا مما فيه مخالفة لما قاله الفقيه أبو الليث والمحققون فقد قصر، وتمامه في الأمداد.
(و) السادس: (القعدة الأخيرة مقدار التشهد) إلى قوله: "عبده ورسوله" هو الصحيح، حتى لو فرغ المقتدي قبل فراغ الإمام المتكلم أو أكل فصلاته تامة. جوهرة.
---
(وما زاد على ذلك) المذكور (فهو سنة) قال في الهداية: أطلق اسم السنة وفيها واجبات: كقراءة الفاتحة، وضم السورة إليها، ومراعاة الترتيب فيما شرع مكرراً من الأفعال، والقعدة الأولى، وقراءة التشهد في الأخيرة، والقنوت في الوتر، وتكبيرات العيدين، والجهر فيما يجهر فيه؛ والمخافتة فيما يخافت فيه، ولهذا يجب سجدتا السهو بتركها، هو الصحيح، لما أنه ثبت وجوبها بالسنة اهـ. (فإذا دخل الرجل): أي أراد الدخول (في الصلاة كبر): أي قال وجوباً: "اللّه أكبر"، (ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي) ويمس (بإبهاميه شحمتي أذنيه)؛ لأنه من تمام المحاذاة، ويستقبل بكفيه القبلة، وقيل: خديه، قال في الهداية: الأصح أنه يرفع أولا ثم يكبر، وقال الزاهدي: وعليه عامة المشايخ.
---
(فإن قال بدلا من التكبير اللّه أجل أو أعظم أو الرحمن أكبر) أو أجل أو أعظم أو لا إله إلا اللّه أو غير ذلك من كل ذكر خالص للّه تعالى (أجزأه) مع كراهة التحريم (1)، وذلك، (عند أبي حنيفة ومحمد) رحمهما اللّه تعالى (وقال أبو يوسف) رحمه اللّه تعالى: إن كان يحسن التكبير (لا يجزئه) الشروع (إلا بلفظ التكبير) كأكبر وكبير، معروفا ومنكراً مقدماً ومؤخراً قال في التصحيح: قال الإسبيجاني: والصحيح قولهما، وقال الزاهدي: هو الصحيح، واعتمده البرهاني والنسفي. اهـ. (ويعتمد) الرجل (بيده اليمنى على اليسرى) آخذاً رسغها بخنصره وإبهامه باسطاً أصابعه الثلاث على المعصم (ويضعهما) كلما فرغ من التكبير (تحت سرته) وتضع المرأة الكف على الكف تحت الثدي؛ قال في الهداية: ثم الاعتماد سنة القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللّه، حتى لا يرسل حالة الثناء، والأصل أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه، وما لا فلا، هو الصحيح؛ فيعتمد في حالة القنوت وصلاة الجنازة ويرسل في القومة وبين تكبيران الأعياد. اهـ (ثم يقول) كما كبر: (سبحانك اللّهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك و) كما فرغ من الاستفتاح (يستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم) قال في الهداية: والأولى أن يقول: أستعيذ باللّه؛ ليوافق القرآن، ويقرب منه "أعوذ" ثم التعوذ تبع للقراءة دون الثناء عند أبي حنيفة رحمه اللّه لما تلونا، حتى يأتي به المسبوق دون المقتدى. اهـ (و) كما فرغ (يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم. ويسر بهما: أي الاستعاذة والبسملة، ولو الصلاة جهرية (ثم) كما سمى (يقرأ) وجوباً (فاتحة الكتاب وسورة معها): أي مضمومة إليها كائنة بعدها (أو ثلاث آيات من أي سورة شاء)، فقراءة الفاتحة لا تتعين ركناً عندنا، وكذا ضم السورة إليها. هداية.
(يتبع...)
@(تابع... 1): - فرائض الصلاة سنةٌ: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود،... ...
---
(وإذا قال الإمام ولا الضالين قال) بعدها (آمين) بمد أو قصر (ويقولها المؤتم) أيضاً معه (ويخفونها) سواء كانت سرية أو جهرية (ثم كما فرغ من القراءة (يكبر ويركع) وفي الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم (كان يكبر عند كل خفض ورفع) ويحذف المد في التكبير حذفاً، لأن المد في أوله خطأ من حيث الدين لكونه استفهاماً، وفي آخره لحن من حيث اللغة. هداية. (ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج أصابعه) ولا يندب إلى التفريج إلا في هذه الحالة، ليكون أمكن من الأخذ، ولا إلى الضم إلا في حالة السجود، وفيما وراء ذلك يترك على العادة (ويبسط ظهره) ويسوي رأسه بعجزه (ولا يرفع رأسه) عن ظهره (ولا ينكسه) عنه (ويقول في ركوعه؛ سبحان ربي العظيم) ويكررها (ثلاثاً، وذلك أدناه): أي أدنى كمال السنة، قال في المنية: أدناه ثلاث، والأوسط خمس، والأكمل سبع. اهـ. (ثم يرفع رأسه ويقول) مع الرفع: (سمع اللّه لمن حمده) ويكتفي به الإمام عند الإمام، وعند الإمامين يضم التحميد سراً، هداية؛ وهو رواية عن الإمام أيضاً، وإليه مال الفضلي والطحاوي وجماعة من المأخرين معراج عن الظهيرية، ومشى عليه في نور الإيضاح، لكن المتون على خلافه.
---
(ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد) ويكتفي به، وأيضاً له (اللّهم ربنا ولك الحمد) ثم حذف الواو، ثم حذف (اللّهم) فقط؛ والمفرد يجمع بينهما في الأصح، هداية وملتقى (فإذا استوى قائما كبر) مع الخرور (وسجد) واضعا ركبتيه أولا (واعتمد بيديه على الأرض) بعدهما (ووضع وجهه بين كفيه) اعتبارا لآخر الركعة بأولها؛ ويوجه أصابع يديه نحو القبلة (وسجد) وجوباً (على أنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة) رحمه اللّه، فإن كان على الأنف كره وإن كان على الجبهة لا يكره، كما في الفتح عن التحفة والبدائع (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز: الاقتصار على الأنف إلا من عذر) وهو رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى. جوهرة، وفي التصحيح نفلا عن العيون: وروى عنه مثل قولهما، وعليه الفتوى، واعتمده المحبوبي وصدر الشريعة (وإن سجد على كور عمامته) إذا كان على جبهته (أو فاضل): أي طرف (ثوبه جاز) ويكره إلا من عذر (ويبدي ضبعيه) تثنية ضبع - بالسكون - العضد؛ أي الساعد، وهو من المرفق إلى الكتف؛ أي يظهرهما، وذلك في غير رحمة. (ويجافي): أي يباعد (بطنه عن فخذيه ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة)، والمرأة تنخفض وتلزق بطنها بفخذيها، لأن ذلك أستر لها. هداية. (ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى) ويكررها (ثلاثا، وذلك أدناه): أي أدنى كمال السنة، كما مر.
---
(ثم يرفع رأسه ويكبر) مع الرفع إلى أن يستوي جالساً، ولو لم يستو جالساً وسجد أخرى أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللّه تعالى، وتكلموا في مقدار الرفع، والأصح أنه إذا كان إلى السجود أقرب لا يجوز: لأنه يعد ساجداً. وإن كان إلى الجلوس أقرب جاز لأنه يعد جالساً، فتحقق الثانية. هداية (فإذا اطمأن)؛ أي سكن (جالساً) كجلسة المتشهد (كبر) مع عوده (وسجد) سجدة ثانية كالأولى (فإذا اطمأن ساجداً كبر) مع النهوض (واستوى قائما على صدور قدميه) وذلك بأن يقوم وأصابع القدمين على هيئتها في السجود (ولا يقعد) للاستراحة (ولا يعتمد بيديه على الأرض) ويكره فعلهما تنزيها لمن ليس به عذر. حلية. (ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في) الركعة (الأولى) لأنه تكرار الأركان (إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ) لأنهما لا يشرعا إلا مرة (ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى) فقط (فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش) الرجل (رجله اليسرى فجلس عليها): أي على قدمها، بأن يجعلها تحت إليته (ونصب) قدم (اليمنى نصباً ووجه أصابعه نحو القبلة) ندباً، والمرأة تجلس على إليتها اليسرى وتخرج رجلها اليسرى من تحت اليمنى، لأنه أستر لها (ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه) مفرجة قليلاً جاعلاً أطرافها عند ركبته (وتشهد): أي قرأ تشهد ابن مسعود، بلا إشارة بسبابته عند الشهادة في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف في الأمالي أنه يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والإبهام ويشير بالسبابة؛ ونقل مثله عن محمد والإمام، واعتمده المتأخرون، لثبوته عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بالأحاديث الصحيحة، ولصحة نقله عن أئمتنا الثلاثة؛ ولذا قال في الفتح: إن الأول خلاف الدراية والرواية؛ ولشيخنا رحمه اللّه تعالى رسالة في التشهد حرر فيها صحة هذين القولين ونفى ما عداهما حيث قال: إنه ليس لنا ما سوى قولين: الأول - وهو المشهور في المذهب - بسط الأصابع بدون إشارة، الثاني
---
بسط الأصابع إلى حين الشهادة فيعقد عندها ويرفع السبابة عند النفي ويضعها عند الإثبات، وهذا ما اعتمده المتأخرون، وأما ما عليه الناس من الإشارة مع البسط بدون عقد فلم أر أحداً قال به. اهـ.؛ ثم ذيل رسالته بأخرى حقق فيها صحة الرواية بما عليه الناس، فمن رام استيفاء الكلام فليرجع إليهما يظفر بالمرام.
(والتشهد أن يقول: التحيات للّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين) (أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) وهذا تشهد ابن مسعود رضي اللّه عنه؛ فإنه قال: أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيدي وعلمني التشهد كما كان يعلمني سورة من القرآن، وقال: قل التحيات للّه.. إلخ. هداية، ويقصد بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء كأنه يحيي اللّه تعالى ويسلم على نبيه وعلى نفسه وأوليائه؛ در (ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى) فإن زاد عامداً كره، وإن كان ساهياً سجد للسهو إن كانت الزيادة بمقدار (اللّهم صلي على محمد) على المذهب. تنوير (ويقرأ في الركعتين الأخريين الفاتحة خاصة) وهذا بيان الأفضل، وهو الصحيح، هداية. فلو سبح ثلاثاً أو وقف ساكتاً بقدرها صح، ولا بأس به على المذهب، تنوير (فإن جلس في آخر الصلاة جلس) مفترشاً أيضاً (كما) جلس (في) القعدة (الأولى وتشهد) أيضا (وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم) ولو مسبوقاً كما رجحه في المبسوط؛ لكن رجح قاضيخان أنه يترسل في التشهد، قال في البحر: وينبغي الإفتاء به. اهـ. وسئل الإمام محمد عن كيفيتها فقال يقول: (اللّهم صلي على محمد) إلى آخر الصلاة المشهورة (ودعا بما شاء مما يشبه ألفاظ القرآن) لفظاً ومعنى بكونه فيه نحو (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) وفي الآخرة حسنة وليس منه، لأنه إنما أراد به الدعاء لا القراءة. نهر (والأدعية) بالنصب عطفاً على ألفاظ الجر عطفاً على القرآن (المأثورة): أي
---
المروية نحو ما في مسلم (اللّهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) ومنها ما روى أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته فقال: (قل اللّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
(ولا يدعو بما يشبه كلام الناس) تحرزاً عن الفساد، وقد اضطرب فيه كلامهم، والمختار - كما قاله الحلبي - أن ما في القرآن والحديث لا يفسد مطلقاً، وما ليس في أحدهما إن استحال طلبه من الخلق لا يفسد، وإلا أفسد لو قبل القعود قدر التشهد، وإلا خرج به من الصلاة مه كراهية التحريم (ثم يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده فيقول: السلام عليكم ورحمة اللّه) ولا يقول: (وبركاته) لعدم توارثه؛ وصرح الحدادي بكراهته (و) يسلم بعدها (عن يساره مثل ذلك) السلام المذكور، ويسن خفضه عن الأول، وينوي من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة، وكذلك في الثانية، لأن الأعمال بالنيات. هداية. وفي التصحيح: واختلفوا في تسليم المقتدى؛ فعن أبي يوسف ومحمد يسلم بعد الإمام وعن أبي حنيفة فيه روايتان، قال الفقيه أبو جعفر: المختار أن ينتظر إذا سلم الإمام عن يمينه يسلم المقتدى عن يمينه، وإذا فرغ عن يساره يسلم عن يساره، اهـ].
(ويجهر) المصلي وجوباً بحسب الجماعة وإن زاد أساء (بالقراءة في) ركعتي (الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء) أداء وقضاء وجمعة وعيدين وتراويح ووتر في رمضان (إن كان) المصلي (إماماً، ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين) هذا هو المتوارث. اهـ.
---
قال في التصحيح: والمخافتة تصحيح الحروف وهذا هو مختار الكرخي وأبي بكر البلخي، وعن الشيخ أبي القاسم الصفار وأبي جعفر الهندواني ومحمد ابن الفضل البخاري: أن أدنى المخافتة أن يسمع نفسه إلا لمانع، وفي زاد الفقهاء: هو الصحيح وقال الحلواني: لا يجزئه إلا أن يسمع نفسه ومن بقربه، وفي البدائع: ما قاله الكرخي أنيس وأصح، وفي كتاب الصلاة إشارة إليه فإنه قال: إن شاء قرأ في نفسه سراً وإن شاء جهر وأسمع نفسه، وقد صرح في الآثار بذلك، وتمامه فيه.
(وإن كان) المصلي (منفرداً فهو مخير: إن شاء جهر وأسمع نفسه) لأنه إمام نفسه (وإن شاء خافت)؛ لأنه ليس خلفه من يسمعه، والأفضل هو الجهر؛ ليكون الأداء على هيئة الجماعة. هداية. (ويخفي الإمام) وكذا المنفرد (القراءة) وجوبا (في) جميع ركعات (الظهر والعصر) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (صلاة النهار عجماء): أي ليس فيها قراءة مسموعة (2). هداية.
---
(والوتر) واجب عند أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى، وهذا آخر أقواله، وهو الظاهر من مذهبه، وهو الأصح، وعنه أنه سنة، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد، وعنه أنه فريضة، وبه أخذ زفر، وقيل بالتوفيق: فرض؛ أي عملاً، وواجب: أي اعتقاداً، وسنة: أي ثبوتاً، وأجمعوا على أنه لا يكفر جاحده، وأنه لا يجوز بدون نية الوتر، وأن القراءة تجب في كل ركعاته، وأنه لا يجوز أداؤه قاعداً أو على الدابة بلا عذر، كما في المحيط، نهر، وهو (ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام) كصلاة المغرب، حتى لو نسي القعود لا يعود إليه، ولو عاد ينبغي الفساد، كما في الدر (ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة أداء وقضاء (ويقرأ) وجوباً (في كل ركعة من الوتر فاتحة الكتاب وسورة معها) أو ثلاث آيات (فإذا أردت أن يقنت كبر ورفع يديه) كرفعه عند الافتتاح (ثم قنت)، ويسن الدعاء المشهور، وهو: "اللّهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللّهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك، الجد بالكفار ملحق" قال في النهر: ونحفد بدال مهملة: أي نسرع، ولو أتى بها معجمة فسدت، كما في الخانية، قيل: ولا يقول الجد، لكنه ثبت في مراسيل أبي داود، وملحق بكسر الحاء وفتحها، والكسر أفصح، كذا في الدراية، ويصلي فيه على النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقيل: لا، استغناء بما في آخر التشهد، وبالأولى يفتي. واختلف فيمن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه: هل يقول: "يا رب". أو "اللّهم اغفر لي" ثلاثاً أو "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" والخلاف في الأفضلية: والأخيرة أفضل. اهـ. باختصار، وسكت عن صفته من الجهر والإخفاء لأنه لم يذكر في ظاهر الرواية، وقد قال بن الفضل: يخفيه الإمام والمقتدي. وفي الهداية تبعاً للسرخسي: أنه المختار (ولا يقنت في صلاة غيرها) إلا لنازلة في
---
الجهرية، وقيل: في الكل.
(وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها) على طريق الفرضية بحيث (لا يجوز غيرها) وإنما منعين الفاتحة على طريق الوجوب (ويكره) للمصلي (أن يتخذ سورة) غير الفاتحة (لصلاة بعينها) بحيث (لا يقرأ غيرها)؛ لما فيه من هجران الباقي، وإيهام التفضيل، وذلك كقراءة سورة السجدة وهل أتى الفجر كل جمعة، وهذا إذا رأى ذلك حتماً واجباً لا يجوز غيره، أما إذا علم أنه يجوز أي سورة قرأها ولكن يقرأ هاتين السورتين تبركاً بقراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم فلا يكره، بل يندب، لكن بشرط أن يقرأ غيرهما أحياناً؛ كي لا يظن جاهل أنه لا يجوز غيرهما.
(وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن) ولو دون الآية (عند أبي حنيفة) واختاره المصنف، ورجحها في البدائع، وفي ظاهر الرواية آية تامة طويلة كانت أو قصيرة، واختارها المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة، كذا في التصحيح، (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجزئ أقل من ثلاث آيات قصار أو آية طويلة) قال في الجوهرة: وقولهما في القراءة احتياط، والاحتياط في العبادات أمر حسن. اهـ.
(ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام) مطلقاً، وما نسب إلى محمد ضعيف كما بسطه الكمال والعلامة قاسم في الصحيح، فإن قرأ كره تحريماً، وتصح في الأصح. در. (3)
(ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية) نفس (الصلاة، ونية المتابعة) للإمام، وكيفية نيته - كما في المحيط - أن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته، ولو نوى الاقتداء به لا غير، قيل. لا يجزئه، والأصح أنه يجزئه، لأنه جعل نفسه تبعاً للإمام مطلقاً، والتبعية من كل وجه إنما تتحقق إذا صار مصلياً ما صلاه الإمام، كذا في الدراية.
---
(الجماعة) للرجال (سنة مؤكدة) وقيل: واجبة، وعليه العامة. تنوير: أي عامة مشايخنا وبه جزم في التحفة وغيرها، قال في البحر: وهو الراجح عند أهل المذهب. اهـ در، وأقلها اثنان واحد مع الإمام، ولو مميزاً، في مسجد أو غيره، ويكره تكرارها بأذان وإقامة في مسجد محلة، لا في مسجد طريق، أو في مسجد لا إمام له ولا مؤذن. در. وفي شرح المنية: إذا لم تكن الجماعة على الهيئة الأولى لا تكره، وإلا نكره، وهو الصحيح، وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة، كذا في البزازية. اهـ.
(يتبع...)
@(تابع... 2): - فرائض الصلاة سنةٌ: التحريمة، والقيام، والقراءة، والركوع، والسجود،... ...
(وأولى الناس بالإمامة) - إذا لم يكن صاحب منزل ولا ذو سلطان - (أعلمهم بالسنة): أي الشريعة، والمراد أحكام الصلاة صحة وفساداً (فإن تساووا) علماً (فأقرؤهم) لكتاب اللّه تعالى: أي أحسنهم تلاوة (فإن تساووا أورعهم) أي أكثرهم اتقاء للشبهات (فإن تساووا فأسنهم): أي أكبرهم سناً؛ لأنه أكثر خشوعاً، ثم الأحسن خلقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأنظف ثوباً، فإن استووا يقرع بينهما، أو الخيار إلى القوم، وإن اختلفوا اعتبر الأكثر وفي الامداد: وأما إذا اجتمعوا فالسلطان مقدم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل ولو مستأجراً، وكذا يقدم القاضي على إمام المسجد. اهـ.
(ويكره) تنزيها (تقديم العبد) لغلبة جهله؛ لأنه لا يتفرغ للتعلم (والأعرابي) وهو من يسكن البوادي؛ لأن الجهل فيهم غالب، قال تعالى: {وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله} (والفاسق) لأنه يتهم بأمر دينه (والأعمى) لأنه لا يتوقى النجاسة (وولد الزنا) لأنه لا أب له يفقهه فيغلب عليه الجهل، ولأن في تقديم هؤلاء تتغير الجماعة فيكره. هداية (فإن تقدموا جاز) لقوله صلى اللّه عليه وسلم. (صلوا خلف كل بر وفاجر).
---
(وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة) عن القدر المسنون قراءة وأذكاراً، قال في الفتح: وقد بحثنا أن الطويل هو الزيادة عن القراءة المسنونة؛ فإنه صلى اللّه عليه وسلم نهى عنه، وقراءته هي المسنونة؛ فلابد من كون ما نهى عنه غير ما كان دأبه إلا لضرورة. اهـ.
(ويكره للنساء) تحريما. فتح (أن يصلين وحدهن) يعني بغير الرجال (جماعة) وسواء في ذلك الفرائض والنوافل، إلا صلاة الجنازة (فإن فعلن وقفت) المرأة الإمام (وسطهن) فلو تقدمت صحت وأثمت إثما آخر.
(ومن صلى مع واحد) ولو صبياً أقامه عن يمينه) محاذياً له، وعن محمد يضع أصابعه عند عقب الإمام والأول هو الظاهر، وإن كان وقوفه مساوياً للإمام وبسجوده يتقدم عليه لا يضر؛ لأن العبرة بموضع القيام، ولو صلى خلفه أو على يساره جاز، إلا أن يكون مسيئاً. جوهرة (فإن كانا اثنين تقدم عليهما) وعن أبي يوسف يتوسطهما هداية، ويتقدم الأكثر اتفاقا، فلو قاموا بجنبه أو قام واحد بجنبه وخلفه صف كره إجماعا. در.
(ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة) أو خنثى (أو صبي) مطلقاً، ولو في جنازة أو نفل في الأصح.
(ويصف) الإمام (الرجال ثم الصبيان) إن تعددوا؛ فلو واحد دخل في الصف، ولا يقوم وحده، ثم الخنائي، ولو منفردة ثم (النساء) كذلك، قال الشمني: وينبغي للإمام أن يأمرهم بأن يتراصوا، ويسدوا الخلل، ويسووا مناكبهم، ويقف وسطا. اهـ.
---
(فإن قامت امرأة) مشتهاة ولو ماضياً أو أمة أو زوجة أو محرماً (إلى جنب رجل) ركناً كاملاً (وهما مشتركان في صلاة واحدة) ذات ركوع وسجود، ولا حائل بينهما، ولم يشر إليها لتتأخر عنه، ونوى الإمام إمامتها (فسدت صلاته) لا صلاتها، وإن أشار إليها فلم تتأخر، أو لم ينو الإمام إمامتها - فسدت صلاتها، لا صلاته، وأن لم تدم المحاذاة ركناً كاملاً، أو لم يكونا في صلاة واحدة، أو في صلاة غير ذات ركوع وسجود، أو بينهما حائل مثل مؤخرة الرجل في الطول والإصبع في الغلط - لم تضرهما المحاذاة والفرجة تقوم مقام الحائل، وأدناها قدر ما يقوم فيه المصلي، وتمامه في القهستاني.
(ويكره للنساء) الشواب (حضور الجماعة) مطلقاً؛ لما فيه من خوف الفتنة (ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء) وهذا عند أبي حنيفة، أما عندهما فتخرج في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة لقلة الرغبة فيهن، وله أن فرط الشبق حامل فتقع الفتنة، غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة، أما في الفجر والعشاء فإنهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشتغلون. هداية، وفي الجوهرة: والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها؛ لظهور الفسق في هذا الزمان اهـ.
---
(ولا يصلي الطاهر خلف من به سلس البول ولا الطاهرات خلف المستحاضة) لما فيه من بناء القوي على الضعيف، ويصلي من به سلس البول خلف مثله، وخلف من عذره أخف من عذره (و) كذا (لا) يصلي (القارئ) وهو من يحفظ من القرآن ما تصح به الصلاة (خلف الأمي) وهو عكس القارئ (ولا المكتسي خلف العريان) لقوة حالهما (ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين) لأنه طهارة مطلقة، ولهذا لا يتقدر بقدر الحاجة (والماسح على الخفين الغاسلين) لأن الخف مانع سراية الحدث إلى القدم، وما حل بالخف يزيله المسح (ويصلي القائم خلف القاعد) وقال محمد: لا يجوز، وهو القياس؛ لقوة حال القائم، ونحن تركناه بالنص، وهو ما روى أنه صلى اللّه عليه وسلم (صلى آخر صلاته قاعداً والقوم خلفه قيام) هداية.
(ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ) لأن حال المقتدي أقوى (ولا يصلي المفترض خلف المتنقل) لأن الاقتداء بناء ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام فلا يتحقق البناء على المعدوم (ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر) لأن الاقتداء شركة وموافقة؛ فلابد من الاتحاد، ومتى فسد الاقتداء لفقد شرط كظاهر بمعذور لم تنعقد أصلاً، وإن لاختلاف الصلاتين تنعقد نفلا غير مضمون، كذا في الزيلعي، وثمرته الانتقاص بالقهقهة إذا انعقدت وإلا لا (ويصلي المنفل خلف المفترض) لأن فيه بناء الضعيف على القوى وهو جائز.
(ومن اقتدى بإمام ثم علم) أي المقتدي (أنه) أي الإمام (على غير وضوء) في زعمهما (أعاد الصلاة) اتفاقاً (لظهور بطلانها) وكذا لو كانت صحيحة في زعم الإمام فاسدة في زعم المقتدي؛ لبنائه على الفاسد في زعمه فلا يصح، وفيه خلاف، وصحح كل، أما لو فسدت في زعم الإمام وهو لا يعلم به وعلمه المقتدي صحت في قول الأكثر، وهو الأصح؛ لأن المقتدي يرى جواز صلاة إمامه، والمعتبر في حقه رأى نفسه؛ فوجب القول بجوازها، كذا في حاشية شيخ مشايخنا الرحمتي.
---
(ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده) والعبث: عمل ما لا فائدة فيه، مصباح والمراد هنا فعل ما ليس من أفعال الصلاة. لأنه ينافي الصلاة (ولا يقلب الحصى) لأنه نوع عبث (إلا أن يمكنه السجود) عليه إلا بمشقة (فيسويه مرة واحدة) وتركه أفضل، لأنه أقرب للخشوع (ولا يفرقع أصابعه) بغمزها أو مدها حتى تصوت (ولا يتخصر) وهو: أن يضع يده على خاصرته، قال ابن سرين؛ وهو أشهر تأويلاته، لما فيه من تفويت سنة أخذ اليدين، ولأنه من فعل الجبابرة، وقيل: أن يتكئ على المخصرة (ولا يسدل ثوبه) تكبراً أو تهاوناً، وهو: أن يجعل الثوب على رأسه وكتفيه ويرسل جوانبه من غير أن يضمها؛ قال صدر الشريعة: هذا في الطيلسان، أما في القباء ونحوه فهو أن يلقيه على كتفيه من غير أن يدخل يديه في كميه. اهـ. (ولا يعقص شعره) وهو: أن يجمعه ويعقده في مؤخر رأسه، والسنة أن يدعه على حاله يسجد معه، (ولا يكف ثوبه) وهو: رفعه من بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود، وقيل: أن يجمع ثوبه ويشده في وسطه: لما فيه من التجبر المنافي لوضع الصلاة، وهو الخشوع (ولا يلتفت): أي بعنقه بحيث يخرج وجهه عن القبلة، فأما النظر بطرف عينه من غير أن يلوي عنقه فخلاف الأولى (ولا يقعي) كالكلب، وهو أن: ينصب ركبتيه ولا يضع يديه على الأرض (ولا يرد السلام بلسانه) لأنه مفسد صلاته (ولا بيده) لأنه سلام معنى حتى لو صافح بنية التسليم تفسد صلاته (ولا يتربع إلا من عذر) لأن فيه ترك سنة القعود (ولا يأكل، ولا يشرب) لأنه ليس من أعمال الصلاة، فإن فعل شيئاً من ذلك بطلت صلاته: سواء كان عامداً أو ناسياً.
---
(فإن سبقه الحدث) في صلاته (انصرف) من ساعته من غير مهلة، حتى لو وقف قدر أداء ركن بطلت صلاته، ويباح له المشي، والاغتراف من الإناء والانحراف عن القبلة، وغسل النجاسة، واستنجاء إذا أمكنه من غير كشف عورته، وإن تجاوز الماء القريب إلى غيره تفسد صلاته، لمشيه من غير حاجة (فإن كان إماماً استخلف) بأن يجره بثوبه إلى المحراب، وذهب المسبوق (وتوضأ وبنى على صلاته) ثم إن كان منفرداً فهو بالخيار: إن شاء عاد إلى مصلاه وأتم صلاته، وهو الأفضل، ليكون مؤدياً صلاته في مكان واحد، وإن شاء أتم في موضع وضوئه، لما فيه من تقليل المشي، وإن كان مقتدياً فإنه يعود إلى مكانه، إلا أن يكون إمامه قد فرغ من صلاته فيخير كالمنفرد، وإن كان إماماً عاد أيضاً إلى مصلاه وصارل مأموماً، إلا أن يكون الخليفة قد فرغ من صلاته فيخير أيضاً (والاستئناف) في حق الكل (أفضل) خروجا من الخلاف، وقيل: إن المنفرد يستقبل؛ والإمام والمقتدي يبني صيانة لفضيلة الجماعة.
فإن نام المصلي في صلاته (فاحتلم أو جن أو أغمي عليه أو قهقه استأنف (الوضوء والصلاة) جميعاً؛ لأنه يندر وجود هذه العوارض، فلم يكن في معنى ما ورد به النص. هداية.
وإن تكلم المصلي (في الصلاة) كلا ما يعرف في تفاهم الناس ولو من غير حروف كالذي يستاق به الحمار (عامداً أو ساهياً بطلت صلاته) وكذا لو أن أو تأوه أو ارتفع بكاؤه من وجع أو مصيبة، فإن كانت من ذكر جنة أو نار لا تبطل؛ لدلالتها على زيادة الخشوع.
(وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم) لأن التسليم واجب، فلابد من التوضؤ ليأتي به (وإن تعمد الحدث في هذه الحالة) يعني بعد التشهد (أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة تمت صلاته) لتعذر البناء بوجود القاطع، ولم يبق عليه شيء من الأركان.
---
(وإن رأى المتيمم الماء) الكافي (في صلاته) قبل القعود الأخير قدر التشهد (بطلت صلاته) اتفاقاً (وإن رآه) أي الماء (بعدما قعد قدر التشهد، أو كان ماسحا) على الخفين (فانقضت مدة مسحه، أو خلع خفيه بعمل رفيق): أي قليل؛ فلو بعمل كثير تمت صلاته اتفاقا (أو كان أميا فتعلم سورة) بتذكر أو عمل قليل (بأن قرئ) عنده آية فحفظها (أو) كان يصلي (عرياناً) لفقد الساتر (فوجد ثوباً؛ أو) كان يصلي (مومياً) لعجزه عن الركوع والسجود (فقدر على الركوع والسجود، أو تذكر أن عليه صلاة قبل هذه الصلاة) وكان ذا ترتيب وفي الوقت سعة (أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمياً، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر أو دخل وقت العصر في) صلاة (الجمعة، أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برئ؛ أو كان صاحب عذر فانقطع عذره) كالمستحاضة ومن هو بمعناها بأن توضأت مع السيلان وشرعت في الظهر وقعدت قدر التشهد فانقطع الدم ودام الانقطاع إلى غروب الشمس، فإنها تعيد الظهر عنده، كما لو انقطع في خلال الصلاة (بطلت صلاته في قول أبي حنيفة) وذلك لأن الخروج بصنعة فرض عنده، فاعتراض هذه الأشياء في هذه الحالة كاعتراضها في خلال الصلاة (وقال أبو يوسف ومحمد: تمت صلاته)، لأن الخروج بصنعة ليس يفرض، فاعتراض هذه الأشياء كاعتراضها بعد السلام، قال في التصحيح: ورجح دليله في الشروح وعامة المصنفات واعتمده النسفي وغيره. اهـ.
--------------
(1) اختلف المشايخ في كراهة دخول الصلاة بلفظ غير لفظ التكبير عندهما، فقال؛ السرخسي لا يكره عندهما. وقال في الذخيرة: الأصح أنه يكره، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وتحريمها التكبير).
---
(2) ذكر الكمال في الفتح أن الحديث غريب. ونقل عن النووي أنه لا أصل له ثم روى حديث البخاري عن شجرة قال: قلنا لخباب هل كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلنا: بم كنتم تعرفون قراءته قال: باضطراب لحيته، قلت: وهذا دليل صحيح على وجوب الإسرار في هاتين الصلاتين. ففي الحديث صلوا كما رأيتموني أصلي والأصل في الأمر الوجوب ومثله في الدلالة ما في صحيح مسلم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية الحديث.
(3) استدل الحنفية بحديث (من صلى خلف إمام فقراءة الإمام له قراءة) وقد أثبت الكمال صحة الحديث ونفي الطعن فيه بما لا يدع مجالاً للشك وعليه عمل الصحابة. وفي حديث إنما جعل الإمام ليؤتم به (وإذا قرأ الإمام فانصتوا) كما في صحيح مسلم.
ونقل عن محمد أنه يقرأ في السرية وهو خلاف ظاهر الرواية عنه وهو كما قال الشارح ضعيف.
--------------------------
باب قضاء الفوائت.
- ومن فاتته الصلاة قضاها إذا ذكرها وقدمها لزوماً على صلاة الوقت إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت فيقدم صلاة الوقت ثم يقضيها، فإن فاتته صلواتٌ رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل، إلا أن تزيد الفوائت على ست صلواتٍ، فيسقط الترتيب فيها.
--------------------------
باب قضاء الفوائت
---
لما فرغ من بيان أحكام الأداء وما يتعلق به الذي هو الأصل شرع في بيان أحكام القضاء الذي هو خلفه، وعبر بالفوائت دون المتروكات تحسيناً للظن، لأن الظاهر من حال المسلم أن لا يترك الصلاة عمداً، ولذا قال: (ومن فاتته الصلاة) يعني عن غفلة أو نوم أو نسيان (قضاها إذا ذكرها) وكذا إذا تركها عمداً، لكن المسلم عقل ودين يمنعان عن التفويت قصداً (وقدمها لزوماً على صلاة الوقت) فلو عكس لم تجز الوقتة، ولزمه إعادتها (إلا أن) ينسى الفائتة ولم يذكرها حتى صلى الوقتية، أو يكون ما عليه من الفوائت أكثر من ست صلوات، أو يضيق وقت الحاضرة و (يخاف فوات صلاة الوقت) إن اشتغل بقضاء الفائتة (فيقدم صلاة الوقت) حينئذ (ثم يقضيها) يعني الفائتة (وإن فاتته صلوات رتبها) لزوماً (في القضاء كما وجبت) عليه (في الأصل): أي قبل الفوات، وهذا حيث كانت الفوائت قليلة دون ست صلوات، وأما إذا صارت ستاً فأكثر فلا يلزمه الترتيب؛ لما فيه من الحرج؛ ولذا قال: (إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات) وكذا لو كانت ستاً، والمعتبر خروج وقت السادسة في الصحيح، إمداد (فيسقط الترتيب فيها): أي بينها، كما سقط فيما بينها وبين الوقتية، ولا يعود الترتيب بعودها إلى القلة على المختار كما في التصحيح.
--------------------------
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة.
- لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها، ولا يصلى على جنازةٍ، ولا يسجد للتلاوة، إلا عصر يومه عند غروب الشمس، ويكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة، ويصلي على الجنازة، ولا يصلي ركعتي الطواف، ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر ولا يتنفل قبل المغرب.
--------------------------
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة
---
والأوقات التي لا يجوز فيها. وعنون بالأول لأن الأغلب، وإنما ذكره هنا لأن الكراهة من العوارض فأشبه الفوائت. جوهرة.
(لا تجوز الصلاة): أي المفروضة الواجبة التي وجبت قبل دخول الأوقات الآنية، وهي، (عند طلوع الشمس) إلى أن ترتفع وتبيض، قال في الأصل: إذا ارتفعت الشمس قدر رمح أو رمحين تباح الصلاة، وقال الفضلي: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس فالشمس في طلوعها؛ فلا تباح فيه الصلاة؛ فإذا عجز عن النظر تباح. اهـ. (ولا عند قيامها في الظهيرة) إلى أن تزول (ولا عند) قرب (غروبها) بحيث تصفر وتضعف حتى تقدر العين على مقابلتها إلى أن تغرب (و) كذا (لا يصلي): أي لا يجوز أن يصلي (على جنازة) حضرت قبل دخول أحد الأوقات المذكورة وأخرت إليه (ولا يسجد للتلاوة) الآية تليت قبله؛ لأنها في معنى الصلاة (إلا عصر يومه) فإنه يجوز أداؤه (عند غروب الشمس) لبقاء سببه، وهو الجزء المتصل به الأداء من الوقت، فأديت كما وجبت، بخلاف غيرها من الصلوات، فإنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص، قيد بعصر يومه لأن عصر غيره لا يصح في حال تغير الشمس؛ لإضافة السبب بخروج الوقت إلى جميعه وليس بمكروه، فلا يتأدى في مكروه.
---
(ويكره أن يتنفل) قصداً ولو لها سبب (بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) وترتفع (وبعد صلاة العصر) ولو لم تتغير الشمس (حتى تغرب، ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين) المذكورين (الفوائت ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة) لأن النهي لمعنى في غير الوقت. وهو كون الوقت كالمشغول بفرض الوقت حكماً، وهو أفضل من النفل، فلا يظهر في حق فرض آخر مثله؛ فلا يظهر تأثيره إلا في كراهة النافلة، بخلاف ما ورد النهي عن الصلاة فيه لمعنى فيه - وهو الطلوع، والاستواء، والغروب - فيؤثر في إبطال غير النافلة، وفي كراهة النافلة لا إبطالها (ولا يصلي) في الوقتين المذكورين (ركعتي الطواف؛ لأن وجوبه لغيره، وهو ختم الطواف، وكذا المنذور؛ لتعلق وجوبه بسبب من جهته، وما شرع فيه ثم أفسده؛ لصيانة المؤدى.
(ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر) قبل فرضه، قال شيخ الإسلام؛ النهي عما سواهما لحقهما؛ لأن الوقت متعين لهما، حتى لو نوى تطوعاً كان عنهما. اهـ. وفي التجنيس: المتنفل إذا صلى ركعة فطلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنه وقع لا عن قصد. اهـ. (ولا يتنفل قبل المغرب) لما فيه من تأخير المغرب المستحب تعجيله.
--------------------------
باب النوافل.
- السنة في الصلاة أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر، وإن شاء ركعتين، وركعتين بعد المغرب، وأربعاً قبل العشاء، وأربعاً بعدها، وإن شاء ركعتين.
ونوافل النهار إن شاء صلى ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ، وإن شاء أربعاً، وتكره الزيادة على ذلك، فأما نافلة الليل فقال أبو حنيفة: إن صلى ثمان ركعاتٍ بتسليمةٍ واحدةٍ جاز؛ وتكره الزيادة على ذلك.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمةٍ واحدةٍ.
والقراءة في الفرض واجبةٌ في الركعتين الأوليين، وهو مخيرٌ في الأخريين إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت.
---
والقراءة واجبةٌ في جميع ركعات النفل، وفي جميع الوتر،
ومن دخل في صلاة النفل ثم أفسدها قضاها، فإن صلى أربع ركعاتٍ وقعد في الأوليين ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين.
ويصلي النافلة قاعداً مع القدرة على القيام، وإن افتتحها قائماً ثم قعد جاز عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجوز إلا من عذرٍ،
ومن خارج المصر يجوز أن يتنفل على دابته إلى أي جهةٍ توجهت يومئ إيماءً.
--------------------------
باب النوافل
النوافل: جمع نافلة، وهي لغة؛ الزيادة، وشرعاً: عبارة عن فعل مشروع ليس بفرض ولا واجب ولا مسنون. جوهرة.
قال في النهاية: لقبه بالنوافل وفيه ذكر السنن، لكون النوافل أعم. اهـ.
وقدم بيان السنة لأنها أقوى، فقال: (السنة) وهي لغة: الطريقة مرضية أو غير مرضية، وشرعاً: الطريقة المسلوكة في الدين من غير اقتراض ولا وجوب (في الصلاة أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر) بدأ بها لأنها آكد من سائر السنن ولهذا قيل: إنها قريبة من الواجب (وأربعا قبل) صلاة (الظهر) بتسليمة واحدة، ويقتصر في الجلوس الأول على التشهد، ولا يأتي في ابتداء الثالثة بدعاء الاستفتاح، وكذا كل رباعية مؤكدة، بخلاف المستحبة؛ فإنه يأتي بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ويستفتح ويتعوذ، لكن قال في شرح المنية: مسألة الاستفتاح ونحوه ليست بمروية عن المتقدمين من الأئمة، وإنما هي اختيار بعض المتأخرين. اهـ. (وركعتين بعدها؛ وأربعا قبل) صلاة (العصر) بتسليمة أيضاً، وهي مستحبة (وإن شاء ركعتين) والأربع أفضل (وركعتين بعد) صلاة (المغرب) وهما مؤكدتان (وأربعاً قبل) صلاة (العشاء) بتسليمة أيضاً (وأربعاً بعدها) بتسليمة أيضاً، وهما مستحبتان أيضاً؛ فإن أراد الأكمل فعلهما (وإن شاء) اقتصر على صلاة (ركعتين) المؤكدتين بعدها، قال في الهداية: والأصل فيه قوله صلى اللّه عليه وسلم: (من ثابر على ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى اللّه له بيتاً في الجنة)
---
وفسر على نحو ما ذكر في الكتاب، غير أنه لم يذكر الأربع قبل العصر (1)، فلهذا سماه في الأصل حسناً، ولم يذكر الأربع قبل العشاء، ولهذا كان مستحباً لعدم المواظبة، وذكر فيه ركعتين بعد العشاء، وفي غيره ذكر الأربع، فلهذا خير، إلا أن الأربع أفضل. اهـ.
وآكد السنن: سنة الفجر، ثم الأربع قبل الظهر، ثم الكل سواء، ولا يقضي شيء منها إذا خرج الوقت، سوى سنة الفجر إذا فاتت معه وقضاه من يومه قبل الزوال.
(ونوافل النهار) مخير فيها (إن شاء صلى) كل (ركعتين) بتسليمة (وإن شاء) صلى (أربعا) بتسليمة (وتكره الزيادة على ذلك): أي على أربع بتسليمة (فأما نافلة الليل فقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى: (إن صلى) أربع ركعات أو ست ركعات أو ثمان ركعات بتسليمة واحدة جاز) من غير كراهة (وتكره الزيادة على ذلك)؛ أي على ثمان بتسليمة، والأفضل عنده أربعاً أربعاً ليلاً ونهاراً، (وقالا): الأفضل بالنهار كما قال الإمام، و (لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة) قال في الدراية: وفي العيون: وبه يفتي إتباعاً للحديث؛ وتعقبه العلامة قاسم في تصحيحه، ثم قال؛ وقد اعتمد الإمام البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم قول الإمام. اهـ.
(والقراءة في الفرض) في ركعتين مطلقاً فرض، و (واجبة) من حيث تعينها (في الركعتين الأوليين، وهو) حيث قرأ في الأوليين (مخير في الأخريين، إن شاء قرأ) الفاتحة (وإن شاء سبح) ثلاثاً (وإن شاء سكت) مقدار ثلاث تسبيحات، قال في الهداية: كذا روى عن أبي حنيفة، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة رضي اللّه عنهم: إلا أن الأفضل أن يقرأ، لأنه عليه الصلاة والسلام داوم على ذلك، ولهذا لا يجب السهو بتركها في ظاهر الرواية. اهـ. (وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى أنها واجبة في الأخريين. ويجب سجود السهو بتركها ساهياً، ورجحه ابن الهمام في شرح الهداية، وعلى هذا يكره الاقتصار على التسبيح والسكوت. ملتقى)
---
(والقراءة واجبة)؛ أي لازمة بحيث يفوت الجواز بفوتها (في جميع ركعات النفل وفي جميع) ركعات (الوتر) قال في الهداية: أما النفل فلأن كل شفع منه صلاة على حدة، والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة؛ ولهذا لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان في المشهور عن أصحابنا. ومن هذا قالوا: يستفتح في الثالثة، وأما الوتر فللاحتياط. اهـ].
(ومن دخل في صلاة النفل) قصداً (ثم أفسدها) بفعله أو بغير فعله كرؤية المتيمم للماء ونحوه (قضاها) وجوباً، ويقضي ركعتين، وإن نوى أكثر خلافاً لأبي يوسف، قيدنا بالقصد لأنه إذا دخل في النفل ساهياً كما إذا قام للخامسة ناسياً ثم أفسدها لا يقضيها، (فإن صلى أربع ركعات وقعد في) رأس الركعتين (الأوليين) مقدار التشهد (ثم أفسد الأخريين) بعد الشروع فيهما بأن قام إلى الثالثة ثم أفسدها (قضى ركعتين) فقط؛ لأن الشفع الأول قد تم، والقيام إلى الثالثة بمنزلة تحريمه مبتدأة، فيكون ملزماً، قيدنا بالقعود لأنه لو لم يقعد وأفسد الأخريين لزمه قضاء الأربع إجماعاً، وقيدنا بما بعد الشروع لأنه لو أفسد قبل الشروع في الشفع الثاني لا يقضي شيئاً خلافاً لأبي يوسف.
---
(ويصلي النافلة) مطلقاً راتبة أو مستحبة (قاعداً مع القدرة على القيام) وقد حكى فيه الإجماع، ولا يرد عليه سنة الفجر، لأنه مبني على القول بوجوبها، ولذا قال الزيلعي: وأما السنن الرواتب فنوافل حتى تجوز على الدابة، وعن أبي حنيفة أنه ينزل لسنة الفجر، لأنها آكد من غيرها، وروى عنه أنها واجبة، وعلى هذا. الخلاف أداؤها قاعداً. اهـ. وفي الهداية: واختلفوا في كيفية القعود، والمختار أنه يقعد كما في حالة التشهد، لأنه عهد مشروعاً في الصلاة (وإن افتتحها): أي النافلة (قائماً ثم قعد) وأتمها قاعداً (جاز عند أبي حنيفة) رحمه اللّه تعالى، لأن القيام ليس بركن في النفل، فجاز تركه ابتداء، فبقاء أولى (وقالا: لا يجوز إلا من عذر)، لأن الشروع ملزم كالنذر، قال في الهداية: قوله استحسان، وقولهما قياس، وقال العلامة قاسم في التصحيح: واختار المحبوبي والنسفي وغيرهما قول الإمام (ومن كان خارج المصر) أي: العمران، وهو الموضع الذي يجوز للمسافر فيه قصر الصلاة (يتنفل) أي: يجوز له التنفل (على دابته) سواء كان مسافراً أو مقيماً (إلى أي جهة) متعلق يومئ (توجهت) دابته (يومئ إيماء) أي: يشير إلى الركوع والسجود بالإيماء برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، قيد بالخارج المصر لأنه لا يجوز التنفل على الدابة في المصر، خلافاً لأبي يوسف، وقيد بكونه على الدابة لعدم جواز التنفل للماشي، وقيد بجهة توجه الدابة لأنه لو صلى إلى غير ما توجهت به وكان لغير القبلة لا يجوز، لعدم الضرورة.
--------------
(1) هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة والتفسير المذكور من النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعنى الحديث من غير التفسير رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ونصه "ما من عبد مسلم يصلي معه في كل يوم إثني عشر ركعة تطوعاً من غير الفريضة إلا بنى اللّه له بيتاً في الجنة".
--------------------------
باب سجود السهو.
---
- سجود السهو واجبٌ، في الزيادة والنقصان، بعد السلام ثم يسجد سجدتين ثم يتشهد ويسلم.
والسهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلاً من جنسها ليس منها، أو ترك فعلاً مسنوناً أو ترك قراءة فاتحة الكتاب، أو القنوت، أو التشهد، أو تكبيرات العيدين، أو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر.
وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم، وإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود.
ومن سها عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلى حال القعود أقرب عاد فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو، ومن سها عن القعدة الأخيرة فقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو، وإن قيد الخامسة بسجدةٍ بطل فرضه وتحولت صلاته نفلا وكان عليه أن يضم إليها ركعةً سادسةً، وإن قعد في الرابعة قدر التشهد ثم قام ولم يسلم يظنها القعدة الأولى عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدةٍ ضم إليها ركعة أخرى وقد تمت صلاته، والركعتان له نافلةٌ، وسجد للسهو، ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان ذلك أول ما عرض له استأنف الصلاة، فإن كان الشك يعرض له كثيراً بنى على غالب ظنه إن كان له ظنٌ، فإن لم يكن له ظنٌ يبني على اليقين.
--------------------------
باب سجود السهو
من إضافة الشيء إلى سببه، ووالاه بالنوافل لكونهما جوابر.
---
(سجود السهو واجب: في الزيادة والنقصان)، والأولى كون السجود (بعد السلام) حتى لو سجد قبل السلام جاز، إلا أن الأول أولى. جوهرة. ويكتفى بسلام واحد عن يمينه، لأنه المعهود، وبه يحصل التحليل، وهو الأصح كما في البحر عن المجتبى، وفي الدراية عن المحيط: وعلى قول عامة المشايخ يكتفى بتسليمة واحدة وهو الأضمن للاحتياط اهـ. وفي الاختيار: وهو الأحسن. وقال الشرنبلالي في الامداد - بعد أن نقل عن الهداية أن الصحيح أن يأتى بالتسليمتين - ولكن قد علمت أنه بعد الأول أحوط؛ وقد منع شيخ الإسلام جواهر زاده السجود للسهو بعد التسليمتين، فاتبعنا الأصح والاحتياط. اهـ. (ثم) بعد السلام (يسجد سجدتين ثم يتشهد) قال في الهداية: ويأتي بالصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم والدعاء في قعدة السهو، هو الصحيح، لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة اهـ.
وقال الطحاوي: يدعو في القعدتين جميعاً، وفي الخانية: ومن عليه السهو يصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم في القعدة الأولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد في القعدة الثانية، والاحتياط أن يصلي القعدتين. اهـ. (ويسلم).
---
(والسهو يلزم) أي: يجب، قال في الهداية: وهذا يدل على أن سجدة السهو واجبة، وهو الصحيح. اهـ. (إذا زاد في صلاته فعلاً من جنسها ليس منها) كما إذا ركع ركوعين، فإنه زاد فعلا من جنس الصلاة من حيث إنه ركوع، ولكنه ليس منها، لكونه زائداً، قال في الهداية: وإنما وجب بالزيادة لأنها لا تعرى عن تأخير ركن أو ترك واجب. اهـ. (أو ترك فعلا مسنوناً) أي: واجباً عرف. وجوبه بالسنة، كالقعدة الأولى، أو قام في موضع القعود، أو ترك سجدة التلاوة عن موضعها. جوهرة (أو ترك قراءة الفاتحة) أو أكثرها (أو القنوت) أو تكبيرته (أو التشهد) في أي القعدتين أو القعود الأول (أو تكبيرات العيدين) أو بعضها أو تكبيرة الركعة الثانية منهما (أو جهر الإمام فيما يخافت) فيه (أو خافت فيما يجهر) فيه، قال في الهداية: واختلفت الرواية في المقدار، والأصح قدر ما تجوز الصلاة في الفصلين؛ لأن اليسير من الجهر والإخفات لا يمكن الاحتراز عنه، والكثير ممكن، وما تصح به الصلاة فهو كثير. اهـ. قيد بالإمام لأن المنفرد إذا خافت فيما يجهر فيه لا سهو عليه إجماعاً، لأنه مخير فيه، وإن جهر فيما يخافت فيه، ففيه اختلاف المشايخ، فقال الكرخي: لا سهو عليه، وهو مفهوم كلام المصنف، ومشى عليه في الهداية حيث قال: وهذا في حق الإمام دون المنفرد، لأن الجهر والمخافتة من خصائص الجماعة، قال شارحها العيني: وهذا الجواب ظاهر الرواية، وأما جواب رواية النوادر فإنه يجب عليه سجدة السهو، كذا ذكره الناطفي في واقعاته. اهـ.
---
(وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود) إن سجد الإمام، ولو اقتداؤه بعد سهو الإمام، لأن متابعته لازمة، لكن إذا كان مسبوقاً إنما يتابع الإمام في السجود دون السلام، لأنه للخروج من الصلاة وقد بقي عليه من أركانها؛ كما في البدائع (فإن لم يسجد الإمام) لسهوه (لم يسجد المؤتم)؛ لأنه يصير مخالفاً (فإن سها المؤتم) حالة اقتدائه (لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود)؛ لأنه إذا سجد وحده كان مخلفا لإمامه، وإن تابعه الإمام ينقلب الأصل تبعاً، قيدنا بحالة الاقتداء، لأن المسبوق إذا سها فيما يقضيه يسجد له، وإن كان سبق له سجود مع الإمام: لأن صلاة المسبوق كصلاتين حكماً؛ منفرد فيما يقضيه.
---
(ومن سها عن القعدة الأولى) من الفرض ولو عملياً (ثم تذكر وهو إلى حال القعود أقرب) كأن رفع أليته عن الأرض وركبتاه بعد عليها لم يرفعهما (عاد وجلس وتشهد) ولا سجود عليه في الأصح. هداية. (وإن كان إلى حال القيام أقرب) كأن استوى النصف الأسفل وظهره بعد منحن، فتح عن الكافي (لم يعد) لأنه كالقائم معنى؛ لأن ما قارب الشيء يعطي حكمه (ويسجد للسهو لترك) الواجب، قال في الفتح: ثم قيل: ما ذكر في الكتاب رواية عن أبي يوسف اختارها مشايخ بخارى، أما ظاهر المذهب فما لم يستو قائماً يعود، قيل: وهو الأصح. اهـ. قيدنا القعدة من الفرض لأن المتنفل يعود ما لم يقيده بسجدة (ومن سها عن القعدة الأخيرة فقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد)؛ لأن فيه إصلاح صلاة، وأمكنه ذلك؛ لأن ما دون الركعة بمحل الرفض. هداية. (وألغى الخامسة) لأنه رجع إلى شيء محله قبلها. فترتفض. هداية. (ويسجد للسهو) لأنه أخر واجباً، وهو القعدة (فإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه) أي وصفه (وتحولت صلاته نفلاً) عن أبي حنيفة وأبي يوسف (وكان عليه) ندباً (أن يضم إليها ركعة سادسة) ولو في العصر، ويضم رابعة في الفجر، كيلا يتنفل بالوتر، ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه لم يشرع فيه قصداً فلا يلزمه إتمامه، ولكنه يندب، ولا يسجد للسهو على الأصح: لأن النقصان بالفساد لا ينجبر.
---
(وإن قعد في الرابعة) مثلاً (قدر التشهد ثم قام) إلى الخامسة (ولم يسلم) لأنه (يظنها القعدة الأولى عاد) ندباً (إلى القعود) ليسلم جالساً (ما لم يسجد في الخامسة ويسلم) من غير إعادة التشهد، ولو سلم قائماً لم تفسد صلاته، وكان تاركاً للسنة؛ لأن السنة التسليم جالساً. إمداد (وإن قيد الخامسة) مثلاً (بسجدة ضم إليها ركعة أخرى) استحباباً لكراهة النفل بالوتر (وقد تمت صلاته) لوجود الجلوس الأخير في محله (والركعتان) الزائدتان (له نافلة) ولكن لا ينوبان عن سنة الفرض على الصحيح، ويسجد للسهو؛ لتأخير السلام وتمكن النقصان في الفرض بالخروج لا على الوجه الواجب. إمداد (ومن شك في صلاته): أي تردد في قدر ما صلى (فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً و) كان (ذلك أول ما عرض له) من الشك بعد بلوغه في صلاة، وهذا قول الأكثر، وقال فخر الإسلام: أول ما عرض له في هذه الصلاة؛ واختاره ابن الفضل، وذهب السرخسي إلى أن المعنى أن السهو ليس بعادة له، لا أنه لم يسمه قط، وإليه يشير قول المصنف بعده: "يعرض له كثيراً" (استأنف الصلاة) بعمل مناف، وبالسلام قاعداً أولى، ثم المراد هنا من الشك مطلق التردد الشامل للشك الذي هو تساوي الطرفين، والظن الذي هو ترجيح أحدهما؛ بدليل قوله في مقابله "بنى على غالب ظنه" قيد بكونه في صلاته لأنه لو شك بعد الفراغ أو بعد ما قعد قدر التشهد لا يعتبر شكه، إلا أن يتيقن بالترك (فإن كان الشك يعرض له) في صلاته (كثيراً بنى على غالب ظنه)؛ لأن في الاستئناف مع كثرة عروضه حرجاً، وهذا (إذا كان له ظن) يرجح أحد الطرفين (فإن لم يكن له ظن) يرجح أحدهما (بنى على اليقين): أي على الأقل؛ لأنه المتيقن، وقعد في كل موضع ظنه موضع قعوده ولو واجباً؛ لئلا يصير تاركاً فرض القعود أو واجبه مع تيسر الوصول إليه.
--------------------------
باب صلاة المريض.
---
- إذا تعذر على المريض القيام صلى قاعداً يركع ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماءً برأسه وجعل السجود أخفض من الركوع ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه، فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود، وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة، ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام وجاز أن يصلي قاعداً يومئ إيماءً، فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً ثم حدث به مرضٌ أتمها قاعداً يركع ويسجد أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود أو مستلقياً إن لم يستطع القعود، ومن صلى قاعداً يركع ويسجد لمرضٍ به ثم صح بنى على صلاته قائماً، فإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة، ومن أغمي عليه خمس صلواتٍ فما دونها قضاها إذا صح، فإن فاتته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض.
--------------------------
باب صلاة المريض
---
عقبة للسهو لاشتراكهما في العارضية، وكون الأول أهم (إذا تعذر على المريض القيام) كله بأن لا يمكنه أصلاً بحيث لو قام لسقط، وهذا التعذر حقيقي، ومثله في الحكم لتعذر الحكمي المعبر عنه بالتعسر بوجود ألم شديد؛ فإنه بمنزلة التعذر الحقيقي؛ دفعاً للحرج، أما إذا لحقه نوع مشقة لم يجز له ترك القيام كما في الخانية والفتح. قيدنا بكل القيام لأنه إذا قدر على بعضه لزمه القيام بقدره، حتى لو كان إنما يقدر على قدر التحريمة لزمه أن يحرم قائما ثم يقعد كما في الفتح، وكذا لو قدر على القيام متكأً أو معتمداً على عصا أو حائط لا يجزئه إلا كذلك كما في المجتبى (صلى قاعداً) كيف تيسر له (يركع ويسجد) إن استطاع (فإن لم يستطع الركوع والسجود) أو السجود فقط (أومأ إيماء برأسه) لأنه وسع مثله (وجعل السجود): إي إيماءه إليه (أخفض من) إيماء (الركوع) فرقا بينهما، ولا يلزمه أن يبالغ بالإنحناء أقصى ما يمكنه، بل يكفيه أدنى الإنحناء فيهما، بعد تحقق إنخفاض السجود عن الركوع، وإلا - بأن كانا سواء - لا يصح كما في الإمداد، وحقيقة الإيماء: طأطأة الرأس كما في البحر (ولا يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه) لنهيه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك، كذا في المحيط، وهذا يؤذن بأن الكراهة تحريمية. نهر، فإن فعل وهو يخفض عن الركوع أجزأه لوجود الإيماء، وكره، وإلا فلا.
---
(فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة) ونصب ركبتيه استحبابا، وإن قدر، تحامياً عن مد رجليه إلى القبلة (وأومأ) برأسه (بالركوع والسجود، فإن استقى): أي اضطجع (على جنبه) الأيمن أو الأيسر (ووجهه إلى القبلة وأومأ) برأسه (جاز) ولكن الاستلقاء أولى من الاضطجاع، وعلى الشق الأيمن أولى من الأيسر (فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة، ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه)؛ لأنه لا عبرة به، وفي قوله "أخر الصلاة" إيماء إلى أنها لا تسقط عنه، ويجب عليه القضاء ولو كثرت، إذا كان يفهم مضمون الخطاب، قال في الهداية: وهو الصحيح، قال في النهر: لكن صح قاضيخان وصاحب البدائع عدم لزومه إذا كثرت وإن كان يفهم، وفي الخلاصة: أنه كان المختار، وجعله في الظهيرية ظاهر الرواية، قال وعليه الفتوى. اهـ. وفي الينابيع: هو الصحيح، وجزم به الوالوالجي وصاحب الهداية في التجنيس، وصححه في مختارات النوازل، وفي التتارخانية عن شرح الطحاوي: لو عجز عن الإيماء وتحريك الرأس سقطت عنه الصلاة. اهـ (فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام)؛ لأن ركنيته للتوسل به إلى الركوع والسجود؛ فكان تبعاً لهما، فإذا لم يقدر عليهما لا يكون القيام ركناً (وجاز) له (أن يصلي قاعداً) أو قائماً (يومئ) برأسه (إيماء) والأفضل الإيماء قاعداً لأنه أشبه بالسجود لكون رأسه أخفض وأقرب إلى الأرض. زيلعي.
---
(فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائماً) يركع ويسجد (ثم حدث به مرض) في صلاته يتعذر معه القيام (أتمها قاعداً يركع ويسجد) إن استطاع (أو يومئ) إيماء (إن لم يستطع الركوع والسجود، أو مستلقياً إن لم يستطع القعود) لأن في ذلك بناء الأدون على الأعلى، وبناء الضعيف على القوي أولى من الإتيان بالكل ضعيفاً (ومن صلى قاعداً يركع ويسجد لمرض به ثم صح) في خلالها (بنى على صلاته قائماً) لأن البناء كالإقتداء والقائم يقتدي بالقاعد، ولذا قال محمد: يستقبل: لأن من أصله أن القائم لا يقتدي بالقاعد (وإن) كان (صلى بعض صلاته إيماء ثم قدر) في خلالها (على الركوع والسجود استأنف الصلاة)؛ لأنه لا يجوز اقتداء الراكع بالمومئ، فكذا البناء (ومن أغمي عليه): أي غطى على عقله أو جن بسلبه (خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صح) لعدم الحرج (فإن فاتته بالإغماء) أو الجنون صلوات (أكثر من ذلك) بأن خرج وقت السادسة (لم يقض) ما فاته من الصلوات؛ لأن المدة إذا قصرت لا يتحرج في القضاء فيجب كالقائم؛ فإذا طالت تحرج فيسقط كالحائض، ثم الكثرة تعتبر من حيث الأوقات عند محمد حتى لا يسقط القضاء مالم يستوعب ست صلوات؛ وعند أبي يوسف تعتبر من حيث الساعات، وهو رواية عن أبي حنيفة، والأول أصح؛ لأن الكثرة بالدخول في حد التكرار زيلعي.
--------------------------
باب سجود التلاوة.
- سجود التلاوة في القرآن أربعة عشر. في آخر الأعراف وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحج، والفرقان، والنمل؛ وآلم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.
---
والسجود واجبٌ في هذه المواضع كلها على التالي والسامع، سواءٌ قصد سماع القرآن أو لم يقصد، وإذا تلا الإمام آية السجدة سجدها وسجد المأموم معه، وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، وإن سمعوا وهم في الصلاة آية سجدةٍ من رجلٍ ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة وسجدوها بعد الصلاة، فإن سجدوها في الصلاة لم تجزهم ولم تفسد صلاتهم، ومن تلا آية سجدةٍ فلم يسجدها حتى دخل في الصلاة فصلاها وسجد لها أجزأته السجدة عن التلاوتين، وإن تلاها في غير الصلاة فسجد لها ثم دخل في الصلاة فتلاها سجد لها ولم تجزه السجدة الأولى ومن كرر تلاوة سجدةٍ واحدةٍ في مجلسٍ واحدٍ أجزأته سجدةٌ واحدةٌ.
ومن أراد السجود كبر ولم يرفع يديه، وسجد ثم كبر، ورفع رأسه، ولا تشهد عليه ولا سلام.
--------------------------
باب سجود التلاوة
من إضافة الحكم إلى سببه، لأن سببه التلاوة: على التالي اتفاقاً، وعلى السامع في الصحيح.
(سجود التلاوة في القرآن أربعة عشر) سجوداً: أربع في النصف الأول، وهي (في آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل) وعشرة في الثاني (و) هي في مريم، والأولى من الحج) بخلاف الثانية فإنها للأمر بالصلاة، بدليل اقترانها بالركوع (1) (والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك).
---
(والسجود واجب) على التراخي إن لم تكن في الصلاة (في هذه المواضع) المذكورة (كلها، على التالي والسامع) إذا كان أهلاً للوجوب (سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد) بشرط كون المسموع منه آدمياً عاقلاً يقظان، ولو جنباً أو حائضاً أو نفساء أو كافراً أو صبياً أو سكران؛ فلو سمعها من طير أو صدى لا تجب عليه، وفي الجوهرة: ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه أو مجنون ففيه روايتان أصحهما لا يجب اهـ. لكن صحح في الخلاصة والخانية وجوبها بالسماع من النائم، ولا تجب إلا على من علم أنها آية سجدة ولو بالإخبار، فلو لم يسمع بسبب النوم أو التشاغل بأمر لم تجب على الأصح، قهستاني عن المحيط (وإذا تلا الإمام آية سجدة سجدها): أي الإمام، وجوباً في الصلاة (وسجدها) (المأموم معه) لالتزامه متابعته (وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم) ولا في الصلاة ولا خارجها؛ لأن المقتدى محجور عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه، وتصرف المحجور لا حكم له، ولو سمعها رجل خارج الصلاة سجدها، هو الصحيح؛ لأن الحجر ثبت في حقهم، فلا يعدوهم، هداية. (وإن سمعوا وهم في الصلاة آية سجدة من رجل ليس معهم في الصلاة) ولو مصلياً (لم يسجدوها في الصلاة) لأنها ليست بصلاتية لأن سماعهم ليس من أفعال الصلاة (وسجدوها بعد الصلاة) لتحقق سببها (فإن سجدوها في الصلاة لم تجزهم)؛ لأنه ناقض لمكان النهي فلا يتأدى به الكامل، وتجب إعادتها لتقرر سببها، (ولم تفسد الصلاة)؛ لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة، (ومن تلا آية سجدة) خارج الصلاة (فلم يسجدها حتى دخل في الصلاة) في ذلك المجلس (فتلاها وسجد لها أجزأته السجدة) الواحدة (عن التلاوتين) لاتحاد المجلس وقوة الصلاتية؛ فجعلت الأولى تبعاً لها (وإن تلاها في غير الصلاة فسجد) لها (ثم دخل في الصلاة) ولو في ذلك المجلس (فتلاها فسجد لها) سجدة أخرى (ولم تجزه السجدة الأولى) لأن الصلاتية أقوى فلا تصير تبعاً (ومن كرر تلاوة آية سجدة
---
واحدة في مجلس واحد أجزأته سجدة واحدة) وفعلها بعد الأولى أولى. قنية، وفي البحر: التأخير أحوط، والأصل أن مبناها على التداخل دفعاً للحرج، بشرط اتحاد الآية والمجلس. در.
(ومن أراد السجود كبر) للوضع (ولم يرفع يديه) اعتباراً بسجدة الصلاة (وسجد) بين كفيه (ثم كبر) للرفع، وهما سنتان (ورفع رأسه ولا تشهد عليه ولا سلام)، لأن ذلك للتحليل، وهو يستدعي سبق التحريمة؛ وهي منعدمة، قال الإسبيجاني: ولم يذكر ما يقول في سجوده، والأصح أن يقول فيها ما يقول في سجود الصلاة.
--------------
(1) والمنقول عندنا عن الشافعي أنه يقول بالسجود في هذه دون (ص) فهو يوافقنا في العدد ويستدل بما روى أبو داود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال فيها إنها توبة نبي وفي خبر آخر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال نسجدها شكراً وقال الحنيفة إن كونها للشكر لا ينافي الوجوب وعن أبي موسى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سجد في (ص) ويقول الحنيفة في سجدة الحج الثانية، اقترانها بالركوع دليل على ركن الصلاة كما هو المعهود في غيرها من القرآن.
--------------------------
باب صلاة المسافر.
- السفر الذي تتغير به الأحكام: أن يقصد الإنسان موضعاً بينه وبين ذلك الموضع مسيرة ثلاثة أيامٍ ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام، ولا يعتبر ذلك بالسير في الماء.
وفرض المسافر عندنا في كل صلاةٍ رباعيةٍ ركعتان، لا تجوز له الزيادة عليهما، فإن صلى أربعاً وقد قعد في الثانية مقدار التشهد أجزأته ركعتان عن فرضه، وكانت الأخريان له نافلة، وإن لم يقعد مقدار التشهد في الركعتين الأوليين بطلت صلاته.
---
ومن خرج مسافراً صلى ركعتين إذا فارق بيوت المصر ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلدٍ خمسة عشر يوماً فصاعداً؛ فيلزمه الإتمام، وإن نوى الإقامة أقل من ذلك لم يتم، ومن دخل بلداً ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً وإنما يقول غداً أخرج أو بعد غدٍ أخرج حتى بقي على ذلك سنين صلى ركعتين، وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوماً لم يتموا الصلاة، وإذا دخل المسافر في صلاة المقيم مع بقاء الوقت أتم الصلاة، وإن دخل معه في فائتةٍ لم تجز صلاته خلفه، وإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، ثم أتم المقيمون صلاتهم، ويستحب له إذا سلم أن يقول: أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ، وإذا دخل المسافر مصره أتم الصلاة، وإن لم ينو الإقامة فيه، ومن كان له وطنٌ فانتقل عنه واستوطن غيره ثم سافر فدخل وطنه الأول لم يتم الصلاة، وإن نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنىً خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة،
ومن فاتته صلاةٌ في السفر قضاها في الحضر ركعتين.
ومن فاتته صلاةٌ في الحضر قضاها في السفر أربعاً.
والعاصي والمطيع في السفر في الرخصة سواءٌ.
--------------------------
باب صلاة المسافر
من إضافة الشيء إلى شرطه أو محله.
---
(السفر الذي تتغير به الأحكام): كقصر الصلاة، وإباحة الفطر، وامتداد مدة المسح، وسقوط الجمعة والعيدين، والأضحية، وحرمة خروج المرأة بغير محرم (أن يقصد الإنسان موضعاً بينه): أي بين القاصد (وبين مقصده مسيرة ثلاثة أيام ولياليها) من أقصر أيام السنة (بسير الإبل ومشي الأقدام)، لأنه الوسط ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل، بل إلى الزوال، فلو بكر في اليوم الأول ومشى إلى الزوال، ونزل للاستراحة وبات ثم في اليوم الثاني والثالث وكذلك يصير مسافراً جوهرة. وعبر بالقصد لأنه لو طاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص، أما في الرجوع فإن كانت مدة سفر قصر، فتح، وعبر يقوله (مسيرة ثلاثة أيام) لأن المراد التحديد، لا أنه يسير بالفعل، حتى لو كانت المسافة ثلاثة بالسير الوسط فقطعها في يومين أو أقل قصر (ولا يعتبر في ذلك)؛ أي السير في البر (السير) نائب فاعل يعتبر (في الماء) كما لا يعتبر السير في الماء بالسير في البر، وإنما يعتبر في كل موضع ما يليق بحاله، حتى لو كان موضع له طريقان: أحدهما في البر وهو يقطع في ثلاثة أيام، والثاني في البحر وهو يقطع في يومين إذا كانت الرياح مستوية، فإنه إذا ذهب في طريق البر يقصر، وفي الثاني لا يقصر وكذا العكس، وكذا الجبل يعتبر فيه ثلاثة أيام، وإن كان في السهل يقطع في أقل منها.
---
(وفرض المسافر عندنا في كل صلاة رباعية) على المقيم (ركعتان، لا يجوز له الزيادة عليهما عمداً): لتأخير السلام، وترك واجب القصر، ويجب سجود السهو إن كان سهواً. قيد بالفرض لأنه لا قصر في الوتر والنفل، واختلف فيما هو الأولى في السنن، والمختار أن يأتي بها إن كان على أمن وقرار لا على عجلة وفرار. نهر. وقيد بالرباعي لأنه لا قصر في غيره (فإن صلى) المسافر (أربعاً وقعد في الثانية مقدار التشهد أجزأته الركعتان عن فرضه، وكانت) الركعتان (الأخريان له نافلة) ويكون مسيئاً، كما مر (وإن لم يقعد) في الثانية (مقدار التشهد بطلت صلاته) لاختلاط النافلة بها قبل إكمالها.
---
(ومن خرج مسافراً صلى ركعتين إذا فارق)؛ أي جاوز (بيوت المصر) من الجانب الذي خرج منه، وإن لم يجاوزها من جانب آخر، لأن الإقامة تتعلق بدخولها، فيتعلق بالخروج عنها (ولا يزال) المسافر (على حكم السفر حتى ينوي الإقامة) حقيقة أو حكماً، كما لو دخل الحاج الشام قبل دخول شوال وأراد الخروج مع القافلة في نصف شوال أتم، لأنه ناو حكماً (في بلد) واحد أو ما في حكمها مما يصلح للإقامة من مصر أو قرية أو صحراء دارنا وهو من أهل الأخبية (خمسة عشر يوما فصاعداً) أو يدخل مقامه (فيلزمه الإتمام) وهذا حيث سار مدة السفر، وإلا فيتم بمجرد نية العود، لعدم أحكام السفر. قيدنا ببلد واحد لأنه لو نوى الإقامة في موضعين مستقلين كمكة ومنى لم تصلح نيته، كما يأتي. (وإن نوى الإقامة أقل من ذلك لم يتم)، لأنه لم يزل على حكم السفر (ومن دخل بلدا ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشرا يوما وإنما) يترقب السفر، و (يقول: غداً أخرج أو بعد غد أخرج) مثلاً (حتى بقي على ذلك) الترقب (سنين صلى ركعتين) للأثر المروى عن ابن عباس وابن عمر ولأنه لم يزل عن حكم السفر كما مر (وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوما لم يتموا) الصلاة، لعدم صحة النية المخالفة للعزم، لأن الداخل بين أن يهزم فيقر، أو يهزم فيفر (وإذا دخل المسافر) مقتدياً (في صلاة المقيم) ولو في آخرها (مع بقاء الوقت) قدر ما يسع التحريمة جاز، و (أتم الصلاة) أربعاً: لأنه التزم متابعة الإمام فيتغير فرضه إلى الأربع كما يتغير بنية الإقامة، لاتصال المغير بالسبب - وهو الوقت - لكن إذا فسدت تعود ركعتين، لأنها صارت أربعاً في ضمن الإقتداء، فإذا فات يعود الأمر الأول (وإن دخل معه) مقتديا (فائتة) رباعية (لم تجز صلاته خلفه) لأن فرضه لا يتغير بعد الوقت لانقضاء السبب كما لا يتغير بنية الإقامة فيلزم منه بناء الفرض على غير الفرض في حق القعدة لو اقتدى في الأوليين أو القراءة لو في الأخريين. در.
---
(وإذا صلى) الإمام (المسافر بالمقيمين ركعتين سلم) لتمام صلاته (ثم أتم المقيمون صلاتهم) منفردين لأنهم التزموا الموافقة في الركعتين فينفردون في الباقي كالمسبوق، إلا أنه لا يقرأ فيما يقضي في الأصح؛ لأنه لا حق (ويستحب إذا سلم) التسليمتين في الأصح (أن يقول: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) بسكون الفاء - جمع مسافر كركب وصحب جمع راكب وصاحب: أي مسافرون؛ وينبغي أن يقول ذلك قبل شروعه في الصلاة: لدفع الاشتباه (وإذا دخل المسافر مصره أتم الصلاة وإن لم ينو الإقامة فيه) كأن دخله لقضاء حاجة لأنه متعين للإقامة والمرخص هو السفر وقد زال (ومن كان له وطن فانتقل عنه) بكل أهله (واستوطن غيره ثم سافر فدخل وطنه الأول) الذي كان انتقل عنه (لم يتم الصلاة) من غير نية إقامة؛ لأنه لم يبق وطناً له، والأصل في ذلك أن الوطن الأصلي يبطل بمثله، دون السفر عنه، ووطن الإقامة يبطل بمثله وبالسفر عنه، قيدنا الانتقال بكل الأهل لأنه إذا بقي له فيه أهل لم يبطل ويصير ذا وطنين (وإذا نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنى خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة): لأن اعتبار النية في موضعين يقتضي اعتبارها في مواضع وهو ممتنع؛ لأن السفر لا يعزى عنه، إلا إذا نوى أن يقيم بالليل في إحداهما فيصير مقيماً بدخوله فيه؛ لأن إقامة المرء تضاف إلى مبيته. هداية.
(ومن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين) كما فاتته في السفر.
(ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربعاً) كما فاتته في الحضر؛ لأنه بعد بعدما تقرر لا يتغير.
(والعاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة سواء) لإطلاق النصوص، ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، والقبح المجاور لا يعدم المشروعية.
--------------------------
باب صلاة الجمعة.
---
- لا تصح الجمعة إلا بمصرٍ جامعٍ أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، ولا تجوز إقامتها إلا بالسلطان أو من أمره السلطان. ومن شرائطها: الوقت فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده، ومن شرائطها الخطبة قبل الصلاة، يخطب الإمام خطبتين يفصل بينهما بقعدةٍ، ويخطب قائماً على طهارةٍ، فإن اقتصر على ذكر اللّه تعالى جاز عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لابد من ذكر طويلٍ يسمى خطبةً، وإن خطب قاعداً أو على غير طهارةٍ جاز ويكره، ومن شرائطها الجماعة، وأقلهم عند أبي حنيفة ثلاثةٌ سوى الإمام، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: اثنان سوى الإمام، ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين، وليس فيهما قراءة سورةٍ بعينها، ولا تجب الجمعة على مسافرٍ ولا امرأةٍ ولا مريضٍ ولا عبدٍ ولا أعمى.
فإن حضروا وصلوا مع الناس أجزأهم عن فرض الوقت.
ويجوز للمسافر والعبد والمريض ونحوهم أن يؤم في الجمعة.
ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك، وجازت صلاته، فإن بدا له أن يحضر الجمعة فتوجه إليها بطلت صلاة الظهر عند أبي حنيفة بالسعي وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام.
ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة وكذلك أهل السجن، ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدرك وبنى عليها الجمعة، وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو بنى عليها الجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمدٌ: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر، وإذا خرج الإمام على المنبر يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته، وإذا أذن المؤذنون يوم الجمعة الأذان الأول ترك الناس البيع والشراء وتوجهوا إلى صلاة الجمعة، فإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، فإذا فرغ من خطبته أقاموا الصلاة وصلوا.
--------------------------
باب صلاة الجمعة
بتثليث الميم وسكونها.
---
(لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع) وهو: كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وهذا عن أبي يوسف، وعنه أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم، والأول اختيار الكرخي وهو الظاهر، والثاني اختيار الثلجي هداية. (أو في مصلى المصر)؛ لأنه من توابعه، والحكم ليس مقصوراً على المصلى، بل يجوز في جميع أفنية المصر؛ لأنها بمنزلته في حوائج أهله. هداية. ثم من كان محله من توابع المصر فحكمه حكم أهل المصر في وجوب الجمعة عليه، واختلفوا فيه: فعن أبي يوسف إن كان الموضع يستمع فيه النداء من المصر فهو من توابعه، وإلا فلا، وعنه: كل قرية متصلة بربض المصر.. فتح وصحح هذا الثاني في مواهب الرحمن، وعللّه في شرحه بأن وجوبها مخص بأهل المصر. والخارج عن هذا الحد ليس من أهله. اهـ. قال شيخنا: وهو ظاهر المتون، وفي المعراج أنه أصح ما قيل، وفي التتارخانية: ثم ظاهر رواية أصحابنا لا تجب إلا على من يسكن المصر أو من يتصل به؛ فلا تجب على أهل السواد ولو قريباً، وهذا أصح ما قيل فيه. اهـ (ولا تجوز في القرى) تأكد لما قبله، وتصريح بمفهومه، ولا تجوز إقامتها إلا بالسلطان أو من أمره السلطان بإقامتها؛ لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع المنازعة في التقدم والتقديم، وقد تقع في غيره، فلابد منه تتميماً لأمره. هداية (ومن شرائطها الوقت؛ فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده) فلو خرج الوقت وهو فيها استقبل الظهر، ولا يبني على الجمعة؛ لأنهما مختلفان (ومن شرائطها) أيضا (الخطبة) بقصدها، وكونها (قبل الصلاة) بحضرة جماعة تنعقد بهم الجمعة ولو صماً أو نياماً. فلو صدرت من غير قصد أو بعد الصلاة، أو بغير حضور جماعة - لا يعتد بها، لكن جزم في الخلاصة بأنه يكفي حضور واحد، والسنة في الخطبة أنه (يخطب الإمام خطبتين) خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل (يفصل بينهما بقعدة) قدر قراءة ثلاث آيات ويخفض جهره بالثانية عن الأولى (ويخطب قائماً) مستقبل الناس (على طهارة)
---
من الحدثين (فإن اقتصر على ذكر اللّه تعالى) كتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة (جاز عند أبي حنيفة) مع الكراهة (وقالا: لابد) لصحتها (من ذكر طويل يسمى خطبة) وأقله قدر التشهد.
(وإن خطب قاعداً أو على غير طهارة) أو لم يقعد بين الخطبتين، أو استدبر الناس - (جاز ويكره) لمخالفته المتوارث (1) (ومن شرائطها) أيضاً (الجماعة)؛ لأن الجمعة مشتقة منها (وأقلهم عند أبي حنيفة ثلاثة) رجال (سوى الإمام، وقالا: اثنان سوى الإمام) قال في التصحيح: ورجح في الشروح دليله واختاره المحبوبي والنسفي. اهـ. ويشترط بقاؤهم حتى يسجد السجدة الأولى، فلو نفروا بعدها أتمها وحده جمعة (ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين)؛ لأنه المتوارث (وليس فيهما قرءاة سورة بعينها) قال في شرح الطحاوي: ويقرأ في الركعتين سورة الجمعة والمنافقين، ولا يكره غيرهما. اهـ. وذكر الزاهدي أنه يقرأ فيهما سورة الأعلى والغاشية، قال في البحر: ولكن لا يواظب على ذلك؛ كيلا يؤدي إلى هجر الباقي، ولئلا تظنه العامة حتماً. اهـ.
(ولا تجب الجمعة على مسافر)؛ للحوق المشقة بأدائها (ولا امرأة)؛ لأنها منهية عن الخروج (ولا مريض) لعجزه عن ذلك، وكذا المرض إن بقي المريض ضائعاً (ولا عبد) لأنه مشغول بخدمة مولاه، ولا زمن (ولا أعمى) ولا خائف، ولا معذور بمشقة مطر ووحل وثلج، ولا قروي (فإن حضروا وصلوا مع الناس أجزأهم) ذلك (عن فرض الوقت)؛ لأنهم تحملوا المشقة فصاروا كالمسافر إذ صام.
(ويجوز للمسافر والعبد والمريض ونحوهم) خلا امرأة (أن يؤم في الجمعة) لأن عدم وجوبها عليهم رخصة لهم دفعاً للحرج؛ فإذا حضروا تقع فرضاً.
---
(ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك) تحريماً، بل حرم؛ لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم. فتح (وجازت صلاته) جوازاً موقوفاً (فإن بدا له): أي لمن صلى الظهر ولو بمعذرة على المذهب (أن يحضر الجمعة فتوجه إليها) والإمام فيها ولم تقم بعد (بطلت صلاة الصلاة الظهر) أي وصف الفرضية وصارت نفلاً (عند أبي حنيفة بالسعي)، وإن لم يدركها (وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام) قال في التصحيح: ورجح دليل الإمام في الهداية، واختاره البرهاني والنسفي. اهـ. قيدنا بكون الإمام فيها؛ لأن السعي إذا كان بعد ما فرغ منها لم يبطل ظهره اتفاقاً.
(ويكره أن يصلي المعذورون الظهر بجماعة يوم الجمعة) في المصر؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة بتقليل الجماعة وصورة المعارضة. قيدنا بالمصر لأنه لا جمعة في غيرها فلا يفضي إلى ذلك (وكذلك أهل السجن): أي يكره لهم ذلك؛ لما فيه من صورة المعارضة. وإنما أفرده بالذكر لما يتوهم من عدم الكراهة يمنعهم من الخروج.
(ومن أدرك الإمام يوم الجمعة): أي في صلاتهم (صلى معه ما أدرك وبنى عليها الجمعة) وهذا إن أدرك منها ركعة اتفاقاً (وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو بنى عليها الجمعة) أيضاً (عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية) بأن أدرك ركوعها (بنى عليها الجمعة، وإن أدرك أقلها) بأن أدركه بعد ما رفع من الركوع (بنى عليها الظهر) أربعاً؛ إلا أنه ينوي الجمعة إجماعاً جوهرة وعليه يقال: أدى خلاف ما نوى.
(وإذا خرج الإمام يوم الجمعة) من حجرته إن كان؛ وإلا فبقيامه للصعود (ترك الناس الصلاة والكلام) خلا قضاء فائتة لذي ترتيب ضرورة صحة الجمعة، وصلاة شرع فيها للزومها (حتى يفرغ من خطبته) وصلاته، بلا فرق بين قريب وبعيد في الأصح. محيط.
---
(وإذا أذن المؤذنون يوم الجمعة الأذان الأول) لحصول الإعلام به (ترك الناس) وجوباً (البيع والشراء وتوجهوا إلى صلاة الجمعة) عبر بقوله "توجهوا" للإشارة بأن المراد بالسعي المأمور به هو التوجه مع السكينة والوقار، لا الهرولة.
(وإذا صعد الإمام المنبر جلس) عليه (وأذن المؤذنون بين يدي المنبر) بذلك جرى التوارث، ولم يكن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا هذا الأذان، ولهذا قيل، هو المعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع، والأصح أن المعتبر هو الأول إذا كان بعد الزوال، لحصول الإعلام به. هداية. (فإذا فرغ من خطبته أقاموا الصلاة وصلوا) ولا ينبغي أن يصلي غير الخطيب، ويكره السفر بعد الزوال قبل أن يصليها، ولا يكره قبله كذا في شرح المنية (2).
--------------------------
(1) في الفتح ومن السنة بتقصيرها وتطويل الصلاة بعد استمالها على الموعظة والتشهد والصلاة وكونها خطبتين، ومما يؤيد مذهب الإمام أن عثمان رضي اللّه عنه قال على المنبر الحمد للّه ثم ارتج عليه ثم نزل فصلى جماعاً.
(2) ومن الأحكام أن الكلام حرام ولو كان أمر بمعروف أو نهياً عن منكر أو تسبيحاً كما يحرم الأكل والشرب والكتابة. ويكره تشميت العاطس در والسلام لأنه غير مأذون فيه والمسلم أتم ونسب إلى أبي حنيفة أنه لا يصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم عند ذكره في الخطبة وعن أبي يوسف أنه يصلي في نفسه لأن ذلك لا يشفع عن السماع وهو الصواب كما أنه يحمد اللّه في نفسه إذا عطس ويجوز الإشارة بيده أو غيره عند رؤية المنكر.
--------------------------
باب صلاة العيدين.
---
- يستحب في يوم الفطر: أن يطعم الإنسان قبل الخروج إلى المصلى، ويغتسل، ويتطيب، ويتوجه إلى المصلى، ولا يكبر في طريق المصلى عند أبي حنيفة، وعندهما يكبر، ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، فإذا حلت الصلاة من ارتفاع الشمس دخل وقتها إلى الزوال، فإذا زالت الشمس خرج وقتها، ويصلي الإمام بالناس ركعتين: يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح، وثلاثاً بعدها، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورةً معها، ثم يكبر تكبيرةً يركع بها، ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة، فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاث تكبيراتٍ، وكبر تكبيرةً رابعةً يركع بها (1) ويرفع يديه في تكبيرات العيدين، ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين يعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها، ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام لم يقضها، فإن غم الهلال على الناس فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال صلى العيد من الغد، فإن حدث عذرٌ منع الناس من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده.
ويستحب في يوم الأضحى: أن يغتسل، ويتطيب، ويؤخر الأكل حتى يفرغ من الصلاة، ويتوجه إلى المصلى وهو يكبر، ويصلي الأضحى ركعتين كصلاة الفطر، ويخطب بعدها خطبتين يعلم الناس فيهما الأضحية وتكبيرات التشريق، فإن حدث عذرٌ منع الناس من الصلاة في يوم الأضحى صلاها من الغد وبعد الغد، ولا يصليها بعد ذلك؛ وتكبير التشريق أوله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة، وآخره عقيب صلاة العصر من النحر عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، والتكبير عقيب الصلوات المفروضات، وهو أن يقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه، واللّه أكبر، اللّه أكبر، وللّه الحمد.
--------------------------
---
(1) اختلف النقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه في تكبيرات العيد فاختلف الأئمة وفي (ده) كان (ص) يكبر في الأولى بسبع وفي الثانية بخمس قبل القراءة سوى تكبيرة الركوع ومثله فيهما قال في (ص) التكبير في النظر سبع في الأولى وخمس في الثانية وبهذا يقول محمد من الحنيفية ومذهب الحنيفة هو مذهب بن مسعود وأبي موسى والظاهر أنه لم يصح فيه حديث ولكن عمل الصحابة في كل حجة.
--------------------------
باب صلاة العيدين
مناسبتها للجمعة ظاهرة، حتى اشترط لها ما اشترط للجمعة خلا الخطبة، وتجب على من تجب عليه الجمعة، وقدمت الجمعة لفرضيتها وكثرة وقوعها، وسمى به لأن للّه فيه عوائد الإحسان، وهي واجبة في الأصح كما في الخانية والهداية والبدائع والمحيط والمختار والكافي والنسفي، وفي الخلاصة: وهو المختار، لأنه صلى اللّه عليه وسلم واظب عليها، وسماها في الجامع سنة؛ لأن وجوبها ثبت بالسنة. اهـ. وقيل: إنها سنة، وصححه النسفي في المنافع.
(يستحب في يوم الفطر: أن يطعم الإنسان قبل الخروج إلى المصلى) مبادرة إلى ضيافة ربه وامتثال أمره، وأن يكون حلواً وتمراً ووتراً ليكون أعظم أجراً (ويغتسل، ويتطيب) ويستاك، ويلبس أحسن ثيابه، ويصلي في مسجد حيه، ويؤدي صدقة فطره (ويتوجه إلى المصلى) ماشياً، اقتداء بنبيه صلى اللّه عليه وسلم (ولا يكبر في طريق المصلى عند أبي حنيفة) يعني جهراً، أما سراً فيستحب. جوهرة (وعندهما يكبر) في طريق المصلى جهراً استحباباً، ويقطع إذا انتهى إليه، وفي رواية: إلى الصلاة. جوهرة. قال في التصحيح: قال الإسبيجاني في زاد الفقهاء والعلامة في التحفة: الصحيح قول أبي حنيفة، قلت: وهو المعتمد عند النسفي وبرهان الشريعة وصدرها. اهـ. (ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد) ثم قيل: الكراهة في المصلى خاصة، وقيل: فيه وفي غيره عامه؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يفعله. هداية.
---
(فإذا حلت الصلاة بارتفاع الشمس) قدر رمح (دخل وقتها) فلا تصح قبله عيداً، بل تكون نفلاً محرماً، ويمتد وقتها من الارتفاع (إلى الزوال، فإذا زالت الشمس خرج وقتها) فلو خرج في أثناء الصلاة فسدت كما مر.
(ويصلي الإمام بالناس ركعتين يكبر في الأولى تكبيرة الافتتاح) ويأتي عقبها بالاستفتاح (ويكبر ثلاثا بعدها) وبعد الاستفتاح، ويستحب له أن يقف بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات، وليس بينهما ذكر مسنون، ويتعوذ ويسمي سراً (ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها): أي سورة شاء، وإن تحرى المأثور كان أولى (ثم يكبر تكبيرة يركع بها) ويتمم ركعته بسجدتيها (ثم) إذا قام (يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة) أولا (فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاث تكبيرات) كما تقدم (وكبر تكبيرة رابعة يركع بها) وتمم صلاته (ويرفع يديه في تكبيرات العيدين) الزوائد.
(ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين) وهي سنة؛ فلو تركها أو قدمها جازت مع الإساءة (يعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها) ليؤديها من لم يؤدها؛ لأنها شرعت لذلك، ويستحب أن يستفتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات متوالية، والثانية بسبع.
(ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام) ولو بالإفساد (لم يقضها) وحده؛ لأنها لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد. هداية. فلو أمكنه الذهاب لإمام آخر فعل؛ لأنها تؤدى بمواضع اتفاقاً. تنوير.
(فإن غم الهلال على الناس فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال) أو حدث عذر مانع كمطر ونحوه (صلى العيدين من الغد)؛ لأنه تأخير بعذر، وقد ورد فيه النص. هداية. ووقتها فيه كالأول (فإن حدث عذر منع الناس من الصلاة في اليوم الثاني) أيضاً (لم يصلهما بعده)؛ لأن الأصل فيها أن لا تقضى كالجمعة إلا أن تركناه بالحديث، وقد ورد بالتأخير إلى اليوم الثاني عند العذر. هداية.
---
(ويستحب في يوم) عيد (الأضحى أن يغتسل ويتطيب) كما مر في الفطر (و) لكنه (يؤخر الأكل) في الأضحى عن الصلاة (حتى يفرغ من الصلاة) وإن لم يضح في الأصح ولو أكل لم يكره.
(ويتوجه إلى المصلى وهو يكبر) جهراً (ويصلي الأضحى ركعتين كصلاة) عيد (الفطر) فيما تقدم (ويخطب بعدها) أيضاً (خطبتين يعلم الناس فيهما الأضحية وتكبيرات التشريق) لأنها شرعت لذلك (فإن حدث عذر) من الأعذار المارة (منع الناس من الصلاة في) أول (يوم الأضحى صلاها من الغد وبعد الغد، ولا يصليها بعد ذلك) لأنها مؤقتة بوقت الأضحية فتتقيد بأيامها، لكنه مسيء بالتأخير بغير عذر، وإلا فلا؛ فالعذر هنا لنفي الكراهة، وفي الفطر للصحة.
(وتكبير التشريق أوله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة) اتفاقاً (وآخره عقيب صلاة العصر من ) يوم (النحر عند أبي حنيفة) فهي ثمان صلوات (وقالا) آخره (إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق) بإدخال الغاية، فهي ثلاث وعشرون صلاة، قال في التصحيح: قال برهان الشريعة وصدر الشريعة: وبقولهما يعمل، وفي الاختيار: وقيل الفتوى على قولهما، وقال في الجامع الكبير للإسبيجاني الفتوى على قولهما، وفي مختارات النوازل: وقولهما الاحتياط في العبادات، والفتوى على قولهما. اهـ. (والتكبير) واجب في الأصح مرة (عقيب الصلوات المفروضات) على المقيمين في الأمصار في الجماعات المستحبة عند أبي حنيفة، وقالا: على كل من صلى المكتوبة؛ لأنه تبع لها، وقد سبق أنه المفتي به للاحتياط (و) صفة التكبير (أن يقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه، واللّه أكبر وللّه الحمد) هذا المأثور عن الخليل صلوات اللّه عليه. هداية.
--------------------------
باب صلاة الكسوف.
---
- إذا انكسفت الشمس صلى الإمام بالناس ركعتين كهيئة النافلة في كل ركعةٍ ركوعٌ واحدٌ ويطول القراءة فيهما، ويخفي عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجهر، ثم يدعو بعدها حتى تنجلي الشمس، ويصلي بالناس الإمام الذي يصلي بهم الجمعة، فإن لم يجمع صلاها الناس فرادى، وليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كل واحدٍ بنفسه، وليس في الكسوف خطبةٌ.
--------------------------
باب صلاة الكسوف
من إضافة الشيء إلى سببه.
(إذا انكسفت الشمس صلى الإمام) أو نائبه (بالناس ركعتين كهيئة النافلة) أي بلا خطبة، ولا أذان، ولا إقامة، ولا تكرار ركوع، بل (في كل ركعة ركوع واحد، و) لكنه (يطول القراءة فيهما) وكذا الركوع والسجود والأدعية الواردة في النافلة (ويخفي) القراءة (عند أبي حنيفة، وقالا: يجهر) قال في التصحيح قال الإسبيجاني في زاد الفقهاء والعلامة في التحفة؛ والصحيح قول أبي حنيفة قلت: وهو الذي عول عليه النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة اهـ. (ثم يدعو بعدها) جالساً مستقبل القبلة أو قائماً مستقبل الناس والقوم يؤمنون على دعائه (حتى تنجلي الشمس) كلها.
(ويصلي بالناس الإمام الذي يصلي بهم الجمعة، فإن لم يجمع): أي لم يحضر الإمام (صلاها الناس فرادى) ركعتين أو أربعاً، في منازلهم كما في شرح الطحاوي.
(وليس في خسوف القمر جماعة)؛ لأنه يكون ليلاً وفي الاجتماع فيه مشقة جوهرة (و"إنما يصلي كل واحد بنفسه)؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (إذا رأيتم شيئاً من هذه الأهوال فافزعوا إلى الصلاة) (وليس في الكسوف خطبة)؛ لأنه لم ينقل. هداية.
--------------------------
باب الاستسقاء.
- قال أبو حنيفة رحمة اللّه عليه: ليس في الاستسقاء صلاةٌ مسنونةٌ في جماعةٍ، فإن صلى الناس وحداناً جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار.
---
وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ثم يخطب، ويستقبل القبلة بالدعاء، ويقلب الإمام رداءه، ولا يقلب القوم أرديتهم، ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء.
--------------------------
باب الاستسقاء
(قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة) وهو ظاهر الرواية كما في البدائع (فإن صلى الناس وحداناً جاز) من غير كراهة. جوهرة؛ لأنها نفل مطلق (وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار)؛ لقوله تعالى: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً} ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استسقى ولم يرو عنه الصلاة. هداية. وفي التصحيح: قال في التحفة: هذا ظاهر الرواية، وهو الصحيح، قلت: وهو المعتمد عند النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة. اهـ. (وقالا: يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة) اعتباراً بصلاة العيد (ثم يخطب) خطبتين عند محمد، وخطبة واحدة عند أبي يوسف، ويكون معظم الخطبة الاستغفار (ويستقبل القبلة بالدعاء، ويقلب الإمام رداءه)؛ لما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم "لما استسقى حول ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة، وحول رداءه". هداية. وصفة القلب: إن كان مربعاً جعل أعلاه أسفله وإن كان مدورا كالجبه: جعل الجانب الأيمن على الأيسر. جوهرة. (ولا يقلب القوم أرديتهم)؛ لأنه لم ينفل أنه أمرهم بذلك. هداية. ويستحب الخروج له إلى الصحراء؛ إلا في مكة وبيت المقدس فيخرجون إلى المسجد ثلاثة أيام مشاة في ثياب خلقة غسيلة متذللين متواضعين خاشعين للّه تعالى ناكسين رءوسهم مقدمين الصدقة كل يوم قبل خروجهم، ويحددون التوبة، ويستسقون بالضعفة والشيوخ والعجائز والأطفال. ويستحب إخراج الدواب وأولادها، ويشتتون فيما بينها؛ ليحصل التحنن ويظهر الضجيج بالحاجات (و) لكن (لا يحضر أهل الذمة الاستسقاء)؛ لأن الخروج للدعاء، وقد قال اللّه تعالى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ولأنه لاستنزال الرحمة،
---
وإنما تنزل عليهم اللعنة. هداية.
--------------------------
باب قيام شهر رمضان.
- يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحاتٍ، في كل ترويحةٍ تسليمتان، ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحةٍ، ثم يوتر بهم، ولا يصلي الوتر بجماعةٍ في غير شهر رمضان.
--------------------------
باب قيام شهر رمضان
أفرده بباب على حده لاختصاصه بأحكام ليست في مطلق النوافل.
(يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان) كل ليلة (بعد) صلاة (العشاء) ويستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه (فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات) كل ترويحة أربع ركعات، سميت بذلك لأنه يقعد عقبها للاستراحة (في كل ترويحة تسليمتان، ويجلس) ندباً (بين كل ترويحتين) وكذا بين الخامسة والوتر (مقدار ترويحة) ويخيرون فيها بين تسبيح وقراءة وسكوت وصلاة فرادى (ثم يوتر بهم) ويجهر بالقراءة، وفي تعبيره يتم إشارة إلى أن وقتها قبل الوتر، وبه قال عامة المشايخ، والأصح أن وقتها بعد العشاء إلى آخر الليل: قبل الوتر، وبعده؛ لأنها نوافل سنت بعد العشاء. هداية (ولا يصلي الوتر) ولا التطوع (بجماعة في غير شهر رمضان): أي يكره ذلك لو على سبيل التداعي. در. وعليه إجماع المسلمين. هداية.
--------------------------
باب صلاة الخوف.
---
- إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين: طائفةً في وجه العدو، وطائفةً خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعةً وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة، فيصلي بهم الإمام ركعةً وسجدتين، وتشهد وسلم، ولم يسلموا، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأولى فصلوا وحداناً ركعةً وسجدتين بغير قراءةٍ وتشهدوا وسلموا ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا ركعةً وسجدتين بقراءةٍ وتشهدوا وسلموا، فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب وبالثانية ركعةً، ولا يقاتلون في حال الصلاة، فإن فعلوا ذلك بطلت صلاتهم، وإن اشتد الخوف صلوا ركباناً واحداناً يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهةٍ شاءوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة.
--------------------------
باب صلاة الخوف
من إضافة الشيء إلى شرطه. وهي جائزة بعده صلى اللّه عليه وسلم عند الطرفين، خلافاً للثاني.
---
(إذا اشتد الخوف) بحضور عدو يقيناً، قال في الفتح: اشتداده ليس بشرط، بل الشرط حضور عدو أو سبع. اهـ، وفي العناية؛ الاشتداد ليس بشرط عند عامة مشايخنا. اهـ، ومثله خوف وغرق وحرق، قيدنا باليقين لأنهم لو صلوا على ظنه فبان خلافه أعادوا، ثم الأفضل - كما في الفتح - أن يجعلهم الإمام طائفتين ويصلي بإحداهما تمام الصلاة ويصلي بالأخرى إمام آخر، فإن تنازعوا بالصلاة خلفه (جعل الإمام الناس طائفتين) يقيم (طائفة في وجه العدو) للحراسة (وطائفة خلفه) يصلي بهم (فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين) من الصلاة الثنائية كالصبح والمقصورة والجمعة والعيدين (فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة) التي صلت معه مشاة (إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة) التي كانت في وجه العدو (فيصلي بهم الإمام) ما بقي من صلاته (ركعة وسجدتين وتشهد وسلم) وحده لتمام صلاته (ولم يسلموا) لأنهم مسبوقون (وذهبوا) مشاة أيضاً (إلى وجه العدو وجاءت الطائفة الأولى) إلى مكانهم الأول إن شاءوا أن يتموا صلاتهم في مكان واحد. وإن شاءوا أتموا في مكانهم تقليلاً للمشي (فصلوا) ما فاتهم (وحداناً ركعة وسجدتين بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون، (وتشهدوا وسلموا)؛ لأنهم فرغوا (ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى) إن شاءوا أيضاً، أو أتموا في مكانهم (فصلوا) ما سبقوا به (ركعة وسجدتين) بقراءة؛ لأنهم مسبوقون (وتشهدوا وسلموا)؛ لأنهم فرغوا، قيدنا بمضي المصلين مشاة لأن الركوب يبطلها ككل عمل كثير غير المشي لضرورة القيام بإزاء العدو، (فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين) من الرباعية (وب) الطائفة (الثانية ركعتين) تسوية بينهما (ويصلي بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعة) واعلم أنه ورد في صلاة الخوف روايات كثيرة، وأصحها ستة عشر رواية مختلفة، وصلاها النبي صلى اللّه عليه وسلم أربعاً وعشرين مرة، كذا في شرح المقدسي، وفي المستصفى عن شرح أبي نصر
---
البغدادي أن كل ذلك جائز، والكلام في الأولى، والأقرب من ظاهر القرآن الذي ذكرناه. اهـ. إمداد. (ولا يقاتلون في حال الصلاة)؛ لعدم الضرورة إليه، (فإن فعلوا ذلك) وكان كثيراً (بطلت صلاتهم)؛ لمنافاته للصلاة من غير ضرورة إليه، بخلاف المشي؛ فإنه ضرورى لأجل الاصطفاف.
(وإن اشتد الخوف) بحيث لا يدعهم العدو يصلون تاركين بهجومهم عليهم (صلوا ركباناً وحداناً)؛ لأنه لا يصح الإقتداء لاختلاف المكان (يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة)؛ لأنه كما سقطت الأركان للضرورة سقط التوجه.
--------------------------
باب الجنائز.
- إذا احتضر الرجل وجه إلى القبلة على شقه الأيمن ولقن الشهادتين، فإذا مات شدوا لحييه، وغمضوا عينيه،
وإذا أرادوا غسله وضعوه على سريرٍ، وجعلوا على عورته خرقةً، ونزعوا ثيابه، ووضئوه، ولا يمضمض، ولا يستنشق، ثم يفيضون الماء عليه، ويجمر سريره وتراً، ويغلى الماء بالسدر أو بالحرض، فإن لم يكن فالماء القراح، ويغسل رأسه ولحيته بالخطمى، ثم يضجع على شقه الأيسر فيغسل بالماء والسدر، حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يضجع على شقه الأيمن، فيغسل بالماء والسدر حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه، ثم يجلسه ويسنده إليه ويمسح بطنه مسحاً رفيقاً، فإن خرج منه شيءٌ غسله ولا يعيد غسله، ثم ينشفه بثوبٍ ويجعله في أكفانه، ويجعل الحنوط على رأسه ولحيته، والكافور على مساجده.
---
والسنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثوابٍ: إزارٍ، وقميصٍ، ولفافةٍ، فإن اقتصروا على ثوبين جاز، وإذ أرادوا لف اللفافة عليه ابتدءوا بالجانب الأيسر فألقوه عليه، ثم بالأيمن، فإن خافوا أن ينتشر الكفن عنه عقدوه، وتكفن المرأة في خمسة أثوابٍ: إزارٍ، وقميصٍ، وخمارٍ، وخرقةٍ يربط بها ثدياها، ولفافة، فإن اقتصروا على ثلاثة أثوابٍ جاز، ويكون الخمار فوق القميص تحت اللفافة، ويجعل شعرها على صدرها، ولا يسرح شعر الميت ولا لحيته، ولا يقص ظفره، ولا يعقص شعره، وتجمر الأكفان قبل أن يدرج فيها وتراً، فإذا فرغوا منه صلوا عليه، وأولى الناس بالصلاة عليه السلطان إن حضر، فإن لم يحضر فيستحب تقديم إمام الحي ثم الولي، فإن صلى عليه غير الولي والسلطان أعاد الولي، وإن صلى الولي لم يجز لأحدٍ أن يصلي بعده فإن دفن ولم يصل عليه صلى على قبره.
والصلاة: أن يكبر تكبيرةً يحمد اللّه تعالى عقبيها، ثم يكبر تكبيرةً ويصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم، ثم يكبر تكبيرةً يدعو فيها لنفسه وللميت وللمسلمين، ثم يكبر تكبيرةً رابعةً ويسلم.
ولا يصلى على ميتٍ في مسجدٍ جماعةٍ. فإذا حملوه على سريره أخذوا بقوائمه الأربع، ويمشون به مسرعين دون الخبب، فإذا بلغوا إلى قبره كره للناس أن يجلسوا قبل أن يوضع عن أعناق الرجال، ويحفر القبر ويلحد ويدخل الميت مما يلي القبلة، فإذا وضع في لحده قال الذي يضعه: باسم اللّه وعلى ملة رسول اللّه، ويوجهه إلى القبلة، ويحل العقدة، ويسوي اللبن عليه، ويكره الآجر والخشب، ولا بأس بالقصب ثم يهال التراب عليه، ويسنم القبر ولا يصطح، ومن استهل بعد الولادة سمى وغسل وصلى عليه، وإن لم يستهل أدرج في خرقةٍ ولم يصل عليه.
--------------------------
باب الجنائز
---
من إضافة الشيء إلى سببه: والجنائز جمع جنازة - بالفتح - اسم للميت وأما بالكسر قاسم للنعش، (إذا احتضر الرجل): أي حضرته الوفاة، أو ملائكة الموت، وعلامته: استرخاء قدميه، واعوجاج منخره، وانخساف صدغيه (وجه إلى القبلة على شقه الأيمن) هذا هو السنة، والمختار أن يوضع مستلقياً على قفاه نحو القبلة؛ لأنه أيسر لخروج روحه. جوهرة. وإن شق عليه ترك على حاله (ولقن الشهادتين) بذكرهما عنده، ولا يؤمر بهما لئلا يضجر، وإذا قالها مرة كفاه، ولا يعيدها الملقن إلا أن يتكلم بكلام غيرها لتكون آخر كلامه، وأما تلقينه في القبر فمشروع عند أهل السنة؛ لأن اللّه تعالى يحييه في القبر. جوهرة. وقيل: لا يلقن، وقيل: لا يؤمر به ولا ينهى عنه.
(فإذا مات شدوا لحيته) بعصابة من أسفلهما وتربط فوق رأسه (وغمضوا عينيه) تحسيناً له، وينبغي أن يتولى ذلك أرفق أهله به، ويقول: بسم اللّه، وعلى ملة رسول اللّه، اللّهم يسر عليه أمره، وسهل عليه ما بعده، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه. ويحضر عنده الطيب، ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، ويستحب أن يسارع إلى قضاء ديونه أو إبرائه منها؛ لأن نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى عنه، ويسرع في جهازه.
---
(وإذا أرادوا غسله وضعوه على سرير) لينصب الماء عنه (وجعلوا على عورته خرقة) إقامة لواجب الستر، ويكتفي بستر العورة الغليظة، هو الصحيح تيسيراً. هداية (ونزعوا ثيابه) ليتمكن من التنظيف (ووضئوه) إن كان ممن يؤمر بالصلاة (و) لكن (لا يمضمض ولا يستنشق) للحرج، وقيل: يفعلان بخرقة، وعليه العمل ولو كان جنباً أو حائضاً أو نفساء فعلاً اتفاقاً تتميماً للطهارة. إمداد (ثم يفيضون الماء عليه) اعتباراًً بحالة الحياة (ويجمر): أي يبخر (سريره وتراً) إخفاء لكريه الرائحة وتعظيماً للميت (ويغلى الماء بالسدر) وهو ورق النبق (أو بالحرض) بضم السكون - الأشنان، إن تيسر ذلك (فإن لم يكن) متيسراً (فالماء القراح): أي الخالص - كاف، ويسخن إن تيسر؛ لأنه أبلغ في التنظيف (ويغسل رأسه ولحيته بالخطمى) بكسر الخاء وتفتح وتشديد الياء - نبت بالعراق طيب الرائحة يعمل عمل الصابون؛ لأنه أبلغ في استخراج الوسخ، فإن لم يتيسر فالصابون ونحوه، وهذا إذا كان له شعر وإلا لم يحتج إليه. در (ثم يضجع على شقه الأيسر) ليبتدأ بيمينه (فيغسل بالماء والسدر حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت) بالمعجمة (منه): أي الميت، وهذه غسلة.
---
(ثم يضجع على شقه الأيمن فيغسل بالماء والسدر) كذلك حتى يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه) وهذه الثانية (ثم يجلسه ويسنده إليه)؛ لئلا يسقط (ويمسح بطنه مسحاً رقيقاً) لتخرج فضلاته (فإن خرج منه شيء غسله لإزالة النجاسة عنه، ولا يعيد غسله ولا وضوءه؛ لأنه ليس بناقض في حقه، وقد حصل المأمور به، ثم يضجع على شقه الأيسر فيصب الماء عليه تثليثاً للغسلات المستوعبات جسده إقامة لسنة التثليث. إمداد. ويصب عليه الماء عند كل إضجاع ثلاث مرات. تنوير (ثم ينشفه في ثوب) لئلا تبتل الأكفان (ويجعله): أي يضع الميت (لا أكفائه) بأن تبسط اللفافة، ثم الإزار فوقها، ثم يوضع الميت مقمصاً، ثم يعطف عليه الإزار ثم اللفافة (ويجعل الحنوط) بفتح الحاء - عطر مركب من الأشياء الطيبة، ولا بأس بسائر أنواعه غير الزعفران والورس للرجال (على رأسه ولحيته) ندباً (والكافور على مساجده)؛ لأن التطيب سنة والمساجد أولى بزيادة الكرامة. هداية. وسواء فيه المحرم وغيره فيطيب ويغطى رأسه. تتارخانية.
---
(والسنة أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب: إزار) وهو للميت مقداره من الفرق إلى القدم، بخلاف إزار الحي فإنه من السرة إلى الركبة (وقميص) من أصل العنق إلى القدمين بلا دخريص ولا كمين ( ولفافة) تزيد على ما هو فوق الفرق والقدم ليلف فيها، وتربط من الأعلى والأسفل، ويحسن الكفن، ولا يتعالى فيه، ويكون مما يلبسه في حياته في الجمعة والعيدين، وفضل البياض من القطن (فإن اقتصروا على ثوبين) إزار ولفافة (جاز) وهذا كفن الكفاية، وأما الثوب الواحد فيكره إلا في حالة الضرورة (فإذا أرادوا لف اللفافة عليه ابتدءوا بالجانب الأيسر فألقوه عليه ثم بالأيمن) كما في حالة الحياة (فإن خافوا أن ينتشر الكفن عنه عقدوه) صيانة عن الكشف (وتكفن المرأة) للسنة (في خمسة أثواب: إزار، وقميص) كما تقدم في الرجل (وخمار) لوجهها ورأسها (وخرقة يربط بها ثدياها) وعرضها من الثدي إلى السرة، وقيل: إلى الركبتين (ولفافة، فإن اقتصروا على ثلاثة أثواب) إزار وخمار ولفافة (جاز): وهذا كفن الكفاية في حقها، ويكره في أقل من ذلك إلا في حالة الضرورة (ويكون الخمار فوق القميص تحت) الإزار و (اللفافة) فتبسط اللفافة، ثم الخرقة فوقها، ثم الإزار فوقهما، ثم توضع المرأة مقصمه (ويجعل شعرها) ضفيرتين (على صدرها) فوق القميص، ثم تخمر بالخمار، ثم يعطف عليها بالإزار، ثم تربط الخرقة فوق الثديين، ثم اللفافة، وفي السراج: قال الخجتدى؛ تربط الخرقة على الثديين فوق الأكفان، قال: وقوله "فوق الأكفان" يحتمل أن يكون المراد تحت اللفافة وفوق الإزار والقميص، وهو الظاهر، وفي الكرخي قوله "فوق الكفن" يعني به الأكفان التي تحت اللفافة. اهـ. ومثله في الجوهرة.
---
(ولا يسرح شعر الميت ولا لحيته)؛ لأنه للزينة، والميت منتقل إلى البلى (ولا يقص ظفره ولا شعره)؛ لما فيه من قطع جزء منه يحتاج إلى دفنه فلا ينبغي فصله عنه (وتجمر الأكفان قبل أن يدرج فيها وتراً) فالمواضع التي يندب فيها التجمير ثلاثة: عند خروج روحه، وعند غسله، وعند تكفينه ولا يجمر خلفه؛ للنهي عن إتباع الجنازة بصوت أو نار. (فإذا فرغوا منه صلوا عليه)؛ لأنها فريضة (وأولى الناس بالصلاة عليه: السلطان إن حضر) إلا أن الحق في ذلك للأولياء: لأنهم أقرب إلى الميت، إلا أن السلطان إذا حضر كان أولى منهم بعارض السلطنة وحصول الأزدراء بالتقدم عليه جوهرة (فإن لم يحضر) السلطان فنائبه، فإن لم يحضر (فيستحب تقديم إمام الحي) لأنه رضيه في حياته، فكان أولى بالصلاة عليه في مماته (ثم الولي) بترتيب عصوبة النكاح، إلا الأب فيقدم على الابن اتفاقاً (فإن صلى عليه غير الولي والسلطان) ونائبه (أعاد الولي) ولو على قبره إن شاء؛ لأجل حقه، لا لإسقاط الفرض، ولذا قلنا: ليس لمن صلى عليها أن يعيد مع الولي لأن تكرارها غير مشروع در (وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي) عليه (بعده)؛ لأن الفرض تأدى بالأول، والتنفل بها غير مشروع، ولو صلى عليه الولي وللميت أولياء أخر بمنزلته ليس لهم أن يعيدوا؛ لأن ولاية من صلى عليه كمنزلته. جوهرة (فإن دفن ولم يصل عليه صلى على قبره) ما لم يغلب على الظن تفسخه، هو الصحيح؛ لاختلاف الحال والزمان والمكان. هداية.
---
(والصلاة) عليه أربع تكبيرات كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وكيفيتها: (أن يكبر تكبيرة) ويرفع يديه فيها فقط، وبعدها (يحمد اللّه تعالى عقبيها): أي يقول: سبحانك اللّهم وبحمدك. الخ (ثم يكبر تكبيرة) ثانية (ويصلي على النبي صلى اللّه عليه وسلم) كما في التشهد (ثم يكبر تكبيرة) ثالثةً (يدعو فيها): أي بعدها بأمور الآخرة (لنفسه وللميت وللمسلمين) قال في الفتح: ولا توقيف في الدعاء، سوى أنه بأمور الآخرة، وإن دعا بالمأثور فما أحسنه وما أبلغه، ومن المأثور حديث عوف بن مالك أنه صلى مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على جنازة فحفظ من دعائه (اللّهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار). قال عوف: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت، رواه مسلم والترمذي والنسائي. اهـ. (ثم يكبر تكبيرة رابعة ويسلم) بعدها من غير دعاء، واستحسن بعض المشايخ أن يقول بعدها: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". جوهرة ولا قراءة (1) ولا تشهد فيها، ولو كبر إمامه أكثر لا يتابعه، ويمكث حتى يسلم معه إذا سلم، هو المختار. هداية.
(ولا يصلي) أي يكره تحريماً، وقيل: تنزيهاً، ورجح (على ميت في مسجد جماعة): أي مسجد الجامع ومسجد المحلة. قهستاني، وكما يكره الصلاة يكره إدخالها فيه، كما نقله العلامة قاسم، وفي مختارات النوازل: سواء كان الميت فيه أو خارجه، هو ظاهر الرواية، وفي رواية: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد.
---
(فإذا حملوه على سريره وأخذوا بقوائمه الأربع)؛ لما فيه من زيادة الإكرام، ويضع مقدمها على يمينه ويمشي عشر خطوات، ثم مؤخرها كذلك، ثم مقدمها على يساره كذلك، ثم مؤخرها كذلك (ويمشون به مسرعين دون الخبب): أي العدو السريع؛ لكراهته (فإذا بلغوا إلى قبره كره للناس أن يجلسوا قبل أن توضع) الجنازة (عن أعناق الرجال)؛ لأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون، والقيام أمكن منه. هداية. (ويحفر القبر) مقدار نصف قامة، وإن زاد فحسن؛ لأن فيه صيانة (ويلحد) إن كانت الأرض صلبة، وهو: أن يحفر في جانب القبلة من القبر حفيرة فيوضع فيها الميت، ويشق إن كانت الأرض رخوة، وهو: أن يحفر حفيرة في وسط القبر فيوضع فيها (ويدخل الميت مما يلي القبلة) إن أمكن، وهو: أن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل الميت فيوضع في اللحد فيكون الآخذ له مستقبل القبلة، وهذا إذا لم يخش على القبر أن ينهار، وإلا فيسل من قبل رأسه أو رجليه.
---
(فإذا وضع في لحده قال الذي يضعه) فيه: (باسم اللّه وعلى ملة رسول اللّه)، صلى اللّه عليه وسلم (ويوجه إلى القبلة) على جنبه الأيمن (ويحل العقدة)؛ لأنها كانت لخوف الانتشار (ويسوى اللبن) بكسر الباء - جمع لبنة بوزن كلمة: الطوب النيء (عليه): أي اللحد، بأن يسد من جهة القبر ويقام اللبن فيه اتقاء لوجهه عن التراب (ويكره الآجر) بالمد: الطوب المحرق (والخشب)؛ لأنهما لإحكام البناء، وهو لا يليق بالميت؛ لأن القبر موضع البلى. وفي الإمداد: وقال بعض مشايخنا: إنما يكره الآجر إذا أريد به الزينة، أما إذا أريد به دفع أذى السباع أو شيء آخر لا يكره. اهـ (ولا بأس بالقصب) مع اللبن، قال في الحلية: وتسد الفرج التي بين اللبن بالمدر والقصب كيلا ينزل التراب منها على الميت، ونصوا على استحباب القصب فيها كالبن. اهـ. (ثم يهال التراب عليه) ستراً له وصيانة (ويسنم القبر)؛ أي يجعل ترابه مرتفعاً عليه مثل سنام البعير، مقدار شبر ونحوه، وتكره الزيادة على التراب الذي خرج منه (ولا يسطح) للنهي عنه، ولا يجصص ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء، وقيل: لا بأس به، وهو المختار. تنوير، ولا بأس بالكتابة إن احتيج إليها حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن. سراجية.
(ومن استهل) بالبناء للفاعل - أي وجد منه ما يدل على حياته من صراخ أو عطاس أو تثاؤب أو نحو ذلك مما يدل على الحياة المستقرة (بعد الولادة) أو خروج أكثره، والعبرة بالصدر إن نزل مستقيماً برأسه، وبسرته إن نزل منكوساً (سمى وغسل) وكفن (وصلى عليه) ويرث ويورث، (وإن لم يستهل) غسل في المختار. هداية. و (أدرج في خرقة ولم يصل عليه) وكذا يغسل السقط الذي لم يتم خلقه في المختار، كما في الفتح والدراية، ويسمى كما ذكره الطحاوي عن أبي يوسف، كذا في التبيين.
--------------
---
(1) يرى بعض الأئمة قراء الفاتحة بعد التكبيرة الأولى والحنيفة يقولون لا يقرؤها إلا بنية الثناء قال في الفتح لم تثبت القراءة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي موطأ مالك عن ابن عمر أنه كان لا يقرأ في صلاة الجنازة.
--------------------------
باب الشهيد.
- الشهيد: من قتله المشركون أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلماً ولم تجب بقتله ديةٌ، فيكفن ويصلى عليه، ولا يغسل، وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة، وكذلك الصبي. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يغسلان، ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه، وينزع عنه الفرو والخف والحشو والسلاح، ومن ارتث غسل. والارتثات: أن يأكل أو يشرب أو يداوى أو يبقى حياً حتى يمضي عليه وقت صلاةٍ وهو يعقل، أو ينقل من المعركة حياً، ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلى عليه، ومن قتل من البغاة أو قطاع الطريق لم يصل عليه.
--------------------------
باب الشهيد
فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مشهود له بالجنة. أو تشهد موته الملائكة، أو فاعل؛ لأنه حي عند ربه، فهو شاهد.
---
(الشهيد) الذي له الأحكام الآتية: (من قتله المشركون) بأي آلة كانت، مباشرة أو تسبباً منهم، كما لو اضطروهم حتى ألقوه في نار أو ماء، أو نفروا دابة فصدمت مسلماً، أو رموا نيراناً فذهبت بها الريح إلى المسلمين، أو أرسلوا ماء فغرقوا به؛ لأنه مضاف إلى العدو. فتح (أو وجد في المعركة) سواء كانت معركة أهل الحرب أو البغى أو قطاع الطريق (وبه أثر) كجرح وكسر وحرق وخروج دم من أذن أو عين، لا فم وأنف ومخرج (أو قتله المسلمون ظلماً ولم تجب بقتله دية): أي ابتداء، حتى لو وجبت بعارض كالصلح وقتل الأب ابنه لا تسقط الشهادة. إذا عرف ذلك وأريد تجهيزه (فيكفن) بثيابه (ويصلى عليه ولا يغسل) إذا كان مكماً طاهراً، افاقاً (و) أما (إذا استشهد الجنب) وكذا الحائض والنفساء (غسل عند أبي حنيفة، وكذلك الصبي) والمجنون (وقالا: لا يغسلان) قال في التصحيح: ورجح دليله في الشروح، وهو المعول عليه عند النسفي، والمفتى به عند المحبوبي. اهـ. (ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه) لحديث: (زملوهم بدمائهم)، (و) لكن (ينزع عنه الفرو والخف والحشو والسلاح) وكل ما لا يصلح للكفن، ويزيدون وينقصون في ثيابه إتماماً لكفن المنة.
(ومن ارتث) بالبناء المجهول -: أي أبطأ موته عن جرحه (غسل)؛ لانقطاع حكم شهادة الدنيا عنه، وإن كان من شهداء الآخرة (والارتثاث) القاطع لحكم الشهادة: (أن يأكل أو يشرب) أو ينام (أو يتداوى أو يتق حياً حتى يمضي عليه وقت صلاة وهو يعقل) ويقدر على أدائها (أو ينقل من المعركة) وهو يعقل؛ إلا لخوف وطء الخيل.
(ومن قتل في حد أو قصاص غسل) وكفن (وصلى عليه)؛ لأنه لم يقتل ظلماً، وإنما قتل بحق.
---
(ومن قتل من البغاة) وهم: الخارجون عن طاعة الإمام، كما يأتي (أو قطاع الطريق) حالة المحاربة (لم يصل عليه) ولم يغسل، وقيل: يغسل ولم يصل عليه؛ للفرق بينه وبين الشهيد، قيدنا بحالة المحاربة لأنه إذا قتل بعد ثبوت يد الإمام فإنه يغسل ويصلى عليه، وهذا تفصيل حسن أخذ به الكبار من المشايخ. زيلعي.
--------------------------
باب الصلاة في الكعبة وحولها.
- الصلاة في الكعبة جائزةٌ فرضها ونفلها، فإن صلى الإمام بجماعةٍ فجعل بعضهم ظهر الإمام جاز، ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته، وإذا صلى الإمام في المسجد الحرام تحلق الناس حول الكعبة وصلوا بصلاة الإمام، فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام، ومن صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته.
--------------------------
باب الصلاة في الكعبة وحولها
(الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها؛ فإن صلى الإمام) فيها (بجماعة) معه (فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الإمام) أو جنبه، أو جعل وجهه إلى ظهر الإمام أو جنبه أو جعل جنبه إلى وجه الإمام أو جنبه متوجهاً إلى غير جهته، أو جعل وجهه إلى وجه الإمام - (جاز) الاقتداء في الصور السبع المذكورة، إلا أنه يكره أن يقابل وجه الإمام بلا حائل، وكل جانب قبلة، والتقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجهة، ولذا قال؛ (ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الإمام لم تجز صلاته): أي لتقدمه على الإمام (فإن صلى الإمام) خارجها (في) داخل (المسجد الحرام تحلق) بدون الواو على ما في أكثر النسخ جواب "إن" وفي بعضها (وتحلق الناس حول الكعبة) قال في الجوهرة: إن كان بالواو فهو من صورة المسألة وجوابها "فمن كان" وإن كان بدون الواو فهو جواب إن، ويكون قوله (وصلوا بصلاة الإمام) بياناً للجواز، وقوله "فمن كان" للاستئناف. اهـ.
---
(فمن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الإمام)؛ لأن التقدم والتأخر إنما يظهر عند اتحاد الجانب، وفي الدر: ولو وقف مستامتاً لركن في جانب الإمام وكان أقرب لم أره، وينبغي الفساد احتياطاً؛ لترجيح جهة الإمام. اهـ. (ومن صلى على ظهر الكعبة) ولو بلا سترة (جازت صلاته) إلا أنه يكره لما فيه من ترك التعظيم ولورود النهي عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. هداية.
--------------------------
كتاب الزكاة (1)
- الزكاة واجبةٌ على الحر المسلم البالغ العاقل إذا ملك نصاباً ملكاً تاماً وحال عليه الحول؛ وليس على صبيٍ ولا مجنونٍ ولا مكاتبٍ زكاةٌ، ومن كان عليه دينٌ يحيط بماله فلا زكاة عليه، وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصاباً، وليس في دورٍ السكنى، وثياب البدن، وأثاث المنازل، ودواب الركوب، وعبيد الخدمة، وسلاح الاستعمال - زكاةٌ، ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنيةٍ مقارنةٍ للأداء أو مقارنةٍ لعزل مقدار الواجب.
ومن تصدق بجميع ماله ولم ينو الزكاة سقط فرضها عنه.
--------------------------
(1) الزكاة فريضة محكمة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وسببها المال النامي وشرطها الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والخلو من الدين وصفتها الفرضية وحكمها الخروج عن عهدة الكليف في الدنيا والنجاة من العقاب والوصول إلى الثواب في الآخرة وكثير من المسلمين اليوم يتهاونون في هذه الشعيرة الكريمة مع أنها أعظم مزايا الإسلام والأدلة على أنه دين الحق والإنصاف فإنها مع غيرها من وسائل التكافل تقرب بين بعض الطبقات وبعض وتغرس في قلوبهم الألفة والحب وتدفع الحسد والحقد من النفوس وفق اللّه المسلمين للعمل بدينهم.
--------------------------
كتاب الزكاة
قرنها بالصلاة اقتداء بالقرآن العظيم، والأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والتسليم.
---
(الزكاة) لغة: الطهارة والنماء، وشرعاً: تمليك جزء مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوث للّه تعالى.
وهي (واجبة) والمراد بالوجوب الفرض: لأنه لا شبهة فيه. هداية. (على الحر المسلم البالغ العاقل إذا ملك نصاباً) فارغاً عن دين له مطالب وعن حاجته الأصلية نامياً ولو تقديراً (ملكاً تاماً وحال عليه الحول) ثم أخذ يصرح بمفهوم القيود المذكورة بقوله: (وليس على صبي ولا مجنون)؛ لأنهما غير مخاطبين بأداء العبادة كالصلاة والصوم (ولا مكاتب زكاة)؛ لعدم الملك التام (ومن كان عليه دين يحيط بماله) أو يبقى منه دون نصاب (فلا زكاة عليه)؛ لأنه مشغول بحاجته الأصلية فاعتبر معدوماً كالماء المستحق بالعيش. هداية. وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصاباً) لفراغه عن الحاجة (وليس في دور السكنى وثياب البدن وأثاث المنزل ودواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة)؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وليست بنامية أصلاً، وعلى هذا كتب العلم لأهلها وآلات المحترفين؛ لما قلنا. هداية. أقول: وكذا لغير أهلها إذا لم ينو بها التجارة؛ لأنها غير نامية، غير أن الأهل له أخذ الزكاة وإن ساوت نصاباً، وغيره لا، كما في الدر.
(ولا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء) ولو حكماً، كما لو دفع بلا نية در. (أو مقارنة لعزل مقدار الواجب)؛ لأن الزكاة عبادة وكان من شرطها النية، والأصل فيها الاقتران، إلا أن الدفع يتفرق، فاكتفى بوجودها حالة العزل تيسيراً، كتقديم النية في الصوم. هداية. (ومن تصدق بجميع ماله) و (لا ينوي) به (الزكاة سقط فرضها عنه) استحساناً، لأن الواجب جزء منه فكان متعيناً فيه، فلا حاجة إلى التعيين، هداية.
--------------------------
باب زكاة الإبل.
---
- ليس في أقل من خمس ذودٍ من الإبل صدقةٌ فإذا بلغت خمساً سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاةٌ إلى تسعٍ، فإذا كانت عشراً ففيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه إلى تسع عشرة فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياهٍ إلى أربعٍ وعشرين، فإذا كانت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاضٍ إلى خمسٍ وثلاثين، فإذا كانت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبونٍ، إلى خمسٍ وأربعين، فإذا كانت ستاً وأربعين ففيها حقةٌ إلى ستين، فإذا كانت وستين ففيها جذعةٌ إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبونٍ إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائةٍ وعشرين؛ ثم تستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاةٌ مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياهٍ، وفي عشرين أربع شياهٍ، وفي خمس وعشرين بنت مخاضٍ، إلى مائةٍ وخمسين فيكون فيها ثلاث حقاقٍ؛ ثم تستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاةٌ، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياهٍ، وفي خمسٍ وعشرين بنت مخاضٍ، وفي ست وثلاثين بنت لبونٍ، فإذا بلغت مائةً وستاً وتسعين ففيها أربع حقاقٍ إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة أبداً كما استؤنفت في الخمسين التي بعد المائة والخمسين، والبخت والعراب سواءٌ (1).
--------------------------
(1) وقد اشتهرت كتب الصدقات من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على ذلك الوجه المذكور وفيها كتاب الصديق لأنس بن مالك رواه البخاري وفرقه في عدة أبواب ومنه كتاب عمرو بن حزم وغيره.
--------------------------
باب زكاة الإبل
---
بدأ بزكاة المواشي وبالإبل منها اقتداء يكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. (ليس في أقل من خمس) بالتنوين و (ذود من الإبل) بدل منه. ويقال "خمس ذود" بالإضافة كما في قوله تعالى (1): {تسعة رهط} وهو من الإبل: من الثلاث إلى التسع (صدقة) لعدم بلوغ النصاب (فإذا بلغت خمسا سائمة) وهي المكتفية بالرعي المباح أكثر العام لقصد الدر والنسل (وحال عليها الحول ففيها شاة) ثنى ذكر أو أنثى، والثني من الغنم: ما تم له حول، ولا يجوز الجذع (2) في الزكاة، ويجوز في الأضحية (إلى تسع، فإذا كانت عشراً ففيها شاتان، إلى أربع عشرة فيها ثلاثق شياه، إلى تسع عشرة، فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياه، إلى أربع وعشرين، فإذا كانت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض) وهي: التي طعنت في السنة الثانية (إلى خمس وثلاثين، فإذا كانت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون) وهي: التي طعنت في الثالثة (إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستاً وأربعين ففيها حقه) وهي: التي طعنت في الرابعة (إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستاً وسبعين، ففيها بنتا لبون، إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان، إلى مائة وعشرين) بهذا اشتهرت كتب الصدقات من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. هداية.
---
(ثم) إذا زادت على ذلك (تستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاة مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض) مع الحقتين (إلى مائة وخمسين فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم) إذا زادت (تستأنف الفريضة) أيضاً (ففي الخمس شاة) مع ثلاث حقاق (وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مائة وستاً وتسعين ففيها أربع حقاق، إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة أبداً كما تستأنف في الخمسين التي بعد المائة والخمسين) حتى يجب في كل خمسين حقة ولا تجزئ ذكور الإبل إلا بالقيمة للإناث، بخلاف البقر والغنم، فإن المالك مخير كما يأتي.
(والبخت) جمع البختى، وهو: المتولد بين العربي والعجمي، منسوب إلى بخت نصر (والعراب) بالكسر - جمع عربي (سواء) في النصاب والوجوب، لأن اسم الإبل يتناولهما.
--------------
(1) من الآية 48 من سورة النمل.
(2) الجذع من الغنم - بفتح الجيم والذال جميعا - هنا: الصغير الذي لم يستتم سنة.
--------------------------
باب صدقة البقر.
- ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقةٌ، فإذا كانت ثلاثين سائمةً وحال عليها الحول ففيها تبيعٌ أو تبيعةٌ، وفي أربعين مسنةٌ أو مسنٌ، فإذا زادت على الأربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة ففي الواحدة ربع عشر مسنةٍ، وفي الاثنين نصف عشر مسنةٍ، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع عشر مسنةٍ، وفي الأربع عشر مسنةٍ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان، وفي سبعين مسنةٌ وتبيعٌ، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعةٍ، وفي مائة تبيعان ومسنةٌ، وعلى هذا يتغير الفرض في كل عشرةٍ من تبيعٍ إلى مسنةٍ، والجواميس والبقر سواءٌ.
--------------------------
باب صدقة البقر
---
(ليس في أقل من ثلاثين من البقر صدقة) لعدم بلوغ النصاب (فإذا كانت ثلاثين سائمة) كما تقدم (وحال عليها الحول ففيها تبيع) وهو ذو سنة كاملة (أو تبيعة) وسمى تبيعاً لأنه يتبع أمه، (وفي أربعين مسنة أو مسن) وهو ذو سنتين كاملتين (فإذا زادت على الأربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين) وذلك (عند أبي حنيفة ففي الواحد ربع عشر مسنة، وفي الاثنين نصف عشر مسنة، وفي الثلاثة أرباع عشر مسنة، وفي الأربع عشر مسنة) قال في التصحيح: هذه رواية الأصل، ورجح صاحب الهداية وجهها، واعتمده النسفي والمحبوبي تبعاً لصاحب الهداية (وقالا: لا شيء في الزيادة) على الأربعين (حتى تبلغ) إلى (ستين فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان)، قال في التصحيح: روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قولهما، قال في التحفة: وهذه الرواية أعدل، وقال الإسبيجاني: وهذا أعدل الأقاويل، وعليه الفتوى. اهـ. ومثله في البحر عن الينابيع، وفي جوامع الفقه: قولهما هو المختار، (وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي مائة تبيعان ومسنة، وعلى هذا) المنوال (يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة) بهذا المثال.
(والجواميس والبقر سواء) لاتحاد الجنسية؛ إذ هو نوع منه، وإنما لم يحنث بأكل الجاموس إذا حلف لا يأكل لحم البقر لعدم العرف.
--------------------------
باب صدقة الغنم.
- ليس في أقل من أربعين شاةً صدقةٌ، فإذا كانت أربعين سائمةً وحال عليها الحول ففيها شاةٌ إلى مائةٍ وعشرين، فإذا زادت واحدةً ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدةً ففيها ثلاث شياهٍ، فإذا بلغت أربعمائةٍ ففيها أربع شياهٍ، ثم في كل مائةٍ شاةٌ،
والضأن والمعز سواءٌ.
--------------------------
باب صدقة الغنم
---
(ليس في أقل من أربعين شاة صدقة) لعدم بلوغ النصاب (فإذا كانت أربعين سائمة) كما تقدم (وحلل عليها الحول ففيها شاة) ثنى ذكر أو أنثى (إلى مائة وعشرين فإذا زادت) المائة والعشرون (واحدة ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه) إلى ثلاثمائة وتسعة وتسعين (فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة). (والضأن والمعز سواء) في النصاب، والوجوب، وأداء الواجب، ولا يؤخذ إلى الثنى وهو ما تمت له سنة كما تقدم.
--------------------------
باب زكاة الخيل.
- إذا كانت الخيل سائمةً ذكوراً وإناثاً فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى عن كل فرسٍ ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهمٍ خمسة دراهم، وليس في ذكورها منفردةً زكاةٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا زكاة في الخيل، ولا في شيء من البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة، وليس في الفصلان والحملان والعجاجيل صدقةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ إلا أن يكون معها كبارٌ، وقال أبو يوسف. فيها واحدةٌ منها، ومن وجب عليه سنٌ فلم توجد عنده أخذ المصدق أعلى منها ورد الفضل، أو أخذ دونها وأخذ الفضل.
ويجوز دفع القيمة في الزكاة.
وليس في العوامل والعلوفة صدقةٌ، ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته ويأخذ الوسط منه، ومن كان له نصابٌ فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إلى ماله وزكاه به، والسائمة هي: التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها. والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب دون العفو. وقال محمدٌ: فيهما، وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت، فإن قدم الزكاة على الحول، وهو مالكٌ للنصاب جاز.
--------------------------
باب زكاة الخيل
---
إنما أخرها للاختلاف في وجوب الزكاة فيها، قال أبو حنيفة: (إذا كانت الخيل سائمة) كما تقدم، وكانت (ذكوراً وإناثاً) أو إناثاً فقط (فصاحبها بالخيار: إن شاء أعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم) بمنزلة عروض التجارة (وليس في ذكورها منفردة زكاة) اتفاقاً، ولم يقيد بنصاب إشارة إلى أن الأصح أنها لا نصاب لها؛ لعدم النقل (وقالا: لا زكاة في الخيل) قال في التصحيح: قال الطحاوي: هذا أحب القولين إلينا، ورجحه القاضي أبو زيد في الأسرار، وقال في الينابيع: وعليه الفتوى، وقال في الجواهر: والفتوى على قولهما، وقال في الكافي: هو المختار للفتوى، وتبعه شارح الكنز والزازي في فتاواه تبعا لصاحب الخلاصة، وقال قاضيخان: قالوا الفتوى على قولهما، وقال الإمام أبو منصور في التحفة: الصحيح قول أبي حنيفة، ورجحه الإمام السرخسي في المبسوط، والقدوري في التجريد، وأجاب عما عساه يورد على دليله، وصاحب البدائع، وصاحب الهداية وهذا أقوى حجة على ما يشهد به التجريد للقدوري والمبسوط للسرخسي وشرح شيخنا للّهداية، واللّه أعلم. اهـ. (ولا شيء في البغال والحمير) إجماعاً (إلا أن تكون للتجارة) لأنها تصير من العروض.
(وليس في الفصلان) بضم الفاء - جمع فصيل، وهو: ولد الناقة إذا فصل من أمه ولم يبلغ الحول (والحملان) بضم الحاء - جمع حمل، بفتحتين، وهر: ولد الضأن في السنة الأولى (والعجاجيل) جمع عجول - بوزن سنور - ولد البقر (صدقة عند أبي حنيفة ومحمد، إلا أن يكون معها كبار) ولو واحداً، ويجب ذلك الواحد كما في الدر (وقال أبو يوسف): يجب (فيها واحد منها) ورجح الأول.
(ومن وجب عليه سن فلم توجد) عنده (أخذ المصدق): أي العامل (أعلى منها ورد الفضل، أو أخذ دونها وأخذ الفضل) إلا أن في الوجه الأول له أن لا يأخذ ويطلب بعين الواجب أو بقيمته؛ لأنه شراء، وفي الوجه الثاني يجبر؛ لأنه لا بيع فيه، بل هو إعطاء بالقيمة.
---
(ويجوز دفع القيمة في الزكاة) وكذا في العشر والخراج والفطرة والنذر والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر القيمة يوم الوجوب عند الإمام، وقالا: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء إجماعا، ويقوم في البلد الذي المال فيه، ولو في مفازة ففي أقرب الأمصار إليه. فتح.
(وليس في العوامل) أي المعدات لو أسيمت لأنها من الحوائج الأصلية (والعلوفة): أي التي يعلفها صاحبها نصف حول فأكثر ولو للدر والنسل (صدقة)؛ لأن الوجوب بالنمو، وهو بالإسامة أو الإعداد للتجارة، ولم يوجد.
(ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته): أي رديئه (و) إنما (يأخذ الوسط منه) نظراً للجانبين، لأن في أخذ الخيار إضراراً بأصحاب الأموال؛ وفي رذالته إضراراً بالفقراء. (ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه) سواء كان من نمائه أو لا كهبة وإرث (ضمه إليه): أي إلى النصاب (وزكاه به): أي معه، وإن لم يكن من جنسه لا يضم إتفاقاً.
(والسائمة) التي يجب فيها الزكاة (وهي التي تكتفي بالرعي) بكسر الراء - الكلأ (في أكثر حولها)؛ لأن أصحاب السوائم قد لا يجدون بداً من أن يعلفوا سوائمهم في بعض الأوقات، فجعل الأقل تبعاً للأكثر (فإن علفها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها) لزيادة المؤنة فينعدم النماء فيها معنى.
(والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف) تجب (في النصاب دون العفو) وهو ما بين الفريضتين (وقال محمد) وزفر: (فيهما) وفائدته فيما إذا هلك العفو وفي النصاب، فيبقى كل الواجب عند الشيخين، ويسقط بقدر الهالك عند التلميذين. (وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة) ولو بعد منع الساعي في الأصح. نهاية (سقطت) عنه الزكاة، لتعلقها بالعين دون الذمة، وإذا هلك بعضه سقط حظه، قيد بالهلاك لأن الاستهلاك لا يسقطها، لأنها بعد الوجوب بمنزلة الأمانة، فإذا استهلكها ضمنها كالوديعة (وإن قدم الزكاة على الحول، وهو مالك للنصاب جاز) وجاز أيضاً لأكثر من سنة، لوجود مسبب، وهو ملك النصاب.
---
--------------------------
باب زكاة الفضة.
- ليس فيما دون مائتي درهمٍ صدقةٌ، فإذا كانت مائتي درهمٍ وحال عليها الحول ففيها خمسةٌ دراهم، ولا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين درهماً فيكون فيها درهمٌ، ثم في كل أربعين درهما درهمٌ، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه، وإذا كان الغالب على الورق الفضة فهي في حكم الفضة، وإن كان الغالب عليها الغش فهي في حكم العروض، ويعتبر أن تبلغ قيمتها نصاباً.
--------------------------
باب زكاة الفضة
قدمها على الذهب لأنها أكثر تداولاً فيما بين الناس.
(ليس فيما دون مائتي درهم صدقة)، لعدم بلوغ النصاب (فإن كانت مائتي درهم شرعي زنة كل درهم أربعة عشر قيراطا، والقيراط: خمس شعيرات، فيكون الدرهم الشرعي سبعين شعيرة (وحال عليها الحول ففيها) ربع العشر (خمسة دراهم، ولا شيء في الزيادة) على المائتين (حتى تبلغ) الزيادة (أربعين درهما فيكون فيها درهم؛ ثم في كل أربعين درهما درهم) ولا شيء فيما بينهما؛ وهذا عند أبي حنيفة (وقالا: ما زاد على المائتين فزكاته بحسابه) قال في التصحيح: قال في التحفة وزاد الفقهاء: الصحيح قول أبي حنيفة، ومشى عليه النسفي و برهان الشريعة. اهـ.
(وإذا كان الغالب على الورق) وهي الدراهم المضروبة، وكذا الرقة، بالتخفيف صحاح (الفضة فهي في حكم الفضة) الخالصة، لأن الدراهم لا يخلو عن قليل غش، لأنها لا تنطبع إلا به، وتخلو عن الكثير، فجعلنا الغلبة فاصلة - وهو أن يزيد على النصف - اعتباراً للحقيقة. هداية. ومثله في الإيضاح عن الجامع الكبير وإذا كان الغالب عليها الغش فهي في حكم العروض، ويعتبر أن تبلغ قيمتها نصاباً) ولابد فيها من نية التجارة كسائر العروض، إلا إذا كان يخلص منها فضة تبلغ نصاباً، لأنه لا تعتبر في عين الفضة القيمة ولا نية التجارة. هداية. واختلف في المساوى والمختار لزومها احتياطاً. خانية.
--------------------------
---
باب زكاة الذهب.
- ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقةٌ، فإذا كانت عشرين مثقالاً وحال عليها الحول ففيها نصف مثقالٍ، ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان، وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقةٌ عند أبي حنيفة، وفي تبر الذهب والفضة وحليهما والآنية منهما الزكاة.
--------------------------
باب زكاة الذهب
(ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة) لانعدام النصاب (فإذا كانت عشرين مثقالاً) شرعياً زنة كل مثقال عشرون قيراطاً فيكون المثقال الشرعي مائة شعيرة فهو درهم وثلاثة أسباع درهم (وحال عليها الحول ففيها) ربع العشر، وهو (نصف مثقال، ثم في كل أربعة مثاقيل قيراطان، وليس فيما دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة) خلافاً لهما، كما تقدم.
(وفي تبر الذهب والفضة) وهو غير المضروب منهما. مغرب (وحليهما) سواء كان مباح الاستعمال أو لا (والآنية منهما الزكاة) لأنهما خلقا أثماناً، فتجب وكاتهما كيف كانا.
--------------------------
باب زكاة العروض.
- الزكاة واجبةٌ في عروض التجارة كائنةً ما كانت إذا بلغت قيمتها نصاباً من الذهب أو الورق، يقومها بما هو أنفع للفقراء والمساكين منهما وإذا كان النصاب كاملاً في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة، وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة، وكذلك يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة حتى يتم النصاب عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة ويضم بالأجزاء.
--------------------------
باب زكاة العروض
وهو ما سوى النقدين، وأخرها عنهما لأنها تقوم بهما.
---
(الزكاة واجبة في عروض التجارة، كائنة ما كانت): أي كائنة أي شيء، يعني سواء كانت من جنس ما تجب فيه الزكاة كالسوائم، أو غيرها كالثياب (إذا بلغت قيمتها نصاباً من الورق أو الذهب، يقومها) صاحبها (بما هو أنفع للفقراء والمساكين منهما): أي النصابين؛ احتياطاً لحق الفقراء، حتى لو وجبت الزكاة إن قومت بأحدهما دون الآخر قومت بما تجب فيه دون الآخر (وإذا كان النصاب) كاملا (في طرفي الحول): في الابتداء للانعقاد وتحقق الغناء، وفي الانتهاء للوجوب (فنقصانه) حالة البقاء (فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة) قيد بالنقصان لأنه لو هلك كله بطل الحول.
(وتضم قيمة العروض) التي للتجارة (إلى الذهب والفضة) للمجانسة من حيث الثمينة، لأن القيمة من جنس الدراهم والدنانير (وكذلك يضم الذهب إلى الفضة) لجامع الثمينة (بالقيمة؛ حتى يتم النصاب عند أبي حنيفة)، لأن الضم لما كان واجباً كان اعتبار القيمة أولى كما في عروض التجارة (وقالا: لا يضم الذهب إلى الفضة بالقيمة و) إنما (يضم) أحدهما للآخر (بالأجزاء)؛ لأن المعتبر فيهما القدر، دون القيمة؛ حتى لا تجب الزكاة في مصوغ وزنه أقل من مائتين وقيمته فوقها، قال في التصحيح؛ ورحج قول الإمام الإسبيجاني الزوزني، وعليه مشى النسفي وبرهان الشريعة وصدر الشريعة، وقال في التحفة؛ قوله أنفع للفقراء وأحوط في باب العبادات. اهـ.
--------------------------
باب زكاة الزروع والثمار.
---
- قال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر، سواءٌ سقى سيحاً أو سقته السماء إلا الحطب والقصب والحشيش. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرةٌ باقيةٌ إذا بلغ خمسة أوسقٍ، والوسق. ستون صاعاً بصاع النبي صلى اللّه عليه وسلم، وليس في الخضروات عندهما عشرٌ، وما سقى بغربٍ أو داليةٍ أو سانيةٍ ففيه نصف العشر في القولين، وقال أبو يوسف فيما لا يوسق كالزعفران والقطن. يجب فيه العشر إذا بلغت قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق. وقال محمدٌ: يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أمثالٍ من أعلى ما يقدر به نوعه، فاعتبر في القطن خمسة أحمالٍ، وفي الزعفران خمسة أمناء، وفي العسل العشر إذا أخذ من أرضٍ العشر قل أو كثر، وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغ عشرة أزقاقٍ. وقال محمدٌ: خمسة أفراق، والفرق: ستةٌ وثلاثون رطلاً بالعراقي، وليس في الخارج من أرض الخراج عشرٌ.
--------------------------
باب زكاة الزروع والثمار
المراد بالزكاة هنا العشر؛ وتسميته زكاة باعتبار مصرفه.
---
(قال أبو حنيفة: في قليل ما أخرجته الأرض وكثيره العشر، سواء سقي سيحاً) وهو الماء الجاري كنهر وعين (أو سقته السماء): أي المطر (إلا الحطب والقصب) الفارسي (والحشيش) وكل ما لا يقصد به استغلال الأرض ويكون في أطرافها، أما إذا اتخذ أرضه مقصبة أو مشجرة أو منبتا للحشيش وساق إليه الماء ومنع الناس عنه يجب فيه العشر. جوهرة. وأطلق الوجوب فيما أخرجته الأرض لعدم اشتراط الحول؛ لأنه فيه معنى المؤنة، ولذا كان للإمام أخذه جبراً، ويؤخذ من البركة، ويجب مع الدين، وفي أرض الصغير والمجنون والمكاتب والمأذون والوقف (وقالا: لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية)؛ أي تبقى حولا من غير تكلف ولا معالجة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب ونحو ذلك (1) (إذا بلغ) نصابا (خمسة أوسق) جمع وسق (والوسق) مقدار مخصوص، وهو (ستون صاعاً بصاع النبي صلى اللّه عليه وسلم) وهو: ما يسع ألفاً وأربعين درهماً من ماش أو عدس كما يأتي تحقيقه في صدقة الفطر.
---
(وليس في الخضروات) بفتح الخاء لا غير - الفواكه كالتفاح والكمثرى وغيرهما، أو البقول كالكراث والكرفس ونحوهما (2)، مغرب. (عندهما عشر)؛ لعدم الثمرة الباقية؛ فالخلاف بين الإمام وصاحبيه في موضعين: في اشتراط النصاب والثمرة الباقية عندهما، وعدم اشتراطهما عنده، قال في التحفة: الصحيح ما قاله الإمام، ورجح الكل دليله، واعتمده النسفي وصدر الشريعة. اهـ. تصحيح (وما سقى بغرب): أي دلو (أو دالية): أي دولاب (أو سانية): أي بعير يسنى عليه، أي يستقي من البئر. مصباح (ففيه نصف العشر في القولين): أي على اختلاف القولين المارين بين الإمام وصاحبيه في اشتراط النصاب والثمرة الباقية وعدمها قال في الدر: وكتب الشافعية "أو سقاه بماء اشتراه" وقواعدنا لا تأباه، ولو سقى سيحا وبآلة اعتبر الغالب، ولو استويا فنصفه، وقيل: ثلاثة أرباعه. اهـ. ثم لما كان اشتراط النصاب قول الإمامين وقداره فيما يوسق بخمسة أوسق، واختلفا في تقدير مالا يوسق - بينه بقوله: (وقال أبو يوسف فيما لا يوسق كالزعفران والقطن): إنما (يجب في العشر إذا بلغت قيمته خمسة أوسق من أدنى ما ) أي شيء (يدخل تحت الوسق) كالذرة في زماننا؛ لأنه لا يمكن التقدير الشرعي فيه؛ فاعتبرت القيمة كما في عروض التجارة. هداية.
(وقال محمد: يجب العشر إذا بلغ الخارج خمسة أمثال من أعلى ما يقدر به نوعه، فاعتبر في القطن خمسة أحمال) كل حمل ثلاثمائة من (وفي الزعفران خمسة أمناء) لأنه أعلى ما يقدر به، التقدير بالوسق فيما يوسق إنما كان لأنه أعلى ما يقدر به.
---
(وفي العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر: قل) العسل المأخوذ (أو كثر) عند أبي حنيفة (وقال أبو يوسف: لا شيء فيه حتى يبلغ) نصاباً (عشرة أزقاق) جمع زق - بالكسر - ظرف يسع خمسين منا (وقال محمد: خمسة أفراق) جمع فرق، بفتحتين (والفرق ستة وثلاثون رطلا) (قوله رطلاً بالكسر، وهو مائة وثلاثون درهماً) وهكذا نقله في المغرب عن نوادر هشام عن محمد، قال: ولم أجده فيما عندي من أصول اللغة. اهـ. قال في التصحيح: ورجح قول الإمام ودليله المصنفون، واعتمده النسفي وبرهان الشريعة. اهـ. (وليس في الخارج من أرض الخراج) عسل أو غيره (عشر)؛ لئلاً يجتمع العشر والخراج.
فرع - العشر على المؤجر كالخراج الموظف، وقالا: على المستأجر، قال في الحاوي وبقولهما نأخذ. اهـ. أقول: لكن الفتوى على قول الإمام. وبه أفتى الخير الرملي والشيخ إسماعيل الحائك وحامد أفندي العمادي، وعليه العمل؛ لأنه ظاهر الرواية.
--------------
(1) وهذا بخلاف ما يحتاج إلى معالجة كالعنب فإنه يحتاج إلى يعلقه والبطيخ الصيفي فإنه يحتاج كما قالوا إلى التقليد.
(2) ويدخل في الخضروات الرياحين والأوراد والخيار والقثاء ويشهد للصاحبين في النصاب حديث الصحيح ولفظه كما في البخاري ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق في إطلاق بعض الأحاديث وتعميم بعض الآثار والذي يقدم الخاص مطلقاً كالشافعي والصاحبين يشترط الأوسق المنصوصة لوجوب الزكاة.
--------------------------
باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز.
---
- قال اللّه تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} الآية. فهذه ثمانية أصنافٍ قد سقطت منها المؤلفة قلوبهم؛ لأن اللّه تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم، والفقير. من له أدنى شيء، والمسكين: من لا شيء له، والعامل: يدفع إليه الإمام بقدر عمله إن عمل، وفي الرقاب: يعان المكاتبون في فك رقابهم، والغارم، من لزمه دينٌ، وفي سبيل اللّه. منقطع الغزاة، وابن السبيل. من كان له مالٌ في وطنه، وهو في مكانٍ لا شيء له فيه، فهذه جهات الزكاة.
وللمالك أن يدفع لكل واحدٍ منهم، وله أن يقتصر على صنفٍ واحدٍ، ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي، ولا يبني بها مسجدٌ، ولا يكفن بها ميتٌ، ولا يشتري بها رقبةٌ تتعتق، ولا تدفع إلى غني، ولا يدفع المزكي زكاته إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل ولا إلى امرأته، ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمدٌ: تدفع إليه، ولا يدفع إلى مكاتبه ولا مملوكه ولا مملوك غنيٍ ولا ولد غني إذا كان صغيراً، ولا تدفع إلى بني هاشمٍ، وهم. آل عليٍ وآل عباسٍ وآل جعفرٍ وآل عقيلٍ وآل حارث بن عبد المطلب ومواليهم، وقال أبو حنيفة ومحمدٌ. إذا دفع الزكاة إلى رجلٍ يظنه فقيراً ثم بان أنه غنيٌ أو هاشميٌ أو كافرٌ أو دفع في ظلمةٍ إلى فقير ثم بان أنه أبوه أو ابنه فلا إعادة عليه. وقال أبو يوسف: عليه الإعادة، ولو دفع إلى شخص ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لم يجز في قولهم جميعاً، ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مالٍ كان، ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحاً مكتسباً، ويكره نقل الزكاة من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، وإنما تفرق صدقة كل قومٍ فيهم، إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته أو إلى قومٍ هم أحوج من أهل بلده.
--------------------------
باب من يجوز دفع الزكاة إليه ومن لا يجوز
---
لما أنهى الكلام في أحكام الزكاة عقبها ببيان مصرفها مستهلاً بالآية الجامعة لأصناف المستحقين فقال:
قال اللّه تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها؛ والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل اللّه، وابن السبيل؛ فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم}.
(فهذه) الأصناف المحتوية عليها الآية (ثمانية أصناف، وقد سقط منها) صنف وهم (المؤلفة قلوبهم) وهم ثلاثة أصناف: صنف كان يؤلفهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ليسلموا ويسلم قومهم بإسلامهم، وصنف أسلموا ولكن على ضعف فيريد تقريرهم عليه، وصنف يعطيهم لدفع شرهم. والمسلمون الآن وللّه الحمد في غنية عن ذلك (لأن اللّه تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم) وعلى هذا انعقد الإجماع. هداية.
---
(والعقير من له أدنى شيء): أي دون النصاب (والمسكين) أدنى حالاً من الفقير، وهو: (من لا شيء له) وهذا مروى عن أبي حنيفة، وقد قيل على العكس، ولكل وجه، هداية (والعامل يدفع إليه الإمام بقدر عمله): أي ما يسعه وأعوانه بالوسط، لأن استحقاقه بطريق الكفاية، ولهذا يأخذ وإن كان غنياً، إلا أن فيه شبهة الصدقة، فلا يأخذها العامل الهاشمي، تنزيهاً لقرابة النبي صلى اللّه عليه وسلم، والغنى لا يوازيه في استحقاق الكرامة، فلم تعتبر الشبهة في حقه. هداية. وهذا (إن عمل) وبقي المال، حتى لو أدى أرباب الأموال إلى الإمام أو هلك المال في يده لم يستحق شيئاً وسقطت عن أرباب الأموال (وفي الرقاب: يعان المكاتبون) ولو لغنى، لا لهاشمي (في فك رقابهم) ولو عجز المكاتب وفي يده الزكاة تطيب لمولاه الغني، كما لو دفعت إلى فقير ثم استغنى والزكاة في يده يطيب له أكلها (والعارم: من لزمه دين) ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه (وفي سبيل اللّه: منقطع الغزاة) قال الإسبيجاني: هذا قول أبي يوسف، وهو الصحيح، وعند محمد منقطع الحاج (1)، وقيل: طلبة العلم، وفسره في البدائع بجميع القرب. وثمرة الخلاف في الوصية والأوقاف. اهـ. تصحيح (وابن السبيل: من كان له مال في وطنه وهو في مكان لا شيء له فيه) وإنما يأخذ ما يكفيه إلى وطنه لا غير، حتى لو كان معه ما يوصله إلى بلده من زاد وحمولة لم يجز له (فهذه جهات) مصرف (الزكاة).
(وللمالك أن يدفع لكل واحد منهم، وله أن يقتصر على صنف واحد) منهم ولو واحدا، لأن (أل) الجنسية تبطل الجمعية.
---
(ولا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي): لأمر الشارع بردها في فقراء المسلمين (2) (ولا يبني بها مسجد ولا يكفن بها ميت) لعدم التمليك (ولا يشتري بها رقبة تعتق) لأنه إسقاط، وليس بتمليك (ولا تدفع إلى غني) يملك قدر النصاب من أي مال كان فارغاً عن حاجته (ولا يدفع المزكي زكائه إلى أبيه وجده وإن علا ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل)؛ لأن منافع الأملاك بينهم متصلة: فلا يتحقق التمليك على الكمال، (ولا إلى امرأته) للاشتراك في المنافع عادة (ولا تدفع المرأة إلى زوجها عند أبي حنيفة، وقالا: تدفع إليه) لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (لك أجران: أجر الصدقة وأجر الصلة) قاله لامرأة ابن مسعود - وقد سألته عن التصدق عليه - قلنا: هو محمول على النافلة. هداية، قال في التصحيح: ورجح صاحب الهداية وغيره قول الإمام، واعتمده النسفي وبرهان الشريعة. اهـ.
---
(ولا يدفع) زكى زكاته (إلى مكاتبه، ولا) إلى (مملوكه) القد أن التمليك؛ إذ كسب المملوك لسيده، وله حق في كسب مكاتبه، فلم يتم التمليك (ولا) إلى (مملوك غني)؛ لأن الملك واقع لمولاه (ولا إلى ولد غني إذا كان صغيراً) لأنه يعد غنياً بمال أبيه؛ بخلاف ما إذا كان كبيراً فقيراً؛ لأنه لا يعد غنياً بيسار أبيه، وإن كانت نفقته عليه. هداية (ولا تدفع إلى بني هاشم) لأن اللّه تعالى حرم عليهم أوساخ الناس وعوضهم بخمس خمس الغنيمة ولما كان المراد من بني هاشم الذين لهم الحكم المذكور ليس كلهم بين المراد منهم بعددهم فقال: (وهم آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وآل حارث بن عبد المطلب) فخرج أبو لهب بذلك حتى يجوز الدفع إلى من أسلم من بنيه؛ لأن حرمة الصدقة على بني هاشم كرامة من اللّه تعالى لهم ولذريتهم حيث نصروه صلى اللّه عليه وسلم في جاهليتهم وإسلامهم وأبو لهب كان حريصاً على أذى النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يستحقها بنوه (و) لا تدفع أيضاً إلى (مواليهم). أي عتقائهم؛ فأرقاؤهم بالأولى، لحديث: "مولى القوم منهم"، (وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا دفع الزكاة إلى رجل يظنه فقيراً فبان أنه غني أو هاشمي أو كافر، أو دفع في ظلمة إلى فقير ثم بان أنه أبوه أو ابنه) أو امرأته (فلا إعادة عليه)؛ لأن الوقوف على هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع، فيبني الأمر فيها على ما يقع عنده (وقال أبو يوسف: عليه الإعادة)؛ لظهور خطئه بيقين مع إمكان الوقوف على ذلك، قال في التحفة: والأول جواب ظاهر الرواية، ومشى عليه المحبوبي والنسفي وغيرهما. اهـ تصحيح.
---
(ولو دفع إلى شخص) يظنه مصرفاً (ثم علم أنه عبده أو مكاتبه لم يجز في قولهم جميعاً) لانعدام التمليك (ولا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصاباً من أي مال كان)؛ لأن الغنى الشرعي مقدر به. والشرط أن يكون فاضلا عن الحاجة الأصلية (ويجوز دفعها إلى من يملك أقل من ذلك وإن كان صحيحاً مكتسباً)؛ لأنه فقير، والفقراء هم المصارف، ولأن حقيقة الحاجة لا يوقف عليها فأدير الحكم على دليلها وهو فقد النصاب. (ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلجد آخر، وإنما تفرق صدقة كل قوم فيهم) لحديث معاذ (3) ولما فيه من رعاية حق الجوار.
(إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته) لمل فيه من الصلة، بل في الظهيرية: لا تقبل صدقة الرجل وقرابته محاويج حتى يبدأ بهم فيسد حاجتهم (أو) ينقلها (إلى قوم هم أحوج من أهل بلده)، لما فيه من زيادة دفع الحاجة، ولو نقلها إلى غيرهم أجزأه وإن كان مكروهاً؛ لأن المصرف مطلق الفقير الفقير بالنص، هداية.
--------------
(1) له بما أخرجه أبو داود في باب العمرة في حديث طويل أنه كان لأبي معقل بكر فقال جعلته في سبيل اللّه فأمره صلى اللّه عليه وسلم أن يحل عليه الحاج فإنه في سبيل اللّه وفي الحديث مقال وفي الاستدلال نظر، راجع الفتح.
(2) روى أصحاب الكتب الستة عن ابن عباس قال: قال (صلى اللّه عليه وسلم) إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وإني رسول اللّه إلى أن قال: فإن هم أطاعوا ذلك فاعلمهم أن اللّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم. والإضافة تفيد الإختصاص وقالوا إن الذمي يأخذ ما سوى ذلك من الصدقة كصدقة الفطر والكفارات ولا يدفع ذلك لمستأمن ولا لحربي.
---
(3) هو قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: (خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم). ثم اعلم أن المعتبر في زكاة المال المكان الذي فيه المال؛ والمعتب في صدقة الفطر المكان الذي فيه المتصدق؛ فلو أن لرجل مالاً في يد شريكه أو وكليه في غير مصره فإنه يصرف الزكاة إلى فقراء الموضع الذي فيه المال دون المصر الذي فيه.
--------------------------