الجزء 1
اختلاف أبي حَنيفة وابن أبي ليلى
للإمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري
المتوفى سنة 182 من الهجرة
عنى بتصحيحه والتعليق عليه
أبو الوفا الأفغاني
المدرس بالمدرسة النظامية بالهند
عنيت بنشره لجنة إحياء المعارف النعمانية
بحيدر آباد الدكن بالهند
الطبعة الأولى: حق النشر والنقل محفوظ
أشرف على طبعه
رضوان محمد رضوان
وكيل لجنة إحياء المعارف النعمانية بمصر
مطبعة الوفاء
1357
الجزء 1 · صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
قال محمد بن الحسن عن أبي يوسف قال: إذا أسلم الرجل إلى الخياط ثوبا فخاطه قباء فقال رب الثوب: أمرتك بقميص، وقال الخياط: أمرتني بقباء، فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول: القول قول رب الثوب ويضمن الخياط قيمة الثوب. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول:
الجزء 1 · صفحة 10
القول قول الخياط في ذلك، ولو أن الثوب ضاع من عند الخياط ولم يختلف رب الثوب والخياط في عمله، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه قال: لا ضمان عليه ولا على القصار والصباغ وما أشبه ذلك من العمال إلا فيما جنت أيديهم. وبلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا ضمان عليهم. وكان ابن أبي ليلى يقول: هم ضامنون لما هلك عندهم وإن لم تجن أيديهم فيه. قال أبو يوسف: هم ضامنون إلا أن يجيء شيء غالب.
الجزء 1 · صفحة 11
باب الغصب
قال أبو يسوف: وإذا اغتصب الرجل الجارية فباعها وأعتقها المشتري فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: البيع والعتق فيها باطل لا يجوز، لأنه باع مالا يملك وأعتق مالا يملك. وبهذا نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: عتقه جائز وعلى الغاصب القيمة.
قال: وإذا اشترى الرجل الجارية فوطئها ثم اطلع المشتري على عيب كان بها دلسه البائع له، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ليس له أن يردها بعد الوطء، وكذلك بلنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
الجزء 1 · صفحة 12
قال أبو يوسف: ولكنه يقول يرجع عليه بفضل ما بين الصحة والعب من الثمن. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: يردها ويرد معها مهر مثلها: والمهر في قوله يأخذ العشر من قيمتها ونصف العشر فيجعل المهر نصف ذلك. ولو أن المشتري لم يطأ الجارية ولكنه حدث بها عيب عنده لم يكن له أن يردها في قول أبي حنيفة، ولكنه يرجع بفضل ما بين العيب والصحة.
الجزء 1 · صفحة 13
وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: يردها ويرد ما نقصها العيب الذي حدث عنده.
قال: وإذا اشترى الجارية فوطئها فاستحقها رجل فقضى له بها القاضي، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: على الواطئ مهر مثلها على مثل ما يتزوج به الجرل مثلها يحكم به ذوا عدل ويرجع بالثمن على الذي باعه ولا يرجع بالمهر. وبه نأخذ، وكان أبي ليلى يقول: على الواطئ المهر، على ما ذكرت لك من قوله، ويرجع على البائع بالثمن والمهر لأنه قد غره منها.
قال محمد: وكيف يرجع عليه في قول ابن أبي ليلى بما أحدث وهو الذي وطئ؟ أرأيت لو باعه ثوبا فخرقه أو أهلكه فاستحقه رجل وضمنه بالقيمة أليس إنما يرجع على البائع بالثمن وإن كانت القيمة أكثر منه؟
قال: وإذا اشترى الرجلان جارية فوجدا بها عيبا فرضى أحدهما بالعيب ولم يرض الآخر، فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: ليس لواحد منهما أن يرد حتى يجتمعا على الرد جميعا، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: لأحدهما أن يرد حصته وإن رضى الآخر بالعيب. وبه نأخذ.
قال: وإذا اشترى الرجل أرضا فيها نخل وفيه ثمر ولم يشترط شيئا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: الثمر للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري. وكذلك بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول:
الجزء 1 · صفحة 14
((من اشترى نخلا له ثمر مؤبرة فثمره للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري، ومن اشترى عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط ذلك المشتري))، وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: الثمرة للمشتري وإن لم يشترط، لأن ثمرة النخل من النخل.
الجزء 1 · صفحة 15
باب الاختلاف في العيب
قال أبو يوسف: وإذا اشترى الرجل من الرجل الجارية أو الدابة أو الثوب أو غير ذلك فوجد المشتري به عيبا وقال: بعتني وهذا العيب به فأنكر ذلك البائع، فعلى المشتري البينة، فإن لم تكن له بينة فعلى البائع اليمين بالله لقد باعه وما هذا العيب به. فإن قال البائع: أنا أرد اليمين عليه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أرد اليمين عليه ولا يحولها عن الموضع الذي وضعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول مثل قول أبي حنيفة رضي الله عنه، إلا أنه إذا اتهم المدعى رد اليمين عليه فيقال: احلف وردها، فإن أبى أن يحلف لم يقبل منه وقضى عليه.
قال: وإذا باع الرجل بيعًا فبرئ من كل عيب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: البراءة من كل ذلك جائزة ولا يستطيع المشتري أن يرده بعيب كائنا ما كان. ألا ترى أنه لو أبرأه من الشجاج برئ من كل شجة، ولو أبرأه من القروح برئ من كل قرحة؟ وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: لا يبرأ من ذلك حتى يسمى العيوب كلها بأسمائها، ولم يذكر أن يضع يده عليها.
الجزء 1 · صفحة 16
قال: وإذا اشترى الرجل دابة أو خادما أو دارا أو ثوبا أو غير ذلك فادعى فيه رجل دعوى، ولم يكن للمدعى على دعواه بينة فأراد أن يستحلف المشتري الذي في يديه ذلك المتاع على دعواه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: اليمين عليه ألبتة بالله ما لهذا فيه حق. وبهذا نأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه أن يحلف بالله ما يعلم أن لهذا فيه حقا.
قال وإذا اشترى المشترى بيعًا على أن البائع بالخيار شهرًا أو على أن المشترى بالخيار شهرا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: البيع فاسد ولا يكون الخيار فوق ثلاثة أيام. بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: ((من اشترى شاة محفلة فهو بخير النظرين ثلاثة أيام إن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر أو صاعا من شعير)) فجعل الخيار كله
الجزء 1 · صفحة 17
على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكان ابن أبي ليلى يقول: الخيار جائز شهرًا كان أو سنة. وبه نأخذ.
قال: وإذا اشترى الرجل بيعًا على أن البائع بالخيار يومًا وقبضه المشترى فهلك عنده، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: المشتري ضامن بالقيمة لأنه أخذه على بيع، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو أمين في ذلك لا شيء عليه فيه. ولو أن الخيار كان للمشتري فهلك عنده فهو عليه بثمن الذي اشتراه به في قولهما.
قال: وإذا اشترى الرجل الجارية فباع نصفها ولم يبع النصف الآخر ثم وجد بها عيبًا قد كان البائع دلسه له، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يستطيع أن يرد ما بقى منها ولا يرجع بما نقصها العيب، ويقول: رد الجارية كلها كما أخذتها وإلا فلا حق لك. وبه نأخذ. وكان ابن
الجزء 1 · صفحة 18
أبي ليلى رحمه الله يقول: يرد ما في يده منها على البائع بقدر ثمنها، وكذلك قولهما في الثياب وفي كل بيع.
قال: وإذا اشترى الرجل عبدًا واشترط فيه شرطا أن يبيعه من فلان أو يهبه لفلان أو على أن يعتقه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: البيع في هذا فاسد. وبه نأخذ. وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو من ذلك وكان ابن أبي ليلى يقول: البيع جائز والشرط باطل.
الجزء 1 · صفحة 19
قال: وإذا كان لرجل على رجل مال من [ثمن] بيع فحل المال فأخره عنه إلى أجل آخر، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: تأخيره جائز وهو إلى الأجل الآخر الذي أخره عنه وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع في ذلك إلا أن يكون ذلك على وجه الصلح منهما.
قال: ولو أن رجلا كان له على رجل مال فتغيب عنه المطلوب حتى حط عنه بعد ذلك المال على أن يعطيه بعضه ثم ظهر له بعد. فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ما حط عنه من ذلك المال فهو جائز. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع فيما حط عنه لأنه تغيب عنه وبه نأخذ، ولو أن الطالب قال: إن ظهر لي فله مما عليه كذا وكذا، ولم يكن قوله هذا يوجب عليه شيئا في قولهم جميعًا.
الجزء 1 · صفحة 20
قال: وإذا بع الرجل الرجل بيعًا إلى العطاء. فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول في ذلك: البيع فاسد. كان ابن أبي ليلى يقول: البيع جائز والمال حال. وكذلك قولهما في كل مبيع إلى أجل لا يعرف، فإن استهلكه المشتري فعليه القيمة في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وإن حدث به عيب رده ورد ما نقصه العيب، وإن كان قائمًا بعينه فقال المشتري: لا اريد الأجل وأنا أنقد لك المال، جاز ذلك له في هذا كله في قول أبي حنيفة وبه نأخذ.
باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها
قال أبو يوسف: وإذا اشترى الرجل ثمرًا قبل أن يبلغ من أصناف الغلة كلها، فإن أبا حنفة رضي الله عنه قال: إذا لم يشترط ترك ذلك الثمر إلى أن يبلغ فإن البيع جائز، ألا ترى أنه لو اشترى قصيلا يقصله على دوابه قبل أن يبلغ كان ذلك جائزًا؟
قال: ولو اشترى شيئا من الطلع حين يخرج فقطعه كان جائزًا.
الجزء 1 · صفحة 21
وإذا اشتراه ولم يشترط تركه فعليه أن يقطعه، فإذا استأذن صاحبه في تركه فأذن له في ذلك فلا بأس بذلك. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: لا خير في بيع شيء من ذلك حتى يبلغ. ولا بأس إذا اشترى شيئا من ذلك قد بلغ أن يشترط على البائع تركه إلى أجل. وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: لا خير في هذا الشرط.
قال: وإذا اشترى الرجل أرضا فيها نخل فيها حمل فلم يذكر النخل ولا الحمل، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: النخل للمشتري تبعًا للأرض والثمرة للبائع إلا أن يشترط المشترى. بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من اشترى نخلا مؤبرًا فثمرته للبائع إلا أن يستثنيه المشتري)). وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الثمرة للمشتري.
قال: وإذا اشترى الرجل مائة ذراع مكسرة من دار غير مقسومة أو عشرة أجربة من أرض غير مقسومة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان
الجزء 1 · صفحة 22
يقول في ذلك كله: البيع باطل، ولا يجوز لأنه لا يعلم ما اشترى كم هو من الدار، وكم هو من الأرض، وأين موضعه من الدار والأرض؟. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: هو جائز في البيع. وبه نأخذ، وإن كانت الدار لا تكون مائة ذراع، فالمشتري بالخيار إن شاء ردها، وإن شاء رجع بما نقصت الدار على البائع في قول ابن أبي ليلى.
قال: وإن كانت الآجام محظورة وقد حظر فيها سمك فاشتراه رجل
الجزء 1 · صفحة 23
فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز ذلك. بلغنا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر. وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإبراهيم النخعي. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول في هذا: شراؤه جائز لا بأس به. وكذلك بلغنا عن عمر ابن عبد العزيز.
قال: وإذا حبس الرجل في الدين وفلسه القاضي فباع في السجن واشترى وأعتق أو تصدق بصدقة أو وهب هبة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هذا كله جائز، ولا يباع شيء من ماله في الدين، وليس بعد
الجزء 1 · صفحة 24
التفليس شيء، ألا ترى أن الرجل قد يفلس اليوم ويصيب غدًا مالا؟ وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: لا يجوز بيعه ولاش راؤه ولا عتقه ولا هبته ولا صدقته بعد التفليس، فيبيع ماله ويقضيه الغرماء. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى مثل قول ابن أبي ليلى ما خلا العتاقة في الحجر، وليس من قبيل التفليس ولا نجيز شيئا سوى العتاقة من ذلك أبدًا حتى يقضى دينه.
قال: وإذا أعطى الرجل الرجل متاعا يبيعه ولم يسم بالنقد ولا بالنسيئة فباعه بالنسيئة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقل: البيع جائز والمأمور ضامن لقيمة المتاع حتى يدفعه لرب المتاع، فإذا خرج الثمن من عند المشترى وفيه فضل عن القيمة، فإنه يرد ذلك الفضل على رب المتاع، وإن كان أقل من القيمة لم يضمن غير القيمة الماضية، ولم يرجع البائع على رب المتاع بشيء، والله تعالى أعلم.
قال: وإذا اختلف البيعان فقال البائع: بعتك وأنا بالخيار، وقال المشتري: بعتني ولم يكن لك خيار، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: القول قول البائع مع يمينه. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: القول قول المشتري. وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 25
قال: وإذا باع الرجل جارية بجارية وقبض كل واحد منهما ثم وجد أحدهما بالجارية التي قبض عيبا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يردها ويأخذ جاريته لأن البيع قد انتقض، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: يردها ويأخذ قيمتها صحيحة، وكذلك قولهما في جميع الرقيق والحيوان والعروض.
قال: وإذا اشترى الرجل بيعًا لغيره بأمره فوجد به عيبا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يخاصم المشتري ولا نبالي أحضر الأمر أم لا، ولا نكلف المشتري أن يحضر المر، ولا نرى على المشتري يمينًا إن قال البائع [إن] الآمر قد رضى بالعيب، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يستطيع المشتري أن يرد السلعة التي بها العيب حتى يحضر الآمر فيحلف ما رضي بالعيب، ولو كان غائبا بغير ذلك البلد. وكذلك الرجل معه مال مضاربة أتى بلادًا يتجر فيها بذلك المال، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ما اشترى من ذلك فوجد به عيبا فله أن يرده ولا يستحلف على رضا الآمر بالعيب، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: لا يستطيع المشتري المضارب أن يرد شيئا من ذلك حتى يحضر رب المال
الجزء 1 · صفحة 26
فيحلف بالله ما رضي بالعيب وإن لم ير المتاع وإن كان غائبًا، أرأيت رجلا أمر رجلا فباع له متاعا أو سلعة فوجد المشتري به عيبا أيخاصم البائع في ذلك أو نكلفه أن يحضر الآمر رب المتاع؟ ألا ترى أن خصمه في هذا البائع ولا نكلفه أن يحضر الآمر ولا خصومة بينه وبينه، فكذلك إذا أمره فاشترى له فهو مثل أمره بالبيع، أرأيت لو اشترى متاعا ولم يره أكان للمشترى الخيار إذا رآه أم لا يكون له خيار حتى يحضر الآمر؟ أرأيت لو اشتر عبدًا فوجده أعمى قبل أن يقبضه فقال: لا حاجة لي فيه، أما كان له أن يرده بهذا حتى يحضر الآمر؟ بلى له أن يرده ولا يحضر الآمر.
قال: وإذا باع الرجل ثوبا مرابحة على شيء مسمى فباع المشتري الثوب ثم وجد البائع قد خانه في المرابحة وزاد عليه في المرابحة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: البيع جائز لأنه قد باع الثوب، ولو كان عنده الثوب كان له أن يرده ويأخذ ما نقد إن شاء ولا يحطه شيئا. وكان ابن أبي ليلى يقول: تحط عنه تلك الخيانة وحصتها من الربح. وبه نأخذ.
قال: وإذا اشترى الرجل للرجل سلعة فظهر فيها عيب قبل أن ينقد الثمن، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: له أن يردها إن أقام البينة
الجزء 1 · صفحة 27
على العيب، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: لا أقبل شهودًا على العيب حتى ينقد الثمن.
قال: وإذا باع الرجل على ابنه وهو كبير دارًا أو متاعا من غير حاجة ولا عذر، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز ذلك على ابنه. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: بيعه عليه جائز.
قال: وإذا باع الرجل متاعا لرجل والرجل حاضر ساكت، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز ذلك عليه، وليس سكوته إقرارًا بالبيع، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: سكوته إقرار بالبيع.
قال: وإذا باع الرجل نصيبًا من داره ولم يسم ثلثًا أو ربعًا أو نحو ذلك أو كذا وكذا سهما، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز البيع على هذا الوجه. وقال أبو يوسف رحمه الله: له الخيار إذا علم إن شاء أخذو إن شاء ترك. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: إذا كانت الدار
الجزء 1 · صفحة 28
بين اثنين أو ثلاثة أجزت بيع النصيب وإن لم يسم، وإن كانت أسهما كثيرة لم يجز حتى يسمى.
قال: وإذا ختم الرجل على شراء. فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ليس ذلك بتسليم للبيع حتى يقول: سلمت. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: ذلك تسليم للبيع.
قال: وإذا بيع الرقيق والمتاع في عسكر الخوارج وهو متاع من متاع المسلمين أو رقيق من رقيقهم قد غلبوهم عليه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز ويرد على أهله وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: هو جائز. وإن كان المتاع قائما بعينه والرقيق قائما بعينه وقتل الخوارج قبل أن يبيعوه رد على أهله في قولهم جميعًا.
قال: وإذا باع الرجل المسلم الدابة من النصراني فادعاها نصراني آخر وأقام عليها بينة من النصارى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز شهادتهم، من قبل أن يرجع بذلك على المسلم وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: شهادتهم جائزة على النصراني ولا يرجع على المسلم بشيء. وبه نأخذ.
الجزء 1 · صفحة 29
قال: وإذا باع الرجل بيعًا من بعض ورثته وهو مريض، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز بيعه ذلك إذا مات من مرضه. وكان ابن أبي ليلى يقول: بيعه جائز بالقيمة. وبه نأخذ.
قال: وإذا استهلك الرجل مالا لولده وولده كبير والرجل غنى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو دين على الأب، وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يكون له دين على ابيه، وما استهلك أبوه من شيء لابنه فلا ضمان عليه فيه.
قال: وإذا اشترى رجل جارية بعبد وزاد معها مائة درهم ثم وجد بالعبد عيبًا وقد ماتت الجارية عند المشترى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يرد العبد ويأخذ منه مائة درهم وقيمة الجارية صحيحة، فإن كانت الجارية هي التي وجد بها العيب وقد مات العبد، ردت الجارية وقسم قيمة العبد على المائة الدرهم وعلى قيمة الجارية فيكون له ما أصاب المائة الدرهم ويرد ما أصاب قيمة الجارية من قيمة العبد. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول في هذا: إن وجد بالعبد عيبا رده وأخذ قيمته صحيحًا. وكذلك الدراهم التي هي في يديه.
قال: وإذا اشترى الرجل ثوبين من رجل وقبضهما فهلك أحدهما ووجد بالثوب الآخر عيبًا فأراد رده فاختلفا في قيمة الهالك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: القول قول البائع مع يمينه. وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المشترى.
الجزء 1 · صفحة 30
باب المضاربة
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا أعطى الرجل الرجل ثوبًا يبيعه على أن ما كان فيه من ربح فبينهما نصفان، أو أعطاه دارًا يبنيها ويؤاجرها على أن أجرتها بينهما نصفان، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول في ذلك كله: فاسد، وللذي باع أجر مثله على رب الثوب ولباني الدار أجر مثله على رب الدار. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: هو جائز والأجر والربح بينهما نصفان. وكان ابن أبي ليلى يجعل هذا بمنزلة الأرض للزراعة والنخل للعاملة.
قال: وإذا كان مع الرجل مال مضاربة فادانه ولم يأمره بذلك زب المال ولم ينه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا ضمان على المضارب، وما ادان من ذلك فهو جائز. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: المضارب ضامن إلا أن يأتي بالبينة أن رب المال أذن له في النسيئة، ولو أقرضه قرضًا ضمن في قولهما جميعًا، لأن القرض ليس من المضاربة. حدثا أبو حنيفة عن حميد بن عبد الله بن عبيد الأنصاري. عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
الجزء 1 · صفحة 31
أعطى مال يتيم مضاربة فكان يعمل به في العراق ولا يدري كيف قاطعه على الربح. حدثنا أبو حنيفة عن عبد الله بن علي عن العلاء بن عبد الرحمن
الجزء 1 · صفحة 32
ابن يعقوب عن أبيه أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أعطى مالا مقارضة يعني مضاربة وحدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن
الجزء 1 · صفحة 33
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أعطى زيد بن خليدة مالا مقارضة.
باب السلم
قال أبو يوسف: وإذا كان لرجل على رجل طعام أسلم إليه فيه فأخذ بعض طعامهوبعض رأس ماله، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو جائز. بلغنا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ذلك المعروف الحسن الجميل. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: إذا أخذ بعض رأس ماله فقد فسد السلم ويأخذ رأس ماله كله.
الجزء 1 · صفحة 34
قال: وإذا أسلم الرجل في اللحم، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا خير فيه لأنه غير معروف. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: لا بأس به. ثم رجع أبو يوسف إلى قول ابن أبي ليلى وقال: إذا بين مواضع اللحم فقال: أفخاذ وجنوب ونحو هذا، فهو جائز.
الجزء 1 · صفحة 35
باب الشفعة
قال أبو يوسف رضي الله عنه: إذا تزوجت امرأة على شقص من دار، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا شفعة في ذلك لأحد. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: للشفيع الشفعة بالقيمة وتأخذ المرأة قيمة ذلك منه. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: كيف يكون ذلك وليس هذا شراء يكون فيه شفعة إنما هذا نكاح؟ أرأيت لو طلقها قبل أن يدخل بها كم للشفيع منها، وبم يأخذ بالقيمة أو بالمهر؟ وكذلك إذا اختلعت بشقص من دار في قولهما جميعًا.
الجزء 1 · صفحة 36
قال أبو يوسف: وإذا اشترى الرجل دارًا وبنى فيها بناء ثم جاء الشفيع يطلبها بالشفعة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يأخذ الشفيع الدار ويأخذ صاحب البناء النقض. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يجعل الدار والبناء للشفيع ويجعل عليه قيمة البناء وثمن الدار الذي اشتراها به صاحب البناء وإلا فلا شفعة له.
قال: وإذا اشترى الرجل أرضا أو دارًا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لصاحب الشفعة الشفعة حين علم، فإن طلب الشفعة وإلا فلا شفعة له. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو بالخيار ثلاثة أيام بعد علمه.
الجزء 1 · صفحة 37
قال: وإذا أخذ الرجل الدار بالشفعة من المشترى ونقده الثمن، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: العهدة على المشترى الذي أخذ المال. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: العهدة على البائع لأن الشفعة وقعت يوم اشترى المشترى للشفيع.
قال: وإذا كانت الشفعة لليتيم، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: له الشفعة. فإن كان له وصى أخذها بالشفعة، وإن لم يكن له وصى كان على شفعته إذا أدرك، فإن لم يطلب الوصي الشفعة بعد علمه فليس لليتيم شفعة إذا أدرك. وكذلك الغلام إذا كان أبوه حيًا، وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: لا شفعة للصغير.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، وهي بعده للشريك الذي قاسم والطريق واحدة بينهما وهي بعده للجار الملاصق. وإذا اجتمع الجيران وكان التصاقهم سواء، فهم شركاء في الشفعة. وكان ابن أبي ليلى يقول بقول أبي حنيفة حتى كتب أبو العباس أمير
الجزء 1 · صفحة 38
المؤمنين يأمره أن لا يقضى بالشفعة إلا للشريك الذي لم يقاسم، فأخذ بذلك وكان لا يقضى إلا للشريك الذي لم يقاسم. وهذا قول أهل الحجاز. وكذلك بلغنا عن على وابن عباس رضي الله عنهم.
قال: وإذا اشترى الرجل الدار وسمى أكثر مما أخذها به فسلم ذلك الشفيع ثم علم بعد ذلك أنه أخذها بدون ذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو على شفعته، لأنه إنما سلم بأكثر من الثمن. وبه نأخذ.
وكان ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى يقول: لا شفعة له لأنه قد سلم ورضى. أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس
الجزء 1 · صفحة 39
رضي الله عنهما وعن الحكم عن يحيى عن علي رضي الله عنه أنهما قالا: لا شفعة إلا لشريك لم يقاسم. أخبرنا الحجاج بن أرطاة عن عمرو ابن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الجزء 1 · صفحة 40
((الجار أحق بسقبه ما كان)) أخبرنا أبو حنيفة عن أبي أمية عن المسور بن مخرمة أو عن سعد بن مالك رضي الله عنهم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الجار أحق بسقيه)).
الجزء 1 · صفحة 41
باب المزارعة
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا أعطي الرجل الرجل أرضًا مزارعة بالنصف أو الثلث أو الربع أو أعطي نخلا أو شجر المعاملة بالنصف، أو أقل من ذلك أو أكثر، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هذا كله باطل لأنه استأجره بشيء مجهول. يقول: أرأيت لو لم يخرج من
الجزء 1 · صفحة 42
ذلك شيء أليس كان عمله ذلك بغير أجر؟ وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: ذلك كله جائز، بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أعطي خيبر بالنصف فكانت كذلك حتى قبض، وخلافة أبي بكر رضي الله عنه، وعامة خلافة عمر رضي الله عنه. وبه نأخذ. وإنما قياس هذا عندنا مع الأثر، ألا تر أن الرجل يعطي الرجل مالا مضاربة بالنصف ولا بأس بذلك؟ وقد بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود وعن عثمان بن عفان رضي الله عنهما أنهم أعطوا مالا مضاربة. وبلغنا عن سعد بن أبي وقاص، وعن ابن مسعود رضي الله عنهما أنهما كانا يعطيان أرضهما بالربع والثلث.
الجزء 1 · صفحة 43
باب الدعوى والصلح
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا ادعى الرجل الدعوى قبل رجل في دار أو دين أو غير ذلك فأنكر ذلك للمدعى عليه الدعوى ثم صالحه من الدعوى وهو منكر لذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول في هذا جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى لا يجيز الصلح على الإنكار، وكان أبو حنيفة يقول: كيف لا يجوز هذا وأجوز ما يكون الصلح على الإنكار؟ وإذا وقع الإقرار لم يقع الصلح.
قال: وإذا صالح الرجل الطالب عن المطلوب والمطلوب متغيب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: الصلح جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الصلح مردود لأن المطلوب متغيب عن الطالب. وكذلك لو أخر عنه دينا عليه وهو متغيب كان قولهما جميعا على ما وصفت لك.
قال: وإذا صالح الرجل الرجل أو باع بيعًا أو أقر يدين فأقام البينة أن الطالب أكرهه على ذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ذلك كله جائز ولا أقبل منه بينة أنه أكرهه. وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى
الجزء 1 · صفحة 44
يقول: أقبل البينة على الإكراه وأرد ذلك عليه. وقال أبو يوسف: إذا كان الإكراه في موضع أبطل فيه الدم قبلت البينة على الإكراه. وتفسير ذلك أن رجلا لو شهر على رجل سيفًا فقال: لتقرن أو لأقتلنك فقال: أقبل منه البينة على الإكراه وأبطل عنه ذلك الإقرار.
قال: وإذا اختصم الرجلان إلى القاضي فأقر أحدهما بحق صاحبه بعد ما قاما من عند القاضي وقامت عليه بذلك بينة وهو يجحد ذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ذلك جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا إقرار لمن خاصم إلا عندي، ولا صلح لهما إلا عندي.
قال: وإذا اصطلح الرجلان على حكم يحكم بينهما فقضى بينهما بقضاء مخالف لرأي القاضي فارتفعا إلى ذلك القاضي، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ينبغي لذلك القاضي أن يبطل حكمه ويستقبل الحكم بينهما. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: حكمه عليهما جائز.
الجزء 1 · صفحة 45
باب الصدقة والهبة
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا وهبت المرأة لزوجها هبة أو تصدقت أو تركت له من مهرها ثم قالت: أكرهني وجاءت على ذلك ببينة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقبل بينتها وأمضى عليها ما فعلت من ذلك. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: أقبل بينتها على ذلك وأبطل ما صنعت.
قال: وإذا وهب الرجل هبة وقبضها الموهوب له وهي دار فبناها بناء وأعظم النفقة، أو كانت جارية صغيرة فأصلحها أو صنعها حتى شبت وأدركت، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يرجع الواهب في شيء من ذلك ولا في كل هبة زادت عند صاحبها خيرا، ألا ترى أنه قد حدث فيها في ملك الموهبة له شيء لم يكن في ملك الواهب؟ أرأيت إن ولدت الجارية ولدا
الجزء 1 · صفحة 46
كان للواهب أن يرجع فيه ولم يهبه له ولم يملكه قط؟ وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يرجع في ذلك كله وفي الولد.
قال: وإذا وهب الرجل جارية لابنه، وابنه كبير وهو في عياله، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز إلا أن يقبض. وبه نأخذ.
وكان ابن ابي ليلى يقول: إذا كان الولد في عيال أبيه وإن كان قد أدرك فهذه الهبة جائزة. وكذلك الرجل إذا وهب لامرأته.
قال: وإذا وهب الرجل دارًا لرجلين أو متاعا وذلك المتاع مما يقسم فقبضاه جميعًا، فإن ابا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز تلك الهبة إلا أن يقسم لك لواحد منهما منها حصته. وكان ابن أبي ليلى يقول: الهبة جائزة. وبه نأخذ. وإذا وهب اثنان لواحد وقبض فهو جائز. وقال أبو يوسف: هما سواء.
الجزء 1 · صفحة 47
قال: وإذا كانت الدار لرجلين فوهب أحدهما حصته لصاحبه ولم يقسمه له، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: الهبة في هذا باطلة ولا تجوز، وبه نأخذ. ومن حجته في ذلك أنه قال: لا تجوز الهبة إلا مقسومة معلومة مقبوضة. بلغنا عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نحل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها جذاذ عشرين وسقا من نخل له بالعالية فلما حضره الموت قال لعائشة: إنك لم تكونى قبضته وإنما هو مال الوارث
الجزء 1 · صفحة 48
فصار بين الورثة لأنها لم تكن قبضته. وكان إبراهيم يقول: لا تجوز الهبة إلا مقبوضة. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا كانت الدار بين رجلين فوهب أحدهما لصاحبه نصيبه فهذا قبض منه للهبة، وهذه معلومة وهذه جائزة. وإذا وهب الرجلان دارًا لرجل فقبضها فهو جائز في قول أبي حنيفة رضي الله عنه، ولا يفسد الهبة أنها كانت لاثنين. وبه نأخذ.
قال: وإذا وهب الرجل للرجل الهبة وقبضها دارًا أو أرضا ثم عوضه بعد ذلك منها عوضًا وقبض الواهب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ذلك جائز ولا يكون فيه شفعة. وبه نأخذ. وليس هذا بمنزلة الشراء. وكان ابن ابي ليلى يقول: هذا بمنزلة الشراء ويأخذ الشفيع بالشفعة بقيمة العوض. ولا يستطيع الواهب أن يرجع في الهبة بعد العوض في قولهما جميعًا.
قال: وإذا وهب الرجل للرجل هبة في مرضه فلم يقبضها الموهبة له حتى مات الواهب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: الهبة في هذا باطلة لا تجوز. وبه نأخذ. قال: ولا تكون له وصية إلا أن يكون ذلك
الجزء 1 · صفحة 49
في ذكر وصيته. وكان ابن أبي ليلى يقول: هي جائزة من الثلث. حدثنا الحجاج بن أرطاة عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لا تجوز الصدقة إلا مقبوضة)) حدثنا الأعمش عن إبراهيم
الجزء 1 · صفحة 50
قال: ((الصدقة إذا علمت جازت، والهبة لا تجوز إلا مقبوضة)). وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يأخذ بقول ابن عباس رضي الله عنهما في الصدقة. وهو قول أبي يوسف رضي الله عنه.
باب في الوديعة
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا استودع الرجل رجلا وديعة فقال المستودع: أمرتني أن أدفعها إلى فلان فدفعتها إليه، [وقال رب الوديعة: كذبت لم آمرك] قال أبو حنيفة رضي الله عنه: فالقول قول رب
الجزء 1 · صفحة 51
الوديعة، والمستودع ضامن. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: القول قول المستودع ولا ضمان عليه وعليه اليمين.
قال: وإذا استودع الرجل الرجل وديعة فجاء آخر يدعيها معه، فقال المستودع: لا أدري أيكما استودعني هذه الوديعة؟ وأبى أن يحلف لهما وليس لواحد منهما بينة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يعطيهما تلك الوديعة بينهما نصفين ويضمن لهما أخرى مثلها بينهما، لأنه أتلف ما استودع بجهالته ألا ترى أنه لو قال: هذا استودعنيها ثم قال أخطأت بل هو هذا كان عليه أن يدفع الوديعة إلى الذي أقر له بها أولا ويضمن للآخر مثل ذلك؟ لأن قوله أتلفه، وكذلك الأول إنما أتلفه هو بجهله. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول في الأول: ليس عليه شيء والوديعة والمضاربة بينهما نصفان.
قال: وإذا استودع الرجل وديعة فاستودعها المستودع غيره [في غير عياله] فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو ضامن لأنه خالف. وبهذا نأخذ، وكان ابن ابي ليلى يقول: لا ضمان عليه.
الجزء 1 · صفحة 52
قال: وإذا مات الرجل وعليه دين معروف وقبله وديعة بغير عينها، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: جميع ما ترك بين الغرماء وصاحب الوديعة بالحصص. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: هو للغرماء وليس لصاحب الوديعة شيء لأن الوديعة شيء مجهول ليس بشيء بعينه. وقال أبو حنيفة: فإن كانت الوديعة بعينها فهي لصاحب الوديعة إذا علم ذلك، وكذلك قال ابن أبي ليلى. حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال في الرجل يموت وعنده الوديعة وعليه دين: إنهم يتحاصون الغرماء وأصحاب الوديعة. حدثنا الحجاج بن أرطاة عن أبي جعفر، وعطاء مثل ذلك. حدثنا الحجاج عن الحكم عن إبراهيم مثله.
الجزء 1 · صفحة 53
باب في الرهن
قال أبو يوسف: ولو ارتهن الرجل رهنا فوضعه على يدى عدل برضا صاحبه فهلك من عند العدل وقيمته والدين سواء، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: الرهن بما فيه وقد بطل الدين. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الدين على الراهن كما هو والرهن من ماله لأنه لم يكن في يدي المرتهن إنما كان موضعا على يدي غيره.
قال: وإذا مات الراهن وعليه دين والرهن على يدى عدل، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: المرتهن أحق بهذا الرهن من الغرماء. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: الرهن بين الغرماء والمرتهن بالحصص على قدر أموالهم. وإذ كان الرهن في يدى المرتهن فهو أحق به من الغرماء وقولهما جميعًا فيه واحد.
قال: وإذا رهن الرجل الرجل دارًا ثم استحق منها شقص وقد قبضها المرتهن، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: الرهن باطل لا يجوز. وبهذا نأخذ حفظى عنه في كل رهن فاسد وقع فاسدًا فصاحب المال أحق به حتى يستوفى ماله يباع لديه. وكان ابن ابي ليلى يقول: ما بقى من الدار فهو
الجزء 1 · صفحة 54
رهن بالحق. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: وكيف يكون ذلك وإنما كان رهنه نصيبا غير مقسوم؟
قال: وإذا وضع الرجل الرهن على يدى عدل وسلطه على بيعه عند محل الأجل ثم مات الراهن، فإن أبا حنفة رضي الله عنه كان يقول: للعدل أن يبيع الرهن، ولو كان موت الراهن يبطل بيعه لأبطل الرهن وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: ليس له أن يبيع وقد بطل الرهن وصار بين الغرماء، وللمسلط أن يبيعه في مرض الراهن ويكون للمرتهن خاصة في قياس قوله.
قال: وإذا ارتهن الرجل دارًا ثم أجرها باذن الراهن، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: قد خرجت من الرهن حين أذن له أن يؤجرها وصارت بمنزلة العارية. وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: هي رهن على حالها والغلة للمرتهن قضاء من حقه.
باب الحوالة والكفالة في الدين
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا كان لرجل على رجل دين فكفل له به عنه رجل، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: للطالب أن يأخذ أيهما شاء، فإن كانت حوالة لم يكن له أن يأخذ الذي أحاله لأنه قد أبرأه. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: ليس له أن يأخذ الذي عليه الأصل فيهما جميعًا لأنه حيث قبل منه الكفيل فقد أبرأه من المال
الجزء 1 · صفحة 55
إلا أن يكون المال قد توى قبل الكفيل فيرجع به على الذي عليه الأصل، وإن كان كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه كان له أن يأخذ أيهما شاء في قولهما جميعا.
قال: وإذا أخذ الرجل من الرجل كفيلا بنفسه ثم أخذ منه بعد ذلك آخر بنفسه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هما كفيلان جميعا، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: قد برئ الكفيل الأول حين أخذ الكفيل الآخر.
قال: وإذا كفل الرجل للرجل بدين غير مسمى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو له ضامن. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يجوز عليه الضمان في ذلك لأنه ضمن شيئا مجهولا غير مسمى، وهو أن يقول الرجل للرجل: أضمن ما قضى لك به القاضي عليه من شيء وما كان لك عليه من حق وما شهد لك به الشهود، وما أشبه هذا، فهو مجهول.
الجزء 1 · صفحة 56
قال: وإذا ضمن الرجل دين ميت بعد موته وسماه ولم يترك الميت وفاء ولا شيئا ولا قليلا ولا كثيرا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا ضمان على الكفيل لأن الدين قد توى. وكان ابن أبي ليلى يقول: الكفيل ضامن. وبه نأخذ. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن ترك شيئا ضمن الكفيل بقدر ما ترك، وإن كان ترك وفاء فهو ضامن لجميع ما تكفل به.
قال: وإذا كفل العبد المأذون له في التجارة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: كفالته باطلة لأنها معروف وليس يجوز له المعروف، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: كفالته جائزة لأنها من التجارة وإذا أفلس المحتال عليه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يرجع على الذي أحاله حتى يموت المحتال عليه ولا يترك مالا. وكان ابن أبي ليلى
الجزء 1 · صفحة 57
رحمه الله يقول: له أن يرجع إذا أفلس. وبهذا نأخذ.
قال: وإذا وكل الرجل رجلا في شيء فأراد الوكيل أن يوكل بذلك غيره، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ليس له ذلك إلا أن يكون صاحبه أمره أن يوكل بذلك غيره، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: له أن يوكل غيره إذا أراد أن يغيب أو مرض، فأما إذا كان صحيحا حاضرًا فلا. قال أبو حنيفة: وكيف يكون له أن يوكل غيره ولم يرض صاحبه بخصومه غيره وإنما رضى بخصومه؟!
الجزء 1 · صفحة 58
قال: وإذا وكل رجل رجلا بخصومه وأثبت الوكالة عند القاضي ثم أقر على صاحبه الذي وكله أن تلك الخصومة حق لصاحبه الذي يخاصمه أقر به عند القاضي، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: إقراره جائز. قال محمد: وبه نأخذ. وإن أقر عند غير القاضي وشهد عليه الشهود، فإقراره باطل ويخرج من الخصومة. وقال أبو يوسف: إقراره عند القاضي وعند غيره جائز عليه. وكان ابن أبي ليلى يقول: إقراره باطل.
قال: وإذا وكل رجل رجلا في قصاص أوحد، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تقبل في ذلك وكالة. وبه نأخذ. وروى أبو يوسف أن أبا حنيفة قال: أقبل من الوكيل البينة في الدعوى في الحد والقصاص ولا أقيم الحد ولا القصاص حتى يحضر المدعى. وقال أبو يوسف: لا أقبل البينة إلا من المدعى ولا أقبل في ذلك وكيلا. وكان ابن أبي ليلى يقول: تقبل في ذلك الوكالة.
قال: وإذا كانت في يدى رجل دار فادعاها رجل فقال الذي هي في يديه وكلني بها فلان لرجل غائب أقوم له عليها، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أصدقه إلا أن يأتي على ذلك ببينة وأجعله خصما. وبه نأخذ
الجزء 1 · صفحة 59
وقال أبو يوسف رحمه الله بعد: إن كان متهما أيضا لم أقبل منه بينة وجعلته خصما إلا أن يأتي بشهود أعرفهم. وكان ابن أبي ليلى يقول: أقبل منه وأصدقه ولا نجعل بينهما خصومة. وكان ابن أبي ليلى بعد ذلك يقول: إذا اتهمته سألته البينة على الوكالة فإن لم يقم البينة جعلته خصما.
قال: وإذا كان للرجل على الرجل مال فجاء رجل فقال: قد وكلني بقبضه منك فلان، فقال الذي عليه المال: صدقت، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: أجبره على أن يعطيه إياه، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى
الجزء 1 · صفحة 60
يقول: لا أجبره على ذلك إلا أن يقيم بينة عليه وأقول: أنت أعلم فإن شئت فأعطه وإن شئت فاتركه.
قال: وإذا وكل الرجل رجلا في شيء، فإن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا تثبت وكالته إلا أن يأتي معه بخصم. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: نقبل بينته على الوكالة ونثبتها له وليسمعه خصم. وقد كان أبو يوسف رحمه الله إذا جاءه رجل قد عرفه يريد أن يغيب فقال: هذا وكيلي في كل حق لي يخاصم فيه، قبل ذلك وأثبت وكالته، وإذا تغيب الخصم وكل له وكيلا وقضى عليه.
قال: وإذا وكل رجل رجلا بكل قليل وكثير، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز بيعه لأنه لم يوكله بالبيع إلا أن يقول: ما صنعت من شيء فهو جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا وكله في كل قليل وكثير فباع دارًا أو غير ذلك كان جائز.
الجزء 1 · صفحة 61
قال: وإذا وكلت المرأة وكيلا بالخصومة وهي حاضرة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقبل إلا أن يرضى الخصم. وكان ابن أبي ليلى يقول: نقبل ذلك ونجيزه. وبه نأخذ.
باب في الدين
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا كان على الرجل دين وكان عنده وديعة غير معلومة بعينها، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ما ترك الرجل فهو بين الغرماء وأصحاب الوديعة بالحصص، وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقل: ليس لصاحب الوديعة شيء إلا أن يعرف وديعته
الجزء 1 · صفحة 62
بعينها، فتكون له خاصة. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: هي دين في ماله ما لم يقل قبل الموت: قد هلكت. ألا ترى أنه لم يعلم لها سبيل ذهبت فيه؟ وكذلك كل مال أصله أمانة. وبه نأخذ.
قال: وإذا أقر الرجل في مرضه الذي مات فيه بدين وعليه دين بشهود في صحته وليس له وفاء، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يبدأ بالدين المعروف الذي في صحته، فإن فضل عنهم شيء كان للذين أقر لهم في المرض بالحصص، ألا ترى أنه حين مرض أنه ليس يملك من ماله شيئًا، ولا تجوز وصيته فيه لما عليه من الدين؟ فكذلك إقراره له. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: هو مدق فيما أقر به، والذي أقر له في الصحة والمرض سواء.
قال: وإذا استدانت امرأة وزوجها غائب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: أفرض لها على زوجها نفقة مثلها في غيبته. ثم رجع عن ذلك فقال: لا شيء لها وهي متطوعة فيما أنفقت والدين عليها خاصة. وكان
الجزء 1 · صفحة 63
ابن أبي ليلى لا يفرض لها نفقة إلا فيما يستقبل. وكذلك بلغنا عن شريح وبهذا نأخذ.
قال: وإذا كان لرجل على رجل مال وله عليه مثله، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هو قصاص. وبه نأخذ، وكان ابن ابي ليلى يقول: لا يكون قصاصًا إلا أن يتراضيا به. فإن كان لأحدهما على صاحبه مال مخالف لذلك لم يكن ذلك قصاصًا في قولهما جميعًا
الجزء 1 · صفحة 64
قال: وإذا أقر وارث بدين وفي نصيبه وفاء بذلك الدين، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يستوفى الغريم من ذلك الوارث المقر جميع ماله من نصيبه، لأنه لا ميراث له حتى يقضي الدين. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إنما يدخل عليه من الدين بقدر نصيبه من الميراث، فإن كان هو وأخ له دخل عليه النصف، وإن كانوا ثلاثة دخل عليه الثلث، والشاهد عنده منهم وحده بمنزلة المقر، وإن كانا اثنين جازت شهادتهما في جميع الميراث في قولهما جميعًا إذا كانا عدلين، فإن لم يكونا عدلين كان ذلك في أنصابهما على ما فسرنا من قول أبي حنيفة وابن أبي ليلى.
قال: وإذا كتب الرجل بقرض في ذكر حق ثم أقام بينة أن أصله كان مضاربة. فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: آخذه به وإقراره على نفسه بالقرض أصدق من دعواه. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقول: أبطله عنه وأجعله عليه مضاربة وهو فيه أمين. وإذا أقام الرجل على الرجل البينة بمال في ذكر حق من شيء جائز فأقام الذي عليه الدين البينة أنه من ربا، وأنه قد أقر أنه قد كتب ذكر حق من شيء جائز، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقبل منه المخرج ويلزمه المال بإقراره أنه ثمن شيء جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقبل منه البينة على ذلك ويرده إلى رأس المال.
الجزء 1 · صفحة 65
قال: وإذا أقر الرجل بمال في ذكر حق من بيع ثم قال بعد ذلك: لم أقبض المبيع ولم تشهد عليه بينة بقبضه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: المال له لازم ولا ألتفت إلى قوله. وكان ابن ابي ليلى يقول: لا يلزمه شيء من المال حتى يأتي الطالب بالبينة أنه قد قبض المتاع الذي به عليه ذكر الحق. وقال أبو يوسف رحمه الله: أسأل الذي له الحق أبعت هذا؟ فإن قال: نعم. قلت: فأقم البينة على أنك قد وفيته متاعه، فإن قال الطالب: لم أبعه شيئًا لزمه المال.
قال: وإذا ادعى الرجل على الرجل ألف درهم وجاء عليه بالبينة فشهد أحد شاهديه بالألف وشهد الآخر بألفين، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا شهادة لهما لأنهما قد اختلفا. وكان ابن أبي ليلى يجيز من ذلك ألف درهم ويقضى بها للطالب. وبه نأخذ. ولو شهد أحدهما بألف وشهد
الجزء 1 · صفحة 66
الآخر بألف وخمسمائة كانت شهادة الألف جائزة في قولهما جميعًا، وإنما أجاز هذا أبو حنيفة لأنه كان يقول: قد سمى الشاهدان جميعًا ألفًا وقال الآخر خمسمائة فصارت هذه مفصولة من الألف.
قال: وإذا شهد الرجل على شهادة رجل وشهد آخر على شهادة نفسه في دين أو شراء أو بيع، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز شهادة شاهد على شهادة شاهد ولا يقبل عليه إلا شاهدان. وكذلك بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى
الجزء 1 · صفحة 67
يقول: أقبل شهادة شاهد على شهادة شاهد. وكذلك بلغنا عن شريح وإبراهيم.
قال: وإذا شهد الشهود على دار أنها لفلان مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: إن شهدوا أنهم لا يعلمون له وراثا غير هؤلاء جازت الشهادة. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا تجوز شهادتهم إذا قالوا: لا نعلم له وارثًا غير هؤلاء حتى يثبتوا ذلك فيقولوا: لا وارث له غيرهم، وإذا جاء وارث غيرهم ببينة أدخله معهم في الميراث. ولم تبطل شهادة الأولين في قولهما.
قال: وإذا شهد الشهود على زنا قديم أو سرقة قديمة، فإن أبا حنيفة
الجزء 1 · صفحة 68
رضي الله عنه كان يقول: يدرأ الحد في ذلك، ويقضى بالمال وينظر في المهر لأنه قد وطئ فإذا لم يقم الحد بالوطء فلابد من مهر، وكذلك بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرة ذلك فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم. وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: أقبل شهادتهم وأمضى الحد. فأما السركان فإن أتى به وهو غير سكران فلا حد عليه، وإن كان أخذ وهو سكران فلم يرتفع إلى الوالي حتى ذهب السكر عنه إلا أنه في يدي الشرط أو عامل الوالي فإنه يحد.
قال: وإذا شهد الشهود عند القاضي بشهادة فادعى المشهود عليه أنهم شهدوا بزور وقال: أنا أجرحهم وأقيم البينة أنهم استؤجروا وأنهم قوم فساق، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقبل الجرح على مثل هذا. وبه نأخذ. وكان ابن ابي ليلى يقبله. فأما غير ذلك من محدود في قذف أو شريك أو عبد فهما يقبلان في هذا الجرح جميعًا، وحفظى عن أبي يوسف أنه قال بعد: يقبل الجرح إذا شهد من أعرفه وأثق به
الجزء 1 · صفحة 69
قال: وإذا شهد الوصي للوارث الكبير على الميت بدين أو صدقة في دار أو هبة أو شراء، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يجوز ذلك، وكان ابن ابي ليلى يقول: هو جائز، وبه نأخذ. وإذا شهد الوصى على غير الميت للوارث الكبير بشيء له خاصة فشهادته جائزة في قولهما جميعًا.
قال: وإذا ادعى رجل دينًا على ميت فشهد له شاهدان على حقه وشهد هو وآخر على وصية ودين لرجل عليه، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: شهادتهم جائزة لأن الغريم يضر نفسه بشهادته. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا تجوز شهادته، وإذا شهد أصحاب الوصايا بعضهم لبعض لم تجز، لأنهم شركاء في الوصية الثلث بينهم. وقال أبو يوسف: أصحاب الوصايا والغرماء سواء، لا تجوز شهادة بعضهم لبعض.
قال: وإذا شهد الرجل لامرأته، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز شهادته لا، وكذلك بلغنا عن شريح. وبهذا
الجزء 1 · صفحة 70
نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: شهادته لها جائزة.
قال: وإذا شهد الرجل على شهادة وهو صحيح البصر ثم عمى فذهب بصره. فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز شهادته تلك إذا شهد بها. بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه رد شهادة أعمى شهد عنده. وكان ابن أبي ليلى يقول: شهادته جائزة. وبه نأخذ، إذا كان شيء لا يحتاج أن يقف عليه.
قال: وإذا أقر الرجل بالزنا أربع مرات في مقام واحد عند القاضي، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: هذا عندي بمنزلة مرة واحدة ولا حد عليه في هذا. وبه نأخذ. بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن
الجزء 1 · صفحة 71
ماعز بن مالك رضي الله عنه أتاه فأقر عنده بالزنا فرده، ثم أتاه الثانية فأقر عنده فرده، ثم أتاه الثالثة فأقر عنده فرده، ثم أتاه الرابعة فأقر عنده فسأل قومه هل تنكرون من عقله شيئا؟ قالوا: لا، فأمر به فرجم.
وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقيم الحد إذا أقر أربع مرات في مقام واحد.
قال: وإذا اقر الرجل بالزنا عند غير قاض أربع مرات، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان لا يرى ذلك شيئا ولا يحده. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا قامت عليه الشهود بذلك أحده.
قال: وإذا رجع الرجل عن شهادته بالزنا وقد رجم صاحبه بها، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: يضرب الحد ويغرم ربع الدية، وبه نأخذ، وكان ابن أبي ليلى يقول: أقتله، فإن رجعوا أربعتهم قتلتهم ولا
الجزء 1 · صفحة 72
لغرمهم الدية، فإن رجع ثلاثة في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ضربوا الحد وغرم كل واحد منهم ربع الدية.
قال: وإذا شهد الشهود عند القاضي على عبد وحلوه ووصفوه وهو في بلدة أخرى فكتب القاضي شهادتهم على ذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقبل ذلك ولا أدفع إليه العبد، لأن الحلية قد توافق الحلية وهو ينتفع بالعبد حتى يأتي به إلى القاضي الذي كتب له، أرأيت لو كانت جارية جميلة والرجل غير أمين أكنت أبعث بها معه؟ وكان ابن أبي ليلى يقول: يختم في عنق العبد ويأخذ من الذي جاء بالكتاب كفيلا ثم يبعث به إلى القاضي، فإذا جاءه العبد والكتاب الثاني دعا الشهود، فإن شهدوا أنه عبده أبرأ كفيله وقضى بالعبد أنه له وكتب له بذلك كتابا إلى القاضي الذي أخذ منه الكفيل حتى يبرئ كفيله. وبه نأخذ.
قال: وإذا شهد الرجل من أهل الكوفة شهادة فعدل بمكة وكتب بها قاضي مكة إلى قاضي مصر في مصر غير مصره بالشهادة وزكى هناك وكتب بذلك إلى قاضي الكوفة فشهد قوم من أهل الكوفة أن هذا الشاهد فاسق، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: شهادتهم لا تقبل عليه أنه فساق. وبه نأخذ وكان ابن أبي ليلى رحمه الله يقول: نرد شهادته ويقبل قولهم.
الجزء 1 · صفحة 73
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا ينبغي للقاضي أن يفعل ذلك، لأنه قد غاب عن الكوفة سنين فلا يدري ما أحدث ولعله قد تاب.
قال: وإذا شهد الشاهدان من اليهود على رجل من النصارى وشهد شاهدان من النصارى على رجل من اليهود، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ذلك جائز، لأن الكفر كله ملة واحدة. وبه نأخذ. وكان
الجزء 1 · صفحة 74
ابن أبي ليلى لا يجيز ذلك ويقول: لأنهما ملتان مختلفتان. وكان أبو حنيفة يورث اليهودي من النصراني والنصراني من اليهودي ويقول: أهل الكفر بعضهم من بعض وإن اختلفت مللهم. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى لا يورث بعضهم من بعض.
قال: وإذا شهد الشهود عند قاضي الكوفة على عبد وحلوه ووصفوه أنه لرجل، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه قال: لا أكتب له. وقال ابن أبي ليلى: أكتب له شهادتهم إلى قاضي البلد الذي فيه العبد، فيجمع القاضي الذي العبد في بلده بين الذي جاء بالكتاب وبين الذي عنده العبد، فإن كان للذي عنده العبد حجة وإلا بعث بالعبد مع الرجل الذي جاء بالكتاب مختوما في عنقه وأخذ منه كفيلا بقيمته ويكتب إلى القاضي بجواب كتابه بذلك، فيجمع قاضي الكوفة بين البينة وبين العبد حتى يشهدوا عليه بعينه ثم يرده مع الذي جاء به إلى قاضي البلد الذي كان فيه العبد حتى يجمع بينه وبين خصمه ثم يمضي عليه القضاء ويبرأ كفيله. وبه نأخذ. قال أبو يوسف: ما لم تجيء تهمة أو أمر يستريبه من العلام.
الجزء 1 · صفحة 75
وإذا سافر الرجل المسلم فحضره الموت فأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز شهادتهما، وبه نأخذ لقول الله عز وجل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}. وكان ابن أبي ليلى يقول: ذلك جائز.
وكان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرى على شاهد الزور تعزيرًا غير أنه يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى مسجد قومه إن كان من العرب فيقول: القاضي يقرئكم السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس. وذكر ذلك أبو حنيفة عن
الجزء 1 · صفحة 76
القاسم عن شريح وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه التعزير ولا يبعث به ويضربه خمسة وسبعين سوطا. قال أبو يوسف: أعزره ولا أبلغ به أربعين سوطا، ويطاف به. وقال أبو يوسف: بعد ذلك: أبلغ به خمسة وسبعين سوطًا.
الجزء 1 · صفحة 77
قال: وإذا اختلف الشاهدان في الموطن الذي شهدا فيه فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا نعزرهما، ويقول: لأني لا أدري أيهما الصادق من الكاذب إذا كانا شهدا على فعل؟ فإن كانا شهدا على إقرار فإنه كان يقول: لا أدري لعلهما صادقان جميعًا وإن اختلفا في الإقرار. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يرد الشاهدين وربما ضربهما وعاقبهما. وكذلك لو خالف المدعى الشاهدين في قول أبي حنيفة رضي الله عنه فشهدا بأكثر مما ادعى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا نضربهما ونتهم المدعى عليهما. وكان ابن ابي ليلى ربما عزرهما وضربما وربما لم يفعل.
قال: وإذا لم يطعن الخصم في الشهد، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يسأل القاضي عن الشاهد. وكان ابن أبي ليلى يقول: يسأل عنه.
الجزء 1 · صفحة 78
وبهذا نأخذ. وكان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض.
باب في الأيمان
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا ادعى الرجل على الرجل دعوى وجاء بالبينة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا نرى عليه يمينا مع شهوده. ومن حجته في ذلك أنه قال: بلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعى)) فلا نجعل على المدعى ما لم يجعل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا تحول اليمين عن
الجزء 1 · صفحة 79
الموضع الذي وضعها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وبه نأخذ.
وكان ابن أبي ليلى يقول: على المدعى اليمين مع شهوده، وإذا لم يكن له شهود لم يستحلفه وجعل اليمين على المدعى عليه، فإن قال المدعى عليه: أنا أرد اليمين عليه فإنه لا يرد اليمين عليه إلا أن يتهمه فيرد اليمين عليه إذا كان كذلك، وهذا في الدين.
قال: وإذا ورث الرجل ميراثا دارًا أو أرضًا أو غير ذلك فادعى رجل فيها دعوى ولم تكن له بينة فأراد أن يستحلف الذي ذلك في يديه، فإن أبا حنيف رضي الله عنه كان يقول: اليمين على علمه أنه لا يعلم لهذا فيه حقا، وكذلك كان ابن أبي ليلى يقول أيضًا. وإنما جعل أبو حنيفة رضي الله عنه على هذا اليمين على علمه، لأن الميراث لزمه، إن شاء وإن أبى، والبيع
الجزء 1 · صفحة 80
لا يلزمه إلا بقبول، وإذا كان الشيء لا يلزمه إلا بفعله وقبول منه مثل البيع والهبة والصدقة، فاليمين في ذلك ألبتة. والميراث لو قال: لا أقبله كان قوله ذلك باطلا وكان الميراث له لازما فلذلك كانت اليمين على علمه في الميراث. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: اليمين عليه على علمه في جميع ما ذكرت لك من بيع وغير ذلك.
قال: وإذا استحلف المدعى المدعى عليه على دعواه فحلفه القاضي على ذلك ثم أتى بالبينة بعد ذلك على تلك الدعوى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقبل منه ذلك، لأنه بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشريح
الجزء 1 · صفحة 81
أنهما كانا يقولان: اليمين الفاجرة أحق أن ترد من البينة العادلة، وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا أقبل منه البينة بعد اليمين وبعد فصل القضاء.
باب الوصايا
قال أبو يوسف: وإذا أوصى الرجل بسكنى دار أو بخدمة عبد أو بغلة بستان أو أرض، وذلك ثلثه أو أقل، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: ذلك جائز. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا يجوز ذلك، والوقت في ذلك وغير الوقت في قول ابن أبي ليلى سواء.
الجزء 1 · صفحة 82
قال: وإذا أوصى الرجل للرجل بأكثر من ثلثه فأجاز ذلك الورثة في حياته وهم كبار ثم ردوا ذلك بعد موته، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز عليهم تلك الوصية، ولهم أن يردوها، لأنهم أجازوا وهم لا يملكون الإجازة ولا يملكون المال. وكذلك بلغنا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وشريح. وبهذا نأخذ. وكان ابن أبي ليلى
الجزء 1 · صفحة 83
يقول: إجازتهم جائزة عليهم لا يستطيعون أن يرجعوا إلى شيء منها. ولو أجازوها بعد موته ثم أرادوا أن يرجعوا فيها قبل أن تنفذ الوصية لم يكن ذلك لهم وكانت إجازتهم جائزة في هذا الموضع في قولهما جميعًا.
قال: وإذا أوصى رجل بثلث ماله لرجل وبماله كله لآخر فرد ذلك الورثة كله إلى الثلث، فإن أبا حنيفة رضى الله عنه كان يقول: الثلث بينهما نصفان لا يضرب صاحب الجميع بحصة الورثة من المال. وكان ابن أبي ليلى يقول: الثلث بينهما على أربعة أسهم يضرب صاحب المال بثلاثة أسهم ويضرب صاحب الثلث بسهم واحد. وبه نأخذ.
باب المواريث
قال أبو يوسف رضي الله عنه: وإذا مات الرجل وترك أخاه لأبيه وأمه وجده، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: المال كله للجد وهو بمنزلة الأب في كل ميراث. وكذلك بلغنا عن أبي بكر الصديق وعن
الجزء 1 · صفحة 84
عبد الله بن عباس وعن عائشة أم المؤمنين وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أنهم كانوا يقولون: الجد بنزلة الأب إذا لم يكن له أب. وكان ابن أبي ليلى يقول في الجد بقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: للأخ النصف وللجد النصف. وكذلك قال زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في هذه المنزلة.
قال: وإذا أقرت الأخت، وهي لأب وأم وقد ورث معها العصبة بأخ لأب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: نعطيه نصف ما في يدها، لأنها أقرت أن المال كله بينهما نصفان فما كان في يدها منه فهو بينهما نصفان.
الجزء 1 · صفحة 85
وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يقول: لا نعطيه مما في يدها شيئًا لأنها أقرت بما في يدي العصبة، وهو سواء في الورثة كلهم ما قالا جميعًا.
قال: وإذا مات الرجل وترك امرأة وولدها ولم يقر بحبل امرأته ثم جاءت بولد بعد موته وجاءت بامرأة تشهد على الولادة، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقبل هذا ولا أثبت نسبه ولا أورثه بشهادة امرأة. وكان ابن أبي ليلى يقول: أثبت نسبه وأورثه بشهادتها وحدها. وبه نأخذ.
قال: وإذا كان للرجل عبدان ولدا في ملكه كل واحد منهما من أمته فأقر في صحته أن أحدهما ابنه ثم مات ولم يبين ذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يثبت نسب واحد منهما ويعتق من كل واحد منهما نصفه ويسعى في نصف قيمته، وكذلك أمهاتهما. وبه نأخذ. وكان
الجزء 1 · صفحة 86
ابن أبي ليلى يقول: يثبت نسب أحدهما ويرثان ميراث ابن ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته، وكذلك أمهاتهما.
قال: وإذا كانت الدار في يدى رجل فأقام ابن عم له البينة أنها دار جدهما والذي هي في يديه منكر لذلك، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا أقضى بشهادتهم حتى يشهدوا أن الجد تركها ميراثا لأبيه ولأبي صاحبه لا يعلمون له وارثا غيرهما ثم توفي أبو هذا وترك نصيبه منها ميراثا لهذا لا يعلمون له وارثا غيره. وكان ابن ابي ليلى يقول: أرتضى له بشهادتهم وأسكنه في الدار مع الذي هي في يديه ولا يقتسمان حتى تقوم البينة على المواريث، كما وصفت لك في قول أبي حنيفة. ولا يقولان: لا نعلم في قول ابن أبي ليلى لكن يقولان لا وارث له غيرهما في قول ابن ابي ليلى. وقال أبو يوسف: أسكنه ولا يقتسمان.
قال: وإذا توفي الرجل وترك امرأته وترك في بيته متاعا، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يحدث عن خماد عن إبراهيم أنه قال: ما كان للرجال
الجزء 1 · صفحة 87
من المناع فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان للرجال والنساء فهو للباقي منهما، للمرأة كانت أو الرجل، وكذلك الزوج إذا طلق والباقي الزوج في الطلاق، وبه كان يأخذ أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله عنهما. ثم قال بعد ذلك: لا يكون للمرأة إلا ما يجهز به مثلها في ذلك كله، لأنه يكون رجل تاجر عنده متاع النساء من تجارته أو صانع، أو تكون رهونا عند رجل. وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا مات الرجل أو طلق، فمتاع البيت كله متاع الرجل إلا الدرع والخمار وشبهه إلا أن تقوم لأحدهما بينة على دعواه. ولو طلقها في دارها كان أمرهما على ما وصفت في قولهما جميعًا.