بحوث في قضايا فقهية معاصرة @
جارٍ تحميل الكتاب…
جارٍ تحميل الكتاب…
بحوث في قضايا فقهية معاصرة @
الطبعة الثانية
1424هـ - 2003 م @
بُحُوثْ
فِيْ
قَضَايَا فِقْهِيَّةْ مُعَاصِرَةْ
تأليف
محمد تقي العثماني
قاضي التمييز الشرعي بالمحكمة العليا لباكستان
ونائب رئيس جامعة دار العلوم بكراتشي
ونائب رئيس المجمع الإسلامي بجدة
دَارَ الْقَلَمْ
دِمَشْقْ @
بسم الله الرحمن الرحيم @
كَلِمَةَ الْمُؤَلِّفْ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى كل من تبعهم بإحسان
على يوم الدين.
إن عصرنا هذا قد حدثت فيه مسائل جديدة لم تكن معهودة أو متصورة من قبل ولذلك لا يوجد لها ذكر صريح في مآخذ الفقه الإسلامي الأصيلة ولكن الشريعة الإسلامية شريعة خالدة سوف
تبقى-إن شاء الله تعالى-إلى قيام الساعة وإنه منبثقة من الوحي الإلهي الذي تجلى في صور القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة-على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم-والذي لا تحول الأزمان دون إدراكه للحقائق الكونية وتطورات البشرية فإنها مهدت للأمة الإسلامية مناهجا وأصولا لا تزال غضة طرية في كل مكان وزمان دون أن يعتبرها بلىً وفساد على كرّ الأعصار ومر الدهور.
ولم يزل الفقهاء المسلمون - في كل عصر ومصر - يستنبطون أحكام الحوادث الجديدة في ضوء هذه المناهج والأصول حتى أصبح الفقه الإسلامي يمتاز على غيره من التشريعات البشرية بثروتها الهائلة وتنوعه الشامل وقواعده المحكمة وعطاءه المتواصل بحيث لا يخفى ذلك على من استقى من معينة العذب دون أن تعممه الشحناء والعصيبة العمياء.
ص:5 @
وإني-كأدنى دارس للفقه الإسلامي-لم أزل أكتب على مسائل فقهية في اللغات:العربية,الأردية, الإنكليزية منذ أكثر من ثلاثين عاماً,حتى اجتمعت لدي مجموعة من بحوث فقهية معاصرة في كل من هذه اللغات الثلاث. وبما أن هذه البحوث كانت مبعثرة في عدة مجلات وصحف وكتب فربما تعسر على طلبة العلم اقتناؤها.
فأشار إليّ بعض أحبتي أن تجمع هذه البحوث في مجموعة وتنشر في صورة كتاب لتكون ميسرة للطلبة على صعيد واحد فأردت أن تكون هناك ثلاث مجموعات في اللغات الثلاث المذكورة.فابتدأت - بعون الله تعالى بهذه المجموعة التي تضم البحوث الفقهية التي كتبتها باللغة العربية. ومعظمها قد عرضت على ندوات أو مؤتمرات فقهية عالمية في بلاد مختلفة من الوطن الإسلامي.
وطبعت هذه المجموعة لأول مرة من مكتبة دار العلوم كراتشي عام:1415هـ حتى نفذت نسخها وعند طبعتها الثانية تولاها(دار القلم) - مشكورة - راجعت هذه البحوث فأصلحت ما وقع فيها
من أخطاء في الطبعة الأولى من الأخطاء المطبعية وعدلت العبارات في بعض المواضع إصلاحا لبعض التسامحات التي وقعت في أصل البحث وقد أضفت إلى أصل بعض البحوث فوائد جديدة كما أضفت بحثين جديدين:الأول: أحكام الودائع المصرفية,والثاني:أحكام الذبائح واللحوم المستوردة.
هذا,وإن معظم المسائل المدروسة في هذه البحوث مسائل جديدة تحتاج إلى دراسة متقنة واستنباط عميق,وتعرض لاختلاف بعض الآراء والأنظار ولم آل جهدا في تحقيقها وتنقيرها,وفي مراجعة ما يتعلق بها من الأصول الشرعية والنصوص الفقهية ولكن لا عصمة إلا لرسل الله تعالى فإن كان ما أثبته صوابا فهو توفيق من الله سبحانه وتعالى, وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان, ورحم الله تعالى أمرا نبهني على ما وقع فيها من خطأ,
ص:6 @
وأسأل الله العلي القدير أن يجعل هذه الدراسات خالصة لوجهه الكريم وينفع بها الطالبين ويجعلها ذخرا لمؤلفها يوم لا ينفع مال ولا بنون إنه تعالى على كل شيء قدير,وبالإجابة جدير وله الحمد أولا وآخراً.
محمد تقي العثماني
دار العلوم كراتشي 14
باكستان
ص:7 @
... @
( 1 )
أحكام البيع بالتقسيط
بحث عرض على مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من(17) إلى(23) شعبان(1410) الموافق(14)إلى (20) مارس عام (1990)م.
ص:9 @
... @
بسم الله الرحمن الرحيم
أحكام البيع بالتقسيط
وسائله المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن البيع بالتقسيط من البيوع التي قد شاع تداولها في عصرنا الحاضر في جميع البلدان الإسلامية، وهو البيع الذي يلجأ إليه كثير من الناس لشراء حاجاتهم، وتأثيث منازلهم، والتمتع بالآلات الحديثة الغالية التي لا يمكن لهم شراؤها بثمن حال.
فمست الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي لهذا البيع، وما يتفرع عليه من مسائل مختلفة، وإن هذا البحث الموجز يهدف إلى إنجاز هذه الحاجة، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يوفقني فيه للسداد والصواب، ويشرح صدري لما فيه رضاه عز وجل.
حقيقة البيع بالتقسيط :
البيع بالتقسيط بيع بثمن مؤجل يدفع إلى البائع في أقساط متفق عليها، فيدفع البائع البضاعة المبيعة إلى المشتري حالّة، ويدفع المشتري الثمن في أقساط مؤجلة، وإن اسم ( البيع بالتقسيط) يشمل كل بيع بهذه الصفة سواء كان الثمن المتفق عليه مساويا لسعر السوق ، أو أكثر منه، أو أقل، ولكن المعمول به في الغالب أن الثمن في (البيع بالتقسيط) يكون أكثر من سعر تلك البضاعة في السوق، فلو أراد رجل أن يشتريها نقدا، أمكن له أن يجدها في السوق بسعر أقل ولكنه حينما يشتريها بثمن مؤجل
ص:11 @
بالتقسيط، فإن البائع لا يرضى بذلك إلا أن يكون ثمنه أكثر من ثمن النقد ، فلا ينعقد البيع بالتقسيط عادة إلا بأكثر من سعر السوق في بيع الحال.
زيادة الثمن من أجل التأجيل:
ومن هنا ينشأ السؤال:هل يجوز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من الثمن الحال؟وقد تكلم الفقهاء في هذه المسألة قديما وحديثا،فذهب بعض العلماء إلى عدم جوازه،لكون الزيادة عوضا من الأجل،وهو الربا،أو فيه مشابهة للربا،وهذا مذهب مروي عن زين العابدين علي بن الحسين،والناصر والمنصور بالله،والهادوية، كما نقل عنهم الشوكاني رحمه الله(1)
أما الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء والمحدثون، فقد أجازوا البيع المؤجل بأكثر من سعر النقد، بشرط أن يبت العاقدان بأنه بيع مؤجل بأجل معلوم، وبثمن متفق عيه عند العقد، فأما إذا قال البائع: أبيعك نقدا بكذا ونسيئة بكذا، وافتراقا على ذلك، دون أن يتفقا على تحديد واحد من السعرين، فإن مثل هذا البيع لا يجوز، ولكن إذا عين العاقدان أحد الشقين في مجلس العقد ، فالبيع جائز .يقول الإمام الترمذي رحمه الله في جامعه: تحت حديث أبي هريرة رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وقد فسر بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: (أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإن فارقه على أحدهما، فلا بأس، إذا كانت العقدة على أحد منهما)(2) .
(1) نيل الأوطار: 5/129.
(2) جامع الترمذي، كتاب البيوع، باب 18، حديث 1331: 3/533، طبع بيروت.
ص:12 @
وحاصل قول الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: أن علة النهي عن هذا البيع إنما هو تردد الثمن بين الحالتين، دون أن تتعين إحداهما عند العقد، وهذا يوجب الجهالة في الثمن، وليس سبب النهي زيادة الثمن من أجل التأجيل، فلو زالت مفسدة الجهالة بتعيين إحدى الحالتين فلا بأس بهذا البيع شرعا.
وإن ما ذكره الإمام الترمذي رحمه الله،هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء(1)،وهو الراجح بالدليل، لأنه ليس في القرآن والسنة ما يمنع جواز مثل هذا البيع ، وإن تعريف الربا لا ينطبق على هذه الزيادة في الثمن، لأنه ليس قرضا ، ولا بيعا للأموال الربوية بمثلها، وإنما هو بيع محض، وللبائع أن يبيع بضاعته بما شاء من ثمن، ولا يجب عليه أن يبيعها بسعر السوق دائما، وللتجار ملاحظ مختلفة في تعيين الأثمان وتقديرها فربما
تختلف أثمان البضاعة الواحدة باختلاف الأحوال، ولا يمنع الشرع من أن يبيع المرء سلعته بثمن في حالة، وبثمن آخر في حالة أخرى.
وبالتالي:فإن من يبيع البضاعة بثمانية نقدا،وبعشرة نسيئة،يجوز له الإجماع أن يبيعها بعشرة نقدا،ما لم يكن فيه غش أو خداع،فلم لا يجوز له أم يبيعها بالعشرة نسيئة؟وبما أن هذه المسألة متفق عليها فيما بين المذاهب الأربعة المتداولة،وبين أكثر الفقهاء والمحدثين،فلا نريد الإطالة في بيان دلائلها من الكتاب والسنة،بل نريد أن ننطلق في هذا البحث على أساس جواز هذا البيع،ونذكر بعض التفاصيل والمسائل المتفرعة على هذا الجواز.1- الجزم بأحد الثمنين شرط للجواز :
قد تبين فيما سبق أنه لا بأس
(1).راجع المغني،لابن قدامة:4/290؛والمبسوط،للسرخسي:13/8؛والدسوقي على الشرح الكبير:3/58؛ومغني المحتاج للشربيني: 2/31.
ص:13 @
للبائع أن يذكر الأثمان المختلفة عند المساومة، فيقول: أبيعه نقدا بثمانية، ونسيئة بعشرة، وهل يجوز أن يذكر أثمانا مختلفة باختلاف الآجال، مثل أن يقول: أبيعه إلى شهر بعشرة، وإلى شهرين باثني عشر مثلا؟ لم أر في ذلك تصريحا من الفقهاء، وقياس قولهم السابق أن يجوز ذلك أيضا؛ لأنه إذا جاز اختلاف الأثمان على أساس كونها نقدا أو نسيئة، جاز اختلافها على أساس آجال مختلفة، لأنه لا فارق بين الصورتين.
ولكن اختلاف الأثمان هذا إنما يجيز ذكرها عند المساومة، وأما عقد البيع فلا يصح، إلا إذا اتفق الفريقان على أجل معلوم وثمن معلوم، فلا بد من الجزم بأحد الشقوق المذكورة في المساومة.
فلو قال البائع مثلا: إن أديت الثمن بعد شهر، فالبضاعة بعشرة، وإن أديته بعد شهرين، فهو باثني عشر، وإن أديته بعد ثلاثة أشهر، فهو بأربعة عشر، وافترقا على ذلك بدون تعيين أحد هذه الشقوق، زعما من المشتري أنه سوف يختار منها ما يلائمه في المستقبل، فإن هذا البيع حرام بالإجماع . ويجب على العاقدين أن يعقداه من جديد بتعيين أحد الشقوق واضحا.
2 - إنما الجائز زيادة في الثمن، لا تقاضي الفائدة :
ومما يجب التنبيه عليه هنا: أن ما ذكر من جواز هذا البيع إنما هو منصرف إلى زيادة في الثمن نفسه، أما ما يفعله بعض الناس من تحديد ثمن البضاعة على أساس سعر النقد ، وذكر القدر الزائد على أساس أنه جزء من فوائد التأخير في الأداء، فإنه ربا صراح، وهذا مثل أن يقول البائع: بعتك هذه البضاعة بثماني ربيات نقدا، فإن تأخرت في الأداء إلى مدة شهر، فعليك ربيتان علاوة على الثمانية، سواء سماها "فائدة " (Interest) أو لا، فإنه لا شك في كونه معاملة ربوية، لأن ثمن البضاعة إنما تقرر كونه ثمانية، وصارت هذه الثمانية دينا في ذمة المشتري، فما يتقاضى عليه البائع من الزيادة فإنه ربا لا غير.
ص:14 @
والفرق العملي بين الصورتين، أن ما تصور كونه ثمنا في الصورة الأولى، صار ثمنا باتا بعد جزم الفريقين بأحد الشقوق، ولا يزيد هذا الثمن بعد تمام البيع ولا ينقص باختلاف أحوال المشتري في الأداء فلو كان المشتري اشترى البضاعة بعشرة على أنه سيؤدي الثمن بعد شهر، ولكنه لم يتمكن من الأداء إلا بعد شهرين، فإن الثمن يبقى عشرة كما هو، ولا يزيد بزيادة مدة الأداء الفعلي، وأما في الصورة الثانية، فالثمن ثمانية، وما يزيد عليه فائدة تطالب من أجل التأخير في الأداء، فلا تزال تزيد الفائدة كلما يطول التأخير، فتصير ربيتين في شهر، وأربع ربيات في شهرين، وهكذا، فالصورة الأولى نوع من أنواع البيع الحلال ، والصورة الثانية داخلة في الربا المحرم شرعا.
3- توثيق الدين وأنواعه:
وبما أن الثمن في البيع المؤجل يصير دينا على المشتري فور تمام العقد، فإنه يجوز للبائع أن يطالبه بتوثيق لهذا الدين، أو بضمان للتسديد عند حلول الأجل .
الرهن :
أما ضمان التسديد، فيمكن بطريق الرهن، أو بكفالة من الطرف الثالث، وفى الصورة الأولى يرهن المشتري شيئا من ممتلكاته لدى البائع، ويحق للبائع أن يمسكه كضمان للتسديد، بدون أن ينتفع به في صورة من الصور، لأن الانتفاع بالمرهون شعبة من شعب الربا، ولكن يبقى الشىء المرهون بيد البائع لضغط المشتري على الاهتمام بأداء الأقساط في موعدها، وليحق له إذا قصر المشتري في الأداء عند حلول الأجل، أن يبيع الشيء المرهون ويسدد دينه بذلك، ولكن لا يجوز له أن يتجاوز عن الثمن المتفق عليه في العقد، فإن فضل من قيمة الشيء المرهون شيء بعد تسديد الدين رده إلى المشتري الراهن، وكما يجوز رهن الأعيان المملوكة للمشتري كذلك يجوز رهن مستندات الملكية لتلك الأعيان.
ص:15 @
إمساك البائع المبيع لضمان التسديد:
وقد اطلعت على صورة من المعاملات المعاصرة الجارية بين الناس، وهي أن البائع في البيع المؤجل يمسك المبيع عنده إلى أن يتم التسديد من قبل المشتري، أو إلى أن يتم تسديد بعض الأقساط.
وإن إمساك المبيع بيد البائع في هذه الصورة يمكن أن يتصور بطريقتين:
الأول: أن يكون على أساس حبس المبيع لاستيفاء الثمن.
والثانى: أن يكون بطريق الرهن، والفرق بين الصورتين أن المبيع المحبوس عند البائع مضمون عليه بالثمن، لا بالقيمة، فلو هلك المبيع وهو محبوس عنده، ينفسخ البيع، ولا يكون مضمونا عليه بقيمته السوقية، أما في الرهن، لو هلك عند البائع بغير تعد منه، لا ينفسخ البيع، بل يضمنه المرتهن بأقل من قيمته ومن الدين عند الحنفية(1)وإذا هلك بتعد منه، يضمنه المرتهن بقيمته السوقية، لا بالثمن.
فأما الطريق الأول، وهو حبس البائع المبيع لاستيفاء الثمن، فإنه لا يجوز في البيع بالتقسيط ، لأن البيع بالتقسيط بيع مؤجل، وإن حق البائع في حبس المبيع لاستيفاء الثمن إنما يثبت في البيوع الحالة، وليس له ذلك في البيوع المؤجلة، جاء في الفتاوى الهندية:
(قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: للبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن إذا كان حالا، كذا في المحيط، وإن كان مؤجلا فليس للبائع أن يحبس المبيع قبل حلول الأجل ولا بعده، كذا في المبسوط) (1).
(1) بدائع الصنائع:6/160.
(2)الفتاوى الهندية: 3/15، باب 4، من كتاب البيوع.
ص:16 @
وأما الطريق الثاني، وهو أن يمسك البائع المبيع عنده بصفة كونه رهنا من المشتري بالثمن الواجب في ذمته، فإنه يمكن بطريقين أيضا:
الأول: أن يرهنه المشتري قبل أن يقبضه من البائع، فهذا لا يجوز أيضا، لأنه في معنى حبس المبيع عند البائع لاستيفاء الثمن، وذلك لا يجوز في البيوع المؤجلة، كما ذكرنا.
والثاني: أن يقبضه المشتري من البائع أولا، ثم يرده إليه بصفة كونه رهنا، فهذا جائز عند أكثر الفقهاء رحمهم الله تعالى، قال الإمام محمد في الجامع الصغير:(ومن اشترى ثوبا بدراهم، فقال للبائع: أمسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن، فالثوب رهن).ونقله المرغيناني في الهداية، وقال شارحها في الكفاية: (لأن الثوب لما اشتراه وقبضه، كان هو وسائر الأعيان المملوكة سواء في صحة الرهن ) (1).
وذكر الحصكفي هذه المسألة في الدر المختار، وأوضحها بقوله: (ولو كان ذلك الشيء الذي قال له المشتري: أمسكه، هو المبيع الذي اشتراه بعينه، لو بعد قبضه، لأنه حينئذ يصلح أن يكون رهنا بثمنه، ولو قبله لا يكون رهنا، لأنه محبوس بالثمن). وقال ابن عابدين تحته:(قوله: " لأنه حينئذ يصلح ... إلخ "، أي لتعيين ملكه فيه، حتى لو هلك يهلك على المشتري، ولا ينفسخ العقد ، قوله: " لأنه
(1) الكفاية شرح الهداية بهامش فتح القدير: 9/99.
ص:17 @
محبوس بالثمن "، أى وضمانه يخالف ضمان الرهن، فلا يكون مضمونا بضمانين مختلفين، لاستحالة اجتماعهما، حتى لو قال: أمسك المبيع حتى أعطيك الثمن قبل القبض، فهلك، انفسخ البيع،زيلعي) (1).
والذي يظهر أن جواز مثل هذا الرهن ليس فيه خلاف بين الفقهاء المتبوعين إذا لم يكن هذا الرهن مشروطا في صلب عقد البيع ، أما إذا كان مشروطا في صلب العقد فقد حكى ابن قدامة رحمه الله: (وإذا تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا على ثمنه، لم يصح، قال ابن حامد رحمه الله، وهو قول الشافعي ، لأن المبيع حين شرط رهنه لم يكن ملكا له، وسواء شرط أنه يقبضه ثم يرهنه، أو شرط رهنه قبل قبضه ... وظاهر الرواية صحة رهنه ... فأما إن لم يشترط ذلك في البيع، لكن رهنه عنده بعد البيع، فإن كان بعد لزوم البيع، فالأولى صحته، لأنه يصح رهنه عند غيره، فصح عنده كغيره، ولأنه يصح رهنه على غير ثمنه، فصح رهنه على ثمنه،وإن كان قبل لزوم البيع انبنى على جواز التصرف في المبيع، ففي كل موضع جاز التصرف فيه وجاز رهنه، ومالا فلا، لأنه نوع تصرف فأشبه بيعه) (1) .
الرهن السائل: وهناك نوع آخر من الرهن يوجد في قوانين كثير من البلاد الإسلامية، لا يقبض فيه المرتهن على الشيء المرهون، وإنما يبقى
(1) . رد المحتار مع الدرالمختار، كتاب الرهن: 6/497، طبع كراتشي.
(2) . المغني، لابن قدامة: 4/427 و 428، كتاب الرهن، دار الكتاب العربي، بيروت 1392هـ.
ص:18 @
بيد الراهن،ولكن يحق للدائن إذا قصر المدين في الأداء أن يطالب ببيعه وتسديد دينه من حصيلة بيعه،وهذا النوع من الرهن يسمى أحيانا(الرهن الساذج)(SIMPLE MORTGAGE)وأحيانا:(الذمة السائلة)(FLOTING CHARGE)وهذا مثل أن يرهن المدين سيارته لدي الدائن،ولكن تبقى السيارة بيد المدين الراهن يستعملها لصالحه كيف يشاء،ولكن لا يجوز له نقل ملكيته إلى شخص ثالث حتى يفتك الرهن السائل بتسديد الدين،ويثبت للدائن المرتهن حق في بيعها إذا قصر صاحبها في أداء دينه،وإن هذا الحق يسمى(الذمة السائلة)(FLORTING CHARGE) فهل يجوز شرعا توثيق الدين بهذا النوع من الرهن؟وربما يقع الإشكال في جوازه من الناحية الفقهية،أن معظم الفقهاء قد اشترطوا قبض المرتهن لصحة عقد الرهن أو لتمامه على أساس قوله تعالى:{ فرهان مقبوضة }[البقرة: 283].وفي(الرهن السائل)لا يقبض المرتهن على الشيء المرهون، فينبغي أن لا يصح هذا الرهن.
والواقع أن الفقهاء، وإن اشترطوا قبض المرتهن للشيء المرهون، ولكنهم في الوقت نفسه أجازوا بعد ذلك للراهن أن يستعير ذلك الشيء منه، وينتفع به لصالحه، ولا يفسد بذلك الرهن، بل يحق للمرتهن أن يسترده متى شاء، ولئن هلك الشيء المرهون عند الراهن، فإنما يهلك على مكة، ويحق للمرتهن أن يبيعه لتسديد دينه عند حلول الأجل ، ولا يكون فيه أسوة لسائر الغرماء عند إفلاس الراهن أو موته.وقد جاء في الهداية للمرغيناني:(وإذا أعار المرتهن الرهن للراهن ليخدمه أو ليعمل له عملا، فقبضه،خرج من ضمان المرتهن،لمنافاة بين يد العارية ويد الرهن،فإن هلك في يد الراهن هلك بغير شيء،لفوات القبض المضمون، وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده،لأن عقد
ص: 19 @
الراهن باق،لا في حكم الضمان في الحال،ألا ترى أنه لو هلك الراهن قبل أن يرده على المرتهن،كان المرتهن أحق به من سائر الغرماء،وهذا لأن يد العارية ليست بلازمة،والضمان ليس من لوازم الرهن على كل حال) (1).
ولكن هذا إذا تم عقد الراهن بقبض المرتهن مرة، أعارة المرتهن للراهن، أما إذا لم يقبض المرتهن الرهن أصلا، فهل يثبت حكم الإعارة في تلك الصورة أيضا؟ الظاهر من عبارات الفقهاء أنه لا يثبت ذلك في تلك الصورة بناء على اشتراط القبض لصحة الرهن، ولكن هاهنا ملاحظ أذكرها لتأمل الفقهاء المعاصرين، وهي:
1 - إن المرتهن في(الرهن السائل)وإن كان لا يقبض الشيء المرهون،ولكنه في عموم الأحوال يقبض على مستندات ملكيته،فيحتمل أن يقال:إن الرهن قد تم بقبض المستندات،ثم صار الشيء المرهون كالعارية في يد الراهن.
2 - إن علة اشتراط القبض في الرهن، كما ذكر الفقهاء، هو تمكن المرتهن من تسديد دينه ببيع ذلك الشيء عند الحاجة، وإن هذا المقصود حاصل في " الرهن السائل " على أساس شروط الاتفاقية المعترف بها قانونا، فيحتمل أن يكون القبض الحسي غير لازم في الصورة المذكورة، لحصول المقصود بهذه الشروط المقررة.
3 - المقصود من الرهن هو توثيق الدين، وقد أجازت الشريعة لحصول هذا المقصود أن يحبس الدائن ملك المديون ويمنعه عن التصرف فيه إلى أن يتم تسديد الدين، فإن رضي الدائن بحصول مقصوده بأقل من ذلك، وهو أن يبقي العين المرهون بيد الراهن، ويبقى للمرتهن حق
(1)الهداية مع فتح القدير: 9/116؛ وراجع أيضا: رد المحتار: 6/510 و 511.
ص: 20 @
التسديد فقط، فلا يرى في ذلك أي محظور شرعي.
4 - إن " الرهن السائل " فيه مصلحة للجانبين، أما مصلحة الراهن فظاهرة، من حيث إنه لا يحرم من الانتفاع بملكه، وأما مصلحة المرتهن، فمن حيث إنه يحتفظ بحق
التسديد دون أن يضمن الشيء المرهون عند الهلاك، غاية الأمر أنه ربما بتضرر به
الغرماء الآخرون عند إفلاس الراهن، فإن المرتهن يكون أحق بذلك الشيء ممن سواه من الغرماء، ولكن ضررهم هذا لم يعتبر شرعا فيما إذا كان الرهن مقبضا للمرتهن، وفيما إذا قبضه المرتهن، ثم استعاره الراهن منه، كما تقدم، فتبين أن مجرد هذا الضرر لا يفسد الرهن.
5 - إن القبض على الشيء المرهون ربما يكون متعذرا في التجارة الدولية ، التي يكون البائع فيه ببلد، والمشتري ببلد آخر، والشيء المرهون يتطلب مؤونة كبيرة ونفقات باهظة لتحويله من محل إلى آخر، ولا سبيل لتوثيق الدين في مثل هذه الصورة إلا " بالرهن السائل ".
وإن هذه الملاحظات الخمس قد تجعلني أميل إلى جواز " الرهن السائل "، والمسألة مطروحة لدى العلماء للبت فيها، والله سبحانه أعلم.
الكفالة من طرف ثالث:
ومن طرق ضمان التسديد أن يكفل طرف ثالث بمبلغ الدين ويلتزم على نفسه تسديد الدين من عنده إذا قصر المدين الأصيل، وهذا النوع من الضمان يسمى " كفالة " وللكفالة أحكام مبسوطة في كتب الفقه، لا نقصد ذكرها في هذا البحث. ولكن نريد هاهنا أن نلم بجزئية واحدة من أحكام الكفالة، وهي تقاضي الأجرة أو الجعل على الكفالة، فإن البنوك التقليدية في عصرنا لا تضمن لأحد بأداء الدين إلا إذا رضي المكفول به ببذل أجرة معلومة على ذلك، وربما تكون لهذه الأجرة نسبة مرتبطة بمبلغ الدين، مثل الثلاث في المائة، أو الأربع في المئة.
ص: 21 @
ومن المعروف في الفقه الإسلامي أن الكفالة عقد تبرع كالقرض ، فلا يجوز تقاضي الأجرة عليها. ولكن ربما استدل بعض المعاصرين على جواز أخذ الأجرة على الكفالة، بأن الكفالة أصبحت اليوم عنصرا قويا من عناصر التجارة المعاصرة، وقد أنشئت من أجل ذلك مؤسسات مستقلة تقدم خدمات الكفالة وتنفق على هذه الخدمات نفقات باهظة، فلم تعد الكفالة عقد تبرع محض، وإنما أصبحت معاملة مالية يحتاج إليها التجار، وخاصة في التجارات الدولية، وليس من الميسور الحصول على المتبرعين بالكفالة بالعدد المطلوب، فينبغي أن يجوز إعطاء الأجرة عليها.
ولكن هذا الدليل غير صحيح ، لأنه لو كان صحيحا لجاز تقاضي الفائدة على القرض أيضا، لأن نفس هذا الكلام ينطبق على عقد القرض سواء بسواء، فإن القرض، وإن كان عقد تبرع في الأصل، غير أنه قد أصبح اليوم من الحاجات الأساسية للتجارة، وقد أنشئت لتقديم القروض مؤسسات مستقلة، وهي البنوك، ولا يمكن الحصول على المتبرعين بالقرض بالعدد المطلوب، ومع ذلك لا يقول أحد بجواز تقاضي الفائدة على القروض.
والواقع أن الكفالة والقرض لا يختلفان في كونهما عقدي تبرع، وكما لا يجوز أخذ الفائدة على القرض، كذلك لا يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، بل إن أجرة الكفالة أولى بالتحريم من فائدة القرض، وذلك لأن الكفالة التزام محض لأداء الدين عن المكفول له، بحيث إذا وقع الأداء فعلا، فإنه يصير قرضا للكفيل على الأصيل، فكأنه التزام بالإقراض ، في حين أن الإقراض هو الدفع فعلا، فإذا كان أخذ الأجرة على الإقراض - وهي الفائدة - ممنوعا، فإن أخذ الأجرة على الالتزام به أولى بالمنع.
ويتضح هذا بمثال: هب أن زيدا استدان من عمرو مائة دولار، وطالبه عمرو بكفيل. فجاء خالد يقول لزيد: أنا أؤدي عنك دينك الآن، على أن تعطيني بعد ذلك مائة وعشرة، والعشرة أجرة على ما قدمته من
ص: 22 @
خدمة الأداء. وجاء بكر يقول لزيد:أنا أكفل عنك دينك،على أن تعطيني عشرة دولارات أجرة الكفالة، وتكون المائة قرضا عليك إذا اضطررت إلى الأداء فعلا.
ويلزم القائلين بجواز أجرة الكفالة أن تكون الأجرة التي يتقاضاها بكر جائزة ، والأجرة التي تقضاها خالد حراما ، مع أن خالدا قد بذل ماله فعلا، وإن بكرا لم يفعل شيئا إلا الالتزام بالبذل عند الأداء، فلو كانت الأجرة المطلوب من قبل الباذل حراما، فالأجرة المطلوبة من قبل الملتزم أولى بالتحريم.
وبعبارة أخرى، فإن الكفيل نفسه، لو اضطر إلى أداء الدين من قبل الأصيل، فإنه لا يجوز له أن يطالب الأصيل إلا بما دفع فعلا، ولا يجوز له الزيادة على ذلك، لكونها ربا محرما ، فكيف يجوز له أن يطالب الأصيل بشيء فيما إذا لم يدفع شيئا، وإنما التزم بالدفع فقط؟
وبهذا تبين أنه لا سبيل إلى القول بجواز أجرة الكفالة(1)، فما هو البديل الشرعي الذي يمكن أن تتخذه البنوك الإسلامية ، لا سيما في عمليات التجارة الدولية ، وفي إصدار خطاب الضمان ( etter of Credit)؟والجواب أنه يجوز للبنك أن يتقاضى من العميل شيئين:الأول: النفقات الفعلية التي تحملها في عملية إصدار خطاب الضمان .
الثاني: الأجر على جميع الأعمال التي يباشرها بصفة الوكيل، أو السمسار، أو الوسيط بين المورد والمصدر.ولكن لا يجوز له أن يطالب بالأجرة على نفس الكفالة والضمان.
_________
(1) هذا ما أراه حتى الآن ولكن المسألة تحتاج إلى مزيد من الدراسة ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
ص: 23 @
توثيق الدين بالكمبيالة:
وربما يقع توثيق الدين بتوقيع المشتري على وثيقة مكتوبة يعترف بها بكونه مديونا للبائع بمبلغ مسمى إلى أجل مسمى. ويلتزم بأداء مبلغها في تاريخ معين، وتسمى هذه الوثيقة المكتوبة في العرف المعاصر " كمبيالة " (Bill of Exchange) وإن التاريخ الذي يلزم فيه الأداء يسمى " تاريخ نضج الكمبيالة " (Maturity date).
وإن توثيق الدين بالكمبيالة جائز شرعا، بل هو مندوب بمقتضى قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } [البقرة: 282].
ولكن المشكلة إنما تحدث من جهة أن الكمبيالة قد أصبحت اليوم آلة قابلة للتداول(Negotiable Instrument) وإن حامل الكمبيالة ، وهو الدائن الأصيل ربما يبيعها إلى طرف ثالث بأقل من المبلغ المكتوب عليها، طمعا في استعجال الحصول على المبلغ قبل حلول الأجل . وإن هذا البيع يسمى " خصم الكمبيالة " (Discounting of the Bill) فكلما أراد حامل الكمبيالة أن يتعجل في قبض مبلغها، ذهب إلى شخص ثالث، وهو البنك في عموم الأحوال، وعرض عليه الكمبيالة، والبنك يقبلها بعد التظهير (1) (Endorsement) من الحامل، ويعطى مبلغ الكمبيالة نقدا بخصم نسبة مئوية منها.
وإن خصم الكمبيالة بهذا الشكل غير جائز شرعا، إما لكونه بيع الدين من غير من عليه الدين، أو لأنه من قبيل بيع النقود بالنقود متفاضلة ومؤجلة، وحرمته منصوصة في أحاديث ربا الفضل .
ولكن هذه المعاملة يمكن تصحيحها بتغيير طريقها وذلك أن يوكل
ــــــــــ
(1) التظهير: هو التوقيع على ظهر الوثيقة، ويعتبر دليلا على أن صاحبها قد تنازل عن مبلغها لغيره.
ص:24 @
صاحب الكمبيالة البنك باستيفاء دينه من المشتري (وهو مصدر الكمبيالة) ويدفع إليه أجرة على ذلك، ثم يستقرض منه مبلغ الكمبيالة، ويأذن له أن يستوفي هذا القرض مما يقبض من المشتري بعد نضج الكمبيالة، فتكون هناك معاملتان مستقلتان: الأولى معاملة التوكيل باستيفاء الدين بالأجرة المعينة، والثانية: معاملة الاستقراض من البنك، والإذن باستيفاء القرض من الدين المرجو حصوله بعد نضج الكمبيالة، فتصح كلتا المعاملتين على أسس شرعية، أما الأولى، فلكونها توكيلا بالأجرة، وذلك جائز، وأما الثانية، فلكونها استقراضا من غير شرط زيادة، وهو جائز أيضا.
إسقاط بعض الدين مقابل التعجيل:
ومما يتعامل به بعض التجار في الدين المؤجلة أنهم يسقطون حصة من الدين بشرط أن يعجل المدين الباقي، مثل أن يكون لزيد على عمرو ألف، فيقول زيد: عجل لي تسعمائة، وأنا أضع عنك مائة، وإن هذه المعاملة معروفة في الفقه الإسلامي باسم " ضع وتعجل ".
وقد اختلف الفقهاء في حكمها، فذهب عبد الله بن عباس رضي الله عنه من الصحابة وإبراهيم النخعي من التابعين وزفر بن الهذيل من الحنفية، وأبو ثور من الشافعية إلى جوازه، وروي عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت من الصحابة رضي الله عنهم وعن محمد بن سيرين والحسن البصري ، وابن المسيب ، والحكم بن عتيبة ، والشعبي رحمهم الله من
ص: 25 @
التابعين عدم جواز ذلك (1)، وهو المروي عن الأئمة الأربعة.وهناك حديثان مرفوعان متعارضان، وفي إسناد كل واحد منهما ضعف:أما الحديث الأول، فقد أخرجه البيهقي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: " لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج بني النضير من المدينة جاء ناس منهم، فقالوا: يا رسول الله, إنك أمرت بإخراجهم ولهم على الناس ديون لم تحل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ضعوا وتعجلوا " (2).وهذا الحديث يدل على الجواز، ويعارضه ما أخرجه البيهقي في الباب اللاحق عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: " أسلفت رجلا مائة دينار، ثم خرج سهمي في بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: عجل لي تسعين دينارا، وأحط عشرة دنانير، فقال: نعم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أكلت ربا يا مقداد وأطعمته"(3).وقد صرح البيهقي رحمه الله تعالى،بأن كل واحد من الحديثين ضعيف من جهة الإسناد،فلا تقوم بأي منهما حجة.ورجع جمهور الفقهاء جانب الحرمة،لأن زيادة الدين في مقابلة التأجيل ربا صراح،فكذلك الحط من الدين بإزاء التعجيل في معناه.أما قصة بني النضير،فليس فيها حجة،أما أولا: فلأن إسنادها ضعيف،وأما ثانيا،فلأنه لو ثبتت هذه القصة من جهة الإسناد،فيمكن أن يقال:إن قصة إجلاء بني النضير وقعت في السنة الثانية من الهجرة،وذلك قبل نزول حرمة الربا.
(1 ) راجع آثارهم في موطأ الإمام مالك: 1/606؛ ومصنف عبد الرازق: 8/74_71.
(2 ) السنن الكبري للبيهقي: 6/28، كتاب البيوع، باب من عجل له أدنى من حقه.
(3 ) السنن الكبرى، للبيهقي: 6/28. @
وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله هذه القصة واستدل بها على أنه لا ربا بين المسلم والحربي،قال رحمه الله تعالى:(ولما أجلي بين النضير قالوا: إن لنا ديونا على الناس،فقال:ضعوا وتعجلوا،ومعلوم أن مثل هذه المعاملة لا يجوز بين لمسلمين،فإن من كان له على غيره دين إلى أجل،
فوضع عنه بعضه بشرط أن يعجل بعضه لم يجز، كره ذلك عمر ، وزيد بن ثابت ،وابن عمر(رضي الله عنهم) (ذ).
وحاصل هذا الجواب أن المسلمين كانوا في حالة الحرب مع بني النضير، فكان يجوز لهم أن يقبضوا على جميع أموالهم في تلك الحالة فلو استوضعوا عنهم بعض الديون، جاز من باب أولى.والوجه الرابع في الاعتذار عن قصة بني النضير أن اليهود كانوا يداينون الناس على أساس الربا ، والذي أمر رسول الله عليه وسلم بوضعه، هو الربا الزائد على رأس المال ، ولم يأمرهم بالوضع في رأس المال نفسه، ويؤيده أن الواقدي ذكر هذه القصة في سيره، فقال:(فأجلاهم -أي بني النضير - رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، وولي إخراجهم محمد بن مسلمة ، فقالوا: إن لنا ديونا على الناس إلى آجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تعجلوا وضعوا )) ، فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارا، وأبطل ما فضل)(2)
(1) شرح السير الكبير،للسرخسي:4/1412،فقرة 2738،وذكر هذه المسألة مرة ثانية في:4/4194،فقرة2921،بتحقيق صلاح الدين المنجد، طبع باكستان 1415 هـ.
(2) مغازي الواقدي:1/374؛ وذكر الواقدي أن مثل هذه القصة وقعت عند إجلاء بني قينقاع أيضا، يراجع: 1/179.
ص:27 @
فهذه الرواية صريحة في أن الموضوع كان هو الربا، لا حصة من رأس المال، ومن هنا ذهب جمهور العلماء إلى القول بتحريم " ضع وتعجل " فقال الإمام مالك رحمه الله بعد رواية آثار زيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم:
(قال مالك: والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل، فيضع عنه الطالب، ويعجله المطلوب، قال مالك: وذلك عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل، فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب في حقه،قال:هذا الربا بعينه لا شك فيه) (1).
وقال الإمام محمد في موطئه بعد رواية أثر زيد بن ثابت رضي الله عنه:(قال محمد: وبهذا نأخذ، من وجب له دين على إنسان إلى أجل، فسأل أن يضع عنه، ويعجل له ما بقي، لم ينبغ ذلك، لأنه يعجل قليلا بكثير دينا، فكأن يبيع قليلا نقدا، بكثير دينا وهو قول عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر . وهو قول أبي حنيفة (1).
وقال ابن قدامة في المغني:(إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته، لم يجز. كرهه زيد بن ثابت وابن عمر،
(1) الموطأ، للإمام مالك، بيوع، ما جاء في الربا في الدين: 1/606، طبع كراتشي.
(2) الموطأ، للإمام محمد: 1/334، باب الرجل يبيع المتاع أو غيره نسيئة، ثم يقول: أنقدني وأضع عنك.
ص: 28 @
والمقداد وسعيد بن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن علية وإسحاق وأبو حنيفة ، وقال مقداد لرجلين فعلا ذلك: كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله، وروي عن ابن عباس أنه لم ير به بأسا، وروي ذلك عن النخغي وأبي ثور ، لأنه آخذ ببعض حقه، تارك لبعضه، فجاز، كما لو كان الدين حالا، الخرقي : لا بأس أن يعجل المكاتب لسيده ويضع عنه بعض كتابته، ولنا أنه بيع الحلول فيم يجز، كما لو زاده الذي له الدين فقال: أعطيك عشرة دراهم وتعجل لي المائة التي عليك، فأما المكاتب فإن معاملته مع سيده، وهو يبيع بعض ماله ببعض، فدخلت المساهمة فيه، ولأنه سبب العتق، فسومح فيه، بخلاف غيره) (1).
وبناء على هذه النصوص الفقهية، فالراجح حرمة إسقاط بعض الدين في مقابل إسقاط بعض الأجل.
(ضع وتعجل)في الديون الحالة:
ولكن الذي يبدو أن حكم المنع هذا يختص بالديون المؤجلة.أما في الديون الحالة التي لا يكون الأجل فيها مشروطا في العقد،وإنما يتأخر المدين في الأداء لسبب أو لآخر،فالظاهر أنه لا بأس بالصلح على إسقاط بعض الدين بشرط أن يؤدي المدين الدين المتبقي معجلا، وهذا قد صرح به علماء المالكية،جاء في المدونة الكبرى:(قلت:أريت:لو أن لي على رجل ألف درهم قد حلت،فقلت:اشهدوا:إن أعطاني مائة درهم عند رأس الشهر،
(1) المغني، لابن قدامة، مع الشرح الكبير: 4/174 و175.
ص: 29 @
فتسعمائة درهم له،وإن لم يعطني فالألف كلها عليه.قال مالك:لا بأس بهذا،وإن أعطاه رأس الهلال فهو كما قال:وتوضع عنه التسعمائة،فإن لم يعطه رأس الهلال،فالمال كله عليه)
ثم ذكر مسألة أخرى من هذا النوع، فقال: (قلت: أرأيت لو أن لي على رجل مائة دينار ومائة درهم حالة فصالحته من ذلك الربا.على مائة دينار ودرهم نقدا، قال: لا بأس بذلك) (2).وقال الحطاب رحمه الله تعالى:(وما ذكره عن عيسى هو في نوازله من كتاب المديان والتفليس ونصه: وسئل عن الرجل يقول لغريمه وقد حل حقه: أم عجلت لي كذا وكذا من حقي فبقيته عنك موضع إن عجلته لي نقدا الساعة، أو إلى أجل يسميه، فعجل له نقدا، أو إلى الأجل، إلا الدرهم أو النصف أو أكثر من ذلك: هل تكون الوضيعة لازمة؟ فقال: ما أرى الوضيعة تلزمه إذا لم يعجل له جميع ذلك، وأرى الذي له الحق على شرطه. قال محمد بن رشد:هذه مسألة يتحصل فيها أربعة أقوال:أحدها قوله في هذه الرواية،وهو قول أصبغ في الواضحة.ومثله في آخر كتاب الصلح من المدونة أن الوضيعة لا تلزمه إلا أن يعجل له جميع ما شرط إلى الأجل الذي سمي،وهو أصح الأقوال)(2).
_________
(1) المدونة الكبرى: 11/27، آخر كتاب الصلح.
(2) تحرير الكلام في مسائل الالتزام، للحطاب: ص231، وراجع أيضا: فتح العلي المالك: 1/289 و 290.
ص: 30 @
فهذا تصريح من علماء المالكية في جواز " ضع وتعجل " في الديون الحالة، ويبدو أن مذهب غيرهم من الفقهاء موافق لهم في ذلك، فإنهم حيث ذكروا حرمة " ضع وتعجل" قيدوا ذلك بالديون المؤجلة ، كما هو ظاهر من عبارة الإمام محمد بن حسن في موطئه ومن ترجمة الباب التي عقدها، كذلك قيد ابن قدامة هذه المسألة بالدين المؤجل ، (وقد مرت نصوصهما آنفا) ومن المعلوم أن مفاهيم كتب الفقه فيها حجة، فدل على جواز " ضع وتعجل " في الديون الحالة، وقال الشيخ ولي الدهلوي رحمه الله تعالى بعد ذكر قصة كعب وابن أبي حدود في وضع نصف الدين (1):(فقال أهل العلم في التطبيق بينه وبين هذه الآثار أن الآثار في المؤجل، وهذا في الحال، وفي كتاب الرحمة: اتفقوا على من كان له دين على إنسان إلى أجل، فلا يحل له أن يضع عنه بعض الدين قبل الأجل ليعجل له الباقي... على أنه لا بأس إذا حل الأجل أن يأخذ البعض ويسقط البعض) .والفرق بين الديون المؤجلة والديون الحالة ظاهر من جهة أن الدين الحال لا يشترط فيه الأجل، ولا يكون التأجيل فيه حقا من حقوق المدين،وبما أن الأجل منتف، فلا يمكن أن يقال إن الحصة الموضوعة من الدين عوض عن الأجل، فلا يكون في معنى ومما يجدر بالذكر هنا: أن عقد القرض الحسن لا يتأجل بالتأجيل عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ويتأجل عند المالكية فقط. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وإن أجل القرض لم يتأجل، وكان حالا. وكل دين حلّ
ـــــــــــــ
(1) المسوى مع المصفى: 2/382.
ص: 31 @
أجله لم يصر مؤجلا بتأجيله،وبهذا قال الحارث العكلي والأوزاعي وابن المنذر والشافعي . وقال مالك والليث:يتأجل الجميع بالتأجيل.وقال أبو حنيفة في القرض وبدل المتلف كقولنا) (1). وقال العيني رحمه الله تعالى:(اختلف العلماء في تأخير الدين إلى أجل،فقال
أبو حنيفة وأصحابه: سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل، له أن يأخذ متى أحب، وكذلك العارية وغيرها، لأنه عندهم من باب العدة والهبة غير مقبوضة، وهو قول الحارث العكلي وأصحابه وإبراهيم النخعي . وقال ابن أبي شيبة : وبه نأخذ. وقال مالك وأصحابه إذا أقرضه إلى أجل، ثم أراد أن يأخذ قبل الأجل، لم يكن له ذلك) (2).فعلى قول من يقول: إن القرض لا يتأجل بالتأجيل، يجوز " ضع وتعجل " في القروض، لأنها من الديون الحالة التي يجوز فيها " ضع وتعجل ". والأصل فيه حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: (أنه كان له على عبد الله بن حدرد الأسلمي دين، فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت الأصوات، فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا كعب: وأشار بيده كأنه يقول: النصف. فأخذ نصف ما عليه وترك نصفا) (3).
ـــــــــ
(1) المغني، لابن قدامة مع الشرح الكبير: 4/354.
(2) عمدة القاري،للعيني:6/60و61،وكتاب الاستقراض،باب إذا أقرضه إلى أجل مسمى.وراجع أيضا أحكام القرآن،للجصاص1/483، تحت آية المداينة، وفتح الباري: 5/ 66، والمسوى مع المصفى: 1/382، وتنقيح الفتاوى الحامدية: 1/277 و 278، وشرح المجلة للأتاسي: 1/439.
(3) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، وهذا لفظه في الخصومات، باب في الملازمة بحديث 2424.
ص: 23 @
الوضع عند التعجيل من غير شرط :
وكذلك المنع من الوضع بالتعجيل في الديون المؤجلة إنما يكون إذا كان الوضع شرطا للتعجيل. أما إذا عجل المدين من غير شرط، جاز للدائن أن يضع عنه بعض دينه تبرعا. وعليه حمل الجصاص رحمه الله الآثار التي تدل على جواز "ضع وتعجل" قال رحمه الله تعالى: (ومن أجاز من السلف إذا قال: عجل لي وأضع عنك، فجائز أن يكون أجازوه إذا لم يجعله شرطا فيه، وذلك بأن يضع عنه بغير شرط، ويعجل الآخر الباقي بغير شرط) (1).
(ضع وتعجل)في المرابحة المؤجلة :
ثم إن وضع بعض الدين المؤجل بشرط التعجيل ممنوع في بيوع المساومة،يعني في البيوع المطلقة التي لا يعقدها البائع بطريق المرابحة،فيعقد البيع بدون ذكر قدر الربح الذي يريد أن يرابحه عليه.أما إذا كان البيع بطريق المرابحة،وقد صرح فيه البائع بزيادة في الثمن من أجل الأجل،فقد أفتى المتأخرون من الحنفية بأنه إذا قضى المدين الدين قبل حلول الأجل،أو مات قبله،فإن البائع لا يأخذ من الثمن إلا بمقدار ما مضى من الأيام،ويحط من دينه ما كان بإزاء المدة الباقية.قال الحصكفي في الدر المختار:(قضى المدين الدين المؤجل قبل الحلول أو مات،فحل بموته،فأخذ من تركته لا يأخذ من المرابحة التي جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام، وهو جواب المتأخرين،قنية،وبه أفتى المرحوم أبو السعود أفندي مفتي الروم، وعلله بالرفق للجانبين).
(1) أحكام القرآن للجصاص:1/467 تحت آية الربا.
ص: 33 @
وقال ابن عابدين تحته: (قوله:لا يأخذ المرابحة) صورته:اشترى شيئا بعشرة نقدا، وباعه بآخر بعشرين إلى أجل هو عشرة أشهر، وإذا قضاه بعد تمام خمسة (أشهر) أو مات بعدها يأخذ خمسة، ويترك خمسة) (1).وقد ذكرت هذه المسألة بعينها في تنقيح الفتاوى الحامدية، وفيها من الزيادة ما يلي: (سئل فيما إذا كان لزيد بذمة عمرو مبلغ دين معلوم، فرابحه عليه إلى سنة، ثم بعد ذلك بعشرين يوما مات عمرو المديون،فحل الدين،ودفعه الورثة لزيد،فهل يؤخذ من المرابحة شيء أو لا؟الجواب: جواب المتأخرين أنه لا يؤخذ من المرابحة التي جرت مبايعة عليها إلا بقدر ما مضى من الأيام. قيل: (للعلامة نجم الدين: أتفتي به؟قال:نعم.كذا في الأنقروي والتنوير.وأفتى به علامة الروم مولانا أبو السعود) (2).وإن هذه الفتوى من متأخري الحنفية تفرق بين بيوع المساومة وبيوع المرابحة التي يصرح فيها البائع بزيادة الثمن بسبب الأجل، فلا يجوز " ضع وتعجل " في بيوع المساومة كما أسلفنا، ويجوز في بيوع المرابحة.
(1)رد المحتار، لابن عابدين:6/757،آخر الحظر والإباحة،قبيل كتاب الفرائض.وقد ذكرت هذه المسألة في البيوع قبيل فصل في القرض أيضا، وذكر فيه أنه قد أفتى به الحانوتي ونجم الدين وأبو السعود وغيرهم:5/160،والمسألة مذكورة في حاشية الطحاوي على الدر:3/104و4/363 أيضا .
(2) تنقيح الفتاوى الحامدية: 1/278، والمسألة مذكورة في شرح المجلة للأتاسي: 2/455.
ص: 34 @
ولعلهم أفتوا بذلك على أساس أن الأجل وإن لم يكن صالحا للاعتياض عنه على سبيل الاستقلال، ولكن يجوز أن يقع بإزائه شيء من الثمن ضمنا وتبعا، كما أنه لا يجوز بيع الحمل في بطن البقرة، ولكن يجوز أن يزاد من أجله في قيمة البقرة، فما لا يجوز بيعه مستقلا قد يجوز الاعتياض عنه تبعا. ولما كان أساس المرابحة على بيان قدر من الربح، جاز أن يكون شيء من الربح بإزاء الأجل. فصار الأجل كأنه وصف في المبيع، فلما انتقص ذلك الوصف بأداء الدين قبل الحلول، أو بسبب حلوله بموت المدين ، انتقص الثمن بقدره وإلى هذا المعنى أشار ابن عابدين في تعليل هذه المسألة، فقال: (وجه بأن الربح في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالا، ولا يقابله شيء من الثمن، ولكن اعتبروه مالا في المرابحة إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن قبل الحلول، كان أخذه بلا عوض) (1).وهذا التوجيه، وإن كان فيه شيء من الوزن، ولكنه مخالف للدلائل التي أسلفناها في منع( ضع وتعجل)فإنها وردت في كل دين مؤجل، دون فرق بين المساومة والمرابحة ، وإن العمل بهذه الفتوى قد يجعل المرابحة والبيع بالتقسيط أكثر مشابهة بالمعاملات الربوية،التي يتردد فيها القدر الواجب في الذمة ما بين القليل والكثير مرتبطا بالآجال المختلفة للأداء. فلا أرى من المناسب العمل بهذه الفتوى في البيع بالتقسيط،ولا في المرابحات التي تجريها المصارف الإسلامية . والله سبحانه وتعالى أعلم.
حلول الدين بالتقصير في أداء بعض الأقساط:
وقد تنص بعض اتفاقيات البيع التقسيط على أن المشتري إذا لم يؤد
ـــــــــــــ
(1) .رد المحتار: 6/757، قبيل كتاب الفرائض.
ص: 35 @
قسطا من الثمن في موعده المحدد، فإن بقية الأقساط تصير حالة ويجوز للبائع أن يطالب بها في الحال مجموعة. فهل يجوز هذا الشرط ؟وقد ذكرت هذه المسألة في بعض كتب الحنفية، فجاء في خلاصة الفتاوى: (ولو قال: كلما دخل نجم ولم تؤد، فالمال حال، صح، ويصير المال حالا) (1).وقد ذكرت هذه المسألة في الفتاوى البزازية محرفة لا يستقيم بها المعنى، ونبه على ذلك الرملي في حاشيته على جامع الفصولين، فقال: (في البزازية: وإبطال الأجل يبطل بالشرط الفاسد بأن قال: كلما حل نجم ولم تؤد، فالمال حال، صح، وصار حالا. اهـ. وعبارة الخلاصة: وإبطال الأجل يبطل بالشرط الفاسد. ولو قال: كلما دخل نجم ولم تؤد، فالمال حال، صح، والمال يصير حالا. اهـ. فجعلها مسألتين، وهو الصواب. والله أعلم. ذكره الغزي) (2).وإن هذه النصوص الفقهية تدل على جواز مثل هذا الشرط. وحينئذ إذا قصر المشتري في أداء بعض الأقساط عند حلول موعدها جاز للبائع أن يطالبه ببقية الأقساط حالة. ولكن مقتضى ما ذكرناه عن بعض المتأخرين من الحنفية في مسألة المرابحة السابقة أن لا يطالبه من ربح المرابحة إلا بقدر ما مضى من الأيام. فمن أخذ بتلك الفتوى، فليأخذ بها في هذه المسألة أيضا، ومن لم يأخذ بها، كما هو المناسب في رأينا، فإنما يفتي بحلول الثمن بكامله عند التقصير في أداء بعض الأقساط، والله سبحانه أعلم.
ــــــــــــــ
(1) خلاصة الفتاوى: 3/54، طبع لاهور، كتاب البيوع .
(2) الفوائد الخيرية على جامع الفصولين: 2/4، طبع الأزهرية، مصر 1300هـ .
ص: 36 @
مسألة التعويض عن ضرر المطل:
وهناك مسألة أخرى تتعلق بالبيع المؤجل،وهي أن المشتري المدين ربما يقصر في أداء دينه عند حلول الأجل،أو في أداء بعض الأقساط في موعدها.فإن كان هذا التقصير من أجل إعساره، فقد بين القرآن الكريم حكمه واضحا، وهو قوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } [ البقرة: 280 ].
يعني: يجب على الدائن في هذه الحال أن يمهله إلى أن يزول إعساره، ويتمكن من أداء دينه، ولا يجوز للدائن أن يضيف إلى دينه شيئا، فإنه ربا صراح، لا شبهة فيه.
ولكن التقصير في أداء الدين ربما يكون على وجه المماطلة بدون عذر الإعسار، ولقد نشاهد اليوم أن الناس قد انتقص فيهم الوازع الديني والخلقي، وقد انخفض فيهم مستوى الديانة والأمانة، فلا يحتفل كثير منهم بمسؤوليتهم عن أداء الدين في موعده، فيتضرر الدائن بمماطلته ضررا بينا. وإن مشكلة المماطلة يواجهها اليوم كل دائن، ولكن ما تعانيه المصارف الإسلامية من الأضرار بسبب المماطلة أكثر وأبشع. وذلك لأن النظام الربوي يلعب فيه سعر الفائدة دورا فعالا في الضغط على المدين بأداء دينه في موعده، لأنه إذا قصر فيه لسبب أو آخر تضاعفت الفائدة عليه بصورة تلقائية. وبما أن الدين لا يمكن الزيادة فيه شرعا بسبب التقصير أو المماطلة، فإن الدائن ربما يستغل هذا الوضع، ويستمر في مماطلته إلى ما يشاء. ومعلوم أن لعنصر الوقت أهمية بالغة في النظام التجاري اليوم، وخاصة في النظام المصرفي المعاصر ، فهل هناك من سبيل لدفع ضرر المماطلة من الدائنين، وخاصة عن المصارف الإسلامية؟والذي أعتقد أن هذه المسألة لا تحدث مشكلة كبيرة إن كانت جميع المصارف في البلاد تتبع طريقة شرعية موحدة، وذلك لأن مثل هذا المماطل يجوز أن يعاقب بحرمانه عن الانتفاع بالتسهيلات المصرفية في
ص: 37 @
المستقبل، فيحمل اسمه في قائمة سوداء، ولا يتعامل معه أي مصرف في الدولة. وإن مثل هذا التهديد يؤثر في الضغط عليه بالوفاء أكثر مما يؤثر سعر الفائدة . وكذلك يجوز شرعا أن يعزر هذا المماطل بعقوبات شرعية أخرى، لقوله صلى الله عليه وسلم:(مطل الغني ظلم)(1).وقوله صلى الله عليه وسلم:(لي الواجد يحل عقوبته عرضه)(2).
واللّيّ معناها: المطل، والواجد بمعنى الغني.
ولكن الطريقة الأولى(وهي إدراج اسم المماطل في قائمة سوداء)إنما تؤثر إذا كانت المصارف كلها تتبع طريقة واحدة، والطريقة الثانية(وهي التعزير والعقوبة)تحتاج إلى محاكم سريعة تحكم بصفة عاجلة.
وحيث إن كلا الأمرين مفقود في كافة البلاد الإسلامية، فإن هذا الحل الأساسي لمشكلة المماطلة ليس بيد المصارف الإسلامية اليوم.
ومن أجل هذا، قد اقترح بعض العلماء المعاصرين أن يلزم مثل هذا المماطل بأدائه إلى الدائن عوضا ماليا عن الضرر الفعلي الذي لحقه بسبب مماطلته. وقدرت بعض المصارف الإسلامية هذا الضرر الفعلي على أساس نسبة الربح التي أدتها تلك المصارف فعلا خلال مدة المماطلة إلى مودعيها في حساب الاستثمار . فإن لم يكن في حساب الاستثمار في تلك المدة ربح، لم يطالب المدين بأي تعويض، فإن كان هناك ربح فإنه يطالب بنسبة ذلك الربح الفعلي الذي حصل في تلك المدة.
وقد فرق هؤلاء العلماء بين التعويض وبين الفائدة الربوية بالفوارق التالية:
ـــــــــ
(1) . صحيح البخاري، كتاب الاستقراض، رقم 2400 .
(2) ذكره البخاري في الاستقراض تعليقا، وأخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وإسحاق في مسنديهما عن عمرو بن شريد رضي الله عنه،وإسناده حسن كما صرح به الحافظ ابن حجر في فتح الباري:5/62 .
ص: 38 @
1- إن الفائدة الربوية تلزم المدين في كل حال، سواء كان معسرا أو موسرا. أما التعويض فلا يلزمه إلا إذا ثبت كونه موسرا مماطلا. ولئن ثبت كونه معسرا، فلا يلزم بأداء أي تعويض.
2- إن الفائدة الربوية تلزم المدين فور تأخيره في الأداء، حتى لو كان التأخير لمدة يوم واحد. أما التعويض: فلا يلزمه إلا إذا ثبت كونه مماطلا، والمعمول به في بعض المصارف الإسلامية أن المصرف يرسل إلى المدين أربع إخطارات أسبوعية، بعد حلول الأجل قبل أن يكلفه بأداء التعويض، فلا يلزمه التعويض إلا بعد انتظار شهر من حلول الأجل.
3- إن الفائدة الربوية تلزم المدين في كل حال، وإن التعويض المقترح لا يجب على المدين إلا إذا تحققت في مدة مماطلته أرباح في حساب الاستثمار عند المصرف، فإن لم تتحقق هناك أرباح، فإن المدين لا يطالب بأي تعويض.
4- إن الفائدة الربوية نسبتها معلومة للجانبين منذ أول يوم من الدخول في اتفاقية الدين. أما التعويض، فلا يمكن معرفة نسبته عند الدخول في اتفاقية المرابحة أو الإجارة ، وإنما تتعين هذه النسبة على أساس نسبة الأرباح الفعلية التي سوف تتحقق خلال مدة المماطلة.
وعلى أساس هذه الفوارق الأربعة يقول هؤلاء العلماء المعاصرون: إن هذا التعويض لا علاقة له بالفوائد الربوية، ويستدلون على جواز مثل هذا التعويض بقوله صلى الله عليه وسلم:(( لا ضرر ولا ضرار ))(1)وبقوله صلى الله عليه وسلم:(لي الواجد يحل عقوبته وعرضه) قائلين بأن هذا التعويض
_________
(1) الحديث أخرجه مالك والشافعي مرسلا، وأحمد وعبد الرزاق وابن ماجه والطبراني بطريق فيه جابر الجعفي، وابن أبي شيبة من وجه آخر أقوى منه،والدار قطني من وجه ثالث، وراجع المقاصد الحسنة للسخاوي ص 468، وحسنه النووي، والمناوي في فيض القدير 6/432، لتعدد طرقه.
ص: 39 @
عقوبة مالية يعاقب بها المماطل.وإن هذا الرأي المعاصر في جواز التعويض فيه نظر من وجوه مختلفة،بعضها نظرية وبعضها عملية.
أما من الجهة النظرية، فإن مشكلة المماطلة ليست مشكلة جديدة قد حدثت اليوم، وإنما هي مشكلة لم يزل التجار يواجهونها في كل عصر ومصر، وكانت المشكلة موجودة في عهد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الصحابة رضي الله عنهم وفي العصور اللاحقة، ولكنه لا يوجد في شيء من الأحاديث أو الآثار ما يدل على أن هذه المشكلة قد التمس حلها بفرض التعويض على المماطل، ولم أجد في الفقهاء والمحدثين طوال أربعة عشر قرنا من حكم أو أفتى بفرض مثل هذا التعويض، بل وجدت ما يخالفه كما سأذكره إن شاء الله تعالى.
أما الاستدلال بحديث:(( لا ضرر ولا ضرار ))فلا شك أن إضرار الغير حرام بهذا النص، وكذلك يدل هذا النص على إزالة الضرر بطريق مشروع، ولكن لا يجب أن يزال كل ضرر بالتعويض المالي، ولا يدل النص صراحة أو إشارة، على أن إزالة ضرر المطل يكون بالتعويض. ولو كان هذا النص يدل على أن ضرر المماطل يزال بفرض
المال عليه، لكان ذلك واجبا ، ولوجب على كل قاض أن يقضي بذلك، وعلى مفت أن يفتي به، ولكنه لا يوجد في التاريخ قاض أو مفت حكم أو أفتى بذلك، مع كثرة قضايا المطل في كل عصر ومصر.
ثم إن ضرر الدائن المعترف به شرعا، هو أنه لم يدفع إليه مبلغ الدين في وقته الموعود، وإزالة هذا الضرر أن يسلم إليه ذلك المبلغ الذي هو حقه، وليس من حقه المشروع ما يزيد على مبلغ الدين، فإنه ربا . ولما ثبت أن الزائد من الدين ليس من حقه، ففوات هذه الزيادة ليس ضررا معتبرا عند الشرع، فلا يزال ضرره إلا بقدر حقه.
ص: 40 @
أما القول بأن الدائن لو حصل على مبلغ دينه في وقته الموعود، لربح فيه الأرباح ، ففوات هذه الأرباح ينبغي أن يزال من قبل من تسبب بهذا الضرر. فإن هذا القول مبني على اعتبار الربح المتوقع من النقود ربحا حقيقيا، وعلى أن النقود مدرة للربح في نفسها بحساب كل يوم. وإن هذا المبدأ إنما أقرته النظريات الربوية، ولا عهد به في الفقه الإسلامي. ولو كان هذا المبدأ معتبرا في الإسلام، لكان الغاصب أو السارق أولى بتطبيقه عليه، ولكن لا يوجد في تاريخ الفقه الإسلامي أحد ذهب إلى فرض التعويض المالي على غاصب النقود أو سارقها، لكونه فوت ربحها على المغصوب منه في مدة الغصب ، وقد فرضت الشريعة الإسلامية عقوبة قطع اليد على السارق، ولم تفوض عليه أي تعويض مالي بالإضافة إلى النقود المسروقة. وهذا دليل على أن المبدأ المذكور لا تقره الشريعة الإسلامية.
وإن المدين المماطل لا يتجاوز من أن يكون غاصبا أو سارقا، فغاية ما يتصور في حقه أن تجرى عليه أحكام السرقة والغصب، ولم تفرض الشريعة الإسلامية أي تعويض على السارق أو الغاصب، من أجل النقود المغصوبة، ولا شك أن كلا من السارق والغاصب، من أجل النقود المغصوبة، ولا شك أن كلا من السارق والغاصب قد أحدث ضررا على المالك،لا في حرمانه من أصل ماله فقط،بل في فوات الربح المتوقع منه أيضا.ولكن الشريعة الإسلامية قد أمرت بإزالة هذا الضرر برد المال المسروق إلى المالك فقط،وبعقوبة الجاني في جسمه أو عرضه،فتبين أن فوات الربح المتوقع ليس ضررا معوضا عليه في الشرع.
وقد استدل بعض المعاصرين على جواز هذا التعويض بأن المنافع المغصوبة مضمونة على الغاصب عند كثير من الفقهاء،وفيما يعد للاستغلال عند الحنفية أيضا،ولكن هذا الاستدلال لا يصح في النقود المغصوبة،فإن منافع المغصوب إنما تضمن(عند من يقول بالضمان).في
ص: 41 @
الأعيان المغصوبة،لا في النقود،حتى لو اتجر بالنقود المغصوبة وربح فيها، فالربح لا يقضى به للمغصوب منه في أصح القولين عند الشافعية.
وهذا في الربح الذي تحقق فعلا، فما بالك في الربح المتوقع فقط؟
ومن أجل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في المدين المماطل : لي الواجد يحل عقوبته وعرضه " ولم يقل (يحل ماله) ولا يوجد في الفقهاء المحدثين من فسر العقوبة هنا بعقوبة مالية، على اختلاف بينهم في جواز التعزير بالمال، ولو فسرها أحد بذلك، فإن العقوبة إنما يحكم بها الحاكم لا الدائن نفسه، فكيف تنطبق هذه العقوبة على التعويض الذي يطالب به الدائن نفسه بدون حكم أي حاكم؟ ولو فوض تنفيذ العقوبات الشرعية إلى آحاد الناس بدون حكم الحاكم، لأدى ذلك في فوضوية لا يقبلها شرع ولا عقل.
هذا ما أراه بالنسبة لأصل فكرة التعويض من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية، فإن الفوارق الأربعة التي ذكرناها بين الفوائد الربوية وبين التعويض، فإنها - بالنظر إلى تطبيقها العملي - فوارق نظرية محضة، لا تخرج إلى حيز التطبيق العملي إلا في أحوال نادرة لا تصلح أن يدار عليها الأحكام.
أما الفرق الأول، وهو أن التعويض لا يطالب به من قصر في الأداء من أجل الإعسار، فإن إعسار المدين ويساره من الأمور التي يتعذر على المصرف التثبت فيها في كل قضية منفردة، فإن كل مدين يدعي أنه معسر، ولا سبيل للمصرف إلى أن يقنعه بكونه موسرا على خلاف ما يدعيه، إلا برفع القضية إلى المحكمة. ولذا، فالواقع العلمي الذي تسير عليه المصارف الإسلامية التي تقر بمبدأ التعويض، أنها تصرح في اتفاقياتها بأن المدين يعتبر موسرا إلا في الحالة التي قضي عليه فيها بالإفلاس قانونا.
ـــــــــــــ
(1) المهذب للشيرازي1/370.
ص: 41 @
ومن المعلوم أن الإفلاس القانوني حالة نهائية لا توجد إلا نادرا. ومن المتيقن أن هناك كثيرا من الذين لم يحكم عليهم بالإفلاس، ولكنهم معسرون بكل معنى الكلمة.
وحينئذ، كيف يمكن أن يقال: إن المصارف الإسلامية لا تطالب بالتعويض في حالة إعسار المدين ؟ومن المعلوم أيضا أن من أقرض إنسانا بفائدة ربوية، فإنه لا يصح له في حالة إفلاس المقترض إلا أن يأخذ بقدر ما وجد عنده، فلم يبق في هذا المجال فرق يعتد به بين تقاضي الفائدة ومطالبة التعويض.أما الفارق الثاني: وهو محاسبة التعويض بعد شهر من حلول الأجل ، فإنه على تقدير كونه معمولا به في المصارف، فرق صحيح ، ولكنه لا يعدو من أن يكون فرقا لمدة شهر فحسب.وأما الفارق الثالث والرابع، وهو كون وجوب التعويض متوقفا على حصول الأرباح في مدة المماطلة، وكون نسبة التعويض غير معلومة من جهة كونها مبنية على نسبة الأرباح، فإن هذا الفرق صحيح نظريا، ولكن إذا نظرنا من الناحية العملية، رأينا أن معظم عمليات المصارف الإسلامية تدور حول المرابحة المؤجلة ، وإن تحقق الربح ونسبته في هذه العمليات معروفة لدى المصرف ولدى عملائه، فأصبحت نسبة التعويض معروفة لدى الفريقين عملا.
ثم إن معظم المصارف الإسلامية تحاسب أرباحها بعد كل ستة أشهر. فلا تكون الأرباح معلومة بالضبط إلا عند نهاية كل فترة، فلو كانت مدة المماطلة في أثناء هذه الفترة، كيف تعرف الأرباح الحاصلة في هذه الفترة بالضبط؟ وإن أصحاب الودائع الذين يخرجون من المصرف قبل نهاية الفترة، إنما يعطون كدفعة تحت الحساب، وتصير هذه الدفعة تابعة للتصفية الأخيرة عند نهاية الفترة. فهل يكون التعويض المطالب به في أثناء الفترة تابعا للتصفية النهائية
ص: 34 @
أيضا؟ الظاهر: لا. فكيف يقال: إن التعويض موافق للأرباح الفعلية الحاصلة في خلال مدة المماطلة؟وهناك جهة أخرى جديرة بالتأمل في هذا الموضوع وهي أن نسبة الأرباح الحاصلة في حساب الاستثمار تكون أقل دائما من نسبة الربح في عقود المرابحة والإجارة ، فلو أراد المدين الخيانة، لأمكن له أن يستمر في صرف المبالغ إلى مشروعات تدر ربحا أكثر مما يحصل في المصرف على حساب الاستثمار ، فيدفع قليلا من التعويض، ويحصل على ربح أكثر منه فيستمر في مماطلته إلى ما شاء من مدة. فيرجع نفس المحذور الذي لجأت المصارف إلى التعويض من أجله.
فاقتراح فرض التعويض على المماطلين اقتراح لا أعتقد أنه يحل مشكلة المماطلة، لا من جهة الشرع، ولا من الناحية العملية. فما هو الحل إذن؟والحل الحقيقي لهذه المشكلة ما قدمناه في أول كلامنا في هذا الموضوع، ولكن ذلك إنما يفيد إذا أصبحت المصارف كلها تعمل على أسس شرعية. أما في الظروف الحاضرة التي لا توجد فيها المصارف الإسلامية إلا بعدد قليل، بالنسبة إلى المصارف الربوية التقليدية التي هي مبثوثة في أنحاء العالم كله، فيمكن أن تلجأ المصارف الإسلامية إلى حل مؤقت آخر، وهو أن يلتزم المدين عند توقيعه على اتفاقية المرابحة أو الإجارة بأنه إذا قصر في أداء واجبه المالي، فإنه سوف يتبرع بمبلغ معلوم النسبة من الدين إلى بعض الجهات الخيرية.
ص: 44 @
ويسلم ذلك المبلغ إلى المصرف، ليصرفه بالنيابة عنه إلى تلك الجهات. فإن قصر المدين في الأداء لزمه أداء هذه المبالغ إلى المصرف، ولكن هذه المبالغ لا تكون مملوكة للمصرف، ولا تكون جزءا من دخله أو ربحه، وإنما تكون أمانة عنده للصرف إلى الجهات الخيرية.وإن هذا الاقتراح إنما يفيد للضغط على المدين في أداء الدين في وقته،ومن المرجو أن هذا الضغط يؤثر في سد باب المماطلة أكثر مما يؤثر فيه اقتراح التعويض،لأن مقدار هذا التبرع الملتزم به لا يجب أن يكون بمقدار الأرباح الحاصلة في حساب الاستثمار في مدة المماطلة، بل يمكن أن يكون أكثر من ذلك،ولا بأس بتعيين مقداره على أساس نسبة معينة من مبلغ الدين،بما يجعل المدين يحتفظ بمواعيد الأداء.وفي الوقت نفسه لا يعتبر هذا التبرع ربا،لأنه لا يدخل في ملك المصرف شيئا،بل يصرف إلى الجهات الخيرية،ويمكن أن ينشأ لذلك صندوق خاص لا يكون مملوكا للمصرف،بل يكون وقفا على بعض المقاصد الخيرية يتولاه أصحاب المصرف،ويكون من مقاصده أن يقدم منه قروض حسنة لأصحاب الحاجة.
وأما المستند الشرعي لهذا الالتزام، فإن الالتزام بالتبرع جائز ، عند جميع الفقهاء، وإن مثل هذا التبرع يلزم في القضاء أيضا عند بعض المالكية.والأصل عند المالكية أن الالتزام إن كان على وجه القربة، فإنه يلزم الملتزم في القضاء باتفاق علمائهم.أما إذا كان الالتزام على وجه اليمين، بمعنى أن يكون معلقا على أمر يريد الملتزم الامتناع عنه، ففي لزومه في القضاء خلاف. فذهب بعضهم إلى أنه لا يقضي به في الحكم،وخالفهم آخرون،فجعلوه لازما في القضاء، وقد تكلم الحطاب رحمه الله على هذه المسألة ببسط في كتابه(تحرير الكلام في مسائل الالتزام)وقال فيه:(أما إذا التزم المدعى عليه للمدعي أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه، لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدين أو غيره، وسواء كان الشيء معينا أو منفعة...
ص: 45 @
وأما إذا التزم أنه إن لم يوفه حقه في وقت كذا، فعليه كذا وكذا لفلان، أو صدقة للمساكين، فهذا هو محل الخلاف المعقود له هذا الباب، فالمشهور أنه لا يقضي به كما تقدم، وقال ابن دينار: يقضي به) (1).وقال قبل ذلك: (وحكاية الباجي الاتفاق على عدم اللزوم فيما إذا كان على وجه اليمين غير مسلمة لوجود الخلاف في ذلك كما تقدم، وكما سيأتي) (2).وإن الحطاب رحمه الله وإن رجح عدم اللزوم، ولكنه قال في آخر الباب: (إذا قلنا إن الالتزام المعلق على فعل الملتزم الذي على وجه اليمين لا يقضي به على المشهور، فاعلم أن هذا ما لم يحكم بصحة الالتزام المذكور حاكم. وأما إذا حكم حاكم بصحته أو بلزومه، فقد تعين الحكم به، لأن الحاكم إذا حكم بقول لزم العمل به وارتفع الخلاف) (3).هذا على قول بعض المالكية. أما على أصل الحنفية، فإن الوعد غير لازم في القضاء، لكن صرح فقهاء الحنفية بأن (بعض المواعيد قد تجعل لازمة لحاجة الناس).(4)فعلى هذا الأساس أرجو أن يكون هناك مجال للقول بلزوم هذا التبرع المقترح، سدا لباب المماطلة،
وصيانة لحقوق الناس عن اعتداء المعتدين، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ــــــــــ
(1) تحرير الكلام في مسائل الالتزام، للحطاب رحمه الله: ص176.
(2) المرجع السابق , ص169.
(3) المرجع السابق , ص185من طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت 1404 هـ.
(4) رد المحتار مبحث البيع بالوفاء: 5/277.
ص: 46 @
أثر موت المديون في حلول الدين:
والمسألة الأخيرة التي نريد أن نثبتها في هذه العجالة، هي مسألة خراب ذمة المدين بموته، وهل يبقى الدين بعد موته مؤجلا كما كان، أو يصير حالا، فيطالب الدائن الورثة بأدائه من تركة الميت فورا؟ وقد اختلفت في هذه المسألة أقوال الفقهاء. فذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن الدين المؤجل يحل بموت المدين، وهو رواية عن الإمام أحمد ابن حنبل أيضا ولكن المختار عند الحنابلة أن الورثة إن وثقوا الدين، فإنه لا يحل بموت المدين، وإنما يبقى مؤجلا كما كان. قال ابن قدامة رحمه الله: (فأما إن مات وعليه ديون مؤجلة، فهل تحل بالموت؟ فيه روايتان: إحداهما، لا تحل إذا وثق الورثة، وهو قول ابن سيرين وعبيد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد . وقال طاوس وأبو بكر بن محمد والزهري وسعيد بن إبراهيم : الدين إلى أجله، وحكي ذلك عن الحسن .والرواية الأخرى:أنه يحل بالموت،وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي،وأصحاب الرأي،لأنه لا يخلو:إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة، أو يتعلق بالمال. ولا يجوز بقاؤه في ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا ذمة الورثة، لأنهم لم يلتزموها، ولا رضي صاحب الدين بذممهم، وهي مختلفة متباينة. ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله، لأنه ضرر بالميت وصاحب الدين، ولا نفع للورثة فيه.أما الميت، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه ))
ص: 47 @
وأما صاحبه فيتأخر حقه، وقد تتلف العين، فيسقط حقه. وأما الورثة، فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرفون فيها.
وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم) (1).ثم ذكر ابن قدامة رحمه الله ترجيحه لمذهب من يقول ببقاء الدين مؤجلا، إذا وثقه الورثة بكفيل أو رهن، وذكر دلائله.وأما الحنفية، فإنهم وإن ذهبوا إلى حلول الدين بموت المدين على قول جمهور الفقهاء المتبوعين، ولكن المتأخرين منهم لم يفتهم النظر إلى أن في المرابحة المؤجلة تكون حصة من الثمن مقابلة لأجل، كما أسلفنا، فلو ألزمنا على تركة المشتري أن يؤخذ منها الثمن كاملا في الحال قبل حلول الأجل ، لصارت الحصة المقابلة للمدة الباقية بدون عوض، وفيه ضرر للمشتري الذي لم يرض بهذا القدر من الثمن إلا إذا كان مؤجلا بأجل متفق عليه. ولذلك أفتوا بأن المشتري لا يؤدي من ثمن المرابحة في هذه الصورة إلا بقدر ما مضى من الأيام. ونعيد هنا ما قدمناه عن الدر المختار، فقال: (قضى المديون الدين المؤجل قبل الحلول أو مات فحل بموته، فأخذ من تركته لا يأخذ من المرابحة التي جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام، وهو جواب المتأخرين قنية، وبه أفتى المرحوم أبو السعود أفندي مفتي الروم، وعلله بالرفق للجانبين).وقال ابن عابدين تحته:
(1)المغني،لابن قدامة:4/486؛كتاب المفلس،وراجع أيضا الشرح الكبير:4/502،وراجع لمذهب الحنفية في حلول الدين بموت المدين،خلاصة الفتاوى: 3/95.
ص: 48 @
(صورته: اشترى شيئا بعشرة نقدا، وباعه لآخر بعشرين إلى أجل هو عشرة أشهر، فإذا قضاه بعد تمام خمسة أو مات بعدها يأخذ خمسة، ويترك خمسة) (1).والحاصل عندي في هذه المسألة أن جمهور الفقهاء المتبوعين، وإن ذهبوا إلى حلول الدين بموت المدين ، ولكن في عمليات البيع بالتقسيط والمرابحة المؤجلة التي يكون حصة من الثمن فيها مقابلة للأجل، لو أخذنا بمبدأ حلول الدين بكامله، لتضرر به ورثة المدين. فينبغي فيها الأخذ بأحد القولين: إما بقول المتأخرين من الحنفية بسقوط تلك الحصة من الدين التي تقابل المدة الباقية من الأجل المتفق عليه، فلا يؤخذ من التركة إلا بقدر ما مضى من الأيام. أو يؤخذ بقول الحنابلة من بقاء الدين مؤجلا كما كان، بشرط أن يوثقه ورثة المدين بوثيقة معتمدة. ولعل الصورة الأخيرة أولى للبعد عن تذبذب الثمن بآجال مختلفة، الذي فيه مشابهة صورية للمعاملات الربوية .
والله سبحانه وتعالى أعلم.وله الحمد في الأولى والآخرة.
وصلى الله تعالى على نبيه وعلى آله وصحبه وتابعيهم ومن والاهم.
* * *
ــــــــــ
(1) رد المحتار على الدر المختار: 6/757.
ص: 49 @
... @
(2)
أحكام البيع بالتعاطي والإستجرار
بحث عرض على ندوة أقيمت بالكويت
من قبل بيت التمويل الكويتي
ص: 51 @
.. @
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
أحكام البيع بالتعاطي والإستجرار
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد:
فالموضوع المفوض إلي في هذه الندوة هو بيع التعاطي والإستجرار ومدى جواز استخدامهما في معالات المصارف الإسلامية,والبيوع الحديثة. فلنشرح أولا معنى كل من النوعين وما قال فيهم الفقهاء - رحمهم الله - ثم لنتكلم عن تطبيقاتهما على بعض المعاملات الحديثة, والله سبحانه هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل
البيع بالتعاطي:
البيع بالتعاطي عند الفقهاء هو البيع الذي لا يتلفظ فيه المتبايعان بالإيجاب أو القبول وإنما يدفع هذا الثمن ويدفع ذلك المبيع دون أن ينطق أحدهما بقوله:اشتريت أو الآخر:بعت.
والتعاطي على قسمين: (1)
الأول:أن يلتفظ أحدهما بالإيجاب ويقبله الثاني بالفعل لا بالقول. مثل أن يقول:(أعطني بهذه الربية خبزا) فيعطيه الآخر الخبز, ولا يتكلم بشيء فوقع الإيجاب هنا باللفظ, والقبول بالفعل.
(1) قال النووي في المجموع شرح المهذب:9/172(صوروا المعاطاة...أن يعطيه درهما أو غيره ويأخذ شيئا في مقابلته ولا يوجد لفظ أو يوجد لفظ من أحدهما دون الآخر).
ص: 53 @
والثاني:أن لا يلتفظ أحدهما بشيء مثل أن يدخل الرجل الدكان وفيه أشياء كثيرة مكتوب عليها ثمنها فيأخذ شيئا ويدفع إلى البائع ثمنه المكتوب عليه دون أن يجري بينهما مكالمة أصلا.
وكل واحد من النوعين يعتبر تعاطيا أو معاطاة في اصطلاح الفقهاء.
وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز هذين النوعين من التعاطي في جميع أنواع المبيعات. والمشهور من مذهب الشافعي - رحمه الله - أنه لا يقول بجواز التعاطي لأن البيع يتوقف على الإيجاب والقبول وهما أو إحداهما مفقود في التعاطي. ولكن يظهر من مراجعة كتب الشافعية أنهم اختلفوا في حكم التعاطي على أقوال:
1- التعاطي باطل مطلقا ولا ينعقد به البيع وهو المذهب المشهور عندهم.
2- التعاطي في الأشياء المحقرة ولا يجوز في الأشياء النفسية وهذا القول مروي عن ابن سريج والرؤياني (1) وهو قول الكرخي من الحنفية.(2).
3- يجوز التعاطي فيما جرى فيه العرق بذلك ولا يجوز فيما سواه.
كل من وسم بالبيع اكتفى بالمعاطاة كالعامي والتاجر وكل من لم يعرف بذلك لا يصح منه إلا باللفظ. (3)
والراجح مذهب الجمهور من أن التعاطي ينعقد به البيع مطلقا بشرط أن يكون على سبيل التراضي. ونكتفي هنا بحكاية ما ذكره ابن
(1) مغني المحتاج للشربيني:2/4.
(2) فتح القدير:5/459.
(3) مغني المحتاج:2/4.
ص: 54 @
قدامة للتدليل على مذهب الجمهور فإنه يكفي ويشفي. قال رحمه الله تعالى (ولنا أن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ولأن البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم وإنما علق الشرع عليه أحكاما وبقاه على ما كان فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أصحابه مع كثرة وقوع البيع بينهم استعمال الإيجاب والقبول ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه صلى الله عليه و سلم بيانا عاما ولم يخف حكمه لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا وأكلهم المال الباطل ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا أحد من أصحابه فيما علمناه ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا فكان ذلك إجماعا وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول في الهبة والهدية والصدقة ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه وقد أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم من الحبشة وغيرها وكان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة متفق عليه وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:[كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتي بطعام سأل عنه:أهدية أم صدقة؟فإن قيل:صدقة قال لأصحابه :كلوا ولم يأكل وإن قيل:هدية ضرب بيده وأكل معهم]وفي حديث[سلمان حين جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم بتمر
ص: 55 @
فقال:هذا شيء من الصدقة رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به فقال النبي صلى الله عليه و سلم لأصحابه:كلوا ولم يأكل ثم أتاه ثانية بتمر فقال:رأيتك لا تأكل الصدقة وهذا شيء أهديته لك فقال النبي صلى الله عليه و سلم بسم الله وأكل]ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب وإنما سأل ليعلم هل هو صدقة أو هدية وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول وليس إلا المعاطاة والتفرق عن تراض يدل على صحته ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في هذه العقود لشق ذلك ولكانت عقود المسلمين فاسدة وأكثر أموالهم محرمة ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضي فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما لعدم التعبد فيه) (1)
مدى جواز التعاطي عقود المرابحة الجارية في المصارف الإسلامية:
هذا هو حكم التعاطي في البيوع والراجح عند الجمهور جوازه لأدلة ذكرناها عن ابن قدامة - رحمه الله تعالى ولكن التعاطي
إنما يعمل به في عقود البيع العامة التي لا يلزم في العمل بها محظور شرعي أو شبهته أما إذا أورث العمل به في بعض العقود محظورا شرعيا أو اشتبه به المعاملة الجائزة بالمعاملة المحظورة فينبغي الإحتراز عنه ومن هنا يظهر أن العمل بالتعاطي في عقود المرابحة التي تجري في المصارف الإسلامية مما لا ينبغي.
وتفصيل ذلك أن العميل حينما يتقدم إلى البنك لطلب التمويل لشراء بعض البضائع أو الآلات أو المعدات فإن المصرف الإسلامي بدلا
(1) المغني لابن قدامة:3/561و562.
ص: 56 @
من أن يقرضه على فائدة يشتري تلك البضائع المطلوبة لنفسه ثم يبيعها إلى العميل بمرابحة شرعية مؤجلة ولكن المعمول به في مثير من المصارف أنها لا تقوم بشراء البضائع بنفسها وإنما توكل العميل نفسه ليشتري البضائع للمصرف بصفته وكيلا له ثم يعد بعد ما يقبض على البضائع كوكيل للمصرف بعقد عقدا جديدا مع المصرف لشرائها منه على طريق المرابحة الشرعية.
ولا بد في هذا الطريق أن يقوم العميل بعد شراء البضائع للمصرف بإخطاره بإتمام مهمته كوكيل ثم يتقدم إليه بإيجاب للشراء منه ويقوم المصرف بقبول ذلك الشراء.
وقد يقترح بعض الناس حبا للإختصار في العمليات أن تقع المرابحة بين المصرف وبين العميل على أساس التعاطي دون أن يجري بينهما إيجاب وقبول من جديد فبعد ما يقبض العميل على البضائع كوكيل للمصرف يعتبر كأنه اشترى البضائع من المصرف على أساس التعاطي بصفة تلقائية.
وإن هذا الإقتراح فيما أرى غير مقبول شرها على الرغم من جواز التعاطي في الأصل.
وذلك لأن عقد المرابحة للآمر بالشراء إنما يلجأ إليه المصارف الإسلامية كبديل للإقراض بفائدة فلا بد لجواز هذا النوع من العقود أن يكون هناك بعض الفروق الجوهرية بينه وبين المعاملات الربوية وإن الفرق الجوهري بين المعاملتين ليس إلا أن المتعامل به في المعاملات الربوية هي السيولة انقدية ويتقاضى البنك عليها بفائدة دون أن يتحمل أي خطر وأما في المرابحة فإن المتعامل به فيها بضاعة مملوكة للمصرف وإنما يبيع المصرف تلك البضاعة بعد ما دخلت في ملكه وضمانه فلا بد لتحقيق هذا الفارق عملا أن يمر على البضاعة زمن ولو كان يسيرا تكون فيه البضاعة مملوكة للمصرف وفي ضمانه بحيث إن هلكت البضاعة
ص: 57 @
في ذلك الزمن هلكت من مال المصرف وبفضل هذا الضمان يطيب للمصرف أن يتقاضى الربح من العميل وإلا لصار ربح ما لم يضمن وهو المحرم بنص الحديث النبوي الشريف.
فلو أجزنا التعاطي في المرابحة وقلنا بإبرام البيع فور إستلام العميل للبضائع بصفة تلقائية على أساس التعاطي لفات هذا الفارق الوحيد الذي يفرق المرابحة المصرفية من المعاملات الربوية ولم تكن العملية فعلا إلى دفع مبلغ إلى العميل ومطالبته بمبلغ أكثر منه دون أن يتحمل المصرف مسؤولية الملكية وأخطارها في آن من الأوان.
وهناك وجه آخر فقهي لعدم جواز التعاطي هنا , وذلك لأن التعاطي وإن كان يعوزه التلفظ بالإيجاب والقبول , ولكن لابد له من حضور فريقين , أحدهما يعطي والآخر يأخذ. وأما في الإقتراح المذكور , فإن البيع ينعقد بصفة تلقائية دون أن يعطي واحد ويأخذ آخر. ومعروف أن الواحد لا يتولى طرف البيع.
إذن , فلا يجوز عقد المرابحة بين المصرف وبين العميل على أساس التعاطي.
بيع الإستجرار:
أما بيع الإستجرار فهو مأخوذ من قولهم استجر المال:إذا أخذه شيئا فشيئا دون أن يجري بينهما مساومة أو إيجاب وقبول في كل مرة.
والإستجرار على نوعين:
الأول:الإستجرار بثمن مؤخر من مؤخر.
والثاني:الإستجرار بمبلغ مقدم.
ص: 58 @
أما الإستجرار بثمن مؤخر فهو ما ذكره الحصكفي في الدر المختار بقوله:(ما يستجره الإنسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها) وحاصله أن الرجل يتفاهم مع صاحب الدكان ولا تقع بينهما مساومة بل يعطيه البياع الشيء المطلوب بدون ذكر الثمن ولا تلفظ الإيجاب والقبول فيستعمله المشتري وفي نهاية الشهر مثلا يحاسبه بكل ما أخذ ويعطيه الثمن دفعة واحدة.
والقواعد المعروفة تأبى جواز هذا البيع لأننا إن قلنا بانعقاد هذا البيع عندما استلم المشتري شيئا من هذه الأشياء فإنه بيع ثمن مجهول لأنه لم تقع بينهما مساومة ولا بيان ثمن وإن قلنا:إن البيع ينعقد عند تصفية الحساب فإن المبيعات عندئذ معدومة مستهلكة وهذا يتضمن محظورين الأول: أن يقع الإستهلاك من المشتري قبل أن يقع الشراء من المالك والثاني: أن يقع بيع ما هو معدوم. ومن هنا صرح بعض الفقهاء بعدم جواز هذا البيع وهو مذهب عامة الشافعية. وقال النووي رحمه الله تعالى:
(فأما إذا أخذ منه شيئا ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع بل نويا أخذه بثمنه المعتاد كما يفعله كثير من فهذا باطل بلا خلاف لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل ولنعلم هذا ولنحترز منه ولا نغتر بكثرة من يفعله فان كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة ولا معاطاة ثم بعد مدة يحاسبه ويعطيه العوض وهذا باطل بلا خلاف لما ذكرناه)(1)
ويبدو أن مذهب الشافعية أقل المذاهب مرونة في بيوع التعاطي
(1) المجموع شرح المهذب:9/173.
ص: 59 @
والإستجرار ولكن جماعة منهم ذهبوا إلى جوازهما ومنهم الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال العلامة الرملي رحمه الله:
(أما الاستجرار من بياع فباطل اتفاقا : أي حيث لم يقدر الثمن كل مرة على أن الغزالي سامح فيه أيضا بناء على جواز المعاطاة) وقال الخطيب الشربيني رحمه الله:
وأخذ الحاجات من البياع يقع على ضربين : أحدهما أن يقول : أعطني بكذا لحما أو خبزا مثلا وهذا هو الغالب ، فيدفع إليه مطلوبه فيقبضه ويرضى به ، ثم بعد مدة يحاسبه ويؤدي ما اجتمع عليه ، فهذا مجزوم بصحته عند من يجوز المعاطاة فيما أراه .
والثاني : أن يلتمس مطلوبه من غير تعرض لثمن كأعطني رطل خبز أو لحم مثلا فهذا محتمل ، وهذا ما رأى الغزالي إباحته ومنعها المصنف - أي النووي رحمه الله -)(2)
وأما المالكية فقد ذكروا مسألة الإستجرار بمبلغ مقدم قال مالك رحمه الله في الموطأ:
(ولا بأس أن يضع الرجل عند الرجل درهما ثم يأخذ منه بربع أو بثلث أو بكسر معلوم سلعة معلومة فإذا لم يكن في ذلك سعر معلوم وقال الرجل آخذ منك بسعر كل يوم فهذا لا يحل لأنه غرر يقل مرة ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم)(3)
(1) نهاية المحتاج للرملي:3/364.
(2) مغني المحتاج:2/4.
(3) موطأ الإمام مالك راجع بيع الطعام وراجع للتفصيل المنتقى للباجي:5/15.
ص: 60 @
ومن هنا بعلم أن وجه المنع عندهم هو كون الثمن مجهولا ولا فرق في هذا بين أن يكون الإستجرار بمبلغ مقدم أو بثمن مؤخر وفي هذا يتفق المالكية مع أكثر الشافعية.
وأما الحنابلة فقد اختلفت في هذا وجاء في النكت والفوائد السنية لابن مفلح:
(وقال أبو داود في مسائله باب في الشراء ولا يسمى الثمن سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال فيأخذ منه الشيء بعد الشيء ثم يحاسبه بعد ذلك قال أرجو أن لا يكون بذلك بأس قال أبو داود قيل لأحمد يكون البيع ساعتئذ قال لا
قال الشيخ تقي الدين وظاهر هذا أنهما اتفقا على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه وأن البيع لم يكن وقت القبض وإنما كان وقت التحاسب وأن معناه صحة البيع بالسعر) (1)
وبه تبين أن رواية الجواز عند الحنابلة مبنية على جوز البيع بسعر السوق وفيه عند الحنابلة روايتان وأما الحنفية فقد أفتى المتأخرون منهم بجواز الإستجرار ولو لم يذكر الثمن عند أخذ الحاجات من البياع وجاء في الدر المختار:
(ما يستجره الانسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها جاز استحسانا). (1)
(1) موسوعة الفقه الإسلامي مصرية :5/305 عزوا إلى النكت.
(2) الدر المختار مع رد المحتار:4/516.
ص: 61 @
وقال ابن نجيم رحمه الله:
(ومما تسامحوا فيه وأخرجوه عن هذه القاعدة ما في القنية الأشياء التي تؤخذ من البياع على وجه الخرج كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعد ما انعدمت صح اهـ فيجوز بيع المعدوم هنا).(1)
وبه تبين أن الإستجرار جائز عند الحنفية استحسانا ولكن اختلفت عباراتهم في تكييف وجه الإستحسان والذي تلخص لي بعد دراسة كلام الفقهاء في الكتب المختلفة هو ما يلي:
إن الإستجرار بثمن مؤخر لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى:أن ذكر البائع الثمن كلما يأخذ منه المشتري شيئا أو يكون ثمن ذلك الشيء معلوم للجانبين بأي طريق.وهذا لا خلاف في جوازه عند الجمهور القائلين بجواز التعاطي فيقع بيع كل شيء عند أخذه على سبيل التعاطي ويقع المحاسبة عند نهاية مجموعة من البيوع.فلا يلزم منه البيع بثمن مجهول ولا بيع ما هو معدوم ويجوز ذلك عند الحنفية والحنابلة وعند الغزالي وابن سريج وغيرهما من الشافعية وأما على المشهور من مذهب الشافعية فيقع جوازه عند التلفظ بالإيجاب والقبول وقد ذكرنا أن الراجح في التعاطي قول الجمهور
الحالة الثانية:أن لا يذكر الثمن في كل مرة ولكن يتفق الفريقان عند الفاهم الإبتدائي أن المشتري سوف يستجر هذه الأشياء بسعر السوق وفي هذه احالة يتوقف جواز البيع عند الأخذ على
(1) البحر الرائق:5/259 شرح تعريف البيع.
ص: 62 @
جواز البيع بسعر السوق والمعروف عند الأئمة الأربعة أن بيع الشيء بسعره أو بثمن مثله أو بالرقم لا يجوز إلا إذا كان معلوما لدى المتبايعين في المجلس(1)ولكن هناك رواية في مذهب الشافعية وأخرى في مذهب الحنابلة تجيز البيع بسعر السوق أما في مذهب الشافعية فهو وجه حكاه الرافعي وذكره النووي بقوله:
(وحكى الرافعى وجها ثالثا أنه يصح مطلقا للتمكن من معرفته كما لو قال بعت هذه الصبرة كل صاع بدرهم يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة وهذا ضعيف شاذ)(2)
وأما في مذهب الحنابلة فهو رواية عن الإمام أحمد واختارها الشيخ تقي الدين(3) وقد ذكرنا عبارته من قبل وكذلك ذهب إلى الجواز العلامة ابن القيم وذكر أنه منصوص من الإمام أحمد وهو الذي اختاره شيخه ابن تيمية رحمهم الله تعالى(4) .
والذي يظهر لي بعد مراجعة كلام الفقهاء وأدلتهم في هذا الموضوع أن الأشياء على قسمين: قسم تتفاوت أسعاره بتفاوت الآحاد ولا يمكن تحديد سعرها بمعيار منضبط معلوم فمن التجار من يبيعه بعشرة مثلا ومنهم من يبيعه بأكثر وأقل. فالذين ذهبوا إلى حرمة البيع بسعر السوق إنما أرادوا المنع في مثل هذا القسم من المبيعات لأن سعر السوق إذا لم يكن معلوما للمتبايعين في مثل هذه الأشياء اصطلاح غير
(1) رد المحتار:4/529 والمجموع شرح المهذب:9/365و366 والدسوقي على الشرح الكبير:3/15 والإنصاف للمرداوي:4/310.
(2) المجموع شرح المهذب:9/366.
(3) الإنصاف للمرداوي:4/310.
(4) أعلام الموقعين:4/4.
ص: 63 @
مستقر فيبقى الثمن مجهولا بجهالة تقضي إلى النزاع.
ولكن هناك قسماً آخر من المبيعات ، وهو الذي لا تتفاوت آحاده ، ولا تتفاوت أسعاره ، وإنها تنضبط بمعيار معلوم يعرفه كل أحد معلوم يعرفه كل أحد ، ولا يحتمل أن يقع الخطأ أو النزاع في تطبيقه ، والذين ذهبوا إلى الجواز إنما أرادوا هذا القسم ، لأن ذكر مثل هذا المعيار المضبوط يقوم مقام ذكر الثمن ، فليس فيه جهالة تفضي إلى النزاع. وإلى هذا المعنى يشير الإمام المحقق ابن الهمام رحمه الله حيث يقول:
(ومما لا يجوز البيع به: البيع بقيمته، أو بما حل به، أو بما تريد أو تحب، أو برأس ماله، أو بما اشتراه، أو بمثل ما اشترى فلان، لا يجوز... وكذا لا يجوز بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت كالخبز واللحم)(1) .
وذكر ابن عابدين مثله عن صاحب النهر الفائق، فقال:
(وخرج أيضاً ما لو كان الثمن مجهولاً، كالبيع بقيمته أو برأس ماله أو بما اشتراه فلان... ومنه أيضاً ما لو باعه بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت)(2).
وهذا فيما أرى أعدل الأقوال وأوفق بالأصول المجمع عليها، فإنه لا مانع من جواز البيع بالسعر إلا جهالة الثمن التي تفضي إلى المنازعة ، وإذا ارتفع احتمال المنازعة بتعين معيار منضبط ارتفع المانع ، وجاز البيع. وقد ظهر اليوم أشياء كثيرة ينضبط ثمن مثلها بمعيار معلوم لا يحتمل وقوع النزاع في تطبيقه، وفي مثل هذه الأشياء يجوز العقد، ويجوز الاستجرار على أساس سعر السوق.
(1) فتح القدير مع الكفاية:5/467.
(2) رد المحتار:4/529.
ص: 64 @
وهذا مثل ما يتعامل الناس مع باعة الصحف اليومية، وإن البائع يلقي الصحيفة اليومية كل صباح في بيت المشتري على أنه يحاسبه في نهاية الشهر على أساس سعره القطاعيّ. وربما لا يعرفه المشتري، ولكن السعر القطاعي منضبط معروف ولا يتفاوت لآحاد الناس. نعم، ربما يتغير السّعر في أثناء الشّهر، فيتغير لكل واحد من المشترين، فليس هناك مجال للنزاع في تعيين السّعر. فكلّما يلقي البائع صحيفة في بيت المشتري بأمره أو بإذنه، ينعقد البيع على أساس سعر السّوق. وتقع تصفية الحساب في نهاية الشهر. وهذا هو القسم الثاني من الاستجرار بثمن مؤخر.
وظهر بهذا التفصيل أن في الحالة الثانية من بيع الاستجرار ينعقد البيع عند أخذ المشتري المبيع كل مرّة إذا كان سعره معروفاً منضبطاً بمعيار معلوم يؤمن معه في تعيين الثمن. أما إذا لم يكن السعر معروفاً بهذه الصفة، فإنه لا ينعقد البيع عند الأخذ، ويصير حكمه مثل ما سيأتي في الحالة الثالثة:
أما الحالة الثالثة:فهي أن لا يكون الثمن معلوماً عند الأخذ، ولا يتفاوت المتبايعان في بداية تعاملهما على أساس منضبط لتحديد الثمن يؤمن معه النزاع، بل يتعاملان هملا، ولا يتعارضان للثمن أصلاً. وحينئذ، لاشك في أن الثمن مجهول عند أخذ الأشياء جهالة فاحشة ربما تؤدي إلى النزاع، فلا ينعقد البيع عند الأخذ، فتبقى هذه المعاملة فاسدة إلى أن يقع بينهما تصفية الحساب. ولكن ذكر المتأخرون من الحنفية أن هذه المعاملة تنقلب جائزة عند التّصفية إذا اتفقا على ثمن.
ثم ذكر بعضهم أن هذه المعاملة تصح عند التصفية بيعاً. فكأن بيع تلك الأشياء قد انعقد الآن بمعرفة ثمن كل واحد منها. ويستشكل هذا بأن كثيراً من الأشياء المأخوذة قد استهلكها المشتري بعد أخذها حتى انعدمت عند التصفية، فكيف يصح بيعها وهي معدومة؟ فأجابوا عنه بأنه وإن كان
ص: 65 @
بيعاً للمعدوم، ولكن مثل هذا البيع جاز استحساناً للعرف، أو التعامل، أو عموم البلوى، وهو موقف ابن نجيم في البحر الرائق والأشياء والنظائر كما ذكرناه من قبل. وأما ما يورد عليه من أنه يستلزم تصرف المشتري في الأشياء المأخوذة من غير ملك ولا بيع، فينبغي أن لا يجوز، فأجابوا عنه بأنه تصرف بإذن من المالك، فلا مانع من جوازه.
وخرّج الآخرون صحة هذه المعاملة على أساس ضمان المتلفات لا على أساس البيع، فإن الثمن عند الأخذ مجهول، والمبيع عند التصفية معدوم، فلا يجوز البيع بحال، فكأن الآخذ أخذ الشيء قرضاً، واستهلكه، ثم ضمن قيمته على أساس ما اتفقا عليه عند التّصفية. ويستشكل هذا بأن القرض إنما يصح في المثليّات فقط، ولا يجوز اقتراض القيميّات عند الحنفية، مع أن الاستجرار ربما يجري في ذوات القيم. فأجابوا عنه بأن الاستجرار مستثنى من عدم جواز اقتراض القيميّات استحساناً، كما أجيز الاقتراض في الخبز والخميرة، مع أنها من ذوات القيم.
وهذه التخريجات كلّها ذكرها ابن عابدين رحمه الله تعالى في رد المحتار. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أن التخريج الأول هو الراجح، وهو أن هذه المعاملة تصح بيعاً عند تصفية الحساب إذا اتفقا الفريقان على الثمن الإجماليّ للمأخوذات. وأما الاستشكال بكونه بيع المعدوم، فالأحسن في جوابه أن يقال: إنه ليس بيعاً للمعدوم، بل هو بيع لما استهلكه المشتري، وانتفع به انتفاعاً تامّاً. وبيع المعدوم إنما يحرم من جهة أنه يتضمن الغرر، فربّما لا يقدر البائع على تسليمه إلى المشتري. ولا غرر ههنا، لأن البائع سلّم المبيع إلى المشتري فعلاً، فالمبيع كان موجوداً عند المشتري، وانتفع به المشتري حتى استهلكه، فيعتبر عند التصفية كالموجود تقديراً، فيصح بيعه.
ص: 66 @
وأما استشكاله بأن تصرف المشتري في تلك الأشياء وقع قبل البيع في غير ملكه، فالأحسن في جوابه أن يقال: إن البيع حينما انعقد عند التصفية صحيحاً، فإنه يسند إلى وقت الأخذ تقديراً، ويعتبر كأنّه تصرف فيما ملكه بالبيع، وهذا كما يقع في ضمان المغصوبات، فإن تصرف الغاصب فيما غصب غير صحيح، ولكنه إذا أدى ضمان المغصوب ملكه، ويسند هذا الملك إلى وقت الغصب، فتنقلب جميع تصرفاته فيه صحيحة بعد الضمان على ما هو الراجح، وأمّا إذا أحل له المغصوب منه تصرفه فلا خلاف في أن جميع تصرفاته تنقلب صحيحة جائزة بعد أداء الضمان.(1)فإن الغاصب بعد أداء الضمان يملك المغصوب من حين غصبه، فالآخذ في الاستجرار أولى، لأنه أخذ بإذن صاحبه، فلا يأثم بالأخذ أيضاً، كما يأثم الغاصب.
فالاستجرار ليس ضماناً للمتلفات كما زعمه أصحاب التخريج الثاني، ولكنه نظير لضمان المتلفات من حيث إن البيع المتأخر فيه يستند إلى وقت الأخذ كما أن الملك الحاصل بالضمان يستند إلى وقت الغصب.
الخلاصة:
فخلاصة ما تحقق من حكم الاستجرار بثمن مؤخر ما يلي:
(1) قال ابن عابدين رحمه الله في الغصب من رد المحتار:6/191(وما أفاده كلامه من أن الملك في المغصوب ثابت قيل أداء الضمان، وإنما المتوقف على أداء الضمان الحل هو ما في عامة المتون، فما في النوازل من أنه بعد الملك لا يحل له الانتفاع لاستفادته بوجه خبيث كالملوك بالبيع الفاسد عند القبض إلا إذا جعله صاحبه في حل اه.
مخالف لعامة المتون... وقال بعض المتأخرين: إن سبب الملك الغصب عند أداء الضمان كما في المبسوط. وقال الرافعي تحته:(أي فيكون كالبيع بشرط الخيار للمشتري يمله بالشراء عند سقوط خياره) راجع التحرير المحتار للرافعي:6/287.
ص: 67 @
1- إن كان البائع يبين ثمن البضاعة المأخوذة كلّ ما يأخذ منه المشتري، فالبيع ينعقد صحيحاً عند كل أخذ، وهذا بإجماع من يقول بجواز التعاطي. وتقع تصفية الحساب بعد أخذ مجموعة من المبيعات.
2- إن كان البائع لا يبين ثمن البضاعة عند كل أخذ، ولكن المتبايعين تفاهما بأن الأخذ يكون على سعر السّوق، وسعر السّوق منضبط بمعيار معلوم لا يقع الاختلاف في تحديده، فالصّحيح أن البيع ينعقد أيضاً عند كلّ أخذ.
3- إن كان الثمن مجهولاً وقت الأخذ، أو اتفق الفريقان على أنه يقع على أساس سعر السوق ولكن سعر السوق متفاوت تفاوتاً فاحشاً، بحيث يقع الاختلاف في تحديده، فإن البيع لا يصحّ عند الأخذ، وإنما يقع عند تصفية الحساب، ولكنه يسند حينئذ إلى وقت الأخذ، فيثبت الملك للآخذ من وقت الأخذ، وتحل تصرفاته من ذلك الحين بعد أداء الثمن.
الاستجرار بمبلغ مقدم:
وأما النوع الثاني من الاستجرار، فهو أن المشتري يدفع إلى البائع مبلغاً مقدّما، ثم يستجرّ منه الأشياء، وتقع المحاسبة بعد أخذ مجموعة من الأشياء في نهاية الشهر أو في نهاية السنة مثلاً.
وإن هذا النوع من الاستجرار فيه كلام من ناحيتين:
الأولى: ناحية كون الثمن معلوماً أو مجهولاً. والكلام فيها مثل ما ذكرناه في النوع الأول سواء بسواء. فالحكم فيها في الحالات الثلاثة مثل الحكم في الحالات الثلاثة المذكورة في النوع الأول.
والناحية الثانية: هي حيثية المبلغ المدفوع مقدّماً، هل يعتبر هذا المبلغ ثمناً مقدماً؟ أو أمانة في يد البائع؟ أو قرضاً عليه؟.
ص: 68 @
أما كونه ثمناً مقدماً، فلا يصح إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون المبيع وقدره ووصفه معلوماً عند تقديم المبلغ إلى البائع. فإن الثمن إنما يعتمد البيع، ومن شرائط البيع أن يكون المبيع معلوماً بذاته ووصفه وقدره.
والشرط الثاني: أن يكون المبيع مما يجري فيه السّلم أو الاستصناع، وتتوفر في العقد شروط جوازه، على اختلاف في ذلك بين الفقهاء. وذلك لأن الشراء بثمن مقدم لا يكون إلا عن طريق السّلم أو الاستصناع، فيجب أن يفي العقد بشروطه.
والذي يُشاهد في الاستجرار أنه لا يوجد فيه هذان الشرطان، فإنّ الذي يدفع إلى البائع المبلغ ربما لا يعرف وقت الدفع ما سيشتري به حينا بعد حين. ولئن علمه فإنّه لا يمكن بيان قدر كل واحد من المأخوذ ووصفه وأجله في الوقت نفسه، فى تتوفر فيه شروط السّّلم، وربما لا تكون الأشياء مما تحتاج إلى صنعة حتى يتحقق الاستصناع.
وإن قلنا: إن المبلغ المدفوع أمانة في يد البائع، وكلّما أخذ المشتري منه شيئاً، صار جزء من المبلغ ثمناً للمأخوذ. فينبغي أن يكون المبلغ مودعاً عند البائع كما هو، ولا يجوز له أن يصرفه في حاجة نفسه، لأن الأمانة لايجوز التصرف فيها وهذا، على كونه مشكلاً، بل متعذراً من الناحية العملية، خلاف ما هو متعارف في الاستجرار، فإن الباعة في الاستجرار لا يحتفظون بالمبلغ المدفوع إليهم مقدماً، وإنما يسجّلون قدره في حساب المعطي، ثم يتصرفون فيه كيفما شاؤوا.
وإن قلنا: إن المبلغ المدفوع قرض أقرضه المشتري إلى البائع، فحلّ له استعماله، فالإشكال في أنه قرض مشروط فيه البيع اللاحق، فإن المشتري لم يقرض البائع على وجه الصلة، وإنما أقرضه ليقع به البيع في وقت لاحق، فصار البيع مشروطاً في عقد القرض، وهذا شرط يخالف
ص: 69 @
مقتضى عقد القرض، فينبغي أن يكون فاسداً.
ولم أرَ أحداً من الذين تكلموا عن الاستجرار من تعرض لهذا الإشكال. والذي يظهر لي أنّ هذا المبلغ دفعة تحت الحساب، وهي، وإن كانت قرضاً في الاصطلاح الفقهيّ، من حيث إنّه يجوز للمدفوع له أن يصرفها في حوائج نفسه، ومن حيث كونها مضمونة عليه، ولكنها قرض يجوز فيه شرط البيع اللاحق، لكونه شرطاً متعارفاً، فإن الدفعات تحت الحساب لا يقصد بها الإقراض، وإنما يقصد بها تفريغ ذمة المشتري عن أداء الثمن عند البيع اللاحق وأن يتيسر له شراء الحاجات دون أن يتكلف نقد الثمن في كلّ مرّة. فهذا قرض تعورف فيه شرط البيع. والشرط كلما كان متعارفاً فإنه يجوز عند الحنفية، وإن كان مخالفاً لمقتضى العقد، كما في شراء النعل بشرط أن يحذوه البائع.
ومن هنا نرى الفقهاء الذين أجازوا الاستجرار لم يفرقوا بين دفع الثمن مقدماً، وبين دفعه مؤخراً. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى:
(قال في الولوالجية: دفع دراهم إلى خبّاز، فقال: اشتريت منك مئة منّ من خبز، وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء، فالبيع فاسد وما أكل فهو مكروه، لأنه اشترى خبزاً غير مشار إليه، فكان المبيع مجهولاً. ولو أعطاه الدراهم وجعل يأخذ منه كل يوم خمسة أمناء، ولم يقل في الابتداء: اشتريت منك، يجوز. وهذا حلال وإن كان نيته وقت الدفع الشراء، لأنه بمجرد النية لا ينعقد البيع، وإنما ينعقد البيع الآن بالتعاطي، والآن المبيع معلوم، فينعقد البيع صحيحاً.اهـ. قلت: ووجهه أن ثمن الخبز معلوم، فإذا انعقد بيعاً بالتعاطي وقت الأخذ مع دفع الثمن قبله، فكذا إذا تأخر دفع الثمن بالأولى)(1).
(1) رد المحتار:4/54.
ص: 70 @
وقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر:
(ومنها لو أخذ من الأرز والعدس وما أشبهه، وقد كان دفع إليه ديناراً مثلاً لينفق عليه، ثم اختصما بعد ذلك في قيمته هل تعتبر قيمته يوم الأخذ أو يوم الخصومة؟ قال في التتمة: تعتبر يوم الأخذ)(1).
وقد أسلفنا قول الإمام مالك رحمه الله في الموطأ:
(ولا بأس بأن يضع الرجل عند الرجل درههماً، ثم يأخذ منه بثلث أو بربع أو بكسر منه معلوم سلعة معلومة)(2).
وتبين بهذا أن الاستجرار بمبلغ مقدم جائز مثل الاستجرار بثمن مؤخر، ويكون المبلغ قرضاً عند البائع إلى أن يقع البيع عند الأخذ، فتجري مقاصّة القرض بثمن المبيع. والمبلغ مضمون على البائع، إن هلك, هلك من ماله، إلا إذا وضع المبلغ عنده كما هو كأمانة، ولم يتصرف فيه بشيء، فحينئذ يكون قبضه أمانة، فلا يضمنه عند الهلاك.ويخرّج على هذا اشتراك المجلات الدوريّة. فإن العادة في عصرنا أن الناس يدفعون بدل الاشتراك السنويّ في بدانة كل سنة إلى أصحاب هذه الدوريّات، وأنهم يبعثون إليهم نشرة من المجلة في كل شهر. فبدل الاشتراك قرض مضمون عندهم، ويقع بيع كل عدد من المجلة عندما تصل المجلّة إلى المشتري. فلو انقطعت المجلّة في أثناء السنة لزم على أصحابها ردّ ما بقي من بدل الاشتراك.
(1) حكاه ابن عابدين أيضا:4/54.
(2) موطأ الإمام مالك جامع بيع الطعام:ص590.
ص: 71 @
استخدام الاستجرار في المعاملات المصرفيّة:
أما استخدام الاستجرار في المعاملات المصرفيّة، فإن المعاملات الجارية اليوم في البنوك الإسلامية تشتمل على مرابحة، وإجارة، ومضاربة، وشركة، وفي الثلاثة الأخيرة من هذه المعاملات لا يمكن استخدام هذا الطريق مع عملاء البنك الذين يطلبون منه التمويل. ولكن يمكن في عمليات المرابحة أن يتعامل المصرف مع الموردين على أساس الاستجرار. فيقع من البنك تفاهم مع عدّة مؤسسا تجاريّة أنه سوف يشتري البضائع، أو الآلات، أو المعدّات على أساس سعر السّوق، أو بخصم معلوم على سعر السّوق. ثم كلما يتقدم عميل من العملاء يطلب منه المرابحة الشرعيّة، اشترى البنك من تلك المؤسسات ما يطلبه العميل ويقع هذا الشراء على أساس الاستجرار، ثم يبيعها إلى العميل عن طريق المرابحة.
وأما عملاء البنك في المرابحة، فلا يجري معهم الاستجرار المشتمل على التعاطي، ولكن يمكن أن يدخل البنك معهم في معاملة شبيهة بالاستجرار. وذلك بأن يتفق البنك معهم على أعلى حدّ للتسهيلات التي يقدمها إليهم عن طريق المرابحة في سنة واحدة. ثم إن العميل لا يستفيد بجميع هذه التسهيلات مرة واحدة، وإنّما يستفيد منها في مرّات متعددة. فالبنك اتفق معه مثلاً أنه سوف يبيع إليه بضاعات قيمتها عشرة ملايين. ولكن العميل لا يشتري من البنك جميع هذه البضائع مائة واحدة، بل يشتري منه بضاعات مليون في البداية مثلاً، ثم كلما يحتاج إلى مزيد من البضاعات، يأتي إليه، فيشتريها منه مرابحة إلى أن ينتهي الحد الأعلى المتفق عليه في الاتفاقية، وهو عشرة ملايين في مثالنا السابق وعند ذلك تنتهي الاتفاقية.
وإن هذه المعاملة موافقة للحالة الأولى من الاستجرار بثمن مؤخر،
ص: 72 @
لأنّ العميل يستجرّ من البنك البضاعات مرّة بعد أخرى، ولكن الثمن معلوم عند كلّ أخذ. ولا خلاف في هذه الصورة بين القائلين بجواز التعاطي. وقدّمنا في مبحث التعاطي أن استخدام التعاطي في عمليات المرابحة يجعل هذه العمليات مشابهة بالربا، فينبغي الاحتراز عنها. فيجب في عمليات المرابحة أن يعقد عقد البيع بالإيجاب والقبول بين البنك وعميله بعد ما يتملك البنك البضاعات المطلوبة، ليكون هناك وقت تكون البضاعة في ملك البنك وضمانه، ويجوز له الاسترباح عليها.
فبمراعاة هذا الشرط يجوز أن يستخدم الطريق المذكور الذي يشابه الاستجرار في عمليات المرابحة.
* * *
ص:73 @
... @
(3)
بيع الحقوق المجردة
بحث عرض على مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس بالكويت
من: (1) إلى (6) جمادى الأولى
(1409 هـ) الموافق من: (10) إلى (15) كانون الأول (1998) م.
ص: 75 @
... @
بسم الله الرحمن الرحيم
بيع الحقوق المجردة
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ورحمة العالمين، وعلى آله وأصحابه الذين رفعوا معالم الدين،وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد:
فقد ظهرت اليوم أنواع من الحقوق الشخصية التي ليست أعيانا في نفسها ، ولكن شاع تداولها في الأسواق عن طريق البيع ، وقد أقرت القوانين الوضعية بجواز بعضها ، ومنعت من تداول بعضها ، ولكن الأسواق مكتثة بمثل هذه المعاملات . وهي على سبيل المثال : خلو الدور والحوانيت ، وحق استعمال اسم تجاري مخصوص أو علامة تجارية خاصة(Trade Mark)أو الترخيص التجاري (License) وما يسمى في اللغة المعاصرة:حقوق الملكية الذهنية ، أو الأدبية والفنية (Intellectual Property) مثل حق التأليف والنشر ، وحق الابتكار ، وحق الرسام في لوحاته المبتكرة .
وجميع هذه الحقوق تعتبر في العرف التجاري المعاصر مملوكة تجري عليها أحكام الأموال والأملاك الشخصية ، فإنها تباع وتشترى ، وتؤجر وتوهب وتورث ، شأن الأعيان والأموال المادية سواء بسواء .
ص: 77 @
فالمسألة المطروحة أمامنا : هل يجوز في الشريعة الإسلامية أن تعتبر هذه الحقوق أموالا يصح بيعها وشراؤها ، أو الاعتياض عنها بصورة من الصور المشروعة ، أم لا يجوز ذلك ؟
ولم تكن المسألة في عهد الفقهاء القدامى بهذا الشكل الواسع ، فمن الطبيعي أن لا يوجد في كتبهم جواب خاص عن جزئياتها الموجودة في عصرنا ، غير أنهم تحدثوا عن كثير من الحقوق ومسألة الاعتياض عنها حسب ما كان موجودا أو متصورا في عصرهم ، فمنهم من منع الاعتياض عن الحقوق المجردة،ومنهم من أجاز بعض الأنواع منها.ولو استقصينا ما كتبه الفقهاء في هذا الباب لوجدنا أن أنواع الحقوق كثيرة ، وعبارات الفقهاء فيها مختلفة ،ولم أظفر بعد بكلمة جامعة تشمل جميع أنواع الحقوق،ويوضح الضابط الذي يمكن أن تبنى عليه المسائل في الموضوع،فنحتاج أن نستخرج الضوابط في هذا الباب من دلائل القرآن والسنة،والجزئيات المبعثرة في كتب الفقه التي يمكن أن تصير نظائر لما نحن بصدده، ونسأل الله تعالى أن يسدد خطانا ويشرح صدورنا بما فيه حق وصواب حسب ما يرضاه سبحانه وتعالى ، وهو الموفق والمعين .والذي يتحصل من استقراء الحقوق التي تحدث الفقهاء عن الاعتياض عنها ، أنها تنقسم إلى نوعين :
1- الحقوق الشرعية ، وهي التي ثبتت من قبل الشارع ، ولا مدخل في ثبوتها للقياس.
2- الحقوق العرفية ، وهي التي ثبتت بحكم العرف ، وأقره الشرع. ثم كل واحد من هذين النوعين ينقسم إلى قسمين:
الأول:الحقوق التي شرعت لدفع الضرر عن أصحابها.
ص: 78 @
الثاني : الحقوق التي شرعت أصالة .
والحقوق الثابتة أصالة تنقسم إلى أقسام :
1- الحقوق التي هي عبارة عن منافع مؤبدة في ذوات الأشياء،مثل حق المرور وحق الشرب، وحق التسييل وغيره.
2- الحقوق التي تثبت بسبق يد الرجل إلى شيء مباح،وتسمى حق الأسبقية أو حق الاختصاص .
3- الحقوق التي هي عبارة عن حق إحداث عقد مع آخر أو إبقائه ، مثل حق استئجار الأرض ، أو الدار ، أو الحانوت ، أو حق البقاء في وظيفة من وظائف الوقف .
ثم إن الاعتياض عن الحقوق يمكن بطريقين :الأول : الاعتياض عن طريق البيع ،وحقيقته نقل ما كان يملكه البائع إلى المشتري بجميع مقتضيات النقل .
الثاني : الاعتياض عن طريق الصلح والتنازل ، وحقيقته أن التنازل يسقط حقه ، ولكن لا ينتقل الحق إلى المنزول له بمجرد نزوله ، ولكن يزول مزاحمة النازل بمقابلة المنزول له .
وقد ذكر الإمام القرافي رحمه الله الفرق بين الطريقين ، حيث قال :
" اعلم أن الحقوق والأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقل وإسقاط ، فالنقل ينقسم إلى ما هو بعوض في الأعيان ، كالبيع والقرض ... وإلى ما هو بغير عوض كالهدايا والوصايا ... فإن ذلك كله نقل ملك في أعيان بغير عوض .
وأما الإسقاط فهو إما بعوض كالخلع ، والعفو على
ص: 79 @
مال فجميع هذه الصور يسقط فيها الثابت،ولا ينتقل إلى الباذل ما كان يملكه المبذول له من العصمة وبيع العبد ونحوهما) (1).
فنريد أولا أن مذكر هذه الأنواع من الحقوق التي ذكرها الفقهاء في كتبهم ، ونتكلم على كل منها على حدة ، بذكر ما قال فيه الفقهاء رحمهم الله تعالى ، فنستخلص من كلامهم ما يدلنا على الحكم الشرعي في هذه الحقوق التي شاع تداولها بين الناس ، والتي نريد أن نعرف حكم الاعتياض عنها والله سبحانه وتعالى هو الموفق والمعين .
الحقوق الشرعية :والذي نقصد باصطلاح(الحقوق الشرعية)أنها حقوق ثبتت من قبل الشارع،ولا مدخل فيها للقياس،بمعنى أنها لم تثبت لأصحابها إلا بنص جلي أو خفي من قبل الشارع،ولولا ذلك النص ما ثبتت.مثل حق الشفعة،وحق الولاء،وحق الوراثة،وحق النسب،وحق القصاص،وحق التمتع بالزوجة،وحق الطلاق،وحق الحضانة والولاية،وحق المرأة في قسم زوجها لها .
وإن هذه الحقوق على قسمين :الأول : حقوق ليست ثابتة أصالة ، وإنما أثبتها الشارع لدفع الضرر عن أصحابها ونستطيع أن نسميها " الحقوق الضرورية " .
الثاني:حقوق ثبتت لأصحابها أصالة،لا على وجه دفع الضرر،ونستطيع أن نسميها: (الحقوق الأصلية).
(1) . الفروق للقرافي : 2/110 ، - الفرق التاسع والسبعون.
ص: 80 @